الولاية التكوينية
س11: ما رأيكم بمقولة مَنْ يقول ما نصُّه: (أنا من الناس الذين لا يَرَوْن الولاية التكوينية؛ لأنّني أتصوّر كلّ القرآن دليل على عدم الولاية التكوينية، لأنّ القرآن يؤكد أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لا يملك من أمره شيئاً إلاّ ما ملكه بشكلٍ طارئ، يعني أنّ الله يريده أن يتصرّف بهذا فيتصرف.. إنّ الأنبياء لا يملكون أن يقدّموا أيَّ شيء فيما يقترحه الناس، لو كان الأنبياء يملكون الولاية التكوينية لكان يمكن أن يستجيبوا لكلِّ اقتراحاتنا ؟
وقال في مكانٍ آخر عن الأنبياء والأئمّة (عليهم السلام): أمّا الولاية على الكون فهي ليست من شأنهم ولا من دورهم، لأنّ الله وحده هو الذي يملك الولاية الخالقية والفعلية على إدارة نظام الكون كلّه، وليس لأحد من خلقه شأن!! لا سيّما إذا عرفنا أن الأنبياء لم يمارسوا الولاية التكوينية في أي موقع من مواقعهم !! حتى في مواجهة التحديات التعجيزية إلاّ في موارد الإذن الإلهيّ الخاصّ بإصدار المعجزة هنا وهناك فما معنى ولاية لا يستعملها صاحبها حتى في دفع الضرر عن نفسه وحماية نفسه من الأخطار..؟
وهل أنّ ذلك يتوافق مع مسلّمات الطائفة المحقّة؟
الشيخ التبريزي: بسمه تعالى، المراد بالولاية التكوينية أنّ نفس الولي بما له من الكمال متصرّفة في أمور التكوين بإذن الله تعالى لا على نحو الاستقلال وهذا هو ظاهر الآية المباركة: (وأُبرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحي المَوتى بإذنِ الله..) [آل عمران:49] وقوله تعالى عن لسان آصف بن برخيا وصي النبي سليمان عليه السلام: (أنا آتيكَ بِهِ قَبْلَ أن يَرتدَّ إليْكَ طَرفُك..) [النمل:40] فإنّ الآيتين نسبت الفعل لنفس النبي والوصي بعد الإذن التكويني من الله تعالى أي القدرة، وأمّا الآيات النافية كقوله تعالى: (قُل لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعَاً ولا ضَرّاً إلاّ ما شاءَ اللهُ…) [الاعراف:188] فالمقصود بها نفي الاستقلال في التصرّف لا نفي الولاية المعطاة من قبل الله تعالى.
كما أنّ الأولياء (عليهم السلام) لا يتصرّفون في التكوينيات استجابةً لكلّ اقتراح يُقترح عليهم وإنّما في خصوص الموارد التي شاءت حكمة الله التصرّف فيها لحفظ مصالح التشريع والتكوين.
وبالجملة فالولاية التكوينية من العقائد الواضحة التي لا مجال للتشكيك فيها عند المتدبِّر في الآيات، والمتتبّع لحالات الأئمة (عليهم السلام) في الأحاديث والأخبار، والله الهادي إلى سواء السبيل.
تعليق السيد فضل الله: إنّ رأينا في الولاية التكوينية- بحسب الدلالة القرآنية- هو أنّ الله يعطي القدرة للأنبياء وللأئمّة من علم الغيب ومن المعاجز والكرامات ما يحتاجونه في نبوّتهم وإمامتهم، ولم يُعطِهم أكثر من ذلك، فإنّ آية عيسى (عليه السلام) تدلّ على أنّ الله أعطاه قدرة إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وإخبارات الغيب للناس بما يدخرونه في بيوتهم، وليس هناك دليل على أنّه أعطاه غير ذلك في تدبير أمور الكون الأخرى، كما أنّها لا تدل على أنه أعطاه الكمال النفسي الذي يتصرف به في أمور الكون بإذن الله ؛ فإن هذا وإن كان أمراً ممكناً من حيث الثبوت، إلاّ أن الكلام في إثبات ذلك يحتاج إلى دليل، وكذا الكلام بالنسبة لمن ذكره الله تعالى بأن عنده علماً من الكتاب، حيث أعطاه الله القدرة بمقدار ما تقتضيه الحاجة في دوره الموكول إليه لا أكثر.
وأما دليلنا على ذلك: فهو في كتاب الله تعالى، في ما قصّه الله علينا من جواب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) على قول المشركين له: {وقالُوا لَن نُّؤمِن لَكَ حَتّى تَفْجّر لَنا من الأرضِ ينبوعاً}[الإسراء:90] إلى آخر الآيات حيث قال (صلى الله عليه وآله وسلم): {هَلْ كنت إلاّ بشراً رَسُولا}[الإسراء: 93]، فهو لم يقل لهم إنّني لا أستجيب لمقترحاتكم، بل كان مفاد قوله إنّكم تطلبون منّي ما لا قدرة لي عليه، لأنّني بشر ليست لي قدرة فوق قدرة البشر من الناحية الطبيعية، كما أنّ ذلك ليس من وظيفتي، لأنّ وظيفتي هي تبليغ رسالة ربّي لا تغيير الكون.
كما أنّ نبي الله إبراهيم (عليه السلام)، لم يعلم بأنّ الملائكة الذي قَدِموا عليه هم ملائكة، بل ظنّهم بشراً، ولذلك فعل كما ذكر الله تعالى: {..جاءَ بِعِجْلٍ حَنيذ}[هود :69] وكذلك رأينا لوطاً (عليه السلام) الذي {سيءَ بِهِم وَضَاقَ بِهِم ذَرْعاً..}[هود 77] وقال لقومه: {قالَ لَو أنَّ لِي بِكُم قُوةً أو إوِي إلى رُكْنٍ شَديد} [هود80] إلى أن أخبره الملائكة بصفتهم، فاطمأن لهم.
وهكذا نجد أنّ الله- سبحانه وتعالى- أرسل النبيّ موسى (عليه السلام) إلى فرعون، وطلب منه أن يُرسل معه هارون (عليه السلام) لأنّه أفصح منه لساناً، ولأنّ لهم عليه ذنباً يخاف أن يقتلوه بسببه. ولما أرسل الله موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون: {قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى * قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 45-46] ناهيك عن قصة موسى (عليه السلام) مع العبد الصالح في كلّ تفاصيلها التي تؤكّد عدم معرفة موسى (عليه السلام) بما سيجري بينه وبين العبد الصالح. فهل بعد ذلك ينسجم ما قدّمه القرآن الكريم مع القول بثبوت إرادة مطلقة منحها الله تعالى للأنبياء والأئمة (عليهم السلام) لممارسة الولاية على الكون؟!
ثم إنّ قوله تعالى في: {قُل لا أملِكُ لِنَفسي نفعاً ولا ضرّاً إلاّ ما شاء الله..}[الأعراف: 188] ظاهرة في نفي الفعلية لا في نفي الاستقلال.
وكذا قوله تعالى: {..وَلو كُنتُ أعلمُ الغَيْبَ لاستكثرتُ من الخَيرِ وما مسَّني السوء..}[الأعراف: 188] الدالّ على أنّ الله لم يعطِ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) القدرة الفعلية التي يستطيع بها أن يستكثر من الخير، وأن يدفع عن نفسه السوء.
وكذا قوله تعالى: {قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ..}[الأنعام:50] حيث إنّها ظاهرة في أنّه (عليه السلام) لا يملك ذلك كلّه، لا سيما بلحاظ قوله (إني ملك).
وأمّا الأخبار الواردة في ذلك فهي ضعيفة سنداً ودلالةً؛ هذا مع ملاحظة أنّ الولاية التكوينية ليست منصباً تشريعيّاً، بل سلطة تنفيذية. والسؤال أنّ الله هو وليّ التكوين وهو الذي يدبّر الأمر تدبيراً فعليّاً، ولا نقصان في فعليّة ولايته ولا في تدبيره، ولا يحتاج إلى أحد في ذلك، أما الملائكة فقد أوكل الله إليهم تنفيذ ما يدبّره، فهم الموظفون عنده وليسوا الأولياء للكون.
ولهذا، فإنّ إطلاق مصطلح الولاية التكوينية على القدرة النبويّة أو الإماميّة إطلاق خاطئ؛ لأنّه لا ولاية في الكون إلاّ لله تعالى.