سماحة آية الله العظمى

السيّد محمّد حسين فضل الله (رضوان الله تعالى عليه)

 

 

الزهراء (ع)

القدوة

 

إعداد

حسين أحمد الخشن

 

دار الملاك

 

 

 

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

 

 

 

 

 

 

 

تقديم

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدِّين، وبعد.. فقد بدأتُ حياتي والسيدة الزهراء (عليها السلام) في عقلي وقلبي وحياتي، لأنّها السيّدة الطاهرة النقيّة التي كانت كلّ حياتها لله ولرسوله ولعليّ وللإسلام كلّه، وللإنسان كلّه في سموّ الروح وشموخ العقل وطهارة الحسّ وقوّة المنطق وصلابة الموقف، كما عاشت عمق المأساة، فكانت دموعها دموع الرسالة على الإنسان الذي أبعدوه عن الخطّ المستقيم، مع كونه القيادة العظيمة المعصومة المجاهدة المنفتحة على العقل كلّه والروح كلّه والإنسان كلّه، من خلال انفتاحها على الله في كلّ رحاب قدسه وآفاق عظمته وحركة دينه، كانت اهتماماتها في حجم الرسالة لا في حجم الذّات، وكانت صرختها في خطّ القضية لا في لوعة الألم.

لقد نظَّمتُ ـــ قبل العشرين من عمري في النجف الأشرف ـــ العراق ـــ قصيدة في وفاة الزهراء (عليها السلام)، وبقيت هناك وتحدّثت عنها في أكثر من محاضرة ومقابلة وحوار وقصيدة، حديث العشق الروحي والمحبّة الفكرية والتقديس القلبي، فلم أترك فضيلة أو منقبة أو موقفاً أو روحانية إلاّ وتحدّثت عنها.. وامتدّ ذلك إلى تحليل كلماتها، ومنها خُطبتها ـــ لأنّي كنتُ أجد أنَّ علينا أن نتعرَّف على الزهراء الروح والقلب والفكر والموقف، لتكون لنا الرائد الذي لا يكذب أهله، والقدوة التي نتابعها ونتبعها في حياتنا الإسلامية للرجال والنّساء معاً.

وقد قام فضيلة العلاّمة الشيخ حسين الخشن حفظه الله بجمع وتنسيق هذه الكلمات وإعداد تلك الأحاديث بأسلوب شيِّق وتدقيق وتحقيق وتوزيع للموضوعات بالمستوى الرفيع، بحيث أصبح هذا الكتاب "الزهراء (عليها السلام) القدوة" يمثّل كلّ فكري في سيّدة نساء العالمين، راجياً له من الله الأجر، وللكتاب المزيد من النفع للقرّاء الذين سوف يجدون في هذه الكلمات إنساناً يتجلّى في فكره عظمة الزهراء وقداستها وعظمتها، بدلاً ممّا يثيره الذين لا تقوى لهم أمام الغوغاء بما هو العكس في ذلك، سائلاً الله لهم الهداية إلى الصراط المستقيم، والله وليّ التوفيق، وهو حسبنا ونِعْمَ الوكيل.

   محمّد حسين فضل الله

           26 م

        1421 هــ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المقدّمة

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد وعلى آل بيته الطيّبين الطاهرين.

(1)

الحديث عن العظماء مهمّة جليلة وخطيرة في الوقت نفسه.

أمّا جلالتها، فلأنّها تهدف إلى تقديم المثل الأعلى والقدوة الصالحة لإنساننا التائه الحيران، سعياً إلى إنقاذه من متاهات الحيرة والضياع، والأخذ بيده إلى شاطئ السلامة وبرّ الأمان.

وأمّا خطورتها، قد يكتنف شخصية العظماء من غموض وضبابيّة فرضتها العوامل التاريخية، وأهمّها أنّ صانعي التاريخ لا يروق لهم في كثير من الأحيان أن تبقى صورة العظماء نقيّة جليّة، فيعمدون إلى تشويهها وإثارة الغبار حولها، ما يحجب عن الأجيال الآتية وضوح الرؤية، وربّما يساهم المحبُّون في تشويه صورة عظيمهم عندما يندفعون إلى تضخيم شخصيّته وإحاطتها بهالة من الخرافات والأساطير.

وبقدر ما يكون الحديث عن شخصية العظماء والأبطال أمراً نافعاً ومفيداً إذا اتّسم المتحدّث بالموضوعية وترك ميوله وأهواءه العصبيّة جانباً، بقدر ما يكون ـــ هذا الحديث ـــ ضارّاً وخطراً إذا فقد المتحدّث تلك الضوابط والأُسُس وخرج عليها.

 

 

(2)

وإنّ تاريخنا الإسلامي لم يكن بدعاً من تاريخ الأُمم والشعوب، فقد لعبت الأهواء والعصبيّات دورها الكبير في تدوينه وكتابته، وألقى الوضّاعون والقصّاصون ما في جعبتهم من خرافات وأساطير، فتلقفها كاتبو التاريخ على أنّها الحقّ والحقيقة، فكانت المحصّلة ما عرف فيما بعد بـــ "الموضوعات في الأخبار والآثار" و"الإسرائيليّات" و"الأخبار الدخيلة".. وتزداد الصورة تعتيماً وتعقيداً إذا تعلَّق الأمر بتاريخ أهل البيت (عليهم السلام)، والسبب في ذلك أنّهم رفضوا الاعتراف بشرعية السلطات المتصدّية لخلافة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وشكَّلوا مع أشياعهم وأتباعهم الخطّ المعارض لتلك السلطات، وتحمَّلوا في هذا السبيل الظلم الكبير والقهر الطويل والأذى المتواصل.

وكان من أكبر الظلم الذي لحق بهم هو العمل على تشويه صورتهم الناصعة البيضاء، لقتلهم معنوياً بعد أن قتل أكثرهم أو كلّهم جسدياً، وكثرت محاولات التعتيم الإعلامي لطمس دورهم الكبير في صيانة العقيدة الإسلامية وحراسة الشريعة المقدّسة من بغي الجاحدين وشبهات الملحدين وشذوذ المغالين.

وكان نصيب سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) من هذا التعتيم كبيراً، وحظّها من ذاك التشويه وافراً.

(3)

ولأنّ الله يأبى إلاّ أنْ يُتِمَّ نوره ولو كَرِهَ المُشرِكون، ولأنّ على كلّ حقّ حقيقة وعلى كلّ صواب نوراً، كان لا بدّ لنور أهل البيت (عليهم السلام)، وهو نور الإسلام، أنْ يشقّ الظلام مهما كان دامساً، ولا بدّ لحقّهم أن يرسل أشعّته إلى كلّ الآفاق مهما كانت نائية وبعيدة، ولم تستطع ولن تستطيع كلّ محاولات التشويه والتعتيم أن تحجب ذاك النور، أو تمنع الفجر من الظهور، وكما قالت عقيلة بني هاشم زينب الكبرى وهي تخاطب يزيد بن معاوية: "فَكِدْ كيدَك واسْعَ سعيَك، وناصِبْ جُهْدَك، فوالله لا تُدْرِك أَمَدَنا ولا تبلغ غايتنا ولا تمحو ذِكْرَنا" لماذا؟

لأنّ ذكر أهل البيت (عليهم السلام) هو ذكر الإسلام وأمرهم أمر الإسلام، وقد وعَدَ الله أنْ يظهره على الدّين كلِّه ولو كَرِهَ المُشْرِكون، هذه هي سُنّة الله ومشيئته ولن تجد لسُنّة الله تحويلاً ولا لمشيئته تبديلاً.

(4)

ولأنّ الله أراد لسُنّته أنْ تتحرّك بالأسباب الطبيعية وليس بقانون المعجزات وخوارق العادات، فقد قيَّض لدينه رجالاً لا يزال يرعف بهم الزّمان ويتقوّى بهم الإيمان، رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن قول الحقّ والعمل به، تحمَّلوا المشاقّ والأعباء في سبيل نشر الإسلام وبثّ تعاليمه في النفوس، بهدف إحيائها وإنقاذها من الجاهلية الجهلاء والضلالة العمياء، ووقفوا بكلّ صلابة وقوّة لا تأخذهم في الله لومة لائم، بوجه كلّ مَنْ تُسَوِّل له نفسه إطفاء نور الإسلام المُتجسِّد بالقرآن الكريم وسُنّة النبيّ وآله الطاهرين، فحاضَروا وخطَبوا ووعَظوا في مختلف المحافل، وألَّفوا الكتب والرسائل التي لا تحصى كثرة، دفاعاً عن الحقّ وأهله، وذوداً عن الدِّين وحماته.

(5)

وهذا الكتاب الذي نقدِّمه إليك أيها القارئ الكريم، يحوي أفكار واحد من أولئك الرجال الذين أعدَّهم الله لنصرة دينه وادّخرهم للذود عنه.. عنيتُ به سماحة سيّدنا الأستاذ العلاّمة الفقيه آية الله العظمى السيّد محمّد حسين فضل الله (أطال الله في عمره الشريف).

وأهمية الكتاب أنّه يقدِّم المثل الأعلى والقدوة الصالحة لإنسان عصرنا التائه الحيران، لاسيّما المرأة التي لا يزال يُفرَض عليها أن تفكِّر وتتحرَّك كأُنثى لا كإنسان، ويتعامل معها على أنّها عنصر إغراء لا عنصر إبداع، والتي بدل أنْ تنطلق لتأخذ حرّيتها بنفسها وتشارك الرجل في صنع الحياة، انتظرت أن يمنحها الرجل هذه الحرّية، وإذا به يعطيها تحرُّراً من كلّ القِيَم والأخلاق، وبذلك بقيت تعيش على هامش الرجل، الذي حوَّلها إلى سلعة تجارية واستغلّ جسدها للإعلان والدعاية.

وانسجاماً مع هذا الهدف ـــ وهو تقديم النموذج والقدوة لإنسان العصر ـــ فإنّ الكتاب لا يستغرق في التفاصيل التي تقلّ فائدتها، وإنّما يركِّز على الدروس العمليّة التي يعمّ نفعها، والعِبَر والمواعظ التي يجب تعلّمها من سيّدة نساء العالمين، ولهذا ترى إسهاباً في الحديث عن خصالها وأخلاقها ومواعظها وخطبها وجهادها وصبرها في كلّ المعاناة ومواجهتها لكلّ التحدّيات.

إنّه يقدّم الزهراء إنسانة رسالية، لا تتحرّك إلاّ في طريق الحقّ ولا يزعجها إلاّ الباطل، والإسلام أكبر همّها ومبلغ علمها، بكاؤها للرسالة لا للذّات، وفرحها فرح الرسالة لا فرح العبث واللّهو، وغضبها غضب للحقّ لا للقرابة والنسب، وكلّ خطواتها تسير في خطّ الرسالة وعلى هدي الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وبهذا سادَتْ نساء العالمين، وتفوَّقت على نساء المؤمنين.

(6)

ونحبّ أنْ نلفت نظر القارئ الكريم، إلى أنّ الكتاب بالأساس مجموعة من المحاضرات والخطب ألقاها سماحة السيّد في مناسبات عديدة على أكثر من منبر، وتاريخ بعضها يعود إلى أكثر من ثلاثة عقود، وكان دورنا وجهدنا الذي بذلناه، هو تهذيب هذه المحاضرات والخطب وترتيبها وحذف المكرّر منها، فكان هذا الكتاب، الذي إنْ كان لا يزال فيه شيء من الهفوات في سبكه وترتيبه، فإنَّ مردَّ ذلك إلى طبيعة عملنا فيه، وهو تحويل المحاضرات إلى كتاب مع وجود فارق كبير بين أسلوب المحاضرة ولغتها، وأسلوب الكتاب ولغته.

ورجاؤنا من القارئ الكريم أن لا يبخل علينا بملاحظاته التي تُغني الكتاب وتثريه وتصوّبه.

(7)

وحرصاً منّا على توثيق الكتاب، نذكر قائمة بالمصادر التي اعتمدنا عليها في إعداده وتنسيقه:

1 ـــ محاضرة ألقاها في جمعية أُسرة التآخي بتاريخ 23 جمادى الثانية، 1386 هــ، 9/10/1966.

2 ـــ ولادة الزهراء ويوم المرأة العالمي كلّية الحقوق /1983.

3 ـــ محاضرة في ذكرى ولادة السيّدة الزهراء، 23/12/1991، زقاق البلاط.

4 ـــ محاضرة في ذكرى ولادة السيّدة الزهراء، 28/12/1991، قاعة الشيخ راغب حرب.

5 ـــ ولادة السيّدة الزهراء والسيّد المسيح/ مقابلة مع المنار، 18/12/1991.

6 ـــ ولادة السيدة الزهراء والسيّد المسيح، 5/1/1991، محاضرة في مقر اتّحاد الطلبة.

7 ـــ محاضرة في ذكرى ولادة السيّدة الزهراء، 15/12/1992، زقاق البلاط.

8 ـــ محاضرة في ذكرى ولادة السيّد الزهراء، 16/12/1992، مسجد الإمام الرضا (عليه السلام).

9 ـــ محاضرة في ذكرى ولادة السيّدة الزهراء، 19/12/1992، مبرّة الإمام الخوئي.

10 ـــ محاضرة في ذكرى ولادة السيّدة الزهراء، 20/12/1992، مركز الإمام الخميني الثقافي.

11 ـــ محاضرة في ذكرى ولادة الزهراء، 4/12/1993.

12 ـــ القدوة في حياة المرأة، 6/12/1993.

13 ـــ محاضرة في ذكرى ولادة الزهراء، مركز الهيئات النسائية ـــ حز//ب الله ـــ بئر العبد، 19/2/1993.

13 ـــ محاضرة بتاريخ 16/12/1992.

14 ـــ محاضرة ألقيت في كلية الحقوق بتاريخ 6/12/1993، وكانت بعنوان "الزهراء قدوة الإنسان".

15 ـــ محاضرة ألقيت في المعهد الشرعي الإسلامي في بيروت، الحوزة النسائية، بتاريخ 10 جمادى الثانية، 1414هــ.

16 ـــ محاضرة ألقيت في كليّة الطب في الجامعة اللبنانية بتاريخ 24/11/1994.

17 ـــ محاضرة بعنوان "دور المرأة المسلمة إزاء التحدّيات المعاصرة" ألقيت في بدنايل ـــ البقاع، بتاريخ 9/10/1994، في ذكرى ولادة السيّدة زينب (عليها السلام) يوم الممرّضة العالمي.

18 ـــ محاضرة ألقيت في حسينية الزهراء (عليها السلام) بدمشق ـــ مقام السيّدة زينب (عليها السلام) بمناسبة ولادة الزهراء (عليها السلام) وهي بتاريخ 19/11/1995.

19 ـــ محاضرة بتاريخ 7/10/1995.

20 ـــ محاضرة بتاريخ 28/10/1995.

21 ـــ محاضرة في دمشق بعنوان "كيف نعيش الزهراء (عليها السلام)"، ألقاها بتاريخ 26/10/1996.

22 ـــ خطبة الجمعة في بيروت، بتاريخ 22 جمادى الأولى 1417هــ، 4/10/1996.

23 ـــ محاضرة ألقيت في حوزة المرتضى (عليه السلام) بدمشق بتاريخ 11 جمادى الأولى 1418هــ، الموافق 13/9/1997، بعنوان "نداء الزهراء كونوا للإسلام".

24 ـــ خطبة الجمعة في مسجد الإمامين الحسنين (عليهما السلام) في بيروت بتاريخ 7 جمادى الأولى 1418 هــ، الموافق 19 أيلول 1997م، بعنوان "الزهراء الصابرة على الأذى والمظلومية".

25 ـــ مقابلة مع صحيفة "دار الإسلام" الصادرة في لندن في جمادى الأولى 1418هــ، 1997م، العدد الحادي عشر.

26 ـــ خطبة الجمعة في بيروت بتاريخ 22 جمادى الثانية 1418هــ، الموافق 24 تشرين الأوّل 1997، وهي بعنوان "الزهراء (عليها السلام) النموذج الأكمل للمرأة المسلمة".

27 ـــ محاضرة في حوزة المرتضى (عليه السلام) بدمشق بعنوان "فاطمة الزهراء الرمز الإسلامي المقدّس لدى جميع المسلمين" بتاريخ 17 جمادى الأولى 1419هــ، 5/9/1998، وهذه المحاضرة مع المحاضرات الستّة الآتية بعدها تدور حول شرح خطبة الزهراء (عليها السلام).

28 ـــ محاضرة في دمشق أيضاً وفي حوزة المرتضى (عليه السلام) بتاريخ 21 جمادى الأولى 1419هــ، 12/9/1998، بعنوان "أسرار النبوّة والبعثة والقرآن".

29 ـــ محاضرة في المكان السابق بتاريخ 28 جمادى الأولى 1419هــ، 19/9/1998، بعنوان: "أسرار التشريع الإسلامي ومراميه".

30 ـــ محاضرة في المكان السابق بتاريخ 5 جمادى الآخرة 1419هــ، 26/9/1998.

31 ـــ محاضرة في المكان السابق بعنوان الدفاع عن الحقّ والحقيقة بتاريخ 12 جمادى الآخرة 1419هــ، 3/10/1998.

32 ـــ محاضرة في المكان السابق بعنوان "منهجية قراءة التاريخ وفهمه". ألقيت بتاريخ 19 جمادى الآخرة الموافق 10/10/1998.

33 ـــ محاضرة في المكان نفسه بعنوان "الاحتجاج بالقرآن أوّلاً" بتاريخ 26 جمادى الآخرة 1419 هــ، 17/10/1998.

34 ـــ محاضرة في المكان نفسه بعنوان "عصمة الزهراء" ألقيت في 17 جمادى الأولى، 1420 هــ، 28/8/1999، وطبعت في قم بعنوان الحزن الرسالي.

وهناك عشرات المحاضرات الأخرى لم نستطع تحديد تاريخها، منها:

35 ـــ محاضرة بعنوان: "الزهراء العابدة المسؤولة الزوجة".

36 ـــ محاضرة بعنوان: "كيف نعيش الزهراء (عليها السلام)".

37 ـــ محاضرة بعنوان: "حبّ الزهراء (عليها السلام)".

38 ـــ محاضرة بعنوان: "الزهراء والدفاع عن الحقّ".

39 ـــ محاضرة بعنوان: "الزهراء نموذج المرأة في الإسلام".

40 ـــ محاضرة بعنوان: "القدوة لماذا".

41 ـــ محاضرة بعنوان: "دور المرأة الرسالي في ذكرى السيّدة الزهراء".

42 ـــ ومن المصادر التي اعتمدنا عليها أيضاً كتاب "في رحاب أهل البيت (عليهم السلام)". الطبعة الثانية 1419هــ ـــ 1998م ـــ دار الملاك ــ بيروت.

43 ـــ ومنها ردّ السيّد على الاستفتاءات الموجّهة إلى بعض مراجع قمّ المقدّسة.

(8)

وأخيراً أسأل الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الكتاب موضع رضاه، وأن يزيل به بعض الشبهات والالتباسات التي علقت في بعض الأذهان حول موقف سماحة السيّد في ما يرتبط بشأن السيّدة فاطمة وقدسيتها وعصمتها ومظلوميّتها...

ونسأله تعالى أن ينفعنا به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلاّ مَنْ أتى الله بقلبٍ سليم، وأن يجعل سيدّتنا فاطمة شفيعة لنا يوم العرض الأكبر، إنّه سميعٌ مجيب.

وآخر دعوانا أنِ الحمد لله ربّ العالمين

                                                          18 جمادى الأولى 1412 هــ

                                                                حسين أحمد الخشن

                                                               المركز الإسلامي الثقافي

 

 

 

 

الفصل الأوّل

الزهراء القدوة

 

ـــ نحن والتاريخ

ـــ أهل البيت (عليهم السلام): مثل أعلى وقيمة مستمرة

ـــ لماذا القدوة؟!

ـــ في حركة القدوة لا فرق بين الرجل والمرأة

ـــ الزهراء (عليها السلام) وحاجتنا للقدوة

ـــ استعادة التاريخ والوحدة الإسلامية

ـــ كيف نثير ذكرياتنا التاريخيّة؟؟

 

 

 

 

 

نحن والتاريخ

قد يقول البعض: لماذا هذا الإلحاح على استعادة الذكريات الدينيّة في كلّ مناسبة والتركيز على شخصيات إسلامية معيّنة؟

وربّما يتساءل آخرون: ألاَ يوجد في حياتنا الحاضرة الزاخرة بالأحداث المنطلقة أبداً نحو كلّ جديد، أليس فيها ما يشغل بال الإنسان ويستثير فضوله ويغنينا عن تلمّس الفكرة في أعماق التاريخ؟

لماذا كلّ هذا؟

هل هي قصّة التقاليد التي تفرض علينا التعبير عن مشاعر القداسة وعواطفها في احتفالات تقليدية نمارسها كما نمارس عاداتنا المتكرّرة، من دون أن نحصل على شيء إلاّ ما يحصل عليه الإنسان الذي يعيش في ضباب الأحلام؟

وقد يتساءل بعض ثالث: لماذا نتوقّف مع التاريخ والحياة تركض، والإنسان يصنع في كلّ يوم تاريخاً جديداً، قد يكون تاريخ المأساة وقد يكون تاريخ الفرح، قد يكون تاريخ النصر وقد يكون تاريخ الهزيمة، هل نحن بحاجة إلى أن نرجع إلى الماضي، والحاضر يشغلنا كلّ يوم بكلّ جديد، بكلّ التحدّيات التي تقتحمنا فتهزّ الأرض من تحت أقدامنا؟ هل نحن نعود إلى الماضي لننسى الحاضر؟

ولنا أن نجيب عن هذه التساؤلات الحائرة والمشكّكة:

تاريخنا... جذورنا:

1 ـــ إنّ التاريخ بعناصره المشرقة، ونماذجه الحيّة، وصوره الرائعة يمثّل جذورنا، والجذور يجب المحافظة عليها وتعميقها وتأصيلها على أساس الحقّ والعدل، لأنّ أُمّة بلا جذور هي أُمّة يمكن لأيّة ريح أن تستأصلها بسهولة، هي أُمّة لا تصمد لا في معترك الحضارات وصدامها، ولا في حوارها وتلاقيها.

المثل الأعلى:

2 ـــ إنّ القصّة ليست قصّة تقاليد ثابتة وعادات متأصّلة، وليست قضية تعبير عن شعور مبهم بقداسة التاريخ والماضي، وإنّما قصّتنا نحن، جيل القرن العشرين، الذي افتقد مثله الأعلى، ليشغل نفسه بأبطال الأفلام الإجراميّة والعاطفية، ليقلّدهم ما شاء من التقليد، وليجري وراءهم في كلّ مجال تاركاً وراءه كلّ مثله وقيمه في عبادة هستيريّة صاخبة.

إنّها قصّة هذا الجيل الذي ضاع منه مثله الأعلى، لأنّ طبيعة الحياة المادية التي نعيشها بكلّ ما فيها من قسوة وجحود وحرمان، لم تعد تهيّئ له البطولات الروحية التي تستهدي الروح وتمتلك الوجدان والقلب.

إنّها قصّتنا نحن الذين افتقدنا المثل الأعلى للإنسانيّة الكاملة في واقعنا المعاصر، فرجعنا إلى التاريخ نتلمَّس فيه مثلنا الأعلى الذي تتجسَّد فيه أريحيّة الإنسان، إلى جانب طهر الملائكة، وتتمثّل في حياته الداخلية والخارجية أصدق معاني العقيدة وأسمى مواقف الشخصية وأروع القِيَم الإنسانيّة التي تحتضن كلّ ما في الحياة من إشراق وصفاء.

وهكذا نلتقي بالذكريات التاريخيّة في شعورٍ عميق بالحاجة إلى أنْ نتمثّل ذلك الواقع الذي عاشت شخصيّاتنا الإسلامية في إطاره، ومثَّلته أصدق تمثيل.

ولهذا التقت حاجتنا إلى المثل الأعلى الذي نقتدي به ونسترشد بخطواته ونستنير بأنواره، بالصفوة الصافية من أهل البيت (عليهم السلام)، لتكون حياتهم مثلاً أعلى لنا؛ يرعى واقعنا بالحقّ، ويصونه بالروح، ويشدّ خطاه بالإخلاص.

الحقّ لا يؤرّخ:

3 ـــ إنّ رجوعنا إلى التاريخ ليس معناه أنْ نتجمَّد في التاريخ أو أنْ نعيش الماضي، لأنّه وفي مدى التاريخ توجد محطّات ليس لها ماضٍ وحاضر ومستقبل، لأنّها محطات الحقيقة ومحطات القيمة والحقّ والعدل الذي ليس له عمر محدَّد في الزمن، بل هي الزمن كلّه والحياة كلّها، فالحقّ يعطي الزمن معناه ولا يعطيه الزمن تاريخه، لأنّ الحقّ لا يؤرَّخ.

فإذا سبرنا غور التاريخ، فلأنّ لنا في هذا التاريخ أكثر من قيمة، قيمة ترتفع بالروح فيشعر الإنسان أنّ معه روحاً تحلّق لا يحسّ معها بشيء من دَرَن المادة وشوائبها، ولأنّ لنا في التاريخ خطّاً لا بدّ لنا من أن نسير عليه، ولأنّ لنا في هذا التاريخ الإسلامي رسالة ورسولاً وأئمّة ونماذج حيّة، لنا أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً.

 

 

 

 

 

 

 

 

أهل البيت (عليهم السلام): مثل أعلى

وقيمة مستمرّة

إنّنا عندما نقدّس أهل البيت ونعظِّم شخصيّاتهم، فلأنّهم باعتقادنا المثل الأعلى للبشرية جمعاء، والقيمة المستمرة التي تمدّ الحياة كلّها بالحياة والروح، وتملأها بكلّ المعاني السامية والأخلاق الرفيعة.

فهم في حياتهم كلّها لا ينطلقون من صلتهم بالرسول الأعظم وحسب، وإنْ كانت هذه الصلة تمثِّل الشرف الرفيع في مقياس النسب وطبيعة الوراثة، وإنّما ينطلقون من واقعهم الأصيل الذي تتمثّل فيه كلّ معاني الرسالة وكلّ ملامح الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).

وهم لا يريدون لنا أن نقنع بحبّهم وولايتهم عن العمل بسيرتهم والأخذ بتعاليمهم، بل يريدون لنا أنْ نعمل لنحقِّق بعملنا أهداف الإسلام الكبرى وغاياته المثلى.

من هنا كان الإلحاح على استعادة ذكرياتهم يمثِّل الإلحاح الواعي على استعادة القِيَم التي يمثّلونها، والمعاني الحيّة التي يحملونها، والطهارة الصافية الخالية من كلّ دَنَس يشوِّه وجه الإنسانية ويلوِّث ضميرها، كما أراد الله لهم أن يكونوا، وكانوا كما أراد {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب : 33].

ولهذا فقصّتنا معهم ليست قصّة نبضة قلب وخفقة شعور، ولكنّها قصّة رسالة، قصّة أُناس يمثِّلون كلّ الحقيقة وكلّ النقاء والطهارة، ليس في شخصيّاتهم ـــ كما تفيد الآية ـــ أيّة شائبة فكر، وشائبة الفكر هي الباطل، وليست في شخصياتهم أيّة شائبة حركة، وشائبة الحركة هي الظلم، وليست في شخصيّاتهم أيّة شائبة انحراف، وشائبة الانحراف تعني الكفر والضلال والفسق والتمرُّد على الله.. إنّهم يعيشون الفكر الطاهر فلا يقترب الخطأ والباطل إلى فكرهم، لأنّ الباطل قذارة، والخطأ فيه شيء من القذارة، ويعيشون طهارة الروح، فهم يحلِّقون مع الله، يعرفونه حقّ المعرفة "لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً"(1). يحبُّون الله حبّاً يجعلهم يحسُّون باللّوعة عندما يتصوَّرون ألم فراقه: "فهبني يا إلهي وسيِّدي ومولاي وربّي صبرتُ على عذابِك فكيف أصبر على فراقِك، وهبني يا إلهي صبرتُ على حرِّ نارِك فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك"(2).

هكذا يدعو عليّ (عليه السلام) الذي كان يعيش حبّ الله سبحانه، حتّى أنَّه لا يرى في النّار مشكلة إلاّ من خلال أنّها تمثِّل لمن يدخلها فراق الله، وكانت كلّ حياته تتمحور في كلمة وحول كلمة واحدة هي "الله"، وعندما أحبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) منذ طفولته صياغة جعلته نفسه في الروح ونفسه في الحركة ونفسه في السلوك، كما شهد الله بذلك في كتابه العزيز: {تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ} [آل عمران : 61]، وعلّمه ممّا علَّمه الله: "علَّمني رسول الله ألفَ باب من العلم يفتح لي من كلِّ باب ألف باب"(3)، وقد باع عليّ نفسه لله حتّى نزل فيه قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ} [البقرة : 207].

وهكذا كانت سيرة الصّفوة الطاهرة من أهل البيت (عليهم السلام)، يعيشون مع الله ولله وفي سبيل الله. وهذا ما جعلهم ينطلقون بعيداً عن ذواتهم، ليعيشوا الرسالة كلّها في فكرهم.. في إحساسهم.. في حركتهم.. في أحلامهم.. حتّى كان كلّ واحدٍ منهم قرآناً يتحرّك في الحياة. ولهذا فإنّنا عندما نرجع إلى تاريخهم، فلأنّنا نريد أن يزورونا في حاضرنا، لا أنّنا نريد أن نرجع إلى الماضي لنزورهم فيه، لأنّهم لا يمثِّلون ماضياً. كان وجودهم في الماضي ولكنَّ معناهم هو سرّ الحياة، فنحن بحاجة إلى أن يزورونا، أن تزورنا كلماتهم.. ووصاياهم.. ومواقفهم، من أجل أن نتحرّك في خطِّهم ونسير على خطاهم، وبذلك نكون من المحبّين والموالين لهم حقّاً وصدقاً.

الفرق بين الحبّ والولاء:

إنَّ حبَّ الكبار وحبَّ الرساليين ليس عاطفةً، ولكنّه موقف، وهذا هو الفرق بين أن تكون المُحبّ وبين أن تكون المُوالي؛ فالولاء موقف والحبّ عاطفة، ومن الطبيعي أنّ الموقف لا بدّ أن يعيش العاطفة ويتحرّك بها، ولكنّه يتجاوزها ليكون انفتاحاً على الرسالة كلّها من خلال الانفتاح على الذين يحملون الرسالة ويمثِّلون الشرعية.

نعم، إنّ قيمة ما يقوله أهل البيت (عليهم السلام) وقيمة ما يفعلونه أنّه يمثّل الشرعية كلّها، فإنّ الإنسان عندما يأخذ كلاماً أو يقتدي بسيرة تخطئ وتصيب، فإنّه يظلّ حائراً في شرعية ما رآه أو سمعه، ولكنّه عندما يعتمد على نماذج معصومة طهَّرها الله من الرجس وأذهبه عنها، فليس للباطل مكان في ما تفكِّر فيه، وليس للظلم مكان في ما تتحرّك به، عند ذاك يكون قد أخذ الحقيقة من الينبوع الصافي الذي لا يعكِّر صفوه شيء، وقد قالها الإمام الصادق (عليه السلام): "حديثي..." كلّ حديثه في ما أعطى من مفاهيم وفي ما حرَّك من خطوط وناقش من أفكار وأفتى من فقهٍ "حديثي حديث أبي، وحديث أبي حديث جدّي، وحديث جدّي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين، وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله، وحديث رسول الله قول الله عزّ وجلَّ"(1).

ووالِ أُناساً قولهم وحديثهم          روى جدّنا عن جبرائيل عن الباري 

 

 

 

لماذا القدوة؟!

بعد أنْ عرفنا أنّ حاجتنا لأهل البيت (عليهم السلام) هي حاجتنا إلى القدوة والمثل الأعلى، يبقى علينا أن نعرف سرّ الحاجة إلى القدوة، فلربّ إنسان يتساءل: لماذا القدوة في حركة الإنسان في الحياة؟

لمَ لا تكفي الفكرة التي تدخل في وعي الإنسان لتقوده نحو الحركة؟ لِمَ يبحث الناس في كلّ حركة الإنسان في الحياة عن النموذج الكامل أو الأكمل للفكرة؟

وفي مقام الإجابة عن هذا التساؤل نقول:

إنّ حيوية الفكر وفاعليّته لا يمكن أن تتكرَّس إلاّ من خلال التجربة الإنسانية، لأنّ الإنسان في كثيرٍ من الحالات، إذا أراد أن يعالج المسألة بطريقة فكرية عقلية تحليليّة بعيداً عن التجربة والواقع، فإنّه قد يغرق في متاهات الجدل الذي يمكن أن يُصوِّر الفكرة بأكثر من صورة ويعطيها أكثر من لون، من دون أن ينزل إلى عمق الفكرة أو يتفاعل مع حيويّتها، ولكنّ التجربة الحيّة تعطيك الواقع الذي أبدعته وتقدّم لكَ الفكرة متجسّدةً في حياة الإنسان، ولذا فإنّك لا تحتاج وأنتَ تؤصّل الفكرة في الوعي، إلاّ أنْ تقدِّمها وهي تعيش واقعاً حركياً متحرِّكاً في الأرض من خلال الإنسان.

ونحن نعرف أنّ التجربة هي إحدى المنهجين في عمليّة المعرفة، فإذا كان العقل التأمّلي يمثّل نافذة على المعرفة، فإنّ التجربة تمثّل نافذة واسعة عليها، وربّما لا يستطيع العقل أن يبدع الحقيقة إلاّ في تفاعله مع التجربة، كما أنّ التجربة لا تستطيع أن تحقّق امتداداً للفكرة إلاّ من خلال العقل. ومن هنا، فإنّنا نعتقد أنّ المعرفة لا تتحرّك في منهجين منفصلين، لأنّ هناك تمازجاً بين المنهجين العقلي والتجريبي.

إنّ المسألة هي أنّ الفكرة قد تبقى خيالاً لا يرى الناس فيها أي واقعية، وقد تنطلق لتوحي للناس في حالات من التساؤل والشكّ أنّها لا تملك كلّ عناصر التطبيق في حركة الواقع الإنساني إذا كانت تملك بعض العناصر. لذلك كان الإنسان في كلّ تساؤلاته عن واقعية الفكرة وعن حركيّتها يبحث عن تجسيدها في الواقع وعن أنْسَنتها في الإنسان، لأنّ الفكرة تبقى شيئاً في العقل، فإذا تحرّكت في الواقع صارت إنساناً يتحرّك.

والذين يمثّلون حركيّة الفكرة في الواقع، هم الذين يمنحوننا في حركتنا الفكرية الثقة بالفكرة كشيء يمكن أن يدخل في حركتنا في الحياة كما دخل في عقولنا في الوعي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في حركة القدوة والقيمة

لا فرق بين الرجل والمرأة

هل نستطيع أن نفصل في الحاجة إلى القدوة بين المرأة والرجل؟ وهل تجاوز الرجل مسألة الحاجة إلى القدوة حتّى تقدّم المرأة كإنسان يركض وراء هذه الحاجة؟ وهل نحن في كلّ ما يعيشه إنسانٌ ما، من غنىً في الفكر أو في الحركة أو في كلّ عناصر الشخصية، هل نستطيع أن نفصل بين هذا الإنسان وبين الإنسان الآخر ليكون نموذجاً لفريق دون أن يكون نموذجاً لفرقٍ آخر أيضاً؟

إنّ المرأة عندما تختزن حيوية الفكرة الكبيرة في داخل شخصيّتها، فإنّها لا تنطلق من خلال شخصيتها كامرأة، ولكن من خلال شخصيّتها كإنسان تحمل بعض العناصر التي تميّزها عن الإنسان الآخر الرجل، ولكنّها تشترك معه في القاعدة العامّة التي تنتج الفكر وتنتج الحركة.

إنّ المرأة النموذج هي الإنسان النموذج الذي يمثّل قدوةً للرجل والمرأة على السواء، والرجل النموذج هو الإنسان النموذج الذي يمثّل القدوة للمرأة والرجل على السّواء.

إنّنا نجد أنّ المسألة التي تفرض نفسها علينا في كلّ واقعنا الفكري الذي يبحث عن أرض ينغرس فيها، أو عن إنسان يتجسّد فيه، أو عن أُفق ينطلق معه، هي أنّ الرجل والمرأة سواء في الحاجة إلى ذلك.

وانطلاقاً ممّا تقدَّم، نلاحظ أنّ القرآن الكريم الذي رسم الخطوط الإسلامية العامّة عندما تحدّث عن المسؤوليات العامّة، لم يتحدّث عن رجل فقط، وإنّما تحدّث عن رجل وامرأة، عن المؤمن والمؤمنة: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب : 36].

فالمؤمن إلى جانب المؤمنة يتحرّكان في مسؤوليّتهما أمام الله لتنفيذ تعاليمه ووصاياه ووصايا نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وأوامره ونواهيه.. وهكذا عندما تحدّث عن جهد الخير في الرجل وجهد الخير في المرأة فإنّه خاطبهما معاً: {أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} [آل عمران : 195].

فالعمل لا يتميَّز فيه الرجل عن المرأة، بل ربّما كان عمل المرأة أغنى وأسمى وأعمق وأكثر امتداداً في الحياة، من المستوى الذي عند بعض نماذج الرجال.

ولو تجاوزنا المسؤوليات والخطوط العامّة إلى التفاصيل، لوجدنا أنّ القرآن لا يفرّق بين الرجل والمرأة في كلّ التفاصيل الإسلامية التي تتمحور حول عناوين الخير والعمل الصالح وعناوين الفضائل، فنحن نقرأ مثلاً في سورة الأحزاب عن النتائج الأخرويّة الإيجابية لدى الرجل والمرأة: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب : 35].

إذاً ليس هناك فرق في حركة القيمة؛ قيمة العقيدة وقيمة العمل الصالح وقيمة الموقع والموقف بين رجل وامرأة، لأنّ إنسانيّتهما معاً هي التي تستطيع أن تغني الحياة بالإسلام والإيمان والصدق والقنوت والصبر والصيام وذكر الله والعفّة وما إلى ذلك من المعاني والفضائل السامية.

المرأة قدوة للرجل والمرأة معاً:

وقد لاحظنا أيضاً أنّ القرآن الكريم جعل المرأة في واقعها السلبي وفي واقعها الإيجابي، مثلاً للرجال والنساء معاً، لم يجعل المرأة مثلاً للمرأة ليجعل الرجل مثلاً للرجل، لأنّهما لا يفترقان في عناصر الإنسانية العميقة التي تعيش في كلّ حركيّتهما في الحياة.

ففي الجانب السلبي الذي يريدنا الله الابتعاد عنه، يضرب لنا القرآن المثل الآتي: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم : 10].

فالإنسان عندما يتحرّك في خطّ الانحراف والخيانة ـــ خيانة الرسالة وخيانة المسؤولية ـــ فسوف يجازى بعمله ولا يجزى عنه غيره، لأنّ المسؤولية في الإسلام فردية، والله لا يحابي إنساناً يعيش الكفر لمصلحة إنسان يمثّل الإيمان، ولذلك جعل امرأتي نوح ولوط (عليهما السلام) مثلين للرجل والمرأة معاً، ليعلِّمنا أنّ على الإنسان أن لا يعتمد على علاقته النسبية أو السببيّة ببعض الكبار، فيفكِّر بأنّ الله سبحانه يغفر له ذنوبه أو يعفيه من المسؤولية التي جعلها للكافرين، لحساب هذا الإنسان الكبير أو ذاك الإنسان العظيم، لأنّ الله أعدَّ الجنّة لمن أطاعه {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ} [الرعد : 23]. فالزوج الصالح ينطلق مع الزوجة الصالحة إلى نعيم الله، أمّا الزوجة الكافرة عند الزوج المؤمن {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} [التحريم : 10].

وفي الجانب الإيجابي الذي يريدنا الله الاقتراب منه، يضرب لنا المثل الآتي: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم : 11].

هذه الإنسانة عاشت في قلب مجتمع الكفر وفي أعلى مواقعه المتمثّلة بادّعاء زوجها الربوبيّة، لكنّها ورغم أنّ أبواب الحياة الرحبة كانت مفتوحة أمامها، ورغم تجمّع كلّ الامتيازات والشهوات لديها، إلاّ أنّها رفضت كلّ ذلك النعيم وانفتحت على عبادة ربّها، فكانت الإنسانة القوية في إيمانها، القوية في موقفها، المتمرّدة على كلّ السلبيات التي تعيش في ساحتها، الرافضة لكلّ الظلم الذي يمارسه زوجها الظالم في موقعه وفي موقفه وفي ممارساته ضدّ الناس المستضعفين.. وعندما كان الناس يحدّقون بزوجها في عظمته، كانت تحدّق بالله في إيمانها، وكانت تتحرّك على أساس أن تطلب من الله أن يعطيها العون على أنْ تتحرَّر من فرعون وعمله، وأن تتحرَّر من كلّ المجتمع الظالم، وأن يرضى الله عنها، لأنّ قصّتها في إيمانها هي أن يرضى الله عنها، ذلك هو وعي إيمانها، وليست المشكلة أن يرضى زوجها أو الظالمون عنها، لأنّ القضية هي أنّها أخلصت لإنسانيّتها في إخلاصها لإيمانها، ولم تشعر أنّ زوجيّتها لهذا الإنسان الذي تألَّه واستكبر تجعلها تعيش دور المنفعلة في كلّ أجوائه، ولكنّها أرادت أن تكون بشخصيّتها القويّة قوّة إيمانها، الإنسان الفاعل في حركته في الحياة.

وبذلك أثبتت أنّ المرأة عندما تعيش الإيمان العميق الذي يتحرّك في عقلها وينبض في قلبها ويعيش في حركتها، لن تكون الإنسانة الهامشية اللاهثة وراء غرائزها وشهواتها، بل تكون الإنسانة المتحرّكة والفاعلة من خلال إرادة تتصلَّب، ومن خلال موقف يثبت، ومن خلال قضية تنطلق.

{رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [التحريم : 11].

إنّ الاستعانة بالله سبحانه وتعالى هي حركة قوّة في الإنسان وليست حركة ضعف، لأنّ الله يريد من الإنسان أن يتحسَّس ضعفه بين يديه، لأنّ ضعفه أمام الله هو حقيقة وجوده، ولكن في الوقت نفسه يريد منه أن ينطلق ليستمدّ منه القوّة والعزّة، لأنّه "القويّ العزيز" ومنه العزّة والقوّة.

وبذلك نعرف أنّ موقف الضعف بين يديّ الله لا يهدم معنى القوّة في الإنسان، ولكنّه يرجعه إلى طبيعته التي لا تملك كلّ عناصر القوّة أمام النظام الكوني وأمام كلّ الأشياء الخارجة عن القدرة، حتّى إذا تحرّكت عناصر ضعفه تشدّه إلى الأسفل، انفتح على الله ليعطيه القوّة الروحية ليرتفع بها إلى الأعلى.

إذاً فالله سبحانه ضرب امرأة فرعون (آسية) مثلاً للرجال والنساء معاً، لينطلقوا في الحياة في الخطّ الذي سارت عليه، فإذا طلبت الدّنيا منهم أن يخضعوا للظلم على حساب إيمانهم وإسلامهم، أو زيّنت لهم بعض المظاهر والامتيازات الكبرى، فإنّ عليهم أن يستحضروا هذا المثل الإنساني الحيّ الذي يمثّل قمّةً في الالتزام وقمّةً في الرسالية والروحية، وهي امرأة فرعون التي رفضت الدُّنيا بكلّ زخارفها وتوسّلت إلى الله أن ينجّيها منه كما لو كانت مأزقاً تعيش فيه كما لو كانت مشكلة صعبة تواجهها، وكما لو كان هناك سقوط في حياتها تريد أن ترتفع منه.

هذه هي المرأة التي يضربها الله مثلاً للذين آمنوا.. ويضرب لنا مثالاً آخر للعفّة والطهر والنقاء، وهو مريم (عليها السلام) {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم : 12].

مريم الإنسانة التي امتلأت روحها بكلمة الله قبل أن تأتيها كلمة الله، وامتلأ عقلها بحبّ الله وبكتاب الله قبل أن ينزل الكتاب على ابنها، والتي رعاها الله وأنبتها نباتاً حسناً وكفلها زكريا وكانت تعيش مع ربّها في المحراب {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران : 37].

وهكذا عاشت مريم وصدَّقت بكلمات ربّها، وامتلأ بها عقلها وقلبها وروحها وكلّ حياتها، وكانت من القانتين الخاشعين لله المبتهلين له المستحضرين له في كلّ مجالات الحياة.

إنّ تجربة مريم بنت عمران (عليها السلام) هي تجربة حيّة عاشتها هذه الإنسانة التي جعلها الله مظهراً لقدرته، فحملت بدون زوج، وولدت طفلاً لا أب له، ولم تعرف البشرية في كلّ تاريخها مثيلاً لهذه التجربة الحيّة التي تحدَّت كلّ ضعف مريم، ضعف الإنسان في عناصر إنسانيّتها، وضعف الأنثى في عناصر أنوثتها، ولذلك قالت: {يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} [مريم : 23].

ولكن عندما انطلقت كلّ ألطاف الله عليها، وعندما تلقَّت التعليمات الإلهية، استنفرت إيمانها، وسلَّمت لأمر الله بكلّ اطمئنان المؤمن وصبره، ولمّا قيل لها: {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} [مريم : 26]، وقفت لتعبّر عن موقفها بالصمت {فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً*يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً*فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً} [مريم: 27 ـــ 29]، دون أن تهتزّ ودون أن تسقط ودون أن تضعف، أشارت إليه بكلّ عظمة الرافض لكلّ هذه الكلمات الجارحة، مطمئنّة بأنّ كلّ كلماتهم اللامسؤولة ستتساقط أمام قوّة إرادتها وصلابة إيمانها.

إنّها مثلٌ للرجال والنّساء على السّواء، لكلّ الذين ينطلقون من خلال إيمانهم لينفتحوا على الله وعلى كلّ ألطافه ورسالته، وليتحرّكوا في الحياة عندما يستمدّون القوّة من الله ليواجهوا صعاب الحياة بكلّ قوّة.

إنّه المثل الحيّ من خلال مريم لكلّ إنسان يملك البراءة ممّا يتّهمه به الناس، ويملك الموقف الطاهر الأبيض ممّا يحاط به من تهاويل، أن يقف في قوّة براءته وفي قوّة طهارته ليواجه الموقف المضادّ بكلّ ثقة واطمئنان.

 

 

 

 

 

 

 

الزهراء (عليها السلام) وحاجتنا للقدوة

وبعد هذا الحديث عن حاجة الإنسان للقدوة، وأنّ القدوة يمكن أن تكون أُنثى كما يمكن أن تكون ذكراً، نطلّ على حياة سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) التي هي من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً، ونلتقي بها في مرحلة يضجّ العالم فيها بقضية المرأة ليتساءل: ما هو دور المرأة في الحياة؟ هل هي إنسان من الدرجة الثانية؟ أو هي إنسان تماماً كما هو الرجل إنسان؟ هل لها الحقّ في أن تخوض الصراع الاجتماعي والصراع السياسي؟ وأن تدخل في معركة الحياة لتتحدّى أو لتواجه التحدّي؟ أو أنّها معزولة عن أي نشاط اجتماعي أو سياسي، لأنّ البيت هو مملكتها وليس لها أن تخرج من هذه المملكة؟ ما هو حقّها في العمل؟ هل أنّ أجرها أقلّ من أجر الرجل عندما تعمل أو لا فرق بين عملها وعمله؟ ما الموقف من مسألة العنف الذي يمارسه الرجل ضدّ المرأة؟ سواء العنف في البيت الأبوي الذي يضطهد المرأة فيلغي لها إرادتها وشخصيّتها، أو العنف في البيت الزوجي الذي يتحوّل فيه الزوج إلى سيّد للمرأة لا تملك معه أي خيار في أن تريد أو لا تريد؟

هذه أمور بدأت تهزّ العالم، وقد لا يكفي أن نرجم كلّ هؤلاء بأحجارنا؛ أحجار الكلمات الشاتمة أو المكفّرة أو المزندقة، لأنّ ذلك لن يحلّ المشكلة، بل أخشى أن نكون كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال فلا ترى الصيّاد بينما الصيّاد يراها جيّداً ويصوِّب إليها بندقيّته. علينا أن نتعرَّف على كلّ الصيّادين جيداً، الصيادين في الماء العكر، والصيادين في الماء الصافي، وإذا أردنا أن نكون واعين وأن نكون رساليّين في مستوى الرسالة ونحمل رسالة الإسلام من أجل أن نطلقها للعالَم كلّه، علينا أن ندخل المعركة بسلاح العقل والمنطق، فنجعل عقولنا تنطلق في ميادين المعركة، ونجعل ثقافتنا تتحرّك في ساحات المعركة، لأنّ المعركة ليست معركة بندقية أو مدفع فحسب، ولكنّها معركة فكر، فإذا لم نتسلَّح لها بالعلم والفكر والوعي لكلّ قضايا العصر، فلن نستطيع أن نخدش شيئاً في جدار العصر فضلاً عن أن ننسفه.

من هنا حاجتُنا إلى الزهراء.. حاجتُنا إليها هي حاجتنا إلى القدوة والمثل والنموذج، حاجتنا إليها هي حاجتنا إلى الشخصية التي جمعت كلّ العناصر الحيّة التي تتوازن وتتكامل فيها الشخصية.

الزهراء (عليها السلام) مظهر الفضائل ورمز الطهارة:

إنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) هي مظهر حيّ لفضائل أهل البيت (عليهم السلام) في كلّ كلماتها وأعمالها، في زهدها وعبادتها، في أخلاقها ومشاعرها، في إيمانها وتقواها.

فاطمة (عليها السلام) هي الاسم الذي عندما نذكره أو نتذكّره فإنّه لا يوحي لنا إلاّ بالطهارة كأصفى ما تكون الطهارة، وبالنقاء كأعذب ما يكون النقاء، وبالإنسانية التي تعطي الإنسان قيمته، وبالعصمة التي تتمثّلها فكراً في فكرها، وخلقاً في أخلاقها، وسلوكاً في كلّ حياتها، وشجاعة في الموقف مع الحقّ، شجاعة رسالية لا شجاعة انفعالية.. كانت وقفاتها وقفات من أجل الحقّ، وكان حزنها حزن القضية وفرحها فرح الرسالة، ومثَّلت عمق الإسلام في عمق شخصيّتها، واختزنت في داخلها كلّ الفضائل الإنسانية الإسلامية، باعتبار أنّ كونها سيّدة نساء العالمين يفرض أن تكون في المستوى الأعلى من حيث القيمة الروحية والأخلاقية.

سرّ الاهتمام بالزهراء:

هذا الذي يجعلنا نهتم بفاطمة الزهراء (عليها السلام)، لأنّنا عندما نذكرها نذكر قضية الرسالة ودور الزهراء فيها، ونذكر حركة الإسلام في القضايا المتحرّكة التي كانت الزهراء عنصراً حيوياً فيها، إنّنا نذكرها في ذلك كلّه، وبذلك نشعر أنّها معنا في كلّ قضايانا وأنّها حيّة تعيش بيننا، فإنّ أشخاصاً في التاريخ ينتهون عندما يموتون، لأنّ حياتهم تختصر في مدى عمرهم، وهناك أشخاص يبقون في الحياة ما دامت الحياة، ليبقوا ما بقيت رسالتهم وبقي أُناسٌ ينفتحون على رسالتهم.. وفاطمة الزهراء (عليها السلام) تقع في قمّة هؤلاء الأشخاص، ذلك أنّك لا تستطيع أن تذكر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) إلاّ وتذكرها، لأنّها صنيعته وروحه التي بين جنبيه، ولا تستطيع أن تذكر عليّاً إلاّ وتذكرها، لأنّها شريكته في الحياة والمعاناة، ولا تستطيع أن تذكر الحسن والحسين وزينب (عليهم السلام) إلاّ وتذكرها، لأنّها سرّ الطهر في طفولتهم وشخصيّتهم على مدى الحياة.

هذا هو سرّ فاطمة (عليها السلام) الذي يفرض علينا أن نبقيها في عقولنا وقلوبنا رسالة وفكراً لا دمعة فحسب، فإنّنا وإنْ كنّا لا نملك إلاّ أن ننفتح عليها بدموعنا، ولكنّ الأهمّ من ذلك أن ننفتح عليها برسالتها، لأنّها عاشت كلّ دموعها وكلّ حياتها للرسالة ولم تعشها لنفسها طرفة عين، وهذا هو سرّ كلّ أهل البيت (عليهم السلام)، أنّهم عاشوا للإسلام كلّه وقدَّموا حياتهم فداءً للإسلام والرسالة.

ومن هنا، فإنّنا وبكلّ فخر واعتزاز نقدّم الزهراء (عليها السلام) إلى المسلمين جميعاً، كنموذج حيّ ومثل أعلى جسّدت الرسالة الإسلامية أسمى تجسيد، وعاشت في شخصيّتها شخصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بعناصرها المميّزة والملهمة والمسدّدة.

 

 

 

 

 

 

 

 

استعادة التاريخ

والوحدة الإسلامية

وقبل أن ندخل في تفاصيل حياة سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) ومعاناتها وظلاماتها وكلماتها اللاذعة ومواقفها الغاضبة واحتجاجاتها القويّة.. نحبّ أن نجيب عن سؤال يفرض نفسه في هذا المجال، وهو أنّ قائلاً ربّما يقول: لماذا تثيرون مثل هذه الأحاديث وأنتم من دعاة الوحدة الإسلامية؟ والوحدة الإسلامية تفرض أن نغفل التاريخ الذي ينكأ الجراح ويثير الحساسيّات، ولذلك فإنّ الحديث عن الوحدة الإسلامية والإصرار على استعادة التاريخ الذي يمتلئ بالمشاكل بين المسلمين لا يلتقيان؟!

وفي الإجابة عن ذلك نطرح عدّة نقاط:

1 ـــ الوحدة لا تمنع من دراسة التاريخ بطريقة علمية:

إنّنا لا نتصوَّر أنّ شعار الوحدة الإسلامية يعني دعوة الشيعة إلى أنْ يتنازلوا عن التزاماتهم الثقافية العقيدية في ما يستنبطونه من التاريخ، أو أن يتنازل السُنّة عمّا اقتنعوا به من القضايا التاريخية، وهكذا الشأن في القضايا الفقهيّة والعقائدية، بل إنّ مسألة الوحدة الإسلامية تنطلق من المنهج الموضوعي الذي يدرس الواقع التاريخي الإسلامي بطريقة علميّة، بحيث يدرس المثقّفون والعلماء كلّ ما بأيدينا من نصوص الكتاب والسُنّة دراسة بعيدة عن الحساسيّات والعواطف، لأنّ مشكلتنا أنّنا ندرس الكثير من نصوص التاريخ أو نصوص القرآن الكريم على أساس مشاعرنا لا على أساس عقولنا، ولهذا ترى الكثيرين قد يأخذون موقفاً مسبقاً من مختلف القضايا، فإذا كان النصّ يتّفق مع موقفهم أخذوا به، وأمّا إذا كان لا ينسجم مع ما توارثوه فإنّهم يعملون على تأويله وإبعاده عن ظاهره وعن سياقه، ولذا فقد أصبحت عملية استظهار النصوص خاضعة للذهنيات المسبّقة التي تحملها، وغدونا نفرض الكثير من هذه الذهنيات على القرآن نفسه، حتّى صار القرآن صورة لما نفكِّر به، بدل أن يكون ما نفكّر به صورة للقرآن، والأمر نفسه حصل بالنسبة للمسائل التاريخية التي تتّصل ببعض الخطوط الفكرية والثقافية والعقيديّة، فإنّ بعض الناس يختار من النصوص التاريخيّة ما يناسبه ويرفض منها ما لا يروق له، أو أنّه يحاول أن يرتّب التاريخ على حسب مزاجه ومذاقه الفكري، لا أن يجعل مزاجه الفكري خاضعاً لنتائج البحث العلمي التاريخي.

تحكّم العاطفة في حركة البحث:

إنّ مشكلتنا أنّنا عاطفيون، وعواطفنا هي التي تحكم الكثير من حركة البحث عندنا، ولسنا عقلانيّين موضوعيّين ندرس الأمور على أساس الكتاب والسُنّة انطلاقاً من القواعد التي يتلاقى عليها الناس في فهم النصّ العربي، ولا نخضع تفكيرنا للنتائج المستفادة من الكتاب والسُنّة، حتّى إذ جاءنا شخص وقال إنّ الكتاب ظاهر في أمرٍ ما، أو السُنّة ظاهرة في حكمٍ ما ممّا لا يتّفق مع المألوف والمتوارث، نادينا بالويل والثبور وعظائم الأمور، وتحرّكت حملات التكفير والتضليل والتفسيق.

إنّ الذين يتّبعون هذه الأساليب فيتّهمون مَنْ خالفهم في اجتهاداتهم بالكفر والضلال والفسق والانحراف، ضعفاء في ثقافتهم كما هم ضعفاء في حجّتهم، لأنّ مَنْ يملك الحجّة لا يشتم، ومَنْ يملك البرهان الساطع لا ينطق بالكلمات غير المسؤولة.

اعتماد العقل القطعي:

وعندما نعود إلى قراءة التاريخ بموضوعية، ندعو قبل ذلك إلى تنمية الذهنية الموضوعية التي تتحرّك بدون أفكار مسبقة، بل تلاحظ ما يقوله العقل القطعي لتأخذ به، وليس كلّ ما يعتبره البعض حكماً عقلياً فهو في الحقيقة حكمٌ عقليّ لا بدّ أنْ نعتمده ونؤول النصوص على ضوئه، بل إنّ تصوّراتهم قد يعتبرونها حكماً عقلياً. ثمّ إذا امتلكنا الذهنية الموضوعيّة نأتي إلى دراسة النصوص التي بأيدينا والتي تمثّل الأساس الفكري عندنا، دراسة مَنْ لم يحمل فكرا مسبقاً موروثاً أو مكتسباً من المحيط والبيئة بحيث يحاكم النصّ ويفهمه على ضوئه.

ونحن نعتقد أنّ الدراسة الموضوعيّة لا تنتج حساسيّات ولا تخلق مشاكل تؤثّر على وحدة المسلمين، لأنّها تقوم على أُسُس علميّة تخاطب في الإنسان عقله بدل أن تحرّك غريزته وعصبيّته، وإنّما الذهنيات الغرائزية هي التي تحاول أن توجّه العقل بغرائزيّتها ولا  تحاول أن تخاطبه بعقلانيّتها.

2 ـــ التاريخ جزء من ثقافتنا فلا يمكن إلغاؤه:

إنّ التاريخ حقيقة لا نستطيع إلغاءها ولا رميها خلف ظهورنا، لأنّه يشكّل ثقافتنا وفكرنا، وإنْ أهملناه في موقع فإنّه سيفرض نفسه علينا في مواقع أخرى، لذلك لا بدّ أن تكون لنا شجاعة دراسة التاريخ بالطريقة الموضوعية العقلائية.

كيف ندرس التاريخ؟

سبق أنْ كتبت قبل ما يقارب الأربعين سنة في مجلة (الأضواء) التي كانت تصدر عن جماعة العلماء في النجف الأشرف حول "منهج الدراسات الإسلامية بين السند والمتن"(1)، وقلت: إنّ علينا أن ندرس النصوص التاريخيّة كما ندرس القضايا الفقهية على أساس ملاحظة السند والمتن معاً، وهذا المبدأ هو الذي ركّزه القدماء من العلماء وإن فصل المتأخّرون بينهما.

فلقد كان العلماء القدامى إذا جاءهم نصّ نبوي أو إمامي يدرسونه من خلال السند والمتن معاً، أمّا السند فيدرس من جهة أنّ الرواة الذي رووا هذا الحديث أو ذاك هل هم ثقاة أم لا؟ فإذا كان رواة الحديث معروفين بالوثاقة والصدق والضبط اعتمدوا روايتهم، وأمّا إذا كانوا مجهولين لديهم أو معروفين بالكذب والوضع أو لم يكونوا معروفين بالوثاقة، فإنّ حديثهم يُطرح ما لم تقم بعض القرائن التي توجب القطع أو الوثوق بالصحة من جهة أخرى. ثمّ إذا فرغوا من السند وثبت لهم وثاقة رواته، انتقلوا إلى دراسة المتن والمضمون من ناحية معناه ولغته وموافقته لحكم العقل أو الشرع الثابت، فإنْ كان موافقاً لحكم العقل أخذوا به وإلاّ أوّلوه، وإنْ كان موافقاً لكتاب الله عملوا به وإلاّ طرحوه عرض الحائط، لأنّ كتاب الله هو الحجّة الأساس في توثيق الروايات، كما جاء عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) والأئمّة المعصومين من أهل البيت (عليهم السلام): "ما خالَفَ كتاب الله فهو زخرف"(1).

أمّا الذي نواجهه مؤخّراً، فهو أنّ هناك قوماً يكتفون بكون سند الحديث مقبولاً دون أنْ يحاكموا مضمونه، وهناك أُناس آخرون ـــ كما هو المشاهد في الدراسات التاريخية لدى المحدثين ـــ يأخذون بمضمون النصّ دون دراسة السند، وكلا هذين المنهجين قد خلقا لنا الكثير من المشاكل الفكرية والاستنتاجات الخاطئة.

ونحن نعتقد أنّ المنهج الصواب هو الذي يعتمد دراسة النصّ ومحاكمته من جهتي السند والمتن معاً.

3 ـــ الوحدة ليست بإنتاج إسلام بلا مذاهب:

إنّ شعار الوحدة الإسلامية لا يعني أنْ نعمل على إيجاد "إسلام بلا مذاهب"، أي إسلام لا لون له ولا طعم ولا رائحة، لأنّه لا يمكن أن يكون هناك إسلام بلا مذاهب، لا لأنّ المذهبيّة أساسية في الكيان الإسلامي أو في شخصية الإسلام، بل لأنّ المذهبيّة انطلقت في كثير من خطوطها على أساس اختلاف الفهم وتنوّع الاجتهادات فيما يجتهد به هذا بحسب العناصر الاجتهادية الموجودة عنده، وفيما يجتهد به ذاك بحسب العناصر المتوفّرة لديه، ولهذا فالحلّ لا يمكن في إلغاء المذهبيات، بل في تحويل هذه المذهبيّات إلى حركة فكرية في فهم الإسلام، فإنّ المذهبية الفكرية تغني اجتهاداتنا الإسلاميّة بخلاف المذهبية العشائرية والعصبية والطائفية المعقّدة، فإنّها تؤدّي إلى مزيد من الأحقاد والثغرات، ومشكلة المسلمين هي أنّهم لا يعيشون المذهبية الفكريّة بقدر ما يعيشون المذهبيّة العصبيّة المختنقة داخل ذاتها وغير المستعدة أن تنفتح على الآخر لترى ما عنده، وغير المستعدة أن تجد للآخر ولو كلمة حقّ أو نقطة ضوء، بل تراه ظلاماً دامساً وليلاً داجياً، هذا مع أنّه ليس من الضروري أن يكون الشخص الذي تختلف معه شرّاً كلّه، ولا أن يكون الفكر الذي يحمله الآخر فكراً باطلاً بأجمعه، بل ربّما كان فيه شيء من الحقيقة، ولو أنّنا ملكنا جرأة الاعتراف له أنّ في فكره شيئاً من الحقّ، فإنّنا سوف نفتح عقله وقلبه أمام فكرنا، وهذا هو المنهج القرآني الذي علينا اتّباعه.

بعدنا عن المنهج القرآني:

ولعلّ من أهم المشاكل التي تمزّقنا هي أنّنا أسقطنا المنهج القرآني من نفوسنا وابتعدنا عنه من خلال عصبيّاتنا، فالله سبحانه يقول في كتابه: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة : 8]، أي عليك أن تكون عادلاً حتّى مع خصمك، فإذا كان لديه بعض الحقّ فأعطه حقّه، وإذا لم يكن لديه شيء من الحقّ فحاول إقناعه ومناقشته بالحسنى.

وقد قال الله سبحانه وهو يعلِّمنا أن نقول كلمة الحقّ ضدّ الأقربين إذا لم يكونوا مع الحقّ: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُواْ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام : 152]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} [النساء : 135].

إنّ معنى ذلك هو أن نكون مع الحقّ ولو لم يكن الحقّ معنا، بل كان مع غيرنا. وقد ورد في الحديث: "إنّ سيّد الأعمال إنصاف الناس من نفسك"(1)، وقد يعتبر البعض أنّ هذا مجرّد مسألة أخلاقية، لكنّنا نقول إنّها تمثّل الجانب الأخلاقي في مناهج البحث والجدال مع الآخر أو الصراع معه، فإذا كنّا مسلمين فعلينا أنْ لا نظلم عدوّنا، لا أنْ نقتصر على أنْ لا نظلم صديقنا فقط، وهذا ما عبَّر عنه إمامنا زين العابدين (عليه السلام) ـــ هذا الإمام القمّة في الروح والقمّة في الفكر كما كان الأئمّة كلّهم قمماً في ذلك، ولكن لكلّ ورد رائحة ـــ عندما قال في صحيفته السجّادية ـــ التي أوصي دائماً أخواني المؤمنين بما أُوصي نفسي بأنْ تكون رفيقهم في كلّ وقت، لأنّ فيها الغذاء الروحي والأخلاقي والعقائدي والاجتماعي، والتي تفتح عقل الإنسان وقلبه ـــ وهو يدعو الله سبحانه، قال (عليه السلام): "وارزقني التحفُّظ من الخطايا والاحتراز من الزلل في حال الرّضا والغضب، حتّى أكون بما يرد عليَّ منهما بمنزلةٍ سواء، عاملاً بطاعتك، مؤثراً لرضاك على ما سواهما في الأولياء والأعداء، حتّى يأمن عدوي من ظلمي وجوري، وييأس وليّي من ميلي وانحطاط هواي"(1)، أي اجعلني يا ربّي أعيش طبق منهجٍ أخلاقي، بحيث لو عاش عدوّي معي لقال إنّ فلاناً مسلم حقّاً لا يمكن أنْ يظلمني أو يجور عليّ، لأنّ المسلم لا يظلم ولا يجور حتّى على أعدائه، وإذا عاش معي أصدقائي لقالوا إنّ فلاناً رجل حقّ وعدل فلا يمكن أن يحابينا على حساب الحقّ ليعطينا ما لا حقّ لنا فيه.

وهذا المنهج هو منهج إسلامي لا يقتصر على المعاملات الماديّة، بل هو شامل لكلّ العلاقات الإنسانية، لأنّك قد تظلم شخصاً في ماله وقد تظلمه في حوارك معه، فتأخذه بالحقّ والباطل لتسكته، مع أنّ المنهج الإسلامي يقول: لا يكن همَّك أن تسكت خصمك إلاّ في حالات الضرورة، بل ليكن همّك أن تقنع خصمك، ولهذا انتقد الإمام الصادق (عليه السلام) بعض أصحابه الذي كان يحاور شخصاً في الإمامة واتّبع معه أسلوباً غير سليم، فقال له الإمام (عليه السلام): "إنّك أخذته بالحقّ والباطل وقليل الحقّ يغني عن كثير الباطل"(2)، أي ما الفرق بينك وبينه، فأنتَ مثله، جحد حقاً وجحدت أنتَ حقاً آخر، هو جحد الحقّ في النتائج وأنتَ جحدت الحقّ في المقدّمات، ولا فرق بين مَنْ يجحد الحقّ في منهج البحث ومفرداته وبين مَنْ يجحد الحقّ في النتائج.

 

 

كيف نثير ذكرياتنا التاريخيّة؟

للذكريات التاريخيّة التي ترتبط بحياة أي عظيم من عظمائنا طريقتان في الإثارة:

ـــ هناك طريقة يعيش فيها الناس في الماضي بحيث تنتقل الأُمّة إلى التاريخ لتسكن فيه وتنفصل عن حاضرها لتعيش مع مَنْ عاشوا في التاريخ.

ـــ وهناك طريقة أخرى وهي أن ننقل التاريخ إلى الحاضر لنجعله يتفاعل معه ويعطيه من إيحاءاته ومن أفكاره ما يجعل منه قوّة تتحرّك لصنع المستقبل.   

وفي الطريقة الأولى لن تستفيد الأجيال شيئاً من التاريخ ومن عظمائه، وإنّما تتحوّل المسألة إلى حالة تقديس للتاريخ وعبادة لعظمائه، بحيث يصبح همُّ الناس ذكر فضائل هذا العظيم أو ذاك، ويستغرقون في شخصيّته وينسون دوره وتعاليمه ومبادئه. وهذه هي طريقة الكثيرين الذين عاشوا مع العظماء في التاريخ ولكنّهم لم يستفيدوا منهم شيئاً، كما نلاحظ في الكثير ممّن يحتفلون بميلاد السيّد المسيح (عليه السلام) ويقدّسونه ويؤلّهونه ولكنّهم لم يأخذوا منه شيئاً يفيدهم في حياتهم، وهكذا الذين ينصبون للسيّدة العذراء مريم (عليها السلام) تماثيل في كلّ مكان ويتعبَّدون للتمثال ويخضعون أمامه بكلّ مشاعرهم وأحاسيسهم، ولكنّهم ليسوا مستعدين أن يقتربوا من روح مريم ومن طهرها خطوة واحدة، هؤلاء يتعبَّدون لمريم ولا يعيشونها.

وهكذا نجد الكثيرين من المسلمين يحتفلون بالنبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في يوم مولده، ولكن لا يسمحون لمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أن يأتي إلى بيوتهم ليصلحها، أو يدخل إلى عقولهم ليحرّكها، أو قلوبهم ليطهّرها، أو ساحاتهم ليدفعها نحو الجهاد والعمل في سبيل الله.

والحال نفسها نجدها في احتفالاتنا بذكريات أهل البيت (عليهم السلام)، فترى الكثير يذكرون عليّاً وحَسَناً وحُسَيْناً وفاطمة...، ويبكونهم، ولكن شرط أن يبقوا في أمكنتهم في التاريخ، لأنّهم إذا ما جاءوا إلى حياتنا الحاضرة فإنّهم يخرّبونها علينا ويفسدونها من خلال تعاليمهم التي ترفض ما نحن عليه من ضلال وانحراف.

وأمّا الطريقة الثانية، فهي أن ندعو عظماء التاريخ إلينا، نقول للسيّد المسيح (عليه السلام) ولأُمّه العذراء (عليها السلام): تعالوا وزورونا في واقعنا، لا زيارة الجسد ولكن زيارة الفكر والأخلاق والروح، ونقول لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وأهل بيته (عليهم السلام): تعالوا إلينا وادخلوا بيوتنا ونوادينا وكلّ ساحاتنا الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية، حتّى نستطيع أن نستلهم منكم كلّ القِيَم والمعاني السامية.

ونحن نعرف أنّ العظماء في عظمتهم لا يمثّلون جسداً حتّى يقال إنّ الجسد قد أصبح تحت التراب وغاب عن أنظارنا، وإنّما يمثّلون روحاً والروح خالدة، ويمثّلون رسالة والرسالة خالدة، من هنا يصحّ لنا دعوتهم إلينا لنستمدّ من روحهم روحاً، ومن رسالتهم رسالة، ومن حركتهم حركة في واقعنا الذي يحتاج إلى الكثير من ذلك.

وفي هذا الجوّ، فإنّنا عندما نتحدّث عن فاطمة أو نحتفل بذكراها، فهدفنا من ذلك هو أن ندعوها إلى زيارتنا، فيزورنا روحنا وخلقها ونورها وعبادتها ومناجاتها لله وحركيّتها في توجيه المجتمع.

 

 

 

 

 

الفصل الثاني

صفحات من حياة سيّدة النساء

 

ـــ ولادة الزهراء (عليها السلام) مولد المرأة المسلمة

ـــ الزهراء (عليها السلام) في بيت النبوّة

ـــ وفي بيت الزوجية

ـــ تربية أولادها

ـــ حياتها والمعاناة

ـــ ظلاماتها

 

 

 

 

 

ولادة الزهراء (عليها السلام)

مولد المرأة المسلمة

نلتقي في العشرين من جمادى الثانية(1) مع ذكرى عطرة أنعشت قلب سيّد الخلق محمّد المصطفى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهي ولادة ابنته فاطمة الزهراء سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء أهل الجنّة.

وإذا كنّا نريد أن نجري على ما جرى عليه الناس من تقاليد بأنْ جعلوا لكلّ عنوان من العناوين الحيّة في الواقع الإنساني يوماً معيّناً كــ (يوم الأُمّ) أو (يوم العمَّال) أو (يوم المرأة)، فإنّ أفضل يوم نجعله عنواناً للمرأة المسلمة هو يوم ولادة فاطمة الزهراء (عليها السلام). وهذا ما تنبَّه له الإمام الخميني (قدّس سرّه) عندما اقترح اعتبار يوم مولدها يوماً للمرأة في العالم.

ولأنّنا نعرف أنّ ما جرى عليه الناس في المناسبات والتقاليد والذكريات التي يتّخذونها أعياداً أو أيّاماً مميّزة يستمدّ عنوانه من خلال امرأة هنا أو عامل هناك أو.. فإنّ السؤال الذي يلحّ علينا ويفرض نفسه، لماذا هي في يوم المرأة العالمي؟ لماذا فاطمة وهي التي لم تتعدَّ فترة الشباب؟

والجواب:

1 ـــ إنّنا في يوم المرأة العالمي نريد أن نقدِّم نموذجاً يستجمع كلّ العناصر الحيّة التي تمثّل كلّ نشاط المرأة في حياتها الخاصة كبنتٍ وزوجة وأُم، وحياتها العامّة كمسلمة عاملة منفتحة على قضايا الإنسان في الحياة.

وإنّنا نجد في الزهراء (عليها السلام) الإنسانة المثل والنموذج والقدوة للإنسان المسلم.

وهي وإنْ لم تتعدَّ فترة الشباب، إلاّ أنّنا نجد في حياتها طفولة مليئة بالمعاناة والروحانية المؤثّرة ممّا قد لا نجده في أيّة طفولة أخرى، وشباباً قصيراً، لكنّه غنيٌّ بالقِيَم والعِبَر، فحياتها (عليها السلام) لم تكن طويلة، لكنّها كانت حياة عريضة متّسعة، وقيمة حياة الإنسان ليست في الامتداد الذي تتلاحق فيه ساعات الزمن، بل في العمق الذي يعطي للزمن القيمة والحركة والفكر والانفتاح بالمستوى الذي نشعر فيه أنّ ساعة من الزمن تعادل سنوات طوال، فكم ساعة من ساعات الذين اكتشفوا والذين أنتجوا وأثروا بأعمالهم الحياة، تعادل بعطائها العميق ألف سنة من أعمار الكسالى والخاملين. فالمسألة إذاً ليست في امتداد الحياة على مستوى الطول بما في امتدادها على مستوى العمق.

نعم، إنّنا نقدّم فاطمة الزهراء (عليها السلام) لأنّها تمثّل النموذج الأكمل للمرأة في عقلها الذي كان قطعة من عقل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وفي روحها التي كانت نبضة من نبضات روح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولأنّها تمثّل النموذج للمرأة في عملها وحركتها الثقافية، وللمرأة في حياتها الزوجية وحياة الأمومة وحياة الإنسانة التي عاشت حركيّة المجتمع في كلّ قضاياه. كانت البنت كأفضل ما تكون البنات، وكانت الزوجة كأفضل ما تكون الزوجات، وكانت الأم كأفضل ما تكون الأُمّهات، وكانت المسلمة المسؤولة المتحرّكة بثقافتها ومواقفها كأفضل ما تكون المسلمات، فهي تجمع كلّ هذه العناوين الإنسانية في شخصيّتها الفريدة.

2 ـــ وإنّنا نقدّم فاطمة(عليها السلام) لأنّها سيّدة نساء العالمين، لا بنسبها بل بفضائلها وإنسانيّتها، ولذا لو انطلقنا معها لعلَّمتنا كيف يكون الحبّ الإنساني للإنسان كلّه، وكيف يكون العطاء الإنساني للإنسان كلّه، وكيف تكون المسؤولية الثقافية أمام الناس كلّهم، وكيف تكون المواجهة في ساحات التحدّي لتقف المرأة أمام كلّ ظالم ومستكبر وكلّ مَنْ يصنع المعاناة للنّاس.

لماذا فاطمة (عليها السلام)؟ لأنّها تقول للمرأة: كوني إنسانة ولا تكوني مجرّد أُنثى تتحرّك بأنوثتها لتسقط إنسانيّتها، كوني إنسانة مع الله ومع الناس، كوني إنسانة في المعنى الروحي والعقلي والحركي، ولا تكوني إنسانة في الجسد والشكل. 

3 ـــ وإنّنا نختار فاطمة (عليها السلام) في يوم المرأة العالمي لنقول إنّ الإسلام يرفض كلّ هذا الظلم الذي تعرّضت له المرأة ولا تزال؛ فالتاريخ كان تاريخ الرجل ولا يزال، الرجل الذي اختصر حياة المرأة في دائرة ضيّقة، ولم يطلق لها الأُفق الرحب لتنتج فكراً كما أنتج هو فكراً، ولتعطي المجتمع من لطافة الحنان والعطف ما يرفع مستوى العطف والحنان فيه، فلا يقتصر حنانها على ابن يعيش في أكنافها وأحضانها، وإنّما ينفتح ليعطي الحبّ والحنان للإنسان كلّه والحياة كلّها.

ولم يفسح المجال للمرأة من أجل أن تنتج الحياة وتفجِّر طاقاتها المكبوتة، فكان دورها دوراً هامشياً، حتّى صارت شأناً من شؤون الرجل ولم يعترف بها كإنسان.

ولذلك جاء الإسلام ليخاطب المرأة والرجل حول كلّ المسؤوليات، ولينوّع الأدوار بينهما بما يملكان من عناصر التنوّع التي تتكامل في الدائرة الإنسانية. هذا التنوّع الذي لم يكن تفضيلاً فيما يعنيه الفضل الإنساني في معناه العقلي والروحي والحركي، ولكنّه كان تمايزاً من خلال الخصائص التي تمثّل التنوّع الإنساني عندهما.

 

 

 

 

الزهراء (عليها السلام) في بيت النبوّة

إنّا أعطيناك الكوثر:

الزهراء (عليها السلام) ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ومنها وحدها كان نسله، وقد جاء في بعض التفاسير أنّ قريشاً قالت عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) إنّه أبتر لا عقب له، فنزلت سورة الكوثر: {إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ*فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ*إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} [الكوثر: 1 ـــ 3].

أعطيناك الكوثر أي أعطيناك الخير الكثير الذي يمتد في كلّ حياتك وفيما بعدها، فتوجّه إلى ربّك بالصلاة فلن ينقطع ذكرك ولن يفنى نسلك، بل إنّ الذين يقفون ضدّك هم الأولى بهذه الصفة. وبما أنّ أسباب النزول تشير إلى أنّ السورة نزلت في أجواء الكلمات التي أثارها بعض سفهاء قريش ـــ كالعاص بن وائل، وأبي جهل وعقبة بن أبي معيط وكعب بن الأشرف ـــ من أنّ النبي أبتر لا ذرّية له من الذكور وذلك بعد موت ابنه القاسم، فمن المناسب أن يكون الخير الكثير ـــ الكوثر ـــ فيه إشارة إلى الذرّية الكثيرة التي للنبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من ابنته فاطمة (عليها السلام)، ليكون ذلك بمثابة الردّ على هؤلاء في ما أرادوه من إضعاف معنوية النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بهذه الكلمة التي كانت تمثّل مدلولاً سلبياً في ذلك المجتمع القائم على اعتبار الامتداد في الذرّية لوناً من ألوان القيمة الذاتية للإنسان، ويقول صاحب تفسير الميزان، العلاّمة الطباطبائي تعليقاً على ذلك وتأكيداً له:

"ولولا ذلك، لكان تحقيق الكلام بقوله: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} خالياً عن الفائدة"(1).

 

 

أخوات فاطمة:

ولكنْ هل كان للنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بنات غير فاطمة (عليها السلام)؟

إنّ من المعلوم تاريخياً أنّه قد ولد لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عدّة ذكور، لكنّهم ماتوا صغاراً، وأمّا البنات فمن المعلوم تاريخياً أيضاً، بل هو المشهور والمتسالَم عليه بين محقّقي الفريقين ومؤرّخيهم(1)، أنّه كان للنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من البنات زينب وأم كلثوم ورقيّة، وأنّهن عشن وتزوّجن. وإن ذهب شاذّ من المعاصرين تبعاً لشاذٍّ من المتقدّمين إلى نفي كون هؤلاء من بنات النبيّ، مدّعياً أنّهن ربائب له!! وهذا من أغرب الآراء وأعجبها، كونه مخالفاً لصريح القرآن الكريم(2) في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ...} [الأحزاب : 59].

طفولتها الرساليّة:

كيف عاشت فاطمة الزهراء طفولتها؟

عندما ندرس حياة الزهراء (عليها السلام)، نجد أنّ التاريخ لا ينقل لنا الكثير من تفاصيل طفولتها وعلاقتها بأبيها محمّد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من حيث المفردات الحياتية، لكنّنا نعرف من خلاف ما وصلنا، أنّها وهي في سنّ الطفولة لم تعش طفولة الأطفال الذين يلهون ويلعبون ويعبثون، كانت طفولتها لا تحمل أيّة فرصة للعب واللّهو والعبث، بل كانت طفولة تختزن طاقة نلمح آثارها في ما نقل لنا عنها من مواقف، ولم تكن طاقتها طاقة طفل يعيش براءة الطفولة وبساطتها، بل طاقة طفل يختزن في نفسه إحساسه بالدور المنوط به في تلك المرحلة من حياة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ومعاناته وآلامه التي كان يواجهها، كانت طفولة تتقمَّص شخصية الأُم وتعيش روحيّتها وتقوم بدورها.

فها هي، ومنذ أنْ فتحت عينيها على الحياة، رأت أباها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يأتي بين وقتٍ وآخر مثقلاً بما يلاقيه من ضغوط وأعباء وأذى من المشركين، فتقوم باحتضان أبيها، وتخفّف عنه آلامه وترعاه بكلّ عطف وحنوّ.

فذات يوم رأت أباها (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في المسجد الحرام وقد وضع المشركون الأوساخ والأقذار على ظهره بينما كان قائماً يصلّي لربّه، فما كان منها إلاّ أن تقدّمت لتزيل عنه الأوساخ بيديها الصغيرتين، معبّرة عن حزنها ومواساتها له (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بالدموع، وهذا ما جعلها تنفتح على المسؤولية وهي في طفولتها الأولى، لتقف إلى جانب أبيها لترعاه وتحنو عليه، وهو الذي فقد أُمّه منذ أمدٍ طويل، وفقد زوجته الحانية، وقفت إلى جانبه وهو يتحدّى بالرسالة ويواجه التحدّي من خلال الرسالة، هذا يسبّه وذاك يتّهمه بالجنون أو السحر وثالث يلقي عليه الحجارة والأوساخ، وعمّه أبو لهب يصرخ "جزماً سحركم محمّد"(1).. وتثقله آلام الدعوة وهو يتحمّلها بصبرٍ، وعندما يعود إلى البيت يرى حنان فاطمة وعاطفتها ورعايتها التي لم تكن رعاية طفل يبكي دون وعي، بل رعاية وعي ينفتح ويبكي من أجل أن يواسي ويخقّف الآلام عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فقد كانت تتحسَّس أنّ آلامه آلامها، فتختزن في طفولتها آلام الرسالة، وآلام الرسول؛ ومَنْ يختزن في وعيه الطفولي المبكر آلام الرسول وآلام الرسالة، لا يسمح له الوقت أن يعبث أو يلهو أو يلعب، إنّ اللّعب واللّهو والعبث يتحرّك في حياتنا من موقع الفراغ، فنحاول أن نملأه بالملاهي، أمّا الإنسان الذي يشعر بأنّ هناك فكراً يملأ عقله، وعاطفة تملأ قلبه، وواقعاً يملأ حياته، فلا يجد فرصة للّهو والعبث واللّعب.

وهكذا نشأت الزهراء (عليها السلام)، لا كما ينشأ الأطفال.. نشأت رساليّة في مشاعرها وعواطفها ومواقفها وكلّ حركتها.

وإنّنا نستوحي من هذا الحنوّ وتلك العاطفة التي ملأت بها فاطمة (عليها السلام) قلب أبيها وإحساسه، أن تكون تربيتنا لأطفالنا قائمة على أساس تنمية العاطفة وتقوية الحنان لديهم، ما يعطينا كآباء وأُمّهات رصيداً من حنان الأبناء والبنات عندما نحتاج إلى ما يخفّف متاعبنا، وبذلك يتحوّل الطفل إلى أب وأُمّ كما يتحوّل الأب والأُم إلى أطفال مع أولادهم، عندما يلاعبونهم ويلاطفونهم، وقد أكّد ذلك النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بقوله: "مَنْ كان له صبيّ فليتصاب له"(1).

أشبه الناس برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم):

نقل ابن عبد البر في الاستيعاب ـــ وإنّما نحرص على النقل منه وهو من المصادر السنّية لأنّه يمثّل مصدراً حيادياً، حتّى لا يتّهم الشيعة بأنّهم يتحدّثون بعاطفتهم ـــ بأسانيده عن عائشة أنّها قالت: "ما رأيت أحداً كان أشبه كلاماً وسمتاً وهدياً ودلاًّ برسول الله من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فأخذ بيدها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكانت إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبّلتها وأجلسته في مجلسها"(2).

عندما ندرس هذا النصّ الوارد عن عائشة في الاستيعاب، فإنّه يوحي لنا بأمرين:

1 ـــ بالوحدة والاندماج الكامل بين شخصية فاطمة وشخصية أبيها، حيث كانت أشبه الناس به في كلّ شي، حتّى تأثّرت به في طريقة مشيه، ولذا ورد في عدّة روايات "أنّ فاطمة أقبلت ما تخطئ مشية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)"(3). فقد كان رسول الله أباها والمربّي لها ومعلِّمها، يعطيها في كلّ يوم من أخلاقه خلقاً ومن روحه روحاً ومن عقله عِلْماً ووعياً، كانت معه في مكّة وجزءاً من حياتها في المدينة، في اللّيل والنهار، يناجيها وتناجيه، وتتتلمذ على يديه، وتستمدّ من علمه وأخلاقه.

2 ـــ ويوحي لنا أيضاً بعمق العلاقة الروحيّة بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وابنته فاطمة (عليها السلام)، لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يفعل ذلك إلاّ مع فاطمة، يقوم لها كلّما دخلت عليه، ويقبّلها ويجلسها في مجلسه، وكذلك كانت تفعل هي كلّما دخل عليها، وهذا ما يؤكّد أنّ الاندماج بينها وبينه لم يكن شكلياً فحسب، بل كان اندماجاً روحياً معمَّقاً.

3 ـــ ويدلّ هذا الحديث على مدى التقدير والاحترام والحبّ الذي كان يشعر به رسول الله تجاهها، لأنّه ليس من المألوف أنْ يتعامل الأب مع ابنته بهذه الطريقة لو لم تكن تمتاز عن غيرها بحلقات قدسية وعصمة واستقامة عملية وألطاف إلهية أمدَّها الله بها حتّى امتازت عن سائر النساء.

أحبّ الناس لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم):

روى الحاكم في المستدرك ـــ وهو الذي استدرك على الصحيحين ـــ بسنده عن أبي ثعلب قال: "كان رسول الله إذا رجع من غزاة أو سفر أتى المسجد فصلّى فيه ركعتين شكراً لله على أنّه أرجعه من سفره، ثمّ ثنّى بفاطمة ثمّ يأتي أزواجه"(1).

وهذا يعني أنّ فاطمة تقع في المركز الأوّل بعلاقة النبيّ بالناس، حتّى في علاقته بزوجاته.

وروى في المستدرك أيضاً: "أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) كان إذا سافر كان آخر الناس به عهداً بفاطمة..".

أي أنّ آخر مَنْ يلتقيه فاطمة، لتبقى صورتها في باله، وليبقى حنان فاطمة وعاطفتها التي كانت تفيضها عليه معه في سفره، يعيش في ذاكرته فيرتاح له.

ويضيف الحاكم: "... وإذا قدم من سفر كان أوّل النّاس عهداً به فاطمة"(1).

لأنّه كان يعيش الشوق إليها كما لم يعش الشوق إلى أي إنسانٍ آخر، ولذلك كان يعبّر عن حرارة هذا الشوق باللّقاء بها أوّل مَنْ كان يلتقيه من الناس.

وفي الاستيعاب بسنده: "سُئِلَتْ عائشة أُمّ المؤمنين: أيّ الناس كان أحبّ إلى رسول الله؟ قالت: فاطمة. قلت: مِنَ الرّجال؟ قالت زوجها، إن كان ما علمته صوّاماً قوّاماً.."(2).

وهذه شهادة مهمّة من عائشة لفاطمة وعليّ (عليهما السلام).

مراقبتها وملاحقتها للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم):

وأحَسَّتْ بمسؤوليّتها تجاه أبيها وهو ينهض بعبء قيادة الدعوة الجديدة إلى النصر، فمضت تعطيه كلّ ما تملك من حنان الأمومة والنبوّة، وترعى حياته بروحها وقلبها ومشاعرها الرقيقة الفيّاضة، وبالإضافة إلى هذا الدور الصامت الذي قامت به فاطمة في رعايتها لأبيها وهو في أشدّ الأوقات حَرَجاً وأعظمها قسوة، كانت أيضاً تشعر أنّ أباها يمثّل كلّ شيء في حياتها، ولذا أحَسَّت أنّ عليها أن تبذل له كلّ شيء من حياتها ووجودها.

 

كانت وهي الطفلة كما مرَّ آنفاً، تتابع أباها وهو يتحرّك في دعوته، تشعر بمسؤوليتها عنه كما هي مسؤولية الأُمّ عن أولادها، وقد جاء في السيرة أنّه عندما "ألقت قريش سلا الجزور على ظهر النبيّ وهو ساجد، فجاءت فاطمة وطرحته عنه"(1).

وما نستوحيه من هذه القصّة ـــ مضافاً إلى ما استوحيناه منها سابقاً من أنّ الزهراء كانت تحتضن أباها وتخفّف عنه الأعباء والآلام وهي ما تزال طفلة ـــ أنّها كانت تتحرّك معه وتلاحقه عندما كان يذهب إلى المسجد، وقد تكون هذه قصّة صغيرة، ولكنّها توحي بالاهتمام البالغ الذي كانت توليه لأبيها، بحيث كانت تتابع وضعه وكلّ ما يقوم به المشركون ضدّه.

وكانت أيضاً تراقب انفعالات وجهه وخلجات نظراته وتفهم منها كلّ ما يريده وما لا يريده دون أنْ يقول لها شيئاً أو ينهاها عن شيء، فتبادر إلى امتثال ما استوحته من أوامره ونواهيه دون إبطاء أو تردّد، مدفوعة إلى ذلك بعامل المحبّة له كأب، والتقديس لشخصه كنبيّ ورسول.

انفتاحها على قلبه:

وهذا ما تحدّثنا به سيرتها في أحاديث متنوّعة تحكي لنا كيف كانت تدرس ذهنية رسول الله من خلال دراستها لرسالته، لتتعرَّف على ما يحبّه وما يبغضه، وما يفتح قلبه أو يغلقه، ومن هنا رأيناها عندما أقبل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ذات يوم من سفر ودخل بيتها وحدَّق قليلاً ثمّ انصرف، تعرف بسرعة أنّ شيئاً أثقل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وفكّرت في الأمر، فرأت أنّ هناك كساءً في بيتها على بابها وسوارين قد لبستهما في يديها، فنزعت الستار عن بابها وخلعت السوارين من يديها وبعثت بهما مع ولديها وقالت لهما: اقرئا أبي عنّي السلام وقولا له ما أحدثنا بعدك غير هذا، فشأنك به اصنع به ما شئت، فانفرجت أسارير الرسول وهزّته هذه الأريحيّة والالتفاتة الرائعة والروحيّة من ابنته، وهذه الاستجابة الواعية لدعوته، فما كان منه إلاّ أنّ قسَّم ذلك بين الفقراء الذين لا يملكون ثوباً ولا يجدون قوتاً، وقال (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "قد فعلت، فداها أبوها، فداها أبوها، فداها أبواها، ما لآل محمّد وللدُّنيا فإنّهم خلقوا للآخرة"(1).

وفي حديثٍ آخر أنّه وجد في عنقها قلادة فأعرض عنها فقطعتها ورمت بها فقال لها: "أنتِ منّي ائتيني يا فاطمة"(2)، ثمّ جاء سائل فناولته القلادة.

إنّنا نستوحي من هذه القصّة ومن أجواء العلاقة بين فاطمة وأبيها:

1 ـــ أنّ الزهراء (عليها السلام) كانت إنسانة تشعر بالحاجة إلى أنْ تتعمَّق في الانفتاح على قلب أبيها والانفتاح على مسؤوليّته في ما يخصّ مسؤوليّتها، بأنْ تجسّد المثل الحيّ لأهل بيت الرسول في نظرة الناس إليهم.

وهذا ما يجب أن تتعلَّمه كلّ بنت رساليّة الفكر عندما يكون أبوها رسالي الخطّ والمسؤولية، وكذلك كلّ امرأة تتّصل بإنسان يعيش بعداً رساليّاً في حياته، عليها أنْ تتعلَّم أن لا تستغرق في ذاتيّاتها، بل أنْ تنفتح على مسؤولية أبيها أو زوجها أو أخيها أو ابنها لتتكامل معه في حركة المسؤولية، حتّى لا تثقل مسؤوليته، لأنّنا قد نجد الكثير من العظماء في الماضي والحاضر يثقلهم الناس الذين يحيطون بهم عندما يفكّرون هم رساليّاً ويفكّر من حولهم ذاتياً، فتشعر البنت أنّها بنت الزعيم فتتعاظم على الناس، أو تشعر الزوجة أنّها زوجة فلان العظيم فتتكبَّر على الآخرين، وتشعر الأم أنّها أمّ الإنسان الذي يملك موقعاً متقدّماً فتتعالى على غيرها من النساء.  

2 ـــ كما ونستوحي أيضاً أنّ الزهراء (عليها السلام) في وعيها وموقعها الرسالي المتقدّم، كانت الإنسانة التي تتمرَّد على حاجاتها الشخصية مهما كانت بسيطة في سبيل طموحاتها الرسالية، وكانت الإنسانة التي تدخل في موازنة بين المبدأ والذات ليتغلّب المبدأ عندها على حاجة الذّات، وهذا ما ينبغي أنْ نتعلَّمه، لأنّ الكثيرين منّا رجالاً أو نساءً يسقطون عندما تكون المسألة هي الخيار بين متطلّبات المبدأ ومتطلّبات الذات، فيفضّلون الثاني على الأوّل. بل ربّما يجعلون المبدأ في خدمة الذّات، فيثقلون المبدأ بحاجاتهم الشخصية، ويسخِّرون الناس الذين ارتبطوا بهم ارتباطاً مبدئياً لحاجاتهم الخاصّة.

شخصيّتها من شخصية أبيها:

إنّ ما تقدَّم من شواهد تاريخية عن علاقة الزهراء بأبيها وشبهها به ومحبّته لها.. يعطينا الدليل تلو الدليل على أنّ شخصية الزهراء (عليها السلام) منطبعة بطابع شخصية النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فليس بينها وبين أن ترفض بعض مظاهر الدنيا البسيطة التي يحتاجها كلّ إنسان، إلاّ إشارة النبيّ ورغبته لها في الترفُّع والرقي إلى أعلى المستويات الروحيّة والابتعاد عن كلّ ما يربط أو يشدّ نحو الدنيا.

وهكذا وجدناها منسجمة كلّ الانسجام روحياً وعاطفياً مع الخطّ الإسلامي الأصيل الذي انطلق من خلال تعاليم القرآن وسُنّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولذا لم تستسلم إلى صلتها الوثيقة بالنبيّ أو تسكن لهذا الشرف العظيم، لأنّها أرادت أن تكون ابنة محمّد روحاً وأخلاقاً وتقوى وعبادة وصلة بالله سبحانه وانسجاماً مع تعاليمه، قبل أن تكون ابنته جسداً وقرابة.

أحبَّت أن يرى أبوها في بيتها المتواضع زهد الرسالة وروحانية الإيمان وبساطة العيش وقناعة النفس وصفاء الروح، لتعطي مثلاً حيّاً للبيت المسلم بأنْ يعيش الأجواء الإسلامية الخالصة من أجل أن تنمو الأجيال الإسلاميّة وتتنفَّس في جوٍّ إسلاميّ خالص.

وباختصار: كانت في كلّ حياتها مع رسول الله لا تحسّ بالتعدُّدية ولا تشعر بالانفصال، شاركته في فضائله إلاّ في النبوّة التي لا يقترب منها أحد مهما كان قريباً من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، لتبقى هذه المنزلة الإلهية بما تتضمّنه من معاني الوحي والرسالة خاصة به، ويبقى للآخرين القريبين منه مشاركته في كلّ صفات الكمال الأخرى: "أنتِ منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي"(1).

دمعة وابتسامة:

كانت الزهراء (عليها السلام) ذات فرادة وتميُّز في كلّ تصرّفاتها وأفعالها، حتّى في حزنها وبكائها على أحبّائها، لاسيّما فراقها لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).

ينقل المؤرّخون أنّها دخلت عليه وهو في حال الاحتضار واحتضنته، فَهَمَسَ في أُذُنها همسة أبكتها، ثمّ هَمَسَ همسةً أخرى أضحكتها، فقيل لها ما أسرع الضحك إلى البكاء؟ فقالت: ما كنتُ لأفشي سرّ رسول الله في حياته، ولمّا سئلت عن ذلك بعد وفاته قالت: "إنّه همس في أُذُني أوّلاً أنّه سيلاقي وجه ربّه وأنّه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثمّ همس في أُذُني ثانيةً أنّي أوّل الناس لحوقاً به من أهل بيته فضحكت"(2).    

تصوّروا شابة في مقتبل العمر وريعان الشباب زوجة وأُمّاً، والحياة تقبل عليها وتفتح لها أبوابها على أجنحة الأمل، عندما يحدّثها أبوها أنّها أوّل بيته لحوقاً به تبتسم وتكفكف دموعها!!

هل تجدون فتاةً ومهما كان حبّها لأبيها تفرح إذا أخبرها بأنّها ستموت بعده؟ وأنّها أوّل أهل بيته لحوقاً به؟

الزهراء (عليها السلام) فرحت بذلك بقدر بكائها عليه، لماذا؟ لأنّها تشعر أنّ الفراق لن يدوم طويلاً، فعمّا قليل ستلاقي أباها في جنّة عدن عند مليك مقتدر، وتعيش معه في الجنان كما عاشت معه في الدّنيا.

أيّة علاقة أعمق من هذه العلاقة، وأي اندماج أقوى من هذا الاندماج؟! من هنا نعرف عمق حزنها على أبيها وأنّه يختلف عن حزن أيّة ابنة لفقد أبيها، فهو في الوقت الذي كان حزن المسلمة الرسالية على فقد رسولها، كان حزن البنت على فقد أبيها الذي امتزجت روحها بروحه وحياتها بحياته وعقلها بعقله.

ولهذا يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في ما رواه الكليني بسنده الصحيح عنه: "عاشت بعد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) خمسة وسبعين يوماً لم ترَ كاشرة ولا ضاحكة، تأتي قبور الشهداء في كلّ أسبوع مرّتين، الاثنين والخميس، فتقول: ههنا كان رسول الله، وههنا كان المشركون"(1).

وفي رواية أخرى عن الصادق (عليه السلام) أنّها كانت تصلّي هناك وتدعو حتّى ماتت(2). وهذا المقدار من الحزن والبكاء يليق بمكانة الزهراء (عليها السلام)، ولا غضاضة فيه، لأنّه حزن القضية الذي لا يلغي قيمة الصبر.

وأمّا ما أفاضت به بعض المرويات(3) ـــ التي يقرأها بعض قرّاء العزاء ـــ والتي تُصوِّر الزهراء وكأنّها لا شغل لها إلاّ البكاء، فهذا ما نرسم حوله بعض علامات الاستفهام، لأنّي لا أتصوَّر الزهراء (عليها السلام) إنسانة لا شغل لها في الليل والنهار إلاّ البكاء، ولا أتصوّر الزهراء، وهي المنفتحة على قِيَم الإسلام وعلى قضاء الله وقدره، إنسانة ينزعج منها أهل المدينة لكثرة بكائها ـــ كما تُصوِّر هذه الروايات ـــ حتّى لو كان الفقيد على مستوى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فإنّ ذلك لا يلغي معنى الصبر، لأنّ الصبر قيمة إسلامية تجعل الإنسان يتوازن ويتماسَك في أشدّ الحالات قساوة وصعوبة. وهذا ما يجعلنا نعتقد أنّ حزن فاطمة (عليها السلام) كان حزن القضية وحزن الرسالة أكثر ممّا هو حزن الذات، لأنّها كانت تستشعر بفقدها أبيها محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّها فقدت الرسول الذي انقطعت بموته أخبار السماء، كما جاء في بعض كلماتها(1).

مشروعية البكاء وحدوده:

وزيادة في توضيح هذا الأمر، ودفعاً لبعض الالتباسات والاعتراضات نقول: إنّ فراق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يكن بالأمر الهيِّن، لاسيّما على ابنته السيّدة الزهراء (عليها السلام)، التي أحسَّت أكثر من غيرها بعظيم الفادحة وثقل المصيبة التي أَلَمَّتْ بالمسلمين بوفاة رسول الله.. ولهذا كان حزنها عليه أعظم الحزن، وبكاؤها عليه أعظم البكاء، وكانت تخرج إلى قبره الشريف مصطحبة ولديها الحسنين (عليهما السلام) لتبكي أباها، وكلّ الشهداء الذين سقطوا معه، لتذكّر المسلمين من خلال ذلك برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، حتّى لا ينسوه في غمرة الأحداث الكبيرة التي عاشوها، ولكنّها لم تكن تستغرق وقتها في اللّيل والنهار في البكاء، ولا أنّها كانت كلّ هذه المدّة "يغشى عليها ساعدة بعد ساعة"(2)، وذلك:

1 ـــ لأنّ الصبر ـــ كما أشرنا ـــ قيمة إسلامية كبرى، ومن الطبيعي أن تمثّل الزهراء (عليها السلام) أعلى درجات الصبر من خلال مقامها الرفيع عند الله، فهي ككلّ أهل البيت (عليهم السلام) قدوتنا في الصبر، كما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قدوة الناس كلّهم في هذا المجال، وكما كان الرسل من قبله {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف : 35]، وهذا هو معنى التأسّي بهم، فالحزن على المصاب، لاسيّما إذا كان أليماً، له دوره في رقّة القلب، ولكنّ للصبر عليه درجة عظيمة لا مخصّص لها.. فإنّ قوله تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران : 146] وقوله: {وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال : 46]، لا يقبل التخصيص والتقيُّد، فهو من العمومات الآبية عن ذلك، وكذلك قول الصادق (عليه السلام): "الصبر رأس الإيمان" وقوله الآخر: "الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا ذهب الرأس ذهب الجسد، كذلك إذا ذهب الصبر ذهب الإيمان"(1). فإنّ هذا اللّون من البيان يأبى التخصيص والتقييد، كما يقول علماء الأصول.

2 ـــ ولأنّ الزهراء (عليها السلام) كانت مشغولة في معظم وقتها بالدفاع عن حقّ عليّ (عليه السلام) في الخلافة، ومن أبرز مظاهر تحرّكها خطبتها في المسجد، وكلامها مع نساء المهاجرين والأنصار ورجالهن، وإذا صحّ الحديث بأنّ عليّاً (عليه السلام) كان يطوف بها على بيوت المهاجرين والأنصار أو جموعهم ـــ كما جاء في بعض الروايات ـــ فهذا يعني أنّها كانت تتحرّك بشكل يومي نحو تحقيق هذا الهدف الكبير، ممّا لا يترك لها مجالاً واسعاً للانصراف إلى البكاء والاستغراق فيه.

3 ـــ إنّنا لا ننكر مشروعية البكاء إسلامياً، فقد بكى رسول الله على ولده إبراهيم(2)، وبكى يعقوب على يوسف (عليه السلام)(3). ومن الطبيعي أن تبكي الزهراء (عليها السلام) لأنّها بشر، والبشر من طبعه البكاء عند فقد الأحبّة، لكنّنا ننكر أنْ يتحوّل البكاء إلى حالة من الجزع أو ما يشبه الجزع بحسب الصورة التي تتلى في المجالس، ومفادها "أنّ أهل المدينة ضجُّوا من كثرة بكائها"(4)، وأنّهم شكوا الأمر إلى عليّ (عليه السلام) وقالوا له: "إمّا أنْ تبكي أباها ليلاً أو نهاراً"، لأنّ هذه الصورة لا تليق بمكانة الزهراء في الواقع العام، ولا تنسجم مع عصمتها وعظمتها. كيف والجزع مذموم شرعاً وعقلاً. يقول أمير المؤمنين لبعض أصحابه وقد فَقَدَ ولداً: "إنْ صبرت جرى عليك القدر وأنتَ مأجور، وإنْ جزعت جرى عليك القدر وأنتَ مأزور"(1). وقال أيضاً وهو يلي غسل رسول الله وتجهيزه: "بأبي أنتَ وأُمّي يا رسول الله، لقد انقطع بموتك ما لم ينقطع بموت غيرك من النبوّة والإنباء وأخبار السماء.. ولولا أنّك أمرت بالصبر ونهيت عن الجزع لأنفذنا عليك ماء الشؤون"(2).

وأمّا ما جاء في بعض النصوص، مثل ما روي عن أمير المؤمنين عندما وقف على قبر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ساعة دفنه أنّه قال: "إنّ الصبر لجميل إلاّ عنك، وإنّ الجزع لقبيح إلاّ عليك، وإنّ المصاب بك لجليل، وإنّه قبلك وبعدك لجلل"(3)، فمحمول على شدّة الحزن وعظيم الفادحة والمصيبة، وإلاّ فحسن الصبر وقبح الجزع لا يقبلان الاستثناء والتخصيص كما أشرنا.

4 ـــ إنّ هناك وصيّة خاصة من رسول الله لابنته فاطمة في هذا الخصوص، وهي ما رواه الصدوق بإسناده عن عمرو بن أبي المقدام، قال: سمعت أبا الحسن وأبا جعفر (عليه السلام) يقول في هذه الآية: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ} [الممتحنة : 12]، قال: "إنّ رسول الله قال لفاطمة (عليها السلام): "إذا أنا متّ فلا تخمشي عليّ وجهاً، ولا ترخي عليّ شعراً، ولا تنادي بالويل ولا تقيمي عليّ نائحة". ثمّ قال: هذا المعروف الذي قال الله عزّ وجلّ في كتابه: {وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ}"(4). ونستوحي من هذا الحديث التحفُّظ عمّا نسب إلى سيّدتنا فاطمة الزهراء من الحزن الذي يقرب من الجزع، لأنّ هذه الوصية تدلّ على أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أراد لها أن تبتعد عن مظاهر الحزن الشديد.

5 ـــ إنّ الزهراء (عليها السلام) نفسها أمرت نساء بني هاشم اللاتي جئن يساعدنها عند وفاة أبيها (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بأنْ يقتصرن على الدعاء، ففي الكافي بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن أمير المؤمنين قال: "مروا أهاليكم بالقول الحسن عند موتاكم، فإنّ فاطمة (عليها السلام) لما قبض أبوها (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أسعدتها بنات هاشم فقالت: اتركن التعداد وعليكن بالدعاء"(1)، ونستوحي من هذا الحديث أنّ الزهراء (عليها السلام) كانت متوازنة إبّان وفاة أبيها، رغم فداحة المصيبة.

وأمّا ما قد يقال: بأنّها كانت تبكي إظهاراً لمظلوميّتها ومظلوميّة زوجها، وتنبيهاً على غصب حقّ أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخلافة، وحزناً على المسلمين بعد انقلاب جملة منهم على أعقابهم، فيرد عليه:

أوّلاً: إنّ إظهار ذلك لا ينحصر بالبكاء، بل يتحقّق في خطبتها في المسجد وفي أحاديثها الصريحة مع المسلمات والمسلمين، وفي حديثها مع أبي بكر وعمر اللّذين تحدّثت معهما عن غضبها عليهما من خلال غصبهما فدكاً وغصبهما للخلافة(2).

ثانياً: إنّ الأحاديث الواردة في كلامها أو التي تحدّثت عن بكائها استهدفت ذكرى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).

إنّنا نرى أنّ أهل البيت (عليهم السلام) قمّة في العطاء والصبر، وفي مقدّمتهم السيّدة الزهراء (عليها السلام)، التي تمثّل القدوة في الصبر حتّى في طريقة بكائها، فهي تبكي بكاء الصابرين الرساليين الشاكين إلى الله سبحانه وتعالى.

نعم، إنّ بكاء عليّ بن الحسين (عليه السلام) كان إظهاراً لمظلوميّة أبيه الإمام الحسين (عليه السلام)، لأنّ زين العابدين (عليه السلام) كان يتحدّث عن مظلوميّة أبيه وهو يبكيه، لكي يتذكّر الناس الواقعة ويدفعهم ذلك إلى الثورة على بني أُميّة.

 

الحزن الرسالي:

ومحصل ما نريد قوله إنّ الزهراء (عليها السلام) لم تعرف الفرح في الفترة القصيرة التي قضتها بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)(1)، لكنّ حزنها كان حزناً إسلامياً.. لم يكن جزعاً ولا ابتعاداً عن خطّ التوازن. والرواية التي يمكن الوثوق بها في هذا المقام هي التي تقول: إنّها كانت تخرج في الأسبوع مرّة أو مرّتين إلى قبر النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وتأخذ معها ولديها الحسن والحسين (عليهما السلام) وتبكيه هناك وتتذكَّر كيف كان يخطب هنا، وكيف كان يصلّي هناك، وكيف كان يعظ الناس هنالك(2).

وأرادت بذلك أن تعيد للأُمّة الغارقة في متاهات الدّنيا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في معناه الرسالي، ولذا لم تتحدّث عنه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ في ما نقل في الروايات الموثوقة ـــ حديثاً عاطفياً شخصياً، لأنّها كانت الرسالة مجسّدة، وأرادت للناس أن يرتبطوا بأبيها الرسول لا الشخص.

الصدّيقة: صلة الوصل بين النبوّة والإمامة:

امتازت الزهراء (عليها السلام) بأنّها المرأة الوحيدة التي ربطت بين النبوّة والإمامة وكانت صلة الوصل بينهما، فهي زوجة أوّل إمام وأُمّ الأئمّة الباقين من نسلها ونسل زوجها أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)، وقد اختصّها الله بهذه الميزة والفضيلة لأنّها كانت المرأة الأكمل والنموذج الأرفع طهراً وقدساً وعبادة وزهداً وخُلقاً.

وفيما يلي نسلِّط الضوء على حياتها مع الإمام أمير المؤمنين ودورها في الدفاع عن حقّه، ومن ثمّ نتحدّث عن دورها في إعداد ابنيها الإمامين الحسنين (عليهما السلام)، وكذلك ابنتها العقيلة زينب (عليها السلام)، لنستلهم من ذلك الدروس والعِبَر، فتكون موالاتنا للزهراء (عليها السلام) في أفعالنا قبل أقوالنا، ومحبّتنا لها في مواقفنا قبل شعاراتنا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في بيت الزوجيّة

قصّة زواجها بعليّ (عليه السلام):

تكلَّم الكثيرون من الصحابة مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في شأن الزواج من ابنته فاطمة الزهراء (عليها السلام)، لكنّه كان يصدّهم بلطف قائلاً إنّي أنتظر أمر ربّي(1)، لأنّ في فاطمة خصوصية لا توجد في بناته الأخريات، ولأنّ في فاطمة (عليها السلام) سرّاً لا يعلمه إلاّ الله سبحانه، كما كان في عليّ سرّ لا يعلمه إلاّ الله.

وقيل لعليّ: لِمَ لا تخطب فاطمة وكان يستحي من ذلك، ولكنّه أخيراً جاء إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وكلَّمه بشأن الزواج من فاطمة، وهنا انشرحت أسارير النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فكأنّما كان ينتظر ذلك بل يعدّ له، فقال لعليّ (عليه السلام): وما تملك ما مال؟

وهو يعرف ما عنده وما يملكه، لأنّه هو الذي ربّاه، وكان عليّ (عليه السلام) معه في حلّه وترحاله، في ليله ونهاره، في سلمه وحربه، فهو من يعرف ميزانيّته المالية كما يعرف فضائله العلمية وخصاله الروحية، ومع ذلك سأله ـــ وكم من سائل عن أمره وهو عالم ــ "ما معك؟ قال: معي درعي وسيفي وهذه الثياب التي ألبسها، قال (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): أمّا سيفك فلا تستغني عنه لأنّه السيف الذي تذبّ به عن الإسلام وتجلو به الكرب عن وجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولكن أعطني درعك"(2). وبيع الدرع بــ 500 درهم، وكان ذلك مهر الزهراء التي رضيت بعليّ زوجاً وعاشت معه حياة هنيّة لكنّها مليئة بالجهد والتعب والمشقّة، وعانَتْ في حياتها ما لم تعانه امرأة سواها.

 

لا كفؤ لفاطمة غير عليّ:

 وأهم ما يلفتنا في هذا الزواج هو ما جاء في الحديث المروي في كشف الغمّة عن الإمام جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) ـــ وفي غيره روي عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ قال (عليه السلام): "لولا أنّ الله تبارك وتعالى خلق أمير المؤمنين (عليه السلام) لفاطمة، ما كان لها كفؤ على وجه الأرض"(1).

فما هي هذه الكفاءة التي يقصدها الحديث الشريف؟

بالتأكيد ليست هي كفاءة النسب، لأنّ هناك أكثر من ابن عم للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وإنّما هي كفاءة الروح وكفاءة العقل والفكر والإيمان، فقد كانت فاطمة من خلال إيمانها وعقلها وفكرها وروحها وطهرها وجهادها وزهدها، كفؤاً لعليّ (عليه السلام)، عليّ الذي كان في المستوى الأعلى من كلّ هذه الصفات والمعاني والقِيَم والآفاق التي تحلّق مع الله سبحانه. لقد أمر الله رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بأنْ يزوّج الكفؤ بالكفؤ والطهر بالطهر، لأنّ هناك أكثر من نقطة يلتقيان عليها، كيف وقد تربّيا على يد رسول الله، ونهلا من معينه علماً وأخلاقاً وروحاً، وعاشا معه بما لم يعشه أي صحابي أو صحابية من أصحابه، فقد كانا معه في اللّيل والنهار، وكان (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ينطلق ليربّيهما ويصنعهما على صورته استجابةً لنداء الله سبحانه {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء : 214]، وحتى عندما انكفأت عنه عشيرته وكلّ الناس، كان أقرب الناس إليه روحاً وإيماناً فاطمة وعليّ (عليهما السلام). ومن هنا لاحظنا ـــ من خلال التاريخ الواصل إلينا ـــ أنّ ما عاشه عليّ من روح ومن انفتاح على الله ومن معرفة بالله، كانت تعيشه فاطمة (عليها السلام). ولو أنّنا درسنا عبادة عليّ وعبادة فاطمة لوجدنا أنّهما يعيشان في المستوى نفسه من القرب لله والانفتاح عليه، والمعرفة بكلّ أسرار قدسه وصفاته وأسمائه.

وهنا يكمن سرّ قوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "لولا عليّ لما كان لفاطمة كفؤ". وبالالتفات إلى ذلك نفهم سرّ تمنّع رسول الله من تزويجها من أكابر الصحابة. وقد روى "الصدوق" في (عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بسنده عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) عن أبيه موسى الكاظم (عليه السلام) عن آبائه عن عليّ (عليه السلام) ـــ وهذه هي سلسلة السند التي قال عنها الإمام أحمد بن حنبل: "إنّها لو قرئت على مجنون لأفاق"(1)، لأنّها من إمام إلى إمام إلى إمام إلى عليّ (عليه السلام) إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ أنّه قال: "قال لي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): يا عليّ، لقد عاتبني رجال من قريش في أمر فاطمة وقالوا خطبناها إليك فمنعتنا وزوّجتها عليّاً، فقلت لهم: والله ما أنا منعتكم وزوّجته، بل الله منعكم وزوّجه، فهبط عليَّ جبرئيل فقال: يا محمّد، إنّ الله جلّ جلاله يقول: لو لم أخلق عليّاً لما كان لفاطمة ابنتك كفؤ على وجه الأرض آدم فمن دونه"(2).

قصّة خطبة عليّ (عليه السلام) ابنة أبي جهل:

ويهمّنا هنا ونحن نتحدّث عن زواج عليّ (عليه السلام) بفاطمة وكفاءة أحدهما للآخر، أن نعرّج للتعليق على قصّة ذكرها الرّواة تتعلّق بخطبة عليّ (عليه السلام) امرأة أخرى غير الزهراء ممّا أثار غضبها. وإليك القصّة كما جاءت في بعض الروايات المنسوبة إلى الإمام الصادق (عليه السلام): "جاء شقي من الأشقياء إلى فاطمة بنت محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فقال لها: أمَا علمت أنّ عليّاً قد خطب بنت أبي جهل، فقالت: حقّاً ما تقول؟ فقال: حقّاً ما أقول ـــ ثلاث مرات ـــ فدخلها من الغيرة ما لا تملك نفسها، وذلك أنّ الله تبارك وتعالى كتب على النساء غيرة وكتب على الرجال جهاداً، وجعل للمحتسبة الصابرة منهنّ من الأجر ما جعل للمرابط المهاجر في سبيل الله، قال: فاشتدّ غمُّ فاطمة (عليها السلام) من ذلك، وبقيت متفكّرة هي حتّى أمست وجاء اللّيل، حملت الحسن على عاتقها الأيمن والحسين على عاتقها الأيسر وأخذت بيد أم كلثوم بيدها اليمنى ثمّ تحوّلت إلى حجرة أبيها، فجاء عليّ (عليه السلام) فدخل في حجرته فلم يرَ فاطمة (عليه السلام)، فاشتدّ لذلك غمّه وعظم عليه، ولم يعلم القصّة ما هي، فاستحيى أن يدعوها من منزل أبيها، فخرج إلى المسجد فصلّى فيه ما شاء الله، ثمّ جمع شيئاً من كتب المسجد واتّكأ عليه، فلمّا رأى النبيّ ما بفاطمة من الحزن أفاض عليه الماء ثمّ لبس ثوبه ودخل المسجد، فلم يزل يصلّي بين راكع وساجد، وكلّما صلّى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحزن والغمّ، وذلك أنّه خرج من عندها وهي تتقلَّب وتتنفَّس الصعداء، فلمّا رآها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّها لا يهنّئها النوم وليس لها قرار قال لها: قومي يا بنيّة، فقامت، فحمل النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) الحسن وحملت فاطمة الحسين وأخذت بيد أم كلثوم، فانتهى إلى عليّ (عليه السلام) وهو نائم، فوضع النبيّ رجله على رجل عليّ فغمزه وقال: قم يا أبا تراب، فكم ساكن أزعجته.."(1).

وتعليقاً على هذه القصّة المرويّة في مصادر السُنّة(2) والتي تسرّبت إلى المصادر الشيعيّة، نقول إنّها أسخف من أن يرد عليها، لأنّ أصابع الوضع والاختراع بادية عليها، ولكن مع ذلك نقول:

1 ـــ إنّ عليّاً (عليه السلام) الذي ارتفع بروحه وإيمانه ومحبّته لله ورسوله إلى أعلى مستوى من الارتفاع، والذي عرف الزهراء قبل أن يتزوّجها، عرف قيمتها وعظمتها في فكرها وروحها وكلّ خصالها ومناقبها وفي كلّ قربها من الله ورسوله، وعليّ (عليه السلام) الذي عاش مع فاطمة وامتزجت روحه بروحها وقدّمت له كلّ ما يحتاجه ويريده، عليّ هذا لا يمكن أن يفكّر في أيّة امرأة أخرى ما دامت الزهراء على قيد الحياة، لأنّ الزهراء (عليها السلام) كانت كفؤاً لعليّ تملأ حياته بكلّ ما يحتاجه من محبّة وسكينة واستقرار، وغير ذلك من الحاجات الروحية والمادية. لقد كانت الزهراء كلّ حياة عليّ (عليه السلام)، انصهرت روحه بروحها، ونستطيع أن نقرأ إحساس عليّ بمعنى الزهراء وقيمتها في كلمته التي أبّنها بها عندما فارقت الحياة، ولهذا لا يمكن لعليّ أن يخرّب حياته وبيته بيده، لاسيّما إذا كانت الإنسانة الأخرى بنت أبي جهل عدوّ الله ورسوله.

2 ـــ ثمّ لو سلّمنا بصحّة الرواية، فلماذا تنزعج الزهراء وتغتمّ وتترك بيتها مع أولادها؟! هذا لا يمكن قبوله، لأنّ الزهراء أعظم من أن تتنكّر للتشريع الإلهي الذي يسمح بتعدُّد الزوجات، وهي ليست امرأة كسائر النساء لنعقل صدور هكذا موقف منها، بل هي سيّدة نساء العالمين، وهي الإنسانة المعصومة التي عاشت كلّ حياتها لله وفي سبيله، فلا يمكن أن تخالف تعاليمه وأحكامه.

3 ـــ ثمّ كيف ينزعج رسول الله من عليّ (عليه السلام) مع أنّه قام بعملٍ لا يخرج عن دائرة الشرع الإسلامي، بل هو موافق لنصّ القرآن، ولفعل النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) نفسه، حيث إنّه تزوّج أكثر من امرأة، وإنْ خصَّه الله بالزيادة على الأربع.

إنّ هذه القصّة المخترعة أُريد بها الإساءة إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أوّلاً وإلى الزهراء (عليها السلام) ثانياً وإلى عليّ (عليّ) ثالثاً، لاسيّما من الذين لم يرتاحوا إلى تفضيل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عليّاً على بقيّة الصحابة عندما خطبوا ابنته فاطمة، فردّهم وخصّ بها عليّاً (عليه السلام). وفي ختام تعليقنا على هذه الرواية نقول: "حدِّث العاقل بما لا يليق، فإنْ لاقَ له فلا عقل له"، ولأنّنا نملك عقولنا فلا نجد مناصاً من رفضها.

رعايتها لزوجها:

يحدّثنا تاريخ الزهراء (عليها السلام) أنّها عاشت مع زوجها كأفضل ما تكون الزوجة محبّةً ووفاءً وطاعةً ورعايةً، ولذا يذكر التاريخ أنّها وفي أيّامها الأخيرة التي أوصت فيها عليّاً بوصاياها، قالت له (عليها السلام): ".. ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عرفتك" فقال لها: "أنتِ أبرّ وأتقى وأعرف بالله من أنْ أوبِّخك في شيء من ذلك"(1).

فقد كانت ترعى زوجها وهو مثقل بأعباء الجهاد ومسؤوليته التي جعلته يخرج من حرب إل حرب أخرى من حروب الإسلام، ولم تتأفَّف من ذلك مع كلّ ما يمكن أن يفرضه ذلك من ضريبة قاسية على نساء المجاهدين، لاسيّما أمثال أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي كان ليث الحروب وأسد الله ورسوله، ينتقل من معركة إلى أخرى ومن غزوة إلى غزوة، وكانت مثقلة بتربية الأولاد وهموم البيت، ولكنّ ذلك كلّه لم يمنعها من أن تخلص لدورها في البيت كزوجة، وأنْ ترعى زوجها وأولادها كما ترعى أباها كأفضل ما تكون الرعاية، وتهتمّ بهم أفضل الاهتمام.

الإخلاص والوفاء له:

وهكذا عاشت الزهراء حياتها وهي تخلص لزوجها في كلّ مسؤوليّاتها الزوجية، عاشت مع زوجها كأيّة زوجة مسلمة تعيش مع زوجها، فلم تميِّز نفسها من خلال أنّها ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، بل كانت مسلمة كأفضل ما تكون المسلمات في مسؤوليّاتها الزوجية، تطحن وتعجن وتخبز وتربّي أولادها(2) وهم يتتابعون، مع ما كانت عليه من الضعف منذ بداية حياتها كما ينقل الذين كتبوا سيرتها.

وهكذا أيضاً كانت الوفيّة كأوفى ما تكون الزوجات، وهذا ما شهد لها به عليّ (عليه السلام) وصدّقه بقولها: "ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عرفتك"، قائلاً: "أنتِ أبرّ وأتقى وأعرف بالله من أن أُوبِّخكِ في شيء من ذلك".

وكيف يوبّخها وهي التي كانت تتطلَّع في عينيه فتفهم ما يريد، وفي قسمات وجهه فتعرف ماذا يحبّ أو يكره، وفي حركة فكره كيف يفكّر؟!

أعطت الراحة والروح والسعادة لبيت زوجها:

وعاشت مع عليّ (عليه السلام) الذي عاش معها روحه وعاش معها جهاده، ولم يكن البيت تقليدياً في روحيّته وحيويّته، وإنْ كان تقليدياً ــ في أقلّ مراتب التقليد ـــ في أثاثه ومساحته. لقد جعلت من بيتها حضناً ومهداً للرسالة ومنزلاً إسلامياً يفيض بالخشوع والرحمة وتتألّق فيه القِيَم الإسلامية، جعلته بيتاً لله، وللطهارة وللحق وللعدل والرحمة والمحبّة، من خلال روحانيّتها وعبادتها وزهدها وفكرها وعقلها واستقامتها التي منحتها لهذا البيت، فصار جوّه جوّاً إسلامياً متكاملاً، بحيث استطاع عليٌّ أن يجد فيه الراحة والسعادة والانطلاقة والانفتاح، لأنّ الدّعاة الكبار يحتاجون عندما يعيشون مع المرأة المسلمة كزوجة، أن يتنفَّسوا في بيوتهم الإسلام ليعيشوا دوماً في أجواء الروحانية والرسالية، وقد وجد أمير المؤمنين ذلك كلّه في بيت فاطمة (عليها السلام)، بحيث كان يدخل البيت فيرى الإسلام يحيط به من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فصار يتنفَّس الإسلام في البيت مع ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) كما كان يتنفَّس الإسلام في المسجد مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، هذا من جهة أحد ركني البيت الزوجي، أعني فاطمة (عليها السلام).

وأمّا من جهة عليّ (عليه السلام) الركن الآخر له، فكان أيضاً الزوج المسلم، كان مع الحقّ وكان الحقّ معه، ولهذا أعطى فاطمة (عليها السلام) من عقله ومن روحه واستقامته وعبادته وزهده، فصارت أيضاً تتنفَّس الإسلام في بيتها من خلال عليّ (عليه السلام)، فتكامَلَ البيت بهما، وكانت ابتهالاتهما لله وعبادتهما له وسجودهما بين يديه وتنهّداتهما في المحبّة له والخوف منه، كانت تمتزج ببعضها البعض، وتتصاعد نحو الخالق متعانقة متماسكة.

 

عاشا (عليهما السلام) للإسلام:

قال عليّ (عليه السلام): "ما أغضبتها مدّة حياتي معها ولم تغضبني ولم تعصِ أمري مدّة حياتها معي"(1). كان الرضا يعيش معهما لأنّهما عاشا رساليين، وكانت الرسالة أكبر همّهما، تحدّثه ويحدّثها عن حركة الإسلام في حربه وسلمه، يتحدّثان عن آية نزلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) هنا وآية نزلت هناك، وما هو امتداد الآيات في الحياة وما هي حركتها في الواقع، لأنّ الآية عندما تنزل لا تكون مجرّد حروف تمثّل كلمة، ولا مجرّد كلمة تتبعها كلمات، ولكنّها أُفق يفتح للإنسان الكثير من أبواب الروح وآفاق الإبداع، يجري مع كلّ جيل ويتحرّك في كلّ زمان، كما قال الإمام الباقر (عليه السلام): "لو أنّ الآية نزلت في قوم ثمّ مات أولئك ماتت الآية لَمَا بقي من القرآن شيء، ولكنّ القرآن يجري أوّله على آخره ما دامت السموات والأرض"(2) وعن الإمام الصادق (عليه السلام): ".. إنّ القرآن تأويله يجري كما يجري اللّيل والنهار وكما تجري الشمس والقمر.."(3).

أُنْس الرسول ببيت فاطمة:

ولأنّ عليّاً وفاطمة عاشا للإسلام وانطلقا مع الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في كلّ آلام رسالته وانطلاقاتها، لذلك وجدناه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يقضي أكثر وقته في بيتهما لِمَا فيه من أجواء رسالية عابقة بالإيمان والأخلاق، فرغم أنّ للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أكثر من زوجة وبيت، لكنّه كان يختار بيت فاطمة ليقضي فيه أكثر وقته، لأنّه لم يجد عندهن ما وجده عند فاطمة من الأُنس، وكان إذا سافر فآخر الناس به عهداً هو فاطمة وبيتها، وإذا عاد من سفره فأوّل الناس به عهداً هو فاطمة وبيتها، لماذا؟ هل هي عاطفة الأب؟! أو هو وعي الرسول لمعنى الرسالة المتجسّد في بيت هذه الإنسانة التي لا يوجد مثلها قدوة تمثّل الطهر كلّه، لأنّها النموذج الذي صنعه رسول الله بعد أنْ صنعها الله سبحانه ليقدّمها قدوة للمرأة، فيكون الرسول وأمير المؤمنين أُسوة حسنة لكلّ الناس، وتكون الزهراء أُسوة حسنة لكلّ النساء بل والرجال أيضاً.

الانسجام الكامل بينها وبين عليّ:

ومن الضروري أنْ نؤكّد أنّ كلّ ما ينقل ويروى أو يُتحدَّث به البعض ممّا يوحي بأنّ الزهراء (عليها السلام) كانت تتّهم عليّاً بالتقاعس لأنّه لم يرفع وتيرة الاحتجاج على القوم الذين سلبوها فدكاً، إنّ هذا النمط من الروايات مرفوض، لأنّ الزهراء (عليها السلام) تعرف قيمة عليّ (عليه السلام) ومنزلته عند الله، وتعرف أنّه لا يمكنه القيام بردّ فعل قويّ، لأنّ ذلك سيخلق مشكلة كبيرة تهزّ الواقع الإسلامي كلّه، وتعرف أنّه كان موصى مِنْ قِبَل النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بأن لا يقوم بأيّة حركة مضادّة لا يحتملها الواقع الإسلامي، وفوق ذلك كلّه، فإنّ الزهراء (عليها السلام) وعليّ (عليه السلام) كانا معصومين مقدّسين منفتحين على الرسالة لا على الذّات، ويتحرّكان من مواقع رضا الله لا رضا أنفسهما، وقد قالها عليّ (عليه السلام) وهو يخاطب أصحابه: "ليس أمري وأمركم واحداً، إنّني أريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم"(1)، ولا يمكن للمعصومين أن يختلفوا فيما بينهم ما دام أنّه ليس في فكرهم وعقلهم وقلبهم وكلّ حركتهم شيء للذّات.

الزهراء أكبر من أن تشتم عليّاً (عليه السلام):

ولهذا، ولأنّ الزهراء (عليها السلام) كانت الوفيّة والمخلصة لزوجها، المنسجمة معه روحاً وروحانية كما سلف، ولأنّها كانت زوجة كأعظم ما تكون الزوجات وفاءً وإخلاصاً، "ما عهدتني خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتك"(2)، لهذا كلّه، لا يعقل أن يصدر عنها ما تسيء به إلى عليّ (عليه السلام)، ومن هنا فإنّي أرفض بقوّة أن تكون فاطمة (عليها السلام) قد قالت له: "يا بن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظنين ـــ المتّهم ـــ... ما كففت قائلاً، ولا أغنيت طائلاً ولا خيار لي.."(1).

لأنّ هذه الكلمات شتائم، والزهراء أكبر من أن تشتم عليّاً (عليه السلام) أو تقول له ما فائدتك؟! إنّك لم تغنِ شيئاً ولم تنفع شيئاً، إنّك كالجنين، فقد "مات العمد ـــ تعني رسول الله ـــ ووهن العضد"(2).

يعني أنّك لا تمثّل شيئاً ولا تستطيع أن تحميني ولا تستطيع أن تأخذ بحقّي.. إنّ الزهراء أجلّ وأرفع من أن تقول ذلك!.

تقاسم مسؤولية البيت:

كان عليّ وفاطمة (عليها السلام) يتحسَّسان مسؤولية البيت فاقتسماها، وفي أحاديثنا أنّ الزهراء تقاضت مع عليّ عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ تقاضي المحبّة ـــ حتّى يقسّم العمل بينهما، فصار الاتّفاق أنّ الزهراء تطحن وتعجن وتخبز وأنّ أمير المؤمنين يكنس البيت ويستقي الماء ويحتطب(3).

وفي ذلك درس للرجال والنساء معاً:

أمّا درس الرجال، فأنْ يتعلَّموا من عليّ أن لا يتكبَّروا على خدمة المنزل، فعليّ كان يكنس ويستقي ويحتطب، والرجل منّا لا يرضى لرجولته أن يكنس ويستقي، لكنّ عليّاً وهو سيّد الرجال كان لا يرى بأساً في كنس البيت، لأنّ البيت بيته والزوجة زوجته، هي إنسان كما هو إنسان، والرجل مهما كان عظيماً ليس أكبر من أن يخدم أولاده وزوجته وأباه وأُمّه وأخوته ومن هو مسؤول عنه.

والدرس نفسه ينبغي أن تتعلَّمه النساء، بأن لا يعتبرن أنّ العمل في البيت يمثّل احتقاراً لهنّ، كما هي العقلية التي ولدت عند بعض النساء المسلمات مؤخّراً، فالزهراء كانت تعمل وتطحن وتخبز، ونحن وإنْ قلنا مراراً إنّ الله لم يفرض على المرأة، ابنةً كانت أو زوجةً، أن تخدم في البيت، بيت أبيها أو زوجها، بالمعنى الشرعي للإلزام، ولكنّ الله أراد للإنسان عندما يعيش في أي موقع يتطلّب المشاركة، أن يندفع طبيعياً بحسب طاقته، حتّى يشارك في هذه الطاقة ويفجّرها، والإنسان الذي يقف في موقع المسؤولية ويهمل ما أحبّه الله وإنْ لم يلزمه به، هو إنسان لا يعيش الإحساس بموقعه الإنساني تجاه الإنسان الآخر، فالله عندما لم يلزم المرأة بالعمل البيتي أو تربية الأطفال والإرضاع، لم يرد للمرأة أن تكون سلبيّة أمام ذلك، وإنّما أراد لها أن تكون إنسانة العطاء لتقدّم من قلبها ومن طاقتها ومن جهدها بوعيها واختيارها، أنْ تقدّم ما لا يجب عليها عطاءً في سبيل الله {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} [الإنسان : 9]، بحيث تشتغل في بيتها وتخدم أولادها لوجه الله، كما تصوم وتصلّي لوجه الله وتضحّي لوجه الله.

إنّ بعض الناس يفكِّرون في حركة مسؤوليّتهم في الحياة بالحسابات المادية، ونحن كمؤمنين ومؤمنات لا بدّ أن نفكّر بالحسابات الإلهيّة إلى جانب الحسابات الدنيوية، نحن عبيد الله ونريد أن يحبّنا الله، والله يحبّنا إذا فعلنا ما يرضيه، سواء كان ما يرضيه ممّا أوجبه علينا أو ممّا استحبَّه لنا، وإنْ ممّا استحبَّه للمرأة هو خدمة بيتها وزوجها، حتّى أنّه اعتبر ذلك جهاداً، ولذلك عندما قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "جهاد المرأة حُسْنُ التبعُّل"(1)، فلأنّه يعرف بشدّة المعاناة فيما تعيشه مع زوجها وفيما تصبر به على أذى زوجها(2)، وما تتحمّله من إحساساته التي قد تثقل إحساساتها، هذا إنْ لم تكن نعيش معه معاناة كبيرة، فإطلاق الجهاد على حسن التبعّل لكون الجهاد يثقل المجاهدين حتّى يأخذ منهم أرواحهم، وكذلك المرأة تعاني مع زوجها حتّى تكاد تفقد روحها، فإذا صبرت صبر الواعي، وصبر الإنسانة التي تملك شرعاً أن تمتنع عن الخدمة، فإنّها تعتبر من المجاهدات في سبيل الله، ويكون لها أجر المجاهدين.

باختصار، إنّ مسألة الخدمة ـــ أنْ يخدم أحدنا الآخر في دائرة مسؤوليته ـــ ليست مسألة تتّصل بالكرامة لتعتبر المرأة أنّ العمل في البيت احتقار لشخصيّتها أو يعتبر الرجل أنّ مشاركتها في العمل احتقار له أيضاً، وإنّما هي مسألة تتّصل بالإنسانية، وقيمة الإنسان في هذه الدنيا أن يخدم الإنسان ويخدمه الإنسان الآخر، وليس هناك إنسان خادم بالمطلق، وليس هناك إنسان سيّد بالمطلق، كلّ إنسان منّا سيّد في دائرة وخادم في دائرة أخرى.

البيت بنظر هؤلاء محضنٌ لا سجن:

إنّ ما نستوحيه ممّا وصلنا من سيرة الزهراء (عليها السلام)، أنّها لم تكن ترى البيت مشكلة لها أو سجناً، ولا الأمومة أو الزوجية عبئاً، كما ربّما نلتقي الآن بنماذج نسائية في مجتمعنا ممّن يشعرون ومن خلال العنوان الفضفاض للحرّية، أنّ البيت أو الزوجيّة أو الأمومة تمثّل عبئاً ثقيلاً، لاسيّما إذا تحرّكت الظروف لتقسو عليهن بكثيرٍ من الأعباء والمشاكل والآلام، فيشعرون بالعبء الثقيل على أكتافهن، وبالضغط الروحي الذي يجعلهن يعشن العقدة إنْ لم يستطعن أن يعشن التمرُّد، لكنّ الزهراء (عليها السلام) كانت ترى أنّ البيت لم يختره لها أحد، وأنّ الزوجية ليست عنصر ضغط عليها، وأنّ الأمومة ليست خياراً صعباً في حياتها، فهي اختارت أن تكون زوجة ترعى زوجها ويرعاها، وهي اختارت أن ترعى شؤون البيت وأن تكون أُمّاً تربّي أولادها. وليس اختيارها حالة ذاتية مختنقة أو رهناً للعادات والتقاليد، ولكنّها رأت ـــ اختيارياً ـــ أنّ تلك هي مسألة الحياة، فالزوجية قانون وسنّة وعمليّة تكامل وليست عملية مصادرة إنسان لإنسان، والأُمومة هي سرّ امتداد الإنسانية في الحياة، وإذا كان البعض ينظر إلى البيت على أنّه سجن، فإنّ نظرة الإسلام له أنّه المحضن الذي يربّي الأجيال ويصنع الرجال العظام والنساء العظيمات.

إنّ بعض الناس ينظرون إلى جانب من الصورة فيسيئون الحكم عليها، ولكنّنا إذا نظرنا إلى الصورة من جميع جوانبها فلن تكون سلبية وسيّئة بشكلٍ مطلق يوحي بالسقوط، ولا إيجابية بشكلٍ مطلق يوحي باللاواقعية. ولهذا فقصّة أن تكون المرأة زوجة كقصّة أن يكون الرجل زوجاً، وقصّة أن تكون المرأة أمّاً كقصّة أن يكون الرجل أباً، وإذا كانت الأمومة تضغط على المرأة من خلال ما تتحمّله من صعاب جسدية ونفسية، فإنّ الأُبوّة تضغط على الرجل لما تفرضه من مسؤوليات عن البيت الزوجي تضطرّه إلى الهجرة والاغتراب سعياً وراء العمل وتأمين مستلزمات العائلة، وإذا كانت المعاناة بينهما تختلف في طبيعة الشكل، فإنّها تتّفق في طبيعة الجوهر فيما هو الضغط وفيما هي الآلام والمعاناة التي تصنع الحياة.

حزن عليّ (عليه السلام) على البتول:

لقد عاش عليّ (عليه السلام) مع فاطمة (عليها السلام) مدّة قصيرة في حساب الزمن ولكنّها كبيرة في معنى القِيَم، فقد كانت تناغي بروحها روحه، وتضمّ عواطفها إلى عواطفه، وتعطيه المحبّة وتشاركه الهموم وتخفّف عنه الأحزان، كانت سلوته الوحيدة في الزمن الذي عزّ فيه الصديق وغدر فيه الزمان وقلّ فيه الناصر والمعين، كانت تجسّد رسول الله أمام ناظريه في كلّ أقوالها وأفعالها، فكيف كان حال عليّ وهو يراها مسجّاة أمامه وقد فاضت روحها الطاهرة إلى بارئها؟! كيف كانت مشاعره وعواطفه وهو يوسّدها في ملحودة قبرها؟

لقد كان عليّ يشعر بالسكينة والاطمئنان وهو إلى جانب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فلمّا غاب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بقي يعيش السكينة والطمأنينة الروحيّة مع الزهراء البتول، فلمّا غابت الزهراء (عليها السلام) وأفل نجمها، شعر عليّ بالغربة وأحسّ بالوحدة وامتلأ قلبه بالحزن الكبير، لا من جهة فقد قرابة هنا أو قرابة هناك، بل لأنّه لم يعدْ يوجد إنسان يعيش معنى عليّ (عليه السلام) ويعيش عليّ (عليه السلام) معناه، لم يعد يوجد إنسان يلجأ إليه عليّ (عليه السلام)، كما كانت فاطمة (عليها السلام)، لأنّها كانت كفؤاً لعليّ (عليه السلام)، كما كان عليّ (عليه السلام) كفؤاً لها، كان عقلها عقله وقلبها قلبه، فهما صنيعتا رسول الله وتلميذاه اللّذان نهلا من معين علمه. ولهذا أحسّ عليّ بفقدها أنّه فَقَدَ كيانه، ومَن يفقد كيانه فلا بدّ أن يشعر بالغربة عن هذا العالم.

وداع الزهراء (عليها السلام):

ونستشعر وقع هذه الغربة وأليم الحزن ولوعة الفراق التي أصابت عليّ (عليه السلام) بفقد الزهراء من الكلمات الحزينة التي قالها (عليه السلام) في تأبين الزهراء ووداعها، فقد روى الشريف الرضي في نهج البلاغة عن الإمام الحسين (عليه السلام)، أنّ ممّا ودَّع به عليّ (عليه السلام) زوجته فاطمة (عليه السلام) قوله: "السلام عليكَ يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك ـــ وفي هذا إشارة إلى أنّها دفنت إلى جوار رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، كما سيأتي في الحديث عن موضع قبرها ـــ والسريعة اللّحاق بك.. قلّ يا رسول الله عن صفيتك صبري ـــ فقد وصلتُ إلى حدٍّ أكاد أفتقد فيه الصبر، وهذه مبالغة فيما كان يتحسَّسه من ألم الفقد، وإلاّ فإنّ عليّاً (عليه السلام) هو الصابر الذي لا صبرَ كصبره ـــ ورقَّ عنها تجلّدي ـــ أي لم أستطع أنْ أتماسك ـــ إلاّ أنّ لي في التأسّي بعظيم فرقتك ــ فلقد فارقتك وأنتَ الأعظم والأبرّ والأحبّ والأقرب ـــ وفادح مصيبتك ـــ لأنّنا فقدنا بفقدك الوحي الذي كان ينزل علينا من السّماء بألطافه كلّها، كان لي في ذلك ـــ موضع تعزّ، فلقد وسّدتك في ملحودة قبرك ـــ لأنّه قام بتغسيله وتجهيزه وتكفينه ودفنه والقوم مشغولون في السقيفة ـــ وفاضت بين نحري وصدري نفسك، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون ـــ فإنّ روحه الشريفة فاضت إلى بارئها وعليّ (عليه السلام) يحتضنه ويضمه إليه.

فلقد استرجعت الوديعة ـــ أي الزهراء التي كانت عند عليّ (عليه السلام) وديعة، وقد حافظ عليها أعظم محافظة، لا كما يقول البعض من أنّه آذاها في بعض الأعمال(1) ـــ وأخذت الرهينة، أمّا حزني ـــ الذي يعيش في القلب حزناً رسالياً يتحسَّس معنى مَنْ فقد ـــ فسرمد ـــ أبدي ـــ وأمّا ليلي ـــ حينما أفتقدك يا رسول الله، يا مَنْ كنتَ أُنْس نهاري، وأفتقد ابنتك التي كانت أُنس ليلي ـــ فمسهّد ـــ فلا تستطيع عيني أن تغفو وتنام، لأنّ ذكرياتكما تفرض عليّ اليقظة ـــ إلى أنْ يختار الله لي دارك التي أنتَ بها مقيم ـــ فأنا وحدي، أعيش في اللّيل وحدي، وأسير في النهار وحدي وإنْ كان الناس كلّهم معي، لأنّ العلاقة العميقة بين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وبين عليّ (عليه السلام) هي علاقة لا نظير لها، فرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) هو أبو علي بالتربية ومعلّمه ومرشده وأخوه ورفيقه، ولذلك نَمَتْ بينهما علاقة لا فراغ فيها قطّ ـــ وستنبئك ابنتك تضافر أُمّتك على هضمها ـــ في ما تعرّضت له من مظالم ـــ فأحفَّها السؤال ـــ فقد حدثت لها ولأُمّتك كلّها بعد رحيلك مشاكل كثيرة وحوادث أليمة ـــ واستخبرها الحال، هذا ولم يطلّ العهد، ولم يخل منك الذكر ـــ فلا يزال ذكرك يعيش فينا ولم يطلّ عهدنا بك، ومع ذلك حصل ما حصل ـــ والسلام عليكما سلام مودّع، لا قالٍ ولا سئم، فإن انصرف فلا عن ملالة، وإنْ أقم فلا عن سوء ظنّ بما وعَدَ الله الصابرين"(1)، فلست جزعاً عندما أقف على قبرك وقبر ابنتك مودعاً، ولستُ متنكِّراً لقضاء الله وقدره، وأنا أعلم أنّ الدنيا لا تدوم لأحدٍ من الخلق، وأنّه لا يبقى إلاّ وجهك الكريم، تعاليت عن الموت والفناء واختصصت بالعزّ والبقاء.

 

 

 

 

 

تربية أولادها

اتّضح ممّا سلف أنّ فاطمة (عليها السلام) عاشت حياةً متعدّدة في وقتٍ واحد، وتحمّلت مسؤوليات كثيرة في آنٍ واحد، فمضافاً إلى مسؤوليّتها مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وعنه، حتّى أنّه لم يقبل أن تفترق عنه حتّى بعد زواجها، ولذا لم يرض أن تسكن في بيت بعيدٍ عنه، بل ضمّها إلى البيت الذي يقارب بيته بحيث يدخل من بيته إلى بيتها(1)، ومضافاً إلى مسؤوليّتها مع عليّ (عليه السلام) الذي أخلصت له كزوجة وهيّأت له الجوّ الذي يحتاجه الزوج المسلم المجاهد في مستوى عليّ (عليه السلام).. مضافاً إلى ذلك كلّه، فإنّها (عليه السلام) قد قامت مع عليّ (عليه السلام) بتأسيس بيت إسلامي نموذجي عاشا فيه الأبوّة والأمومة، وأنتجا حَسَناً وحسيناً وزينب (عليها السلام)، وقامت الزهراء (عليها السلام) بدورها كأمٍ ترعى أولادها وتربّيهم وهم يتتابعون، وهي على ما هي عليه من الضعف، تربّيهم التربية الإسلامية الرائعة، وتعمّق في شخصيّتهم كلّ معاني الحبّ لله، وكلّ معاني السير في خطّ رسول الله، وكلّ معاني الجهاد في سبيل الله، وتعطيهم كلّ الطهر من طهرها، وكلّ الأمومة من أمومتها، وكلّ النقاء من نقائها، لأنّها كانت تمثّل غاية الطهر والصفاء، وكذلك كان أبوها وبعلها، وهكذا ابناها.. كان الطهر يتفايض من عقولهم وقلوبهم وحياتهم، فلا يدنو الرّجس منهم، ولأنّهم كانوا كذلك أنزل الله فيهم قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب : 33].

لقد تحمّلت الزهراء سيّدة نساء العالمين مسؤوليّاتها كربّة بيت، وأجهدت نفسها في إدارة شؤون هذا البيت وإعداد أولادها إعداداً إسلامياً نموذجياً وتعليمهم معنى الجهاد في سبيل الله، سلماً كان الجهاد، كما في قضية ابنها الإمام الحسن (عليه السلام)، أو حرباً، كما في قضية ابنها الآخر الإمام الحسين (عليها السلام).

إنّ سرّ فاطمة (عليها السلام) ـــ كما هو سرّ عليّ (عليه السلام) ـــ يكمن في كلّ هذا الفيض الروحي والعطاء المعنوي الذي أعطته لأبنائها حتّى صاروا يمثّلون الكواكب المضيئة في الواقع الإسلامي كلّه، رغم المعاناة التي عاشوها كما عاشها من قبل أمّهم وأبوهم وجدّهم.. تلك المعاناة التي لم تكن معاناة شخصية وذاتية، بل كانت معاناة في خطّ الرسالة، وهذا ما جعلهم ـــ أبناءها (عليهم السلام) ـــ يتقبّلونها بكلّ رحابة صدر، كما عبَّر الإمام الحسين (عليه السلام) عن ذلك بقوله: "هوّن ما نزَلَ بي أنّه بعين الله"(1)، وعبّرت عنها زينب (عليها السلام) بقولها: "اللّهم تقَبَّل منّا هذا القُربان"، وقولها للطاغية ابن زياد: "والله ما رأيتُ إلاّ جميلاً"(2). وكيف لا يكونون كذلك وقد شاهدوا أباهم وأُمّهم من قبل يظلمان ويعانيان ويتألّمان من أجل الرسالة، ومع ذلك يقول أبوهم عليّ (عليه السلام): "لأسالمن ما سلمت أُمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلاّ عليّ خاصّة"(3).

فالقضية عند أهل البيت هي رضا الله، وأن تسلم أمور المسلمين، ولو تحمّلوا كلّ الظلم والجور والمعاناة وقدّموا أنفسهم شهداء وقرابين لله الواحد الأحد.

إعدادها لابنتها زينب (عليها السلام):

أعدَّت الزهراء ابنتها زينب إعداداً رسالياً، وربّتها على القِيَم والفضائل الإسلامية، ومن هنا رأينا أنّ دور زينب كان شبيهاً بدور أُمّها، جهاداً من أجل قضية الحقّ، وأنّ موقفها كان كموقف أمّها في صلابته وقوّته في الله، وأنّ تحدّيها كان كتحدّي أمّها في مواجهة الظالمين، ولهذا فإنّ موقف زينب، كما موقف أمّها من قبل، يمثّل الشرعية لحركة المرأة المسلمة ومشاركتها في العمل الجهادي والسياسي بالطريقة الإسلامية، بأنْ تقف المرأة في وجه الانحرافات أو الانهيارات التي تحدث في الأُمّة، لتتحدّث بوعي مسؤول ولتقف موقفاً مسؤولاً كما وقفت زينب (عليها السلام) ـــ على خطى أمِّها الزهراء (عليها السلام) ـــ خطيبة صادعة بالحقّ في قوّة منطقها وحجّتها، وصلبة في مواجهة التحدّيات والصّعاب، وشجاعة في كلّ المبادئ، وكلّ ذلك كان بفضل البذور التي زرعتها فاطمة في عقلها وروحها وقلبها وكلّ حياتها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حياتها والمعاناة

قساوة عيشها:

نستطيع أن نصف حياة الزهراء من خلال ما حدّثنا به التاريخ أنّها كانت حياةً عادية لجهة طريقة العيش ووسائل الخدمة والقيام بأعباء البيت وتربية أولادها، فقد كانت (عليها السلام)، ورغم أنّها سيّدة نساء العالمين وبنت أشرف الأنبياء والمرسلين وزوجة أمير المؤمنين وسيّد الوصيين وأُم الحسن والحسين سيّدي شباب أهل الجنّة، كانت تعيش بشكلٍ طبيعي، تطحن وتعجن وتخبز وتطبخ وترعى أولادها وتقوم بكلّ الشؤون التي تتطلّبها طبيعة مسؤولية ربّة البيت في بيتها، وتغلّبت على المعاناة التي لازمتها من طفولتها واستمرّت معها كأقسى ما تكون وهي في بيت زوجها، وهذه المعاناة والمتاعب والصعاب التي تحمّلتها فاطمة (عليها السلام) كانت هي الفارق بين شخصيّتها وشخصية غيرها من النساء، لأنّ بساطة عيشها وقساوة حياتها وخشونة مأكلها وملبسها ممّا يندر أن تصبر عليه النساء، ولكنّها (عليها السلام) صبرت على المعاناة كما صبر عليّ (عليه السلام) عليها.

وتحكي لنا سيرتها قصصاً معبّرة ومؤثّرة في هذا المجال، منها:

1 ـــ أنّه لم يكن لديها إلاّ جلد كبش تستفيد منه كفراش، وقد قالت في ذلك لأبيها: "والذي بعثك بالحقّ نبيّاً، ما لي ولعليّ منذ خمس سنين إلاّ جلد كبش نفترشه بالليل، ونعلف عليه بعيرنا في النهار، وإنّ مخدّتنا حشوها ليف"(1).

كانت تُحدِّث أباها بذلك وهي راضية مطمئنّة قانعة بما قسَمَ الله لها.

2 ـــ وفي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام)، أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) رأى فاطمة (عليها السلام) وعليها كساء من نوع رديء وهي تطحن بيديها وترضع ولدها، فدمعت عينا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وقال: "يا بنتاه تعجّلي مرارة الدُّنيا بحلاوة الآخرة"(1).

3 ـــ وقد شاهدها أحدهم وبين يديها شعير تطحنه وهي تقول: {َمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [القصص : 60].

ذكر الله خيرٌ من الخادم:

4 ـــ وقد قال لها زوجها أمير المؤمنين (عليه السلام) ذات مرّة وهو يرى آثار التعب والإعياء والمعاناة والمشقّة عليها: ماذا لو جئت أباكِ لنطلب منه خادماً يريحك بعض الشيء ويخفِّف متاعبك، لكنّها (عليها السلام) امتنعت أن تكون هي المبادرة لهذا، حياءً من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولذلك لمّا وصلا إلى الرسول كان المتحدِّث عليّاً (عليه السلام)، فقال وهو يخاطب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "إنّها طحنت بالرّحى حتّى مجلت يداها ـــ اخشوشنت ـــ وأثّر في صدرها، وكنست البيت ـــ أو كسحت البيت ـــ حتّى اغبرَّتْ ثيابها ـــ وكأنّه قال: وهي تعاني من مشاقّ المنزل وما يرافقه من تربية الأولاد.. وطلب منه خادماً ممّا يأتيه من الأسرى، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "ألاَ أُعلِّمكما شيئاً إذا تعلّمتماه كان خيراً من الخادم، إذا أخذتما منامكما فكبِّرا الله أربعاً وثلاثين مرّة، واحمداه ثلاثاً وثلاثين مرّة، وسبِّحاه ثلاثاً وثلاثين مرّة، فهو خيرٌ لكما من الخادم، فقالا: رضينا بالله"(2).

قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ذلك وهو يخاطب روحهما ليرتفع بهما إلى أعلى مراتب الكمال، وليربطهما بالله سبحانه، وليخفِّف عنهما، لاسيّما فاطمة، ما يلاقيانه من متاعب ومصاعب، وربّما كان الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لا يملك خادماً يقدّمه لهما، أو كان يملكه ولكنّه لا يريد أن يميِّز بيته وبيت ابنته عن بيوت بعض الفقراء الذين ربّما لا يملكون خادماً. ولذا علّمها ما هو خيرٌ من الخادم، وخلَّد بذلك ما عرف بتسبيح الزهراء (عليها السلام) الذي بقي وسيبقى ذكراً يتحرّك به المؤمنون عقيب كلّ صلاة يصلّونها وقبل أنْ يخلدوا إلى النوم كلّ ليلة من لياليهم، متذكّرين بذلك قساوة عيش سيّدتهم الزهراء التي ابتعدت عن متاعبها وتناست همومها وهي تجلس بين يديّ ربّها لتكبّره وتحمده وتسبِّحه، وليتعلَّموا من خلالها (عليها السلام) كيف يكون العيش مع الله وكيف يأنسون للخلوة معه ويتلمَّسون حلاوة ذكره عندما تداهمهم الهموم وتهاجمهم الصعاب والآلام.

إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يريد من خلال هذا العطاء الذي قدّمه لفاطمة بدلاً من الخادم، أن يقول لها ولعليّ وللمؤمنين من خلالهما، اصبروا وليكن صبركم بالله وفي سبيله، فإنّ المعاناة في هذه الحياة إذا كانت في سبيل الله فإنّها أحلى من العسل.

وفي رواية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو يتحدّث عن معاناة الزهراء (عليها السلام) ويشير فيها إلى قضية التسبيح، أنّه قال لرجل من بني سعد: ألاَ أحدّثك عنّي وعن فاطمة: إنّها كانت عندي وكانت من أحبّ أهله ـــ النبيّ ـــ إليه، وإنّها استقت بالقربة حتّى أثَّر في صدرها، وطحنت بالرحى حتّى مجلت يداها ـــ اخشوشن جلدها من العمل بذلك ـــ وكسحت البيت حتّى اغبرَّت ثيابها، وأوقدت النار حتى دكنت ثيابها ـــ اغبرّ لونها ـــ فأصابها من ذلك ضررٌ شديد، فقلت لها: لو أتيتِ أباكِ فسألته خادماً يكفيك ضرّ ما أنتِ فيه من هذا العمل، فأتت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فوجدت عنده حُدّاثاً، فاستحت فانصرفت، فعلم النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّها جاءت لحاجة، قال: فغدا علينا رسول الله ونحن في لفاعنا ـــ لحافنا ـــ فقال: السلام عليكم، فسكتنا واستحيينا لمكاننا، ثمّ قال: السلام عليكم فسكتنا، ثمّ قال السلام عليكم، فخشينا إنْ لم نرد عليه أن ينصرف، وقد كان يفعل ذلك، يسلّم ثلاثاً فإنْ أذِنَ له، وإلاّ انصرف، فقلت: وعليك السلام يا رسول الله، ادخل، فلم يعدُ أن جلس عند رؤوسنا فقال: يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس عند محمّد؟ قال: فخشيت إنْ لم نجبه أن يقوم، فأخرجت رأسي فقلت: أنا والله أخبرك يا رسول الله، فذكرت له ما كانت عليه فاطمة وما طلبت منها، فقال (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): أفلا أعلِّمكما ما هو خيرٌ لكما من الخادم، إذا أخذتما منامكما فسبِّحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبِّرا أربعاً وثلاثين، قال: فأخرجت فاطمة رأسها فقالت: رضيت عن الله ورسوله (ثلاث مرّات)(1).  

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ظلاماتها

لقد امتلأت حياة فاطمة (عليها السلام) القصيرة التي لم تتجاوز العشرين سنة على بعض الأقوال بالمعاناة الكثيرة والمصائب الجليلة. وقد تحدّثنا عن معاناتها وقساوة عيشها، وبقي أنْ نتحدّث عمّا هو أمَرّ من ذلك وأدهى، أعني مصائبها وظلاماتها التي تعرّضت لها بعد وفاة أبيها، ممّا يدمى له فؤاد الغيور، ويحترق لوقعه قلب المسلم، ويتفتَّت له كبد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وممّا شكَّل جرحاً نازفاً في الجسم الإسلامي أسَّس لجراحات مؤلمة أعقبته وكانت ناتجة عنه، وكان أفجعها وأمَرّها قتل سيّد شباب أهل الجنّة الإمام الحسين وأهل بيته في صحراء كربلاء وسبي نسائه وأطفاله إلى الشام يُساقون كما تُساق الإماء. وهذه الظلامات رواها السُنّة والشيعة، ولا نجازف إذا قلنا إنّ الروايات التي تتحدَّث عن مظلوميّتها متضافرة ومستفيضة، بل تكاد تكون متواترة.

1 ـــ الهجوم على الدار:

ذكر المؤرّخون ومنهم ابن قتيبة في "الإمامة والسياسة"، أنّ القوم جاءوا ـــ بعد وفاة الرسول وحادثة السقيفة ـــ بالحطب ليحرقوا بيت عليّ وفاطمة(1)، تهديداً لهما ولمن يعتبرونهم معارضة قد اجتمعت في بيت عليّ (عليه السلام)، وقد قيل لقائد الحملة: يا هذا، إنّ في البيت فاطمة، وفاطمة هي الإنسانة التي يلتقي المسلمون على حبّها واحترامها وتعظيمها، لأنّها البنت الوحيدة التي تركها رسول الله بعد وفاته، ولأنّها بضعة منه يغضبه ما يغضبها ويؤذيه ما يؤذيها.. فكيف تأتي بالنار لتحرق بيتها؟

ولكنّه قال كلمته الشهيرة التي عبَّر الشاعر المصري (حافظ إبراهيم) عن خطورتها بقوله:

وقولة لعليّ قالها عمر                     أكرم بسامعها أعظم بملقيها

حرّقت دارك لا أبقى عليك بها              إنْ لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص يفوه بها            أمام فارس عدنان وحاميها

وهي قوله: "وإنْ".

ونحن نعتبر هذه الكلمة من أخطر الكلمات، لأنّها تعني فيما تعنيه أنّه لا مقدّسات في هذا البيت، فلا مانع من أن يحرق على أهله!

إنّ هذه الكلمة تشير إلى روحية القوم وما كانوا يهيّئون له، مع أنّهم لو فتحوا باب الحوار الإسلامي من خلال الكلمات الطيّبة، لرأوا أنّ عليّاً هو إنسان الحوار كما كان في كلّ حياته حتّى بعد أن أصبح خليفة، ولوجدوا أنّ فاطمة هي إنسانة الحوار، لأنّ القرآن الذي كانت فاطمة أكثر الناس التزاماً به كان كتاب الحوار، لكنّ القوم كانوا قد تجاوزوا مرحلة الحوار عندما جمعوا الحطب لإحراق بيت الزهراء (عليها السلام)، وقال قائلهم تلك الكلمة جواباً لقولهم إنّ فيها فاطمة، فقال "وإنْ"، والتي تعبّر عن أبشع الظلم الذي تعرّضت له الزهراء (عليها السلام).

2 ـــ مظالم أخرى:

وهناك بعض الحوادث التي تعرّضت لها ممّا لم تتأكّد لنا بشكلٍ قاطع وجازم، كما في مسألة حرق الدار فعلاً، وكسر الضلع، وإسقاط الجنين، ولطم خدّها وضربها.. ونحو ذلك ممّا نقل إلينا من خلال روايات يمكن طرح بعض علامات الاستفهام حولها، إمّا من ناحية المتن وإمّا من ناحية السند، وشأنها شأن الكثير من الروايات التاريخيّة. ولذا فقد أثرنا بعض الاستفهامات كما أثارها بعض علمائنا السابقين رضوان الله عليهم، كالشيخ المفيد(1) الذي يظهر منه التشكيك في مسألة إسقاط الجنين، بل في أصل وجوده ـــ وإنْ كنّا لا نوافقه على الثاني ـــ، ولكنّنا لم نصل إلى حدّ النفي لهذه الحوادث ـــ كما فعل الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء (قدّس سرّه) بالنسبة لضربها ولطم خدّها(2) ـــ، لأنّ النفي يحتاج إلى دليل كما أنّ الإثبات يحتاج إلى دليل، ولكنّ القدر المتيقّن من خلال الروايات المستفيضة، بل المتواترة تواتراً إجمالياً، هو الاعتداء عليها من خلال كشف دارها والهجوم عليه والتهديد بالإحراق، وهذا كافٍ للتدليل على حجم الجريمة التي حصلت.. هذه الجريمة التي أرقّت حتّى مرتكبيها، ولذا قال الخليفة الأوّل لمّا دنته الوفاة: "ليتني لم أكشف بيت فاطمة ولو أعلن عليٌّ الحرب"(3).

ماتت غاضبة على ظالميها:

إنّ قضية الهجوم على دار الزهراء (عليها السلام) وتجميع الحطب على بابها وغير ذلك من المظالم التي لحقت بها ممّا تحدّثت عنه المصادر التاريخيّة، لم يلقَ قبولاً لدى المسلمين بشكلٍ عام، لِمَا للزهراء (عليها السلام) من مكانة في نفوسهم جعلتهم يرون أنّ الإساءة إليها هي إساءة لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ما اضطر اللّذين ظلماها أنْ يأتياها تحت تأثير الضغط العام والاستهجان الكبير لهذه الأعمال، وطلبا من عليّ (عليه السلام) أنْ يستأذن لهما بالدخول عليها ليسترضياها، فماذا كان موقفها؟

ينقل ابن قتيبة في "الإمامة والسياسة" أنّ عمر قال لأبي بكر: "انطلق بنا إلى فاطمة فإنّا قد أغضبناها، فانطلقا جميعاً، فاستأذنا عليها فلم تأذن لهما، فأتيا عليّاً فكلّماه فأدخلهما عليها، فلمّا قعدا عندها حوّلت وجهها إلى الحائط، فسلَّما عليها فلم تردّ عليهما السلام، فتكلّم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول الله، والله إنّ قرابة رسول الله أحبّ إليّ من قرابتي، وإنّك لأحبّ إليّ من عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوكِ أنّي متّ ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقّك وميراثك من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟ إلاّ أنّي سمعت أباكِ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة".

فلم تعلِّق الزهراء (عليها السلام) على قضية الميراث، لأنّها كانت قد عالجت هذه المسألة مفصّلاً في خطبتها ـــ التي سيأتي شرحها ـــ لكنّها أرادت أن تقيم الحجّة عليهما في ما عرض لها من أذى وظلامة وإساءة، فقالت: "أرأيتكما إنْ حدّثتكما حديثاً عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) تعرفانه وتفعلان به؟ قال: نعم، فقالت: نشدتكما الله، ألَمْ تسمعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: رضا فاطمة من رضاي وسخط فاطمة من سخطي، فمَنْ أحَبَّ ابنتي فاطمة أحبّني ومَنْ أسخط فاطمة أسخطني، قالا: نعم سمعناه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فقالت: فإنّي أُشْهِدُ الله وملائكته أنّكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبيّ لأشكونّكما إليه، فقال أبو بكر: وأنا عائدٌ بالله من سخطه وسخطك يا فاطمة، وهي تقول: والله لأدعونَّ عليك في كلّ صلاة أُصلّيها"(1).

وفي روايةٍ أخرى ينقلها العلاّمة المجلس في بحار الأنوار أنّها (عليها السلام) قالت لهما: "أنشدكما بالله، هل سمعتما النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: فاطمة بضعةٌ منّي وأنا بضعةٌ منها مَنْ آذاها فقد آذاني ومَنْ آذاني فقد آذى الله, ومَنْ آذاها بعد موتي فكان كمن آذاها في حياتي، ومَنْ آذاها في حياتي كان كَمَنْ آذاها بعد موتي؟ قالا: اللّهم نعم، فقالت: الحمد لله".

ثمّ قالت: "اللّهم إنّي أشهدك فاشهدوا يا مَنْ حضرني، أنّهما قد آذياني في حياتي وعند موتي"(2).

وهكذا وبكلّ قوّة وشجاعة احتجّت الزهراء (عليها السلام) عليهما وسجّلت عليهما أنّهما أغضباها وأغضبا بذلك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ومن فوق ذلك أغضبا الله سبحانه وتعالى، وبقي غضبها (عليها السلام) جرحاً نازفاً في قلب أبنائها ومحبّيها، وقد سئل عبد الله بن الحسن عن الشيخين فقال: "كانت أُمّنا صدّيقة ابنة نبيّ مرسل، وماتت وهي غضبى على قوم فنحن غضاب لغضبها".

أتموت البتول غضبى ونرضى             ما كذا يصنع البنون الكرام(1)

دفنها ليلاً:

ولم يقف احتجاجها عند هذا الحدّ، بل إنّها واصلت رحلة الاحتجاج إلى حين موتها، وكانت قمّة احتجاجاتها بالحقّ أنّها أوصت عليّاً (عليه السلام) أن يدفنها ليلاً(2) وأنْ لا يحضر جنازتها الذين ظلموها واضطهدوها وسلبوها حقّها. ولقد أرادت أن تعبّر عن معارضتها ومجابهتها للعدوان والظلم حتّى بعد الموت، كما عبّرت عن ذلك حال الحياة، وأرادته احتجاجاً غاضباً قاسياً لكنّه واعٍ وبالأساليب الحكيمة والحجج المقنعة والمواقف القويّة، لأنّ الناس سينطلقون بالتساؤل: لماذا تدفن بنت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ليلاً؟ لماذا أوصت بذلك؟ وما هي القضية، فهذا لم يسبق له مثيل في الواقع الإسلامي، والجميع كانوا ينتظرون المشاركة في تشييع بنت نبيّهم، وإذا بها تشيّع وتدفن ليلاً ويقال لهم إنّ ذلك كان التزاماً بوصيّتها!

وهكذا يبدأ التساؤل ويكثر في أوساط المسلمين لماذا ولماذا؟ وهذا ما تريده الزهراء (عليها السلام)، لتستيقظ الضمائر ويعرف المغفّلون طبيعة اللّعبة ومجريات الأمور.

تسوية قبرها:

وكان من جملة وصاياها التي أوصت بها أمير المؤمنين (عليه السلام): أنْ يسوّي قبرها ويخفيه، ليكون ذلك دليلاً وشاهداً على كلّ الظلم الذي لحق بها، والاضطهاد الذي تعرّضت له، ولتخلّد بذلك احتجاجها على القوم الذين ظلموها(1).

وعمل عليّ (عليه السلام) بوصيّتها هذه، فدفنها ليلاً وعفى موضع القبر.

موضع قبرها:

وبقي موضع قبرها مجهولاً، ولم يستطع أحد التعرُّف عليه، وقد ورد تعيينه في بعض الروايات عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، ففي بعضها أنّها دفنت في بيتها(2)، وفي البعض الآخر أنّها دفنت في الروضة، واختاره بعض علماء وأيّده بالرواية المعروفة: "ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة"(3)، وهناك قولٌ ثالث يرى أنّها دفنت في البقيع، وهو مروي أيضاً(4).

 

 

3 ـــ منعها فدكاً:

ممّا أُسيءَ به إلى الزهراء (عليها السلام) منعها فدكاً التي هي حقّ من حقوقها، كما يؤكّد ذلك التاريخ السُنّي والشيعي. فقد ذكر علماء الفريقين ومنهم السيوطي في "الدرّ المنثور" في تفسير قوله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ} [الإسراء : 26]، أنّه لمّا نزلت الآية، نحل الرسول ابنته فاطمة فدكاً التي كانت له ممّا صالحه اليهود عليه في حربه معهم(1). والظاهر أنّ حقّ فاطمة (عليها السلام) في فدك كان معروفاً لدى المسلمين في الامتداد التاريخي، لذلك رأينا أنّ عمر بن عبد العزيز وهو خليفة أموي، أرجع فدكاً إلى أهل البيت(2)، ثمّ أخذت منهم وجاء أبو العبّاس السفّاح أوّل خلفاء بني العبّاس وأرجعها إليهم، حتّى إذا استولى المنصور على الخلافة أخذها ثمّ ردّها المهدي ثمّ قبضها المهدي وهارون، فلم تزل في أيديهم إلى أن ولي المأمون فردّها على الفاطميين(3). حتّى قال الشاعر في ذلك:

أصبح وجه الزّمان قد ضحكا       بردّ مأمون هاشم فدكا

والأدلة على ملكية الزهراء لفدك كثيرة ولا تكاد تخفى، وقد شهد لها بذلك بعض المسلمين، ومنهم أمير المؤمنين (عليه السلام)، وأم أيمن، لكنّ شهادتهم لم تقبل(4)! ولم يكن من حجّة معارضة إلاّ حديث رواه أبو بكر عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول فيه: "نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة"(5).

والمفارقة التي تقف أمام هذه الحجّة مضافاً إلى معارضتها للقرآن الكريم ـــ كما سيأتي تفصيله في شرح خطبتها (عليها السلام) ـــ:

أوّلاً: أنّ هذا الحديث ـــ "نحن معاشر الأنبياء لا نورّث" ـــ قد تفرّد أبو بكر بروايته، والزهراء (عليها السلام) تنفي صدوره عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من خلال موقفها. 

ثانياً: أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) الذي كان يحبّ فاطمة أعظم الحبّ، ويقيها من كلّ سوء، كيف لم يخبرها بهذا الحكم الشرعي المخالف لعموم القرآن، والدّالّ ـــ أي القرآن ـــ على أنّ الأنبياء يرثون ويورّثون؟ كيف لم يخبرها بذلك مع أنّ هذا الحديث يرتبط بها بشكلٍ مباشر، بل هي مصداقه الأبرز؟! فكيف لا يخبر حبيبته ويجنّبها المتاعب(1)؟.

ثالثاً: إذا كان المسلمون متّفقين على أنّ فاطمة هي سيّدة نساء العالمين أو على الأقل سيّدة نساء عالمها(2)، فهل يمكن أنْ تتحدّث سيّدة نساء العالمين كذباً أو لغواً أو تخالِف حديثاً صادراً عن أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟! أو ترتبط في موقفها من القيادة الإسلامية المتمثّلة بأمير المؤمنين (عليه السلام) ارتباطاً عاطفياً يبتعد عن الحقّ؟!

لو أنصف المسلمون أنفسهم لرأوا في موقف الزهراء (عليها السلام) الحجّة البالغة التي يلزم الأخذ بها من دون نقاش، لأنّ سيّدة نساء العالمين أو سيّدة نساء عالمها أو سيّدة نساء المؤمنين، لا يمكن إلاّ أن تكون مع الحقّ ويكون الحقّ معها، ولقد قلنا هذا القول بالنسبة للإمامين الحسنين (عليهما السلام)، فإنّ شرعية موقف الإمام الحسن (عليه السلام) في صلحه وحربه، وشرعية موقف الحسين (عليه السلام) في ثورته، يكفي عليها دليلاً أنّهما وباتّفاق المسلمين جميعاً سيّدا شباب أهل الجنّة، ولا يمكن لسيّد شباب أهل الجنّة أن ينحرف عن الخطّ الإسلامي، بل لا بدّ أن يكون موقفه وخطّه هو الموقف الإسلامي والخطّ الإسلامي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

رابعاً: أنّه لم يردنا عن تاريخ كلّ الأنبياء أنّهم لم يورّثوا شيئاً وأنّ ما يتركونه فهو صدقة، مع أنّه لو كان الأمر عند الأنبياء (عليهم السلام) بأنّهم لا يورّثون كما نصّ هذا الحديث، لوصلنا شيء من ذلك، ولعرف ولو عند أهل الأديان الأخرى وذكر في كتبهم، مع أنّ ذلك لم يحصل.

خامساً: ثمّ أيعقل أن يخاصم عليّ (عليه السلام) في أمر فدك ويتّهم القوم بالظلم والخيانة(1) محاباة لزوجته؟! كيف والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: "الحقّ مع عليّ بن أبي طالب حيث دار"(2)؟! ويقول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "عليّ مع الحق والحقّ مع عليّ"(3)، وكيف يخفى على عليّ أنّ النبيّ لا يورث وهو باب مدينة علم الرسول وحكمته، والذي لازم الرسول بما لم يفز به غيره من الصحابة؟!

سادساً: يذكر المؤرّخون ـــ كما سيأتي ـــ أنّ فدك كانت في يد الزهراء (عليها السلام)، وهي إنّما طالبت في بداية الأمر بها على أساس أنّها نحلة أبيها وهبها لها في حياته، فلا يشملها الحديث المزعوم لأبي بكر، لأنّه ينفي الميراث وهي تدّعي النحلة.

لماذا لم يسترجع عليّ (عليه السلام) فدكاً؟

ولكن قد يعترض على ما تقدّم بأنّه إذا كانت فدك حقّاً لفاطمة (عليها السلام) فلمَ لم يسترجعها عليّ (عليه السلام) بعد تولي أمور المسلمين؟

وقد أجاب الإمام الرضا (عليه السلام) على هذا التساؤل وفي جوابه كفاية، وإليك الرواية كما أوردها الشيخ الصدوق في عيونه أخبار الرضا (عليه السلام)، حيث سأله الحسن بن عليّ بن فضال (عليه السلام) عن أمير المؤمنين: لِمَ لمْ يسترجع فدك لمّا ولي أمر الناس؟ فقال: "لأنّا أهل بيت إذا ولاّنا عزّ وجلّ لا يأخذ لنا حقوقنا ممّن ظلمنا إلاّ هو، ونحن أولياء المؤمنين إنّما نحكم لهم ونأخذ لهم حقوقهم ممّن يظلمهم ولا نأخذ لأنفسنا"(1). فالإمام الرضا (عليه السلام) يقول لابن فضال إنّه كان بإمكان الإمام عليّ (عليه السلام) استرجاع فدك، لكنّه كان يرى أنّ مسؤوليّته هي أن يأخذ الناس حقوقهم ممّن ظلمهم ولا يأخذ حقّه ممّن ظلمه، وهذا أسلوب مميّز لأهل البيت في مسألة التعامل مع حقّهم المغتصب، وحاصله أنّ مهمّة الأئمّة (عليهم السلام) أن يطالبوا بحقوق الناس لا بحقوقهم، فإنّ الله تعالى هو الذي يأخذ لهم بحقّهم من خلال الظروف التي يحقّقها لاسترجاعه، أمّا هم فلا يباشرون ذلك، ربّما لكي لا يقول قائل إنّهم اتّخذوا الحكم وسيلة لتحقيق مطالبهم ومآربهم الخاصة.

فدك رمز الخلافة:

لم تكن الزهراء (عليها السلام) عندما وقفت تطالب بحقّها في فدك تهتم بفدك من الناحية المالية، لأنّ الدّنيا لا قيمة لها عند فاطمة التي تعوَّدت على حياة التقشُّف والبساطة، وكما قال عليّ (عليه السلام) وهو يتحدّث عن الدّنيا: "... نعم، كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السّماء، فشحّت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين، وما أصنع بفدك وغير فدك والنّفس مظانها في غدٍ جدث..."(2).

لقد كانت فدك في نظر الزهراء (عليه السلام) جسر العبور إلى حقّ عليّ (عليه السلام) في الخلافة، وقد نقل أنّ هارون الرشيد عرض على الإمام موسى الكاظم (عليه السلام) أن يحدّ له فدكاً ليرجعها لورثة فاطمة، فحدَّد الإمام فدكاً بحدود الدولة الإسلامية كلّها(3).

وكانت الزهراء بمطالبتها بفدك تريد أيضاً أن تفضح الأكذوبة، لأنّ القضية ليست قضية مال تريد تحصيله، وإنّما هي قضية اعتداء على حكم شرعي من أحكام الله: "أترث أباك ولا أرث أبي"(1).. كان نقاشها في القاعدة وما تريده هو تثبيت الحكم الشرعي الذي عمل الحكم والخليفة على تجاوزه، وكانت أوّل خطوة قام بها هي خطوة إبعاد حكم من أحكام الله انقياداً للمصالح الضيّقة.

4 ـــ ظلم التاريخ:

إنّ ما يبتلى به العظماء أنْ يظلمهم التاريخ والمؤرّخون، فيعمدون إلى طمس أسمائهم وتهميش أدوارهم وعدم ضبط حياتهم الغنية بالدروس والعِبَر الحيّة التي تربّي الأجيال على امتداد الزمان، والزهراء (عليها السلام) ابتليت بذلك، فإنّا عندما ندرس سيرتها من خلال ما كتبه تاريخها، فإنّنا لن نستطيع أن نجد الكثير الكثير، إلاّ بعض اللّقطات التي تتحدّث عن حياتها مع أبيها رسول الله من دون أن تحكي لنا مفردات هذه الحياة، ثمّ نلاحظ أنّ الحديث عن الزهراء المهاجرة لا يعطينا شيئاً كثيراً سوى أنّه يذكر اسمها مع المهاجرين والمهاجرات الذين هاجروا بعد هجرة الرسول. وبعد ذلك وعند الحديث عن زواجها، نجد بعض المفردات في حياتها كزوجة ثمّ حياتها كأمّ، والأمر نفسه نجده عند الحديث عن دورها داخل المجتمع الإسلامي، والمفارقة أنّنا نجد التاريخ قد أفاض في ما لا يرتبط بالناحية العملية من حياتها، مثل قضية احتفالات السماء في قصّة زواجها(2).

هذا مع أنّنا نعلم أنّ حياتها وعلى قصرها كانت زاخرة بالعِبَر والدروس والتعاليم والعبادة والجهاد.. ونستطيع أن نقول إنّه ورغم كلّ ذلك الظلم التاريخي، فإنّ ما وصلنا منها وعنها كفيل في إعطائنا المثل الأعلى والنموذج الأكمل للإنسان المسلم. وإنّنا من خلال ما تقدّم وما سيأتي، سنعمل على إبراز صورتها الحقيقيّة وبيان خصالها وفضائلها ودروسها ومواعظها وتضحياتها بقدر المستطاع والميسور.

 

كيف قابلت الظلم؟

رغم كلّ الجراح والآلام التي تعرّضت لها الزهراء (عليها السلام)، إلاّ أنّها لم تنهار ولم تسقط، بل بقيت صلبة وقويّة في كلّ مواقفها، صادعة بالحقّ من دون أن تخاف في الله لومة لائم. ولم تكن هذه الآلام والمظالم تعني لها شيئاً على المستوى الشخصي والذاتي، ولم تكن فدك عندها قضية مال وحقّ شخصي ـــ كما تقدّم ـــ لأنّها (عليها السلام) في المستوى القيادي الرسالي، همّها الإسلام، وغصب فدك يعني لها غصب الحقّ وغصب الخلافة، وأمّا آلامها الشخصية رغم قساوتها، فإنّها لا تمثّل شيئاً أمام ألمها الكبير بإبعاد عليّ (عليه السلام) عن حقّه، وهذا ما عبّرت عنه في خطبتها في المسجد، حيث لم تتحدّث عن هجوم القوم على بيتها وغير ذلك من آلامها، وإنّما تحدّثت عن فدك كرمز للخلافة، تحدّثت عن مخالفة القرآن في مسألة الإرث، تحدّثت عن خلافة عليّ (عليه السلام).. وهكذا عندما جاءتها نساء المهاجرين والأنصار، تحدّثت إليهن عن عليّ (عليه السلام): "وما نقموا من أبي حسن، نقموا منه نكير سيفه وقلّة مبالاته بحتفه"(1)، وعندما طاف بها الإمام (عليه السلام) على جموع المهاجرين والأنصار، تحدّثت معهم عن الحقّ وأعلنت غضبها للحقّ لا للذّات. لقد كانت قضيّتها كلّها أن ترى الحقّ يعطى لأصحابه ويوضع عليّ (عليه السلام) في الموضع الذي وضعه فيه الله ورسوله، لأنّها تعتقد أنّ الإسلام سينمو ويسمو ويتقدّم ويتعمَّق ويستقيم ويشتدّ ساعده عندما يتحرّك عليّ (عليه السلام) في موقع القيادة، لأنّ عليّاً (عليه السلام) وكما قال عمر بن الخطّاب: "ولو وليهم عليّ لحملهم على المحجّة البيضاء"(2)، ولأنّه (عليه السلام) لم يكن عنده إلاّ اللون الأبيض دون اللّون الأسود أو الرمادي، ولأنّ عليّاً كما قال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عنه: "عليّ مع الحقّ والحقّ مع عليّ يدور معه حيثما دار"(1)، وقد قالها (عليه السلام): "ليس أمري وأمركم واحداً، إنّي أُريدكم لله وأنتم تريدونني لأنفسكم"(2).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الثالث

خصالها وفضائلها

 

ـــ الزهراء (عليها السلام) في كلام الله تعالى

ـــ الزهراء (عليها السلام) في كلمات الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)

ـــ منزلتها عند المسلمين

ـــ العصمة

ـــ كراماتها

ـــ العابدة

ـــ الصادقة

ـــ الصدّيقة الشهيدة

ـــ العالِمة

ـــ المجاهِدة

ـــ الرساليّة

 

الزهراء (عليها السلام) في كلام الله تعالى

لقد جاء ذكر أهل البيت (عليهم السلام) في القرآن الكريم في أكثر من آية من آياته المباركة، ونحن نشير إلى ثلاث آيات تحدّثت عنهم فشملت فيما شملت سيّدتنا الزهراء سلام الله عليها. ويضاف إلى ذلك سورة الكوثر التي أسلفنا الحديث عنها(1)، وقلنا إنّ أبرز مصاديق الخير الكثير وهو معنى الكوثر وهو الذرّية الطاهرة للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من نسل ابنته الصدّيقة فاطمة (عليها السلام).

1 ـــ الآية الأولى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ...}:

وهي قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً*إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً*إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً*فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً*وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً} [الإنسان: 8 ـــ 12].

{وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} فهم يعيشون روحية العطاء في أجواء الحرمان الذي يصيب بعض الفئات الاجتماعية المحرومة الخاضعة لبعض الظروف الضاغطة عليهم، كما هي حال اليتم في اليتيم، والفقر في المسكين، والأسر في الأسير، فيعانون الجوع في كثيرٍ من الحالات، لكنّهم يجدون لدى الأبرار والخيّرين انفتاحاً على حاجاتهم الغذائية، فيقدّمون لهم الطعام في لمسةٍ تعبيريّة رائعة، في الوقت الذي قد يكونون محتاجين إليه في حياتهم الخاصّة. ولعلّ هذا هو معنى "على حبّه"، أي مع توق النفس إلى الطعام لشدّة الحاجة، وهذا هو ما نستوحيه من قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ} [آل عمران : 92]، وهذا التفسير مبنيّ على إرجاع الضمير (هاء) في "حبّه" إلى الطعام، وهناك تفسير آخر يُرجع الضمير إلى "الله" سبحانه، أي يطعمون الطعام على حبّ الله وتقرُّباً إليه.

{إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ} حيث الرغبة في القرب إليه، فهم يقدِّمونه لله ويضعونه بيد الله عندما يقدّمونه للمحتاجين ابتغاء مرضاته بعيداً عن النوازع الذاتية {لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً} لأنّنا نعمل من أجل رضا الله ومحبّته ورضوانه، لا ابتغاء تعويض مادي أو معنوي، فهي الرحمة العميقة في القلب المنفتح على الناس من خلال انفتاحه على الله، وهي الروح التي تعيش العطاء كرسالةٍ روحية تتحسَّس حاجات الآخرين وآلامهم، ولذا فإنّها تبذل وتبذل، وتتدفّق بالخير كلّه، تماماً كما هو الينبوع عندما يتدفَّق بالماء إلى الأرض العطشى، وكما هي الشمس تبذل النور إلى كلّ الآفاق المظلمة التي تتطلَّع إلى رحاب الشروق.

بين سموّ العطاء والخوف من الله:

وهذا ما تنطلق فيه التربية الإسلامية للشخصية الإنسانية من أجل أن يكون العطاء عنصراً ذاتياً في الإنسان، بحيث يتحرّك في ذاته بشكلٍ عفوي، وبحيث يكون الدافع الأساس في ذلك كلّه هو ابتغاء وجه الله، حيث ينفتح على الله وعلى الله وحده، فهو الوجود كلّه ولا وجود لغيره، وهو الغاية في كلّ شيء ولا قيمة لسواه، فتكبر الأشياء لديه إذا ارتبطت بالله، وتصغر الأمور عنده إذا انفصلت عن الله، وتتلوَّن حياته بهذا اللّون السماويّ المشبع بالصفاء، فلا معنى للحياة إلاّ إذا التقت بالله في مواقع الحياة.

وإذا كان الهدف هو ابتغاء وجه الله في عمق المحبّة، فإنّ الخوف منه قد يؤكّد الارتباط الروحي من جهةٍ أخرى، فهؤلاء الناس الذين يتمثّلون بهذا النموذج الإنساني، يتطلَّعون إلى اليوم الآخر في أهواله ومشاهده العابسة المرعبة، فيدفعهم الخوف منه إلى الوقوف في خطّ المسؤولية، فيقدّمون كلّ شيء لديهم من أجل أن يتخلَّصوا من عذاب الله في ذلك اليوم.    

{إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً} أي صعباً شديداً، وذلك ما يريد الله أن يثيره في وعي الإنسان، من أجل أن يربّي نفسه على الانضباط في الالتزام بأوامره ونواهيه، على أساس التطلُّع إلى يوم القيامة حيث يواجه نتائج عمله في عذاب الله. وهذا هو الهاجس الذي عاشه هؤلاء الأبرار عندما كانوا يطعمون الطعام وهم بأشدّ الحاجة إليه طلباً لمرضاة الله واتّقاءً لعذابه، والطعام هو نموذج لكلّ العطاءات والخدمات التي يحتاجها الآخرون، فنطعمكم لوجه الله تعني أنّنا نقضي حاجاتكم لوجه الله، ونعلّمكم لوجه الله، وندافع عنكم لوجه الله، وندخل السرور إلى قلوبكم لوجه الله ومخافة ذلك اليوم العبوس القمطرير، وهكذا جاءتهم الجائزة {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً*وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً} [الإنسان : 11 ـــ 12].

قصّة الآية في حياة أهل البيت (عليهم السلام):

يذكر المفسّرون من مختلف الفرق الإسلامية أنّ هذه الآية الشريفة نزلت في عليّ وفاطمة وولديهما الحسن والحسين (عليهما السلام)، فقد جاء في تفسير الكشّاف عن ابن عباس، "أنّ الحسن والحسين مرضا، فعادهما رسول الله في ناسٍ معه، فقالوا يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، فنذر عليّ وفاطمة وفضّة ـــ جارية لهما ـــ إنْ برئا أن يصوموا ثلاثة أيام، فشفيا وما معهم شيء، فاستقرض عليّ من شمعون الخيبري اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، فطحنت فاطمة صاعاً واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فآثروه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صياماً، فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه، ووقف عليهم أسير في الثالثة ففعلوا مثل ذلك.

فلمّا أصبحوا أخذ عليّ رضي الله عنه بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع قال: ما أشدّ ما يسوءني ما أرى بكم، وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبريل وقال: خذها يا محمّد، هنّاك الله في أهل بيتك، فأقرأه السورة"(1).

هذا وقد أورد الرواية القمّي في تفسيره بصيغة أخرى عن أبيه عن عبد الله بن ميمون عن أبي عبد الله (عليه السلام). قال: كان عند فاطمة (عليها السلام) شعير فجعلوه عصيدة (شعير يُلتّ بالسمن ويطبخ)، فلمّا أنضجوها ووضعوها بين أيديهم جاء مسكين فقال: مسكين رحمكم الله، فقام عليّ (عليه السلام) فأعطاه ثلثاً، فلم يلبث أنْ جاء يتيم فقال يتيم رحمكم الله فأعطاه (عليه السلام) الثلث، ثم جاء أسير فقال أسيرٌ رحمكم الله فأعطاه (عليه السلام) الثلث، وما ذاقوها، فأنزل الله سبحانه الآيات فيهم، وهي جارية في كلّ مؤمن فعل ذلك لله عزّ وجلّ(2).

هذا هو سرّ أهل البيت (عليهم السلام)، أنّهم يتحرّكون في كلّ نشاطاتهم في الحياة لوجه الله، لا يريدون جزاءً ولا شكوراً، وتلك هي القيمة الإنسانية، أن يعطي الإنسان كلّ ما يملكه لمن يحتاجه من دون انتظار أي مقابل منه، وإنّما ينتظر رحمة الله. وتلك هي قيمة أهل البيت ومنهم سيّدتنا فاطمة (عليها السلام)، فقد عاشوا روحية العطاء والبذل، عطاء العلم والمال والجاه والقوّة والروح والدم، كلّ ذلك لوجه الله وفي سبيله. وتلك هي روحية وروحانية أهل البيت (عليهم السلام)، روحية تنفتح على الله ولكنّها لا تغيب عن الواقع، فإنّ هناك روحانية تستغرق في الله فتنسى الحياة، وتذوب فيه فتنسى عباده، وهذه ليست هي الروحانية التي يريدها الله، لأنّ ما يريده الله سبحانه أن ينطلق إيماننا ليحرّك حياتنا في خطّ المسؤولية، ويريدنا أن نحبّه لنحبّ الناس من خلال حبّه، وأن نحبّه ونتقرَّب إليه من أجل أن يفجّر في عقولنا كلّ طاقات الحقّ لتكون عقولنا حركة في سبيل الحقّ، ومن أجل أن يفجّر في قلوبنا كلّ عواطف الحقّ لتكون قلوبنا نابضة بالحقّ في كلّ عواطفها، وليفجّر طاقاتنا في الحياة لتكون حركتنا حقاً كلّها، ولهذا فإنّ معنى أن تحبّ هو أنْ يتحوّل حبّك إلى مسؤولية اتّجاه الآخرين {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ} [آل عمران : 31]، اتّبعوني في كلّ تعاليمي التي تؤكّد على خدمة الإنسان واحترامه والإحسان إليه ورفع الظلم عنه، فإنّ حبَّ الله هو الذي يُترجم إلى عمل، وليس مجرّد ترديد كلمات مثل ما يردّده بعض المتصوّفة من قولهم "الله حي.. الله حي" أو تغزّلهم في الله:

شربنا على ذكر الحبيب مدامة            سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكَرْم

بل قضية الحبّ هي أن تنزل إلى الواقع وتتحرّك مع الإنسان وتنطلق مع رسول الله في كلّ ما شرّع وعمل وهدى ودعا وحارَب وسالَم.

2 ـــ الآية الثانية: آية المباهلة:

وهي قوله تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران : 61].

معاني المفردات:

{تَعَالَوْاْ}: أصله من العلوّ، يقال: تعاليت أتعالى، أي جئت وأصله المجيء إلى ارتفاع، إلاّ أنّه كثر في الاستعمال حتّى صار بمعنى هلّم، كما ذكر صاحب مجمع البيان(1).

{أَبْنَاءنَا}: الذين ولدوا منّا، طبّقها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) على الحسن والحسين (عليهما السلام)، باعتبار أنّهما ابناه. وقال أبو بكر الرازي: هذه الآية دالّة على أنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) ابنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأنّ ولد الابنة ابن في الحقيقة(1)، وقال الفخر الرازي: هذه الآية دالّة على أنّ الحسن والحسين (عليهما السلام) كانا ابني رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وعد أن يدعو أبناءه فدعا الحسن والحسين، فوجب أن يكونا ابنيه. وممّا يؤكّد هذا قوله تعالى في سورة الأنعام: {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} [الأنعام : 84] إلى قوله: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى} [الأنعام : 85] ومعلوم أنّ عيسى (عليه السلام) إنّما انتسب إلى إبراهيم (عليه السلام) بالأم لا بالأب، فثبت أنّ ابن البنت قد يسمّى ابناً والله أعلم(2).

{وَنِسَاءنَا}: اللاتي ينتسبن إلينا، وقد أراد بها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من الناحية التطبيقيّة فاطمة الزهراء (عليها السلام) باتّفاق المفسّرين.

{وَأَنفُسَنَا}: والمقصود بالكلمة: الذين يجسّدون الذات في معنى التمثُّل الحيّ لكلّ ما يمثّله النبيّ من صفات روحية وأخلاقية وعمليّة، بحيث تكون الذات هي الذات، حتّى لتكاد تكون هي في المعنى والصورة من الداخل، وقد طبَّق النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) الأنفس على عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فلا أحد يدّعي دخول غيره مع زوجته وولديه.

{نَبْتَهِلْ}: نتضرَّع ونجتهد ويخلص كلّ منّا في الدعاء إلى الله أن يلعن الكاذب منّا.

مناسبة النزول:

ورد في قصّة الحوار الذي أداره النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) مع بعض النصارى من أهل الكتاب، أنّ النبيّ قد سلك مسلكاً جديداً في معالجة الموقف معهم بعد وصول الحوار إلى الطريق المسدود، وهو أسلوب المباهلة الذي حدّثتنا عنه هذه الآية الكريمة.

وقصّة هذه الآية تشرحها لنا عدّة روايات قد تختلف في طولها وقصرها، ولكنّها تتّفق في الفكرة العامّة التي نريد أن نستخلصها منها، ولذا فإنّنا سنكتفي بذكر واحدة منها، وهي رواية المحدث الجليل عليّ بن إبراهيم القمّي التي رواها في تفسيره عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، قال:

"إنّ نصارى نجران لمّا وفدوا على رسول الله، وكان سيّدهم الأهتم والعاقب والسيّد، وحضرت صلواتهم، فأقبلوا يضربون الناقوس وصلُّوا، فقال أصحاب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): يا رسول الله هذا في مسجدك؟! فقال: دعوهم، فلمّا فرغوا دنوا من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فقالوا: إلام تدعو؟ فقال: إلى شهادة أنْ لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله، وأنّ عيسى (عليه السلام) عبدٌ مخلوق يأكل ويشرب ويُحْدِثُ، قالوا: فمَنْ أبوه؟ فنزل الوحي على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فقال: قل لهم ما تقولون في آدم، أكان عبداً مخلوقاً يأكل ويشرب ويُحْدِث وينكح؟ فسألهم النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فقالوا نعم، فقال: مَنْ أبوه فبهتوا. فأنزل الله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} [آل عمران : 59] وقوله: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إلى قوله ـــ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران : 61] فقال رسول الله، فباهلوني، فإنْ كنتُ صادقاً أنزلت اللعنة عليكم، وإنْ كنتُ كاذباً أُنزِلَتْ عليّ، فقالوا أنصفت.

فتواعدوا للمباهلة، فلمّا رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السيّد والعاقب والأهتم، إنْ باهلنا بقومه باهلناه فإنّه ليس نبيّاً، وإنْ باهلنا بأهل بيته خاصّة لم نباهله، فإنّه لا يقدّم أهل بيته إلاّ وهو صادق، فلمّا أصبحوا جاءوا إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، فقال النصارى مَنْ هؤلاء؟ فقيل لهم هذا ابن عمّه ووصيّه عليّ بن أبي طالب، وهذه ابنته فاطمة، وهذان ابناه الحسن والحسين، ففرقوا (فزعوا) فقالوا لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): نعطيك الرضا فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) على الجزية وانصرفوا"(1).

شرح الآية:

{فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ}، في عيسى في أنّه "هو الله" وأنّه "ابن الله" وأنّ "الله ثالث ثلاثة"، ولم يبلغ الحوار نهايته الفكرية في قناعتهم الوجدانية، أو أنّه عبد الله ورسوله، وأنّ الله لا إله إلاّ هو الأحد لم يلِد ولم يولَد ولم يكن له كفواً أحد {مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ} الذي قدَّمته إليهم من القرآن والآيات البيّنات على الحقّ، فليكن للمحاججة أسلوب آخر حاسم تنطلق فيه من موقع التحدّي الكبير الذي يقف فيه الإنسان بين يديّ الله في مواجهته للإنسان الآخر في قضية العقيدة المرتبطة بقضية الإيمان بالله في مضمونه التوحيدي الحقيقي، وهو الأسلوب الذي أخلص الإنسان في الأخذ به والاستعداد لنتائجه السلبية التي قد تمثّل الخطر عليه وعلى مَنْ يتّصل به ممّن يقدّمهم أمامه من أهله ليكونوا طرفاً في المباهلة، فهذا ما يمثّل النهاية الحاسمة التي تتمثّل في الواقع الإيجابي المنفتح لصاحب الحقّ، والواقع السلبي المنغلق في حياة المضادّ للحقّ.

{فَقُلْ تَعَالَوْاْ} يا نصارى نجران، هلمُّوا إلى موقف آخر يتمثّل فيه العمق العميق للرأي القوي والعزيمة الحازمة.

{نَدْعُ أَبْنَاءنَا} الذين يجسِّدون أعمق علاقة حميمة يعيشها الإنسان في علاقته بالنّاس، بحيث تتّصل حياته بامتداد حياتهم، وعاطفته بالمعنى العميق لوجودهم، فيتعب ليرتاحوا، ويجوع ليشبعوا، ويظمأ ليرتووا، ويضحّي بحياته ليعيشوا بعده.. وها أنا أقدّم بين يديّ للمباهلة ولديّ الحسن والحسين اللّذين يمثّلان كلّ حبّي في العاطفة وكلّ شعوري في المحبّة وأملي بمستقبل الرسالة، فهما سيّدا شباب أهل الجنّة وريحانتاي في الدُّنيا.

قال صاحب مجمع البيان: "أجمع المفسّرون على أنّ المراد بــ {أَبْنَاءنَا} الحسن والحسين (عليهما السلام)، قال أبو بكر الرازي: هذا يدلّ على أنّ الحسن والحسين ابنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأنّ ولد الابنة ابن في الحقيقة. وقال ابن أبي علاّن، وهو أحد أئمّة المعتزلة: هذا يدلّ على أنّ الحسن والحسين كانا مكلّفين في تلك الحال، لأنّ المباهلة لا تجوز إلاّ مع البالغين، وقال أصحابنا إنّ صغر السنّ ونقصانها عن حدّ بلوغ الحلم لا ينافي كمال العقل، وإنّما جعل بلوغ الحلم حدّاً لتعلّق الأحكام الشرعية، وقد كانت سنّهما في تلك الحال سنّاً لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل. على أنّ عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمّة ويخصّهم بما لا يشركهم فيه غيرهم. فلو صحّ أنّ كمال العقل غير معتادٍ في تلك السن، لجاز ذلك فيهم إبانة لهم عمّن سواهم ودلالةً على مكانهم من الله تعالى واختصاصهم، وممّا يؤيّده من الأخبار قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا"(1).

ونلاحظ على هذا الحديث حول البلوغ وكمال العقل كشرط للمباهلة، أنّ مثل هذا الحديث في الجدل الدائر فيه ـــ من هذه الجهة لا من جهة الإيمان بكمال عقليهما (عليهما السلام) ـــ يتوقّف على أن يكون الحسنان (عليهما السلام) طرفين مستقلّين في المباهلة، كما لو كانا هما اللّذان يتولّيانها في مقابل نظائرهما من الآخرين ليباهل الرجال الرجال، والنساء النساء، والأبناء الأبناء، ولكن يمكن أن تكون المسألة واردة على أساس أن يُقدِّم النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ وهو واثق بأنّ الحقّ معه وأنّ النتيجة الحاسمة الإيجابية ستكون له ـــ ابنيه وابنته وابن عمّه ليكونوا طرفاً في الابتهال وفريقاً في النتائج الحاسمة الأخيرة، بعيداً عمّا إذا كانوا مشاركين في التحدّي، والله العالِم.

{وَأَبْنَاءكُمْ} ممّن تختارون منهم للحضور والابتهال في هذا الموقف الصعب.

{وَنِسَاءنَا} اللاتي يمثّلن أقرب موقع للانتماء الإنساني الروحي من النساء في حياتنا الخاصّة، وها أنا أقدّم بين يديّ ابنتي فاطمة سيّدة نساء العالمين، التي "هي بضعة منّي، يريبني ما رابها"، "ويغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها"(1)، لأنّ غضبها في مواقع غضب الله ورضاها في مواقع رضاه. إنّني أقدّمها في هذا التحدّي الكبير للدلالة على أنّني على يقين من صدق دعوتي، لأنّ الإنسان لا يقدّم أحبّ الناس إليه في مواقع احتمال الخطر إلاّ إذا كان واثقاً من النجاة.

{وَنِسَاءكُمْ} ممّن تختارون من النساء في مجتمعكم الخاص.

{وَأَنفُسَنَا} ممّن هم في موقع النفس من حيث المنزلة والمحبّة والإعزاز، وهو عليّ (عليه السلام)، لأنّه يمثّل الصورة الحيّة الصادقة لكلّ الكمالات والتطلُّعات والسلوكيات والملكات التي أمثّلها، لأنّني ربّيته وأنشأته منذ طفولته على صورتي في أخلاقي وروحياتي وأقوالي وأفعالي، فكان منّي بمنزلة النفس من النفس والذّات من الذات والروح من الروح والعقل من العقل... وليس هناك غير عليّ (عليه السلام)، فإنّه عاش معي كما لم يعش أحد غيره معي، وكان منّي "بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي"(2).

{وأَنفُسَكُمْ} ممّن يمثّلون وجودكم وذواتكم في حياتكم الخاصّة.

{ثُمَّ نَبْتَهِلْ} وندعو الله ونجتهد في الإخلاص والخضوع بين يديه.

{فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} منّا ومنكم، فذلك هو الذي ينتهي بالأمور إلى نهاياتها الأخيرة من دون نزاع ولا خصام.                     

وجاء في تفسير الكشّاف للزمخشري: "وعن عائشة (رضي الله عنها)، أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) خرج وعليه مرط مرجل من شعر أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثمّ جاء الحسين فأدخله، ثمّ فاطمة، ثمّ عليّ، ثمّ قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ..} [الأحزاب : 33].

فإنْ قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلاّ ليتبيّن الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختصّ به وبمن يكاذبه، فما معنى ضمّ الأبناء والنساء؟ قلت: ذلك أكّد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه، حيث استجرأ على تعريض أعزّته وأفلاذ كبده وأحبّ الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه، حتّى يهلك خصمه مع أحبّته وأعزّته هلاك الاستئصال إنْ تمّت المباهلة، وخصّ الأبناء والنساء لأنّهم أعزّ الأهل وألصقهم بالقلوب، وربّما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتّى يقتل، ومن ثمّة كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمّون الذّادة عنهم بأرواحهم حماة الحقائق. وقدّمهم في الذكر على الأنفس لينبّه على لطف مكانهم وقرب منزلتهم، وليؤذن بأنّهم مقدّمون على الأنفس مفدون بها. وفيها دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساء (عليهم السلام). وفيه برهان واضح على صحّة نبوّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، لأنّه لم يروِ أحد من موافق ولا مخالِف أنّهم أجابوا إلى ذلك"(1).

وقال صاحب التفسير الكبير الفخر الرازي: "واعلم أنّ هذه الرواية ـــ أي رواية المباهلة ـــ كالمتّفق على صحّتها بين أهل التفسير والحديث"(2).

شبهة واهية:

وقد أثار بعض المفسّرين علامة استفهام حول نزول الآية في أهل البيت (عليهم السلام)، بلحاظ صيغة الجمع الواردة في "أبناءنا" و"نساءنا" و"أنفسنا" التي لا تصدق إلاّ على ما زاد على اثنين، فكيف تنطلق الأولى على الحسن والحسين (عليهما السلام)، والثانية على سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام)، والثالثة على أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام)؟

والجواب: إنّ القيمة التكريميّة المميّزة لأهل البيت التي تستفاد من هذه الآية كانت من خلال تطبيق الجمع على هؤلاء واقتصاره عليهم في الوقت الذي يمكن للكلمة ـــ في ذاتها ـــ أن تنطبق على أكثر من ذلك، فلم تكن الكلمات المذكورة واردة في هؤلاء على نحو اختصاص المضمون اللّغوي بهم، بل من خلال اختصاص الاختيار النبوي ـــ بوحي الله ـــ بهم، وهذا أمر وارد في أكثر من آية، حيث تأتي الآية بصيغة الجمع لتأكيد المبدأ العام الشامل لكلّ الأفراد من حيث القاعدة، مع أنّ المصداق واحد، كما ورد ذلك في قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ} [آل عمران : 173]. فقد ذكر فريق من المفسّرين(1) أنّ القائل هو نعيم بن مسعود الأشجعي، لأنّه كان قد أخذ أمراً من أبي سفيان لتخويف المسلمين من المشركين، وقوله تعالى: {لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء} [آل عمران : 181] فقد ذكر في كلام المفسّرين(2) أنّ القائل هو حيي بن أخطب أو فنحاص اليهودي، وذلك باعتبار أنّ اليهود الآخرين يتّفقون معه في هذا القول أو يرضون به، ما يجعل قوله قولهم، ونحو ذلك من الآيات والكلمات المرويّة عن كلام العرب التي تنطلق في موقع الفرد الواحد ليتحدّث عنها بصيغة الجمع، من أجل الإيحاء بأنّ المسألة لا تقتصر عليه بل تتعدّاه ـــ من خلال الذهنية المشتركة بينه وبين فريقه ـــ إلى الفريق كُلِّه.

أمّا في هذه الآية، فإنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ بتوجيه من الله تعالى له ـــ أراد أن يؤكّد المباهلة في خطّ التحدّي الكبير في موقع الاستعداد لتعريض أعزّ الناس عليه للخطر الآتي من النتائج السلبية المطروحة في ساحة المباهلة بهلاك الكاذب، وأطلق الحديث عن الأبناء والنساء والأنفس ممّن يختصّ به لإطلاق المبدأ في هذه العناوين، فكأنّه يريد أن يقول لهم إنّه على استعداد لدعوة هؤلاء بكلّ ما يمثّلونه من عمقٍ عاطفي في نفسه إلى المباهلة، للتدليل على صدق دعوته من دون التحديد في عنوان الدعوة، ولكنّهم كانوا محدّدين في نفسه بأشخاص معيّنين، لأنّهم هم المفضّلون لديه القريبون إليه الأثيرون عنده، ورسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لا يفضّل إلاّ من يفضّله الله، ولا يقرب إلاّ مَنْ قرّبه الله، ولا يحبّ إلاّ مَنْ أحبّه الله سبحانه، ومن هنا كانت الآية الشريفة دليلاً بيِّناً على عظمة أهل البيت ـــ بمن فيهم سيّدتنا فاطمة (عليها السلام) ـــ ومنزلتهم الرفيعة عند الله وعند رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).

3 ـــ الآية الثالثة: آية التطهير:

وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب : 33].

وليتّضح دلالة الآية على طهارة أهل البيت ـــ بمن فيهم سيّدتنا فاطمة ـــ وعصمتهم، لا بدّ أن نوقع البحث فيها في عدّة نقاط:

1 ـــ مَنْ هم أهل البيت؟

قيل إنّ المراد بهم أزواج النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، روى ذلك الطبري في تفسيره عن علقمة قال: كان عكرمة ينادي في السوق {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}، نزلت في نساء النبيّ خاصّة، ومن مظاهر إصراره على هذا الرأي أنّه كان ينادي به في السوق، ويقول مَنْ شاء باهلته أنّها نزلت في أزواج النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)(1).

وقد يقال: إنّ ما يؤيّده هو سياق الآية التي وردت في أجواء الآيات المتعلّقة بهنّ فيما قبلها وبعدها، ما يجعل الظهور بيِّناً في هذا المعنى.

وقيل إنّ المراد بقوله سبحانه: {أَهْلَ الْبَيْتِ} رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، روى ذلك الطبري في تفسيره عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): نزلت هذه الآية في خمسة: فيّ وفي عليّ وحسن وحسين وفاطمة (عليهم السلام) {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.

وروي ذلك عن أُمّ سلمة قالت: كان النبيّ عندي وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، فجعلت لهم خزيرة، فأكلوا وناموا وغطّى عليهم عباءة أو قطيفة، ثمّ قال: "اللّهم هؤلاء أهل بيتي، أذهب عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً.

وفي رواية أخرى عنها أنّ هذه الآية نزلت في بيتها، قالت: وأنا جالسة على باب البيت فقلت: أنا يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ قال: إنّك على خير أنتِ مع أزواج النبيّ، قال: وفي البيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وعليّ وفاطمة والحسن والحسين(2).

والقول الثاني هو الصحيح والأقرب للصواب والمتعيّن بحسب الدليل، فإنّ ما روي عن عكرمة لم يسنده إلى رسول الله فيما سمعه الراوي أو المسلمون منه، فهو لا يعدو أن يكون رأياً شخصياً له على أساس اجتهاد خاص لم يأتِ عليه بدليل واضح لننظر فيه، فلا يُلزم غيره برأيه(1)، بينما نجد الروايات الأخرى التي تؤكّد القول الثاني مروية عن أُمّ سلمة في ما سمعته من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وفي ما نقلته من نزول الآية في بيتها أثناء وجود الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فيه مع أهل بيته، كما رواها غيرها عنه، ما يجعل للتفسير أساساً ثابتاً من مصدر الرسالة الأوّل.

وإذا لاحظنا المسألة من جانب كثرة الأحاديث ووثاقتها، فإنّنا نجد أنّ هذه الروايات تزيد على السبعين حديثاً من طرف المسلمين من أهل السُنّة والشيعة، وربّما زاد المروي منها عن طريق أهل السُنّة على ما ورد منها من طرق الشيعة، فقد روتها كتب أهل السُنّة بطرق كثيرة عن أُمّ سلمة وعائشة وأبي سعيد الخدري وسعد وواثلة بن الأسقع وأبي الحمراء وابن عبّاس وثوبان مولى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وعبد الله بن جعفر وعليّ والحسن بن عليّ في قريب من أربعين حديثاً. وروتها الشيعة عن عليّ والسّجاد والباقر والصادق والرضا وأُم سلمة وأبي ذر وأبي ليلى وأبي الأسود الدؤلي وعمرو بن ميمون الأودي وسعد بن أبي وقاص في بضع وثلاثين طريقاً. وعلى ضوء ذلك، فإنّ الترجيح العلمي هو لهذه الروايات أمام تلك الرواية، بل أمام ذلك الرأي لعكرمة، لأنّه ليس رواية كما قدّمنا.

السياق:

أمّا مسألة السياق الظاهر في اختصاصها بنساء النبيّ فيردّها: أنّ هذه الأحاديث الكثيرة لم تتحدّث من قريب أو من بعيد عن نزول هذه الآية مع الآيات الأخرى الواردة في خطاب أزواج النبيّ، ولم يذكر ذلك أحد من القائلين بالاختصاص ـــ اختصاص نزولها بنساء النبيّ ـــ، بل كانت الأحاديث دالّة على نزول الآية وحدها، ما يجعلها منفصلة عن السّياق بطبيعتها، ولكنّها وضعت في ضمنه للمناسبة.

ويؤكّد ذلك أنّ الاختصاص ووحدة السّياق يفرضان أن يكون التعبير الخطابي بكلمة "عنكن" لا بكلمة "عنكم"، كما جاء في الآية، وقد يذهب البعض إلى قولٍ ثالث، وهو شمول الآية لأزواج النبيّ بالإضافة إلى أهل البيت، ولكنّ الروايات الواردة عن أُمّ سلمة تنفي ذلك، كما جاء عنها أنّها عندما تساءلت عن شمولها لها قال لها النبيّ إنّك على خير، ولكنّ المراد بها هم هؤلاء الأشخاص المميّزون بأسمائهم، كما أنّ الروايات تؤكّد على الاختصاص بأهل البيت (عليهم السلام).

والظاهر أنّ كلمة أهل البيت تحوّلت إلى مصطلح خاص بهؤلاء الأشخاص وعلى لسان النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ولسان المسلمين من بعده، حتّى أصبحت تنصرف إليهم بشكلٍ سريع من دون أي التباس، حتّى أنّها لا تشمل بقية أقربائه مع شمول الكلمة لهم بحسب العرف العام. وقد جاء في صحيح مسلم بإسناده عن يزيد بن حيّان عن زيد بن أرقم قال: "قال رسول الله، ألاَ إنّي تاركٌ فيكم ثقلين، أحدهما كتاب الله عزّ وجلّ هو حبل الله مَن اتّبعه كان على الهدى ومَن تركه كان على ضلالة، فقلنا مَنْ أهل بيته نساؤه؟ قال: لا وأيم الله، إنّ المرأة تكون مع الرجل العصر من الدّهر ثمّ يطلّقها فترجع إلى أبيها وقومها، أهل بيته أصله وعصبته الذين حرموا الصدقة بعده"(1).

2 ـــ ما معنى الرّجس؟

الرّجس في اللّغة هو الشيء القذر الذي قد يتعلَّق بالجسد ونحوه من الأشياء الماديّة، كما قد يتعلّق بالجانب المعنوي من الشخصية، فقد عبَّر الله عن لحم الخنزير بأنّه رجس، كما عبَّر عن الشرك والكفر وأثر العمل السيّئ في قوله تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ} [التوبة : 125] وفي قوله تعالى: {فَمَن يُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَن يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأنعام : 125].

وفي ضوء ذلك، فإنّ الظاهر إرادة الملكات الأخلاقية السلبية التي تمثّل قذارة الروح، كما يمكن أن تطلّ الكلمة على معنىً آخر، وهو الأخطاء الفكرية في إدراك الأمور، ممّا يجعلها دالّة على العصمة الذاتية التي هي لطفٌ إلهي يثيره الله في داخل النفس فيمنعها من باطل الاعتقاد وسيّئ العمل من خلال ما توحي به كلمة القذارة من المعنى الموجب للتنفّر والبعد عن الشيء والاجتناب عنه.

3 ـــ هل الإرادة تشريعيّة أو تكوينيّة؟

الإرادة الإلهية على قسمين:

أ ـــ إرادة تشريعيّة: وتعني أنّ الله يضع لعباده من التشريعات الإلزامية وغير الإلزامية ما فيه صلاحهم في الدّنيا والآخرة، ومثال ذلك قوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة : 185]، فإرادته لليسر إرادة تشريعيّة، لأنّ الشريعة التي كلّفنا بها هي سهلة سمحاء {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج : 78] وعدم إرادته للعسر أيضاً تعني أنّه أراد أن يخفِّف عنكم من خلال ما رخّصه لكم.

ب ـــ إرادة تكوينيّة: وتعني أنّ الله سبحانه يريد شيئاً وتتعلّق إرادته تعالى بفعله، لا أنْ تتعلَّق إرادته بفعل الغير كما في الإرادة التشريعيّة. ومن الطبيعي أنّ إرادته إذا تعلَّقت بفعل شيء فلا تنفكّ عن المراد ولا يتخلَّف المراد عن الإرادة، لأنّ {أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس : 82].

فما هو المراد من الإرادة في قوله: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ}؟

لا يمكن أن يكون مقصوده تعالى بها الإرادة التشريعيّة، بحيث يكون المعنى أنّ الله خطَّط فيما شرع لكم من التشريعات أن يذهب الرجس عنكم ويطهّركم بسلوككم وامتثالكم لهذه الشريعة، ووجه البعد في ذلك: أنّ الله أراد من الناحية التشريعية أن يذهب الرّجس عن كلّ إنسان وأن يطهّر الناس جميعاً بما شرع لهم، لا خصوص أهل البيت (عليهم السلام)، فالله سبحانه جعل شريعته وسيلة لتطهير الناس جميعاً وإذهاب الرّجس عنهم، هذا مع أنّ الآية الشريفة مختصّة بأهل البيت (عليهم السلام) على رأينا، أو شاملة لزوجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) على رأي آخر، ما يوحي بأنّ هناك خصوصية في المقام تختلف عن الوضع العام الذي يتعلَّق بالناس بشكلٍ عام، لاسيّما في ما يتعلّق بمقام النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) الذي تشمله الآية.

وفي ضوء ذلك، تكون الإرادة الإلهية في الآية هي الإرادة التكوينيّة التي تتدخّل في تكوين الخصائص الذاتية في داخل الذّات، ممّا يحقِّق للشخصيّة ملكات روحيّة ثابتة متحرّكة في اتّجاه إيجاد الجوّ الفكري والروحي الذي يدفع إلى اختيار الحقّ في القول والفكر والعمل، لا الإرادة التشريعيّة التي تقتصر على توجيه التكاليف.

4 ـــ دلالة الآية على عصمة أهل البيت (عليهم السلام):

وهذه الآية تدلّ بوضوح على عصمة أهل البيت (عليهم السلام)، لأنّ اللام في كلمة "الرّجس" للجنس، ما يجعلها شاملة لكلّ ما يوجب الخلل في الشخصية ممّا يوجب النفور منها فيما تنحرف به وتخطئ فيه، فتكون دالّة على تعلّق إرادة الله بإزالة كلّ الجذور العميقة التي تقود إلى الانحراف أو تدفع إلى الخطأ. وبعبارة أوضح: إنّ الله أودع في أهل البيت (عليهم السلام) من عناصر العلم والمعرفة وخصائص القدس والطهارة ما يذهب به الرّجس عنهم ويحقّق الطهارة فيهم، وسيأتي مزيد حديث حول هذا المعنى وحول عدم منافاة الآية مع اختياريّة الإرادة عندهم عند الحديث عن عصمة الزهراء (عليها السلام).

 

 

الزهراء (عليها السلام) في كلمات الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)

وأمّا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فقد تحدّث عن الزهراء (عليها السلام) وفضلها كثيراً، ونعتها بما لم ينعت به واحدة من النساء، حتّى أنّه وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:

ما تمنّى غيرها نسلاً ومن          يلد الزهراء يزهد في سواها

ورسول الله عندما يقيّم فهو لا يقيّم على أساس عاطفة أو هوى، حاشاه {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى} [النجم : 3] وإنّما يتكلّم بلسان الوحي والتنزيل {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم : 4].

وفي ما يلي نستعرض بعض أحاديثه حول ابنته فاطمة:

1 ـــ سيّدة نساء العالمين:

من العناوين الكبيرة والمهمّة التي امتازت بها الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ما جاء في الحديث المشهور عن النبيّ الكريم (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بشأنها أنّها: "سيّدة نساء أهل الجنّة"(1)، وفي حديثٍ آخر "إنّها سيّدة نساء العالمين"(2)، وفي رواية ثالثة: "إنّها سيّدة نساء المؤمنين"(3)، وفي نصّ رابع: "سيّدة نساء هذه الأُمّة"(4). وهذه الأحاديث رواها السُنّة والشيعة. أنه 

 فقد ورد في (صحيح البخاري) عن عائشة قالت: "أقبلت فاطمة تمشي كأنّ مشيتها مشية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فقال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): مرحباً بابنتي، فأجلسها عن يمينه وأسرّ إليها حديثاً فبكت، فقلت لها: لِمَ تبكين؟ ثمّ أسرّ إليها حديثاً فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن.

فسألتها عن ذلك: فقالت: ما كنت أفشي سرّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، حتّى قبض النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فسألتها عمّا قال: فقالت: أسرّ إليّ أنّ جبرئيل كان يعارضني القرآن كلّ سنة مرّة، وأنّه عارضني العام مرّتين ولا أراه إلاّ حضر أجلي، وأنّكِ أوّل أهل بيتي لحاقاً بي، فبكيت، فقال: "أمَا ترضين أن تكوني سيّدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين"، فضحكت لذلك(1).

وفي روايةٍ أخرى وردت في (حلّية الأولياء) لأبي نعيم أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال لها: "يا بنيّة، أمَا ترضين أنّكِ سيّدة نساء العالمين. قالت: يا أبتِ فأين مريم ابنة عمران؟ قال: تلك سيّدة نساء عالمها وأنتِ سيّدة نساء عالمك، أما والله زوّجك سيّداً في الدّنيا والآخرة"(2).     

وهذه الرواية وإنْ ضيّقت ما وسعته الروايات الأخرى، لكن لا تُنافي بينها، فهي سيّدة نساء عالمها وسيّدة نساء المؤمنين والعالمين ونساء أهل الجنة.

بين فاطمة ومريم:

وربّما أشكل علينا بأنّه كيف تقولون أنّ فاطمة هي سيّدة نساء العالمين، مع العلم أنّ ظاهر قوله تعالى وهو يخاطب مريم: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ} [آل عمران : 42]، إنّ مريم هي سيّدة نساء العالمين؟! والجواب أنّ القرآن لم يقل أنّ مريم سيّدة نساء العالمين بل قال سبحانه وتعالى أنّه اصطفاها على نساء العالمين، والمراد بالاصطفاء الاختيار، وهو اختيارها ما بين نساء العالمين لتتمثّل فيها قدرة الله سبحانه وتعالى، وتلد ولداً من دون أب وهو النبيّ عيسى (عليه السلام).

هذا مضافاً إلى أنّه قد ورد من طرق السُنّة والشيعة أنّ الزهراء هي سيّدة نساء العالمين وأنّ مريم سيّدة نساء العالمين في زمانها وعصرها.

ولكن قد يعود التساؤل من جديد لماذا كانت الزهراء (عليها السلام) هي سيّدة نساء العالمين وليس مريم؟! والجواب أنّنا لو أجرينا عملية مقارنة بين السيّدة الزهراء (عليها السلام) وبين مريم بنت عمران لعرفنا سرّ ذلك فإنّنا عندما نقرأ حديث القرآن الكريم عن السيّدة مريم فإنّنا نجد أنّ الله اصطفاها وطهّرها واصطفاها على نساء العالمين، حيث جعلها أُمّاً لعيسى (عليه السلام)، الذي أولدته من دون أب، فكان ذلك آية من آيات الله سبحانه، كما أنّه سبحانه كفّلها زكريا (عليه السلام) وأعطاها كرامته بحيث {كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران : 37]، وهكذا عاشت التجربة الصعبة في ولادتها من دون زواج، ولكنّ الله رعاها رعاية مباشرة بحيث استطاعت أن تقف أمام قومها بكلّ شجاعة، وثبت لهم أنّها الطاهرة العفيفة التي لا غبار على أخلاقها وعفَّتها من خلال ما ألهم الله ولدها عيسى وهو طفل لينطق قائلاً: {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً*وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً*وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً} [مريم: 30 ـــ 32]، وهذا اللّطف الإلهي بها وبولدها جعلها آيةً للناس جميعاً {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء : 91].

ويحدّثنا القرآن عنها أيضاً أنّها كانت الإنسانة الطاهرة العفيفة التي صدّقت بكلمات ربّها وكتبه، وأنّها كانت في المستوى العالي من الروحية والمحبة لله والإقبال عليه {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم : 12].

ولكن ورغم حديث القرآن وعفّتها وتقواها وعبادتها وكونها آية من آيات الله، فإنّنا لا نجد حديثاً عن حركتها في الواقع، بينما لو جئنا إلى السيّدة الزهراء (عليها السلام) فإنّنا نجد أنّها لا تختلف عن السيّدة مريم في هذا السموّ الروحي الذي كانت تعيشه مع الله، فقد كانت الزهراء (عليها السلام) تقوم اللّيل حتّى تتورَّم قدماها وهي تصلّي لله وتدعو للمؤمنين والمؤمنات ـــ كما سيأتي في حديث ابنها الإمام الحسن (عليه السلام) ـــ كما أنّها لا تختلف عن السيّدة مريم في تطهير الله لها فكما طهَّر الله مريم {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ} [آل عمران : 42]، فقد طهَّر  فاطمة إلى جانب أبيها وبعلها وبنيها {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب : 33].

وكما أنّ الله اصطفى السيّدة مريم لتكون محلاّ لآيته ولطفه في ولادة السيّد المسيح (عليه السلام)، فإنّه اصطفى فاطمة لتكون سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء أهل الجنّة، ولتنجب سيّدي شباب أهل الجنّة، الحسن والحسين (عليهما السلام). وإذا كانت السيّدة مريم قد احتضنت السيّد المسيح (عليه السلام) وربّته وأعطته الحنان والعاطفة وعاشت آلامه عندما عُذِّب وكُذِّب وأُريدَ له الصلب، فإنّ السيّدة الزهراء قد عاشت منذ طفولتها الأولى آلام رسول الله في رحلة المعاناة الطويلة مع قومه، وعاشت آلام عليّ (عليه السلام) بعد رحيل رسول الله، وإبعاد عليّ عن حقّه في الخلافة وهكذا عاشت المأساة الكبرى التي لم تمر على امرأة مسلمة إطلاقاً، ولم يحدّثنا التاريخ حتّى الجاهلي منه عن مأساة امرأة بعمق مأساتها، فقد هجم القوم على دارها الذي كان أحبّ البيوت إلى رسول الله وهدَّدوا بإحراقه إنْ لم يخرج أهله منه، وهم يعلمون أنّ في البيت فاطمة بضعة الرسول وأحبّ الناس إلى قلبه، وفيه عليّ (عليه السلام) وهو أخو رسول الله وفيه الحسنان ولدا رسول الله وحبيباه وسيّدا شباب أهل الجنّة.

ولكنّ الزهراء (عليها السلام) امتازت عن مريم في حركيّتها وجهادها في سبيل الله ودفاعها عن الحقّ، فعندما عاشت آلام رسول الله تفاعلت مع هذه الآلام، وعملت على تخفيف المعاناة عنه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، عندما كانت تستقبله بكلّ عطف وحنان وتزيل الأوساخ عنه، ولما دخلت المدينة وعاشت الفقر وهي في بيت عليّ (عليه السلام) كانت الصابرة التي تمارس خدمة بيتها وزوجها وأولادها، لتقدّم لنا بيتاً لا مثيل له في الطهارة والعفّة والرسالية والأخلاق، كما أنّها واجهت كلّ الآلام والمآسي التي تعرّضت لها بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولم تسقط أمام هذه المآسي بل تجاوزت آلامها الشخصية، ووقفت لتدافع عن حقّ عليّ (عليه السلام) في الخلافة لأنّها كانت تحرص على الإسلام، والمسلمين وهي ترى أنّ عليّاً (عليه السلام) هو المؤهّل ليقود حركة الإسلام ويسير بالمسلمين إلى الصراط المستقيم. وهكذا أيضاً نجد أنّ الزهراء كانت تبذل جهد الدعوة والتربية والتعليم، كانت تستقبل نساء المسلمين لتحدّثهن وتعلّمهن ممّا تعلَّمته من رسول الله، وما ألهمها الله إيّاه، وبذلك كانت حياتها حياة متحرّكة وموزّعة الجهد بين أبيها الذي كان يتّخذ من بيتها قاعدة له، وبين زوجها الذي كان المجاهد الأوّل مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وبين أبنائها الذين ربّتهم تربية إسلامية رائعة، وبين المجتمع المسلم الذي كانت تعمل على تثقيفه ـــ لاسيّما في شقّه النسوي ـــ وبيان الحقائق له حتّى لا تجرفه تيّارات الانحراف. وبهذا سادت نساء العالمين من الأوّلين والآخرين.

التقييم الدقيق للسيادة:

وهنا لا بدّ أن نتوقّف لنتساءل: هل السيادة مجرّد لقب تكريم أعطاها إيّاه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟

حاشاه، فرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لا يطلق الألقاب جزافاً، لأنّه ينطلق عندما يزن الناس، وإنْ كانوا أقرباءه، من موقع التقييم الدقيق للكفاءة الواقعية في ما يمدح به هذا أو ذاك، ولو لم ينطلق من الموقع العميق الموجود في الشخصية التي يجعلها في مستوى الكلمة التي يطلقها عليها، لكانت الكلمة صادرة منه عن هوى، والله تعالى يقول في حقّه: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 ـــ 4].

وعليه، فأنْ تكون فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة، معناه أنّها استجمعت في عقلها وقلبها وفضائلها كلّ عقل وقلب وفضائل نساء أهل الجنّة، بل وتفوّقت عليهنّ في ذلك.

وأنْ تكون فاطمة سيّدة نساء العالمين والمؤمنين، فهذا يعني أنّ كلّ فضائل الإيمان وخصاله وكلّ مزايا المؤمنات قد تجمّعت وتجسّدت فيها، وإلاّ فكيف تكون سيّدة لقوم وهي لا تفضلهم بشيء ولا تملك الميزة التي بها تكون السيادة؟!

ولهذا فإنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، الذي ينطق إسلاماً ويتحرّك ويجسّد الإسلام، وينبض قلبه بالإسلام، وليس لديه حتّى العواطف الذاتية التي تفقد في عمقها معنى الإسلام، لأنّه كان النور كلّه، والإسلام كلّه، والقرآن الناطق، عندما يعطي فاطمة هذه الأوصاف، فلا بدّ أن يكون اطّلع على ما تحمّله (عليه السلام) من علم يتفوَّق على علم نساء العالمين كلّهم، وما تحمله من طهارة تتفوَّق بها على نساء العالمين، ومن روحانية وقِيَم إنسانيّة تتفوَّق بها على سائر النساء.

2 ـــ فاطمة بضعة منّي:

وفي كلمة أخرى له (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) تعبّر عن المنزلة الرفيعة لسيّدة النساء يقول فيها: ـــ كما في صحيح البخاري ـــ: "فاطمة بضعة منّي، فمن أغضبها فقد أغضبني"(1)، وفي صحيح مسلم: "إنّما ابنتي فاطمة بضعة منّي يؤذيني ما آذاها"(2)، وفي روايةٍ أخرى لمسلم: "إنّما ابنتي بضعة منّي يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها"(3)، وفي نصٍّ رابع أورده في البحار: "فاطمة شجنة منّي، يؤذيني ما آذاها ويسرّني ما سرَّها"(4).

وهذه الرواية ـــ على اختلاف تعبيراتها ـــ الصادرة عن الصادق الأمين، الذي ـــ وكما أسلفنا ـــ يتحدّث وحياً وإسلامياً لا عاطفةً، لأنّ عاطفته كبشر، مجالها أنْ يحتضن ابنته كما يحضن أي بشر ابنه وابنته، ولكن عندما يعطي القيمة فهو يعطيها من خلال الوحي والرسالة، ولا يمكن أن يتقوّل على الله أبداً: {وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ*لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ*ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ} [الحاقّة: 44 ـــ 46]. هذه الرواية تعبِّر عن التمازج الروحي والاندماج العميق بينها وبينه، لأنّ قوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "بضعة منّي" لا يريد به الإشارة إلى الجانب المادي فإنّه لا يخفى على أحد، وإنّما يريد به الإشارة إلى ما هو أعمق من ذلك، فإنّ معنى أن يكون إنسانٌ ما قطعة من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، أنّه يرتبط برسول الله ارتباطاً رسالياً عضوياً، كما لو كان جزءاً حيّاً من جسده.

ومعنى ذلك أنّ عقله يختزن بعضاً من عقل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وروحه تختزن بعضاً من روح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأنّ حياته تختزن الطهر والنقاء والروحانية والصدق والأمانة كما اختزنها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم). ثمّ عندما يضيف (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "مَنْ أغضبها فقد أغضبني ومَنْ آذاها فقد آذاني"، فإنّ أصحاب الرسالات لا ينفعلون عاطفياً عندما يؤذي الناس أولادهم، بل أي أب صالح لو أغضب الناس ابنه بالحقّ لأنّه أساء إليهم، فإنّه لا يغضب ولا ينفعل لذلك. إذاً فما معنى "مَنْ أغضبها فقد أغضبني...

إنّ معناه أنّ فاطمة هي المرأة التي لا يمكن أنْ تسيّء إلى أحد في قول أو فعل حتّى يكون للنّاس حقّ في إيذائها وإغضابها، بل فاطمة لو غضبت فلا يملك أحد أن يغضبها، لأنها الإنسانة التي لا تغضب إلاّ لله، والإنسانة التي لا تسيء إلى أحد ولا تذنب أو تنحرف، فمن أغضبها فإنّه يغضب الحقّ ويغضب الخطّ المستقيم، وهي الإنسانة التي لا تتأذّى إلاّ عندما يُعصى الله أو ينحرف الناس عن طريق الله، ولذلك يتأذّى رسول الله بأذاها، وإلاّ كيف يمكن أن يتأذّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لأذاها إنْ لم يكن أذاها مبرّراً ومنسجماً مع الحقّ والرسالة؟!

وهكذا قوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) كما جاء في بعض الروايات: "يرضيني ما يرضيها"، فإنّ معناه أنّها لا ترضى إلاّ ما يرضاه الله ورسوله، ولو لم يكن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) مطّلعاً على عمق الزهراء (عليها السلام) وعلى كونها صورة عن روحه وفكره وخطّه ورسالته، وعلى أنّ الرسالة قد انطبعت في شخصيّتها وذابت شخصيّتها في الرسالة، بحيث إنّه لا يوجد فاصل بينها وبين الرسول وبينها وبين الرسالة، لما صحّ أن يربط رضاه برضاها وغضبه بغضبها. وهذا يدلِّل بوضوح على أنّ الزهراء (عليها السلام) معصومة مطهّرة وبلغت الغاية في الكمال.

3 ـــ يرضى الله لرضاها:

وفي حديثٍ آخر روي عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: "إنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها"(1).

وهذا النصّ الشريف أقوى من سابقه في الدلالة على عظمة هذه الإنسانة ومقامها الرفيع عند الله سبحانه، بحيث إنّه تعالى ربط رضاه برضاها وغضبه بغضبها، فما معنى ذلك؟ ما معنى أن يغضب الله لغضب إنسان ويرضى لرضاه؟ معنى ذلك أنّ هذا الإنسان قد عاش مواقع رضا الله كلّها وابتعد عن مواقع سخطه، وهذا ما عبَّر عنه الإمام الحسين (عليه السلام) بقوله: "رضا الله رضانا أهل البيت"(2).

استغراب مدفوع:

ويبدو أنّ هذا الحديث أثار لغطاً وجدلاً في بعض الأوساط، ما اضطر أهل البيت أن يوجّهوه، فقد نقل في مسند فاطمة عن الصدوق في الأمالي قال: "حدّثنا أبو ذرّ يحيى بن زيد بن العباس بن الوليد البزار بالكوفة قال: حدّثني عمّي عليّ بن العباس قال: حدّثنا عليّ بن المنذر قال: حدّثنا عبد الله بن سالم عن حسين بن زيد عن عليّ بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه قال: "يا فاطمة إنّ الله تبارك وتعالى ليغضب لغضبك ويرضى لرضاك. قال: فجاء صندل فقال لجعفر بن محمد (عليهما السلام): يا أبا عبد الله، إنّ هؤلاء الشبّان يجيئون عنك بأحاديث منكرة، فقال له جعفر (عليه السلام): وما ذاك يا صندل؟ قال: جاءنا عنك أنّك حدّثتهم أنّ الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها، قال: فقال جعفر: ألستم رويتم في ما تروون أنّ الله تبارك وتعالى ليغضب لغضب المؤمن ويرضى لرضاه؟ قال بلى، قال فما تنكرون (أن تكون) فاطمة مؤمنة يغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها، قال، فقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته"(1).

4 ـــ أُمّ أبيها:

ومن كلماته الخالدة والقيّمة في حقّ فاطمة (عليها السلام) قوله الشهير: "فاطمة أُمّ أبيها"(2).

ولكن حتّى نفهم المعنى الدقيق لهذه الكلمة، لا بدّ أن ندرس حياة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وما لاقاه من عنت ومشقّة منذ بداية حياته؛ فلقد عانى الكثير، عانى من اضطهاد المشركين له حتّى قال: "ما أُوذي نبيّ بمثل ما أُوذيت"(3)، وحزن لفقد زوجته أم المؤمنين خديجة (عليها السلام) والتي كانت ملجأ وكهفاً له يأوي إليه بعد الجهد والتعب الذي يلاقيه من قومه، وتأثّر لافتقاد عمّه أبي طالب الذي كان يرعاه ويدافع عنه ويقف إلى جانبه، وعانى قبل ذلك اليتم الذي عاش في زوايا إحساسه الإنساني، لأنّه عاش يتم الأب وهو جنين، ويتم الأُم وهو رضيع، فافتقد رعاية الأب، وحُرِم حنان الأمومة.

ونحن نعرف أنّ حنان الأم يروي قلب الطفل كما يروي الماء الأرض اليابسة، ويغذّي روحه بطريقة لا شعورية لا يحسّ بقيمتها إلاّ بعد حين، كما أنّ حنان الأم يجعله في شعورٍ دائم بطفولته ما دام مع أُمّه حتّى لو صار في سنّ الخمسين، فإذا ما فارقت أمّه الحياة شعر فجأة بالشيخوخة تزحف إلى حياته، ولهذا فالإنسان منّا يصعد ويتقدّم به العمر ليصبح كهلاً وشيخاً، ومع ذلك يبقى يحسّ بمشاعر الطفولة تجاه أمّه، لأنّ أمّه تحتضنه وتحاكيه وتناغيه، ولأنّ الأم ـــ كما يقال ـــ لا تعرف السنّ التي تتقدّم في ولدها، بل تظلّ تفكّر فيه رضيعاً تحتضنه وطفلاً تلاعبه، والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يشذّ عن هذه القاعدة الإنسانية العامّة، وهي الحاجة إلى عطف الأم وحنانها ورعايتها واحتضانها، وهذا لا يشكّل نقصاً أو عيباً في النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولا يعني أنّه يشكو من عقدة نقص، لأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وإنْ كان في قمّة الكمال، لكنّه بشرٌ يتمتّع بكلّ خصائص البشر ويشعر بكلّ حاجاتهم، يجوع كما يجوعون، ويعطش كما يعطشون، ويتألّم كما يتألّمون، ويفرح كما يفرحون، ويحزن كما يحزنون(1)، ولهذا فهو بحاجة إلى الحنان كما هو بحاجة إلى الطعام والشراب. وكما أنّ حاجته إلى الطعام والشراب لا تمثّل نقصاً أو عقدة نفسية، فكذا حاجته إلى الحنان والعطف، وكما الجوع لا يمثّل عيباً عند أي إنسان فكذا النبيّ، وليس هناك فرق بين الجوع إلى الطعام والحاجة إلى الحنان، وقد جاع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) حتّى ربط حجر المجاعة على بطنه. وقد حدّثنا الله سبحانه عن حزن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وضيقه وهو يخفِّف عنه ذلك: {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ} [النحل : 127]، وقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} [المائدة: 41]. وقال: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر : 8]، إلى غير ذلك من الآيات التي تتحدّث عن بشرية النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وحاجاته الإنسانيّة..

وإذا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بشراً في إحساسه ومشاعره، وكان بحاجة إلى الحنان الغامر والفيّاض واللّمسة الحلوة والاحتضان الرقيق ـــ كما يحتاج لذلك كلّ إنسان ـــ لاسيّما وهو يعيش تلك المرحلة الصعبة من عمر الرسالة التي كان يُسَبُّ فيها ويُشْتَم ويُتَّهم ويُرمى بالحجارة والأوساخ ويتعرَّض لأقسى أساليب التكذيب والمحاربة، فلهذا كان يشعر بالحاجة إلى الراحة والاطمئنان والسكينة والحنان والرعاية والاحتضان. وأي وقتٍ يحسّ فيه صاحب الرسالة العظيمة بالحاجة إلى ذلك أكثر من هذا الوقت الذي يجد فيه كلّ شياطين الأرض والذين لا يعيشون قيمة الإنسان يتكالبون عليه ويهاجمونه بالكلمة والممارسة.

فمن يمدّ الرسول بالعطف والحنان ويخفِّف عنه الأعباء والآلام والمعاناة؟

لم يكن هناك سوى فاطمة (عليها السلام)، فهي التي ملأت بيته بعبق الأمومة وروحها وطهرها وعاطفتها، فكانت أمّه بالروح وإنْ كانت ابنته بالجسد، أمّه بعاطفتها وروحانيّتها التي غمرته بها، كانت تحتضنه قبل أن يضمّها إليه، وتبتسم له عندما تلمح الكآبة في وجهه، كانت تهدهد روحه، وتملأ عليه بيته، ولئن كانت السيرة لا تحدّثنا عن تفاصيل ذلك، إلاّ أنّنا نستطيع أن نلتقطها ونستوحيها من خلال كلمة الرسول الخالدة "فاطمة أمّ أبيها"، هذه الكلمة التي قالها بعد أن هزّته عاطفتها، فأطلق كلمته هذه مُخَلِّداً حركة الأمومة في ابنته، لأنّ كلمة "أُمّ أبيها" تختزن كلّ إحساس النبيّ بحنان ابنته وقلبها الكبير الذي كان يحنو على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).   

ولنتصوّر كم كانت عاطفة فاطمة وكم كان قلبها كبيراً حتّى استطاعت أن تملأ روح هذا الإنسان العظيم وتشعره بالاطمئنان وتحوطه بالرعاية، لقد كانت أمومتها له (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) واحتضانها له شيئاً فوق العادة. كانت بذلك تحمل مسؤولية كبرى، لأنّ الأمومة ـــ بشكلٍ عام ـــ مسؤولية كبرى تملأ فكر الأم وتشغل مشاعرها وأحاسيسها وتتعب جسدها وفكرها، باعتبار أنّ المرأة عندما تكون أُمّا فإنّ الولد سيكون محور حياتها، ولهذا نجد أنّ بعض الأزواج يغارون من أطفالهم عندما يرون أنّ زوجاتهم قد شغلن بالأطفال. هذه هي طبيعة الأمومة بشكلٍ عام، فكيف إذا كانت الأمومة لشخصية مثل رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فلا بدّ أن يبذل مَن يقوم بهذا الدور من الجهد والطاقة الشعورية ومن الروح العميقة الممتدة ومن الأُفق الواسع ومن خفقات القلب ونبضات الشعور، الشيء الكثير الكثير ليقوم بهذا الدور.

ولذلك فإنّنا نعتبر أنّ هذه الكلمة توحي بعظمة الزهراء (عليها السلام)، وحتّى وإنْ لم يمدّنا التاريخ بكثيرٍ من تفاصيل العلاقة بين فاطمة وأبيها ومن حياتها، فإنّ هذه الكلمة وحدها كافية للتدليل على منزلتها ومقامها عند رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) الذي {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 ــ 4]. فهو لا يتكلّم عن هوى أو عاطفة غير مسؤولة، وإنّما يتكلّم بالحقّ والحقيقة والكلام الجادّ.

إنّ هذه الكلمة تختصر كلّ حياة الزهراء (عليها السلام) ودورها في تخفيف الآلام التي عاشها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) والأعباء والأثقال التي واجهها من المشركين والمنافقين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

منزلتها عند المسلمين

ليس خفيّاً أنّ فاطمة (عليها السلام) كانت الشخصية النسائية المقدّسة لدى المسلمين جميعاً. فإنّنا لو قرأنا ما كتبه علماء المسلمين من السُنّة والشيعة وما ألّفوه من كتب ورسائل مستقلة وغير مستقلّة بشأنها، لوجدنا أنّهم يتحدّثون عنها بكلّ تعظيم ومحبّة واحترام وإجلال، وما ذلك إلاّ لما تزخر به شخصيّتها من قِيَم أخلاقية راقية، ولما تحمله من طهارة روحية ومنزلة علمية، ما يجعلها مثلاً أعلى يحتذي به المسلمون، ولما عرفوه من القرآن الكريم وأقوال النبيّ الأمين التي بيَّنت مقامها ومنزلتها وأكّدت لزوم احترامها وتقديرها وتعظيمها والابتعاد عن كلّ ما يوجب إيذاءها وسخطها.

ولهذا وجدنا المسلمين على اختلاف مذاهبهم وتعدُّد مللهم يلتقون على تقديسها، لا لأنّها ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، بل لأنّها حملت شخصية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وتخلَّقت بأخلاقه.

فهذه عائشة زوج النبيّ تتحدّث عنها أنّها كانت الأصدق بعد أبيها ـــ كما سيأتي ـــ وعن أنس بن مالك أنّه لم يكن أحد أشبه برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من الحسن بن عليّ وفاطمة(1).

وهذا ابن مسعود وابن عبّاس وابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري وسلمان الفارسي.. وغيرهم من صحابة النبيّ، رووا في فضائلها ومناقبها وخصالها الكثير من الروايات وأثنوا عليها غاية الثناء.

 

وهكذا حال التابعين وتابعيهم من أصحاب الصحاح والمسانيد، كالبخاري ومسلم والحاكم النيسابوري والبغوي، وابن عبد البرّ وابن حجر صاحب الصواعق المحرقة وغيرهم من الأعلام(1)، فقد عقدوا في كتبهم فصولاً وبوَّبوا أبواباً لنقل ما ورد في شأنها وما فضَّلها الله به على مَنْ سواها.

ولأجل هذه المحبّة والقدسية التي يحملها المجتمع المسلم للزهراء (عليها السلام)، رأينا أنّه عندما هجم على دارها مَنْ هجم بقصد الإساءة وهدَّدوا بإحراق البيت، كان الاستنكار الوحيد أنّ في البيت فاطمة.. لم يقولوا إنّ في البيت عليّاً ولا الحسنين ولا زينب، بل إنّ فيه فاطمة، ما يدلّ على أنّها كانت تعيش في عمق وجدان المسلمين وتستحوذ على محبّتهم، حتّى أنّ كثيراً ممَّن هجَمَ على دارها مع المهاجمين كان قلبه ينبض بمحبّتها، ولهذا انصرف باكياً عندما سمع صوتها(2). وهكذا وجدنا المسلمين تفاعلوا مع خطبتها التي خطبتها بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وغصب الخلافة ومصادرة فَدَك، وتأثّروا كثيراً لكلامها، حتّى أنّه "لم يرَ النّاس أكثر باكٍ ولا باكية منهم يومئذٍ"(3).

شهادة عائشة بالزهراء:

وبمراجعة كتب السيرة والحديث، نجد أنّ زوجة النبيّ عائشة قد تحدّثت كثيراً عن فضائل الزهراء وأخلاقها ومحبّة الرسول لها، وشهادة عائشة في الزهراء (عليها السلام) مهمّة جداً، لأنّ فاطمة بنت ضرّتها خديجة، وقد كانت عائشة تغار من خديجة حتّى بعد وفاتها من شدّة تعظيم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لها، وممّا قالته عائشة في الزهراء: "ما رأيتُ أحداً كان أشبه كلاماً وسمتاً وهدياً ودلاًّ برسول الله من فاطمة، وكانت إذا دخلت عليه قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه وكانت إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبّلتها وأجلسته في مجلسها"(1)، وقالت أيضاً: "ما رأيت أحداً قطّ أصدق من فاطمة غير أبيها"(2)، وسئلت عائشة أمّ المؤمنين أيّ الناس كان أحبّ إلى رسول الله؟ قالت: فاطمة، قلت: من الرجال؟ قالت: زوجها، إنْ كان ما علمته صوّاماً قوّاماً"(3).   

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العصمة

عندما نقدِّس الصدّيقة الزهراء (عليها السلام)، فإنّنا لا نقدِّس انتسابها للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فحسب، وإنّما نقدِّس فيها صفاتها المثلى وخصالها الحميدة التي تجعلها قدوة نقتدي بها ونبراساً نستضيء بنوره، ومَثَلاً أعلى نسير على هديه ونستلهم منه الدروس والعِبَر، فقد انطلقت الزهراء البتول بعلمها وعبادتها وإخلاصها لله ورعايتها لرسول الله ولأمير المؤمنين حتّى ارتفعت إلى مقام العصمة وسمت إلى مرتبة القداسة، لا تدنِّسها الآثام ولا تقترب منها الذنوب، وتركت لنا المثل الأعلى عن المرأة التي عاشت حياتها من أجل الله وأغمضت عينيها مفارقةً الحياة وهي تلهج بذكر الله.

إنّنا نعتقد أنّ الزهراء (عليها السلام) معصومة عن الخطأ والزلل والسهو والنسيان، فلم ترتكب في حياتها معصية مهما كانت صغيرة.

ويمكن أن تستدلّ على عصمتها بثلاثة أدلّة تضاف إلى ما تقدّم من قول النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "فاطمة بضعة منّي مَنْ أغضبَها فقد أغضبَني".

الأوّل: إنّنا لو درسنا حياتها منذ ولادتها إلى حين وفاتها، حياتها مع أبيها ومع زوجها ومع أولادها ومع الناس جميعاً، لما وجدنا لها خطأً في فكر أو زلّة في قول أو اشتباهاً في فعل، فقد كانت حياتها (عليها السلام) تجسِّد العصمة أتمَّ تجسيد.

الثاني: إنّها من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهَّرهم تطهيراً، فتشملها آية التطهير {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب : 33] في ما تشمل من أهل البيت، وهم عليّ وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، والذين كانت الآية دليلاً على عصمتهم. فآية التطهير هذه شهادة حقّ لا ينال منها الباطل على عصمة الزهراء (عليها السلام).

وعندما نستدلّ بآية التطهير على عصمتها، فهذا لا يعني أبداً أنّها وقبل نزول الآية لم تكن معصومة، بل كانت (عليها السلام) معصومة حتّى قبل نزولها عصمةً كاملة يشهد لها بها سلوكها، وآية التطهير إنّما جاءت لتكشف عن عصمتها لا أنّها تمنحها العصمة.

الثالث: إنّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) هي سيّدة نساء العالمين كما جاء في الحديث المشهور عند الفريقين(1)، ولا يمكن أن تكون امرأة في مستوى سيّدة نساء العالمين إلاّ وتكون الإنسانة التي  تعيش الحقّ كلّه في عقلها وقلبها وحركتها، ولا يمكن أن يزحف الباطل إلى شيءٍ منها في ذلك كلّه.

حقيقة العصمة:

إنّ رأينا في عصمة أهل البيت (عليهم السلام) بما فيهم الزهراء (عليها السلام)، هو أنّ الله سبحانه أودع فيهم من عناصر العلم والروح وخصائص القدس ما يذهب به الرجس عنهم ويحقِّق الطهارة فيهم، لقد أعطاهم نوراً يتحرَّكون فيه من خلال وعيهم لكلّ خطوط النور وآفاقه، وأعطاهم العلم والروحانية التي تلتقي بوعي الله ومعرفته، ووعي الإسلام في عمقه وامتداده، بحيث يتحرّكون بالطهر بوعي، ويبتعدون عن الشرّ بوعي، لأنّ هذه العناصر التي أعطيت لهم هي التي تعمِّق الوعي والإرادة فيهم، ولكنّها لا تحرّكهم تلقائياً وبغير اختيار. فلا يقولنَّ قائل إنّ معنى العصمة التكوينيّة المستفادة من الآية الشريفة {إِنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ...} تعني أنّ الله سبحانه يسلبهم الاختيار فيكونون الطاهرين بغير اختيارهم والبعيدين عن الرجس بغير اختيارهم، بحيث يتحرّكون بالطهر تحرُّكاً آلياً كما تتحرَّك الآلة من دون وعي، فإنّ هذا التوهُّم فاسد، لأنّا وإنْ قلنا إنّ الله هو الذي أودع فيهم عناصر القداسة والروحانية والعلم، لكنّ هذا لا يستلزم سلبهم الاختيار وأنْ يصيروا كالآلة الجامدة أو العصا في يد صاحبها، لأنّ هذه العناصر الآنفة تعمّق الوعي فيهم كما أسلفنا، لا أنّها تسلبهم الاختيار(1).

إذاً، كانت عصمة الزهراء (عليها السلام) عصمة إرادية انطلقت من وعيها ومن لطف الله الذي كرَّم وجهها عن السجود للأصنام وفعل المعاصي، كما كرَّم وجه زوجها عليّ (عليه السلام) عن السجود للأصنام قبل البعثة وبعدها، وهذا بخلاف كثير من رجال المسلمين ونسائهم ممّن سجدوا قبل الإسلام للصنم، أمّا الزهراء (عليها السلام) فكان سجودها لله منذ أن عرفت السجود، وكان ركوعها لله منذ أن عرفت الركوع، وكان قيامها تسليماً لله مذ عرفت القيام.

لماذا هم دون سواهم؟

وقد يقول قائل: لماذا أعطى الله أهل البيت (عليهم السلام) العصمة ولم يعطها لغيرهم؟ ويمكن الإجابة عن هذا السؤال بجوابين:

الأوّل: هو قوله تعالى: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء : 23].

الثاني: إنّ الله سبحانه وتعالى سخَّر الكون للإنسان وعمل على أن يصلح أمره في الدُّنيا والآخرة، وأعطى الكون شمساً لا ظلمة فيها، وأنزل للإنسان قرآناً منيراً، وقضت حكمته أن يخلق نماذج بشرية تكون نوراً متكاملاً في عقلها وقلبها وكلّ حركاتها، لتكون شمساً للإنسانية بإزاء القرآن، كما أنّ للكون شمساً ترفده بالضياء، فاختار من خلقه نماذج ليكونوا الشمس التي تبعث بالنور والهداية للإنسان كلّه {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص : 68]، {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ} [آل عمران : 33]، اختار هؤلاء وجعلهم أنبياء وحمّلهم رسالاته، لأنّ مصلحة الإنسانية الغارقة في الظلمات أن يكون هناك إنسان يعمل ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهذه وظيفة الأنبياء، فهم الكتاب الناطق ويحملون معهم الكتاب الصامت، ليتكامل الكتابان ـــ الصامت والناطق ـــ ويسيران معاً في رحلة الهداية والتزكية {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ـــ ولا يكتفي بتلاوتها ـــ وَيُزَكِّيهِمْ ـــ بأنْ يعطيهم التزكية في قلوبهم وعقولهم وحياتهم ـــ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ ـــ بما في الكتاب من أسرار ومفاهيم ـــ وَالْحِكْمَةَ ـــ في حركة الواقع} [الجمعة : 2]، فدور النبيّ هو دور الإبلاغ والتعليم والتربية والتزكية، حتّى يعطي الناس نوراً من عقله الذي هو عقل الكتاب، ونوراً من قلبه الذي هو قلب الكتاب، ونوراً من خُلقه الذي هو خلق القرآن، كما قالت زوجته عائشة "كان خُلُقه القرآن"(1)، ونوراً من حياته التي هي حركة الكتاب في الواقع. وهذا بعينه ينطبق على الأئمّة (عليهم السلام)، فإنّهم في معنى الإمامة امتداد للنبوّة: "يا عليّ أنتَ منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي"(2)، فالإمامة نبوّة في المضمون لا العنوان، ودور الإمام كدور النبيّ، وهو إخراج الناس من الظلمات إلى النور وحراسة الإسلام وحياطته من كلّ تحريف أو تشويه أو ظلمة تزحف إليه، لهذا كان لا بدّ أن يعطى الإمام من اللّطف الإلهي ما يعطاه النبيّ.

سرّ عصمتها:

وهنا سؤالٌ آخر يفرض نفسه وهو: ما السرّ في عصمة الزهراء (عليها السلام) مع أنّها لم تكن في موقع النبوّة أو الإمامة الذي يحتّم ـــ بمقتضى ما تقدّم ـــ أن يكون صاحبه معصوماً، لأنّ مهمّته وهي تغيير العالم على صورة الحقّ، تفرض أن لا يكون فيه شيء من الباطل، ولكنّ الصدّيقة فاطمة (عليها السلام) لم تكن إماماً ولا نبيّاً ـــ وإنْ كانت بنت النبوّة وسرّ الإمامة، لأنّها والدة الأئمّة المعصومين وزوجة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ـــ فما السرّ في عصمتها؟

أوّلاً: إنّ الله عندما لطف بالزهراء (عليه السلام) فأعطاها العصمة وأذهب عنها الرّجس وطهَّرها تطهيراً، أراد أن يوحي للناس رجالاً ونساءً أنّ المرأة يمكن أن ترتفع وتسمو في تكريم الله لها فتصل إلى أعلى المراتب وهي مرتبة العصمة.

ثانياً: إنّ الله يريد أن يجعل للمرأة دوراً في الحياة يقارب دور النبوّة والإمامة التي كانت من نصيب الرجال، فإنّ هذا ما نستوحيه من وصول المرأة ـــ كالزهراء ـــ إلى مرتبة العصمة المختصّة بالأنبياء.

ثالثاً: أراد الله أن يجعل المرأة، ممثّلة بالزهراء (عليها السلام)، مثلاً أعلى للناس جميعاً لتكون قدوة للنساء والرجال، والنموذج الأمثل الذي يحمل عقلاً نورانياً وقلباً نورانياً وعلماً ينفتح على الناس آخذاً بدور النبوّة والإمامة في هذه المجالات.

لقد كانت الزهراء (عليها السلام) معصومة لأنّ لها دوراً في طبيعة موقعها وفي امتداد تأثيرها في الحياة، ليُقال من خلال ذلك للمرأة بأنّ الله كرّمك وفتح أمامك الآفاق لترتقي وتصلي إلى أعلى المراتب إذا ما تحرّكت على خطى هذا النموذج واقتديت به، وليقال من خلالها للرجال إنّ عليكم أن تقتدوا بالمرأة المعصومة كما تقتدون بالرجل المعصوم، لأنّ الوصول إلى مقام العصمة لا فرق فيه بين الرجل والمرأة. فكما أنّ الرجل وصل إلى درجة العصمة من خلال الأنبياء والأوصياء، كذلك المرأة وصلت إلى هذه الدرجة من خلال الزهراء (عليها السلام) ومن خلال مريم قبل ذلك، وربّما نجد بعض النساء اللاتي لم تنزل فيهن آية عصمة ولكنّهن كنّ لا يبتعدن عن العصمة، كالسيدة زينب (عليها السلام) فإنّها بلغت مرتبة عالية في القداسة والطهارة، ومن الممكن لكلّ امرأة أن تقترب من العصمة عندما تعيش مسؤوليّتها أمام الله وأمام رسالتها.

وهكذا كرَّم الإسلام الزهراء (عليها السلام) ومن خلالها المرأة، كما كرَّم الرجل، كرَّمهما معاً من خلال تكريمه لإنسانيّتهما وعناصر الخير التي يختزنانها {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء : 70]، فالتكريم الإلهي ليس مختصّاً بالرجل، بل هو شامل لكلّ بني آدم على اختلاف ألوانهم وأعراقهم وأنواعهم، ذكوراً وإناثاً، بيضاً أو سوداً، عرباً أو عجماً..

رواية مخالفة للقرآن:

ولهذا فإنّنا نرفض كلّ الروايات التي تحطّ من شأن المرأة وإنسانيّتها، كما نرفض الروايات التي تحطّ من شأن بعض الأقوام والأعراق، ونعتقد أنّ المعصوم لا يصدر عنه أمثال هذه الروايات المخالفة للقرآن الكريم.

فمن الروايات التي تحطّ من شأن المرأة ما نُسِبَ إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: "المرأةُ شرّ كلّها وشرّ ما فيها أنّه لا بدّ منها"(1)، فإنّنا نشكّ أنّ هذه الكلمة للإمام عليّ (عليه السلام)، وذلك:

1 ـــ إنّ الإمام عليّ (عليه السلام) وسائر الأئمّة المعصومين ومن قبل جدّهم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، قد علّمونا أنّهم لا يقولون ما يخالِف كتاب الله، وأنّ كلّ ما ينسب إليهم ممّا يخالف كتاب الله فهو زخرف(2)، وهذه الرواية تخالِف كتاب الله، إذ كيف تكون المرأة شرّاً كلّها والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً} [الإنسان : 3]، ويقول: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد : 10]. فالإنسان لم يخلق شرّيراً في أصل خلقته، بل خلق على {فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم : 30]، وفي الحديث الشريف: "كلّ مولود يولَد على الفطرة حتّى يكون أبواه يهوّدانه وينصّرانه"(3).

2 ـــ ما المراد بكون المرأة شرّاً؟ هل ذلك باعتبار عنصر الإغراء، فالرجال يمثّلون عنصر إغراء للمرأة كما المرأة عنصر إغراء للرجل، وأغلب النساء يغريهنّ الرجال ويخدعونهنّ، وقد عبَّر أحمد شوقي عن ذلك بقوله:

خدعوها بقولهم حسناء             والغواني يغرّهن الثناء

3 ـــ وعلى فرض أنّ عنصر الإغراء عندها شرّ، فكيف توصف المرأة بأنّها شرّ بقول مطلق والإغراء عنصر من عناصر شخصيّتها وليس جميع عناصرها؟ فهل فكرها شرّ، أو أنّ عاطفتها التي تحضن من خلالها أطفالها شرّ، وهل عباداتها شرّ؟!

4 ـــ ثمّ إذا كانت المرأة شرّاً كلّها، فكيف يعاقبها الله تبارك وتعالى إذا كان هو الذي خلقها كذلك؟! ألاَ يحقّ لها أن تحتجّ بالقول: أنتَ خلقتني من الشرّ وجعلتني شرّاً، فلمَ تعاقبني على فعل الشرّ وهو مودع في أصل خلقتي التي لا دخل لي فيها؟!

5 ـــ ما معنى "وشرّ ما فيها أنّه لا بدّ منها"، هل من جهة الحاجة إليها في التناسل؟ فالرجل كذلك، فإنّه طرف في عملية التناسل فلمَ لم يكن شرّاً؟! وهل يعقل أن يكون الإنسان الذي يمثّل ضرورة شرّاً كلّه؟! فالشمس تمثّل ضرورة للحياة حتّى تستمر وتبقى، فهل يصحّ أن نقول إنّها شرّ؟!

6 ـــ على أنّنا نربأ بعليّ (عليه السلام) أن يتكلّم بهذه الطريقة، وسيرته تكذّب صدور هذه الكلمة عنه، لأنّه أكرم المرأة أيّما إكرام، وأحسن إليها أيّما إحسان، وهو العارف أنّ في النساء من يفيض الخير منهّن وأنّ في الرجال مَنْ هم في غاية الشرّ، وأنّ في النساء من تفوق الرجال أدباً وعلماً وعملاً.. وإنّ حياته مع الزهراء (عليها السلام) تؤكّد ذلك، فهو الذي أحبّها واحترمها وأجلَّها وآلمه فقدها أشدّ الإيلام، مع أنّها (عليها السلام) امرأة من النساء وإن امتازت عنهن بخصائص عديدة جعلتها تجسّد العصمة والطهارة والقداسة في أقوالها وأفعالها، ولكنّ هذا الامتياز يؤكّد المسألة ولا ينفيها، أي يؤكّد عدم صدور هذه الكلمة عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، لأنّها كلمة غير مفهومة ولا نجد لها محملاً صحيحاً، وإذا كان هناك مَنْ يحاول صرفها إلى امرأة بعينها لتكون "أل" التعريف عهديّة وليست للجنس، فهذا لا يصحّ، لأنّ الكلمة حسب ما يظهر منها واردة على نحو الإطلاق.

وقد قرأت في كتاب "بهجة المجالس" أنّ هذه الكلمة هي للمأمون العبّاسي، وربّما نسبت خطأً لأمير المؤمنين (عليها السلام).

وهناك روايات تحطّ من شأن بعض الأقوام، وقد تعرّضنا في أبحاثنا الفقهية إلى أنّها ممّا لا سبيل إلى الأخذ بها(1).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كراماتها

لا ريب أنّ هناك ظروفاً طبيعية قد كفلت النمو الروحي والعقلي للسيّدة الزهراء (عليها السلام) وغيرها من النساء الجليلات، وذلك مثل تربية النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لها وتربية زكريا لمريم (عليها السلام)، ولكن إلى جانب ذلك هناك اللّطف الإلهي الذي كساها بالطهارة والقدسيّة وخصّها ببعض الكرامات وهي ما زالت جنيناً في بطن أمّها(1) وأكرمها بنزول الملك عليها(2).

وإذا كنّا لا نستطيع إطلاق الحديث القائل بوجود عناصر غيبيّة في شخصية الزهراء (عليها السلام)، بحيث يخرجها عن كونها بشراً أو تتحوَّل حياتها كلّها إلى معاجز خارقة للقوانين الطبيعيّة والسنن التي أودعها الله في الكون، لكنّ هذا لا يعني أبداً نفي ذلك كلّه، فإنّ الزهراء الإنسانة كانت تحيط بها ألطاف الله، ونستطيع أن نقول إنّ هناك عالَماً من الغيب في شخصيّتها، وإنّها نور من الأنوار، وفي حياتها الكثير من الكرامات التي أعطاها الله إيّاها، فقد روي(3) أنّه كان يدخل عليها رسول الله فيجد عندها رزقاً كما كان يدخل زكريا على مريم فيجد عندها رزقاً ويقول: يا مريم أنّى لكِ هذا؟ فتقول {هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران : 37]. وهكذا كانت تجيب فاطمة (عليها السلام) أباها عندما يسألها عن الرزق الذي يجده عندها، كانت لها الكرامة من ربّها لأنّ الله أعدَّها لتكون سيّدة نساء العالمين، ولا بدّ لسيّدة نساء العالمين أن تحمل كلّ الفضائل وكلّ عناصر الخير والحقّ والعبادة والطهارة، وكان لها كرامات أخرى تكشف عن عظيم منزلتها عند الله وقربها منه، لأنّ الله لا يعطي الكرامات إلاّ للمخلصين من عباده والمصطفين من خلقه.

 

 

هل الزهراء (عليها السلام) امرأة غير عادية؟

ورغم ما تقدّم من براهين على عصمة الزهراء وقدسيّتها وكراماتها وفضائلها.. فإنّ ذلك لا يخرجها عن كونها امرأة من جنس البشر تملك من الأحاسيس والعواطف والغرائز ما تملكه سائر النساء، وإنّما عظمتها أنّها حرّكت أحاسيسها في رضا الله، ولم تسمح لغرائزها أن تخرج عن حدود الله سبحانه، بحيث إنّ قلبها وعقلها وجسدها لم ينحرفوا عن خطّ الاستقامة طرفة عين أبداً.

وعندما تحدّثنا في "تأمّلات إسلامية حول المرأة"(1) عن أنّ الزهراء (عليها السلام) ـــ كما مريم (عليها السلام) وآسية بنت مزاحم.. ـــ امرأة عادية، فلم يكن في ذلك الكلام إشعار بنفي كرامات الزهراء وعصمتها، كيف وقد أشرنا في تلك الصفحة نفسها إلى أنّ الله سبحانه منح بعض تلك النسوة العظيمات من ألطافه ما يسدّدهن ويثبّتهن روحياً وعملياً، وإنّما كان ذلك الكلام يرمي ـــ كما يشهد به صدره وذيله ـــ أنّها (عليها السلام) لم تكن إلاّ بشراً وتحمل خصائص سائر النساء، كما كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بشراً ويحمل خصائص الرجال {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف : 110]، وإلاّ لو لم يكن رسول الله بشراً وكذلك الأنبياء والأئمّة والزهراء (عليهم السلام) جميعاً لما كان لهم فضل على سائر الناس، ولما كان هناك معنى للاقتداء بهم {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الأنعام : 9]، فعظمة هؤلاء وقيمتهم أنّهم بشر وليسوا ملائكة، ولكنّهم بإرادتهم وقداستهم أرفع شأناً عند الله من الملائكة.. ولهذا علينا عندما نقدّم الزهراء (عليها السلام) أو نقدّم آل البيت (عليهم السلام)، أنْ لا نقدّمهم بطريقة توحي بأنّهم ملائكة أو أنّهم غيب من الغيب، لأنّنا وإنْ كنّا نعتقد أنّ الغيب يمثّل الأساس في عقيدتنا، ولكنّ إرادة الله قضت أن يكون المثل الأعلى للنّاس والهادي لهم من الضلالة من جنسهم {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً} [الإسراء : 93]، {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ} [الجمعة : 2].

ولئن بقي البعض يصرّ ـــ ورغم كلّ كلماتنا وصراحتنا في تقديس السيّدة الزهراء (عليها السلام) وتعظيمها وبيان عصمتها.. ورغم كثرة محاضراتنا وتنوّعها منذ أكثر من خمسين سنة في شأن آل البيت (عليهم السلام) ـــ على تقويلنا ما لم نقله وتحميل كلامنا ما لا يحمله، في شأن سيّدتنا الزهراء (عليها السلام) وعصمتها، أو في شأن ولاية سيّدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) التي أكّدها ونصّ عليها النبيّ الأمين (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في مواضع عديدة أبرزها في غدير خمّ، فإنّنا ندعو الله لهم بالهداية إنْ كان لا يزال عندهم قابلية ذلك، وإلاّ فحسابهم على الله ولنا معهم موقف يوم القيامة، يوم يقوم الناس لربّ العالمين الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها في كتاب، وسيكون الحساب بمحضر جدِّنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وجدّنا أمير المؤمنين (عليه السلام) وجدّتنا الصدّيقة الزهراء (عليها السلام)، ونرى لمن يكون الفلج في ذلك اليوم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

العابدة

معنى العبادة عند الزهراء (عليها السلام):

إذا درسنا عبادة الزهراء (عليها السلام)، فإنّنا نجد فيها القوّة والجهد والانفتاح على الله سبحانه، فقد كانت تعي معنى القرب من الله وقيمة التضرُّع بين يديه والبكاء من خشيته، وهذا ما جعلها تعيش الروحانية كأصفى ما تكون، لأنّ العبادة عند الزهراء (عليها السلام) لم تكن مجرَّد حالة تقليدية وطقوس باردة يمارس من خلالها الإنسان حركات جوفاء فارغة، وإنّما هي حالة يعيش فيها الإنسان عمق الإخلاص والمحبّة لله سبحانه، وهذا يعني أنّه كلَّما عَبَدَ الإنسان ربّه أكثر كلّما اقترب منه أكثر، وكلّما أحسَّ بعظمة الله أكثر استحضر نعمته أكثر وعاش معه وانفتح على الحياة وعلى عباده أكثر فأكثر.

وإنّ مشكلة النّاس أنّهم بين مَنْ لا يعبد الله لأنّه لا يعيش الله في قلبه وعقله إشراقةً تمكّنه من الانفتاح عليه بالعبادة وعلى المجتمع بالمسؤولية، وبين مَنْ يعبد الله عبادة مغلقة لا وعي فيها ولا روح لها، وإنّما هي عادة اعتادها لا يشعر معها بالروحانية ولا الحبّ لله، وبالتالي فإنّه لم يتعلّم أن يحبّ الناس جيّداً، لأنّ مَنْ لا يحبّ الله لن يفلح في أنْ يحبّ النّاس، وأمّا من أحبّ الله فلا يمكن أن يبغض عيال الله، والخلق كلّهم عيال الله.

عبادتها كمّاً وكيفاً:

وفي إطلالة على ما حدّثتنا به كتب السيرة عن عبادة السيّدة فاطمة (عليها السلام)، فإنّنا نجد أنّها كانت عبادة منقطعة النظير، وإليك بعض النصوص في هذا المجال:

1 ـــ يروى عن الحسن البصري أنّه قال: "ما كان في هذه الأُمّة أعبد من فاطمة، كانت تقوم حتّى تتورَّم قدماها"(1).

2 ـــ وتمتدّ القضية إلى ما هو أبعد من ذلك، فهذا ابنها الإمام الحسن (عليه السلام) يحدّثنا قائلاً: "رأيت أُمّي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة جُمعتها، فلم تزل راكعة ساجدة حتّى اتّضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين وتسمّيهم وتُكثِر الدعاء لهم ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أُمّاه لِمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك، فقالت: يا بنيّ الجار ثمّ الدار"(2).

فاطمة المثقلة بهموم البيت والحمل والأولاد، والمثقلة بمسؤولياتها الإسلامية في الواقع الاجتماعي، ولكنّها مع ذلك كلّه ومع ضعف جسدها، نراها تعبد الله حتّى تتورَّم قدماها وتجد لنفسها الوقت لتقوم اللّيل وتحييه بذكر الله وعبادته، وهي تختار اللّيل لمناجاتها، لأنّه من أعظم الأوقات التي تنطلق فيها روح الإنسان من ذاته وتحلِّق في أجواء المعبود والمعشوق.

ولكن لمن كانت تدعو في اللّيل الذي كانت تنتظره لتجلس بين يديّ الله وتناجيه وتذوب فيه وتخشع له؟

هل كانت تدعو لنفسها وتطلب لذاتها شيئاً كما يفعل الكثيرون منّا عندما يقومون باللّيل أو النهار ليعبدوا الله؟

كلا، فالمسألة كانت عندها تسير في اتّجاهٍ آخر، فهي تستغلّ أجواء اللّيل وهدوءه وروحيّته من خلال ما يفتحه أمام العبد من آفاق تسمو بروحه، تستغلّ ذلك لتدعو للمؤمنين والمؤمنات ولا تدعو لنفسها بشيء. تفكّر بالمؤمنين والمؤمنات، هذا إنسان مريض وتلك إنسانة مريضة، وهذا إنسان ابتلاه الله بالفقر، وذلك ابتلاه ببعض المصائب أو المعاصي... تستحضر كلّ ذلك وتدعو الله لهؤلاء ليقضي حوائجهم ويغفر لهم ذنوبهم ويشفي مرضاهم ويفكّ أسراهم ويرحم موتاهم ويسدّ جوعتهم.. وكان ذلك يشغلها عن الدعاء لنفسها، وهي المحتاجة لذلك من خلال ما تعانيه من أعباء وأثقال ومشاكل. ولذلك يقول لها ابنها الحسن (عليه السلام) وهو يتحسَّس آلامها: يا أُمّاه لِمَ لا تدعين لنفسك؟ ويكون الجواب الرائع: "يا بنيّ الجارّ ثمّ الدار".

هذه قيمة أهل البيت (عليهم السلام)، أنّهم يفكِّرون بالآخرين وآلامهم وحاجاتهم ومشاكلهم قبل أنْ يفكِّروا بأنفسهم، يفكِّرون بخلق الله وعياله لأنّهم يعلمون أنّ أحبّ خلق الله إلى الله أنفعهم لعياله، وهذا جدّهم رسول الله رغم ما عاناه من قريش وجورها حتّى قال: "ما أُوذي نبيّ مثل ما أُوذيت"(1)، كان يقول: "اللّهم اغفر لقومي إنّهم لا يعلمون"(2)، وكان يستمهل الله في عقابهم، ويدرس ظروفهم الفكرية والنفسيّة والاجتماعية ورواسبهم التاريخيّة، لكي يجد لهم العذر لكلّ هذه العصبية التي واجهوه بها، حتّى استطاع في نهاية المطاف أن يكسر الجليد الذي كان في داخل شخصيّاتهم ويدخلهم في دين الله أفواجاً.

وعندما كان يواجه المشركين وهم يتمرَّدون ويتمنَّعون عن الاستجابة له، كان يعيش الحسرة إشفاقاً عليهم ورحمة بهم، ولذا خاطبه الله: {فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ} [فاطر : 8]، وقال له: {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} [الغاشية : 21 ـــ 22]، وقال: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ} [الكهف : 29]، أي أنّك لستَ المسؤول عن عدم اهتدائهم، وإنّما أنتَ مسؤول أن تعلِّمهم الكتاب الحكمة وتزكّيهم وتبلّغهم رسالات الله، بأنْ تبذل كلّ جهدك في هذا الإطار وتقيم الحجّة عليهم، وأمّا سلوك طريق الهداية، فهو بيدهم واختيارهم، فإن قدّر الله سبحانه لهم سلوكه كانوا من المرحومين ببركة جهودك، وإلاّ فلا لوم عليك ولا عتاب، بل اللّوم عليهم والعقاب لهم.

 

تسبيحها ودعاؤها:

لقد سلف عند الحديث عن آلامها ومعاناتها أنّها كانت تبتعد عن كلّ المتاعب التي تواجهها والمعاناة التي كانت محيطة بها، بالانفتاح على تكبير الله عزّ وجلّ وتفتح قلبها وعقلها على الله سبحانه فتناجيه بما تحبّ وترغب، وتُسارّه بما يجيش في صدرها ويعتمل في قلبها من هموم وآلام ومصائب لم تجد إلى بثّها سبيلاً، وتدعوه وتتوسَّل إليه، لأنّ في الدعاء سعادة الدّنيا والآخرة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصادقة

تحدّثت عائشة زوج النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عن كثير من خصال الزهراء (عليها السلام) ومناقبها وعلاقتها برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وكيف كان يحترمها ويرحّب بها ويجلسها عن يمينه(1)، وأنّها كانت الأحبّ إلى قلبه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) مع زوجها أمير المؤمنين (عليه السلام)(2)، وممّا نقل عن عائشة في هذا المجال حديثها عن صدق الزهراء (عليها السلام)، بل أصدقيّتها، قالت: "ما رأيتُ أصدق منها إلاّ أباها"(3)، وقيمة هذا الحديث أنّه صادر من عائشة التي يبدو أنّها تحدّثت به بعد عملية استقراء لكلّ من تعرفه في الواقع الإسلامي من الرجال والنساء، فلم ترَ أصدق من الزهراء (عليها السلام) إلاّ أباها. والملفت أنّها ـــ أي عائشة ـــ لم تقل في وصفها (عليها السلام) إنّها الصادقة، بل عبَّرت بالأصدق، وهكذا تعبير يطلق على الإنسان عندما يكون حساساً جداً في مسألة الصدق، بحيث يدقِّق في الكلمة حذراً من أن يكون فيها بعض الإيحاءات الكاذبة وإنْ لم تكن كذباً. والزهراء بنظر عائشة كانت كذلك، كانت الأصدق وتمثّل الصدق في الكلمة والموقف، كما كان أبوها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يجسِّد الصدق حتّى عرف في قومه ـــ قبل البعثة ـــ "بالصادق الأمين"، وبعد البعثة شهد له الله بهذه الصفة الرفيعة، فقال عزّ من قائل عنه: {جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ} [الزمر : 33]، وهذه الصفة المميزة التي اتّصف بها الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) هي التي هيَّأت الأجواء لنبوّته في نفوس الناس وركّزتها على قاعدة الصدق، والصدق يجتذب الأمانة، ومَن يكون صادقاً لا يمكن أن يكون خائناً، لأنّ الخيانة تمثّل نوعاً من الغشّ والكذب مع الناس والحياة.

والزهراء (عليها السلام) اكتسبت هذه الصفة من أبيها، وارتفعت بها حتّى كانت الأصدق بعد أبيها، كان أبوها الأصدق في الناس كلّهم، وكانت الأصدق في الناس كلّهم ما عداه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، لأنّ صدقها مستمدّ من صدقه، فهو الذي زرع الصدق في عقلها ليكون فكرها فكر الصدق، وزرع الصدق في قلبها لتكون عاطفتها عاطفة الصدق، وزرع الصدق في حياتها لتكون حياتها صدقاً كلّها، صدقاً مع نفسها وزوجها وأولادها وكلّ مجتمعها.

لقد كانت الزهراء (عليها السلام) ولا تزال قدوة في الصدق، وتريد لنا أن نحوِّل الحياة إلى صدق، وأن يكون كلّ واحدٍ منّا هو الأَصدق مع نفسه والأصدق في قومه وعشيرته، لا أن نكون كما هو حال الكثيرين الذين يعيشون حياتهم كذباً مستمراً ومتواصلاً، كذباً في الدّين مع كلّ الدّجالين والمنحرفين، وكذباً في السياسة مع كلّ الخائنين والمستكبرين، وكذباً في الواقع الاجتماعي الذي يتحرّك فيه الكذب من أجل منفعة هنا ومنفعةٍ هناك.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الصدّيقة الشهيدة

ورد في الحديث عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام): "إنّ فاطمة صدّيقة شهيدة"(1).

إنّنا نستوحي من هذا الحديث الشريف أنّ سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) وصلت إلى مقام الصدّيقين الذين يعيشون الصدق مع النفس ومع الله ومع الناس من حولهم، وقد عرفت أنّها كانت الأصدق بعد أبيها كما روت عائشة، ونستوحي منه أيضاً أنّها وصلت إلى مقام الشهداء الذين يشهدون على الأُمّة يوم القيامة، كما هو شأن الأنبياء الذين اصطفاهم الله سبحانه واختارهم لمقام الشهادة.

وإنّ ضم كلمة "الشهيدة" إلى كلمة "الصدّيقة" هو الذي يوحي لنا بهذا التفسير لكلمة الشهيدة، لأنّه يلتقي مع الإشارة القرآنية لذلك في قوله تعالى: {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً} [النساء : 69]، وقوله تعالى: {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ..} [النحل : 89]، وغيرها من الآيات القرآنية التي تتحدّث عن مقام الشهادة على الأُمّة.

ولا ريب أنّ موقع الشهادة على الأُمّة هو أعظم من موقع الشهادة بمعنى القتل في سبيل الله، لأنّ الشهادة بالمعنى الأول هي صفة الله سبحانه: {أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [فصلت : 53]. وهي أيضاً صفة أنبياء الله: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً} [النساء : 41].

وعندما يختار الله أحداً للاصطفاء ولمقام الشهادة كما اختار سيّدتنا الزهراء (عليها السلام) لذلك، فإنّ هذا الاصطفاء لا ينطلق من فراغ، بل هو ينطلق من الخصائص التي تحبّب هؤلاء إلى الله وتجعلهم في مستوى حمل الرسالة وتجسيد قيمها في الحياة.

العالِمة

في مدرسة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم):

ترعرعت الصدّيقة الطاهرة في مهبط الوحي وبيت النبوّة، ما هيَّأ لها أن ترضع تعاليم الإسلام ومفاهيمه وأحكامه مع الحليب، لتكون أوّل تلميذة من النساء في القسم الداخلي من مدرسة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، كما كان عليّ أوّل تلميذ من الرجال في هذه المدرسة.. كانت تجلس مع عليّ (عليه السلام) عند رسول الله والوحي ينزل عليه وتستمع بلهفة وإمعان إلى دروس الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وهو يشرح معاني الوحي لها ولعليّ (عليهما السلام) ويعلّمهما أحكام الله وتشريعاته، ومن هنا نستطيع القول إنّ كلمة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "لو لم يكن عليّ لما كان لفاطمة كفؤ"(1)، تشير، فيما تشير إليه، إلى المستوى العقلي الذي تملكه فاطمة (عليها السلام) ولا يملكه إلاّ عليّ (عليه السلام)، ما جعلها الكفؤ الوحيد له وجعله الكفؤ الوحيد لها.

ومن الشواهد التي تدلِّل على اهتمام النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بتعليم فاطمة، ما جاء في الحديث الذي رواه الكليني في الكافي بسنده عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: "لمّا جاءت فاطمة تشكو إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بعض أمرها، أعطاها كربة ـــ أصل السعفة وكان يُكتب عليها ـــ وقال تعلّمي ما فيها.. فإذا فيها: مَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو يسكت"(2).

لقد أراد لها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أن تخفِّف آلامها من خلال الانشغال بالقِيَم الإسلامية وتبليغها للناس، ومعنى ذلك في ما نستوحيه، أنّ على الإنسان أن يكون واعياً لرسالته أكثر من وعيه لآلامه، لينتصر برسالته على آلامه، فإنّ من يعيش الاهتمام بالقضايا الكبرى ينسى آلامه ويستصغرها.

أهمية العلم عندها:

نقل بعض المحدّثين والعلماء رواية عن الزهراء (عليها السلام) تكشف عن أهمية العلم عندها، والرواية هي أنّه جاء رجل إلى فاطمة (عليها السلام) فقال: يا فاطمة بنت رسول الله، عندك شيء تطرفينيه (تعطيني إيّاه)؟ فقالت: يا جارية ـــ وكان عندها خادمة اسمها فضّة خدمتها في أواخر عمرها الشريف ـــ هاتي تلك الحريرة "أو الجريدة التي كان عليها ما تسمعه من أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)"، فطلبتها فلم تجدها، فقالت (عليها السلام): ويلك اطلبيها فإنّها تعدل عندي حسناً وحسيناً، هذا تراث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فطلبتها فإذا هي قد قممتها في قمامتها ـــ وضعتها في النفايات ـــ فإذا فيها: قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): ليس من المؤمنين مَنْ لم يأمن جاره بوائقه ـــ أذاه ـــ ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليسكت، إنّ الله تعالى خير ويحبّ الخيِّر الحليم المتعفِّف، ويبغض الفاحش الظنّين البذّاء السئّال الملحف ـــ الذي يلحف في سؤاله ـــ إنّ الحياء من الإيمان والإيمان في الجنّة، إنّ الفحش من البذاء والبذاء في النار"(1).

إنّنا ندرك من هذه الرواية ونتلمَّس منها بوضوح كم كانت الزهراء (عليها السلام) تعظِّم العِلْم وتحترمه، ندرك ذلك جيداً إذا عرفنا كم كانت محبّتها لولديها الحسن والحسين (عليهما السلام)، ولا بدّ أن يكون واضحاً أنّ الأهمية لا تكمن في حروف الكلمة، بل في روحيّتها التي تحوّلها إلى فكر يغني الإنسان وحركة تصحِّح مساره وتجربته.

ونستفيد من هذه الرواية وغيرها أنّ الصدّيقة كانت تستقبل الرجال وتجيب على أسئلتهم واستفساراتهم الشرعية أو تعظهم ببعض المواعظ الدينيّة.

حلقة درسها:

ولم تكتفِ الزهراء (عليها السلام) بكتابة العلم وجمعه في مصحف وأوراق، بل كانت تعمل على بثّه في المجتمع الإسلامي، كما أنّها لم تكن تنتظر أن يقصدها طلاّب العلم لتجيب على أسئلتهم، بل كانت تبادر إلى نشره في المجتمع، إذ ينقل كتّاب سيرتها أنّها كانت تعطي دروساً لنساء المهاجرين والأنصار اللاتي كنّ يجتمعن عندها في حلقة واحدة بما يشبه حلقات الدرس الحوزوي، فقد روى الكليني في الكافي بإسناد صحيح إلى ابن أذينة عن زرارة قال سألت أبا جعفر عن قضاء الحائض الصلاة، ثمّ تقضي الصوم؟ قال ليس عليها أن تقضي الصلاة، عليها أن تقضي صوم شهر رمضان، ثمّ أقبل عليّ وقال أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) كان يأمر بذلك فاطمة، وكانت تأمر بذلك المؤمنات(1) فقد كانت (عليها السلام) تعلِّم المؤمنات أحكام دينهن، وما خطبتها في المسجد التي بيّنت فيها أسرار التشريع والقوانين الإلهية وغير ذلك من المطالب، إلاّ وثيقة حيّة وخير شاهد على رسالة الزهراء الثقافية ومسؤوليتها الفكرية والتربوية.

أوّل كاتبة في الإسلام:

وقد وصل اهتمامها بالعلم وبحديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وبأحكام الإسلام وتعاليمه إلى درجة أنّها كانت تسجّل كلّ ما تسمعه من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) مباشرة، أو ما يحدّثها به عليّ (عليه السلام) أو ابنها الإمام الحسن (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، كما يفهم ذلك من حديث الحريرة المتقدّم ومن قضية "مصحفها" على بعض التفسيرات الآتية له، ويفهم أيضاً من بعض الروايات التي جاء فيها التعبير بــ "كتاب فاطمة"، كما استفاده السيّد الأمين(1)، ولهذا نستطيع القول إنّ الزهراء (عليها السلام) هي أوّل كاتبة في الإسلام من الرجال والنساء وأوّل من كتب حديث رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بسمعٍ ومرأى منه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ومنه نعرف أنّ ما فعله الخليفة عمر بن الخطّاب من منعه(2) المسلمين من كتابة حديث الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) حتّى لا تختلط السُنّة بالكتاب، كان أمراً خاطئاً وحجّته غير مقنعة، فهذه فاطمة الزهراء (عليها السلام) قد كتبت أحاديث الرسول في حياته ولم يردعها عن ذلك.

مصحف فاطمة ليس قرآناً:

لقد تركت لنا الزهراء (عليها السلام) كتاباً عرف "بمصحف فاطمة"، وقد ثار حوله لغطٌ واسع، ولهذا لا بدّ أن نبيِّن حقيقة هذا المصحف ورأينا في ما يشتمل عليه.

وبدايةً، يجب أن نؤكّد بأنّ هذا المصحف بحسب ما يعتقده كلّ الشيعة دون استثناء، ليس قرآناً آخر غير القرآن الموجود بين الدفتين والمتداول بين المسلمين، والذي لم يحصل فيه زيادة أو نقصان.

وقد حاول بعض علماء المسلمين ممّن لا يتحمّلون مسؤولية الكلمة، اتّهام الشيعة بأنّ لهم قرآناً غير القرآن المتداول بين أيدي المسلمين، لأنّ المصحف يعني القرآن، وعندما يتحدّث عنه الإمام الصادق (عليه السلام) يقول إنّه أكبر من مصحفكم هذا بثلاث مرّات(3).

ولكنّنا نقول لهؤلاء أنْ يتّقوا الله في كلماتهم لأنّه:

أوّلاً: إنّ الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)(1)، والتي تتحدّث عن مصحف فاطمة، تؤكّد بما لا يدع مجالاً للشكّ والريب بأنّه ليس قرآناً مغايراً للقرآن المتداول بين أيدي المسلمين. ولهذا عبَّر عنه في بعض تلك الروايات بــ "كتاب فاطمة" بدل مصحفها، كما جاء في كتاب الزكاة من الكافي(2).

ثانياً: نقول لهؤلاء، وقد قلنا ذلك لكثيرٍ من علماء المسلمين من أهل السُنّة(3): لو أنّكم جلتم على كلّ مواقع الشيعة في العالم ودخلتم كلّ بيوتهم ومساكنهم ومكتباتهم ومساجدهم وحسينيّاتهم.. فإنّكم لن تجدوا إلاّ هذا القرآن الذي بين أيديكم لا يختلف عنه بكلمة ولا حتّى بحرفٍ واحد.

ثالثاً: إنّ كلمة مصحف التي هي منشأ الوهم واللّغط، لا ترادف بحسب مدلولها كلمة قرآن، لأنّ كلمة مصحف مأخوذة من الصحف والصفحات، فكلّ كتاب له أوراق وصفحات يسمّى مصحفاً، وحتّى القرآن الكريم إنّما سمّي مصحفاً لأنّه يشتمل على صحف وصفحات. ولئن صارت الكلمة في العرف الإسلامي مرادفة لكلمة القرآن، فإنّ هذا العرف حادث والاصطلاح متأخِّر جداً عن زمن صدور الروايات التي تقول إنّ لفاطمة مصحفاً.

 

 

حقيقة المصحف:

بعدما عرّفت أنّ المصحف المذكور ليس قرآناً، يقع تساؤل جديد عن مضمونه ومحتواه، فهل هو مشتمل على بعض المغيّبات التي كان يحدّثها بها الملك ويكتبها عليّ (عليه السلام)؟ أو هو مشتمل على وصيّتها مع بعض الأحكام الشرعية وربّما المواعظ والتعاليم الإسلامية؟

هناك اختلاف في الروايات المتعلّقة بذلك:

1 ـــ فهناك رواية حماد بن عثمان عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنّه لما نظر في مصحف فاطمة (عليها السلام) قال: "وما مصحف فاطمة؟ قال: إنّ الله تعالى لمّا قبض نبيّه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) دخل على فاطمة (عليها السلام) من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلاّ الله عزّ وجلّ، فأرسل إليها ملكاً يسلّي غمّها ويحدِّثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين، فقال لها: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي، فأعلمته ذلك، وجعل أمير المؤمنين يكتب كلّ ما سمع، حتّى أثبت من ذلك مصحفاً. قال: ثمّ قال: أمّا إنّه ليس فيه شيء من الحلال والحرام، ولكنّ فيه علم ما يكون"(1).

ويمكن المناقشة في المتن بالقول: إنّ المفروض في الملك أنّه جاء يحدّثها ويسلّي غمّها ليدخل عليها السرور، فكيف تشكو ذلك إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)؟! ما يدلّ على أنّها كانت متضايقة من ذلك، كما أنّ الظاهر منه أنّ الإمام (عليه السلام) كان لا يعلم به، وأنّ المسألة كانت سماع صوت الملك لا رؤيته.

 2 ـــ وفي رواية أبي عبيدة: "... وكان جبريل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيِّب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعد في ذرّيتها، وكان عليّ يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة"(2).

ولا مانع أن ينزل عليها الملك جبرائيل، ولكنّ الحديث ظاهر في اختصاص العلم الذي يعلّمها إيّاه ممّا يكون في ذرّيتها فقط.. بينما الرواية الأخرى تتحدّث عن الأعمّ من ذلك، حتّى أنّها تتحدّث عن ظهور الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة، وهو ممّا قرأه الإمام عليّ (عليه السلام) في مصحف فاطمة.

3 ـــ وهناك رواية الحسين بن أبي العلاء عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وجاء فيها: "... مصحف فاطمة (عليها السلام) ما أزعم أنّ فيه قرآناً، وفيه ما يحتاج الناس إلينا ولا نحتاج إلى أحد، حتّى أنّ فيه الجلدة ونصف الجلدة وثلث الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش"(1).   

والظاهر من هذه الرواية أنّ المصحف يشتمل على الحلال والحرام.

4 ـــ وقد ورد في حديث حبيب الخثعمي أنّه قال: "كتب أبو جعفر المنصور إلى محمّد بن خالد وكان عامله على المدينة، أن يسأل أهل المدينة عن الخمسة في الزكاة من المائتين كيف صارت وزن سبعة ولم يكن هذا على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأمره أن يسأل فيمن يسأل عبد الله بن الحسن وجعفر بن محمد (عليهما السلام)، قال: فسأل أهل المدينة فقالوا: أدركنا من كان قبلنا على هذا، فبعث إلى عبد الله بن الحسن وجعفر بن محمد (عليهما السلام)، فسأل عبد الله بن الحسن فقال كما قال المستفتون من أهل المدينة، قال: فقال: ما تقول يا أبا عبد الله؟ فقال: إنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) جعل في كلّ أربعين أوقية، فإذا حسبت ذلك كان على وزن سبعة، وقد كانت وزن ستّة، وكانت الدراهم خمسة دوانيق. قال حبيب: فحسبناها فوجدناها كما قال، فأقبل عليه عبد الله بن الحسن فقال: من أين أخذت هذا؟ قال: قرأت في كتاب أُمّك فاطمة (عليها السلام)، قال ثمّ انصرف. فبعث إليه محمد بن خالد ابعث إليّ بكتاب فاطمة (عليها السلام)، فأرسل إليه أبو عبد الله (عليه السلام): إنّي إنّما أخبرتك أنّي قرأته ولم أخبرك أنّه عندي. قال حبيب: فجعل محمد بن خالد يقول لي: ما رأيت مثل هذا قطّ"(1).

وظاهر هذا الحديث أيضاً أنّ كتاب فاطمة، وهو مصحف فاطمة(2)، يشتمل على الحلال والحرام.

5 ـــ وهناك رواية أخرى في الكافي عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال ـــ في حديث ـــ: وليخرجوا مصحف فاطمة فإنّ فيه وصيّة فاطمة (عليها السلام)(3).

6 ـــ وهكذا نجد أنّ بعض الروايات تقول إنّه بخطّ عليّ (عليه السلام) عمّا يحدّثه الملك لزهراء (عليها السلام)(4).

7 ـــ وهناك رواية تدلّ على أنّ المصحف من إملاء رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وكتابة عليّ (عليه السلام)(5).

ولكنّ الروايات الأخرى لا تدلّ على ذلك، وهي المشتملة على الحلال والحرام ووصيّة فاطمة، فلا بدّ من الترجيح بينها. أمّا رواية حماد بن عثمان فهي ضعيفة بعمر بن عبد العزيز أبي حفص المعروف بزحل. يقول الفضل بن شاذان: زحل يروي المناكير وليس بغالٍ، وعن النجاشي: مخلط، وعن الخلاصة: عربي مصري مخلط(6).

وأمّا رواية أبي عبيدة ـــ والظاهر أنّه المدائني(1) ـــ فهي ضعيفة، لأنّه لم يوثق، ولكنّ رواية الحسين بن أبي العلاء صحيحة، وقد دلَّت على اشتماله على الحلال والحرام، وأمّا رواية حبيب الخثعمي ورواية سليمان بن خالد فهما ضعيفتان على الظاهر، لكنّهما تصلحان لتأييد خبر الحسين بن أبي العلاء، لاسيّما أنّ مبنانا في حجّية الخبر هو حجّية الخبر الموثوق به نوعاً، وقد يكفي في الوثوق عدم وجود ما يدعو إلى الكذب فيه.

ولذا فالأرجح أنّه كتاب يشتمل على الحلال والحرام، وإنْ كان بالإمكان أن يقال بأنّه لا تعارض بين الروايات، فنلتزم أنّ المصحف يشتمل على الأحكام وعلى الأخبار التي كان يحدّثها بها الملك وعلى وصيّتها، إذ لا مانع من نزول ملك عليها، ويظهر من العلاّمة المجلسي(2) إقراره باشتمال المصحف على الأحكام. وعلى ضوء هذا، فإنّ نسبة الكتاب إلى فاطمة (عليها السلام) يدلّ على أنّها صاحبة الكتاب، كما أنّ نسبة الكتاب إلى عليّ (عليه السلام) ـــ في ما ورد من الأئمّة (عليهم السلام)(3) عن كتاب عليّ (عليه السلام) ـــ يتبادر فيه أنّ صاحبه عليّ (عليه السلام). وممّا تقدّم يتّضح أنّه لا مانع من القول إنّها أوّل مؤلّفة في الإسلام، كما أنّ عليّاً أوّل مؤلّف في الإسلام.

وعلى أيّة حال، فإنّ الكتاب ليس موجوداً بأيدينا، وإنّما هو موجود عند الإمام الحجّة (عجَّل الله فرجه الشريف)، ولذلك فإنّ الجدل في ما يحويه ويشتمل عليه ليس له أيّة ثمرة عمليّة. نعم، نحن نأخذ منه بما حدّثنا به الأئمّة (عليهم السلام) عنه كما نأخذ من كتاب عليّ (عليه السلام) ـــ مع أنّه ليس بأيدينا ـــ بما حدّثنا به الأئمّة (عليهم السلام) من ذريّته، وهكذا الحال في كتاب (الجفر) و(الجامعة) وغيرهما ممّا أثّر وعرف أنّه من مصادر أهل البيت (عليهم السلام)(1).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المجاهدة

لم تعش العزلة:

إنّنا نقرأ في سيرتها (عليها السلام) أنّها استقبلت نساء المهاجرين والأنصار(1)، وتحدّثت إلى رجالهن في حوارها معهم في قضية الخلافة، كما استقبلت الشيخين أبا بكر وعمر عندما جاءا يسترضيانها(2). وتتحدّث سيرتها أنّها كانت تطوف على نساء المهاجرين والأنصار لتحدّثهن عن حقّ عليّ، ما يوحي أنّها لم تعش العزلة الذاتية في هذه الفترة التي سبقت وفاتها، بل إنّ حياتها القصيرة كانت مليئة بالمواقف الجهادية المشرقة على مختلف الجبهات، وكان جهادها لله وفي سبيل الله وإحقاق الحقّ.

في المعارك:

كانت (عليها السلام) تخرج مع أبيها في بعض معاركه وحروبه. يقول المؤرّخون بأنّه "لمّا جُرح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يوم أُحُد، جعل عليّ ينقل إليه الماء في درقته (ترسه) من المهراس ـــ ماء بأحد ـــ، ويغسله فلم ينقطع الدم"(3)، وهنا جاء دور فاطمة عندما قامت بدور الممرّضة "فأتت فاطمة ـــ فأعطته أوّلاً جرعة من الحنان ـــ وجعلت تعانقه وتبكي، وأحرقت حصيراً وجعلت على الجرح من رماده فانقطع الدّم"(4).

 وهذا يوحي لنا بعمق العلاقة بينها وبين رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وشدّة المتابعة منها لأبيها ورعايتها له وعنايتها به، مع أنّه كان له آنذاك أكثر من زوجة.

الغاضبة للحقّ:

وبعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ابتدأت جهاداً من نوعٍ آخر، حيث كان أكبر همّها وكلّ قضيّتها إثبات حقّ عليّ في موقع الخلافة كإمام منصوب من الله، وكلّ تحرّكاتها تمحورت حول هذا الهدف السامي، وحتّى عندما تحدّثت عن "فدك" لم تتحدّث عنها لكونها تمثّل حاجة مالية لها على طريقة حبّ الناس لتحصيل الأموال، بل "فدك" لم تكن عندها وعند زوجها عليّ تساوي شيئاً يذكر "وما أصنع بفدك وغير فدك والنَّفس مظانّها في غد جدث..."(1)، فأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً، لا يعني المال عندهم شيئاً، وفاطمة (عليها السلام) هي من قلب هذا البيت والرابط بينهم جميعاً، فهي أجلّ من أنْ تفكِّر لمصلحة ذاتية، بل إنّها أرادت بإصرارها على التمسُّك بفدك أن تثبت أنّ غصب فدك يعني غصب الحقّ، وأنّ غصب فدك يلتقي مع غصب الخلافة.

المعارضة للظلم:

وهكذا انطلقت في حماية سياسة الحقّ، انطلقت بمواقفها وكلماتها وخطبها وكلّ نشاطاتها، جاءتها نساء المهاجرين والأنصار يعدنها في مرضها الذي توفيت فيه، وأخذن يسألنها عن صحّتها، عن مرضها وآلامها وضعفها، فبماذا أجابت؟ قالت: "أصبحت عائفة لدنياكن، قالية ـــ كارهة ـــ لرجالكنّ"(2)، لماذا؟ لأنّهم لم ينطلقوا في نصرة الحقّ، لم يقفوا مع عليّ (عليه السلام) ممثّل الحقّ، احتجَّت عليهن وعلى رجالهن بذلك، وسجّلت هذا الموقف الغاضب دفاعاً عن الحقّ، لا لأنّ عليّاً (عليه السلام) زوجها أو ابن عمّها، بل لأنّه إمامها ووليّ أمرها وإمام كلّ المسلمين ووليّ أمرهم، ولأنّ عليّاً مع الحقّ والحقّ معه، ولأنّ عليّاً ذاب في الله بجهاده دون خوف، وتحرّك في سبيله من دون ملل ولا كلل، ولأنّ عليّاً هو الذي علّمه رسول الله وفتح له ألف باب من العِلْم يفتح له من كلّ باب ألف باب(3). ولأنّ عليّاً لو سُلِّم زمام الأمور لعمل بالحقّ وأرسى قواعد العدل وحملهم على المحجّة البيضاء. عليّ (عليه السلام) في وعي فاطمة (عليها السلام) يمثّل كلّ هذه الصفات، يمثّل الإنسان الكامل الذي احتاج كلّ الناس إلى علمه ولم يحتجّ إلى سؤال أحد، كان دائماً في المقدّمة والطليعة، وكما قال الخليل بن أحمد الفراهيدي عندما سئل: لم قدّمت عليّاً؟ فأجاب: "استغناؤه عن الكلّ واحتياج الكلّ إليه دليل أنّه إمام الكلّ" (1).

خطابها للمهاجرين والأنصار:

وإليك خطابها لنساء المهاجرين والأنصار كاملاً كما رواه المحدّثون والمؤرّخون: فقد جاء في الاحتجاج(2) للطبرسي، ومعاني الأخبار(3) للشيخ الصدوق، والأمالي(4) للشيخ الطوسي، وشرح النهج(5) لابن أبي الحديد، نقلاً عن كتاب السقيفة، واللّفظ للأوّل: "قال سويد بن غفلة: لما مرضت فاطمة سلام الله عليها المرضة التي توفّيت فيها، دخلت عليها نساء المهاجرين والأنصار يعدنها، فقلن لها: كيف أصبحتِ من علّتك يابنة رسول الله؟ فحمدت الله وصلَّت على أبيها ثمّ قالت:

"أصبحت والله عائفة ـــ كارهة ـــ لدنياكنَّ قالية ـــ مبغضة ـــ لرجالكنّ، لفظتهم ـــ طرح الشيء من الفم ـــ بعد أن عجمتم ـــ عضّ الشيء ـــ وسئمتهم بعد أن سبرتهم ـــ امتحنتهم ـــ فقبحاً لفلول ـــ فلّ السيف: انثلم حدّه ـــ الحدّ، واللّعب بعد الجدّ، وقرع الصفا ـــ الرّمح ـــ وصدع القناة ـــ الحجر الأملس ـــ وخطل الآراء وزلل الأهواء، وبئس ما قدّمت لهم أنفسهم: أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون! لا جرم لقد قلّدتهم ربقتها ـــ الربقة: حبل صغير تربط به صغار البُهُم ـــ وحملتهم أوقتها ـــ ثقلها ـــ وشنّت عليهم غاراتها، فجدعاً ـــ جدع الأنف: قطعه ـــ وعقراً وبعداً للقوم الظالمين.

ويحهم، أنّى زحزحوها ـــ نحّوها ـــ عن رواسي ـــ الأصول الثابتة ـــ الرسالة، وقواعد النبوّة والدلالة، ومهبط الروح الأمين، والطبين ـــ الفطن ـــ بأمور الدّنيا والدّين، ألاَ ذلك هو الخسران المبين، وما الذي نقموا من أبي الحسن (عليه السلام) ـــ أي أنكروا عليه ـــ؟ نقموا والله منه نكير سيفه، وقلّة مبالاته لحتفه، وشدّة وطأته ونكال وقعته وتنمّره ـــ غضبه ـــ في ذات الله، وتالله لو مالوا عن المحجّة اللائحة وزالوا عن قبول الحجّة الواضحة، لردّهم إليها وحملهم عليها، ولسار بهم سيراً سجحاً ـــ سهلاً ـــ لا يكلّم حشاشه ـــ جرحه ـــ ولا يكلّ سائره، ولا يملّ راكبه، ولأوردهم نميراً صافياً روياً، تطفح ضفتاه ولا يترنّق جانباه، ولأصدرهم بطاناً ـــ مرتوين ــ ونصح لهم سرّاً وإعلاناً، ولم يكن يتحلّى من الدّنيا بطائل، ولا يحظى منها بنائل، غير ريّ الناهل وشبعة الكافل، ولبان لهم الزاهد من الراغب، والصادق من الكاذب، {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ} [الأعراف : 96]، والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيّئات ما كسبوا وما هم بمعجزين، ألاَ هلمّ فاسمع وما عشت أراك الدّهر عجباً!! وإنْ تعجب فعجبت لهم! ليتَ شعري، إلى أي سنادٍ استندوا؟! وإلى أي عمادٍ اعتمدوا؟! وبأيّة عروة تمسَّكوا؟! وعلى أيّة ذرّية أقدموا واحتنكوا ـــ استولوا ـــ لبئس المولى ولبئس العشير وبئس للظالمين بدلاً! استبدلوا والله الذنابي بالقوادم، والعجز بالكاهل ـــ ما بين الكتفين ـــ فرغماً لمعاطس ـــ أنوف ـــ قوم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، ألاَ إنّهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون. ويحهم {أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَن يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [يونس : 35]؟! أما لعمري لقد لقحت ـــ حبلت ـــ فنظرة ـــ أي انتظروا ـــ ريثما تنتج ـــ تلد ـــ ثمّ احتلبوا ملء القعب ـــ الإناء الخشبي ـــ دماً، ثمّ طيبوا عن دنياكم أنفساً، واطمئنوا للفتنة جأشاً، وأبشروا بسيفٍ صارم، وسطوة معتدٍ غاشم وبهرج شامل واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيداً، وجمعكم حصيداً، فيا حسرتا لكم وأنّى بكم وقد عميت عليكم، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون".

 

مجيء المهاجرين والأنصار إليها:

قال سويد بن غفلة: فأعادت النساء ـــ نساء المهاجرين والأنصار ـــ قولها (عليها السلام) على رجالهن، فجاء إليها قوم من المهاجرين والأنصار معتذرين، وقالوا: يا سيّدة النساء، لو كان أبو الحسن ذكر لنا هذا الأمر قبل أن يبرم العهد ويحكم العقد لما عدلنا عنه إلى غيره، فقالت: "إليكم عنّي، فلا عذر بعد تعذيركم، ولا أمر بعد تقصيركم".

هكذا هي الزهراء (عليها السلام)، امرأة صلبة متنمّرة في ذات الله، تحاور الرجال والنساء وتخاصمهم وتجادلهم، لا لأجل إثبات حقّ شخصي لها، بل لأجل هدف رسالي كبير، وهو ولاية الأمر وخلافة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) التي هي حقّ لأمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو الأليف بها، ولو أُعطيت له ولم يحل بينه وبينها لحملهم على المحجّة البيضاء، ونصح لهم سرّاً وإعلاناً، وسار بهم سيراً سهلاً، وأوردهم نميراً صافياً رويّاً، كما عبَّرت سلام الله عليها.

طوافها على بيوت الأنصار:

ولقد بقيت على الصلابة نفسها في موقفها، حتّى إنّه جاء في بعض الروايات أنّها كانت تخرج مع عليّ (عليه السلام) وتطوف على بيوت المسلمين، سيّما الأنصار، لتحدّثهم عن حقّ عليّ (عليه السلام) وجدارته للخلافة. ففي كتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة: "وخرج عليَّ كرَّم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) على دابة ليلاً في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا يقولون: يا بنتَ رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أنّ زوجك وابن عمّك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول عليّ كرَّم الله وجهه: "أفكنتُ أدع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في بيته ولم أدفنه وأخرج أُنازِع الناس سلطانه"؟! فقالت فاطمة: "ما صنع أبو الحسن إلاّ ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم وطالبهم"(1).

لقد عاشت للقضايا الكبرى ولم تعش أبداً للقضايا الصغرى، لأنّ مَنْ يعيش الإسلام والحقّ كلّه فلا بدّ أن يكون بحجم الإسلام والحقّ، ولا بدّ أن يبقى صلباً، لا يحابي ولا يداهن ولا يتراجع ولا يضعف ولا يهن ولا يحزن.

الزهراء رائدة النشاط السياسي للمرأة:

إنّ كلّ المواقف الآنفة للزهراء تمثّل بمصطلح اليوم نشاطاً سياسياً تحرّكت به من خلال الفرص الممكنة والمتاحة أمامها من دون أن تفقد شيئاً من أخلاقية المسلمة وروحيّتها.

وهكذا نستوحي من مواقفها الآنفة أنّها أوّل مَن قاد حركة المعارضة في الإسلام ضدّ المواقف الخاطئة التي ظهرت بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وقد عبّرت عن معارضتها أجلى تعبير من خلال خطبتها في المسجد، والتي تمثّل وثيقة حيّة في التشريع الإسلامي والمفردات السياسية.

ولقد خاضت الزهراء (عليها السلام) العمل السياسي كأقوى ما يكون، ووقفت وحدها من دون النساء في وجه السلطة لتتحدَّث وتقيم الحجّة وتذكّر الأُمّة بكلّ كلمات الرسول في حقّ عليّ (عليه السلام)، ولكنّها لم تسمع سوى اعتذارات غير مقنعة، إلاّ أنّها ورغم ذلك، بقيت في خطّ المواجهة ودائرة المعارضة بكلّ عزيمة وطاقة وإصرار.

 

 

قمّة الاحتجاج:

حتّى أنّها صعّدت من وتيرة احتجاجها ومعارضتها إلى أعلى المستويات عندما أوصت بأنْ تُدْفَن ليلاً، وأنْ لا يحضر جنازتها الذين آذوها وظلموها، ليتساءل الناس لماذا أوصت فاطمة أن تدفن ليلاً، وهذه حادثة لم يسبق لها مثيل في الواقع الإسلامي، فلربّما كان لهذا التساؤل أثر بعد وفاتها إنْ لم يكن هناك تجاوب معها في حال حياتها، وإلاّ إنْ لم يلقَ آذاناً صاغية فيكون الحجّة الدامغة التي تقطع الأعذار.

تجاوزت آلامها لإثبات الحقّ:

وممّا نلحظه في مواقف الزهراء (عليها السلام) الجهادية السياسية في حركة المعارضة، أنّها قد تجاوزت آلامها الجسدية ومتاعبها الحياتية والمعيشيّة، ووقفت بكلّ شجاعة، وكانت المرأة الصلبة القويّة الواثقة بنفسها المتمسّكة بقناعاتها التي لا تخاف في الله لومة لائم.

 

 

 

 

 

 

 

الرساليّة

1 ـــ لم تتحدّث عن نفسها:

عاشت السيدة فاطمة (عليها السلام) آفاقاً واسعة ورحبة في العلاقة مع الله والارتباط الروحي به والانفتاح الكامل عليه وعلى عباده والتحسُّس بآلامهم والسعي في سبيل إرشادهم وهدايتهم بما لم يحدّثنا التاريخ عنه بالشكل التام، ولم تتحدّث هي عن شيء من هذه الآفاق والمآثر، لأنّ ما يعيشه الإنسان الرسالي من روحانية وصفاء في علاقته مع الله لا يستطيع البوح به لأحدٍ من الناس، لاسيّما أنّ بعض المعاني تُحَسّ ولا تعرَّف، تدرَك ولا تُحدّد، فإنّنا عندما نشمّ الوردة بكلّ ما تحمله من عطر وهي في شبابها، فإنّنا نتحسَّس معنى العطر في نظرتنا للجمال، ولكنّنا لا نستطيع أن نعبّر عنه كما أحسسناه وتذوّقناه، وهكذا هي أحاسيس الرساليّين بكلّ ما تحمله من صفاء وروحانيّة وانفتاح على الله ومحبّة له، فإنّها تدرك بالوجدان ولكن لا يمكن التعبير عنها بالقلم والبنان، ولهذا فإنّ ما بلغنا عن العظماء من مزايا وفضائل قد لا يمثّل كلّ تطلُّعاتهم وآفاقهم وواقعهم، لأنّهم لا يملكون الكلمات التي تعبّر عن كلّ ما يجيش في نفوسهم، أو لأنّهم لا يريدون البوح بهذه المشاعر لتبقى لله وفي سبيله.

2 ـــ لم تعش لنفسها:

إنّ خلاصة حياة هذه الإنسانة العظيمة أنّها لم تعش لنفسها طرفة عينٍ أبداً، وإنّما عاشت لأجل الرسالة، لأجل أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولأجل زوجها أمير المؤمنين، ولأجل ولديها الإمامين الحسنين (عليهما السلام) اللّذين قال فيهما رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا"(1)، ولم تعش لهم قرابة فقط، ولكنّها عاشت لهم رسالة، فقد أفنت حياتها في خدمتهم لأنّها رأت في ذلك خدمة للإسلام، الذي كان أكبر همّها وغاية جهدها ومبلغ علمها.

3 ـــ همّ الرسالة أوّلاً:

رغم ظلامة الزهراء (عليها السلام) الذاتية وما أُسيء به إلى شخصها ما أوجب إيذاءها إيذاءً بالغاً، ورغم معاناتها الكثيرة وآلامها البليغة، فإنّا نلاحظ في كلّ ما نقل عنها من مواقف وكلمات، أن ما كان يشغل فكرها وعقلها وقلبها هو القضية الإسلامية العامّة المتمثّلة بحقّ عليّ في الخلافة، هذا الحقّ الثابت بنص الغدير، وقد رأت أنّ مسؤوليتها الإسلامية تحتّم عليها نصرة الحقّ والوقوف مع عليّ بكلّ قوّة. وهكذا كان، فقد تجاوزت كلّ آلامها ومعاناتها الشخصيّة ووقفت لتخطب في المسلمين، ولتتحدّث إلى نساء المهاجرين والأنصار، ولتتكلّم مع رجالهن، ومحور ذلك كلّه هو حقّ عليّ (عليه السلام) في الخلافة، من دون أن يكون لعلاقتها الشخصية ـــ الزوجيّة والنسبيّة مع عليّ (عليه السلام) ـــ أي دخل في كلّ مواقفها، وحتّى مطالبتها بــ"فدك" جاءت في هذا السياق، فقد كانت "فدك" بوّابة للخلافة ورمزاً لها كما ينقل ابن أبي الحديد المعتزلي عن بعض أساتذته، فالمطالبة بفدك مطالبة بالحقّ الشرعي ومواجهة لخطر الانحراف الذي بدأ بوفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).

وأمّا قصّة ذهابها إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) برفقة الإمام عليّ (عليه السلام) ـــ والتي تقدّمت الإشارة إليها ـــ للمطالبة بخادم يريحها من تعب أشغال البيت، فلم تكن هي المبادرة لذلك رغم أنّ هذا المطلب يعتبر مشروعاً وعادياً، وإنّما جاء الطلب من عليّ (عليه السلام) رأفة بها وشفقة عليها، وهذا يوحي أنّ مسألة الدنيا وحاجاتها الطبيعيّة لم تكن هدفاً أو أمراً ذا بال بالنسبة لها.     

فرح الرسالة وحزنها:

وهكذا كانت شخصيّتها تجسّد الرسالة، فشجاعتها لم تكن انفعالية قبل شجاعة رساليّة، وحزنها ـــ كما مرّ ـــ كان حزن القضية والرسالة، وبكاؤها كان بكاءً إسلامياً، فعندما كانت تبكي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أو تحزن عليه، لم تكن تفعل ذلك حزناً على فقد محمّد الأب بقدر ما كانت تبكي محمّداً الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، هذا رغم أنّ أبوّته لها كانت من نوع نادر وعلاقتها به كانت علاقة حميمة ووثيقة.

4 ـــ همّ الناس من همّ الرسالة:

وبعد اهتمامها الرسالي يأتي اهتمامها بالناس من حولها، بل إنّ اهتمامها بالنّاس كان جزءاً من رسالتها، وهنا تكمن قيمة الزهراء (عليها السلام)، لأنّ قيمتها ومنزلتها الرفيعة ليست في نسبها وإنْ كان شريفاً، ولا في عشيرتها أو غير ذلك ممّا يتفاضل به الناس ويتباهون به، بل قيمتها في القِيَم الإسلامية التي تجسّدت فيها وحملتها ونادت بها، ومن أجلّ تلك القِيَم وأرفعها أن يعيش الإنسان للآخرين قبل أن يعيش لنفسه، أن يحمل هموم الآخر ويحبّ له ما يحبّه لنفسه ويكره له ما يكره لها، وهذا ما جسّدته سيّدتنا الزهراء (عليها السلام) خير تجسيد، بل إنّها كانت في المستوى الأعلى من ذلك، حيث إنّها لم تكن تقاسم الآخرين ما عندها من نِعَم أنعم بها الله عليها، بل كانت تؤثر الآخرين على نفسها رغم ما بها من خصاصة وحاجّة ماسّة.

كانت ورغم أنّها الأحوج للدّعاء بأن يخفِّف الله عنها آلامها ومعاناتها، تستغلّ فرصة اللّيل ـــ كما أسلفنا سابقاً ـــ لتقوم لعبادة ربّها والابتهال إليه والصلاة له في جوٍّ عابقٍ بالروحانية والطلب منه أن يقضي حوائج المؤمنين ويغفر ذنوبهم ويرفع درجتهم ويحقِّق أحلامهم ويشفي مرضاهم، وتسمّيهم بأسمائهم فرداً فرداً، ويسمعها ابنها الإمام الحسن (عليها السلام) فيسألها: "أُمّاه، لِمَ لا تدعين لنفسك؟ فتجيبه: يا بنيّ الجار ثمّ الدار". أي علينا أن نفكِّر بالآخرين قبل أن نفكِّر بأنفسنا، ونتحسَّس آلامهم قبل أن نتحسَّس آلامنا، فنعمل على أنْ نخفِّف آلامهم ونحقِّق أحلامهم وبعد ذلك ندعو أن يعطينا الله مثل ما أعطاهم، هذا ما تريده لنا الزهراء (عليها السلام)، فلعلّ الله بذلك يرحمنا عندما يرانا نعيش هذه الروحية الرساليّة التي كان أهل البيت (عليهم السلام) يعيشونها حتّى نزل القرآن ليخلّد فيهم هذه الميزة التي امتازوا بها عمَّن سواهم، فقال عزّ من قائل: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً*إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً*إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً*فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} [الإنسان: 8 ـــ 11].       

لقد أعطت فاطمة (عليها السلام) حبّها للإنسان كلّه، وارتفعت بهذا الحبّ إلى منزلة غدت معها غافلة عن آلامها لانشغالها بآلام الآخرين، وما ذلك إلاّ لأنّ الروحانية التي عاشت في قلبها فاضت على خصوصيّتها وأنْسَتْها ذاتها، ولأنّ الحبّ الإلهي الذي تملَّك قلبها امتدّ بها إلى حبّ الناس كلّهم، لأنّه مَنْ يحبّ الله لا يمكن أن يبغض أخاه الإنسان: "الخلق كلّهم عيال الله وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله"(1).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصل الرابع

خطبها ومواعظها

 

ـــ التركيز على إمامة أهل البيت (عليهم السلام)

ـــ آداب شرعية وأخلاقيّة

ـــ من أدعيتها

ـــ حديث ضعيف

ـــ خطبة الزهراء (عليها السلام) الشهيرة

ـــ أقسام الخطبة ومواضيعها

 

 

 

 

 

 

التركيز على

إمامة أهل البيت (عليهم السلام)

لقد كان العمر القصير لسيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) مليئاً بالعطاء والحركيّة والحيويّة وزاخراً بالمعنوية والدروس الكثيرة.

وإنّ من أعظم ما قدّمته الزهراء (عليها السلام) وأتحفت به الأُمّة الإسلامية على امتداد الزمن هو ما صدر عنها من خطب ومواعظ وحكم وأدعية..

فقد كانت سلام الله عليها خطيبة بارعة تتكلّم في المسلمين بأبلغ ما يكون الكلام، وكانت معلِّمة ومدرِّسة لنساء المسلمين تعلّمهن أحكام الدّين وتبيِّن لهنّ تعاليمه ومفاهيمه، وكانت محدّثة عن رسول الله يأتيها النساء والرجال لتحدّثهم ممّا سمعته من أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فيأخذون كلامها بكلّ اطمئنان، لأنّها كانت الصادقة المصدّقة، فقد قالت عنها زوجة أبيها عائشة: "ما رأيت أصدق منها إلاّ أباها".. كما مرَّ سابقاً..

وفي هذا المقطع من الكلام نحاول أن نتدبَّر في بعض مواعظها وخطبها وكلماتها التي تحدّثت بها، وسوف نرى أنّها كانت في كلّ أحاديثها، تركِّز على قضايا المسلمين الكبرى وعلى تعاليم الإسلام وأحكامه وعقائده.

حديث الثقلين:

نرى في كثيرٍ من الخطب والكلمات المنقولة عن الزهراء (عليها السلام) تركيزها على قضية المسلمين الكبرى، وهي قضية الولاية والإمامة، فقد أشارت إلى ذلك في خطابها لنساء المهاجرين والأنصار والذي تقدّمت الإشارة إليه، وسنلاحظ ذلك في خطبتها الشهيرة، وإليك كلمات أخرى لها في هذا المجال:

 1 ـــ روى القندوزي في "ينابيع المودّة" عن فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنّها قالت: "سمعت أبي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في مرضه الذي قبض فيه يقول وقد امتلأت الحجرة من أصحابه ـــ لم يقله همساً ولا سرّاً بل علانية أمام أصحابه ـــ أيّها الناس يوشك أن أقبض قبضاً يسيراً، وقد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم، ألاَ إنّي مخلّف فيكم كتاب ربّي عزّ وجلّ وعترتي أهل بيتي، ثمّ أخذ بيد عليّ (عليه السلام) فقال: هذا عليّ مع القرآن والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتّى يردا عليَّ الحوض، فأسألكم ما تخلفوني فيهما؟"(1).

أي سوف أسألكم كيف حفظتم كتاب الله وكيف حفظتم عليّاً الذي يجسّد كتاب الله ويحمله كما حملته، لأنّه "أنتَ منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي"(2).

قال القندوزي بعد أن روى الحديث الآنف: "وفي الصواعق المحرقة روى هذا الحديث ثلاثون صحابيّاً، وإنّ كثيراً من طرقه صحيح حسن"(3).

وعلى ضوء هذا الحديث يتّضح:

أوّلاً: أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يكتفِ بالتنصيص على أمير المؤمنين (عليه السلام) في غدير خمّ، بل إنّه نصّ عليه كعدْلٍ للقرآن وقدوة وقائد للأُمّة في آخر لحظة من لحظات حياته، فإنّ هذا الموقف يمثّل خاتمة المواقف التي كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يقدِّم فيها عليّاً وأهل البيت (عليهم السلام) على أنّهم سفن النجاة التي تنجّي الأُمّة من الضلالة وتعصمها عن الانحراف، لماذا؟

لأنّ عليّاً مع القرآن والقرآن مع عليّ لا يفترقان حتّى يرِدا على النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) الحوض، ولأنّ عليّاً (عليه السلام) مع الحقّ والحقّ معه، فليس هناك مسافة بينه وبين الحقّ، بل إنّه يمثّل التجسيد الواقعي للحقّ كما يمثّل الحقّ التجسيد الواقعي لكلّ منطلقات عليّ (عليه السلام)، ولذا فإنْ حارب عليٌّ (عليه السلام) فالحقّ يحارب، وإن سالَم عليّ (عليه السلام)، فالحق يسالِم، وإنْ نطق عليّ (عليه السلام) فالحق ينطق.

ولأنّ عليّاً (عليه السلام) يملك من العِلْم ما يستطيع أن يغني الساحة الإسلامية بكلّ ما تحتاجه من معارف وما يعترضها من تحدّيات تحتاج إلى أجوبة وحلول إسلامية، فهو باب مدينة علم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم). وقد روى صاحب كنز الفوائد بإسناده عن الحسن بن عليّ عن فاطمة ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، عنه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: "أخبرني جبريل عن كاتبيْ عليّ (عليه السلام) أنّهما لم يكتبا على عليّ (عليه السلام) ذنباً مذ صحباه"(1).

هذا ما يميِّز عليّاً (عليه السلام) عن سائر أصحاب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهذا ما حرَّك فاطمة للدفاع عن حقّ عليّ (عليه السلام)، لا لأنّه زوجها وابن عمّها، بل لأنّه المعصوم الذي لم يستطع الملكان المصاحبان له أن يعثرا له على زلّة أو معصية.

ثانياً: أنّ ولاية عليّ (عليه السلام) ليست حدثاً تاريخياً مضى وانتهى حتّى يقال إنّ علينا أن لا نثيرها لأنّها تترك تأثيرات سلبيّة على واقع المسلمين ووحدتهم، لأنّ المسلم عندما يرتبط بعليّ (عليه السلام) فلا يرتبط به كخليفة في الإطار الزمني الذي عاش فيه فحسب، وإنّما يرتبط به في إطار إمامته التي تقتحم الزمن، كما هي النبوّة لا يحدّها زمن خاص، بل تتحرّك في نطاق الزمن كلّه حتى يرث الله الأرض ومَنْ عليها، فالإمامة التي تمثّل خلافة عن النبوّة لا بدّ أن تبقى مستمرة مع الزمن، لأنّها تمثّل القيادة المعنوية والثقافية للأُمّة والتي تعصم الأُمّة من الضلالة، وهذه القيادة يمثّلها عليّ والأئمّة المعصومون من ولده، وهذا ما نلحظه من خلال الحديث التالي الذي حدّثتنا به سيّدتنا الزهراء (عليها السلام) أيضاً.

هم منّي وأنا منهم:

2 ــ وهو ما أورده في دلائل الإمامة بإسناده عن ربعي بن حراش عن فاطمة ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، أنّها دخلت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) فبسط ثوباً فقال اجلسي عليه، ثمّ دخل الحسن (عليه السلام) فقال اجلس معها، ثمّ دخل الحسين فقال اجلس معهما، ثمّ دخل عليّ فقال اجلس معهم، ثمّ أخذ بمجامع الثوب فضمّه علينا، ثمّ قال: "اللّهم هُمْ منّي وأنا منهم، اللّهم ارضَ عنهم كما أنا راضٍ عنهم"(1).

فقوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "وأنا منْهم" يعني أنّ رسالة النبوّة التي حمل رايتها (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يستمر آل البيت (عليهم السلام) من بعده بحملها، وهكذا يكون الرسول باقياً بهم ومستمراً برسالته من خلالهم. وهذا سرّ رضاه عنهم، فإنّه لا يرضى إلاّ عمّن يرضى الله عنه.

وهذا ما يؤكّده لنا الحديث التالي الذي روته (عليها السلام) عن أبيها أيضاً.

عطاء الأنبياء:

3 ـــ وهو ما أورده في دلائل الإمامة أيضاً بإسناده عن زينب بنت أبي رافع عن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، أنّها أتت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بالحسن والحسين (عليهما السلام) في مرضه الذي توفي فيه، فقالت: يا رسول الله إنّ هذين لم تورّثهما شيئاً. قال: "أمّا الحسن فله هيبتي وسؤددي، وأمّا الحسين فله جرأتي وجودي"(2).

ومن الواضح أنّ الزهراء (عليها السلام) لم تطلب الإرث بمعناه المادي المصطلح، لأنّ هذا لا يكون في حياة المورِّث بل بعد موته، ولأنّ الزهراء (عليها السلام) الزاهدة القانعة بما قسم الله لها، والمؤثرة لغيرها على نفسها حتّى نزل فيها وفي بعلها وولديها قرآنٌ يخلِّد روح الإيثار عندهم، وذلك قوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً} [الإنسان : 8]، الزهراء هذه لم تكن تطلب من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وهو في مرضه مالاً لولديها، وإنّما كانت تطلب توريثاً معنوياً، هدفت من خلاله تعريف المسلمين بمقام الحسين (عليه السلام) من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وما يحملان من عناصر شخصيّته (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

آداب شرعية وأخلاقية

روى المحدّثون روايات تتحدّث فيها الزهراء (عليها السلام) عن بعض الأحكام الشرعية والتعاليم الإسلامية والمواعظ الدينيّة.  

1 ـــ استحباب أن ينام الإنسان نظيف اليدين:

جاء في "الذرّية الطاهرة" عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها عن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قالت: قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "لا يلومنَّ إلاّ نفسه مَنْ بات وفي يده غمر"(1).

والغمر: ما يعلق باليد من دسم اللّحم أو الشحم أو نحوهما.

فالرواية تؤكّد على العناية بالصحّة والنظافة. وهذا هو شأن الإسلام، فإنّه اهتم بالصحّة وأمر بالتداوي من الأمراض، لأنّ الذي خلق الدّاء خلق الدواء، واهتم بالنظافة وجعلها جزءاً من الإيمان.

2 ـــ تعاليم قبل النوم:

وفي "خلاصة الأذكار" عنها (عليه السلام) أنّها قالت: "دخل عليّ أبي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وإنّي قد افترشت الفراش وأردت النوم، فقال: يا فاطمة، لا تنامي حتّى تعملي أربعة أشياء، حتّى تختمي القرآن، وتجعلي الأنبياء شفعاءك، وتجعلي المؤمنين راضين عنك، وتعملي حجّة وعمرة. ودخل في الصلاة، فتوقّفتُ على فراشي حتّى أتمّ الصلاة فقلت: يا رسول الله أمرتني بأربعة أشياء لا أقدر في هذه الساعة على أنْ أفعلها، فتبسَّم رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وقال: إذا قرأت: "قل هو الله أحد" ثلاث مرّات، فكأنّك ختمتِ القرآن ـــ لأنّ القرآن ينطلق كلّه بتوحيد الله في العقيدة والعبادة والطاعة، وهذا ما دلَّت عليه سورة التوحيد ـــ وإذا صلّيتِ عليَّ وعلى الأنبياء من قبلي فقد صرنا لك شفعاء يوم القيامة ـــ لأنّ الصلاة عليه وعلى آله وعلى الأنبياء من قبله تمثِّل الانفتاح على رسالتهم وحركيّتهم الرساليّة وتجعل المصلّي عليهم يستذكر كيف عاشوا الرسالة وكيف أخلصوا لله وصبروا على الأذى في جنبه، فينفتح له بذلك باب واسع وعريض على الإيمان بالله ورسله وكتبه والتعمُّق في ذلك ـــ وإذا استغفرت للمؤمنين فكلّهم راضون عنك، وإذا قلت سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر فقد حججت واعتمرت"(1)، لأنّ قيمة الحجّ والعمرة أن يعرف الإنسان ربّه أكثر، فيكبّره ويهلّله ويحمده ويسبّحه أكثر.

3 ـــ خيار النّاس:

3 ـــ وفي "دلائل الإمامة" بإسناده عن فاطمة بنت الحسين عن أبيها عن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قالت: "قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): خياركم ألينكم مناكب وأكرمهم لنسائه"(2).

يعني أنّ خير الناس مَنْ كان أرفق بالناس يخفض جناحه لهم ويليّن معهم مناكبه، وخيرهم أكرمهم لنسائه، سواء كنّ بنات أو زوجات أو أُمّهات.

4 ـــ المؤمن الحقّ:

وفي "دلائل الإمامة" للطبري ـــ وقد تقدَّم ـــ بإسناده عن أبي مسعود قال: جاء رجل إلى فاطمة (عليها السلام) فقال: يابنة رسول الله، هل ترك رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) شيئاً عندك تطرفينيه؟

فقالت: يا جارية هاتِ تلك الحريرة، فطلبتها فلم تجدها، فقالت ويحك اطلبيها فإنّها تعدل عندي حسناً وحسيناً، فطلبتها فإذا هي قد قمّمتها قمامتها، فإذا فيها: قال محمّد النبيّ: ليس من المؤمنين مَنْ لم يأمن جاره بوائقه، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذِ جاره، ومَنْ كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو يسكت، إنّ الله يحبّ الخيِّر الحليم المتعفّف ويبغض الفاحش الضَّنين السئال الملحف، إنّ الحياء من الإيمان والإيمان في الجنّة، وإنّ الفحش من البذاء والبذاء في النّار"(1).

5 ـــ كلّ مسكر حرام:

وفي المصدر السابق بإسناده عن الحسين وعلي ابني موسى عن أبيهما عن جعفر بن محمد عن أبيه عن عليّ بن الحسين عن أبيه عن عليّ عن فاطمة قالت: "قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): يا حبيبة أبيها: كلّ مسكر حرام وكلّ مسكر خمر"(2).

6 ـــ حقيقة الصوم:

وفي مستدرك الوسائل عن فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، أنّها قالت: "ما يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصن لسانه وسمعه وبصره وجوارحه"(3).

أرادت (عليها السلام) أنْ تعلّمنا بأنّ الصوم ليس مجرّد صوم البطن عن الأكل والشرب، بل إنَّ هناك صوماً من نوعٍ آخر، وهو أن يصوم لساننا عن الكذب والغيبة والسبّ، وأن يصوم بصرنا عن النظر إلى ما حرَّم الله، وسمعنا عن الاستماع لما حرّم الاستماع له، وأن تصوم كلّ جوارحنا عن الاعتداء على الناس وظلمهم، وإذا لم يحقّق الصوم هذه المعاني فلا نفع فيه، وقد ورد في الحديث عن والدها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) "ربّ صائم حظّه من صيامه الجوع والعطش وربّ قائم حظّه من قيامه السهر"(1).

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

من أدعيتها

من أدعيتها التي كانت تدعو بها في أوقات جلوسها بين يديّ الله سبحانه قولها:

"اللّهم قنِّعني بما رزقتني، واسترني". اجعلني يا ربّ في ما ترزقني قانعة، فلا أمدّ عيني إلى ما في أيدي الناس، ولا أتطلَّع إلاّ إلى رزقك، واجعلني أصبر على ما رزقتني في نفسي، لأنّ الناس لا يصبرون عليّ، وأسدل عليّ سترك، لأنّ الناس لا يراعون الستر.

"وعافني أبداً ما أبقيتني واغفر لي". وامنحني العافية يا ربّ ما دمت حيّة: "واغفر لي ذنوبي"، والزهراء (عليها السلام) كانت معصومة عن الخطأ والزلل والسهو والنسيان، فلم ترتكب في حياتها ذنباً أو معصية ولو صغيرة، ولكنّها مع ذلك تطلب من ربّها غفران الذنوب لتربّي الناس على الاستغفار والتوبة.

"وارحمني إذا توفيّتني"، وإذا جاءتني الوفاة ولم يبقَ لي إلاّ أنت فارحم في ذلك البيت الجديد غربتي حتّى لا أستأنس إلاّ بك.

"اللّهم لا تعنّي ــ تتعبني ـــ في طلب ما لم تقدِّر لي، وما قدّرته عليّ فاجعله مُيسّراً سهلاً": يا ربّ، لا تجعلني أتعب في السعي وراء ما تعرف أنّني لن أحصل عليه من الحاجات لأنّك لم تقدّره لي، وما قدّرته لي منها فاجعل مطلبه سهلاً ميسّراً، ولا تجعله صعباً عسيراً.

"اللّهم كاف عنّي والديّ وكلّ من له نعمة عليّ خير مكافاة".

"اللّهم فرّغني لما خلقتني له". لقد خلقتني لعبادتك وطاعتك وللقيام بمسؤوليات الحياة التي حمّلتني إيّاها، ففرّغني اللّهم لذلك ولا تشغلني عن عبادتك وطاعتك وعن القيام بواجباتي.

"ولا تشغلني بما تكفّلت لي به". لا تشغلني بالرزق الذي تكفّلت لي به، وليس معنى ذلك أن لا تجعلني أعمل لتحصيل الرزق، بل لا تجعل ذلك همّي الأكبر الذي يشغل فكري ويعطّل طاقاتي.  

"ولا تعذّبني وأنا أستغفرك، ولا تحرمني وأنا أسألك". فإنّ استغفاري يمثّل طلب العفو والرحمة منك، فلا تعذّبني ولا تحرمني، والحال أنّي أطلب منك المغفرة وأسألك أن تفيض عليّ من رحمتك وبركاتك.

"اللّهم ذلّل نفسي في نفسي". لا تجعلني يا ربّي وسيّدي أعيش الغرور والتكبُّر والاستعلاء على عبادك، بل اجعلني ذليلاً في نفسي، أمام عزّك وعظمتك.

"وعظّم شأنك في نفسي، وألهمني طاعتك والعمل بما يرضيك والتجنُّب لما يسخطك يا أرحم الراحمين"(1).

هذا هو دعاء فاطمة (عليها السلام) لله، وهو يوجّهنا إلى الله لنطلب منه حوائجنا ونبثّ إليه همومنا، ونتوجّه إليه ليوفّقنا للسير على الخطّ المستقيم ويرضى عنّا، لأنّه لا شيء ينفع إلاّ رضاه، وذلك هو خطّ أهل البيت (عليهم السلام)، رضاهم رضا الله، يصبرون على بلائه ويوفّيهم أجور الصابرين.

 

 

 

 

 

حديث ضعيف

من الأحاديث المنسوبة إلى الزهراء (عليها السلام) الحديث التالي:

"خيرٌ للنساء أنْ لا يرين الرجال ولا يراهنَّ الرجال"(1).

وهذا الحديث لم تثبت صحّته من ناحية التوثيق السندي لأنّه مرسل(2)، فلا مجال للاعتماد عليه.

ولكن لو غضّينا النظر عن ذلك وسلّمنا بصحّته السندية، فما هو المراد من الحديث، وهل يعتبر حكماً شرعياً ضابطاً للمرأة في حركتها داخل المجتمع؟

للإجابة عن ذلك، لا بدّ لنا أن نشير إلى أنّه من اللازم أن نفهم الكلمات التي تصدر عن أهل البيت (عليهم السلام) وغيرهم ممّن تنطلق كلماتهم في خطّ المسؤولية، وفق الطريقة البلاغية المتمثّلة في الأسلوب الفنّي للتعبير في اللّغة العربية. ويتحدّث علماء البلاغة عن عدّة أساليب، فهناك أسلوب التعبير عن الأفكار بالألفاظ بلحاظ معانيها الحقيقيّة الموضوعة لها، وهناك أسلوب التعبير عنها بطريقة الكناية والمجاز.

وعلى ضوء ذلك، نحاول أن نفهم الحديث المتقدّم المنسوب إلى سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) فنقول: إنّنا لا نفهم من هذا الحديث مجرّد عدم الرؤية بالمعنى الحرفي للكلمة، بل نفهم منه الكناية عن عدم الاختلاط، لأنّها لم تكن في مجال الحديث عن الحكم الشرعي الذي لا بدّ أن تخضع له المرأة في حياتها العامّة في رؤيتها للرجال أو رؤية الرجال لها، حتّى في ما يحلّ لها أن ترى من الرجال أو في ما يحل للرجال أن يروا منها، بل كانت (عليها السلام) في مقام إعطاء الفكرة العميقة التي تعالج مسألة الاختلاط بين الرجل والمرأة، باعتبار أنّ الاختلاط يمكن أن يؤثّر سلباً على طهارة روحية المرأة تجاه علاقتها بالرجل، أو طهارة روحية الرجل تجاه علاقته بالمرأة، وذلك من خلال النتائج السلبيّة التي تشارك في اقتراب الطرفين من التجربة الصعبة من حيث المشاعر الحميمة والنظرات اللاهبة التي قد تتحرّك من خلال الحالة الغريزية العفوية الموجودة لدى الرجل والمرأة، وتترك تأثيراتها السلبية على أخلاقية الرجل والمرأة في طبيعة ما توحي به النظرة من مشاعر وما تقود إليه من سلوك، ولعلّ الشاعر عبَّر تعبيراً موحياً عن هذه المسألة في قوله:

نظرة فابتسامة فسلام              فكلام فموعد فلقاء

وإنْ كان هذا البيت من الشعر قد يتّجه اتّجاهاً آخر، لكنّه يمكن أن يعطي إيحاءً معيّناً، ويمكن في هذا المجال الاستيحاء ممّا ورد من الحديث الشريف القائل: "أوّل نظرة لك والثانية عليك"(1)، والحديث الآخر: "النظرة سهم من سهام إبليس مسموم وكم من نظرة أورثت حسرة"(2)، أنّ الزهراء (عليها السلام) أرادت المعنى المجازي للرؤية، فكأنّها قالت: إنّ المرأة إذا استطاعت أن تبتعد عن دائرة الاختلاط بالرجل بحيث لا يراها رجل ولا تراه فهو خير لها من خلال ما يتركه ذلك على النفسيّة، إنّها تعالج مسألة الاختلاط من خلال ما تريده من طهارة روحية في المستوى الأعلى من الطهارة للمرأة والرجل معاً.

ولكنّ هذا المستوى العالي من الطهارة، رغم أنّه يُمثّل قيمة إسلامية أخلاقية كبرى من حيث الغايات الكبرى للكمال الإسلامي، لكنّه لا يمثّل تكليفاً شرعياً إلزامياً، فلا المرأة مكلّفة شرعاً ومأمورة بأنْ لا تنظر إلى الرجل، ولا الرجل يحرم عليه النظر إلى المرأة في دائرة ما هو حلال من الرؤية والنظر بين الطرفين، لاسيّما إذا كانت المسألة تعيش في دائرة ضروريات الحياة العامّة أو ضروريات الجهاد السياسي والثقافي الذي قد يفرض على المرأة المسلمة أن تنطلق في دائرة حجابها الشرعي لتتحدّث مع الرجال في ما يتعلّق بالشؤون الرساليّة، وهذا ما جرت عليه سيرة النساء المسلمات حتّى الزهراء (عليها السلام)، فإنّها على ما ينقل لنا تاريخها، كانت ترى الرجال وتحادثهم كما كان الرجال يرونها ويحادثونها، الأمر الذي يدلّ على أنّه ـــ الحديث ـــ لو صحّ، فإنّه يتحرّك في دائرة الأخلاقيات العليا التي لم يكلّف الإنسان بها، وإنّما وضعت أمامه كقمّة يتطلّع إليها ويستوحيها لتكون محفّزاً له لاستسهال ما دونها من أحكام وتعاليم، والعمل بها.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خطبة الزهراء (عليها السلام) الشهيرة

روى عبد الله بن الحسن بإسناده عن آبائه (عليهم السلام): أنّه لما أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة (عليها السلام) فدكاً، وبلغها ذلك، لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها، وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، فجلست، ثمّ أنَّتْ أنّةً أجهش لها القوم بالبكاء، فارتجّ المجلس، ثمّ أمهلت هنيئة، حتّى إذا سَكَنَ نشيج القوم وهدأت فورتهم، افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فعاد القوم في بكائهم، فلمّا أمسكوا عادت في كلامها، فقالت (عليها السلام):

"الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدّم، من عموم نعم ابتدأها، وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جمّ عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتّصالها، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها، وأشهدُ أنّ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمّن القلوب موصولها، وأنار في التفكُّر معقولها، الممتنع من الأبصار رؤيته، ومن الألسن صفته، ومن الأوهام كيفيّته، ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كوَّنها بقدرته، وذرأها بمشيّته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها، إلاّ تثبيتاً لحكمته، وتنبيهاً على طاعته، وإظهاراً لقدرته، وتعبّداً لبريّته، وإعزازاً لدعوته، ثمّ جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، زيادة لعباده عن نقمته، وحياشة لهم إلى جنّته.

وأشهد أنّ أبي محمّداً (النبيّ الأُمّي) (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عبده ورسوله، اختاره وانتجبه قبل أن أرسله، وسمَّاه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة، علماً من الله تعالى بمآيل الأمور، وإحاطة بحوادث الدهور، ومعرفة بمواقع الأمور.

ابتعثه الله إتماماً لأمره، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنفاذاً لمقادير حتمه، فرأى الأُمم فرقاً في أديانها، عُكَّفاً على نيرانها، عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله بأبي محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ظُلَمَها، وكشف عن القلوب بهمها، وجلّى عن الأبصار غممها، وقام في النّاس بالهداية، فأنقذهم من الغواية، وبصّرهم من العماية، وهداهم إلى الدّين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم.

ثمّ قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار، ورغبة وإيثار، فمحمَّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من تَعَب هذه الدّار في راحة، قد حُفَّ بالملائكة الأبرار، ورضوان الربّ الغفّار، ومجاورة الملك الجبّار، صلّى الله على أبي، نبيّه وأمينه على الوحي، وصفيّه (في الذكر) وخيرته من الخلق ورضيّه، والسلام عليه ورحمة الله وبركاته".

ثمّ التفتت (عليها السلام) إلى أهل المجلس وقالت: "أنتم عباد الله نصُبُ أمره ونهيه، وحملة دينه ووحيه، وأُمناء الله على أنفسكم، وبلغاؤه إلى الأُمم، وزعيم حقّ له فيكم، وعهد قدّمه إليكم، وبقيّة استخلفها عليكم: كتاب الله الناطق والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية ظواهره، مغتبطة به أشياعه، قائداً إلى الرضوان أتباعه، مؤدٍّ إلى النجاة استماعه، به تنال حجج الله المنوّرة، وعزائمه المفسّرة، ومحارمه المحذّرة، وبيّناته الجالية، وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة.

فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك، والصلاة تنزيهاً لكم عن الكبر، والزّكاة تزكية للنفس ونماءً في الرزق، والصيام تثبيتاً للإخلاص، والحجّ تشييداً للدّين، والعدل تنسيقاً للقلوب، وطاعتنا نظاماً للملّة، وإمامتنا أماناً من الفرقة، والجهاد عزّاً للإسلام (وذلاً لأهل الكفر والنفاق)، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامّة، وبرّ الوالدين وقاية من السخط، وصلة الأرحام منسأة في العمر ومنماة للعدد، والقصاص حقناً للدماء، والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة، وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس، والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرّجس، واجتناب القذف حجاباً عن اللّعنة، وترك السرقة إيجاباً للعفّة، وحرَّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبيّة، فاتّقوا الله حقّ تقاته، ولا تموتن إلاّ وأنتم مسلمون، وأطيعوا الله في ما أمركم به و(ما) نهاكم عنه، فإنّه إنّما يخشى الله من عباده العلماءُ".

ثمّ قالت: "أيُّها الناس اعلموا أنّي فاطمة وأبي محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، أقول عوداً وبدواً، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً، لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم، فإنْ تُعزوه وتعرفوه، تجدوه أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمّي دون رجالكم، ولنعم المعزى إليه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فبلَّغ الرسالة صادعاً بالنذارة، مائلاً عن مدرجة المشركين، ضارباً ثَبَجهم، آخذاً بأكظامهم، داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، يكسر الأصنام، وينكث الهام، حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر، حتّى تفرّى اللّيل عن صبحه، وأسفر الحقّ عن محضه، ونطق زعيم الدّين، وخرست شقاشق الشياطين، وطاح وشيظ النّفاق، وانحلَّت عقد الكفر والشقاق، وفِهْتُم بكلمة الإخلاص في نفر من البيض الخماص، وكنتم على شفا حفرة من النار، مِذْقَة الشارب ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون القدّ، أذلّة خاسئين (صاغرين)، تخافون أنْ يتخطّفكم النّاس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمّدٍ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد اللّتيا واللّتي، وبعد أن مني ببهم الرجال وذئبان العرب ومردة أهل الكتاب، كلّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن الشيطان أو فغرت فاغرة من المشركين قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفئ حتّى يطأ صماخها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات الله، مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيّداً في أولياء الله، مشمّراً ناصحاً، مجدّاً كادحاً، لا تأخذه في الله لومة لائم، وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون آمنون، تتربّصون بنا الدوائر، وتتوكّفون الأخبار، وتنكصون عند النزال، وتفرّون من القتال.

فلمّا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه، ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة (حسيكة) النفاق، وسمل جلباب الدّين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الأقلّين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفاً بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرّة فيه ملاحظين، ثمّ استنهضكم فوجدكم خفافاً، وأحمشكم فألفاكم غضاباً، فوسمتم غير إبلكم، ووردتم غير مشربكم.

هذا والعهد قريب والكلم رحيب، والجرح لمّا يندمل، والرسول لمّا يُقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة، ألاَ في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطةٌ بالكافرين، فهيهات منكم، وكيف بكم، وأنّى تؤفكون وكتاب الله بين أظهركم، أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة، وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة، وأوامره واضحة، (و) قد خلّفتموه وراء ظهوركم، أرغبة عنه تريدون؟ أم بغيره تحكمون؟ بئس للظالمين بدلاً، ومن يبتغِ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، ثمّ لم تلبثوا إلاّ ريث أن تسكن نفرتها ويسلس قيادها، ثمّ أخذتم تورون وقدتها وتهيجون جمرتها، وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدّين الجليّ، وإهمال سنن النبيّ الصفيّ، تشربون حسواً في ارتغاء، وتمشون لأهله وولده في الخمرة والضرَّاء، ونصبر (ويصير) منكم على مثل حزّ المدى ووخز السنان في الحشا، وأنتم الآن تزعمون أن لا إرث لنا، أفحكم الجاهلية تبغون ومَنْ أحسن من الله حكماً لقومٍ يوقنون؟!! أفلا تعلمون؟ بلى، قد تجلّى لكم كالشمس الضاحية أنّي ابنته.

أيُّها المسلمون، أأغلب على إرثي؟ يابن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئاً فريّاً (على الله ورسوله)، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؟ إذ يقول: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل : 16]، وقال في ما اقتصَّ من خبر يحيى بن زكريا (عليه السلام) إذ قال: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً*يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: 5 ـــ 6]، وقال أيضاً: {وَأُوْلُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ} [الأحزاب : 6]، وقال: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء : 11]، وقال: {إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة : 180]، وزعمتم أنْ لا حظوة لي ولا إرث من أبي ولا رحم بيننا، أفخصَّكم الله بآيةٍ من القرآن أخرج أبي (محمّداً) (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) منها؟ أم تقولون: إنّ أهل ملّتين لا يتوارثان؟ أَوَلَسْتُ أنا وأبي من أهل ملّةٍ واحدة؟ أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي؟ فدونكها مخطومة مرحولة تلقاك يوم حشرك، فنعم الحَكَم الله، والزعيم محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم (ما قلتم) إذ تندمون، ولكلّ نبأ مستقرّ، وسوف تعلمون مَنْ يأتيه عذابٌ يخزيه ويحلّ عليه عذابٌ مقيم".

ثمّ رمت بطرفها نحو الأنصار فقالت لهم: "يا معشر النقيبة وأعضاد الملّة وحضنة الإسلام، ما هذه الغميزة في حقّي والسِّنةُ عن ظلامتي؟ أمَا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أبي يقول: "المرء يحفظ في ولده"؟ سرعان ما أحدثتم، وعجلان ذا إهالة، ولكم طاقة بما أحاول، وقوّة على ما أطلب وأزاول، أتقولون مات محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟ فخطبٌ جليل، استوسع وهنه واستنهر فتقه، وانفتق رتقه، وأظلمت الأرض لغيبته، وكسفت الشمس والقمر، وانتثرت النجوم لمصيبته، وأكدت الآمال، وخشعت الجبال، وأضيع الحريم، وأزيلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النازلة الكبرى، والمصيبة العظمى، لا مثلها نازلة، ولا بائقة عاجلة، أعلن بها كتاب الله جلّ ثناؤه، في أفنيتكم، في ممساكم ومصبحكم، (يهتف في أفنيتكم) هتافاً، وصراخاً، وتلاوة، وألحاناً، ولقبله ما حلّ بأنبياء الله ورسله، حكم فصل وقضاء حتم: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران : 144].

إيهاً بني قيلة، أأهضم تراث أبي، وأنتم بمرأى منّي ومسمع، ومنتدى ومجمع؟ تلبسكم الدّعوة، وتشملكم الخبرة، وأنتم ذوو العدد والعدّة، والأداة والقوّة، وعندكم السلاح والجُنّة، توافيكم الدّعوة فلا تجيبون، وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت، والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت.

قاتلتم العرب، وتحمّلتم الكدّ والتعب، وناطحتم الأُمم، وكافحتم البهم، لا نبرح أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون، حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام، ودرّ حلب الأيّام، وخضعت ثغرة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج (والمرج)، واستوسق نظام الدّين، فأنّى حزتم بعد البيان؟ وأسررتم بعد الإعلان؟ ونكصتم بعد الإقدام؟ وأشركتم بعد الإيمان؟ بؤساً لقوم نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم، وهمّوا بإخراج الرسول، وهم بدأوكم أوّل مرّة، أتخشونهم فالله أحقّ أن تخشوه إنْ كنتم مؤمنين.

ألاّ وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم مَنْ هو أحقّ بالبسط والقبض، وخلوتم بالدّعة ونجوتم بالضيق من السّعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم الذي تسوغتم، فإنْ تكفروا أنتم ومَنْ في الأرض جميعاً فإنّ الله لغنيٌ حميد.

ألاّ وقد قلت ما قلت هذا على معرفة منّي بالخذلة (بالجذلة) التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنّها فيضة النّفس ونفثة الغيظ، وخور القناة، وبثّة الصدر، وتقدمة الحجّة، فدونكموها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخفّ باقية العار، موسومة بغضب الجبَّار وشنار الأبد، موصولة بنار الله الموقدة التي تطلّع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون، وأنا ابنة نذير لكم بين يديّ عذابٍ شديد، فاعملوا إنّا عاملون وانتظروا إنّا منتظرون".

فأجابها أبو بكر عبد الله بن عثمان، وقال: يا بنت رسول الله! لقد كان أبوكِ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بالمؤمنين عطوفاً كريماً، (و) رؤوفاً رحيماً، وعلى الكافرين عذاباً أليماً، وعقاباً عظيماً، إنْ عزوناه وجدناه أباك دون النساء، وأخا إلفك دون الأخلّاء، آثره على كلّ حميم وساعده في كلّ أمرٍ جسيم، لا يحبّكم إلاّ سعيد، ولا يبغضكم إلاّ شقي بعيد، فأنتم عترة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) الطيّبون، والخِيَرةُ المنتجبون، على الخير أدلّتنا، وإلى الجنّة مسالكنا، وأنتِ يا خيرة النساء، وابنة خير الأنبياء، صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقّك، ولا مصدودة عن صدقك، والله ما عدوت رأي رسول الله ولا عملت إلاّ بإذنه، والرائد لا يكذب أهله، وإنّي أشهد الله وكفى به شهيداً، أنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضّة، ولا داراً ولا عقاراً، وإنّما نورّث الكتاب والحكمة والعلم والنبوّة، وما كان لنا من طعمة فلوليَّ الأمر بعدنا يحكم فيه بحكمه، وقد جعلنا ما حاولته في الكراع والسلاح، يقاتل بها المسلمون ويجاهدون الكفّار، ويجادلون المردة الفجَّار، وذلك بإجماع من المسلمين، لم أنفرد به وحدي، ولم أستبدَّ بما كان الرأي عندي، وهذه حالي ومالي، هي لكِ (و) بين يديكِ، لا تُزوى عنكِ، ولا ندَّخر دونكِ، وأنتِ سيّدة أمّة أبيك، والشجرة الطيّبة لبنيك، لا ندفع مالك من فضلك، ولا يوضع من فرعك وأصلك، حكمك نافذ في ما ملكت يداي، فهل ترين أنْ أُخالِف في ذلك أباك (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟!

فقالت (عليها السلام): "سبحان الله، ما كان أبي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عن كتاب الله صادفاً ولا لأحكامه مخالِفاً! بل كان يتّبع أثره، ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور، وهذا بعد وفاته شبيه بما بُغي له من الغوائل في حياته، هذا كتاب الله حكماً عدلاً، وناطقاً فصلاً يقول: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم : 6]، ويقول: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل : 16]، فبيّن الله عزّ وجلّ في ما وزع من الأقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظّ الذكران والإناث، ما أزاح به علّة المبطلين، وأزال التظنّي والشبهات في الغابرين، كلاّ، بل سوَّلت لكم أنفسكم أمراً فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون".

فقال أبو بكر: "صدق الله ورسوله، وصدقت ابنته، أنتِ معدن الحكمة وموطن الهدى والرحمة، وركن الدّين، وعين الحجّة، ولا أبعد صوابك، ولا أنكر خطابك، هؤلاء المسلمون بيني وبينك، قلّدوني ما تقلّدت، وباتّفاق منهم أخذت ما أخذت، غير مكابر ولا مستبدّ ولا مستأثر، وهم بذلك شهود".

فالتفتت فاطمة (عليها السلام) إلى الناس وقالت:

"معاشر المسلمين المسرعة إلى قيل الباطل، المغضية على الفعل القبيح الخاسر، أفلا تتدبّرون القرآن أم على قلوبهم أقفالها؟

كلاّ، بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأوّلتم، وساء ما به أشرتم، وشرّ ما منه اغتصبتم! لتجدنَّ والله محمله ثقيلاً، وغبّه وبيلاً، إذا كشف لكم الغطاء، وبان ما وراءه (من البأساء) والضرّاء، وبدا لكم من ربّكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون".

ثمّ عطفت على قبر النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وقالت:

قد كان بعدك أنباء وهنبثة          لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها        واختلّ قومك فاشهدهم ولا تغب

وكلّ أهل له قربى ومنزلة           عند الإله على الأدنين مقترب

أبدت رجال لنا نجوى صدورهم      لمّا مضيت وحالت دونك الترب

تجهّمتنا رجال واستخفّ بنا         لمّا فقدت وكلّ الإرث مغتصب

وكنت بدراً ونوراً يستضاء به       عليك ينزل من ذي العزّة الكتب

وكان جبريل بالآيات يونسنا        فقد فقدت وكلّ الخير محتجب

فليت قبلك كان الموت صادفنا      لما مضيت وحالت دونك الكثب

إنّا رزينا بما يُرزى ذوو شجن       من البريّة لا عجم ولا عرب(1)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مناسبة الخطبة:

على إثر الأحداث المريرة التي شهدتها الساحة الإسلاميّة بعد وفاة الرسول الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، مثل قضية اغتصاب الخلافة والاعتداء على حقّ أمير المؤمنين (عليه السلام) وغصب فدك من فاطمة الزهراء (عليها السلام) والهجوم على دارها، وغير ذلك من الأحداث الأليمة، رأت الزهراء (عليها السلام) أنّ الواجب يفرض عليها أن تقف مع الحقّ وتقول كلمة الحقّ. وهكذا خرجت إلى مسجد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ووقفت أمام جموع المهاجرين والأنصار وخطبت بهذه الخطبة القيّمة.

سند الخطبة:

الظاهر أنّه يمكن حصول الوثوق بصدور هذه الخطبة عن سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام)، لأنّها مشهورة ومعروفة وذكرها المؤرّخون القدامى، وقد كان أهل البيت والعلويون يتناقلونها كابراً عن كابر، ويعلِّمونها ويحفظونها لصبيانهم، ما يدلّ على أنّها من المسلّمات عندنا، هذا مضافاً إلى أنَّ متنها قويّ ومتناسب مع المضمون الفكري الإسلامي.

مضمون الخطبة:

إنّ أهمّ المسائل التي ركّزت عليها الزهراء (عليها السلام) في خطبتها هي:

1 ـــ أنّها حدَّدت موقفها من الأحداث الطارئة والحادثة بعد وفاة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، لاسيّما في ما يخصّ الخطّ الإسلاميّ الأصيل المتمثّل بالإمامة الواعية الشجاعة المنفتحة على الله وعلى الناس والحياة من أوسع الأبواب، والعميقة في فكرها الممتدّ مع الزمن، بحيث لا يكون له ماضٍ أو حاضر أو مستقبل، لأنّه فكر الإسلام وحديث الإسلام وهو فكر الحياة الخالد، وهذه الإمامة متمثّلة بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام).

2 ـــ اختصرت في خطبتها ـــ التي هي محاضرة إسلامية تثقيفيّة غنيّة ـــ أصول العقيدة بركنيها الأساسيين، وهما التوحيد والنبوّة، فقد تحدّثت عن صفات الله سبحانه وتعالى، ثمّ تحدّثت عن رسول الله وخصاله ومعاناته في سبيل إنقاذهم من الغواية إلى الهداية، كما وتحدّثت عن الإمامة ودورها في انتظام الأُمّة.

3 ـــ تحدّثت بشكلٍ مستفيض عن أسرار التشريعات الإسلامية وحكمها وخصائصها.

4 ـــ تكلّمت عن الواقع الذي حدث بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وكيف انحرف عن خطّ الاستقامة والمسار الذي خطَّه الله ورسوله، وتوجّهت إلى الأنصار الذين أحاطوا برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ونصروه لتؤجّج مشاعرهم وتستنهض هممهم وتستنصرهم.

5 ـــ دخلت في قضية إرثها من رسول الله واستحقاقها فدكاً، وناقشت المسألة مناقشة علميّة تفسيريّة بكلّ حجج القرآن ودقائقه وأسراره، ولم تناقشها مناقشة عاطفية، وإنّما دخلت في الاحتجاج بالطريقة المميّزة كامرأة عالِمة واعية قويّة في الحجج وصلبة في المواقف.

الصراحة الشديدة:

وقبل الدخول في شرح الخطبة مفصَّلاً، لا بدّ أن نشير إلى أنّ البعض قد يلاحظ عندما يقرأ حوارات القدماء، ولاسيّما في مجتمع الصدر الأوّل، أنّ الأسلوب كان قاسياً في القضايا الحيوية، بحيث إنّ كلّ واحدٍ منهم يخاطب الآخر بالكلمات الصريحة الواضحة التي لا تغلَّف بالمجاملات أو ببعض الاعتبارات الاجتماعية ـــ كما سنلاحظ ذلك في كلام الزهراء (عليها السلام) ـــ ويتساءل كيف يجرؤ هذا على ذلك وهو في موقع مميَّز، وكيف يجرؤ ذاك على هذا وهو في موقع مميَّز؟

والجواب أنّه عندما تطرح القضية ويكون فيها موقفان، فإنّ صاحب الموقف الذي يرى الحقّ له يتكلّم على أساس أنّه لا يخاطب شخصاً ولكن يخاطب موقفاً ويخاطب رأياً ويخاطب اتّجاهاً، مضافاً إلى أنّه في الحقّ لا مجال للمجاملة، ذلك أنّ المجاملات والدبلوماسيات والكلمات الضبابية إنّما هي في العلاقات الإنسانية التي تتّصل ببعض الأوضاع التي يعيشها المجتمع في خطوطه، أمّا عندما تكون القضية قضية إثبات حقّ ودحض باطل، فإنّ المجاملة تكون خيانة، وإنّ الاعتبارات الاجتماعية حينئذٍ لا تسقط الاعتبارات الموضوعية العلمية، ولذلك كانوا يتكلّمون بكلّ صراحة الحقّ الذي يعقدونه. ومن المفارقات أنّ هذا الحقّ الذي يطرحونه بكلّ صراحة وبكلّ موضوعية لا يثير ردّ فعل اجتماعي سلبي، كما لو يتساءل البعض: كيف تتجرّأ على هذا وكيف تتكلَّم مع هذا بهذه اللّغة، لأنّهم كانوا يعيشون المسألة في أجواء الصراحة في الحقّ، ولم تؤثّر فيهم كلّ هذه الأساليب التي جاءت بها الحضارات من تغطية الحقّ بكلمةٍ هنا وبعاطفةٍ هناك.

ولذلك سنجد في خطبة الزهراء (عليها السلام) التي سنأتي على شرحها، وهي تبيّن واقع المسلمين وتشير إلى نقاط الضعف وتجادل في إرثها عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) الذي أنكره الخليفة نتيجة حديث تفرّد بروايته عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، نجد أنّ الزهراء كانت تعنّف في أسلوبها، ولكنّها كانت تقدّم القرآن حجّة على ذلك، وعندما انتهت من خطابها وكانت تخاطب الخليفة والمهاجرين والأنصار، لم يقف شخص ليقول كيف تتجرئين بهذا الكلام؟ لذلك علينا أن نعرف أنّ تلك المرحلة لم تكن مرحلة حديث غريزي ينطلق بالأحاسيس وبالمشاعر، بل كان حديثاً ينطلق من قوّة الحقّ ومن الحجّة على الحقّ. وهذا هو أسلوب القرآن في منهجه في الحوار.

الإسلام هو الأساس:

وعلى ضوء هذا، إذا استطعنا أن نصل إلى هذا المستوى من فهم التاريخ بحسب أساليب مرحلته، فإنّنا نستطيع أن ننتهي إلى نتائج حاسمة، أو أن نتفاهم على أساس أنْ نقرأ المسألة كفكر يواجه فكراً، وربّما نستوحي هذه الروح الإسلامية في حركة الصراع، وهي أنّ الإسلام كان هو الأساس في ما يتحرّكون فيه، حتّى على مستوى المواصلة والمقاطعة، فنحن نجد أنّ عليّاً (عليه السلام) ـــ وهو صاحب الحقّ ـــ عندما رأى أنّ مصلحة الإسلام في أن يجمِّد المطالبة بحقّه ـــ لا أنْ يتنازل عن حقّه كما يقول بعض الناس ـــ عاون بالرأي والمشورة في حلّ المشاكل وساعد في كثير من الحالات، لأنّه كان يقول: "فخشيت إنْ أنا لم أنصر الإسلام وأهله أنْ أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنَّما هي متاع أيَّام قلائل يزول منها ما كان كما يزول السراب أو كما ينقشع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتّى زاح الباطل وزهق واطمأنَّ الدِّين وتَنَهْنَه"(1).

ومن خلال ذلك، فإنّ أسلوبنا الذي نحرِّك فيه قراءة التاريخ وقراءة الكتاب والسُنّة هو أسلوب يغني الوحدة الإسلامية ولا يضعفها، لأنّ أسلوبنا في الوحدة الإسلامية هو أن نلتقي على ما اتّفقنا عليه في مواجهة الذين يخالفوننا ويريدون أن يسقطوا الإسلام، وأنْ نتحاور بالتي هي أحسن في ما اختلفنا فيه، وأن لا تكون أفكارنا متحرّكة في الحوار من موقع غرائزنا، بل من موقع عقولنا الباحثة عن الحقّ أيّاً كان الحقّ. فلا مجال لأنْ يقال إنّه يلزمنا التغاضي عن التاريخ لمصلحة الوحدة الإسلامية.

مقدّمة الخطبة:

في مقدّمة الخطبة نقرأ أنّ فاطمة (عليها السلام) كانت المرأة التي يتفاعل المجتمع كلّه معها.. كيف؟! تقول الرواية: "لما أجمع أبو بكر وعمر على منع فاطمة فدكاً وبلغها ذلك، لاثت خمارها على رأسها واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمّة من حفدتها ونساء قومها تطأ ذيولها ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، حتّى دخلت على أبي بكر وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، فنيطت دونها ملاءة، (يعني ستاراً)، فجلست، ثمّ أنَّت أنّه أجهش القوم لها بالبكاء فارتَجَّ المجلس، ثمّ أمهلت هنيئة حتّى إذا سكن نشيج القوم وهدأت فورتهم افتتحت الكلام بحمد الله والثناء عليه".

 

أقسام الخطبة ومواضيعها

وسوف نجزئ خطبتها إلى عدّة أقسام بحسب المواضيع التي تناولتها وركّزت عليها:

القسم الأوّل: التوحيد:

الحديث عن النِعَم الإلهية:

ثمّ قالت ـــ ولاحظوا كيف انطلقت في خطبتها ـــ: "الحمد لله على ما أنعم، وله الشكر على ما ألهم، والثناء بما قدَّم، من عموم نِعَم ابتدأها وسبوغ آلاء أسداها، وتمام منن أولاها، جمَّ عن الإحصاء عددها، ونأى عن الجزاء أمدها، وتفاوت عن الإدراك أبدها، وندبهم لاستزادتها بالشكر لاتّصالها، واستحمد إلى الخلائق بإجزالها، وثنى بالندب إلى أمثالها".

تحدّثت عن الله في نعمه، وتحدّثت عن خطّ الشكر لهذه النِعم، لتخلق في نفوس الناس هذا الانفتاح على الله من خلال الانفتاح على نعمه وعلى شكره، لأنّ الشكر يتمثّل أعظم ما يتمثَّل بالطاعة لله والابتعاد عن معصيته في كلّ شيء، ولأنّ دوام النِعَم واستزادتها يتوقّف على شكر المنعم {لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم : 7].

فلسفة الشهادة:

"وأشهد أنْ لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له"، وهنا تحاول أن تفلسف كلمة الشهادة بالتوحيد، فتقول (عليها السلام): ـــ كلمة جعل الإخلاص تأويلها، وضمَّن القلوب موصولها، وأنار في التفكُّر معقولها" لتوحي للنّاس أنّ هذه الكلمة عندما تنطلق من لسان الإنسان المؤمن، فلا بدّ لها أن تنطلق من عمق الإخلاص في كلّ ما ترمز إليه من معانٍ، وأن تعيش القلوب أسرارها وآفاقها وامتدادها في ما يتّصل به الفكر بعضه مع بعض، وأنْ ينطلق التفكير في حركة عقلية من أجل أن يتعرَّف على الأُسس العقلية التي تثير في النفس عمق معنى التوحيد.

ثمّ تتحدّث عن الله في صفاته بحيث يمكن القول إنّها أعطتهم محاضرة في التوحيد: "الممتنع من الأبصار رؤيته" {لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام : 103]، "ومن الألسن صفته"، لأنّه لا يدرك صفته أيّ مخلوق، ولا نستطيع أن نعرف من الله إلاّ ما عرّفنا إيّاه ممّا تدركه عقولنا وممّا أوحى به إلى أنبيائه ورسله، أمّا سرّ الذّات وامتداد الصفات، فإنّ ذلك من الغيب الذي لا نملك أيّة وسيلة إليه، "ومن الأوهام كيفيّته" والأوهام هي التعبير عن المناطق الإدراكية الموجودة في داخل الإنسان، فلا يمكن لهذه الأوهام أن تدرك كيفية الله، لأنّه الغيب الذي لا يحيط به أحد من خلقه.

إبداع الخلق ومسألة الاستنساخ:

ثمّ انطلقت لتتحدّث عن ابتداع الله للأشياء، عن خلق الله وإرادته، وذلك بالتفريق بين خلق لا مثال له وبين خلق يتحرّك من موقع المثال، فقد نرى أُناساً يصنعون أشكالاً وألواناً وأشياء، ولكن من خلال ما يتمثّل أمامهم من نماذج، كما نرى الآن في واقع المكتشفين والمخترعين أنّهم قد يصنعون شيئاً مماثلاً لخلق الله، لكنّهم يصنعونه لا من موقع خلق القانون، ولكن من خلال احتذاء النموذج الذي خلقه الله سبحانه وتعالى، وهذا ما تحدّثنا عنه أكثر من مرّة عندما أُثيرت مسألة الاستنساخ، وقلنا إنّ الذين استنسخوا الحيوان أو يريدون أن يستنسخوا الإنسان، لم يضعوا قانوناً جديداً، ولكنّهم استهدوا بالقانون الذي جعله الله للتناسل، لأنّهم اكتشفوا أنّ في البويضة (23) كروموزوماً، وهكذا في النطفة، فكانت ولادة الكائن الحيّ من (46) من الكروموزومات، وعلى ضوء هذا أخذوا خليّة تشتمل على 46 كروموزماً وفرَّغوا البويضة وأودعوا هذه الخلية في داخلها على نسق القانون الإلهي ولو بشكلٍ آخر، فحصل الاستنساخ، لذلك هم لم يخلقوا قانوناً وإنَّما استهدوا ذلك القانون.

وبالتالي، فإنّ كلّ ما صنعه الإنسان في كلّ ما ابتدعه واخترعه لم يصنع قانوناً، لم يخلق العلماء والمكتشفون والمخترعون ولو قانوناً صغيراً ولكنّهم احتذوا القانون الإلهي في ذلك كلّه.

أمّا الله سبحانه وتعالى فهو الذي خلق الأشياء بلا نموذج سابق، وهو الذي قدَّم للإنسان النموذج من خلال أنّه هو الذي خلق النموذج، وهذا ما عبَّرت عنه سيّدتنا الزهراء (عليها السلام) حينما قالت: "ابتدع الأشياء لا من شيء كان قبلها، وأنشأها بلا احتذاء أمثلة امتثلها، كوَّنها بقدرته"، لأنّ قدرته هي التي أعطتها كلّ ما فيها من عناصر الوجود "وذرأها ـــ خلقها ـــ بمشيته، من غير حاجة منه إلى تكوينها، ولا فائدة له في تصويرها"، فالله عندما خلق الكون كلّه، إنساناً وحيواناً وظواهر كونية وما إلى ذلك، فإنّه هو الغني في ذاته، لا حاجة عنده إلى ما خلق، فهو لم يصنع من موقع حاجة كما نصنع نحن من موقع حاجة، ولكنّه صنع ذلك لأنّ حكمته أرادت أن تتمثّل بذلك من غير حاجة منه إلى تكوينها ولا فائدة له في تصويرها "إلاّ تثبيتاً لحكمته"، باعتبار أنّ المخلوقات كلّها بما تشتمل عليه من العناصر الدقيقة جداً التي وضع الله كلّ شيء منها في موضعه، والمخلوقات التي تتكامل في إنتاج الكائن الحيّ، أو في إنتاج الكائن النامي من النبات، أو في إنتاج الظاهرة الكونية، أو في إنتاج الذرّات المائية والترابية، أرادها الله شاهداً لحكمته ودليلاً على عظمته، "وتنبيهاً على طاعته"، فالله سبحانه خلق هذا الخلق، فلقد خلق الإنسان بعقله، وخلق الحيوان بغريزته، وخلق الملائكة في ما أعطاهم من الخصائص، وخلق الجمادات في ظواهرها، ليعرف الإنسان أنّه مخلوق لله، وأنّ لله عليه حقّ الخلق وحقّ الوجود، وبالتالي فعليه أن يطيع الله حقّ طاعته ويعبده حقّ عبادته "وإظهاراً لقدرته، وتعبّداً لبريّته، وإعزازاً لدعوته".

ثمّ إنّه لم يرد من النّاس أن يطيعوه بدون أساس، ولكنّه تفضّل عليهم بأن قدّم لهم في الدّنيا رسالة وقانوناً، ليكون الثواب والعقاب على أساس إطاعة القانون أو مخالفته، وهذا ما عبَّرت عنه سيّدتنا الزهراء (عليها السلام) بقولها: "ثمّ جعل الثواب على طاعته، ووضع العقاب على معصيته، زيادة لعباده عن نقمته، وحياشة لهم إلى جنّته". أي أنّه حذّرهم من عقابه حتّى لا يقعوا تحت نقمته إذا عصوه، ودعاهم إلى طاعته حتّى يحوشهم إلى جنّته إذا أطاعوه.

ومن خلال التأمُّل بهذه الكلمات القليلة القصيرة، نعرف أنّها تتحدَّث عن فلسفة التوحيد في كلمة التوحيد، وتتحدّث عن عمق معنى التوحيد لله سبحانه وتعالى، ما يمكن للباحث أن ينطلق في كلِّ من هذه الكلمات إلى أن يبدأ بحثاً فلسفياً يمكن للنّاس أن يتمثّلوا من خلاله سرّ الخالق وسرّ المخلوق.

القسم الثاني: أسرار النبوّة والبعثة والقرآن:

أسرار النبوّة:

لقد تحدّثنا عن القسم الأوّل من الخطبة المتعلّق بالتوحيد، وها نحن الآن ندخل في القسم الثاني، فالزهراء (عليه السلام) تقول: "وأشهد أنّ أبي محمّداً (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عبده ورسوله، اختاره وانتجبه قبل أنْ أرسله، وسمَّاه قبل أن اجتباه، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة".

إنّها تريد القول: إنّ قضية إرسال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) هي قضية حدَّد الله مسارها في وقتها قبل أن يخلق النبيّ، وإنّه تعالى إنّما اصطفاه نبيّاً من خلال ما يعرفه من عناصر الشخصية الكامنة في داخله عند خلقه، وهكذا ولد النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ونبوّته ثابتة عند الله تعالى، ولكن فعلية هذه النبوّة وحركتها كانت تنتظر الأربعين سنة لحكمة يعلمها الله في ذلك، فهو النبيّ في الدور الجنيني للنبوّة قبل أن يكون جنيناً في بطن أُمّه.

وهكذا يقدّر الله سبحانه وتعالى للحياة رسالتها ورسلها وخططها ونظامها وقوانينها قبل أن يخلقها، لأنّ كلّ شيء جاهز في علمه، ولكن عندما تتعلَّق إرادته بإيجاد الشيء، رسولاً أو رسالة أو نظاماً أو قانوناً، فلا يحتاج أكثر من كلمة كُنْ: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس : 82].

عبوديّة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لله:

وهنا لا بأس أنْ نتوقّف ــــ ولو وقفة سريعة ـــ عند قول سيّدة النساء (عليها السلام) عن أبيها "عبده ورسوله"، حيث نلاحظ التأكيد في الحديث عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه عبد الله قبل أن يُتحدَّث عنه أنّه رسول الله، وهذا أمر يشمل الذين اصطفاهم الله لنبوّته ولإمامته ولولايته، والسِّر في ذلك أنّ عظمة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في صفاته وعظمة الإمام (عليه السلام) في فضائله، إنّما هي في عمق معنى العبودية لله وفي سعة حركة هذه العبودية، فعبوديّته لله تتضمّن عمق المعرفة به، بحيث إنّ الإنسان كلّما عرف الله أكثر أحسّ بعمق العبودية وسرّها في شخصيّته أكثر.

وربّما كان هذا نوعاً من أنواع الإيحاء بأنّ العبودية كانت أوّلاً، وبالعبودية اجتباه الله لرسالته، وربّما يكون في ذلك إيحاءٌ للناس أيضاً أن لا يأخذهم الغلوّ فيمن اجتباهم الله واصطفاهم، وأن لا يخرجوهم عن حدّ العبودية إلى حدّ الربوبية، لأنّ الله وحده استقلّ بالربوبية ولا يشاركه فيها غيره، فليس عندنا نصف إله وربع إله، سواء كان ذلك بالاستقلال أو بالإذن، لأنّ الله لم يأذن ولم يقدّر أن يكون غيره في الحياة إلَهاً أو فيه شيء من الألوهيّة فيما تعنيه الألوهيّة وما تختزنه من صفات الجمال والكمال.

"وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسله اختاره وانتجبه قبل أن أرسله" فقد كان في علم الله أن يختاره نبيّاً في الموقع الأسمى للنبوّة، "وسمَّاه قبل أن اجتباه، أي قبل أن اختاره "واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة"، إذ لم يكن هناك أحد عندما اصطفاه الله وانتجبه واختاره وسمّاه، "وبستر الأهاويل مصونة" وربّما يكن المراد من ستر الأهاويل ستر العدم، باعتبار ما يلحق الأشياء من موانع الوجود وعوائقه، "وبنهاية العدم مقرونة"، لكن لماذا اختاره؟ ولماذا انتجبه؟ ولماذا قدَّر نبوّته قبل أن يخلقه؟ "علماً من الله بمآيل الأمور" في حاجاتها للرسالة وللرسول "وإحاطة بحوادث الدهور"، لأنّ الله أحاط بعلمه كلّ حركات الدهور في قضاياها وأحداثها ووقائعها، فقدّر لها المخلوقين في أسرار خلقهم وأدوارهم وأوضاعهم وما حمّلهم من مسؤولية.

"ومعرفة بمواقع الأمور"، حيث إنّ الله تعالى يحيط بمواقع الأشياء ويقدرها قبل أن توجد، ومن ذاك تقدير البعث الذي تحدّثت عنه في الفقرة التالية.

سرّ البعثة:

"ابتعثه الله إتماماً لأمره"، لأنّه تعالى اختاره في عالم الغيب نبيّاً، وأراد له في الأزل أن يكون رسولاً، ولذلك ابتعثه، "وعزيمة على إمضاء حكمه" في نبوّته بكلّ مسؤوليّتها وحركيّتها، "وإنفاذاً لمقادير حتمه" أي ما حتمه، أو "لمقادير حكمه"، أو "لمقادير رحمته" حسب اختلاف النسخ وتعدُّد النقول، "فرأى الأُمم"، وهذا هو سرّ بعثة نبيّنا "فرقاً في أديانها" أي رآهم متفرّقين، منهم من يعبد الأوثان، ومنهم من يعبد الكواكب، ومنهم من انحرف عن خطّ الرسالات التي كانت في صفائها ونقائها أوّل الأمر وعندما امتدّ بها الزمن انحرفت.

"عكّفاً على نيرانها" يعكفون على عبادة النار كما هو شأن المجوس، "عابدة لأوثانها، منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله بأبي محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ظُلمها"، فجاء الضوء والإشراق والنور الروحي من خلال النبيّ الذي تحوّل إلى أنوار متجسّدة وقدوة يحتذى بها، وانطلقت رسالته تشعّ كالشمس إلى الإنسانية جمعاء، ومن هنا كان دوره في أن يخرج الناس من الظلمات إلى النور، فلو كان في عقله شيء من الظلمة، أو كان في قلبه شيء من الظلمة، أو كان في حياته شيء من الظلمة، فكيف يمكن أن يعطي النور وهو يعيش في الظلام؟!

"وكشف عن القلوب" والقلوب في المصطلح القرآني هي كلّ مواقع الإدراك والإحساس، فيمكن أن يُطلق القلب على العقل والقلب معاً، أي مكامن الإحساس، "بهمها"، أي كلّ مشكلات الأمور التي تعيش في عقل الإنسان، ويفقد الوضوح فيها لإبهامها عنده، أو التي تعيش في الجانب الإحساسي والشعوري للإنسان من التعقيدات العاطفية والإحساسية، فلقد جاء النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من أجل أن يحلّ مشكلات العاطفة، كما يحلّ مشكلات العقل، "وجلّى عن الأبصار غممها"، والمراد ليس الأبصار المادية الحسيّة بل الأبصار الروحية {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج : 46]، فقد يعيش بصر القلب في حيرة ولبس وعمى، فتأتي الرسالة من أجل أن تجلو هذه الحيرة وهذا اللّبس، الذي يغمّ الإنسان ويحجب عنه وضوح الرؤية للأشياء.

"وقام في النّاس بالهداية"، فالله تعالى أرسله هادياً إلى الناس كلّهم {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً*وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً} [الأحزاب: 45 ـــ 46]، "فأنقذهم من الغواية" إلى خطّ الرشد "وبصّرهم من العماية" إلى خطّ البصر والبصيرة "وهداهم إلى الدّين القويم، ودعاهم إلى الطريق المستقيم"، فهذه هي العناوين التي تمثّل الحاجة الواقعية إلى رسالته (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) كما مثّلت حركيّته في خطّ الرسالة.

بعد رحيله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم):

"ثمّ قبضه الله إليه قبض رأفة واختيار" {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} [الأنبياء : 34]، {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر : 30]، وإنّما قبضه قبض رأفة لأنّه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) نبيّه الذي عاش كلّ حياته في طاعة الله ومحبّته، "ورغبة وإيثار" حيث إنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) كان يرغب في لقاء ربّه وكان يؤثر هذا اللّقاء على الدّنيا عندما خيّر بين الدُّنيا وبين لقاء الله.

"فمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من تَعَب هذه الدّار في راحة" ولقد كانت سيّدتنا فاطمة (عليها السلام) تنطق بهذا الكلام وهي تستعرض متاعبه وأذاه والمشاقّ التي عاشها، حتّى قال: "ما أوذي نبيٌّ مثلما أُوذيت"(1)، لقد كانت تستذكر كيف أنّ المشركين عطَّلوا ـــ ولو قليلاً من الوقت ـــ الخطّ الذي أراد له النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أن ينفتح على العالَم كلّه، عطَّلوه بحروبهم وتعقيداتهم وكلّ مشاكلهم وأوضاعهم، وكيف كان يعاني من شركهم، وكان يتألّم لهم، ولذلك كانت نفسه تذهب عليهم حسرات، وهي إذ تشعر بتعب أبيها في ما رأته وعاشته معه من تعب هذه الدار، تتصوّره ينعم في جنّات الله ورضوانه، ويعيش القرب من الذّات المقدّسة التي تغمره بالرحمة والمحبّة واللّطف، وكانت تتحسَّس كلّ ذلك وتشعر به من خلال أنّ هناك ملكاً كان يحدّثها عن أبيها ويحسن عزاءها بوفاته، ويطيّب نفسها ويخبرها عن مكانه في الجنّة كما جاء في بعض الروايات(2). "وقد حفّ بالملائكة الأبرار، ورضوان الربّ الغفّار ومجاورة الملك الجبَّار، صلّى الله على أبي، نبيّه وأمينه على الوحي وصفيّه (في الذكر) وخيرته من الخلق ورضيّه".. إنّها تتحدّث عن أبيها في الصفات الأصيلة من شخصيّته، حيث كان الأمين على وحي الله، لم يخنه في أيّة زيادة أو نقصان، ولم يهن ولم يلن أو يتراجع في التحدّيات التي واجهته.

التذكير بالمسؤوليات:

ثمّ التفتت (عليها السلام) إلى أهل المجلس بعد أن انتهت من الحديث عن الله وعن بعثة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأرادت أن تعرِّف المهاجرين والأنصار مسؤوليّتهم لتقول لهم إنّه لا يجوز أن يفتّش كلّ واحدٍ منهم عن ذاته أو عن عقده النفسية أو عن مطامعه، أو أنْ ينحرف عن الحقّ الذي يعرف، أو ينقض العهد الذي عاهد عليه الله ورسوله، كانت تريد لهم أن يفكِّروا في طبيعة مسؤولياتهم بين ما حمّلهم الله من مسؤولية وما يعيشونه من انحراف عن خطّ تلك المسؤولية.

وإنّي لأتصوّر الزهراء (عليها السلام) وهي تقف في شموخ الرسالة وعنفوان الموقف وكأنّها تخاطبهم من المقام الأرفع والمكان الأعلى، لأنّها كانت تشعر بأنّها أمينة على خطّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فهي بضعة منه، ولأنّ عقلها كان عقله وروحها كانت روحه، ولأنّها اندمجت به حتّى صارت جزءاً منه، وهذا ما نستوحيه من قوله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ والذي مرَّ سابقاً ـــ: "فاطمة بضعةٌ منّي يؤذيني ما يؤذيها ويريبني ما يريبها ويغضبني ما يغضبها"، فكأنّه يتحسَّس في أذاها أذاه، وفي غضبها غضبه، وفي كلّ ما يريبها ما يريبه، لأنّها جزء منه، فالكلّ يتحسَّس ما يتحسَّسه الجزء.

لذلك كانت الزهراء (عليها السلام) تشعر أنَّ واجبها أن تقف أمامهم من أجل أن تتحمَّل مسؤولية ما أودعه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عندها من فكر وعلم ومسؤولية، وكانت تتكلَّم معهم، وفيهم الشيوخ من المهاجرين والأنصار، معلِّمة واعظة، ومرشدة ناقدة.

      "أنتم عباد الله نصب أمره ونهيه"، فأنتم واقفون أمام أمر الله ونهيه، فقد أراد لكم في نظم أمركم أن تطيعوا أمره فتفعلوه، وأنْ تطيعوا نهيه فتتركوه.

"وحملة دينه ووحيه"، فأنتم المهاجرون والأنصار الذين كلّفكم الله أن تحملوا وحيه {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران : 104]، {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً} [الأحزاب : 39].

"وأُمناء الله على أنفسكم"، فلقد جعل الله كلّ واحدٍ منكم أميناً على نفسه، فيلزمه أن يصفّي نفسه ويزكّيها ويثقّفها ويحرّكها في الطريق المستقيم، وأن يواجه نفسه الأمّارة بالسوء لتكون النّفس اللّوامة، ولتنتهي إلى أن تكون النّفس المطمئنة الراضية المرضية.

إنّ الله تعالى ـــ من خلال ما يستفاد من حديث سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) ـــ جعلنا أُمناء على نفوسنا، بأن تبلّغ نفسك ـــ قبل أن تبلّغ غيرك ـــ وحي الله وما يريده لها من الزّكاة والتقوى، وكيف تكون عنصر خير وصلاح.

إنّ هذه الفقرة من الخطبة: "وأُمناء الله على أنفسكم"، إذا عاشها الإنسان فإنّها تحمله إلى آفاق واسعة، وتحثّه على أن يجعل النفس عنصر حقّ وخير وعدل وإنتاج وإبداع وعمل، وأن يعطي ذاته للحياة التي جعله الله أميناً عليها، بحيث إذا خرج من الحياة كان حاله كحال الفاكهة التي تعتصرها حتّى تفرغ كلّ نقطة من الماء فيها، فإذا رميتها رميت القشر الذي لا حياة فيه. وهكذا يخرج الإنسان من الحياة وقد استنفد كلّ طاقاته في خدمة الإنسان وطاعة الله سبحانه.

فالله تعالى يريد لنا في أمانتنا على أنفسنا أن ننتج أنفسنا وأن نعتصر كلّ ما فيها من فكر للحقّ، ومن قلب للمحبّة والخير، ومن طاقة لحركة الحياة في جميع مجالاتها.

"وبلغاؤه إلى الأُمم"، لأنّ الله أراد للأُمّة الأولى التي آمنت بالإسلام أن تكون الأُمّة المبلّغة الداعية إلى الإسلام، للأُمم كلّها.

تركة القرآن:

"وزعيم حقّ له فيكم، وعهد قدَّمه إليكم، وبقيّة استخلفها عليكم"، وهنا دخلت في آفاق القرآن الذي يختزن الحقّ والعهد "كتاب الله الناطق" الذي ينطق دون أن تسمع صوته، لأنّ نطق القرآن في آياته يمثّل عمق الصوت الإلهي العميق الذي عندما تحدّق فيه فإنّك تشعر به همساً محبّباً يدخل إلى عقلك وقلبك ليزكّي عقلك ويطهِّر قلبك.

"والقرآن الصادق"، لأنّه كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي يعطي الحقّ والصدق في كلّ شيء {وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ} [الزمر : 33]، "والنور الساطع{... قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ...} [المائدة : 15]، "والضياء اللامع"، فقد جعله الله ضياءً لظلمات العقول والقلوب ليعطيها ضوء الحقيقة.

"بيّنة بصائره"، فهو الذي يعطي الإنسان البصيرة بكلّ وضوح ومن دون أي غموض، "منكشفة سرائره" في طبيعة الأفكار التي يثيرها والمناهج التي يحرّكها، "منجلية ظواهره"، فأنتَ عندما تقرأ القرآن تقرأه بكلّ جلاء، فلا غموض فيه ولا تعقيد "مغتبطة به أشياعه"، فالنّاس الذين هم شيعة القرآن وأتباعه يشعرون بالغبطة، لأنّ القرآن يبيّن لهم في كلّ آية يقرأونها علماً جديداً ويمنحهم روحاً جديدة ويقدّم لهم خُلقاً جديداً.

"قائداً إلى الرضوان أتباعه"، لأنّ الله يقول: {يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ} [المائدة : 16]، إنّه يهدي الناس إلى رضوان الله وإلى مواقع وخطوط رضاه. 

"مؤدٍّ إلى النجاة استماعه"، لأنّ الإنسان إذا استمع إليه حقّ الاستماع، فجعل فكر القرآن فكره وروح القرآن روحه، فإنّ ذلك يقوده إلى العمل، وخاتمة العمل هي النجاة {... فَبَشِّرْ عِبَادِ*الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [الزمر: 17 ـــ 18].    

"به تنال حجج الله المنوّرة"، فإذا قرأه الإنسان وأراد أن يحتجّ على فكرة أو على ردّ فكرة أو على أيّة حقيقة في أي جانب، فإنّه يستطيع أن يأخذ الحجّة القويّة الواضحة في مواجهة التحدّيات وشرح الحقائق والأفكار.

"وعزائمه المفسّرة" في أذكاره في ما يختزن من الإرادة والعزيمة والقوّة، "ومحارمه المحذّرة" التي حرَّمها الله سبحانه وتعالى، والتي تحذّر الناس من الانحراف عن خطّ الحرام، لأنّ الله يحذّرهم عذاب جهنَّم "وبيّناته الجالية" البارزة، "وبراهينه الكافية، وفضائله المندوبة" التي ندب الله إليها وحثَّ عليها عباده وأراد للإنسان أن يتحرّك فيها وأنْ يأخذ بها، "ورخصه الموهوبة" التي وهبها الله لعباده في ما رخَّص لهم من الأمور من أجل أن يعيشوا في فسحة وراحة أمام ما حرَّمه وما أوجبه عليهم، "وشرائعه المكتوبة" التي فرضها الله تعالى على الناس. 

القسم الثالث: أسرار التشريع الإسلامي ومراميه:

ثمّ انطلقت لتتحدّث عن بعض التكاليف العقيديّة والشرعية وعن بعض الجوانب التي تعمّق للإنسان أخلاقيّته وروحيّته وتجعل منه إنساناً صالحاً، بحيث يكون خيراً للإنسان كلّه وللحياة كلّها، وكأنّها تريد في ما تحدّثت عنه من أسرار هذه العناوين الإسلامية، أن توحي للناس أنّه على الإنسان أن يأخذ الإسلام في العمق ولا يأخذه في السطح، بحيث إنّ الالتزام بأيّة مفردة من مفرداته يفرض الالتزام بالسرّ الكامن في داخل هذه المفردة العقيديّة وتلك المفردة الشرعية، بحيث يثقّف الإنسان نفسه ـــ وهو يلتزم هذه الالتزامات الإسلامية ـــ بمعانيها وأهدافها وأسرارها، حتّى يتحرّك في ساحة العمل من خلال ثقافة الإسلام في عمق معانيه وأسراره.

الخروج عن جمود الممارسات:

وبهذا يمكننا أن نخرج عن الجمود الطاغي على ممارسات الناس للإسلام عقيدة أو عملاً من دون أن يتفهّموا معانيه وأسراره، فهم يتحرّكون بالإسلام من الخارج ولا يتحرّكون به من الداخل، والله يريد لنا أن يكون إسلامنا إسلام العقل والقلب والروح والإحساس والشعور قبل أن يكون إسلام الممارسة العملية الخارجية الشكلية، لأنّ قصّة الإسلام تتحرّك في جذورها من الداخل ثمّ يكون الخارج ـــ لساناً كان أو عملاً ـــ مظهراً للداخل، وهذا هو الذي يلزمنا، كمرشدين وموجهّين ومبلّغين، أن تعطي الناس الفكرة عن كلّ حكم يلتزمونه وعن كلّ خطّ ينتهجونه.

 

 

أسرار الأحكام الشرعية:

وإنّنا هنا لا نتحدّث عن علل الأحكام حتّى يقول القائل بأنّنا قد لا ندرك العلل الحقيقيّة الواقعيّة للأحكام، ولكنّنا نتحدّث عن فوائدها، وعن أسرارها وحكمها، وعن معانيها التي يمكن لنا أن نبلغها من أجل أن نعطي العمل حيويّة وحركيّة ونعطيه معنىً أو تفسيراً يقبله الآخرون، وبذلك يكون تفاعلنا مع العمل والعبادة أكثر، وتجاوب الآخرين لقبول الإسلام وتفهّمه أكثر.

فلنستمع إلى الزهراء (عليها السلام)، ولننصت إلى ما بقي من خطبتها التي ألقتها على كبار رجال المهاجرين والأنصار في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وإذا عرفنا أنّ كلامها كان يشبه كلام رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأنّ منطقها كان يشبه منطق رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فإنّنا نستوحي من ذلك أنّ المسلمين عندما سمعوها فكأنّهم سمعوا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولهذا تقول الرواية: "إنّهم أجهشوا بالبكاء"، كما تقدَّم.

الإيمان تطهير من الشرك:

"فجعل الله الإيمان تطهيراً لكم من الشرك"، لأنّ الإيمان يمثّل توحيد الله الذي يوحي للإنسان بالنظرة الصافية للكون كلّه، فالتوحيد لا يمنحك الإحساس بوحدانية الخالق فحسب، ولكنّه يمنحك الإحساس بوحدانية السرّ الذي يرتكز الكون كلّه عليه، سواء كان كوناً جامداً أو نامياً أو حيّاً، باعتبار أنّ الله سبحانه وتعالى أودع في عمق الوجود الكوني الإنساني والنباتي والحيواني سرّاً، بحيث إنّ أصغر ذرّة تساوي في حركة نظامها الداخلي أكبر مظهر من مظاهر الحجم الكبير، فلا فرق بين أصغر ذرّة في نظامها وبين الجبال والسموات والأرض، فالله سبحانه وتعالى، عندما خلق الكون أقامه على قانون الزوجية في كلّ ظواهره ومواقعه.

ومن هنا، فإنّ الإنسان عندما يؤمن بتوحيد الله، فإنّه لا يعيش الازدواجية في التوحيد ولا في العبادة ولا في الطاعة ولا في النظرة إلى الكون، بل إنّه يعيش التوحيد لربّه والوحدة في ذاته وفي الوجود كلّه، ليشعر أنّ الوحدة تمثّل الانسجام بين الخالق والمخلوق، باعتبار أنّها تتحرّك في خطٍّ واحد وتنطلق من قاعدة واحدة. هذه نقطة أولى.

وهناك نقطة ثانية، وهي أنّ الإيمان يمثّل الوسيلة التي يتطهَّر بها الإنسان من الشرك، باعتبار أنّ الشرك يمثّل الفكر المتخلّف الذي لا يرتكز على أساس، لأنّ الذين يدعونهم شركاء لله لا يملكون من معنى الألوهية شيئاً، فهم بين ما لا يسمع ولا يبصر ولا يدرك ولا يغني شيئاً، وبين من قد يسمع ويبصر ولكنّه لا يملك نفسه فضلاً عن غيره.

لذلك فإنّ الشرك يمثّل وحل الفكر وقذارته، لأنّه يقذّر وينجَّس للإنسان تصوّره وروحه، عندما يطلق روحه ويحرّكه ليسجد أمام شيء جامد، والروح لا يمكن أن تحتضن في مشاعرها وأحاسيسها وأفكارها شيئاً جامداً لا نبضة فيه من حياة ولا مظهر للقوّة فيه، ولذلك قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـذَا} [التوبة : 28]، والمراد من النجاسة هنا النجاسة المعنوية، باعتبار أنّ فكر الشرك هو فكر القذارة والنجاسة، فلا يتناسب دخول المشركين إلى المسجد الحرام مع التوحيد الذي أقام إبراهيم وإسماعيل قاعدته عليه وهي الكعبة الشريفة.

ولذلك، فالإنسان عندما يؤمن بالله الواحد فإنّ إيمانه لا ينقذه فقط من النتائج السلبية على مستوى الآخرة، ولكنّ إيمانه ينقذ حياته على مستوى الدنيا أيضاً، لأنّه يطهِّر عقله وقلبه وروحه من الوحول الفكرية والشعورية التي يمثّلها الشرك في الداخل.

 

 

الصلاة تنزيه عن الكبر:

"والصلاة تنزيهاً لكم عن الكِبَر"، وهنا تتحدّث فاطمة الزهراء (عليها السلام) عن الصلاة من حيث إنّها وسيلة من وسائل إحساس الإنسان بحجم ذاته أمام ربّه وإحساسه بحجم ذاته أمام الناس الذين يعيش معهم، وأمام الوجود الذي يتحرّك فيه، لأنّ المصلّي عندما ينفتح على الله في صلاته فإنّه يبدأ صلاته بنداء (الله أكبر)، فيتحسَّس معنى (الأكبر) في ربّه الذي لا يدانيه شيء، ولا يماثله في حجم الذّات والعلم والقدرة والرحمة والحكمة موجود أبداً، وهذا ما يجعله متواضعاً في نفسه بعد أن اكتشف حجمها.

كما أنّه يمارس بشكلٍ طبيعي هذا التواضع أمام الله عندما يقف بين يديه في موقف تسليم مطلق له {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ} [الأنعام : 162 ـــ 163].

ويمارس التواضع أيضاً عندما يركع ليتحدّث عن مواقع عظمة الله في قوله: "سبحان ربِّيَ العظيم وبحمده"، ليتصوّر نفسه في موقع الصّغار أمام عظمة الله، وهكذا يمارس التواضع لله ـــ إلى حدِّ الانسحاق ـــ في سجوده، ليتصوّر الله على أنّه هو الأعلى في ذاته وفي صفاته وفي كلّ ما يتمثَّل فيه، وأنّه هو المصلّي الساجد الأسفل أمامه، فلا علوّ له أمام الله، فكما أنّ الله هو الأعلى المطلق فهو الأسفل المطلق، وكما أنّ الله هو العظيم المطلق فهو الضعيف الصغير المطلق {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ ـــ في كلّ شيء ـــ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ـــ في كلّ شيء} [فاطر : 15].

فإذا تمثّل الإنسان ذلك في صلاته من خلال كلمات الصلاة وأفعالها، عاش الإحساس بالعبودية لله والتواضع إلى حدّ الانسحاق بين يديه تعالى، وفي الوقت نفسه يشعر، وبوحي من الصلاة، بالحرّية أمام الناس كلّهم، لأنّه عندما يعيش في صلاته إلى جانب كلّ المصلّين ويقول "الحمد لله ربّ العالمين"، يشعر أنّ الله وحده هو ربّ العالمين جميعاً، وأنّ العالمين متساوون أمام الله، فليس هناك ربّ لعالم دون عالم، سواء كان عالماً جامداً كالشمس والكواكب والقمر وما إلى ذلك ممّا جعله الناس في مستوى الإله، أو كان عالماً نامياً وحسّاساً كما في عالم البشر والحيوان، وهذا ما عبَّر عنه القرآن الكريم {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ} [الأعراف : 194]، وكما ورد في نداء المسلمين لأهل الكتاب {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ} [آل عمران : 64]، وقد يتميَّز إنسان عن إنسان بدرجة ما كما يتميَّز الأنبياء والأئمّة في درجات الفضل {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} [البقرة : 253]، وكما يتميَّز الأولياء على أساس التقوى {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات : 13]، ولكن يبقى الجميع في موقع العبودية ويتساوى الجميع في أنّهم عبيد الله، وغاية الأمر أنّ هناك مَن هو أكثر معرفة بالله، وأنّ هناك من هو أكثر طاعة له وقرباً منه، فهم يتساوون في العبودية وإنْ اختلفوا في درجاتها، ولذلك كلّما انطلقت في صلاتك لتتحدّث عن الله ربّ العالمين، فإنّك تشعر بالتساوي مع الناس كلّهم في العبودية لله سبحانه، وإذا أطلقت كلمة العالمين على العوالم كلّها، فأنت تشعر أنّك مع العوالم كلّها، مخلوق لله ومربوب له وأنّه ربّك وخالقك ومدبّر أمورك، وبذلك تتواضع، لأنّك تعرف أنّ حجمك مهما كبر لا يرقى إلى أن تكون ربّاً لأيّ إنسان أو ربّاً لأية ظاهرة كونيه.

وهذا ما عبَّر عنه ـــ خير تعبير ـــ الإمام زين العابدين (عليه السلام) الذي عاش مع الله حياته كلّها في سرّه وعلانيته، عاشه في كلماته وابتهالاته ومواقعه كلّها، واستطاع أن يترك لنا ثروة توحيدية إسلامية ثقافية أخلاقية روحية، أعني بذلك (الصحيفة السجّادية) التي أطلق عليها لأهميّتها وتنوّع مضامينها أنّها زبور آل محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فقد كان (عليه السلام) عندما يدعو الله في الصباح والمساء يقول: "أصبحنا ـــ أو أمسينا ـــ وأصبحت ـــ أو أمست ـــ الأشياء كلّها بجملتها لك، سماؤها وأرضها وما بثثت في كلّ واحدٍ منهما، ساكنه ومتحرّكه، مقيمه وشاخصه، وما علا في الهواء وما كنّ تحت الثرى، أصبحنا ـــ كلّنا، كلّ هذه العوالم وكلّ هذه الظواهر ـــ في قبضتك، يحوينا ملكك وسلطانك، وتضمّنا مشيئتك، ونتصرّف عن أمرك، ونتقلّب في تدبيرك، ليس لنا من الأمر إلاّ ما قضيت، ولا من الخير إلاّ ما أعطيت"(1). وهكذا يتمثّل الإنسان في صلاته كيف يكون متواضعاً أمام ربّه، ومن خلال تواضعه لربّه يتواضع للنّاس كلّهم، لأنّه يشعر أنّهم معه مربوبون لله.

ولذلك مَنْ صلّى دهره وبقي في قلبه شيء من الكِبَر، أو بقي في حياته حركة كِبَر، فإنّ صلاته لا قيمة لها "فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلاّ بُعْداً"(2)، لأنّ {الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [العنكبوت : 45]. وفي الحديث عن عليّ (عليه السلام): "رُبَّ صائمٍ ليس لهُ من صيامهِ إلاّ الجوع والعطش، ورُبَّ قائمٍ ليس له من قيامه إلاّ التعب والسهر، حبَّذا نوم الأكياس وفطرهم"(3).

وعليه، فإنّ الإنسان عندما يصلّي لا بدّ أن يعيش في حالة طوارئ أخلاقية وروحية، بحيث تغيّر صلاته كلّ ما في داخله من انحرافات، لأنّ وقوفك ـــ أيّها المصلّي ـــ أمام الله يمثّل كلّ هذا الفيض الروحي الذي يفيض على قلبك وعلى روحك، ولأنّ عبادتك لله تعلّمك كيف تكون متواضعاً.

وهذا ما عبَّر عنه الإمام عليّ (عليه السلام) في دعاء كميل: "وفي جميع الأحوال متواضعاً". لاحظوا قوله (عليه السلام): "في جميع الأحوال"، يعني أن لا تفقد التواضع في نفسك وفي بيتك وفي مواقع عملك ونشاطك، فتكون المتواضع في الأحوال كلّها.

ومن الطبيعي أنّ ذلك يحتاج إلى تربية، لأنّ الكِبَر مرض خطير، فهو الذي أخرج إبليس من الجنّة، وهو الذي يسقط الإنسان من عليائه، ولأنّ الكِبَر رداء الله، فمن ارتدى رداء الله أسقطه الله سبحانه وتعالى.

ولذلك كان الصوم في السنة مرّة والحجّ في العمر مرّة، لكنّ الصلاة فرضت في اليوم خمس مرّات واجبة، ولو فرضنا أنّنا جئنا بالنوافل، نوافل اللّيل والنهار، وجئنا بالمستحبات الأخرى، فحينئذٍ يكون الإنسان في حالة طوارئ صلاتية، تعلّمه التواضع أمام الناس من خلال تواضعه لله.

الصلاة خير موضوع:

وفي الحديث: "الصلاة خيرٌ موضوع، فمن شاء استقلّ ومَن شاء استكثر"(1). لماذا؟

لأنّ دور الصلاة ـــ إضافة لكونها عبادة ـــ هو دور تثقيفي تربوي، فالصلاة مدرسة تريد أن تطوّق الإنسان من جميع الجهات، لاسيّما إذا أراد أن يفرّق في الصلاة، كما على رأي بعض المذاهب، لأنّ التفريق لديهم إلزامي، أو على رأي الشيعة بأنّ التفريق هو الفضل، وإنْ صار الالتزام بالجمع هو المنتشر خارجاً في الأوساط الشيعيّة، فإنّك عندما تستفيق من النوم يقول الله لك: عليك أن تقابلني أوّلاً، قف أمامي وقدِّم حساب يومك، فتقف وتصلّي قربةً إلى الله تعالى، ومعنى ذلك أن تقول لله إنّي أريد أن أُصلّي وأكون قريباً منك بعقلي وقلبي وروحي وعملي، فأنتَ تقرأ صلاتك وتنطلق إلى الحياة من منطلق الصلاة، بعد أن تكون قد أعطيت الله عهداً على أن يكون يومك يوم التقرُّب إلى الله، لأنّك أعلنت له أنّك تريد أن تتقرَّب إليه من خلال نيّة القربة، وأعلنتَ له أنّه الأكبر وأنّه ربّ العالمين وأنّه العظيم وأنّه الأعلى، فالمفروض أن يسير يومك في هذا الطريق.

ثمّ بعد ذلك إذا ذهبت واشتغلت وانطلقت في همومك وأعمالك واستغرقت في مشاغل الحياة فإنّك ستحتاج إلى فترة استراحة، فيأتيك صوت المؤذّن لصلاة الظهر ليذكّرك ويدعوك إلى الاستراحة الروحيّة، كما هو حال الطلاّب في المدرسة، حيث ينشغلون باللّعب في الملعب وينسون الدرس، وحين يدقّ الجرس فإنّه يشعرهم أنّهم لا يزالون في المدرسة، وهكذا يأتي الأذان (الله أكبر) كي يذكّر الإنسان أنّه لا يزال في محضر الإله، ويدعوه كي يتخفَّف من أوزاره بعدما غرق في مشاغل الحياة فغفل عن الله أو عصاه، فيدعوه ليرجع من جديد ليقول: أُصلّي صلاة الظهر قربة إلى الله تعالى، وهكذا ما بين الظهر والعصر، وما بين العصر والمغرب وبين المغرب والعشاء، وقد تمتدّ القربة إلى صلاة اللّيل، فالله يريد أن يحيط الإنسان بحزام روحي، فما إنْ يهرب ويأخذه الشيطان حتّى تأتي الصلاة وترجعه إلى الجادّة، وهذا هو دور الصلاة؛ إنّها تمثّل العمل العبادي الذي يلاحق الإنسان ليربطه بالله، بحيث يحسّ بوجوده سبحانه وتعالى كما لو كان أمامه، وليربطه بالنّاس على نحو يتحمّل مسؤوليته إزاءهم، فكلّما أراد الشيطان أن يبعدك عن ربّك جاءت الصلاة لتقرّبك إليه، ومن يقترب من الله لا يمكنه أن يبتعد عن خلق الله. ولذلك فإنّ مسألة تربية النّفس ومجاهدتها وتهذيبها وتوعيتها هي من المسائل اليومية، بل تدور على مدار الساعة، وقد أراد الإسلام لها أن تُعالَج بالعبادة اليومية التي تحيط الإنسان في كلّ يومه ليلاً ونهاراً، كما يحيط الحزام بالجسم، فلا يفلت لأنّه يعيش حزاماً روحيّاً يستطيع أن يجعله في دائرة الله سبحانه وتعالى.

والخلاصة أنّه قد شرّعت "الصلاة تنزيهاً من الكِبَر"، لأنّها هي التي تخلق روح التواضع عند الإنسان بسبب تواضعه العملي أمام الله سبحانه، ومن خلال تواضعه لله وشعوره بعبوديّته له، وبأنّه يتساوى مع الناس في العبودية، يشعر بأنّه لا بدّ أن يتواضع للنّاس كلّهم.

الزكاة تزكية ونماء:

"والزكاة تزكية للنّفس ونماءً في الرزق"، هنا عالجت الزهراء (عليها السلام) الزكاة من خلال نتائجها الروحية والمادية، لأنّ نتائج الزكاة الاجتماعية أمر لا يحتاج إلى شرح وبيان، باعتبار أنّه لا إشكال بأنّ الزّكاة تمثّل حلاًّ احتياطياً لمشاكل الإنسان في حاجاته، فالزهراء (عليها السلام) لم تتحدّث عن الزّكاة من خلال نتائجها الاجتماعية، لأنّ النتائج الاجتماعية للزكاة هي أمر واضح بيّن، بل أرادت أن تتحدّث عن الزكاة في نتائجها الروحية والمادية في حياة الإنسان المزكّي، على أساس أنّ المطلوب تشجيع الإنسان على الزكاة من خلال بيان النتائج العملية التي تعود عليه بالنفع.

ولذلك تحدّثت (عليها السلام) عن هذا الجانب كما تحدَّث القرآن عن الزكاة في جانبها الروحي وتأثيرها على روحية الشخص المزكّي، كما في الآية الكريمة التي تقول: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة : 103]، فالله تعالى أراد للنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أن يبيّن للنّاس الذين يأخذ منهم الزكاة، أنّها لا تمثّل مجرّد حركة مادية في العطاء، ولكنّها تمثّل ارتفاعاً في روحية العطاء، بحيث يشعر الإنسان بطهارة نفسه عندما تنفتح على إيثار الإنسان الآخر المحروم، وعندما تنفتح على حاجاته وعلى آلامه قربة إلى الله، فتحقّق للمعطي نوعاً من تزكية النفس ومن طهارتها. وسيّدتنا فاطمة (عليه السلام) لما قالت: "الزكاة تزكية للنفس" كانت تستهدي الآية المتقدّمة.

وهكذا كانت (عليها السلام) تستوحي القرآن في الفقرة الثانية: "ونماءً في الرزق" فإنّ الله سبحانه يقول: {وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم : 39]، باعتبار أنّ المزكّي عندما يعطي قرشاً فإنّ الله يضاعف له ذلك أضعافاً مضاعفة، والله يضاعف الأشياء بدرجات متفاوتة {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً} [البقرة : 245]، {مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ} [البقرة : 261].

الصوم تثبيت للإخلاص:

"والصيام تثبيتاً للإخلاص"، فأن تصوم هو أن تعمِّق إخلاصك لربّك، وأن تعيش في داخل نفسك روح التقوى وتقوِّي إرادتك بالانفتاح على الله سبحانه وتعالى بدل أن تقويّها بالأسباب المادية، لأنّ هناك فرقاً بين شخص يقوم بأعمال تقوّي إرادته بالطريقة المادية، كالذي يتدرّب بالأساليب المتعارفة للتدريب الجسدي، أو يريد أن يخفِّف وزنه فيقوم بالأعمال الرياضية المناسبة لذلك، وبين شخص يقوّي إرادته بين يديّ الله ويتدرّب أمام الله وفي سبيله.

ففي الثانية أنت تصوم عن طعامك وشرابك وشهواتك قربة إلى الله تعالى، وتمارس ذلك في رقابة الله التي لا تقارنها رقابة الناس، وفي الأولى أنت تفعل ذلك رئاء الناس، ولكي لا يثقلك الناس بكلماتهم الجارحة ونحوه من الدوافع الذاتية، وهذه السرِّية هي التي ميّزت الصوم عن الصلاة، لأنّه في الصلاة قد يراك الناس وأنتَ تصلّي، أمّا في الصوم فالعملية سرّية غالباً لا يطّلع عليها إلاّ الله، ولذا جاء في الحديث: "الصوم لي وأنا أجزي به"(1)، ذلك أنّ الصوم لا يتحقَّق الرّياء فيه إلاّ إذا نطق به الإنسان، لماذا؟ لأنّ الصوم هو حركة حرمان الجسد بشكلٍ صامت من خلال الحالة الروحية الموجودة في الداخل.

لذلك نلاحظ أنّ الله يتحدّث عن الصوم بأنّه وسيلة التقوى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة : 183]، ومن الطبيعي أنّ التقوى تحتاج إلى إرادة، فتقوى الفكر ـــ مثلاً ـــ تحتاج إلى إرادة، فعندما يغريك الشيطان بأن تحرّك فكرك في التخطيط للشرّ، لأنّ هناك منافع آنية ودنيوية في التخطيط للشرّ، تحتاج ـــ عندئذٍ ـــ إلى إرادة إيمانية قويّة تمنعك من ذلك.

وكذلك تقوى العاطفة، عندما يجذبك الشيطان من أجل أن تتحرّك في عاطفتك لتحبّ مَن أبغضه الله أو لتبغض مَنْ أحبّه الله نتيجة بعض العوامل والمصالح، فتحتاج إلى إرادة تضبط مشاعرك وأحاسيسك وتجعلها تتحرّك في الخطّ المستقيم.

وهكذا بالنسبة إلى تقوى العمل عندما يتحرّك الإنسان في الحياة، وفي هذه النقطة يلتقي دور الصوم بدور الصلاة ولكن في جانبٍ آخر، حيث إنّه ـــ أي الصوم ـــ يحقّق للإنسان الإرادة النابضة بالروح والمرتكزة على الانفتاح على الله، فكأنّك تقول لربّك في صومك: يا ربّ إنّني أصوم من أجل أنْ أُحقِّق لنفسي في هذا الصوم القوّة على الصوم الكبير، لأنّ الله سبحانه وتعالى فرض علينا في شهر رمضان أن نصوم عن بعض ما اعتدناه في النهار وهو الصوم الصغير، وفرض علينا في العمل كلّه أن نصوم عن المحرّمات كلّها، وهو الصوم الكبير، وهذا هو هدف الصلاة وغايتها، فإنّها تنهى عن الفحشاء والمنكر.

والحاصل أنّ الله جعل هذه الثلاثين يوماً فترة تدريبيّة في حضرته، أي أنّه يراقبك وأنتَ تتدرّب، والذي يتدرّب أمام الله، فمن الطبيعي أن يكون تدريبه مركّزاً، ولا بدّ أن يعمل على النجاح في هذه الدورة التدريبية، لاسيّما إذا عرف أنّ دور الصوم مستقبلي وليس دوراً يتحرّك في الحاضر فقط.

وهذا ما أرادت الزهراء (عليها السلام) أن تنبّه عليه بقولها: "والصيام تثبيتاً للإخلاص"، لأنّه يصفّي روح الإنسان أمام الله، بحيث تنطلق التقوى من عمقه، فلا يكون فيه شيء لغير الله سبحانه وتعالى.

بالحجّ يشاد الدّين:

"والحجّ تشييداً للدّين"، لأنّ الحجّ يجمع الناس على طاعة الله حول الكعبة، وفي تلك المناسك والمشاعر، وذلك {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} [الحج : 28]، منافع دنيويّة وأخروية، مادية ومعنوية.

وكلّما انطلق الحجّ في معناه الحقيقي أكثر، كلّما استطاع أن يعطي القوّة في الدّين أكثر، من خلال إشعار المسلمين بأنّهم موحّدون في عبادتهم كما هم موحّدون في عقيدتهم، ومن أجل أن يتوحّدوا في حركتهم في الحياة وفي مواجهة التحدّيات التي تريد إسقاط الهيكل على رؤوس الجميع.

كما أنّ أسرار الحجّ ـــ التي تجعله تشييداً للدّين ـــ الدعوة إلى الله والعمل على تعريف المسلمين الذين يتفقّدون في بلدانهم إلى الموجّه والمرشد، تعريفهم بدينهم وتعاليمه وأحكامه، لذلك فإنّ الحجّ أراده الله سبحانه وتعالى ساحة للعبادة وللعلم وللتعاون وللتشاور، وبذلك يمكن أن يشيّد الدّين على الأساس الثابت والمتين.

القسم الرابع: العدل والإمامة وأسرار أخرى للتشريع:

العدل تنسيق للقلوب:

"والعدل تنسيقاً للقلوب"، هذه الكلمة تستدعي التأمُّل والتحليل، لأنّ مسألة العدل هي من المسائل التي تتّصل بالواقع الخارجي للحياة الاجتماعية للأُمّة، لأنّه بالعدل يصل كلّ إنسان إلى حقّه، وبذلك يعمّ الخير في الناس وتقلّ الصراعات والمعارك.

إذاً ما هي علاقة العدل بالقلوب وبتنسيقها وجمعها مع بعضها البعض؟

لقد قلنا في التعليق على بعض الفقرات السابقة، إنّ الزهراء (عليها السلام) تتحدّث في بعض العناوين عن تأثيرها في الداخل الإنساني، لأنّ تأثيرها في الخارج الإنساني أمر واضح بيّن لا يحتاج إلى بيان، فالعدل في حركيّته الإنسانية وفي واقع العلاقات بين الناس، ودوره في وصول كلّ إنسان إلى حقّه، يهيّئ الرّخاء والسلام والتوازن في الواقع الاجتماعي، وهذا أمر بيِّن لا يكاد يخفى على أحد، ولذا لم تركّز عليه الزهراء (عليها السلام)، وإنّما ركّزت على مسألةٍ أخرى، وهي تأثير العدل في علاقات الناس مع بعضهم البعض، فيما ينفتح فيه قلب على قلب، لأنّ الظلم ينتج الكثير من التعقيدات النفسية والكثير من الأحقاد الذاتية، ذلك لأنّ أيّ إنسان يُضطهد في حقّه، فمن الطبيعي أن يحمل لمضطَهده مشاعر الحقد والعداوة والبغضاء، ما يجعل من الظلم مشكلة للعلاقات الإنسانية في دائرة المشاعر، كما هو مشكلة لواقع الإنسان في دائرة العلاقات الاجتماعية القائمة على أساس الحقوق، لذلك أرادت الزهراء (عليها السلام) أنْ تؤكّد قيمة العدل في جمع القلوب وتنسيقها، لأنّ المجتمع إذا كان قائماً على إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه، فإنّ من الطبيعي أن يبعد ذلك الكثير من المشاعر السلبية في علاقة الناس مع بعضهم البعض، وهذا هو الذي يهيّئ لحركة السلام الاجتماعي أن تسود، لأنّ غالب المؤثّرات في إيجاد الحروب أو في إبعاد حركة السلام عن الواقع هي العقد النفسية التي يحملها بعض الناس.

ولهذا كلّما خفَّت هذه العقد، قلَّت مؤثّرات إيجاد الحروب والمنازعات، والله العالِم.

الطاعة والإمامة:

ثمّ تقول (عليها السلام): "وطاعتنا نظاماً للملّة"، أي أنّ طاعة أهل البيت (عليهم السلام) سبب لانتظام أمور المسلمين، وذلك باعتبار أنّهم يمثّلون القيادة الشرعية التي لو أعطيت زمام الأمور، لحملت الناس على المحجّة البيضاء وركّزت أُسس التوازن في المجتمع، بحيث يأخذ كلّ ذي حقٍّ حقّه، وتتحرّك الخطوط الشرعية في تنظيم المجتمع في القضايا الخاصّة والعامّة.

وبذلك فإنّ انسجام المجتمع والأُمّة مع القيادة الشرعية الحكيمة القويّة التي لا تأخذها في الله لومة لائم وتتحرّك على أساس المصالح العامّة، هو الذي يحقّق العزّة والاستقرار في المجتمع، وإلاّ إنْ لم تنسجم الأُمّة مع قيادتها الشرعية، فلن تستطيع هذه القيادة أنْ تحقِّق ما تصبو إليه، لِمَا ستواجهه من مشاكل ومتاعب، كما كان الحال على عهد أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي قال وهو يعبِّر عن ذلك: "ليس أمري وأمركم واحداً، إنّني أريدكم الله وأنتم تريدونني لأنفسكم"(1)، وما صرَّح به بقوله: "أتأمرونني أنْ أطلب النّصر بالجور فيمن ولّيت عليه، والله ما أطور به ما سمر سمير وما أمَّ نجمٌ في السّماء نجماً، لو كان المال لي لسوّيت بينهم، فكيف وإنّما المال مال الله"(2).

من هنا، فإنّ المجتمع عندما يطيع القيادة الشرعية، فمن الطبيعي أن يعيش الاستقرار ويتوصّل إلى العزّة والكرامة وتتحقَّق أهدافه.  

 

 

الإمامة أمان:

وتضيف (عليها السلام): "وإمامتنا أماناً من الفرقة"، لأنّ هذه الإمامة انطلقت من خلال الخطّ الإلهي ومن خلال التنصيص الإلهي، لذلك فإنّ المسلمين عندما يلتقون عليها فإنّهم يلتقون على أمر الله في السير على خطاها وفي الالتزام بها، وبذلك يبتعدون عن كلّ ما يوجب الفرقة، لأنّ الفرقة إنّما تنطلق من خلال اختلاف الأهواء والاتجاهات. أمّا إذا كانت المسألة منطلقة من أمر الله ونهيه، فإنّ المسلمين من موقع إسلامهم ينبغي أن لا يختلفوا عليها، سيّما بملاحظة ما ترتكز عليه من خطوط تنطلق من الله وتنتهي إليه.

الجهاد عزّ للإسلام:

"والجهاد عزّاً للإسلام"، لأنّ الجهاد يمثّل التحدّي للكفر في جانب وردّ التحدّي في جانبٍ آخر، ويمثّل مواجهة الاستكبار والظلم في مواقعه كلّها.. وبذلك يعطي الجهاد عزّاً للإسلام عندما يدفع المسلمين لمواجهة التحدّيات المفروضة عليهم، والهجوم الذي يشنّ ضدّهم، والضغوط التي تفرض عليهم، فيصنعون نصراً حاسماً في ساحات الجهاد، أو يُقتلون وهم أعزّة شرفاء، وإنّنا نلاحظ أنّه لم يسقط المسلمون في واقع الذلّ إلاّ بعد أن تركوا الجهاد وأقبلوا على حالة الاسترخاء واستسلموا لكلّ فاتح مستكبر.

"وذلاًّ لأهل الكفر والنفاق"، فمن الطبيعي أنّه كلّما عزّ الإسلام في ساحة الصراع أكثر وفي ساحة التحدّي ورد التحدّي، ذلَّ الكفر والنفاق أكثر.

 

 

 

الصبر موجب للأجر:

"والصبر معونة على استيجاب الأجر"، من نتائج الصبر العمليّة والواقعيّة، أنّه يمدّ بالعزم والقوّة في مواجهة نقاط الضعف النفسية وحالات الحرمان والضغوط والابتلاءات التي تجابه الإنسان وتزلزل موقفه أو تنحرف به عن خطّ الاستقامة.

والصبر يمثّل الحركة الإنسانية التي تنطلق إيجابيّة في داخل الإنسان وسلبية في الظاهر، باعتبار أنّ الصابر يصمد، ولا يتحرّك بردّة فعل، فهو سلبي في الصورة، ولكنّه إيجابي في المضمون وفي الواقع، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان : 17].

هذه بعض معاني الصبر وأسراره، ولكنّ الزهراء (عليه السلام) لم تشأ الحديث عنها ربّما لوضوحها، وإنّما أرادت أن تتحدّث عن أجر الصبر كما تحدّث القرآن عنه في أكثر من آية، لتشجّع الناس عليه وتبيّن أجر الصبر الذي قد يغفل عنه الكثيرون، فكان حديثها حديث الدعوة إلى الصبر لا حديث بيان فلسفة الصبر وطبيعته.

ومن الطبيعي أنّ الأجر الذي يناله الإنسان على الصبر يختزن في داخله كلّ ما يعنيه الصبر من ثبات على المبدأ، ومن صلابة في موقف الإنسان مع الله أمام الشدائد والأهوال والأخطار، لأنّ الله إنّما يثيب الإنسان بالحجم الذي يمثّله عمله، ولعلّنا لم نجد عملاً يحمل من الثواب كالذي يحمله الصبر، ومن الطبيعي أن يثيب الله على العمل الذي يرتفع في مستوى القيمة إلى أن يكون القاعدة التي ترتكز عليها التقوى كلّها والإيمان كلّه، بأكبر الثواب وأحسنه.

ولذلك فإنّ الزهراء (عليها السلام) عندما تقول: "والصبر معونة على استيجاب الأجر"، فإنّها تقصد الصبر بما له من القيمة الكبرى عند الله سبحانه وتعالى، من حيث علاقته بثبات الإيمان في نفس الإنسان في مواجهته لقضايا الانحراف.

ونحن نقرأ في كلمات عليّ (عليه السلام) وهو يعدِّد الخصال الخمسة التي ذكر أنّها "لو ضربت إليها آباط الإبل لكانت لذلك أهلاً"، يقول (عليه السلام): "وعليكم بالصبر، فإنّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه"(1).

وهكذا هي كلمة الإمام الباقر (عليه السلام) لبعض أصحابه: "كلّ أعمال البرّ بالصبر يرحمك الله"(2). وقد جعل القرآن قيمة الصبر أعلى قيمة، كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر : 10]، {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ*أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 ـــ 157].

وقد أرادت الزهراء (عليها السلام) أن تستنطق المعنى القرآني في حديثها عن أجر الصبر، والمعنى القرآني للصبر يختزن كلّ ما في الصبر من خصائص، من حيث إنّه يمثّل القيمة العملية الكبرى التي تزيد الإنسان ثباتاً وإيماناً في كلّ خطواته في هذه الحياة.

الأمر بالمعروف مصلحة العامّة:

ثمّ انطلقت للحديث عن الأمر بالمعروف فقالت: "والأمر بالمعروف مصلحة للعامّة"، باعتبار أنّه يمثّل حركة النقد الاجتماعي وحركة التكامل الاجتماعي في عملية إصلاح الواقع، لأنّ الناس إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ضَعُفَ المعروف وقَوِيَ المنكر، وهذا ما ورد في الحديث النبويّ الشريف: "لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنَّ عن المنكر أو ليسلطنَّ الله شراركم على خياركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم"(1).

إنّنا نستوحي من هذا أنّ المجتمع إذا كان لا يمارس الرقابة العملية على بعضه البعض في المعروف العملي والمنكر العملي، فإنّ الذين يصنعون المنكر ويسقطون المعروف سوف يسيطرون على المجتمع وهو غافل عنهم، ما يسبّب إفساداً في الواقع وضرراً على عامّة الناس.

برّ الوالدين وقاية:

"وبرّ الوالدين وقاية من السخط"، لأنّ برّ الوالدين يخلق في نفسيهما حالة من المحبّة والرضا والطمأنينة، وبذلك تنفتح قلوبهما لأولادهما، فتتحرّك المحبّة والرضا بدل السخط. ولا بدّ أن نعرف حقيقة التخطيط في الإسلام بالتدرّج في عملية نشر المحبّة بين الناس، فلقد بدأ بالوالدين ثمّ ثنّى بالأرحام، ثمّ انطلق إلى الدوائر التي تلتقي في جانب العقيدة {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات : 10]، وانطلق بعد ذلك إلى الدائرة الكبرى التي يلتقي فيها الناس بالإنسانية، من أجل أن تهيّئ كلّ دائرة في العلاقات الإنسانية للدائرة الكبرى، فإذا تعلّم الإنسان أن لا ينهر أبويه وأن يرحمهما وأن يذكر جميلهما بالرغم من إساءتهما له، فإنّ ذلك يمثّل تجربة غنيّة حيّة في أن ينفتح على أرحامه ويصلهم وإنْ قطعوه، وذلك يساعده على الانفتاح على أهل دينه وعلى الناس أجمعين.

فهذه الدوائر التي دعانا الله إلى الانفتاح عليها تمثّل دائرة تقوّي دائرة أخرى، ودائرة تنفتح على الدائرة الأخرى، فالدائرة الصغيرة تنفتح على المتوسطة، والدائرة المتوسطة تنفتح على الدائرة الإنسانية الكبرى، وهذا ما لخَّصه أمير المؤمنين (عليه السلام) عندما تحدَّث عن دائرتين كبيرتين في علاقات الناس مع بعضهم البعض، فقد قال مخاطباً مالك الأشتر عندما ولاّه مصر: "وأشعر قلبك الرحمة للرعيّة والمحبّة لهم واللّطف بهم، ولا تكوننَّ عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان، إمّا أخٌ لكَ في الدِّين، أو نظيرٌ لكَ في الخلق"(1).. فالدائرة الإسلامية تدور في نطاق ما جعل الله للمؤمن على المؤمن من حقّ، والدائرة الإنسانية تدور في ما أراد الله للإنسان أن ينفتح على الإنسان الآخر من خلال مشاعره الإنسانية.

صلة الرحمن تطيل العمر:

"وصلة الأرحام منسأة في العمر"، وقد كثرت الأحاديث الدّالة على أنّ صلة الرحم تزيد في العمر، ففي الحديث عن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: "قال الحسين (عليه السلام): مَنْ سرّه أن يُنسأ في أجله ويزاد في رزقه فليصل رحمه"(2)، وفي الحديث عن مولانا الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن عليّ (عليه السلام) قال: "قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): إنّ الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين، فيصيرها الله عزّ وجلّ ثلاثين سنة، ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيصيرها الله ثلاث سنين، ثمّ تلا (عليه السلام): {يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد : 39]، وحدّث بحديثٍ آخر بهذا الإسناد المبارك نفسه عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: "صلة الرحم تعمّر الديار وتزيد في الأعمار وإنْ كان أهلها غير أخيار"(3)، كما أنّ صلة الرحمن تنمّي المال وتبارك في الأولاد، وهذا ما أشارت إليه (عليها السلام) بقولها: "ومنماة للعدد"، وهذا ما أشارت إليه أحاديث كثيرة، ففي الحديث عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "إنّ صلة الرحم مثراة في المال ومحبّة في الأهل ومنسأة في الأجل"(4)، وعن الإمام الرضا (عليه السلام) عن آبائه قال: "قال محمّد بن عليّ (عليه السلام): صلة الأرحام وحسن الجوار زيادة في الأموال"(5)، وعن الصادق (عليه السلام): "إنّ صلة الرّحم تزكّي الأعمال وتنمِّي الأموال وتيسِّر الحساب وتدفع البلوى وتزيد في العمر"(1). وهذان الأثران لصلة الرحم ـــ وهما ما أشارت إليهما الزهراء (عليها السلام) ـــ هما من الأسرار الإلهية.

حكمة القصاص والوفاء بالنذر:

"والقصاص حقناً للدماء"، والله تعالى يقول: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ} [البقرة : 179].

"والوفاء بالنذر تعريضاً للمغفرة"، لأنّ النذر يمثّل التزاماً منك أمام الله، ويمثّل عهداً بينك وبينه، ولذلك عندما تفي بنذرك فإنّك تعبّر عن وفائك بالتزامك أمام الله، وإذا كان هذا يمثّل الالتزام في هذه المفردة الصغيرة، فإنّه يعطي خطّاً للالتزام في الدوائر الكبرى، لأنّ الإنسان إذا حصل على طاقة وقوّة من خلال التزامه بطاعة الله في جانب، فإنّ ذلك يقوّي الطاقة في الجوانب الأخرى، فيغفر الله له على أساس ما يطّلع عليه من طهارة قلبه، وما يراه من وفائه بالتزامه أمام ربّه، وقد حدّثنا الله عن أهل البيت (عليه السلام) ووصفهم بأنّهم {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً} [الإنسان : 7].

وفاء المكيال:

"وتوفية المكاييل والموازين تغييراً للبخس"، فعندما نفي بمكاييلنا وموازيننا، فإنّنا نعطي كلّ إنسان حقّه كاملاً غير منقوص، سواء في ما نزن به ونكيله، أو في ما نعدّه ونذرعه، لأنّ المكاييل والموازيين ذكرت باعتبار أنّها الغالب، فهي كناية عن عدم البخس في كلّ حقّ له كمية معيّنة، سواء كانت عدديّة أو وزنية أو مكيالية أو غير ذلك، فالله أمر بتوفية المكيال والميزان من أجل تغيير الواقع الذي كان سائداً، والذي يربك الحياة الاقتصادية وينشر المشاكل بين الناس، قال تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ*الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ*وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: 1 ـــ 3].

فقد أراد الله للنّاس عندما أمرهم بأن لا يطفّفوا المكيال والميزان وأن يفوا المكيال والميزان، تغيير هذا الواقع الذي كان منتشراً بينهم، ولذلك قال: {وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ} [هود : 85].

النهي عن الخمر تنزيه عن الرّجس:

"والنهي عن شرب الخمر تنزيهاً عن الرّجس"، باعتبار أنّ الخمر يمثّل الرجس المعنوي والرّجس المادي من خلال تأثيراته السلبية على عقل الإنسان وروحه وعلى بدنه وصحّته وعلى الواقع الاجتماعي من حوله، وقد قال الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة : 90].

اجتناب القذف:

"واجتناب القذف حجاباً عن اللعنة"، لأنّ الإنسان إذا قذف الناس لعنوه أو قذفوه. فاجتنابه قذف الآخرين هو تنزيه لنفسه وعرضه، وصيانة لكرامته من أن تنال وتنتهك، ولهذا فإنْ لم يكن الإنسان مهتماً باجتناب غضب الله الذي توعَّد به الذين يقذفون أعراض الآخرين، فليهتم بأن يجنّب عرضه من الانتهاك وأن يبعد نفسه عن مواطن اللّعن.

 

 

 

ترك السرقة:

"وترك السرقة إيجاباً للعفّة"، عفّة اليد عن أموال الناس، وقد ورد في عدّة أحاديث أنّه "ما عبد الله بشيء أفضل من عفّة بطن أو فرج"(1)، وجاء في حديث أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلماته القصار: "أفضل العبادة العفاف"(2).

تحريم الشرك:

"وحرَّم الله الشرك إخلاصاً له بالربوبيّة"، لأنّ الشرك يمثّل ابتعاداً عن الإخلاص لله تعالى، فعندما نجعل له شريكاً في الربوبية، فإنّ هذا يعتبر ابتعاداً عن الإخلاص لله سبحانه وتعالى، وتمرُّداً على حقّه في التوحيد، ثمّ استشهدت (عليها السلام) بقوله تعالى: {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [آل عمران : 102]، وكأنَّ الزهراء (عليها السلام) أرادت من خلال إنهاء هذا الفصل بهذه الآية، أنْ تبيّن لهم الحقّ العام الذي ينبغي لهم أن ينتهجوه، وهو أنْ يتّقوا الله  كأعلى ما تكون التقوى وكما ينبغي له أنْ يتّقى، في الالتزام بكلّ أوامره ونواهيه، والانفتاح على كلّ ما يحبّه حتّى ممّا لم يلزم الناس بفعله، والابتعاد عن كلّ ما يكرهه حتّى ممّا لم يلزم الناس بتركه.

فتقوى الله هي أن تحسب حساب الله في كلّ شيء، تحسب حسابه في كلّ ما تفكِّر فيه لتكون لكَ تقوى الفكر، وفي كلّ ما تتعاطف معه لتكون لك تقوى العاطفة، وفي كلّ ما تتحرّك فيه لتكون لك تقوى العلاقة بالآخرين وتقوى الحركة بين النّاس {اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ}، ولتستمرّ هذه التقوى في كلّ حياتكم، فلا تمثّل مجرّد مرحلة من مراحل حياتكم، بل لا بدّ من أن تكون مستمرة إلى حين الموت {وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ}، وكلمة الإسلام بحسب معناها القرآني هي تعبير عن التقوى، لأنّ قضية الإسلام هي أن تسلِّم وجودك كلّه لله {قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام : 162]، والإسلام لله هو أن تلتزم أمره ونهيه وكلّ ما يحبّه ويرضاه في حياتك الذاتية والأخلاقية والاجتماعية والسياسية والأمنية والاقتصادية، ليكون وجودك في مظاهره ومواقعه كلّها إسلاماً لله سبحانه وتعالى.

"وأطيعوا الله في ما أمركم به و(ما) نهاكم عنه، فإنّه إنّما يخشى الله من عباده العلماء".. وكأنّي بالزّهراء (عليها السلام) تقول لهم: كونوا العلماء بالله، وكونوا العلماء بدينه، وكونوا العلماء بمسؤولياتكم أمامه، لأنّكم كلّما عرفتم الله أكثر كلّما خفتموه واتّقيتموه أكثر.

وهكذا انطلقت الزهراء (عليها السلام) من خلال هذه الأطروحة الثقافية وهذه الموعظة الأخلاقية التي ركّزت على تقوى الله والابتعاد عن مواقع سخطه، لتتحدّث عن قضيّتها معهم ومظلوميّتهم لها، فكان ذلك بمثابة المدخل لتنفذ من خلاله إلى مسألة منعها من إرثها وحقّها في فدك.

القسم الخامس: الدفاع عن الحقّ والحقيقة:

حديث الزهراء (عليها السلام) عن شخصيّتها:

ونبقى مع سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) في الفصل الجديد الذي تعلن فيه عن شخصيّتها في مستوى العنفوان، لتواصل حديثها مع المهاجرين والأنصار، من خلال استعراض دور رسول الله من جديد، ومن ثمّ تبيّن دور عليّ (عليه السلام) مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).

فهي إنّما تعلن عن شخصيّتها ليس من منطلق ذاتي، ولا لأنّها مجهولة لديهم، بل لتؤكّد أنّها إنّما تتحدّث معهم وهي التي لا تخطئ في قول ولا تبتعد عن الحقّ ولا تتجاوز الحدود الفاصلة بين الحقّ والباطل، فكأنّها تريد أن تقول لهم إنّ الله عصمني من الخطأ في كلّ أقوالي وأفعالي ومن أي تجاوز عن الحقّ: "أيُّها الناس اعلموا أنّي فاطمة وأبي محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، أقول عوداً وبدواً، ولا أقول ما أقول غلطاً، ولا أفعل ما أفعل شططاً، لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم عزيزٌ عليه ما عنتُّم حريصٌ عليكم بالمؤمنين رؤوفٌ رحيم"، وفي استشهادها بهذه الآية تريد أن تقول لهم إنّ الله أرسل لكم أبي من داخل مجتمعكم، فهو ليس بعيداً عنكم بل هو بشرٌ مثلكم، ولكنّ الله ميَّزه بالوحي والرسالة بكلّ ما يختزنانه من أسرار الشخصية في قداستها وقربها من الله.

صفات النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم):

إنّها تقول: لقد كان أبي يحمل في قلبه الهمّ والألم لما يشاهده من المشقّة التي تعيشون فيها، وكان يعزّ عليه ذلك، وكان يحرص عليكم أن لا تضيعوا وأنْ لا تضلُّوا وأنْ لا تسقطوا، وكان الرؤوف الرحيم بكم وبكلّ قضاياكم وتطلُّعاتكم، فكأنّي بها تريد أن تقول إنّ أبي كان بهذه الروح في رعايته لكم في حياته، ولا تزال روحه تطلّ عليكم وهو في عليائه في رحاب ربِّه {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [التوبة : 128]، ولذلك فإنّه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ومن خلال ما يطلعه الله على أوضاعكم، وعلى الفوضى الجديدة التي حلَّت بكم، وعلى الفتنة التي فتكت في مجتمعكم، يعزّ عليه ذلك، لأنّ ذلك يجلب لكم المشقّة، وهو يحرص على أن  تخرجوا من ذلك، لأنّ بقاءكم فيه يمكن أن يوقعكم في الكثير من مشاكل الحياة ومتاعب الآخرة.

ولذلك فمن رأفته ورحمته أنّه يريد لكم أن تخرجوا من هذا النفق، وأنا التي لا تقول خطأً ولا تتجاوز عن الحقّ، أعيش روحه وحرصه وهمّه في كلّ ما يشقّ عليكم، "فإن تعزوه وتعرّفوه" إذا أردتم أن تنسبوه "تجدوه أبي دون نسائكم"، فأنا ابنته الوحيدة.. ولم تقتصر على الحديث عن نفسها في علاقتها برسول الله، وإنّما أوردت اسم عليّ (عليه السلام) "وأخا ابن عمّي دون رجالكم"، لأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) آخاه بعد أن آخى بين المهاجرين والأنصار، فكانت الأخوّة التي اختاره لنفسه هي أخوّته لعليّ (عليه السلام).

"ولنعم المعزى إليه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)"، يعني لنعم المنسوب إليه، فعندما ينتسب أي إنسان إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، سواء بالنبوّة أو بالأخوّة. فإنّ ذلك يمثّل الشرف كلّ الشرف، ويمثّل العظمة كلّ العظمة. وهنا نتساءل: هل كانت الزهراء (عليها السلام) وهي تتحدّث عن انتمائها إليه بالنبوّة وانتماء عليّ (عليه السلام) إليه بالأخوّة، هل كانت تتحدّث عن القرابة؟ والجواب: كلا، لأنّ الإسلام لم يعتبر القرابة في ذاتها ـــ بقطع النظر عمّا يختزنه القريب من خصائص تجعله في مستوى الكفاءة ـــ وسيلة من وسائل القيمة الكبرى، فأقرباء رسول الله كثيرون، ولكنَّ الله ميَّز أهل البيت عن أقربائه كلّهم، وقد قلنا إنّ لرسول الله عدّة بنات، كما هو وارد في كتب التاريخ، وكما يظهر من القرآن، لكنّه ميَّز ابنته فاطمة (عليها السلام) عن أخواتها، وكما يقول أمير الشعراء أحمد شوقي:

ما تمنَّى غيرها نسلاً ومَنْ          يَلِد الزهراء يزهد في سواها

فبماذا امتازت فاطمة (عليها السلام)؟

إنّ ما نستوحيه من كلامها أنّها تريد أن تقول إنَّ ميزتي أنّي ابنته، رُبّيتُ في حجره وعشت معه أتنفَّس كما يتنفَّس، وأعيش الآفاق التي عاشها في اللّيل والنهار، وأعيش ابتهالاته ودعواته وروحانيّته كلّها، وأتعلَّم منه كلّ ما لديه من علم. فهي ابنته بالروح وبالعقل وبالقلب كما هي ابنته بالجسد، وهكذا هي أُخوّة عليّ له (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ليست أُخوّة تقليدية أو نسبية، ولكنّها أخوّة هارون لموسى (عليه السلام): "أنتَ منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي"(1)، هي أخوّة العقل والروح والقلب والجهاد وكلّ ما ينفتح عليه الجوّ النبوي الرسالي من آفاق.

ثمّ بدأت تذكّر الناس بنشاط رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وبموقع عليّ (عليه السلام) في هذا النشاط، لتقارن بين المرحلة التي عاشها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) والأهداف التي استهدفها والقضايا التي ركّزها، وبين المرحلة الجديدة التي يعيشون فيها.

"فبلّغ الرسالة صادعاً بالنذارة"، صدع بما أراد الله أن ينذر الناس به، "مائلاً عن مدرجة المشركين"، يعني عن مذهبهم وعن مسلكهم، "ضارباً ثبجهم" والثبج هو وسط الشيء ومعظمه، وهذا كناية عن كونه لا يبالي بكثرة المشركين واجتماعهم ولا يداريهم بالدّعوة، بل كان ينطلق في وسطهم وفي قلب مجتمعهم غير آبه لعددهم وكثرتهم، "آخذاً بأكظامهم، داعياً إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة"، استجابة لقول الله: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل : 125].

"يكسّر الأصنام"، فلقد كسَّر الأصنام بشكلٍ غير مباشر من خلال جهاده الذي جعل قوّة مجتمع الأصنام تتهاوى، وقد حطَّمها عليّ (عليه السلام) بشكلٍ مباشر عندما ارتفع على منكبي النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بأمرٍ منه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ليكسِّر الأصنام المنصوبة على الكعبة(1).

"وينكث الهام" والمقصود بالهام الرأس، والنكث هو إلقاء الرجل على رأسه، فهذا كناية عن أنّه يقتل المشركين بأن يسقط هاماتهم عن أجسادهم، "حتّى انهزم الجمع وولوا الدّبر، حتّى تفرّى اللّيل عن صبحه" يعني أسفر وانشقّ حتّى ظهر ضوء الصباح، "وأسفر الحقّ عن محضه" يعني أشرق وأضاء "ونطق زعيم الدّين" يعني سيّد القوم "وخرست شقاشق الشياطين" ويقال الشقشقة هي كالربّة التي يخرجها البعير من فيه إذا هاج، وهذه كناية عن خمود الأصوات التي كان المشركون يطلقونها في تحدّياتهم ضدّ الإسلام، "وطاح وشيظ النفاق"، والوشيظ هو السّفَلَة من النّاس، كناية عن هلاك السفلة الذين يمثّلون شخصية النفاق "وانحلّت عقد الكفر والشقاق، وفهتم بكلمة الإخلاص" يعني تفوّهتم بكلمة الإخلاص وهي كلمة التوحيد والإسلام "في نفر من البيض الخماص" وهم عدّة من الأشخاص الطاهرين المميّزين الذين لا يهتمون ببطونهم وإنّما يهتمون برسالتهم ومهمّتهم في الحياة.

"وكنتم على شفا حفرةٍ من النار" وهذا ما عبَّر عنه {إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} [آل عمران : 103] "مذقة الشارب" ومذقة الشارب هي أوّل شربته، أي كان الناس يشربونكم، كناية عن أنّكم كنتم قلّة كما هي مذقة الشارب عندما يشرب أوّل شربته، يتخطّفكم الناس نتيجة قلّتكم، "ونهزة الطامع" يعني فرصته في أنّه يجد عندكم ما يمثّله طمعه في استغلالكم بكلّ أنواع الاستغلال، "وقبسة العجلان" والقبسة هي الشعلة من النار التي تقتبس من معظمها. وفي الماضي لم تكن الإضاءة كما هي الآن، فربّما كان الشخص يذهب بعيداً ليبحث عن نار، كما في الآية {آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ} [طه : 10]، وهذه القبسة كان يأخذها صاحبها وهو عجلان حتّى لا تنطفى، "وموطئ الأقدام، تشربون الطرق"، والطرق هو ماء السماء الذي تورد به الإبل وتبوِّل وتتبعَّر فيه، وهو الذي يكون في الصحراء.

"وتقتاتون القدّ" وهو اللّحم المجفَّف اليابس، "أذلّةً خاسئين، تخافون أن يتخطَّفكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى بمحمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد اللّتيا واللّتي" و"بعد اللّتيا واللّتي" كناية عن الداهية، (فاللّتيا) الداهية الكبيرة (واللّتي) الداهية الصغيرة.

"وبعد أن مني ببهم الرجال وذئبان العرب ومردة أهل الكتاب"، وبُهمُ الرجال يعني الشجعان منهم، لأنّهم كما يقال لشدّة بأسهم لا يدرون من أين يأتون، و"ذئبان العرب" كناية عن لصوصهم وصعاليكهم الذين لا مال لهم ولا اعتماد عليهم.. والمردة العتاة المتكبّرون "كلَّما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن الشيطان"، يعني طلع قرن الشيطان، كناية عن جنوده وأشياعه وأتباعه، "أو فغرت فاغرة من المشركين"، فغرّ فاه أي فتحه، والفاغرة من المشركين الطائفة منهم التي تكشّر عن أنيابها لمحاربة النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فماذا كان يفعل (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في هذا الظروف؟

 

دور عليّ (عليه السلام):

"قذف أخاه"، وهنا جاء الحديث عن عليّ (عليه السلام) عندما كان النبيّ يُواجِه كلّ هذه الجماعات التي تريد أن تسقطه وتتحدّى رسالته وتقضي على أُمّته، "قذف أخاه في لهواتها"، "قذفه" يعني رماه وأرسله في لهواتها، واللّهوات جمع لهاة وهي اللّحمة في سقف الفم، وهذا كناية عن أنّه كلّما واجهته طائفة من المشركين أو عرضت له داهية عظيمة، بعث عليّاً (عليه السلام) لدفعها وصدّها وعرّضه للمهالك، "فلا ينكفئ ـــ فلا يرجع ـــ حتّى يطأ صماخها بأخمصه"، والصماخ هو ثقب الأذن أو الأذن نفسها، والأخمص ما لا يصيب الأرض من باطن القدم عند مشيها، "ويخمد لهبها بسيفه، مكدوداً في ذات الله"، متعباً مجهداً "مجتهداً في أمر الله، قريباً من رسول الله، سيّداً في أولياء الله".

والملاحظ هنا أنّها (عليها السلام) تتحدّث عن عليّ (عليه السلام) ابن عمّها وزوجها، لا من خلال الزوجية أو القرابة، ولكنّها تتحدّث عنه بصفة أنّه إمامها وسيّدها في حركة الرسالة، "مشمراً"، يعني مشمراً عن حياته كلّها باذلاً لها في سبيل الله، "ناصحاً مجدّاً كادحاً"، وكان عليّ (عليه السلام) الناصح للمسلمين جميعاً حتّى الذين اغتصبوا الخلافة منه، فها هو ينصح عمر بن الخطّاب عندما استشاره للشخوص بنفسه إلى قتال الفرس قائلاً: "ومكان القيِّم بالأمر مكان النِّظام ـــ السلك ـــ من الخرز يجمعه ويضمّه، فإن انقطع النظام تفرّق الخرز وذهب... فكن قطباً واستدرّ الرحى بالعرب، وأصلِهم دونك نار الحرب، فإنّك إنْ شخصت من هذه الأرض انتفضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتّى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك ممّا بين يديك، إنّ الأعاجم إنْ ينظروا إليك غداً يقولوا: هذا أصل العرب، فإذا اقتطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشدّ لَكَلَبِهم عليك وطمعهم فيك"(1)، وكان عليّ (عليه السلام) المجدّ الكادح في سبيل الله "لا تأخذه في الله لومة لائم".

 

تقريع المنافقين:

"وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون آمنون، تتربّصون بنا الدوائر"، أي تنتظرون أنْ تتحرّك صروف الزمان وحوادث الأيام لينزل البلاء علينا، "وتتوكّفون الأخبار" تتوقّعون أخبار المصائب والفتن النازلة بنا "وتنكصون عند النزال، وتفرُّون عند القتال، فلمّا اختار الله لنبيّه دار أنبيائه ومأوى أصفيائه، ظهر فيكم حسكة (حسيكة) النفاق"، والحسيكة هي العداوة، أي عداوة النفاق، "وسمل جلباب الدّين" وسمل: صار خلقاً بالياً، أي أنّه بُلي هذا الثوب، وذلك كناية عن ضعف الدّين في نفوسهم، "ونطق كاظم الغاوين" الكاظم هو الذي كان ساكتاً وقد منحته الفرصة بموت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أن ينطق ويتحدّث، "ونبغ خامل الأقلّين"، يعني ظهر الذي كان لا قيمة له وكان ساقطاً لا نباهة له، فقد أعطته الظروف الجديدة فرصة أن يظهر وأن يكون ذا قيمة "وهدر فنيق المبطلين" وهدر يعني أصدر صوتاً، والفنيق هو المكرّم من الإبل الذي لا يركب ولا يهان لكرامته على أهله، وتقصد أنّ الأشخاص الذين كانوا في كرامة من أهلهم ولكنّهم كانوا في خطّ الباطل، قد هدروا وانطلق صوتهم من جديد.

"فخطر في عرصاتكم" خطر البعير بذنبه إذا رفعه مرّة بعد أخرى وضرب به فخذيه، أي أنّ هذا الفنيق قد برز من جديد في ساحاتكم، "وأطلع الشيطان رأسه من مغرزه ـــ ما يختفي فيه ـــ هاتفاً بكم، فألفاكم ـــ وجدكم ـــ لدعوته مستجيبين، وللغرّة فيه ملاحظين" والغرّة هي الاغترار والانخداع، "ثمّ استنهضكم ـــ أي الشيطان ـــ فوجدكم خفافاً" تنطلقون بكلّ سرعة "وأحمشكم فألفاكم غضاباً"، أحمشكم يعني أغضبكم، فتحرّكتم بالانفعالات التي يريد لكم الشيطان أنْ تتحرَّكوا فيها، "فوسمتم غير إبلكم"، والوسم هو كيُّ الإبل وغيره من الحيوانات، وتقصد أنّكم انفتحتم على غير الموضع الذي أراد الله لكم أن تقفوه، فوسمتم غير إبلكم، مع أنّه كان من المفروض أن تسموا إبلكم، وتتصرّفوا بالأشياء التي هي لكم، ولكنّكم أعرضتم عمّا أنتم مسؤولون عنه وتعرّضتم لما ليس لكم فيه حقّ، "ووردتم غير مشربكم"، أي انطلقتم في غير الماء ينبغي أن تشربوه، وهذا أيضاً كناية عن المواقع التي أخذتم وليس لكم فيها حقّ، لأنّ الحقّ في الخلافة هو لغيركم، ولكنّكم انطلقتم إليها مسرعين، "هذا والعهد قريب"، فلم يمض على وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) إلاّ أيّام قلائل "والكلم رحيب"، والكلم هو الجرح ورحيب: واسع، "والجرح لمّا يندمل" بفقده "والرسول لمّا يقبر، ابتداراً زعمتم خوف الفتنة"؟! لماذا بادرتم قبل أن يدفن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟ لماذا لم تستشيروا أخاه وابن عمّه؟ استعجلتم خوفاً من الفتنة "ألا في الفتنة سقطوا وإنّ جهنّم لمحيطةٌ بالكافرين، فهيهات منكم" كناية عن التبعيد، يعني ابتعدتم عن الحقّ، "وكيف بكم، وأنّى تؤفكون وكتاب الله بين أظهركم"، لماذا هذا الانحراف؟ لماذا هذا البعد عن الحقّ؟ لماذا هذا الأخذ بالأكاذيب مع أنّ كتاب الله بين أظهركم "أموره ظاهرة، وأحكامه زاهرة" مشرقة بيّنة "وأعلامه باهرة، وزواجره لايحة، وأوامره واضحة، قد خلّفتموه وراء ظهوركم، أرغبةً عنه تريدون؟" أرغبتم عن القرآن؟ وقد أراد الله تعالى لكم أن تعتبروه قدوةٌ لكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور "أم بغيره تحكمون، بئس للظالمين بدلاً" مَنْ يبدِّل القرآن بغيره إلاّ الظالم "ومَن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يُقبَل منه وهو في الآخرة من الخاسرين"، والقرآن هو أساس الإسلام في قواعده وأحكامه وشرائعه كلّها.

حطب الفتنة:

"ثمّ لم تلبثوا إلاّ ريث أن تسكن نفرتها"، والمراد من النفرة هنا ذهابها وعدم انقيادها، يقال: نفرت الدابّة أي صعب الإمساك بها، وهذا يعني أنّكم لم تلبثوا إلاّ ريث أن يسكن هذا الهياج للدّابة أو هذا الاستعصاء في قيادها، "ويسلس ـــ يسهل ـــ قيادها، ثمّ أخذتم تورون وقدتها" أي لهبها، فتشعلون النار، "وتهيجون جمرتها" حتّى تبرز وتتوقَّد لتكون أشدّ إحراقاً، "وتستجيبون لهتاف الشيطان الغوي، وإطفاء أنوار الدّين الجليّ، وإهمال سنن النبيّ الصفي، تشربون حسواً في ارتغاء" والحسو هو الشرب شيئاً فشيئاً، والارتغاء هو شرب الرغوة، وهي اللّبن المشوب بالماء أو هو زبد اللّبن، ويضرب هذا الكلام مثلاً لمن يظهر شيئاً ويريد غيره، أو لمن يعينك ولكنّه يجرّ النفع إلى نفسه، فهو يوحي إليك بأنّه يريد إعانتك، ولكنّه في الحقيقة يجرّ النفع إلى نفسه، "وتمشون لأهله وولده في الخمرة والضرّاء" الخمرة هي ما واراك من شجر وغيره، يعني أنّكم تتحرّكون بشكلٍ سرّي ومخادع للمكر بأهل بيت النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، "ونصبر (ويصير) منكم على مثل حزّ المدى" مثل حزّ السكاكين "ووخز السنان في الحشا".

هكذا كانت سيّدة نساء العالمين (عليها السلام) تعيش ألم الواقع في انحرافه عن الخطّ المستقيم، باعتبار أنّها تعيش الرسالة كلّها في قلبها وعقلها، وتعتبر الرسالة حياتها كلّها.

ثمّ بدأت في الدفاع عن حقّها فقالت: "وأنتم الآن تزعمون أنْ لا إرث لنا"، لما تنسبونه إليه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورّث ما تركناه صدقة"، "أفحكم الجاهلية تبغون، ومن أحسن من الله حكماً لقوم يوقنون"، "أفلا تعلمون؟ بلى، قد تجلّى لكم كالشمس الضاحية أنّي ابنته"، وأنّ البنت ترث من أبيها.. وهنا دخلت الزهراء (عليها السلام) في الاحتجاج الفقهي القرآني على حقّها في الإرث.

القسم السادس: الاستدلال على حقّها في فدك:

الظاهر ـــ كما يبدو من بعض كتب السيرة(1) ـــ أنّ الزهراء (عليها السلام) طالبت بفدك في بداية الأمر، على أساس أنّها نحلة نحلها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لها، وعطيّة أعطاها إيّاها في حياته، ولكنّ القوم رضوا كلامها، باعتبار أنّه مجرّد دعوى تحتاج إلى بيّنة، وجاءت بعليّ والحسنين (عليهم السلام) وأم أيمن، لكنّ شهادتهم رُدَّت، هذا مع أنّ طلب البيّنة من فاطمة أمر عجيب ومخالف لقوانين باب القضاء الإسلامي، مثل قانون "على المدّعي البيّنة وعلى المنكر اليمين"، وقانون "اليد أمارة الملكية". ومن الواضح أنّ فدك كانت تحت يد الزهراء (عليها السلام)، وعليها عاملها، وكانت تستثمرها في حياة أبيها ـــ كما جاء في الروايات ـــ فلا تطالَب هي بالبيّنة لكونها صاحبة اليد واليد أمارة الملكية، ولا تطلب البيّنة من صاحب اليد، بل تطلب من المدّعي الذي يدّعي شيئاً على خلاف اليد، ثمّ إنّ الأغرب من ذلك أن ترفض شهادة عليّ والحسنين (عليهم السلام) وهم مَنْ هم في الطهارة والصدق والأمانة والقداسة {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب : 33]، بل كيف ترفض دعوى فاطمة وتردّ مع أنّها أصدق الناس بعد أبيها كما تقدّم في الحديث عن عائشة، وهي سيّدة نساء المؤمنين، فلا تدّعي باطلاً ولا تقول شططاً، وهي من أهل بيت العصمة والطهارة؟!

ثمّ بعد رفض قضية النحلة أسدلت سيّدتنا الزهراء (عليها السلام) الستار حول "النحلة" ودخلت في إثبات حقّها عن طريق قصّة الإرث، ففدك إنْ لم تكن عطيّة نحلها لها النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) حال حياته، فإنّها بطبيعة الحال ستكون ميراثاً لها بعد وفاته، لأنّ فدك كانت خاصّة برسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وممّا أفاء الله به عليه.

مناقشة مسألة الإرث قرآنياً:

ونراها تحدّثت عن "الإرث" بالطريقة التي لا تخلو من شدّة في الأسلوب، حيث قالت: "أيُّها المسلمون أأغلب على إرثي"، ثمّ توجّهت إلى أبي بكر لتقول له: "يا بن أبي قحافة، أفي كتاب الله أن ترث أباك ولا أرث أبي، لقد جئت شيئاً فريّاً، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم، إذ يقول: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل : 16]، وقال في ما اقتصّ من خبر يحيى بن زكريا (عليه السلام) إذ قال: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً*يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم: 5 ــ 6]، وقال: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ} [الأنفال : 75]، وقال: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ} [النساء : 11]، وقال: {إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة : 180].

قضية الميراث بشكلٍ عام:

لقد أرادت الزهراء (عليها السلام) أن تطرح مسألة الإرث في الخطّ العام، ومسألة إرث الأنبياء بشكلٍ خاص، أمّا في الخطّ العام فاستشهدت بقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ}، وقوله عزّ وجلّ: {وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ} وهاتان الآيتان ممّا اتّفق المسلمون على أنّهما تعالجان مسألة الإرث بشكلٍ عام دون فرق بين شخصٍ وآخر، وبين نبيّ وغير نبيّ، فالخطاب موجّه إلى المسلمين أو الناس جميعاً كتشريع يحكم الواقع الإسلاميّ كلّه، والزهراء (عليها السلام) وأبوها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) مسلمان لهما ما للمسلمين ـــ بقطع النظر عن الخصوصية التي لا دخل لها في التشريع العام ـــ، وعليهما ما على المسلمين.

إرث الأنبياء:

أمّا مسألة الميراث في الدائرة الخاصّة، وهي إرث الأنبياء، فالسؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يرث أولاد الأنبياء آباءهم أو أنّهم لا يرثونهم، فيكون هناك استثناء في مسألة الميراث؟

إنّ الزهراء (عليها السلام) في معالجة هذا الأمر استدلَّت بآيتين تحدّثنا عن إرث أولاد الأنبياء لآبائهم.

الأولى قوله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}، وظاهر كلمة الإرث هنا أنّ سليمان ورث داود كما يرث الولد أباه، باعتبار علاقة النبوّة.

الآية الثانية، وهي ما حكاه تعالى عن زكريا (عليه السلام): {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً*يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} يعني: هبّ لي ولداً يرثني، لأنّ من خصوصية الولد في امتداد الأب به أنّه يرث ما عنده.

وقد قيل في ردّ هذا الاستدلال: إنّ الإرث هنا إرث العلم والحكمة، أو إنّه إرث النبوّة(1)، أي {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} يعني أنّه ورثه في النبوّة، فكان نبيّاً مثله، وكذلك الأمر بالنسبة لزكريا، حيث كان يدعو الله أن يرزقه ولداً يرث النبوّة التي تميَّز بها، ويرث خطّ النبوّة لآل يعقوب، باعتبار أنّ الله جعل فيهم النبوّة، وربّما يقال إنّ هذا هو الأولى، لأنّ مسألة أن يرث سليمان داوود فيما تركه ليست شيئاً مهمّاً يتحدّث الله عنه، أو أن يطلب النبيّ زكريا من الله ولداً ليرث ماله، فيتعيّن أن تكون الوراثة وراثة العِلْم والنبوّة(2).

ولكنّنا نقول في مناقشة هذا الرأي بطريقة موضوعية، إنّ العِلْم لا يورَّث وإنّما ينقل بالتعليم والاكتساب، فالفرق بين عملية إرث المال وإرث العلم، هي أنّ المال يورّث من دون أن يعاني الوارث أيّ جهد في ذلك، فإنْ كان المال بحوزة شخص ومسجّلاً باسمه من ناحية شرعية وقانونية، فبمجرّد أن يموت ينتقل المال تلقائياً إلى الورثة ويسجّل باسمهم شرعاً وقانوناً. فالإرث هو للأشياء التي تنتقل تلقائياً بمجرّد موت المورِّث، وهذا أمر يتمّ في المال ـــ كما بيَّنا ـــ.

أمّا العلم فلا يورّث بهذا المعنى لكلمة الإرث، فلو كان الأب عالِماً ومات فهل يرث الابن علم أبيه؟! كلا، لأنّ دور ولد العالِم أو النبيّ بالنسبة لعلم أبيه هو أنْ يتعلَّم منه كما يتعلَّم أي تلميذٍ آخر، فولد النبيّ أو ولد العالِم إنّما يأخذ علم أبيه من خلال تعلّمه عنده تماماً كما يأخذ غيره علم أبيه من خلال تتلمذه عليه، فابن العالم وغيره من تلامذة العالم سيَّان بالنسبة لأخذ علمه، وبالتالي فالعلم لا يورّث، وإنّما ينتقل بطريقة تختلف عن أيّة عملية نقل أخرى، فالبيع يحتاج إلى إيجاب وقبول، والإيجار يحتاج إلى إيجاب وقبول، والصلح يحتاج إلى إيجاب وقبول، والهبة كذلك، فكلّ عملية نقل تحتاج جهداً من الناقل والمنقول إليه، والتعليم يحتاج إلى إلقاء وتلقٍّ، وعملية النقل الوحيدة التي لا تحتاج إلى جهد من الوارث ولا من المورِّث هي إرث المال.

ولذلك فقوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} لا تعني وراثته لعلم أو نبوّة، لأنّ ذلك ليس ممّا يورّث بشكلٍ تلقائي، لأنّ العلم يكتسب بالتعليم، والنبوّة تكون باصطفاء الله لبعض خلقه ولا تكون بالميراث، ويزداد الأمر وضوحاً إذا عرفنا أنّ سليمان كان عالِماً ونبيّاً في زمن أبيه داوود، فلا معنى ليرث من بعده العلم والنبوّة، فقد حدّثنا القرآن أنّه كان يأتي الخصمان إلى سليمان فيحكم بطريقة معيّنة، ويأتيان إلى داوود فيحكم بطريقةٍ أخرى، وهذا قوله تعالى: {وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ*فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً} [الأنبياء: 78 ـــ 79]، فالله هنا رجَّح أسلوب سليمان على أسلوب داوود، وإنْ كان المنبع واحداً، وبهذا فلا يصدق أنّ سليمان ورث العلم عن داوود، فلقد كان عالماً في حياة أبيه، وبعد مماته كان عالماً من خلال إفاضة الله عليه العلم ومن خلال جهده في تحصيله.

ولو قيل إنّ سليمان ورث النبوّة عن داوود، لقلنا إنّ النبوّة ليست إرثاً بل هي لطف يعطيه الله من يشاء، فإذا كان الله قد أعطى النبوّة لداوود ولسليمان، فلا يعني ذلك أنّ سليمان ورث النبوّة عن أبيه، فهي لا تورَّث، فسليمان أصبح نبيّاً على الأساس نفسه الذي صار به داوود نبيّاً، وبالتالي فليس كلّ ابن نبيّ نبيّاً، وإنّما قد يجعل الله بعض أولاد الأنبياء أنبياء، وقد يكون بعض أبناء الأنبياء فَسَقَة وكَفَرة كابن نوح.

وهذا هو المراد من قول زكريا: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً*يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} [مريم: 5 ـــ 6]، فالمقصود هنا الإرث الطبيعي فيما يرثه الأبناء من الآباء، والدليل على ذلك:

أوّلاً: قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي} [مريم: 5]، وهم الأقرباء، حيث إنّ النبوّة لا يخاف عليها من الأقرباء أن يسلبوها وإنّما يخاف على المال من ذلك. وأمّا النبوّة فيخاف عليها من الكَفَرَة والعصاة، سواء كانوا من الأقرباء أو من غيرهم.  

وثانياً: نرى زكريا يتحدّث في آيةٍ أخرى عن الموضوع نفسه، حيث يقول: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران : 38]، ولم يتحدّث عن أيّة صفة أخرى، فهو طلَبَ ولداً طيّباً وحسب، ما يدلّ على أنّ قوله: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً*يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} يراد به الولد الذي يرث ما أتركه أي أن يكون وليّي ولداً، لأنّ من خصائص الولد بالنسبة للأب هو أنّه الوارث له، فحينما قال: {رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} فهذا يعني أنّه يطلب ولداً طيّباً يرثه في ما ترك.

وثالثاً: لو فرضنا أنّه قال: هبْ لي نبيّاً، فما معنى {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} [مريم : 6]، فهل يعقل أن يكون هناك نبيّ غير مُرضٍ عند الله سبحانه وتعالى؟ فعندما يقول: {فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً*يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}، فكأنّه يقول: ربّ هب لي ولداً طيّباً يحمل صفة الولي في كونه وارثاً لأبيه، وإلاّ لو كان المقصود الولد الذي يرث النبوّة والعلم، فما علاقة هذا بقوله: {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً}؟.

فهذه الوجوه الثلاثة تعني أنّ المراد هنا هو الإرث الطبيعي الذي يتميَّز به الأولاد بالنسبة لآبائهم، وهو إرث ما عند الأب، وليست المسألة هي أنّ الله سبحانه وتعالى يريد أن يؤكّد إرث المال لاهتمامه بالمال وأهميّته عنده، لكن هذه الخصوصية إنّما ذكرت ليتعيَّن المطلوب، وهو أنّ الولي هو الولد وليس عمّاً أو خالاً أو غير ذلك، فهي ضيّقت مفهوم الوليّ لتحصره بالابن فقط، وعلى هذا الأساس كان استدلال الزهراء (عليها السلام) التي أرادت أن تقول لأبي بكر ـــ بكلّ موضوعية واستدلال علمي ـــ إنّ الله تحدّث عن أنّ أبناء الأنبياء يرثون آباءهم، فلماذا لا أرث أنا أبي؟

وتبقى هناك آية أخرى وهي قوله تعالى: {إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة : 180]، فقد يقال: ما علاقتها بالإرث حتّى تستشهد بها الزهراء (عليها السلام) في مطالبتها بفدك؟

والجواب أنّ هذه الآية التي وردت في مقام الوصيّة هي الآية الأولى ـــ في ترتيب النزول ـــ التي تحدّثت عمّا يتركه الميّت من بعده، وذلك قبل تشريع الإرث، والآية أرادت أن يأخذ الأقربون الخير الذي يتركه المورّث والذي يمتدّ من خلال الوصية في الإرث، وذلك في علاقة الأبناء بما تركه الآباء، بناءً على القول الذي يقول إنّ آيات الإرث ناسخة لآيات الوصيّة.

ثمّ تضيف الزهراء (عليها السلام) بعد أن قدَّمت القرآن أمام دعواها: "وزعمتم أنْ لا حظوة لي ولا إرث من أبي"، أي أنّكم تدَّعون أنّه ليس لي مكانة ولا منزلة ولا إرث من أبي "ولا رحم بيننا"، فكأنّني ـــ وهذا هو تصوّركم ـــ أجنبية عنه، "أفخصَّكم الله بآية أخرج أبي منها"؟!

اقرأوا القرآن وسترون أنّه عندما يتحدّث عن خطٍّ عام ويخصِّص بعض الناس ويخرجهم عن العموم، فلا بدّ أن يذكر ذلك في آيةٍ أخرى، لأنّه إذا كان هناك خاص وعام في التشريع، فعندما يذكر القرآن العام لا بدّ أن يذكر الخاص أيضاً، لاسيّما إذا كان هذا الخاص يتعلَّق بشخصٍ أو بأشخاص معيّنين.

"أم تقولون إنّ أهل ملّتين لا يتوارثان"، أم هل تقولون إنّ الكافر لا يرث المسلم لأنّ أهل الملّتين لا يتوارثان "أولستُ أنا وأبي من أهل ملّةٍ واحدة"، فأنا مسلمة وأبي مسلم وهو نبيّ الإسلام؟!

"أم أنتم أعلم بخصوص القرآن وعمومه من أبي وابن عمّي"، فأنتم تقولون إنّ آية الإرث تشمل النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وعلى ذلك فهي لا تشملني بالتبعية، فلو كانت المسألة كما تقولون، أليس النبيّ الذي أرسله الله بالقرآن هو أعلم بشمولية الآية القرآنية؟ وإذا كانت هناك خصوصية تخرجه منها أفلا يجب أن يكون عالِماً بذلك، وإذا كان عالِماً به فلماذا لم يحدّثني عنه؟ أليس من المفروض أيضاً أن يكون ابن عمّي عليّ (عليه السلام) عالِماً بذلك وهو القائل: "علَّمني رسول الله ألف باب من العِلْم يُفتَح لي من كلّ بابٍ ألف باب"(1)، لاسيّما إذا كانت المسألة تخصّه بالذّات، لأنّها تخصّ زوجته، وهو سوف يتصرَّف من خلال تصرّف زوجته أو إذنها بهذا الإرث، وقد قال النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) من خلال ما يرويه السُنّة والشيعة: "أنا مدينة العِلْم وعليٌّ بابها"(1)

وعلى ضوء ذلك يمكن ملاحظة أنّ الزهراء (عليها السلام) كانت تتحدّث بلغة علمية فقهية موضوعية قرآنية.

"فدونكها" أي خذها "مخطومة مرحولة"، والخِطام الذي يوضع في أنف الناقة لجرّها، ومرحولة من الرحل، وهو شبيه بالسرج الذي على الفرس، أي خذها كاملة، فسوف "تلقاك يوم حشرك"، لأنّه في يوم القيامة لا بدّ لكلّ إنسان أنْ يحتجّ بما لديه، "فنعم الحكم الله" فإذا لم أجد من يأخذ لي بحقّي اليوم فالله تعالى لا يضيع عنده حقّ، "والزعيم محمّد والموعد القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولا ينفعكم إذ تندمون، ولكلّ نبأ مستقرّ، وسوف تعلمون من يأتيه عذابٌ يخزيه ويحلّ عليه عذابٌ مقيم". فهي هنا تتكلّم بلغة القرآن في إثارة المسؤولية من خلال إثارة ما سيلاقيه الإنسان يوم القيامة.

العهد المسؤول:

"ثمّ رمت بطرفها نحو الأنصار"، لتبيِّن لهم أنّهم أعطوا العهد لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في أن يحفظوه، والمرء يحفظ في ولده، "يا معشر النقيبة" أي الفتية "وأعضاد الملّة" أي أعوان الملّة "وحضنة الإسلام، ما هذه الغميزة في حقّي"، أي المطعن في حقّي "والسنة عن ظلامتي"، أي لماذا أنتم ساكتون عن ظلامتي كما لو كنتم نائمين "أمَا كان رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أبي يقول: المرء يحفظ في ولده؟! سرعان ما أحدثتم وعجلان ذا إهالة"، وهذا مثل يضرب لمن يخبر بكينونة الشيء قبل وقته، وأصل المثل كما في القاموس أنّ رجلاً كانت لديه ناقة عجفاء وكان رغامها يسيل من منخريها لهزالها، فقيل له ما هذا الذي يسيل: قال ودكها أي الدّم، فقال السائل: "سرعان ذا إهالة"، تعبيراً عن هذا الرغام الذي ينزل من أنف النّاقة، فهي (عليها السلام) تريد أن تقول لماذا استعجلتم إحداث البدع وترك السُنَن والأحكام وتخاذلتم عن نصرة الحقّ "ولكم طاقة بما أحاول، وقوّة على ما أطلب وأزاول"، فأنتم تستطيعون أن تأخذوا لي بحقّي "أتقولون مات محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فخطب جليل استوسع وهنه" أي اتّسع خرقه، لأنّ الوهن هو الخرق، "واستنهر فتقه" أي اتّسع "وانفتق رتقه، وأظلمت الأرض لغيبته، وكسفت الشمس والقمر، وانتثرت النجوم لمصيبته، وأكدَّت الآمال" أي قلَّت وضاقت "وخشعت الجبال، وأضيع الحريم، وأُزيلت الحرمة عند مماته، فتلك والله النازلة الكبرى، والمصيبة العظمى"، والنازلة هي الأمر الشديد: "لا مثلها نازلة، ولا بائقة عاجلة"، أي الداهية "أعلن بها كتاب الله جلَّ ثناؤه، في أفنيتكم، في ممساكم ومصبحكم (يهتف في أفنيتكم) هتافاً، وصراخاً، وتلاوة، وألحاناً" أي أنّه أعلن ذلك في الآية {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ} [الزمر : 30] "ولقبله ما حلّ بأنبياء الله ورسله حكم فصل وقضاء حتم: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران : 144].       

تقريع الأنصار:

"إيهاً بني قيلة" مصطلح يطلق على الأنصار "أأهضم تراث أبي وأنتم بمرأى منّي ومسمع ومنتدى ومجمع، تلبسكم الدعوة، وتشملكم الخبرة"، أي مع ما عرفتموه وتعرفونه، فلقد خبرتموه جيّداً "وأنتم ذوو العدد والعدّة، والأداة والقوّة، وعندكم السلاح والجُنّة" أي الدرع "توافيكم الدعوة فلا تجيبون" دعوتنا "وتأتيكم الصرخة فلا تغيثون، وأنتم موصوفون بالكفاح، معروفون بالخير والصلاح، والنخبة التي انتخبت"، باعتبار أنّهم كانوا من الكرماء ومن الطيّبين "والخيرة التي اختيرت لنا أهل البيت"، لأنّ الله اختارهم ليكونوا أنصاراً لرسوله "قاتلتم العرب، وتحمّلتم الكدّ والتعب، وناطحتم الأُمَم، وكافحتم البهم"، والمراد باالبهم الشجعان، "لا نبرح أو تبرحون، نأمركم فتأتمرون"، أي على ما كان عليه العهد في زمن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، "حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام، ودرّ حلبُ الأيام، وخضعت ثغرة الشرك، وسكنت فورة الإفك" إلى أن انتصر الإسلام واستطاع أن يمتدّ في المنطقة والعالَم، "وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق ـــ اجتمع ـــ نظام الدِّين، فأنّى حِزتم بعد البيان" بعد أن تبيّن الأمر ووضح بشكلٍ جليّ، أي كيف تتركون سبيل الحقّ بعد أن تبيّن لكم "وأسررتم بعد الإعلان، ونكصتم بعد الإقدام"، فكأنّها تستنهض الروح الإسلامية التي كانوا عليها، فلقد كانوا يهرعون عندما يهضم أي حقّ "وأشركتم بعد الإيمان؟! بؤساً لقومٍ نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أوّل مرّة، أتخشونهم فالله أحقّ أنْ تخشوه إنْ كنتم مؤمنين، ألاَ وقد رأى أن قد أخلدتم إلى الخفض" أي إلى سعة العيش "وأبعدتم مَنْ هو أحقّ بالبسط والقبض" أي أبعدتم الشخص الذي يملك الشرعية "وخلوتم بالدّعة" أي الراحة والسكون "ونجوتم بالضيق من السعة، فمججتم ما وعيتم" أي ما طرحتموه "ودسعتم الذي تسوّغتم" أي تقيّأتم ما أكلتموه، فكأنّكم تقيّأتم الوعي الإسلامي الذي جهد أبي في زرعه في نفوسكم وعقولكم "فإنْ تكفروا أنتم ومَنْ في الأرض جميعاً فإنّ الله لغنيٌّ حميد، ألاَ وقد قلت ما قلت هذا على معرفةٍ منّي"، فأنا أعلم أنّني أتكلّم ولا فائدة في كلامي، لأنّكم سكنتم إلى الواقع الذي أنتم فيه "بالخذلة (بالجذلة) التي خامرتكم" وقد خذلتموني "والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنّها فيضة النفس"، فلديّ مشاعر وآلام وأحزان أحاول أن أعبِّر عنها، "ونفثة الغيظ، وخور القناة، وبثة الصدر، وتقدمة الحجّة، فدونكموها فاحتقبوها" والاحتقاب هو حبل يشدّ به الرجل إلى بطن البعير، أي أمسكوها، فكأنّها تريد أن تقول: شدّوها على أنفسكم وذواتكم "دبرة الظهر" والدبرة هي الجرح الذي يكون في ظهر البعير "نقبة الخفّ"، عندما يكون خفّ البعير رقيقاً يقال له نقبة، باعتبار أنّه سهل النقب "باقية العار، موسومة بغضب الجبَّار وشنار الأبد، موصولة بنار الله الموقدة التي تطّلع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون، وسيعلم الذين ظلموا أيّ منقلبٍ ينقلبون، وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فاعلموا إنّا عاملون، وانتظروا إنّا منتظرون".

 

جواب أبي بكر:

إلى هنا تكون فاطمة الزهراء (عليها السلام) قد انتهت من خطبتها، وقد أجابها أبو بكر بعد الخطبة، فقال: "يا بنت رسول الله، لقد كان أبوك بالمؤمنين عطوفاً كريماً، (و) رؤوفاً رحيماً، وعلى الكافرين عذاباً أليماً، وعقاباً عظيماً، إن عزوناه ـــ أي نسبناه ـــ وجدناه أباك دون النساء، وأخا إلفك دون الأخلاّء، آثره على كلّ حميم، وساعده في كلّ أمرٍ جسيم، لا يحبّكم إلا سعيد، ولا يبغضكم إلاّ شقي بعيد، فأنتم عترة رسول الله الطيّبون، والخيرة المنتجبون، على الخير أدلّتنا، وإلى الجنّة مسالكنا، وأنتِ يا خيرة النساء، وابنة خير الأنبياء، صادقة في قولك، سابقة في وفور عقلك، غير مردودة عن حقّك، ولا مصدودة عن صدقك، والله ما عدوت رأي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ولا عملت إلاّ بإذنه، والرائد لا يكذب أهله، وإنّي أشهد الله وكفى به شهيداً، أنّي سمعت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: نحن معاشِر الأنبياء لا نورّث ذهباً ولا فضّة، ولا داراً ولا عقاراً، وإنّما نورّث الكتاب والحكمة والعِلْم والنبوّة، وما كان لنا من طعمة فلوليّ الأمر بعدنا يحكم فيه بحكمه، وقد جعلنا ما حاولته ـــ أي ما أردته من فدك ـــ في الكراع والسلاح، يقاتل بها المسلمون ويجاهدون الكفَّار، ويجالدون المردة الفجَّار، وذلك بإجماع من المسلمين، لم أنفرد به وحدي، ولم أستبدّ بما كان الرأي عندي، وهذه حالي ومالي، هي لكِ وبين يديكِ ـــ أي أعطيك ممّا لديّ ـــ لا تُزْوَى ـــ لا تمنع ـــ عنك ولا ندّخر دونك، وأنتِ سيّدة أُمّة أبيكِ، والشجرة الطيّبة لبنيك، لا ندفع مالك من فضلك، ولا يُوضَع من فرعك وأصلك، حكمك نافذ في ما ملكت يداي ـــ أمّا فدك فليست لي ـــ فهل ترين أنْ أُخالِف في ذلك أباكِ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟!

ردّ الزهراء (عليها السلام):

فقالت (عليها السلام): "سبحان الله، ما كان أبي رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عن كتاب الله صادِفاً"، أي أنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لا يمكن أن يقول ما تقوله ـــ يا أبا بكر ـــ لأنّه هو الذي جاء بالصدق وصدَّق به، وهو الذي بلَّغ كتاب الله إلى الناس، فكيف يمكن أنْ يخالفه في هذا الأمر فيقول ما تنسبه إليه "من أنّنا معاشر الأنبياء لا نورِّث"، مع أنّ كتاب الله يقول إنّ الأنبياء يورِّثون، كما تقدَّم من ذكر آياته؟

"ولا لأحكامه مخالفاً، بل كان يتبع أثره" أي أثر الكتاب "ويقفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالاً عليه بالزور" أي مضافاً إلى غدركم بنا، تكذبون على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) "وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته، هذا كتاب الله حكماً وعدلاً وناطقاً فصلاً، يقول: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} [مريم : 6]، ويقول: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل : 16]، فبيَّن الله عزّ وجلّ في ما وزَّع من الأقساط، وشرع من الفرائض والميراث، وأباح من حظّ الذكران والإناث، ما أزاح به علّة المبطلين، وأزال التظنّي" أي كلّ ظنّ على خلاف ذلك "والشبهات في الغابرين، كلاّ، بل سوَّلت لكم أنفسكم أمراً فصبرٌ جميلٌ والله المستعان على ما تصفون".

تعقيب أبي بكر:

فقال أبو بكر: "صدق الله ورسوله وصدقت ابنته، أنتِ معدن الحكمة وموطن الهدى والرحمة، وركن الدّين وعين الحجّة، ولا أبعد صوابك، ولا أنكر خطابك، هؤلاء المسلمين بيني وبينك، قلّدوني ما تقلّدت، وباتّفاق منهم أخذت ما أخذت، غير مكابر ولا مستبدّ ولا مستأثر، وهم بذلك شهود".

ردّ الزهراء (عليها السلام) مجدّداً:

فالتفتت فاطمة (عليها السلام) وقالت: "معاشر المسلمين المُسْرِعَة إلى قيل الباطل، المغضية ـــ الساكتة ـــ على الفعل القبيح الخاسر، أفلا تتدبَّرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالها. كلاّ، بل ران على قلوبكم" أي أنّ هناك حاجزاً بين قلوبكم وبين الانفتاح على الحقيقة "ما أسأتم من أعمالكم، فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأوّلتم، وساء ما به أشرتم، وشرّ ما منه اغتصبتم، لتجدنَّ والله محمله ثقيلاً، وغبّه وبيلاً، إذا كشف لكم الغطاء، وبان ما وراءه من (البأساء) والضرّاء، وبدا لكم من ربّكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون".

ثمّ عطفت على قبر النبيّ  (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وقالت:

قد كان بعدك أنباء وهنبثة          لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب

إنّا فقدناك فقد الأرض وابلها        واختلَّ قومك فاشهدهم ولا تغب

إلى آخر أشعاره التي تقدّمت.

هذه هي قصّة الزهراء (عليها السلام) في خطبتها البليغة المتنوّعة في مواضيعها وأسرارها، والتي تدلّ على مكانتها الرفيعة، وما كانت (عليها السلام) تملكه من علم ووعي بالإسلام كلّه عقيدةً وشريعة، وما كانت تملكه من وعي للواقع وفهم للنّاس آنذاك، وما كانت عليه من فهمٍ للقرآن الكريم في حججه وبراهينه كلّها، وما تحلَّت به من قوّة في المنطق وصلابة في الحقّ وشجاعة في التحدّي.

إنّ هذه الخطبة تقدّم لنا الزهراء (عليها السلام) في هذا الموقع العلمي الروحي المنفتح على الحقيقة كلّها وعلى الله ورسوله وكتابه، فإذا أردتم أن تتعرَّفوا على الزهراء (عليها السلام) فاقرأوها في كلماتها.. واقرأوها في سيرتها.. واقرأوها في جهادها.. واقرأوها في مواقع التحدّي.. واقرأوها كلاً متكاملاً، لتكون قدوة لنا في الروحانية والعلم والمسؤولية والجهاد بالكلمة والموقف.

إنّ مشكلتنا هي أنّنا نفهم الزهراء مجرّد مأساة، مع أنّها تمثّل فرح العلم والروحانية والروح والجهاد، لأنّها كانت ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عقلاً وروحاً وفكراً.. كان عقلها من عقله، وقلبها من قلبه، وعلمها من علمه، وحياتها في خطّ حياته..

هذه خطبة الزهراء (عليها السلام) مع ما تشتمل عليه من بلاغة وحكمة. ولا غرو في ذلك، فهي ربيبة القرآن قمّة البلاغة والحكمة، وهي ابنة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) سيّد الحكماء والبلغاء، وهي زوجة عليّ (عليه السلام) الذي سنّ للبلاغة نهجها.

ذيلٌ مختلق:

وقد جاء في بعض الروايات ذيلٌ لهذه الخطبة يشتمل على كلمات تُجلّ الزهراء أن تكون قد تلفَّظت بها، لأنّها شتائم لأمير المؤمنين، وهذا ما نجزم بعدم صدوره عنها (عليها السلام)، لا لعصمتها فحسب، بل لأنّ علاقتها بأمير المؤمنين التي كانت كأصفى ما تكون العلاقات، ولأنّ معرفتها بأنّ عليّاً يتصرَّف طبق التكليف الشرعي ووصيّة الرسول، تفرضان تكذيب هذا الذيل وما جاء فيه من كلمات التقريع لعليّ (عليه السلام)، كما أشرنا إلى ذلك في ما سبق، وممّا جاء في ذيلها الكلمات التالية:

يا بن أبي طالب، اشتملت شملة الجنين، وقعدت حجرة الظّنين ـــ المتّهم ـــ، نقضت قادمة الأجدل ـــ قادمة بمعنى قوادم الطير وهي ريشه، والأجدل: الصقر ـــ فخانك ريش الأعزل ـــ ما لا يقدر على الطيران ـــ هذا ابن أبي قحافة يبتزّني ـــ يسلبني ـــ نحلة أبي، وبلغة ـــ البلغة: ما يتبلَّغ به من العيش ـــ ابنيّ، لقد أجهد في خصامي، وألفيتة ـــ وجدته ـــ ألدّ في كلامي، حتّى حبستني قيلة ـــ وهم الأنصار ـــ نصرها، والمهاجرة وصلها، وغضّت الجماعة دوني طرفها، فلا دافع ولا مانع، خرجت كاظمة، وعدت راغمة، أضرعت ـــ خضعت، والخطاب لعليّ ـــ خدّك يوم أضعت حدَّك، افترست الذئاب وافترشت التراب، ما كففت قائلاً ولا أغنيت طائلاً ـــ أي ما فعلت شيئاً نافعاً ـــ ولا خيار لي، ليتني متّ قبل هنيئتي ودون ذلّتي، عذيري ـــ نصيري ـــ الله منه ـــ من أبي بكر ـــ عادياً ـــ متجاوزاً ـــ ومنك حامياً، ويلاي في كلّ شارق، ويلاي في كلّ غارب، مات العمد ووهن العضد، شكواي إلى أبي وعدواي ـــ طلبي الذي أستعدي به ـــ إلى ربّي...(1).

الخاتمة

 

ـــ دروس الزهراء (عليها السلام)

ـــ الأسئلة والأجوبة

ـــ قصيدة: هذه هي الزهراء (عليها السلام)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في هذه الخاتمة نتعرَّض لثلاثة أمور:

الأوّل: وفيه شبه تلخيص للدروس والعِبَر التي يجب أن نأخذها من مدرسة الزهراء (عليها السلام).

الثاني: إدراج مجموعة من الإجابات عن أسئلة متنوّعة ترتبط بالزهراء (عليها السلام) بشكلٍ أو بآخر، وربّما وجد القارئ فيها بعض الأفكار التي تقدّم بيانها في مطاوي الكتاب، ولكنّنا ولوجود بعض الأفكار الجديدة، ولخصوصيّات في الأسئلة نفسها، وإضافات أخرى مع وجود فوائد أخرى للقارئ، حرصنا على أن ندرج الإجابات في الكتاب.

الثالث: إدراج قصيدة شعرية ترتبط بموضوع الكتاب، وهو الحديث عن الزهراء القدوة وحياتها وجهادها في سبيل الله سبحانه..

 

 

 

 

 

 

 

 

دروس الزهراء (عليها السلام)

في ثنايا المطالب السابقة، تعلّمنا الكثير من الدروس من مدرسة فاطمة الزهراء سلام الله عليها، واستفدنا من تعاليمها وانتفعنا من مواعظها وخطبها، والآن ونحن في نهاية هذه الزيارة لسيّدتنا الزهراء، لا بدّ أن نذكّر ونشير إلى جملة من الدروس التي لا بدّ أن نتّقنها جيّداً من تعاليم هذه الإنسانة العظيمة، ليكون ولاؤنا لها ولاءً حقيقيّاً وحبّنا لها صادقاً، لأنّ الحبّ ليس مجرّد نبضة قلب وخفقة شعور، بل هو ـــ مضافاً إلى ذلك ـــ التزام صادق وعمل وممارسة، وإليك بعض هذه الدروس التي مرَّت الإشارة إلى معظمها إنْ لم نقل كلّها، ولكن أحببنا التذكير بها وجعلها كخلاصة لسيرة هذه الإنسانة العظيمة.

1 ـــ كونوا للإسلام:

إنَّ نداء فاطمة (عليها السلام) للمؤمنين والمؤمنات هو أن يكونوا للإسلام بعقولهم وقلوبهم وعواطفهم وحركاتهم وأفعالهم وأقوالهم وكلّ حياتهم، كما كانت هي للإسلام في كلّ ذلك رغم حياتها القصيرة.

فقد كانت للإسلام عندما وقفت مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وخفَّفت عنه الأذى الذي لحقه من المشركين، وكانت آنذاك في عمر الطفولة، وقد احتضنته وخفَّفت عنه الهموم والآلام حتّى قال عنها إنّها "أُم أبيها".

وكانت للإسلام عندما عاشت مع أمير المؤمنين (عليه السلام) ورعته وخدمت بيتها وأولاها بما يرضي الله ورسوله.

وكانت للإسلام عندما بذلت وأنفقت وجاهدت في سبيل الله.. وكانت للإسلام بكلّ وجودها وكيانها وحياتها. هذا هو نداء فاطمة (عليها السلام): كونوا للإسلام واعملوا من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا وكلمة الشيطان هي السفلى.

نداؤها: أنّ هناك أكثر من قضية تنتظركم على طريق الإسلام، فإذا كان الموقف يستدعي الجهاد فجاهدوا، وإذا كان يفرض أن تقفوا وتتوحّدوا وتجمّدوا كلّ خلافاتكم بالرغم من كلّ مآسي التاريخ وآلامه فافعلوا، وليكن الهدف الكبير والعنوان الأساس الذي تقدّسونه هو الإسلام لا مذهبيّاتكم الضيّقة وعصبيّاتكم المختنقة وأنانيّاتكم القاتلة. اعملوا من أجل الدعوة إلى الله ودينه الذي ارتضى ليكون الدّين هو الأقوى والأعزّ والأرفع من خلال ما تطرحونه من فكر وما تتحرّكون به من خطوات.

2 ـــ الجار ثمّ الدّار:

لقد مرَّ معنا أنّ الزهراء (عليها السلام) كانت تقوم ليلها وتدعو للآخرين ولا تدعو لنفسها، ولمّا سألها ابنها الإمام الحسن (عليه السلام) عن ذلك أجابته: "يا بنيّ، الجار ثمّ الدّار".

إنّ قولها هذا يعني أنّها كانت تعيش هموم الناس قبل همومها، وآلامهم قبل آلامها، وكانت تتطلَّع إلى أحلامهم قبل أن تتطلَّع إلى أحلامها الشخصية.. وأنْ يصل الإنسان إلى هذا المستوى الذي يجعله منفتحاً على هموم الناس قبل أن ينفتح على همومه، مع أنّه مثقل بالآلام والهموم، فتلك قمّة الإنسانية والروحانية، وتلك هي قصّة أصحاب الرسالات الذين يفكّرون بالناس قبل أن يفكّروا بأنفسهم، وهي قصّة صعبة، وقد سقط الكثيرون ممّن كانوا يحملون الرسالة  في حركتهم، سقطوا عندما تحوّلت الرسالة عندهم إلى جسر يعبرون من خلاله إلى تحقيق رغباتهم ونزواتهم.

وإنّنا نكرِّر دائماً القول: بأنّنا لن نكون رساليّين إذا حوّلنا  الرسالة إلى مهنة ولم نعشها كقضية ورسالة، ولن نكون رساليّين إذا لم نحبّ الناس الذين يعيشون معنا في ساحة الرسالة، ولكي نصل إلى هذه المنزلة، يلزمنا أوّلاً تربية أنفسنا على محبّة الناس، ومن ثمّ نربّي مَنْ حولنا ومَنْ يصله صوتنا على ذلك، لأنّ الإنسان الذي يحمل في قلبه البغض للناس، لن يستطيع أن يملك مفتاح قلوبهم، لأنّ مفتاح القلوب هو المحبّة المنفتحة على إنسانية الإنسان، وقد جاء في كلمة الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): "احصد الشرّ من صدر غيرك بقلعه من صدرك"(1)، فقلع الشرّ من صدرك هو الخطوة الأولى لتقتلعه من صدور الآخرين، فهناك قيمة إنسانية عليا تدعوك لتعيش هموم الآخرين: "عامِل النّاس بما تحبّ أنْ يعاملوك". "أحبب لأخيك ما تحبّ لنفسك واكره له ما تكره لها"(2)، "لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه"(3). ولكن يوجد معادلة أخلاقية قيميّة أرفع من سابقتها ركّزها الإسلام وهي: "أنتَ والآخر ولكنّ الآخر أوّلاً وأنتَ ثانياً".

أيُّ سموٍّ هو هذا السموّ؟ وأيّ ارتقاء هذا الارتقاء؟! أن يعيش الإنسان هموم الآخرين وينسى همّه، حتّى إذا فرغ من همومهم ذكر همّه، وهذا ما يميِّز أهل البيت (عليهم السلام): {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر : 9]، {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ ـــ حبّ الطعام، أي وهم يشتهونه كما هو أحد التفسيرين ـــ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً*إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً} [الإنسان: 8 ــ 9]، فقد قدّموا المسكين واليتيم والأسير على أنفسهم وهم لا يبغون إلاّ رضا الله، وهذه قصّة أهل البيت (عليهم السلام)، أنّهم عاشوا الله سبحانه، وماتوا في سبيل الله سبحانه، وقد قالها عليّ (عليه السلام) عندما أخبره النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بمقتله: "أَوَ في سلامة من ديني"؟ فأجابه النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم): "بلى، فقال (عليه السلام): إذاً لا أُبالي أَوَقَعْتُ على الموت أمْ وَقَعَ الموتُ عليّ"(4).

ولذا صرخ ـــ عندما ضربه ابن ملجم بالسيف على أمّ رأسه ـــ في فرحة للشهادة، مع أنّ الآلام تفتك بجسده، صَرَخَتْ روحه وروحانيّته بين يديّ ربّه: "بسم الله وبالله وعلى ملّة رسول الله فزتُ وربّ الكعبة"(1)، لأنّ الإنسان السائر على خطّ الرسالة لا يعيش ضعيفاً أمام الألم، لأنّ فرحه بالله يشغله عن الآلام.

ولهذا رأينا الحسين (عليه السلام) كيف كان يحتضن ولده وهو يرفرف بين يديه كالطير المذبوح، ورغم قساوة هذا الموقف التي لا تدانيها قساوة، قال وهو يشعر بالفرح الروحي: "هَوّن ما نزلَ بي أنّه بعين الله"(2)، فما دام الله يراني وأنا أُجاهد وأُضحّي وأُقدِّم أولادي قرابين ويمتلئ جسدي بالجراحات الجسدية، فلا يهمّ كلّ ذلك ما دام أنّه بعين الله.

وهكذا كانت السيّدة الزهراء (عليها السلام) تفكّر بالناس قبل نفسها، وبالجار قبل الدار، لتعطينا درساً بليغاً حاصله: أنّ على الإنسان ـــ ذكراً كان أو أُنثى ـــ أن يتخلَّص من أسر ذاته ولا يعيش في سجن الذّات.

قصّة ابن طاووس:

وقد قرأت للسيّد الجليل ابن طاووس صاحب كتاب "إقبال الأعمال" في أعمال ليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان، وهي ليلة القدر على أصحّ الروايات، ما مضمونه: فكّرت بالأعمال المروية لليلة القدر، فوجدتها كثيرة لا أستطيع أن أقوم بها جميعاً، ففكّرت بأن آتي بأهمّ الأعمال وأولاها، فوجدت أنّ الدعاء من أهم الأعمال، ففكّرت أن أبدأ بالدعاء لأبويّ، لكنّي رأيت أنّهما مسلمان مؤمنان صالحان، وذلك يشفع لهم عند الله سبحانه، ثمّ فكّرت أن أبدأ بسائر المسلمين والمسلمات، فرأيت أنّ إسلامهم يشفع لهم عند الله فيغفر لهم ربّهم ويعفو عنهم لأنّهم آمنوا، وإنْ كانوا قد {خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ـــ لكن ـــ عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} [التوبة : 102]، ثمّ يقول: ففكّرتُ أن أبدأ بالكفّار والجاحدين لنعم الله والمستخفّين بحرمته، فأخذتني الشفقة عليهم لأنّهم لا يرتبطون مع الله برابط يمكن أن يكون شفيعاً لهم، وقلت في نفسي إنّ هؤلاء لا يتمسّكون بأي حبلٍ من حبال الله، فعليّ أن أبدأ "ليلة القدر" هذه بالابتهال إلى الله أن يهدي هؤلاء ويفتح عقولهم على الحقّ ويحرّك خطواتهم في طريق الاستقامة، لأنّ جنايتهم على الربوبية أشدّ من جناية العارفين بالله.. يقول: ولمّا فرغت من الدعاء لهم دعوت لأهل التوفيق والإسلام ثمّ دعوتُ لنفسي ومَن يهمّني أمره(1).

هكذا يجب أن يكون شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، أن يفتح الواحد منهم قلبه للناس بالمحبّة والرحمة.

3 ـــ الثبات في المواقف:

نتعلَّم من حياة الزهراء (عليها السلام) وسيرتها الثبات في المواقف والصبر في الشدائد، إذ لم يشغلها مرضها وألمها وحزنها على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد وفاته عن الوقوف مع الحقّ لتدافع عنه بكلّ ما آتاها الله من قوّة، فوقفت وخطبت وتكلّمت واحتجّت بكلّ الوسائل لإثبات حقّ الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، حتّى أنّها واصلت الاحتجاج إلى ما بعد وفاتها عندما أوصت بأنْ تُدْفَن ليلاً ويعفى قبرها ولا يشارك في تشييعها الذين ظلموها، وعلينا أنْ نأخذ من ذلك درساً لنتعلَّم أنّه إذا واجهتنا بعض المشاكل الشخصية أو الاجتماعية، فعلينا أنْ لا نجعل تلك المشاكل مبرّراً للابتعاد عن مسؤولياتنا العامّة أو الخاصّة. كما أنّ الزهراء (عليها السلام) لم يشغلها كلّ اهتمامها ببيتها وزوجها وتربية أولادها عن القيام بواجبها الإسلامي بتعليم المسلمات والمسلمين أحكام دينهم وتعاليمه، وعن الحضور الفاعل في كلّ ساحات الصراع الجهادي والسياسي والثقافي.

 

 

4 ـــ شرعية العمل السياسي للمرأة:

عندما نستذكر الزهراء (عليها السلام) ونستعيد حركيّتها في الواقع الإسلامي ووقوفها إلى جانب أمير المؤمنين (عليه السلام) ومواجهتها لكلّ الظلم الذي وقع عليه وعليها وخروجها إلى نساء المهاجرين والأنصار لتذكيرهم والاحتجاج عليهم ومخاطبتهم بالحقائق الإسلامية والقرآنية، إنّنا عندما نستعيد ذلك كلّه، فإنّنا نستوحي منه شرعية دخول المرأة في ساحة الصراع السياسي من موقع المسؤولية المنفتحة على الإسلام والمسلمين، لأنّ الزهراء (عليها السلام) هي المرأة المعصومة، وبالتالي فإنّ ما تقوم به من عمل وتتحرّك به أو تتحدّث به إنّما يمثّل شرعية بكلّ ما تعنيه الشرعية، كما أنّنا نستطيع أن نستفيد شرعية العمل السياسي للمرأة من القرآن أيضاً، من خلال قوله سبحانه وتعالى: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [التوبة : 71]، فإنّ المعروف يتّسع لكلّ عدل وكلّ حقّ في الحياة، والمنكر على عكسه تماماً، فالمعروف لا ينحصر بالصلاة والصوم والحجّ وغيرها من العبادات وأعمال الخير، كما أنّ المنكر لا ينحصر بشرب الخمر وأكل مال اليتيم وغيرها من المحرّمات، بل هو يتّسع لكلّ الظلم والباطل في الحياة.

إنّ المعروف والمنكر يتجاوزان ذلك ويتجاوزان معنى الحركة الفردية في واقع المسلمين ويمتدان إلى الحركة العامّة والاجتماعية المتعلّقة بقضايا المسلمين العامّة. والآية الشريفة، كما نلاحظ، لم تقصّر مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـــ بالمعنى الذي ذكرناه للمنكر والمعروف ـــ على الرجل، بل جعلت المرأة في صفّ الرجل والمؤمنين إلى جانب المؤمنات في هذه المهمّة، وهي مهمّة الأمر بالمعروف الذي ينطلق من خلال يدٍ تتحدّى وكلمةٍ تثور وقلب مريض، ومهمّة النهي عن المنكر، سواء المنكر السياسي أو الشرعي أو العقيدي أو الاجتماعي، تماماً كما هي مهمّة الأمر بالمعروف تشمل الرجل والمرأة معاً. ولهذا رأينا الإمام الحسين (عليه السلام) يقول وهو يحدِّد هدف ثورته: "إنّما خرجتُ لطلب الإصلاح في أُمّة جدّي أُريدُ أنْ آمُرَ بالمعروف وأنهى عن المنكر"(1)، فجهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وثورته كانا أمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر، وقد رأينا المؤمنين والمؤمنات معه في كربلاء يشاركون في أداء هذه المهمّة، كما رأينا المؤمنين والمؤمنات من قبل ذلك في مكّة والمدينة يقفون مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في كلّ ساحات الصراع، فكان رسول الله ومعه خديجة، وكان علي ومعه فاطمة، وكان الحسين ومعه زينب التي سارت على نهج أُمّها فاطمة وتحرّكت إلى كربلاء ومن ثمّ الكوفة والشام وقامت بوظيفتها على أتمّ وجه وجسّدت كلمة أبيها أمير المؤمنين (عليه السلام): "أفضل الجهاد كلمة عدل عند إمامٍ جائر"(2).

هكذا كانت الزهراء (عليها السلام) رائدةً في العمل السياسي والجهادي من خلال معارضتها وثورتها واحتجاجها وخطبها في المسجد ـــ مسجد رسول الله ـــ ومع نساء المهاجرين والأنصار، وهكذا ينبغي أن تكون المرأة المسلمة مقتدية بالزهراء (عليها السلام)، غير منشغلة بنفسها وزينتها عن القيام بواجباتها الاجتماعية والسياسية.

5 ـــ مسؤولية المرأة الثقافية:

عرفنا ممّا مرَّ معنا من حياة سيّدتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) أنّها كانت تكتسب العلم عن أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، حتّى أنّها كانت أوّل مؤلّفة في الإسلام، وعرفنا أنّها كانت تلقي دروساً إسلامية على نساء المهاجرين والأنصار اللواتي كنّ يجتمعن عندها لغرض التعلُّم.

والدرس الذي نستفيده من ذلك هو أنّ على المرأة المسلمة والمثقّفة إسلامياً أن تجعل حياتها في خدمة الدعوة الإسلامية والتبليغ، وهذا يفرض عليها أوّلاً أن تنمّي ثقافتها الإسلامية وتغنيها بالمعارف الإلهية المتنوّعة، ومن ثمّ تعمل على القيام بوظيفة الدعوة والتبليغ بما يتناسب مع حجابها والتزامها الشرعي والتزاماتها الزوجية، كما قامت سيّدتنا فاطمة (عليها السلام) بواجبها خير قيام، ولم تمنعها أعباء البيت وتربية الأولاد من القيام بهذه المسؤولية، ولم يمنعها كون زوجها أمير المؤمنين (عليه السلام) مجاهداً في سبيل الله يخرج مع رسول الله من غزوة إلى غزوة ومن حرب إلى أخرى ومن ثمّ يأتيها وهو مثقل بالجراحات والدّماء وتقوم هي بمداواته وتنظيف جروحه وغسل ثيابه وسيفه من الدماء، لم يمنعها ذلك ولا غيره من المسؤوليات التي كانت ملقاة على عاتقها، من أنْ تقوم بوظيفة التبليغ والدعوة وإرشاد المسلمات إلى أحكام دينهنّ وتعاليمه، والقيام بمسؤولية العلم في حياتها.

ونستوحي من هذه المسألة أنّ المرأة لا بدّ أن تتحمّل مسؤولية العلم، مسؤولية ما تقرأ وتدرس وتعقل، مسؤولية أن تكتب بحسب إمكاناتها في الكتابة، ومسؤولية أن تنقل ما تعلمه إلى الآخرين ما أمكنها ذلك، كما كانت الزهراء تنقل علمها للآخرين، إنّنا نتساءل: لماذا لا يكون لدينا كاتبات مسلمات؟! مع أنّ في نسائنا من الطاقات الكامنة والدفينة ما لو تفجّرت لقدّمت للمكتبة الإسلامية وللأُمّة الإسلامية الكثير من الكتب النافعة والمفيدة، إنّنا ندعو النساء المؤمنات إلى محاولة تدريب أنفسهن على الكتابة، فقد تكتشف أكثر من واحدة أنّها مشروع كاتبة مستقبلية. وإنّي أذكر الشهيدة المجاهدة بنت الهدى، فقد عايشناها في النجف وكانت في البداية تكتب بشكلٍ عادي وبسيط جداً، حتّى أنّنا كنّا نصحِّح لها بعض ما تكتبه، وأذكر أنّي بعدما نشرت قصيدتي "الأساليب القديمة" في مجلّة "الأضواء" في سنة 1380هـ، أرسلت إليّ بعض قطع الشعر التي تحاكي فيها تلك القصيدة، وربّما كانت عندها بعض الأخطاء كأكثر المبتدئين في الكتابة، ولكنّها كانت مثابرة على الدرس والتمرُّن على الكتابة والتقدُّم إلى الأمام، حتّى وصلت وأصبحت من الكاتبات المسلمات ينتفع المسلمون والمسلمات بكتابتها.

إنّ على المرأة أن لا تحتقر طاقاتها أو تستصغر إمكاناتها، فقد يكتشف الإنسان نفسه بالتجربة، فإذا لم يجرّب فلن يكتشف نفسه.

إنّنا ندعو إلى حركة المرأة الفكرية والثقافية وحركة المرأة الأدبية وحركة المرأة السياسية والجهادية وحركة المرأة في خطّ الدعوة إلى الله سبحانه، وأنْ تستهدي الزهراء في كلّ خطواتها، لأنّنا عندما ندرس شخصية الزهراء، فإنّنا نجد أنّها تمثّل الشرعية في كلّ ما عاشته وانطلقت فيه ودخلت فيه من ساحات، لهذا علينا أن ننطلق لنأخذ إيجابيات هذه المرأة العظيمة ـــ وكلّها إيجابيات ـــ في حياتها الحركية، حتّى نصل إلى مرحلة يتكامل فيها الرجال والنساء في المجتمع الإسلامي، فلا تكون المرأة كميّةً مهملة على هامش الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي العام للرجل، فالله تعالى يقول: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ـــ أولياء في التعاون والنصر والتكامل ـــ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [التوبة : 71].

6 ـــ نداء فاطمة للمرأة:

إنّ نداء فاطمة للمرأة في العالم هو: كوني إنسانة ولا تكوني مجرّد أنثى تتحرّك بأنوثتها لتسقط إنسانيّتها، كوني إنسانة مع الله ومع الناس، إنسانة بالمعنى الروحي والعقلي والحركي، وكوني رسالية تفكّر بالرسالة لا بالذّات، فتقدّم الذّات فداءً للرسالة.

وإنّ الإسلام يقول للمرأة في العالم، وكذلك للرجل، هذه فاطمة سيّدة نساء العالمين لا بنسبها، ولكنّها سيّدة نساء العالمين بفضائلها، ولهذا انطلِقوا لتتعلَّموا منها كيف يكون الحبّ للإنسان والعطاء للإنسان وكيف تكون المسؤولية الثقافية وكيف تكون المواجهة والمعارضة للظلم والانحراف، ولتكنْ الزهراء (عليها السلام) قدوتكم في العبادة وقدوتكم  في الأخلاق والجهاد والعطاء والإيثار.

إذا احتفلتم بالزهراء (عليها السلام) فليكن احتفالكم بها احتفالاً بالرسالة التي انفتحت عليها في كلّ حياتها، لأنّ الزهراء ليست دمعة، بل هي موقف.. الزهراء ليست حزناً، إنّها فرح الرسالة، فحتّى ونحن نحزن عليها نفرح بها وبانتمائنا لها، وحتّى ونحن نبكي عليها نبتسم لها، لأنّ الله أرادنا أن نكون في حركة الرسالة كما قال الشاعر: "يغصّ بالدمع وهو يبتسم"، والرسالة فيها فرح وفيها حزن، فيها راحة وفيها تعب، فلننطلق مع عظمائنا رجالاً ونساءً من حيث كانوا مع الرسالة، لأنّ ذاتهم ذات رساليّة، فلننطلق مع ذاتهم الرسالية لا ذاتهم الشخصية، وإنْ كانت الرسالة قد امتزجت بالذّات والذّات امتزجت بالرسالة عندهم.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الأسئلة والأجوبة

السبب في غموض شخصيّة الزهراء (عليها السلام):

ـــ شخصية الزهراء (عليها السلام) غير واضحة لدى الشيعي فضلاً عن غيره من المسلمين، فلماذا؟

في تصوّري، إنّ من أسباب ذلك أنّ الزهراء (عليها السلام) لا تثار إلاّ في جوّ المأساة، ولا يثار غالباً جوّ الموقف وجوّ الحركة الرسالية التي قامت بها الزهراء (عليها السلام)، مع أنّنا نستطيع طرح الزهراء كسيّدة نساء العالمين وقدوة للنّساء. إنّنا نطرحها كسيّدة لنساء العالمين، لأنّ السيادة لا تنطلق من نسب فحسب، وإنّما من خلال الخصائص، وإنّنا لا نجد امرأة كانت لها خصائص الزهراء في روحيّتها، في إخلاصها لربّها، في ثقافتها ورسالتها، في تعليمها النساء وفي جهادها، لذلك فهي سيّدة من حيث عناصر السيادة الذاتية في شخصيّتها، هي سيّدة من خلال حركتها في كلّ مواقفها، وهي سيّدة نساء العالمين، لأنّها ـــ وقد مضى عليها ما يزيد على أربعة عشر قرناً ـــ لا تزال تلهم وتوحي وتعطينا الكثير من دروس الروح ودروس الفكر والجهاد، فالزهراء (عليها السلام) هي القدوة في كلّ شيء، لأنّها الإنسانة الكاملة في كلّ شيء. وعلينا أن نقدّمها للعالَم كلّه من خلال شخصيّتها المتكاملة.

إيصال صوت فاطمة (عليها السلام) للعالَم:

ـــ هل قصّر الشيعة في إيصال صوت فاطمة إلى العالَم الإسلامي؟ ولعلّكم تقولون إنّها وظيفة المسلمين، فلماذا إذاً نجد حضور فاطمة في ذهن المسلمات ضعيفاً، وحضور غيرها أوضح منها وأجلى؟

إنّي أحبّ للشيعة أن يفكّروا كمسلمين، لذلك علينا أن لا نفصل أنفسنا عن الإسلام، تعلَّموا أن تقولوا نحن المسلمين نفكِّر بهذه الطريقة، وإذا أردتم فنحن المسلمون في خطّ أهل البيت (عليهم السلام)، لأنّ بعض الناس يستغرق في الكلمة فيحسب أنّ التشيُّع غير الإسلام.

أمّا قضية عدم حضور الزهراء (علي ها السلام) في ذهن العالَم الإسلامي، فأعتقد أنّ هناك نوعاً من الحضور، ولكن علينا أن نؤكّده ونعمِّقه من خلال شرحنا لجهادها وعلمها ورساليّتها، وأمّا أنّ غيرها قد يكون له من الحضور أكثر منها كبعض زوجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فالسبب في ذلك أنّ بعضهن انطلقت في ساحة الأحداث الكبيرة والظروف القلقة، والناس عادة تتحدّث عن حركة الأحداث في تاريخ الشخص ولا تتحدّث عن أحداث الروح والفكر والعِلْم الذي يحمله الشخص، لاسيّما أنّ الأحداث التي عاشتها الزهراء (عليها السلام) كانت أحداثاً لا تلتقي مع توجّهات بعض المسلمين، فحاولوا طمسها.

طهارة الزهراء (عليها السلام):

ـــ هل أنّ (آية التطهير): {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب : 33]، تعني أنّ الزهراء (عليها السلام) طاهرة من كلّ خبث حتّى من الدماء الثلاثة؟

آية التطهير لا تدلّ على ذلك، وإنّما تقصد الطهارة الفكرية والعلمية والروحية والأخلاقية.

درجة الزهراء (عليها السلام) الإيمانية:

ـــ كيف تسنّى للصدّيقة الكبرى الزهراء (عليها السلام) أن تصل إلى أكمل درجة إيمانية وصلتها امرأة، هل كان ذلك بسبب النسب والوراثة، أم اللّطف الإلهي وحده، أم أنّ هناك عوامل مشتركة؟

كيف وأين عاشت الزهراء (عليها السلام)؟ لقد عاشت طفولتها مع الوحي الذي ينزل على أبيها رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) صباحاً ومساءً، فكانت تتحسَّس أجواء الوحي في الصباح وفي المساء، وكانت تعيش مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فتتعلَّم منه في كلّ يوم شيئاً، وكانت تعيش أخلاقه وروحانيّته وابتهالاته في اللّيل والنهار، وكانت، كما تحدِّثنا سيرتها، تخرج مع رسول الله في بعض غزواته وتلاحقه في حركة دعوته، وكانت تأخذ منه حناناً وتعطيه حناناً، وتأخذ منه أخلاقاً ويتمثّل ذلك في أخلاقها، لذلك عاشت الزهراء (عليها السلام) في بيت رسول الله كلّ روحية رسالته وكلّ مفرداتها، ولم نعرف أنّ الزهراء تعلَّمت عند معلّم أو قرأت عند شخصٍ آخر، فكلّ ثقافتها كانت من رسول الله، وكلّ تربيتها كانت في أحضانه، هذا من جهة. ومن جهةٍ أخرى، أعطاها الله لطفاً من ألطافه ورحمة من رحماته، فتكاملت لها الصورة من جهدها عندما تعلَّمت من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ومن لطف الله بها كما يلطف الله بأنبيائه وعباده الذين ارتضى، ولذا نراها عندما انتقلت من بيت رسول الله العائلي إلى البيت الثاني لرسول الله، وهو بيت عليّ (عليه السلام) الذي عاش مع رسول الله في اللّيل والنهار، عاشت مع عليّ (عليه السلام) روحانيّته وفكره وصبره وجهاده وانفتاحه، واستطاعت أن تحقِّق لعليّ أعلى نموذج للبيت الإسلامي الذي يتنفَّس فيه الروحانية والجوّ الإسلامي كلّه.

وهكذا كانت فاطمة في سموّها الفكري والروحي، صورةً من رسول الله وانفتاحاً على عليّ (عليه السلام)، كانت إنسانة الطهر والنقاء والعصمة.

الفرق بين الزهراء (عليها السلام) والنساء:

ـــ ما الفرق بين فاطمة الزهراء (عليها السلام) وبين بقيّة النساء غير مسألة العصمة؟

الفرق أنّ فاطمة (عليها السلام) تملك من العمق الروحي في شخصيّتها ما جعل منها رسالة متجسّدة، بحيث إنّك لا تستطيع أن تجد لها حياة شخصية تنفتح على لهوها وعبثها، والفرق بينها وبين بقيّة النساء أنّ الرساليّات منهنّ كانت تأتي الرسالة من خارج ذاتهن، أمّا هي فكانت رسالتها تنبع من داخل عقلها وقلبها وروحها، لأنّها عاشت حياتها كلّها مع الرسالة وفي حضنها وفي كنف رسول الله، وانفتحت مع عنفوان الرسالة في بيت عليّ، وتحرّكت في عاطفة الرسالة مع الحسنين، لذلك هي لم تعش شيئاً غير الرسالة، وهذا هو الفرق بين العمق والسطح، وهذا هو الذي يجعل منها القدوة كلّ القدوة.

التشكيك بروايات موت الزهراء (عليها السلام):

ـــ يوجد بعض العلماء الذين يخطبون على المنابر والذين يدرّسون بعض الأخوة، يشكِّكون بالروايات التي تتكلّم حول السيدة الزهراء (عليها السلام) بالنسبة لسبب وفاتها، فما هو تعليقكم؟

إنّ هذه القضايا يجب أن تبحث بحثاً علمياً، سواء من الذين يؤيّدون هذه الفكرة أو الذين يعارضونها، إنّ هذه القضية تاريخيّة وخلافية، فبعضهم رأى ذلك والآخر رأى غير ذلك، فينبغي ألاّ تكون مثل هذه القضايا أساساً للغوغاء أو الكلمات غير المسؤولة، بل أن تكون أساساً للبحث والنقد التاريخي. وقد ذكرت أكثر من مرّة بأنّ علينا أن ننقد ما عندنا بطريقة علمية موضوعية قبل أن ينقده الآخرون، لأنّنا عندما ننقده نفعل ذلك مع المحافظة على العناصر الأساسية لخطّ الإسلام وخطّ التشيّع، بينما عندما ينقده الآخرون فإنّهم ينقدونه بطريقةٍ أخرى، وربّما بكثير من التشويه.

غضب لله لا للذّات:

ـــ كيف نوفِّق بين موقف الزهراء (عليها السلام) حيث رحلت وهي غاضبة على الشيخين ومنزعجة منهما، وبين موقف عليّ (عليه السلام) حيث بايعهما، فهناك من يلتبس عليه الأمر، فيرى موقف الزهراء انجراراً وراء العاطفة وأنّها غضبت لذاتها وأنّ موقف عليّ (عليه السلام) كان عقلانياً؟

إنّ موقف الزهراء (عليها السلام) هو موقف عليّ (عليه السلام). لقد وقف عليّ موقفاً سلبياً رافضاً، كما وقفت الزهراء موقفاً سلبياً رافضاً، ثمّ لماذا وقفت الزهراء موقفاً عاطفياً؟ هل أنّ عاطفتها استجاشت على الخلافة لعليّ أكثر من عاطفة عليّ على نفسه؟ لقد غضبت الزهراء للحقّ لا للذّات، ووقفت للدفاع عن الحقّ كما وقف عليّ (عليه السلام) للدفاع عن الحقّ بكلّ عزيمة وقوّة. ولهذا عندما نقرأ "نهج البلاغة"، نجد قوله (عليه السلام): "أما والله لقد تقمّصها ابن أبي قحافة، وإنّه ليعلم أنّ محلّي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنّي السيل، وإنّه ليعلم أنّ محلي منها محلّ القطب من الرحى، ينحدر عنّي السيل، ولا يرقى إليّ الطير"(1)، كان هذا الكلام يمثّل الاحتجاج من عليّ (عليه السلام) والرفض لما حصل. نعم، بعد ذلك رأى عليّ (عليه السلام) أنّ مصلحة الإسلام في الصبر "فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجى"(2)، وقد صدرت عنه كلمة رائعة تفسِّر لنا صبره (عليه السلام) ومراعاته للجوّ رغم رفضه لشرعيّته، وذلك في رسالته إلى أهل مصر، وهي موجودة في "نهج البلاغة"، وإنّي لأحبّ أن يقرأها كلّ مسلم شيعي حتّى يعرف خطّ عليّ (عليه السلام) في الواقع الإسلامي عندما تتحرّك الفتنة والخلافات والمشاكل، فيقول عليّ (عليه السلام): "فما راعني إلاّ انثيال الناس على فلان يبايعونه، فأمسكت يدي، حتّى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فخشيت إنْ أنا لم أنصر الإسلام وأهله ـــ يعني إنْ بقيت على الموقف السلبي.. الموقف الرافض.. الموقف غير المتعاون.. أنْ أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ ـــ لاحظوا كلمة "المصيبة"، فإنّها تعبّر عن مدى إحساسه (عليه السلام) بمسؤوليته عن الإسلام ـــ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل يزول منها ما زال كما يزول السَّراب أو كما ينقشع السَّحاب، فنهضت في تلك الأحداث، حتّى زاح الباطل وزهق، واطمأنَّ الدِّين وتَنَهْنَه"(1)، أي ارتاح، وكان يقول: "لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن بها جور إلاّ عليَّ خاصّة"(2).

وعندما رآه ابن عبّاس وهو يخصف نعله وهو أمير المؤمنين، اعترض عليه، لأنّ ذلك لا يناسب مقامه كخليفة، قال ابن عبّاس: فقال لي (عليه السلام): "ما قيمة هذا النعل؟ فقلت: لا قيمة لها، فقال (عليه السلام): والله لهي أحبّ إليَّ من إمرتكم إلاّ أن أُقيمَ حقّاً أو أدفعَ باطلاً"(3)، إنّ إمرتكم تحمّلني عبئاً، فلا تتصوَّروا أنّي أعتزّ بالإمرة بأنّي صرت خليفة للمسلمين، فهذه النعل تفيدني أكثر من إمرتكم، فهي تقيني من الحرّ والبرد "إلاّ أن أُقيم حقّاً أو أدفعَ باطلاً"، لذلك فإنّ الإمام عليّ (عليه السلام) كان يتحرّك حيث تتحرّك مصالح المسلمين، وحيث تكون سلامة المسلمين، فنرجو أن نفكِّر بمستوى الإمام عليّ (عليه السلام)، فإنّ علاقتنا به (عليه السلام) ليست السيف الذي ضرب به (عمرو بن عبد ود) أو الذي قسم به (مرحب) قسمين، إنّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) موقف وفكر وحركة ومنهج، وعلينا أنْ نقرأه، أنْ نقرأ سيرته، فكره، علمه، أن لا نكون مثل الذين قال لهم: "سلوني قبل أن تفقدوني"(4) فيقول له أحدهم: كم شعرة في رأسي ولحيتي(5).    

إنّ بعضنا غير مستعد ليقرأ "نهج البلاغة"، وغير مستعد أن يقبل أي موقف من مواقف عليّ (عليه السلام) إذا كان يتنافى مع عصبيّته.. إنّ الإسلام ليس عصبية، إنّه فكر وموقف، وعلينا أن نعيش هذا الموقف، وأن نتزوّد بهذا الفكر.

 

 

سيادة النساء في عمر قصير:

ـــ كانت الزهراء (عليها السلام) قصيرة العمر، فكيف أصبحت سيّدة النساء، وهل تستطيع شابّاتنا المؤمنات الاقتداء بها، وما هي عناصر القدوة في حياتها؟

في بعض الأدعية: "اللّهم اجعل حياتي قصيرة عريضة ولا تجعلها طويلة ضيّقة"، فليست القضية هي أن تعيش مائة سنة، لأنّ بعض الناس قد يعيشون مائة سنة وعمرهم يتحرّك في دهليز الأجواء الثقافية أو الروحية، بينما هناك أُناس يعيشون عشرين سنة، ولكنّك تشعر أنّ حياتهم كانت عريضة ممتدّة، تؤتي أُكُلَها كلَّ حين.

وهناك بعض الناس يرون أنّ سنتهم تساوي عشر سنوات، وهناك مَنْ ترى أنّ عمرهم يساوي يوماً أو بعض يوم {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ} [المؤمنون : 113]، كم هو عمر السيّد محمد باقر الصدر (رضي الله عنه)؟ ولكنّه ترك لنا من التراث ومن الحركية والروحية والقدوة ما يمكننا أن نتجاوز به مئات السنين ونغتني به، وكم من الذين عاصروه ممّن عاشوا عشرات السنين ولكنّهم ماتوا وبقي حيّاً.

والزهراء (عليها السلام) عاشت مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فأخذت منه في طفولتها وشبابها كلّ ما استطاعت أن تأخذه، فكان نهارها وليلها معه، وكانت تسمع كلّ آية تنزل عليه، كما كانت تسمع كلّ كلمة يقولها للنّاس في الخارج، وكان يحدّثها ويحدّث عليّاً في الداخل، وكانت زوجة عليّ (عليه السلام) في شبابها، وكما كان عليّ (عليه السلام) مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أعظم التلاميذ، كانت هي أيضاً أعظم التلميذات، وهي مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) في ما أخذته من علم وروحانية وحركية وانفتاح وإنسانية، حتّى أنّها كانت تخرج معه في حربه، ولذلك فإنّها استطاعت في هذا العمر أن تختصر الكثير من السنين. وبهذا ـــ مضافاً إلى لطف الله بها ـــ كانت سيّدة نساء العالمين والمؤمنين.

وعندما نطرحها كقدوة، فإنّنا لا نتحدّث عن اقتداء النساء فقط بها، بل هي قدوة للرجال والنساء معاً، لأنّ عناصرها كانت عناصر الإسلام، وعناصر الإنسان المسلم، لا المرأة وحدها، وإنْ كان للمرأة في حياتها دور كبير، فالمرأة المسلمة تستطيع أن تأخذ الكثير من الزهراء (عليها السلام) عندما تعرف كيف تملأ وقتها، وكيف تنفتح في طاقاتها على العلم والروحانية والحركة بحسب طاقاتها وإمكاناتها.

مناقشة مقولة للعقاد:   

ـــ لماذا ناقش الشهيد الصدر (رضي الله عنه) مقولة (عبّاس محمود العقّاد) التالية عن فدك، حيث قال ما مفاده: "الزهراء أعظم من أن تدّعي ما ليس لها، والخليفة أكبر من أن يأخذ شيئاً بالباطل والظلم". هل لكم أن تناقشوا ذلك؟

إنّ مشكلة الكثير من الباحثين أنّهم يريدون أن يتحرّكوا في الصلح في ما لا صلح فيه، صحيح (أنّ الصلح سيّد الأحكام)، فإذا اختلف اثنان في مسألة ماليّة فأنتَ تحلّها بأنْ تعطي هذا نصفاً وذاك نصفاً، لكن عندما تكون القضية حقّاً أو باطلاً، فلا إمكانية للصلح بل لا بدّ من الحسم، ولا بدّ أن يقف الإنسان إلى جانب الحقّ وإلاّ كان مع الباطل.

العقّاد يقول إنّ الزهراء (عليها السلام) أعظم من أن تدّعي ما لا تستحقه، وإنّ الخليفة أعظم من أن يأخذ شيئاً بالباطل والظلم، فإذا اتّفقنا أنّ الزهراء (عليها السلام) أعظم من أن تدّعي ما ليس لها، فإذاً هي ادّعت ما لها، وإذا ادّعت ما لها فهي الصادقة والمصدّقة بشهادة الله سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً} [الأحزاب : 33] وبشهادة ابنة أبي بكر "ما رأيتُ أصدق منها إلاّ أباها"(1)، فإذا كانت هي الأصدق فقولها الصدق، وإذا كان قولها الصدق فكلّ ما خالفه فهو كذب. وعلى ضوء ذلك، فكيف يجتمع هذا مع القول بأنّه أعظم من أن يأخذ شيئاً من الباطل، فإنّ ثبوت الحقّ في الكلمة الأولى ينتج بطلان الكلمة الثانية.

حقّ الزهراء (عليها السلام):

ـــ نقل عنكم أنْ لا حقّ للزهراء (عليها السلام) في ما كانت تطالب به من فَدَك؟

فدك حقيقة فاطمية وحقيقة إسلامية.

استرجاع "فدك":

ـــ يقال إنّه لو كان لفاطمة الزهراء (عليها السلام) حق بــ "فدك" لأعاد الإمام عليّ هذا الحقّ لأصحابه في زمن خلافته، لأنّه كان قادراً على ذلك؟

إنّ قضية فدك لم تكن قضية مال عند عليّ (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام)، كيف وعليّ هو القائل: "وما أصنع بفدك وغير فدك والنّفس مظانّها في غدٍ جدث"، وإنّما كانت فدك بنظرهم رمزاً للخلافة المغتصبة، فلمّا بويع عليّ (عليه السلام) بالخلافة لم يرَ مصلحة أن يتدخّل بنفسه لاسترجاعها، حتّى لا يتّهم باستغلال الخلافة لمآربه الشخصية، وربّما لأنّه وجد أنّ استرجاعها سيخلق له بعض المتاعب من الذي صرخوا وا سنّة عمراه، عندما غيَّر عليّ (عليه السلام) بعض المظاهر التي أدخلها عمر كصلاة التراويح(2).

 

 

المطالبة بــ "فدك":

ـــ من المعروف بأنّ أهل البيت (عليهم السلام) لا تهمّهم الدنيا وما فيها، فما هو السرّ الذي جعل السيّدة الزهراء (عليها السلام) تطالِب الخليفة الأوّل بــ "فدك"؟

كانت فدك حقاً للزهراء، نحلة وعطيّة من رسول الله أو إرثاً منه، ومن الطبيعي أن تطالب بهذا الحقّ من دون أن يكون في ذلك إشارة إلى حالة من حالات الاهتمام بالمال والدّنيا، فإنّ مطالب الإنسان بحقّه من خلال حاجاته الطبيعيّة ومسؤولياته العائلية هو أمر شرعي طبيعي ومحبوب عند الله، هذا أوّلاً.

وثانياً، كانت المطالبة بفدك جسر العبور إلى الخلافة، فإنّها الحقّ الأصيل الذي تكون فدك إحدى مظاهره، ويقال إنّ أحد خلفاء بني العبّاس قال للإمام الكاظم (عليه السلام) إنّني مستعد أن أرجع إليك فدك فحدِّدها، متصوّراً أنّها المنطقة الموجودة في الحجاز، فقال له الإمام: إذا عرَّفتُ لكَ حدود فدك فإنّك لن تعطيني إيّاها؟ فقال الخليفة العبّاسي: ما حدودها؟ قال له: حدود فدك هي حدود البلاد الإسلامية كلّها(1)!

لذلك كانت فدك المنطلق ولم تكن الغاية، ويقال إنَّ "ابن أبي الحديد" في شرحه لنهج البلاغة سأل أستاذه: لماذا لم يعط "أبو بكر" فدكاً للزهراء ولو كانت للمسلمين لأعطوها لفاطمة؟ قال له: لو أعطيت فدك لطالبت بالخلافة لعليّ، ولذلك رأى أن يقطع الأمر من أوّل الطريق حتّى لا يمتدّ مطلبها إلى أبعد من ذلك، والله العالِم.

 

 

إثارات البوطي:

سمعنا أخيراً درساً للدكتور البوطي يقول فيه بإنكار الكثير من الروايات والأحاديث والحقائق المذكورة مِنْ قِبَل أُمّهات كتب الفريقين، ومنها أنّ الزهراء (عليها السلام) لا حقّ لها في "فدك"، لأنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: "نحنُ معاشر الأنبياء لا نورِّث ما تركناه صدقة"، ويقول أيضاً: إنَّ سيّدنا عليّاً إذا كان معصوماً فإنّ مبايعته شرعية وليست خطأ، لأنّ المعصوم لا يخطئ؟

نحن نريد لهذه القضايا أن تثار في أجواء علمية موضوعية حتّى يمكن الوصول إلى نتيجة موضوعية في هذا المجال، ولهذا نقول: أمّا النقطة الأولى وهي قصّة فدك، فإنّ الزهراء (عليها السلام) في مطالبتها، بــ "فدك" أنكرت حديث نحن معاشر الأنبياء لا نورث، الذي تفرّد أبو بكر بروايته، حتّى أنَّ زوجات النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) لم يذكرن أنّهنّ سمعن ذلك من النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم). ثمّ إذا فرضنا أنّ هذا الحديث المنسوب للنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) صحيح، وهو أنّ الأنبياء لا يورّثون، فمن هو الإنسان الذي ينطبق عليه هذا القول: هل هناك غير الزهراء وحدها التي كانت ترث النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، بالإضافة إلى زوجاته اللاتي لهنّ جزء بسيط وهو الثمن، فهل يمكن أن تكون الزهراء (عليها السلام) الإنسانة الوحيدة التي ترث النبيّ بالقرابة والفرض وأن لا يكون النبيّ قد عرّفها ذلك؟ والقضية كما نعلم تتّصل بحياتها، وكان النبيّ يحبّها أعظم الحبّ ويقول: "فاطمة بضعةٌ منّي"، فلو كانت لا ترث لأخبرها وجنّبها المتاعب.

أمّا النقطة الثانية وهي قضية بيعة الإمام، فالواقع أنّ الإمام (عليه السلام) بقي على رأيه في مطالبته بحقّه، ولكنّه قال: "لأسلمنَّ ما سَلِمَتْ أمور المسلمين ولم يكن بها جور إلاّ عليَّ خاصّة"، "فخشيتُ إنْ أنا لم أنصُرِ الإسلام وأهله، أنْ أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم هذه"، فلم تكن القضية تنازلاً عن الحقّ، ولكنّها كانت تمثّل حماية للإسلام وحفاظاً عليه، وهذا ما يجب أنْ نتعلَّمه وأنْ لا يستغرق كلّ واحد منّا في ما لديه من أفكار ليثير العصبية والأجواء الحادّة السلبية.. هذه نقطة أساسية، وتبقى للمسلمين خلافاتهم التي يجب أن يبحثوها بشكلٍ موضوعي لا بشكلٍ استعراضي أو بشكلٍ حادّ عصبي، فذلك لا يفيد الإسلام والمسلمين، بل علينا أن نمارس خلافنا في الرأي كما مارسه الأوّلون، فقد مارسوه فيما لم يكن الاختلاف مضرّة للإسلام، حتّى سارت المسيرة الإسلامية في طريقها المستقيم.

موقع الشخصيات التاريخيّة من واقعنا المعاصر:

ـــ هناك مَنْ يقول إنّ الحديث عن التاريخ وشخصيّاته عملية تحجّم دورنا المعاصر في حدود الماضي، في حين أنّ المطلوب هو أنْ نعيش الواقع بظروفه وأنْ نكيّف تطلُّعاتنا على أساسه، فبدل أن نستغرق في تاريخ الزهراء (عليها السلام)، لماذا لا نبحث عمّا هو الدور المعاصر للمرأة؟

الماضي على قسمين: فهناك ماضٍ يموت.. وهناك ماضٍ يحمل عناصر الخلود والبقاء، لأنّ الحقيقة التي تعيش في الحياة واحدة، ولذلك ليس للحقيقة عمر، ليس لها ماضٍ ولا حاضر ولا مستقبل.

والأشخاص الذين يعيشون في قلب الحقيقة، والذين تنطلق حياتهم من موقع القِيَم الروحية والأخلاقية التي تمتدّ في الزمن، هؤلاء لا يموتون، وهؤلاء لا يشعر الإنسان بأنّهم جزء من الماضي الذي ذهب، بل يرى أنّهم مظهر للزمن الذي يتجدَّد، لأنّهم يتجدَّدون مع الزمن، ويجدِّدون الزمن.

ونحن عندما نعيش حياتنا المتحرّكة المتطوّرة التي تضجّ بالمتغيِّرات على كلّ المستويات، قد نحتاج إلى أن نبحث قضية المرأة كإنسان، كيف يمكن أن تعيش المرأة في الواقع، هل أنّ في ذاتها نقصاً في إنسانيّتها، وبذلك فإنّها تعيش نقصاً في دورها؟ أو أنّ الإنسانيّة تتكامل في الرجل والمرأة، فللرجل معنى يغني الإنسانية في خصائصه الذاتية، وللمرأة معنى يُغني الإنسانيّة في خصائصها الذاتية. والإنسانية تتكامل مع الرجل والمرأة على أساس أن يحرّك الرجل إنسانيّته ليغني بها تجربة الحياة، وأن تحرّك المرأة إنسانيّتها لتغني بها تجربة الحياة.

فالله سبحانه لا يريد للمرأة أنْ تتحرَّر من أنوثتها، لأنّها جزء من شخصيّتها، ويمكن لهذا الجزء أن يحقِّق الكثير من الإيجابيات في حركتها في الحياة، والله لا يريد للرجل أن يلغي ذكوريّته، لأنّها جزء من ذاته، ويمكن أنْ يحقِّق الكثير من إيجابيّات الحياة.

والحديث عن الزهراء (عليها السلام) لا يمثّل استغراقاً في التاريخ، لأنّها بما تحمل من صفات، تمثّل الحاضر الحيّ والمستقبل المشرق، فقد رأيناها في أمومتها كأعظم ما تكون الأُمّهات، ورأينا قساوة الدور بالنسبة إلى جسدها الضعيف؛ قساوة دورها كزوجة على جسدها، وقساوة دورها كأُمّ على جسدها، لكنّها تحمّلت ذلك واعية صابرة.

ثمّ رأيناها (عليها السلام) تقوم بمسؤولياتها الرسالية المتنوّعة، فقد حرّكت الحقّ في ضمير الأُمّة، وقدّمت الدرس الأكبر في التعامل مع الواقع الذي أحاط بالأُمّة بعد وفاة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وكانت صاحبة الموقف الذي امتدّ عبر الزمن وظلّ حيّاً إلى الآن، وسيظلّ كذلك.

إنّ دراسة تجربة الزهراء (عليها السلام) ليس عودة إلى الماضي لنتحجَّم فيه، إنّما هو استيحاء الماضي من خلال تجربة رائدة صنعتها شخصية معصومة، وإنّ هذه التجربة لم تكن في يوم من الأيام مقتصرة على الماضي، بل هي ممتدّة مع الزمن حيّة متجدّدة.

الزهراء (عليها السلام) قدوة للرجال والنساء:

ـــ من خلال دراسة دور الزهراء (عليها السلام) الرسالي وهي ابنة الرسول وزوجة الإمام عليّ، كيف ترسمون الدور المطلوب من النساء في ضوء ذلك؟

في أجواء الزهراء (عليها السلام)، لا بدّ من استيحاء فكرة هامّة.. فكرة تنطلق للرجال وللنساء معاً، وهي أنّ الإنسان الذي يملك طاقة ـــ أي طاقة من الطاقات ـــ ويعيش دوراً في أي مهمّة يريد الله منه أن يقوم بها، لا بدّ أن يقوم بدوره كاملاً غير منقوص، ولا بدّ أن يحرّك طاقاته ليخدم الناس والإسلام.

إنّ فاطمة (عليها السلام) وهي ابنة رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، كانت لا تترك دقيقة من وقتها إلاّ وتحرّكها من أجل القيام بمسؤوليتها، ولهذا فإنّ علينا أن نفكّر في الحياة، بأنّنا مخلوقون للعمل وللمسؤولية، لنجعل كلّ عمل وطاقة من طاقتنا في خدمة الله وفي خدمة الناس، وفي خدمة الحياة.

من فاطمة (عليها السلام) نتعلَّم أنّه عندما يكون الإنسان في موقع متقدِّم في المجتمع، فليس له أن يعيش بعيداً عن مسؤوليّته: "كلُّكم راعٍ وكلّكم مسؤولٌ عن رَعِيَّته"(1)، وسيحشر غداً كلّ إنسان أمام الله، ويحاسب على كلّ دقيقة صرفها في بطالة، وعلى كلّ طاقة أضاعها، وعلى كلّ جهدٍ بدَّده في غير منفعة.

غداً عندما نقف أمام الله سنعرف قيمة كلّ الوقت الذي صرفناه، وقيمة كلّ الجهد الذي بدَّدناه، وكلّ الطاقات التي ضيَّعناها في الفراغ.

نتعلَّم من خلال فاطمة (عليها السلام) التي عاشت كلّ وقتها، وصرفت كلّ جهدها، وعاشت كلّ دورها، وانفتحت على ربّها وعلى الإسلام وعلى الرسالة وعلى حياتها الخاصّة، ولم تدع جانباً يطغى على جانب.. نتعلَّم كيف نكون قريبين إلى الله، وكيف نكون منفتحين عليه، وكيف نجعل حياتنا في خدمة الله.. وفي خدمة الإسلام.

موقف الزهراء (عليها السلام) على المستوى السياسي:

ـــ كيف يمكن أن نستوحي مسألة الممارسة النسوية للعمل السياسي من خلال موقف الزهراء (عليها السلام) من الخلافة؟

عندما ندرس حياة السيّدة الزهراء (عليها السلام)، فإنّنا نجد أنّها انطلقت لتواجه الموقف من موقع التحدّي وردّ التحدّي، ولم تقف موقفاً سلبياً حياديّاً.

فلقد شعرت (عليها السلام) أنّ مسألة الخلافة ليست مسألة عليّ (عليه السلام)، بل إنّها مسألة الأُمّة والرسالة. وكانت تشعر أنّها مسؤولة أن تحمي الأُمّة، وأن تحمي الرسالة.

ولذلك اندفعت في أوّل موقف خطابي لها إلى المسجد، لتتحدّث للمسلمين عن الإسلام، وعن أسرار الإسلام، وعن الواقع الذي عاشه المسلمون، والمصاب الذي حدث في غياب رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).

ثمّ تحدّثت لهم عن مسألة فدك، التي لم تكن تمثّل بالنسبة إليها مسألة مال تريده، ولكنّها تمثّل بالنسبة إليها مسألة منطلق للحقّ تريد أن تحرّكه هناك.

وتحدّثت عن المسألة الأساسية كما لم تتحدّث امرأة قبلها. ولم تكتفِ بذلك، بل إنّها واجهت المسؤولين عن هذا الموضوع، بطريقة حاسمة، ثمّ بعد ذلك طافت على المهاجرين والأنصار، لتذكّرهم بحقّ عليّ (عليه السلام)، ثمّ جمعت نساء المهاجرين والأنصار في بيتها، وتحدّثت إليهن حديثاً قاسياً عن أزواجهنّ، وكما قلنا إنّها أوصت أن تدفن ليلاً كجزء من الاحتجاج.

هذا الموقف الفاطمي الذي يمثّل الموقف الإسلامي المتحدّي، الذي تقف فيه المرأة لمواجهة الموقف السياسي، وبالطريقة التي تعارض من أجل قضية التغيير.

هذا الموقف يعطينا شرعية حركة المرأة في المجال السياسي، فالزهراء (عليها السلام) من أهل البيت (عليهم السلام) الذين أذهب الله عنهم الرّجس وطهّرهم تطهيراً، ولذلك فإنّ سلوكها في أي موقع، يعطينا الفكرة بأنّه يمثّل السلوك الإسلامي الحقّ.

والزهراء (عليها السلام) عندما وقفت هذا الموقف، لم تقفه من خلال خصوصيّتها الذاتية، ليقال كما يقول بعض الناس هذا تكليف، والزهراء لها تكليف خاص.

فالزهراء تصرّفت كمسلمة مسؤولة، حتّى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) كان يتصرّف كمسلم مسؤول، وحتّى أهل البيت (عليهم السلام) كانوا يتصرّفون كمسلمين مسؤولين.

لذلك فعندما نرى الزهراء (عليها السلام) تتحرّك في هذا الموقف، فمعنى ذلك أنّ كلّ مسلمة تعيش مثل هذا الموقع من التحدّي الذي يصيب الواقع الإسلامي، يمكن لها أن تقف موقف الزهراء، ويمكن لها أنْ تتحرَّك في هذه الساحة.

وكما وقفت الزهراء (عليها السلام)، نجد أنّ ابنتها السيّدة زينب (عليها السلام) وقفت الموقف نفسه، لأنّ المسألة واحدة.. فهناك موقف إسلامي يحتاج إلى دور المرأة من خلال شخصية المرأة التي يمكن أن تضغط على الواقع، وهنا دور إسلامي يمكن أن تتحمّله المرأة، وقد تحمّلته زينب (عليها السلام) باعتبار حاجة الموقف الإسلامي إلى ذلك.

التأسّي من أجل مجتمع سليم:

ـــ هل المطلوب من الرجال أن يكونوا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أو عليّاً (عليه السلام)، ومن النساء أن يكنَّ فاطمة الزهراء (عليها السلام) مائة بالمائة لنصل إلى حالة المجتمع السليم، أم أنّ عطاء هؤلاء وخصائصهم تفوق حالة المجتمع السليم، بحيث يحتاج الرجال إلى نسبة مهما كانت من الرسول وعليّ، والنساء إلى نسبة من الزهراء (عليها السلام)؟

إنّ عالَم القدوة ليس هو أن تصل إلى مستوى مَنْ تقتدي به، ولكن أن تعتبر مَنْ تقتدي به النموذج الأعلى للفضائل والقِيَم التي أثبتت واقعيّتها من خلال اتّصافه بها وهو بشر، ولهذا قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ} [الأحزاب : 21]، وقال عليّ (عليه السلام): "ألاَ وإنّ إمامكم قد اكتفى من دُنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألاَ وإنّكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورعٍ واجتهاد، وعفَّةٍ وسداد"(1)، ويقول الشاعر:

فتشبَّهوا إنْ لم تكونوا مثلهم        إنَّ التشبّه بالكرام فلاح

إنّ النماذج الإنسانية العظيمة في مرتبة الأنبياء والأئمّة والأولياء هم القِمَم التي نزحف إليها، فقد يصل البعض إلى ما يقرب من القمّة، وقد يبقى البعض في السفح، ولكن علينا أن ننطلق لنحصل على السعادة من خلال ما تمثَّلوه لأنّهم تَمثَّلوا الإسلام، ولم يكن لدى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) شيء إلاّ القرآن والإسلام، ولم يكن لدى عليّ (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام) إلاّ القرآن والإسلام، ولكنّ الفرق بيننا وبينهم هو أنّهم تمثّلوا القرآن والإسلام في وجدانهم في ما أعطاهم الله من المعرفة التي لا نصل إليها، لأنّنا لا نملك الوسائل إلى ذلك.

فلسفة خطبة الزهراء (عليها السلام):

ـــ ما هي فلسفة خطبة الزهراء (عليها السلام) على مسامع القوم، مع العلم أنّ تلك الكلمات والمفاهيم التي وردت في خطبتها قد سمعها القوم من الأنصار والمهاجرين من الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)؟

قد لا يكونون سمعوها بتفاصيلها التي وردت في الخطبة، ثمّ إنّ الله تعالى يقول: {فَذَكِّرْ إِن نَّفَعَتِ الذِّكْرَى*سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشَى} [الأعلى: 9 ــ 10].

الانفتاح على عطاء أهل البيت (عليهم السلام):

ـــ عشنا لحظات طيّبة ورائعة مع الفقرات التي شرحتموها من خطبة الزهراء (عليها السلام)، فكم هناك من حكم ودروس وعمق في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ولكنّها كنوز مخفيّة، فكيف السبيل إلى الانفتاح على هذا العطاء الكبير؟

لقد تحدّثنا أكثر من مرّة عن أنّ مشكلتنا مع أهل البيت (عليهم السلام) هي أنّنا حبسناهم في سجن المأساة فقط، وعندما أطلقنا آفاقهم أطلقناها فقط في جانب المعاجز والكرامة، أمّا فكرهم ومنهجهم في الحياة وخطّهم النبويّ الأصيل، ومنهجهم القرآني الشامل، وكلّ ما قالوه وما تحرّكوا فيه ممّا يمكن أن يكون جواباً على الأسئلة والاستفهامات والمشاكل التي يتخبَّط فيها جيلنا وأجيال المستقبل، فليس هناك عمل بالقدر المطلوب لإبرازه وبيانه.. لقد عزلناهم عن حركة الحياة وأدخلناهم في حركة الدموع فضيّقنا واسعاً.

لقد حضرتم في هذا الموسم أكثر من مجلس بمناسبة وفاة الزهراء (عليها السلام)، فماذا سمعتم عن فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟ أنا هنا أتكلَّم بشكلٍ عام، لأنّ مِنَ الخطباء مَنْ يحملون مسؤولية التوعية في خطّ أهل البيت (عليهم السلام)، ولكنّ الجوّ العام يتحدّث عن المأساة وعن المظلوميّة، ونحن نؤكّد المظلوميّة، ولكنّها كانت مظلومية في خطّ الرسالة، ولم تكن مظلومية باكية، بل كانت مظلومية تختزن العنفوان والقوّة والتوعية والنقد والمواجهة في ذلك كلّه.

لذلك أقول: أخرجوا أهل البيت (عليهم السلام) إلى  الهواء الطلق وسترون أنّهم يصنعون لكلّ جيل درباً جديداً وحياة جديدة وطريقاً مستقيمة. ادرسوا عليّاً (عليه السلام) في "نهج البلاغة" أيضاً، لا تدرسوه في حركة سيفه فقط، ادرسوا الأئمّة (عليهم السلام) في كلّ هذا التراث العظيم الذي يتنوّع في مواقع المعرفة التي يحتاجها الإنسان، ولقد أطلقت مرّة صرخة مدوية: كم من المسلمين مَنْ يحفظ فكر عليّ (عليه السلام) في "نهج البلاغة".. فنحن نحفظ قتل "مرحب" وقتل "عمرو بن ودّ"، ولكن ما هو فكر عليّ (عليه السلام) في العلاقات الإنسانية، ما هو فكره عندما يتحدّث عن الله تعالى وعن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وعن الرسالة، وعن الحياة في أوضاعها كلّها، اقرأوا "نهج البلاغة"، وإذا لم تستطيعوا أن تحفظوا خطبة طويلة فاحفظوا الكلمات القصار التي في آخر النهج، فكلّ كلمة قد لا تتعدّى السطر أو السطرين، لكنّها تحمل من الفكر ومن الوعي ومن حركة الحياة ما يمكن أنْ نملأ به كتباً.

لذلك فإنّ مشكلة عليّ (عليه السلام) وأهل البيت (عليهم السلام) والزهراء (عليها السلام) في قمّتهم هي عدم استفادة الناس منهم، أَلَمْ تسمعوا عليّاً حينما قال: "سلوني قبل أن تفقدوني، فإنّي بطرق السماء أعرف منّي بطرق الأرض"(1)، فقام إليه شخص وقال: كم شعرة في رأسي؟!(2).

إنّ الكثيرين منّا في ما يتحدّثون به وفي ما يتناقشون به وممّا يثيرونه من أشياء هامشية، قد يقولون لعليّ (عليه السلام) وللزهراء (عليها السلام) وللأئمّة (عليهم السلام) كم شعرة في رأسي، لأنّ ضيق الفكرة هنا هو ضيق الفكرة نفسه هناك، ولقد أراد عليّ (عليه السلام) من خلال رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وكذلك أراد لنا أبناؤه وزوجته الطاهرة (عليها السلام)، أنْ ندخل الحياة من الباب الواسع، ولكنّنا نريد أن ندخلها من الزوايا المنغلقة، فمشكلة أهل البيت (عليهم السلام) أنّهم أرادوا أن يفتحوا لنا أبواب الوعي، ونحن نريد أن نجرّ ذكراهم إلى جوّ التخلّف، لأنّ المتخلّفين لا يحبُّون إلاّ أن يعيش الآخرون معهم في أجواء التخلُّف.

 

 

الاقتداء بالزهراء (عليها السلام):

ـــ ما هي الأمور التي يمكن أنْ تقتدي بها المرأة المسلمة بالسيّدة الزهراء (عليها السلام)؟

أن تخلص لبيتها كما أخلصت السيّدة الزهراء (عليها السلام) لبيتها في مسؤوليتها في البيت بالرغم من ضعفها الجسدي، وفي إخلاصها لزوجها ولأولادها، وفي إخلاصها قبل أن تتزوّج لبيتها الأبوي، ولقد كانت تخدم رسول الله وترعاه بعطفها وحنانها حتّى قال عنها (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) "أُمّ أبيها".

وأن تقتدي المرأة بالسيّدة الزهراء (عليها السلام)، فذلك يعني أن تكون لها شجاعة الوقوف مع الحقّ مهما كانت النتائج والظروف بحجم طاقاتها وقدراتها، مع المحافظة على الحدود الإسلامية في حياتها، وأن تقتدي بالزهراء (عليها السلام) يعني أن تتثقّف وتتعلَّم لتعلِّم النساء، كما الزهراء ـــ وهي العالِمة غير المعلَّمة ـــ فقد كانت الزهراء (عليها السلام) كما يروى في سيرتها، تعلّم النساء اللاتي يأتينها بين وقتٍ وآخر.

الزهراء (عليها السلام) المعصومة ... أمّ الأئمّة المعصومين:

ـــ يُستفاد من عصمة الأئمّة (عليهم السلام) أنّهم كانوا أئمّة للناس وقادة، فما هي الفائدة من عصمة الزهراء (عليها السلام) إذا لم تكن إماماً للنّاس؟

أوّلاً: إنّ مسألة العصمة تنطلق من لطف الله سبحانه بمن يمنحه العصمة.

ثانياً: إذا كانت العصمة لا تعطى إلاّ لمن له دور في الحياة، فإنّ الزهراء (عليها السلام) كان لها دور كبير في حياتها مع رسول الله ومع أمير المؤمنين (عليه السلام) وتربيتها للإمامين الحسنين (عليهما السلام)، ما يجعلها في موقع اللّطف الإلهي بمنحها للعصمة. وبعبارة أخرى، إذا كانت الإمامة بالمعنى المصطلح تحتاج إلى العصمة، فإنّ الزهراء كانت في موقع الإمامة لأنّها النموذج والقدوة.

ثالثاً: إنّ وصول الزهراء (عليها السلام) إلى مرتبة العصمة يراد منه أن تشعر المرأة بأنّها ليست ناقصة الإيمان وأنّ الرجل لا يفوق عليها بذلك، لأنّ بإمكانها أن تصل إلى أعلى مراتب القرب من الله سبحانه وهي مرتبة العصمة، كما وصل الرجال إلى هذه المرتبة، وبالفعل فإنّ المرأة وصلت إلى درجة العصمة في ما تتمثّله مريم (عليها السلام) والزهراء (عليها السلام). وربّما نجد بعض النساء اللاتي لم تنزل فيهنّ آية عصمة، ولكنّهنّ كنّ لا يبتعدن عن العصمة، كالسيّدة زينب (عليها السلام)، ومن الممكن للمرأة أن تنفتح وتقترب من العصمة عندما تعيش مسؤوليتها أمام الله وأمام رسالتها.

بنات رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم):

ـــ هل صحيح أنّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) كان لديه بنات غير السيّدة الزهراء (عليها السلام) من السيّدة خديجة (عليها السلام)؟

المشهور أنّ للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أربع بنات، زينب زوجة أبي العاص، ورقيّة وأم كلثوم، يقال تزوّجهما عثمان، والزهراء (عليها السلام)، وإنّنا نلاحظ أنّ الله تعالى تحدّث مع النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) عن بناته {قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ...} [الأحزاب : 59]، فهو لم يتحدّث عن ابنة واحدة، وإنّما تحدّث عن بنات، ما يدلّ على أنّ هناك أكثر من بنت لرسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم).

 

 

الزهراء (عليها السلام) القدوة:

ـــ هل يكفي حبّ الزهراء (عليها السلام) من دون سعي عملي لتطبيق منهج القرآن كما طبّقته هي (عليها السلام) لتحشر المرأة مع الزهراء (عليها السلام)؟

الزهراء (عليها السلام) عاشت مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ومع عليّ (عليه السلام) ومع الحسن والحسين (عليهما السلام) وفي وجدان الأئمّة (عليهم السلام) وكلّ العاملين، المهم أن تعيش المرأة الإسلام في طاعة الله، وفي الدعوة لدينه والعمل في سبيله، كما عاشته الزهراء (عليها السلام) ولو بنسبة معيّنة.

فاطمة سيّدة نساء العالمين:

ـــ في أحد الحوارات التي قمت بها مع أحد أخواننا السُنّة قال لي: إنّكم تقولون إنّ فاطمة هي سيّدة نساء العالمين، مع العلم أنّ مريم (عليها السلام) هي سيّدة نساء العالمين، مستنداً بذلك على القرآن؟

القرآن لم يقل إنّها "سيّدة نساء العالمين"، القرآن قال: {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ} [آل عمران : 42]، والمراد بالاصطفاء الاختيار، وهو اختيارها لتتمثّل فيها قدرة الله سبحانه وتعالى، في أنْ تلد ولداً من دون أب، وهو النبيّ عيسى (عليه السلام)، وقد ورد من طريق السُنّة والشيعة معاً أنّ الزهراء (عليها السلام) هي سيّدة نساء العالمين(1)، وأنّ مريم هي سيّدة نساء عالمها.

 

يمكن الرجوع إلى المرأة الفقيهة:

ـــ إنّ الزهراء (عليها السلام) مع كلّ عظمتها لم تدخل دائرة النبوّة والإمامة، فهل يمكن للمرأة في عصرنا أن تدخل دائرة المرجعيّة؟

في كتبنا الفقهية، كما في كتب الكثير من العلماء، يقولون من خلال القاعدة الفقهيّة، إنّ المرجعيّة في الفتيا تنطلق من خلال الثقافة الفقهية المميّزة، فإذا بلغت المرأة الثقافة الفقهية المميّزة، فيمكن أن يرجع إليها في الفقه تماماً كما يرجع إلى الرجل، فالقضية من ناحية القاعدة هي في الثقافة الفقهية التي إنْ توفّرت عند شخص جاز تقليده بدون فرق بين المرأة والرجل، ولكن مشهور الفقهاء لا يوافق على ذلك.

ـــ لقد قرأنا عدداً من كتب السُنّة في الأحاديث النبويّة، فلم تذكر هذه الكتب أحاديث عن فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فما هو السبب؟

هناك كتاب "مسند فاطمة" للسيوطي، وهو من علماء السُنّة، يذكر فيه الكثير من الروايات التي رويت عن الزهراء (عليها السلام).

معنى الممتحنة:

ما معنى العبارة الواردة في زيارة الزهراء (عليها السلام): "امتحنك الله قبل أن يخلقك"؟

المقصود إنّ الله سبحانه وهو علاّم الغيوب قد علم ما سوف تواجهه فاطمة (عليها السلام) من بلاء ومصائب قبل أن يخلقها، وعلم أنّها ستكون ناجحة في الامتحان وصابرة على البلاء، كما نجح النبيّ إبراهيم (عليه السلام) على الابتلاءات: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة : 124]، واطّلاعه تعالى على ما ستواجهه الزهراء (عليها السلام) هو كاطّلاعه على ما سيحدث للنّاس قبل أن يخلقهم {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك : 14].

هذا هو المقصود بهذه الفقرة من الزيارة إنْ صحّ سندها والله العالِم.

فاطمة أفضل من خديجة:

ـــ لماذا لقّبت فاطمة (عليها السلام) بسيّدة نساء العالمين دون خديجة مع ما كانت تمله خديجة من مكانة في قلب الرسول قبل وبعد البعثة؟

لأنّ الزهراء (عليها السلام) أفضل من أُمّها على أساس ملكاتها الروحية ومنزلتها عند الله سبحانه. ثمّ إنّه لسنا نحن الذين نقول بأنّ فاطمة سيّدة نساء العالمين بل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) هو الذي قال ذلك وهو لا ينطق عن الهوى.

رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أفضل من فاطمة:

ـــ بعض العلماء يقول بأنّ فاطمة (عليه السلام) أفضل من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وأفضل من عليّ (عليه السلام)، وأنّها سرّ الوجود؟

هذه فكرة مغالية لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أفضل البشر بما في ذلك فاطمة وعليّ (عليهما السلام)، لأنّهما تلميذا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وما يملكان من علم وكمالات روحية فمن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولهذا كان عليّ (عليه السلام) يقول: "علّمني رسول الله ألف باب من العِلْم يُفْتَح لي من كلّ باب ألفُ باب"، ويقول (عليه السلام): "ولقد كنتُ أتّبعه اتّباع الفصيل أثر أُمّه يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علماً ويأمرني بالاقتداء به" (نهج البلاغة، الخطبة:192)، وهكذا أيضاً كانت الزهراء (عليها السلام) تتعلَّم من أبيها وتتتلمذ على يديه، هذا أوّلاً، وثانياً فإنّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) كان رسول الله ومبعوثه إلى الخلق، ينزل عليه الوحي بالآيات والبيّنات، ويجب على فاطمة وعليّ اتّباعه في ذلك وإطاعته في كلّ ما جاء به وقد فعلا، فكانا قدوةً للنساء والرجال في الطاعة لله ولرسوله. وعليه فلا مجال للمفاضلة بين رسول الله وبين غيره، وهكذا بالنسبة لعليّ (عليه السلام) فإنّه إمام زمانها (عليها السلام) ويجب عليها إطاعته وقد فعلت.

فالحديث بأنّ الزهراء (عليها السلام) أفضل من عليّ، وأفضل من رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) حديث يرفضه الإسلام، لأنّ رسول الله سيّد الخلق كلّهم وسيّد الزهراء وعليّ (عليهما السلام)، ولا يصحّ أن تبلغ بنا العاطفة درجة الغلوّ، لأنّ عظمة عليّ والزهراء (عليهما السلام) أنّهما تتلمذا على يديّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، مضافاً إلى الألطاف الإلهية التي أفاضها الله سبحانه عليهما، فبلغا المرتبة العليا عند الله ورسوله.

مميّزات الزهراء:

ـــ ما هي أهم مميّزات السيّدة فاطمة (عليها السلام) ليتسنّى لنا الاقتداء بها؟

إنّ من بين مميّزات السيّدة الزهراء (عليها السلام) أنّها عاشت المسؤولية منذ طفولتها، فكانت مسؤولة عن أبيها بعد وفاة أُمّها وهي في سنّ الطفولة، فكانت ترعى أباها رعاية كاملة بكلّ حنان وعاطفة، حتّى أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) الذي افتقد حنان الأُم، رأى في الزهراء أُمّاً من حيث الحنان والعاطفة التي ملأت بها قلبه، فكان يقول عنها أنّها (أُمّ أبيها)، وهكذا تحمّلت مسؤوليّتها كاملة تجاه زوجها وأولادها، فحوّلت بيتها إلى بيت إسلامي بكلّ معاني الإسلام وبكلّ قيمه، حتّى أنّ عليّاً كان يعيش الإسلام في بيته، كما كان يعيش الإسلام في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، لأنّ الزهراء (عليها السلام) كانت تجسّد الإسلام كلّه، وهكذا تحمّلت مسؤوليّتها في تثقيف المسلمات، بما كانت تعلّمهنّ في جلساتها ممّا كانت تلقي عليهن من دروس. وعاشت مسؤوليّتها تجاه القضية الكبرى وهي قضية عليّ (عليه السلام) في الخلافة، فوقفت خطيبة في مسجد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، ووقفت خطيبة في نساء المهاجرين والأنصار ووقفت خطيبة في جموع الأنصار والمهاجرين، ووقفت مؤنّبة لأبي بكر وعمر عندما زاراها وأظهرت غضبها عليهما، وهكذا احتجّت على كلّ ما حدث لها ولعليّ من مظالم، عندما أوصت بأنْ تدفن ليلاً، لتسجّل احتجاجها بعد الموت على ما حدث من الانحراف، كاحتجاجها قبل الموت، فبإمكان المرأة أن تقتدي بالسيّدة الزهراء (عليها السلام) لتكون المرأة المسؤولة في كلّ مواقعها وفي كلّ عناصر شخصيّتها، مسؤولة في البيت الأبوي ومسؤولة في البيت الزوجي، ومسؤولة في المجتمع، ومسؤولة في مواجهة الظلم والظالمين.

لماذا عصمة الزهراء (عليها السلام)؟:

ـــ ما هي فلسفة الحاجة إلى عصمة الزهراء (عليها السلام) ما دام هناك بعض المعصومين في زمنها؟

لقد عصمها الله تعالى بلطفه، لتكون نموذج المرأة القمّة التي تعيش العصمة في فكرها، والعصمة في عملها وكلامها، وأراد أن يجعلها نموذجاً يُحتذى، ومثلاً أعلى يُقتدى، ليعرّفنا أنّ المرأة قادرة على أن تصل إلى أعلى درجات الانفتاح على الله والقرب إليه سبحانه وتعالى، وليس من الضروري أن تكون العصمة خاصّة بمقام النبوّة أو الإمامة، بل قد تتحقَّق في بعض الشخصيات الأخرى التي يمكن أن ترتفع إلى أعلى المستويات، كالسيّدة الزهراء التي ارتفعت حتّى صارت سيّدة نساء العالمين وسيّدة نساء أهل الجنّة، فسلام الله عليها وعلى أهل بيت العصمة: أبيها وبعلها وبنيها، سلامُ الله عليهم أجمعين وجعلنا الله معهم في الدنيا والآخرة إنّه سميعٌ مجيب.

 

 

قصيدة: هذه هي الزهراء (عليها السلام)

وفي نهاية المطاف، أحببنا وتتميماً للفائدة، أن ندرج قصيدة شعرية رائعة لسماحة السيّد يُصوِّر لنا فيها حياة هذه الإنسانة المعصومة، وهي مستلّة من ديوانه "يا ظلال الإسلام":

 

يا فتاةَ الإسلامِ.. هذي هي الزهراءُ.. هل تبصرينَ قدسَ السّماءِ

عاشَ في وعيِها، رسالةَ وجدانٍ، كما الوحيُ في هدى الأنبياءِ

كلُّ أحلامِها الرسالةُ.. ترعاها بقلبٍ يفيضُ باللألاءِ

هي بنتُ الرسولِ.. حسبُ الذّرى الشّماءِ مجداً إطلالةُ الزّهراءِ

                         ***                            

عاشَتِ العمرَ طفلةً.. يُرهِقُ الآلامَ إحساسُها.. بعنفِ العذابِ

لم تجدْ أمّها الحنونَ لترعاها حناناً في لهفةٍ وانسيابِ

رفرفَ الموتُ حولها.. فتهاوَتْ أمنياتُ الصّبا، على الأعتابِ

ومَشَتْ في طفولةِ العمرِ تحيا رقرقاتِ الدّموعِ في الأهدابِ

يا لروحِ الطفولة الغضِّ يجتاحُ ابتساماتِها بكاءُ اللّيالي

والأماني ترتاعُ في قسوةِ الإعصارِ، حتّى يَجُنَّ بالأهوالِ

غيرَ أنّ الرسالةَ الطهرَ توحي بالهدى السمحِ في رحابِ الجلالِ

ليشدَّ القلوبَ، في موعدِ الإيمانِ، بالعزمِ في طريقِ النضالِ

                         ***

فإذا الطّفلةُ الفتيّةُ روحٌ يتحدّى بالحقِّ وحي الدّموعِ

عاشت الفجرَ مشرقاً فاستثارت كلَّ أحلامِها لصحوٍ بديعِ

ومَشَتْ في خُطى أبيها رسولِ اللهِ ترعاهُ بالحنانِ الوديعِ

كلماتٌ تحنو، وبسمات حبٍّ وحنينٍ إلى الجلالِ الرفيعِ

                         ***

فإذا بالفتاةِ أمِّ أبيها في انسيابِ الرّوحِ الحنونِ الطَّهُورِ

كان جوعُ الحنانِ يأكلُ، في حسّ اليتامى، لديهِ دفءَ الشّعورِ

وإذا بالزّهراءِ، في لوعةِ اليتمِ، تغذّيهِ بالحنانِ الكبيرِ

تفرشُ القلبَ وهو غضٌّ لبلواه، فيغفو بهدهداتِ السرورِ

                         ***

إنّها قصّةُ الرسالةِ تطوي بخطاهَا فجائعَ الأيّامِ

حسبُها أن تفجَّرَ الرّوحَ بالينبوعِ ينسابُ بالهدى والسّلامِ

فإذا بالمدى امتدادُ حياةٍ تتسامى بالطّهرِ والإلهامِ

كلُّ آفاقِها الرسالةُ، في فكرٍ رحيبٍ منضّرٍ بالسلامِ

                         ***

وتهادتْ مع الشّبابِ، كما يخطرُ باللّطفِ، في الحياة الربيعُ

وعليٌّ يخطو كما الفجرُ ينهلُّ فتهتزُّ بالعطورِ الرّبوعُ

روحُه البكرُ ملتقى الأريحيّاتِ، فمنها تَفَجَّرَ الينبوعُ

وعلى هديِهِ، استراحَتْ خطى التاريخِ فالأرضُ من شذاه تضوعُ

                         ***

وعليٌّ يهفو إلى الطُّهرِ، في جوٍّ حميمٍ، يضمّهُ الإسلامُ

كلّ أحلامه تطوفُ مع القمّةِ، تهتزُّ حولها الأنغامُ

وعلى اسمِ الزّهراءِ ترتاحُ دنياه وينسابُ في خطاها السّلامُ

وإذا بالسّماءِ توحي.. ففي الأرضِ لقاءٌ، وفي السّماء ابتسامُ

                         ***

هو كفؤ الزهراءِ، لا النسب العالي هداهُ، ولا المقام العظيمُ

إنّها قصّةُ الحياةِ، إذا أشَدَّتْ خطاها نحوَ السّماءِ النجومُ

هو صنوُ الذُّرى التي يهدرُ الينبوعُ فيها، وتستريحُ الكرومُ

حسبُه روحه التي امتدّ فيها الخلق الرّحب والسّماح الكريمُ

يا لروحِ الزّهراءِ يخشعُ في أعماقِها النّورُ في ابتهالِ الدّعاءِ

في سموِّ السّجودِ لله في إشراقةِ الرّوحِ بالدّموعِ الوضاءِ

أيُّ سرٍّ في القلبِ إذ تنبضُ الخفقةُ فيه بأمنياتِ السّماءِ

كلُّ أحلامِهِ النجاوى النّديّاتِ مع اللهِ في ربيعِ الرّجاءِ

                         ***

والتسابيحُ تستغيثُ وتلتاعُ وتهفو وتلتقي بالنّداءِ

ربِّ يا باعثَ الحياةِ شعاعاً في الصحارى، في اللّيلةِ الظلماءِ

هبْ نعيمَ الإيمانِ، في يقظةِ الطُّهرِ للاهين عن غدِ الأمناءِ

إنّهم غافلون عن موعدِ النّورِ إذا اهتزَّ فجرُهُ بالضّياءِ

                         ***

ربِّ هبْ للذين تكدحُ دنياهم وتشقى في قبضة الضرَّاءِ

راحةَ الرّوحِ والحياة، التي تملأُ بالعزْمِ أعينَ الضعفاءِ

أعطِ قومي حسّ المحبّةِ في جوٍّ حميمٍ على صعيدِ الإخاءِ

واحتضنْ لوعة اليتامى بنعماك بلطفٍ منضرّ الآلاءِ

                         ***

ويطوفُ الدُّعاءُ في همسات الروحِ ينسابُ من هدى الزهراءِ

وإذا بالطفولةِ الغضّة البكرِ تناجي في همسةِ الأنداءِ

قال أُمّاهُ.. أنت تذوين.. في عسف اللّيالي وفي جنونِ الشّتاءِ

والدُّعاءُ الحزينُ لهفةُ قلبٍ صعّدتها حرارةُ الأرزاءِ

أنتِ أنتِ الطُّهرُ الذي يرشفُ الفجر نداه في روعةٍ ونقاءِ

دعوةُ الرّوحِ منكِ تسمو إلى الله فتهمي مساكبُ الأشذاءِ

ويعيش الرِّضوانُ واللّطفُ والرّحمةُ فيها من خالقِ النّعماءِ

دعوةً تخرُقُ الحواجِزَ مهما امتدَّ في دربها الفضاءُ النّائي

                         ***

وتطوفُ الطفولةُ الطهرُ بالحبِّ سؤالاً كَلَفْتَةِ الأحلامِ

لِمَ هذا الحرمانُ، فالكلماتُ البيضُ تلتاعُ في ابتهالِ السّلامِ

كلُّ هذا الدُّعاءِ للنّاسِ.. أماهُ ودنياكِ مرتعُ الآلامِ

إنّنا يا بُنيّ.. للجار ثمّ الدار.. إنّا على هُدى الإسلامِ

                         ***

نحن نحيا للمتعبينَ الذّينَ استنزفَتْ جُهْدَهُمْ صُرُوفُ الزّمانِ

هؤلاء الذينَ يحيَوْنَ بالآلامِ، إنْ عاش غيرُهم للأماني

إنّنا للمعذَّبينَ.. لمن عاشوا اللّيالي في غمرةِ الأحزانِ

كلُّ تاريخِنا.. رسالةُ حبٍّ وجهادٍ لكلِّ قلبٍ عانِ(1)

 

 

 

   

 

 

  

 



(1)  بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي، ج: 40، باب: 93، ص:153، رواية: 54. دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، بيروت ـ لبنان، 1983م.

(2)  دعاء كميل.

(3)  بحار الأنوار، ج:40، باب:93، ص:131، رواية:10، عن الخصال، ج:2، ص:176.

(1)  الحرّ العاملي، وسائل الشيعة، كتاب القضاء، باب: 8، من أبواب صفات القاضي، الحديث: 26، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، قم ـ إيران.

(1)  راجع: قضايانا على ضوء الإسلام، ص:157، دار الملاك، بيروت 1996م، طـ: 7.

(1)  الوسائل، ج:18، ص:78، كتاب القضاء، الباب:9 من أبواب صفات القاضي، الحديث: 12 و14.

(1)  الكليني، الكافي، ج:2، ص:145، رواية:7، باب الإنصاف والعدل، دار الأضواء، بيروت وبحار الأنوار، ج:72، باب:35، ص:31، رواية:24.

(1)  الصحيفة السجّادية: الدعاء: 22.

(2)  الإرشاد، الشيخ المفيد، ج:2، ص198، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم ـ إيران، 1413.

(1)  كما صرَّح به المفيد في مساره ونقل عن حدائقه، وصرَّح به الشيخ في مصباحه ورواه الطبري الإمامي عن الصادق، ولم نقف له على مخالف صريح (تواريخ النبيّ والآل للمحقِّق التستري، ص:34).

وفي الخبر الصحيح عن الباقر (عليه السلام): "ولدت فاطمة بنت محمّد بعد مبعث رسول الله بخمس سنين وتوفّيت ولها ثمان عشرة سنة وخمسة وسبعون يوماً" (الكافي، ج:1، ص:457، رواية:10).

 

(1)  الميزان في تفسير القرآن، محمد حسين الطباطبائي، ج:20، ص:429، منشورات مؤسسة الأعلمي بيروت ـ لبنان، طـ:2، 1974م.

(1)  البداية والنهاية، ابن كثير، ج:2، ص:273، دار الكتب العلمية، بيروت وبحار الأنوار، ج:22، ص:150. والكامل في التاريخ، ابن الأثير، ج:1، ص:556، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، 1989م. والسيرة النبويّة ابن هشام، ج:2، ص:202، قم ـ إيران، وهي مصوّرة عن النسخة المصرية المطبوعة سنة 1926م.

(2)  أقول: بل هو مخالف لصريح الروايات الواردة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من قبيل الخبر التالي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "ولد لرسول الله من خديجة القاسم والطاهر، وهو عبد الله، وأُم كلثوم ورقية وزينب وفاطمة.." وعنه (عليه السلام): "عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ـ في حديث ـ: وإنّ خديجة رحمها الله ولدت مني طاهراً وهو عبد الله وهو المطهّر، وولدت منّي القاسم وفاطمة ورقيّة وأُم كلثوم وزينب.." الخصال للصدوق، ص:404 طبعة قمّ.

 

(1)  تفسير نور الثقلين، العلاّمة الحويزي، ج:4، ص:66، قم ـ إيران، 1412هـ، الناشر إسماعيليان.

(1)  مَن لا يحضره الفقيه، الشيخ الصدوق، ج:3، باب:148، ص:213، رواية:21، دار الأضواء ـ بيروت، 1985 ـ الوافي، الكاشاني، ج:12، ص:1388، أصفهان ـ إيران.

(2)  نقلاً عن أعيان الشيعة: تأليف السيّد محسن الأمين العاملي، دار التعارف ـ بيروت، ج:1، ص:307.

(3)  مسند الإمام أحمد، ج:7، ص:5401، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1993م. وأعيان الشيعة، ج:1، ص:307.

(1)  نقلاً عن أعيان الشيعة: ج:1، ص:307. وفضائل الخمسة من الصحاح الستّة، الفيروز آبادي، الدار الإسلامية، إيران، 1408هـ، ج:3، ص132، وقد نقله الأخير عن صحيح أبي داود وعن المستدرك وغيرهما. وفي مسند الإمام أحمد، ج:6، ص:370، روى بسنده عن ثوبان مولى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذا سافر آخر عهده بإنسان من أهله فاطمة، وأوّل مَنْ يدخل عليه إذا قدم فاطمة..".

(1)  م.ن، ص:307.

(2)  نقلاً عن أعيان الشيعة: ج:1، ص:308. ورواه الترمذي في صحيحه كما في عوالم سيّدة النساء، ص:123. وفي أمالي الشيخ الطوسي بسنده عن جميع بن عمير قال: دخلت مع أُمي على عائشة فذكرت لها عليّاً، فقالت: ما رأيت رجلاً كان أحبّ إلى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) منه، وما رأيت امرأة كانت أحبّ إلى رسول الله من امرأته" (راجع عوالم الزهراء، ص:124).

(1)  أعيان الشيعة: ج:1، ص:310. وفي صحيح مسلم كتاب الجهاد والسير، باب ما لقي النبيّ من أذى المشركين، روى بسنده عن ابن مسعود قال: "بينما رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يصلّي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيّكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفي محمّد إذا سجد؟ قال: فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، والنبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ساجد ما يرفع رأسه، حتّى انطلق إنسان فأخبر فاطمة (عليها السلام)، فجاءت وهي جويرة، فطرحته عنه ثمّ أقبلت عليهم تشتمهم..". ورواه البخاري أيضاً في صحيحه في كتاب بدء الخلق، باب ما لقي النبيّ وأصحابه من أذى المشركين، ونقله عنهما في فضائل الخمسة. ج:3، ص:130.

(1)  البحار: ج:43، باب:4، ص:86، رواية:8، ومسند فاطمة للعطاردي، ص:106، إيران. وعوالم الزهراء، الشيخ عبد الله البحراني، ص:213 و263، قم ـ إيران، طـ:2، 1411هـ.

(2)  م.ن: ج43، باب:4، ص:84، رواية:6. ومسند فاطمة، ص:107.

(1)  الإرشاد، ج:1، ص:156، صحيح مسلم، ج:4، ص:187، بيروت، دار إحياء التراث العربي 1991م. البحار، ج:2، باب:29، ص:486، رواية:3.

(2)  صحيح مسلم، ج:4، ص:1904. وبحار الأنوار، ج:43، باب:3، ص:25، رواية:22. ومسند الإمام أحمد، ج:8، ص:401، ينقل القصّة عن عائشة.

(1)  الكافي، ج:4، ص:561. بحار الأنوار، ج:43، ص:195. وعوالم الزهراء، ص:447.

(2)  الكافي، ج:4، ص:561.

(3)  جاء في مرفوعة محمد بن سهل البحراني عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث "البكّاؤون الخمسة". ".. وأمّا فاطمة، فبكت على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتّى تأذّى بها أهل المدينة فقالوا لها: قد آذيتنا بكثرة بكائك، فكانت تخرج إلى المقابر ـ مقابر الشهداء ـ فتبكي حتى تقضي حاجتها ثمّ تنصرف"، عوالم الزهراء، ص:448.

(1)  بحار الأنوار، ج:43، ص:207. وجاء فيها: "يا أبتاه انقطع عنّا خبر السّماء".

(2)  كما جاء في بعض الروايات، راجع: بحار الأنوار، ج:43، ص:181. وعوالم الزهراء، ص:451.

(1)  أصول الكافي، ج:2، ص:87.

(2)  إقناع اللائم على إقامة المآتم، ص:114. مؤسّسة المعارف الإسلامية، قم ـ إيران، 1418 هـ.

(3)  م.ن، ص:86.

(4)  تقدّم الحديث في الهامش رقم 1 من الصفحة 64.

(1)  الوزر: الإثم، بحار الأنوار، ج:79، ص:134.

(2)  نهج البلاغة، الخطبة:235. والشؤون منابع الدمع في الرأس.

(3)  بحار الأنوار، ج:79، ص:134.

(4)  معاني الأخبار، الشيخ الصدوق، ص:39، منشورات جماعة المدرسين، قم ـ إيران 1379 هــ.

(1)  الكافي، ج:3، ص:217، رواية:6، ورواه الصدوق في الخصال، ص:610، رواية:1.

(2)  عوالم الزهراء، ص:445.

(1)  وقد مرّ أنّها لم ترَ كاشرة ولا ضاحكة.. البحار، ج:43، ص:195، والكافي، ج:4، ص:561.

(2)  م.ن.

(1)  عن تذكرة الخواص: "إنّي أنتظر بها القضاء". (راجع فاطمة الزهراء في الأحاديث النبوية، عبد المحسن علاوي السراوي، بيروت 1994، ص:86 و92. وفي عوالم الزهراء، ص:380. "... إلاّ فاطمة، فإنّ تزويجها نزل من السماء". وراجع دلائل الزهراء للطبري الإمامي، ص:44، إيران، 1415 هــ، إعداد مؤسّسة البعثة.

(2)  البحار، ج:43، ص:127،140. ودلائل الزهراء، ص:46.

(1)  كشف الغمّة، الأربلي، ج:1، ص:463، مكتبة بني هاشم، قم ـ إيران، 1381. والبحار، ج:43، ص:141. وعوالم الزهراء، ص:277، 280،281. وروى نظيره في الكافي 1/461.

(1)  بحار الأنوار، ج:1، ص:30.

(2)  عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، وعنه عوالم الزهراء، ص:281. وبحار الأنوار، ج:43، ص:92، رواية:3.

(1)  بحار الأنوار، ج:43، ص:201.

(2)  صحيح مسلم، ج:4، ص:1092. أقول: ذكر مسلم في صحيحه هذه الرواية أو مضمونها بعدّة أسانيد، وأوردها في باب فضائل فاطمة، ولا أدري ماذا وجد في هذه الروايات المكذوبة من فضيلة لفاطمة حتّى يوردها في فضائلها، والأعجب من ذلك أنّ هذه الروايات ـ بعد أن تذكر انزعاج النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من عليّ (عليه السلام) كان يخاف على فاطمة من أن تفتن في دينها، تنسب إليه (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) قوله: "فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها"، لنتصوّر أنّ هذا الحديث وارد في حقّ عليّ لأنّه آذى فاطمة (عليه السلام) بقصّة الزواج عليها؟! والظاهر أنّ هذا الحديث كان يشكّل مشكلة عويصة ووصمة عار كبيرة لكلّ الذين آذوا الزهراء (عليه السلام) وهجموا على دارها حتّى ماتت غاضبة عليهم، فأرادوا من خلال اختلاق هذه الروايات تبرئة أنفسهم والإساءة إلى الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكن هذه المحاولات تبقى مكشوفة مفضوحة عند أهل التحقيق والنظر.

(1)  بحار الأنوار، ج:43، باب:7، ص:191، رواية: 20.

(2)  بحار الأنوار، ج:43، ص:82.

(1)  بحار الأنوار، ج:43، ص:134.

(2)  مقدّمة تفسير البرهان لأبي الحسن الشريف العاملي، ص:5، الناشر إسماعيليان، قم ـ إيران.

(3)  مقدّمة تفسير البرهان لأبي الحسن الشريف العاملي، ص:5، الناشر إسماعيليان، قم ـ إيران.

(1)  نهج البلاغة، الخطبة: 136.

(2)  مرّ ذكر المصدر.

(1)  عوالم الزهراء، ص:477.

(2)  مسند فاطمة، ص:568. وعوالم الزهراء، ص:477.

(3)  بحار الأنوار، ج:43، ص:81. وفي روضة الكافي، ج:8، ص:145، يروي الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال: "وكان عليّ (عليه السلام) يستقي ويحتطب وكانت فاطمة تطحن وتعجن وترقع..".

 

(1)  وسائل الشيعة، ج:15، باب:4، ص:23، حديث:2، من أبواب جهاد العدو، وقد ورد هذا الحديث على لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة، قصار الحكم:136.

(2)  عن أمير المؤمنين (عليه السلام): "... وجهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها وغيرته"، الوسائل، م.س.

(1)  كقضية زواجه من بنت أبي جهل التي تقدّمت الإشارة إليها.

(1)  نهج البلاغة، الخطبة: 202. وأصول الكافي، ج:1، ص:458. وأمالي الطوسي، ص:110، مؤسّسة البعثة، قم ـ إيران 1414 هـ.

(1)  في الكافي، ج:4، ص:555، وعنه البحار، ج:100، ص:194: بسنده عن القاسم بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: "إذا دخلت من باب البقيع فبيت عليّ (عليه السلام) على يسارك.. وهو إلى جانب بيت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، وباباهما جميعاً مقرونان. وفي خبرٍ آخر أنّه كان بين بيته (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وبيت فاطمة كوّة يطّلع من خلالها على أخبارها. راجع: عوالم الزهراء، ص:372.

(1)  الملهوف على قتلى الطفوف، ص:169، دار الأسوة، إيران، 1414هـ.

(2)  الملهوف، ص:169.

(3)  نهج البلاغة، الخطبة: 74.

(1)  عوالم الزهراء، ص:264.

(1)  م.ن، ص:266.

(2)  وسائل الشيعة، ج:6، ص:446. وصحيح البخاري بشرح الكرماني، ج:14، ص:244، دار إحياء التراث العربي ـ بيروت، طـ:2,1981. ومسند أحمد، ج:1، ص:106. وعوالم الزهراء، ص:226.

(1)  بحار الأنوار، ج:43، باب:4، ص:82، رواية:5.

(1)  الإمامة والسياسة، ابن قتيبة، ص:12، انتشارات الشريف الرضي، مصوّرة عن الطبعة المصرية، قم ـ إيران، 1969م. تاريخ الطبري، ج:2، ص:443، قم ـ إيران، مصوّرة عن الطبعة المصرية المطبوعة بتاريخ 1939م. أنساب الأشراف، ج:1، ص:586. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج:6، ص:50، وغيره، فراجع: عوالم الزهراء، ص:404 وما بعدها، فقد أشار إلى مصادر ذلك. وقد روى الحادثة صاحب الاحتجاج، ج:1، ص:105، على الشكل التالي: عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: "ثمّ إنّ عمر احتزم بإزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي: ألاَ إنّ أبا بكر قد بويع له فهلمّوا إلى البيعة، فينثال الناس يبايعون، فعرف أنّ جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع كثير ويكبسهم ويحضرهم المسجد، فيبايعون، حتّى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل عليّ (عليه السلام)، فطالبه بالخروج، فأبى، فدعا عمر بحطبٍ وقال: والذي نفس عمر بيده ليخرجنّ أو لأحرقنه على ما فيه، فقيل له إنّ فاطمة بنت رسول الله وولدَ رسول الله وآثار رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيه، وأنكر الناس ذلك من قوله، فلمّا عرف إنكارهم قال: ما بالكم أتروني فعلت ذلك، إنّما أردتُ التهويل، فراسلهم عليّ أنْ ليس إلى خروجي حيلة، لأنّي في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه وألّهتكم الدّنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أدع ردائي على عاتقي حتّى أجمع القرآن..".

(1)  الإرشاد، ج:1، ص:355. وهكذا يظهر من الطبرسي في "إعلام الورى بأعلام الهدى"، ج:1، ص:395، مؤسّسة آل البيت، إيران، 1417 هـ.

(2)  جنّة المأوى، محمد حسين كاشف الغطاء، ص:135. دار الأضواء، بيروت، 1988م.

(3)  شرح نهج البلاغة، ج:6، ص:50، تحقيق: أبو الفضل إبراهيم، المؤسّسة الجامعية للدراسات الإسلامية، لبنان. ولسان الميزان، ج:4، ص:189، وفيه: "وددت أنّي لم أكشف بيت فاطمة وتركته وإنْ أغلق على الحرب". كما نقله عنه في عوالم الزهراء، ص:417.

(1)  الإمامة والسياسة، ص:14.

(2)  بحار الأنوار، ج:43، ص:203.

(1)  شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج:6، ص:49 ـ 50.

(2)  بحار الأنوار، ج:43، ص:210 ـ 211. وأشار إلى دفنها ليلاً كثير من المؤرّخين وكثير من المصادر، كابن سعد في الطبقات، والحاكم النيسابوري في المستدرك، وسنن البيهقي، وتاريخ الطبري وغيرهم. راجع: قادتنا كيف نعرفهم، السيد الميلاني، ج:4، ص:377، مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام)، قم ـ إيران، 1413 هـ. وعوالم الزهراء، ص:505.

(1)  عوالم الزهراء، ص:519.

(2)  روي ذلك عن الرضا (عليه السلام)، أورد في البحار، ج:97، ص:190 حديثاً عن عيون أخبار الرضا للصدوق بسنده عن البزنطي قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قبر فاطمة (عليها السلام) فقال: دفنت في بيتها فلمّا زادت بنو أميّة في المسجد صار في المسجد، ورواه في أصول الكافي، ج:1، ص:461. وروى حديثاً آخر عن الإمام الرضا (عليه السلام) يدلّ على المعنى نفسه، راجع: البحار، ج:97، ص:192.

(3)  بحار الأنوار، ج:97، ص:192ـ 196. عوالم الزهراء، ص:526، نقلاً عن ابن شهر آشوب وغيره من مصادر السُنّة والشيعة.

(4)  بحار الأنوار، ج:43، ص:212.

    أقول: القول الأول وهو أنّها مدفونة في بيتها، اختاره جمع منهم المجلسي (بحار الأنوار، ج:97، ص:193) والعلامة الأمين العاملي (أعيان الشيعة، م:1، ص:322). قال الأول: "الأظهر أنّها صلوات الله عليها مدفونة في بيتها، وقد قدّمنا الأخبار في ذلك"، وقال الثاني: "فقيل دفنت في بيتها وهو الأصحّ الذي يقتضيه الاعتبار". وكذلك اختاره الشيخ الصدوق فقال: اختلفت الروايات في موضع قبرها (عليها السلام)، فمنهم من روى أنّها دفنت بين القبر والمنبر وأنّ النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنّما قال: بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة، لأنّ قبرها بين القبر والمنبر، ومنهم مَنْ روى أنّها دفنت في بيتها فلمّا زادت بنو أُميّة في المسجد صارت في المسجد، وهذا هو الصحيح عندي" (راجع بحار الأنوار، ج:97، ص:196).

    وأمّا قول الثاني، وهو أنّها مدفونة في الروضة، فقد اختاره الشيخ الطوسي (قدّس سرّه)، قال في التهذيب (راجع بحار الأنوار، ج:97، ص:192): تأتي الروضة فتزور فاطمة (عليها السلام) لأنّها مقبورة هناك عندي، وقد اختلف أصحابنا في موضع قبرها، فقال بعضهم: إنّها دفنت في بيتها، فلمّا زاد بنو أُميّة في المسجد صارت من جملة المسجد، وهاتان الروايتان كالمتقاربتين، والأفضل عندي أن يزور الإنسان في الموضعين جميعاً إنّه لا يضرّه ذلك، ويحوز به أجراً عظيماً، وأمّا مَنْ قال إنّها دفنت في البقيع فبعيد من الصواب".

     وأمّا القول الثالث: وهو أنّها مدفونة في البقيع، فقد جاء في المصادر السنّية على الأغلب، كطبقات ابن سعد ومروج الذهب والاستيعاب وتاريخ الإسلام. راجع: عوالم الزهراء، ص:517 ـ 529. وقد أشار الشيخ الطوسي في النهاية: 1/560 إلى هذه الأقوال الثلاثة.

(1)  الدرّ المنثور، ج:4، ص:177. ينابيع المودّة، القندوزي الحنفي، ج:1، ص:138، دار الأسوة، إيران، 1416هـ. وراجع: قادتنا كيف نعرفهم، ج:4، ص:319.

(2)  فتوح البلدان، ص:38، شرح النهج، ج:16، ص:216.

(3)  شرح النهج، ج:16، ص:216.

(4)  شرح نهج البلاغة، ج:16، ص:122.

(5)  صحيح البخاري، بشرح الكرماني، ج:15، ص:4.

(1)  هذه اللفتة لسماحة السيّد وجدنا أنّ أمّ سلمة زوجة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أشارت لها بقولها: أتزعمون أنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حرَّم عليها ميراثه ولم يعلمها، وقد قال الله تعالى: {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ} [الشعراء : 214]، أفأنذرها وخالفت متطلّبة وهي خير النسوان و.. (الدرّ النظيم للشامي المشغري، ص:480).

(2)  ستأتي مصادر هذا الحديث.

(1)  شرح نهج البلاغة، ج:16، ص:229.

(2)  فرائد السمطين، ج:1، ص:177، نقلاً عن: قادتنا، ج:2، ص:438.

(3)  بحار الأنوار، ج:48، ص:26.

(1)  عيون أخبار الرضا، ج:2، ص:86، وسيأتي في ملحق الأسئلة إجابتان أخريان لسماحة السيّد على هذا التساؤل.

(2)  نهج البلاغة، من كتاب له لعثمان بن حنيف، رقم الكتاب: 45.

(3)  ألَحَّ الرشيد على الإمام الكاظم (عليه السلام) أن يأخذ فدكاً، فقال له الإمام: "ما آخذها إلاّ بحدودها، قال الرشيد: وما حدودها؟ قال: الحدّ الأوّل عدن، والحدّ الثاني سمرقند، والحدّ الثالث أفريقية، والحدّ الرابع سيف البحر ممّا يلي الخزر وأرمينية، فقال له الرشيد؛ فلم يبقَ لنا شيء، فتحوّل في مجلسي، فقال له: قد أعلمتك أنّي إنْ حدّدتها لم تردها". (فدك للسيد القزويني، ص:167).

(1)  سيأتي في خطبتها.

(2)  عوالم الزهراء، ص:275.

(1)  عوالم الزهراء، ص:460. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج:16، ص:233.

(2)  بحار الأنوار، ج:58، ص:240، وفيه: "إنْ بايعوا أصلع بني هاشم حملهم على المحجّة البيضاء".

(1)  قادتنا كيف نعرفهم، ج:2، ص:438، بحار الأنوار، ج:38، ص:36. وسفينة البحار، الشيخ عباس القمّي، ج:2، ص:288، دار الأسوة ـ إيران، 1414هـ.

(2)  نهج البلاغة، ص:136.

 

(1)  راجع ص:59.

(1)  تفسير الكشاف، ج:4، ص:670، دار الكتاب العربي ـ بيروت، الطبعة الثالثة، 1987. وفي شواهد التنزيل، الحاكم الحسكاني، ج:2، ص:399. وزارة الإرشاد ـ إيران، 1990م، روى مضمون الرواية بأسانيد عديدة، وروى نزولها فيهم البيضاوي في تفسيره، ج:2، ص:526، والثعلبي في الكشف والتبيان، ص:279.

(2)  تفسير القمّي، ج:2، ص:398، مطبعة النجف 1387هـ، وجدّد طبعها في قم 1404هـ بتصحيح السيّد طيب الجزائري. وعنه البرهان في تفسير القرآن، ج:4، ص:411.

 

(1)  مجمع البيان، الطبرسي، منشورات دار مكتبة الحياة ـ بيروت، مجلّد: 2، ج:3، ص:98.

(1)  مجمع البيان، مجلد:2، ج:3، ص:101.

(2)  التفسير الكبير، الفخر الرازي، ج:8، ص:81، دار إحياء التراث العربي، الطبعة الثالثة، بيروت.

(1)  تفسير القمّي، ج:1، ص:104. أقول: تطبيق الآية على الزهراء وبعلها وابنيها ممّا أجمع عليه المفسّرون والمحدّثون: ففي صحيح مسلم، ج:4، ص:1871، كتاب فضائل الصحابة... يذكر أنّ معاوية سأل سعد بن وقّاص: ما منعك أن تسبّ أبا التراب؟ فقال: أما ما ذكرت ثلاثاً قالهن له رسول الله فلن أسبّه.. إلى أن يقول: ولما نزلت هذه الآية: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ} دعا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً فقال: "اللهم هؤلاء أهلي". وانظر: سنن الترمذي، ج:5، ص:638. وشواهد التنزيل، ج:1، ص:155 وما بعدها. والصواعق المحرقة، ابن حجر الهيثمي، ص:148، مكتبة القاهرة ـ مصر. وأمّا في المصادر الشيعيّة فقد استفاضت الروايات في ذلك، وبالإمكان مراجعتها في: البرهان في تفسير القرآن، ج:1، ص:286، وما بعدها، وكنز الدقائق، ج:3، ص:116 وما بعدها. وليراجع أيضاً من كتب التاريخ: الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج:2، ص:393 وغيره.

(1)  مجمع البيان، مجلد:2، ج:3، ص:101.

(1)  ستأتي الإشارة إلى مصادر هذه الأحاديث.

(2)  صحيح مسلم، ج:4، ص:187، والبحار، ج:2، باب:29، ص:486، رواية:3.

(1)  الكشّاف، ج:1، ص:369.

(2)  تفسير الرازي، ج:8، ص:80.

(1)  التفسير الكبير، ج:9، ص:99.

(2)  م.ن، ج:9، ص:117.

(1)  راجع: الدرّ المنثور، ج:5، ص:198. أسباب النزول للواحدي، ص:268.

(2)  راجع هذه الروايات في الطبري، ج:22، من ص:5 إلى ص:8. وأيضاً: فضائل الخمسة من الصحاح الستّة، ج:1، نص:214، تأليف الفيروز آبادي ط ـ دار الكتب الإسلامية إيران سنة 1408، فقد نقل هذه الروايات عن عشرات المصادر، وليراجع أيضاً كتاب العبقات وإحقاق الحقّ.

    أقول: وفي صحيح مسلم، ج:4، ص:1882 يروي عن عائشة قالت: خرج النبيّ غداةً وعليه مرط مرجّل من شعر أسود، فجاء الحسن بن عليّ فأدخله، ثمّ جاء الحسين فدخل معه، ثمّ جاءت فاطمة فأدخلها، ثمّ جاء عليّ فأدخله، ثمّ قال: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}.

(1)  على أنّ عكرمة كان من الخوارج، فلو التزم بنزول الآية بأهل البيت بما فيهم عليّ لكان عليه القول بعصمته، ولانهار بذلك على نفسه أساسُ عقيدته التي سوغت له ولغيره من الخوارج الخروج على عليّ ومحاربته، وقد أشار إلى كونه من الخوارج في وفيّات الأعيان، ج:1، ص:320.

     بل إنّ عكرمة قد اشتهر بالكذب على ابن عباس حتّى ضرب المثل فيه، فعن ابن المسيّب أنّه قال لمولى له اسمه برد: لا تكذب عليّ كما كذب عكرمة عن ابن عباس (راجع الأصول العامّة للفقه المقارن، ص:147)، ويقول عبد الله بن أبي الحرث: "دخلت على ابن عبد الله بن عباس، وعكرمة موثق على باب كنيف فقلت: أتفعلون هذا بمولاكم؟ فقال: إنّ هذا يكذب على أبي" (م.ن، نقله عن وفيّات الأعيان، ج:1، ص:320). 

(1)  صحيح مسلم، ج:4، ص:1874، كتاب فضائل الصحابة، دار إحياء التراث العربي، بيروت، طـ:4.

(1)  صحيح البخاري بشرح الكرماني، ج:15، ص:4. وأمالي الصدوق، ص:187. وبحار الأنوار، ج:21، باب:27، ص:142، رواية:5. ومسند الإمام أحمد، ج:3، ص:498، ج:6، ص:542.

(2)  مسند أبي داود، ص:196، حديث:1373. ومستدرك الحاكم، ج:3، ص:156، وعنهما وغيرهما عوالم الزهراء، ص:88. وروت عائشة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه قال: يا فاطمة، أبشري فإنّ الله تعالى اصطفاكِ على نساء العالمين وعلى نساء الإسلام، وهو خير دين.

(3)  و(4) صحيح مسلم، ج:4، ص:1905. وليراجع حول هذه الأحاديث كتاب فضائل الخمسة، ج:3، من ص:137 إلى ص:146، فقد نقلها عن عشرات المصادر.

 

 

(1)  صحيح البخاري، باب علامات النبوّة، ج:4، ص:247. ورواه مسلم في صحيحه، ج:4، ص:1905. وكشف الغمّة، ج:1، ص:453.

(2)  حلّية الأولياء، ج:2، ص:42، عنه في عوالم الزهراء، ص:98.

(1)  صحيح البخاري بشرح الكرماني، ج:15، ص:5.

(2)  صحيح مسلم، ج:4، ص:1903.

(3)  م.ن، ص:1902. ومسند الإمام أحمد، ج:5، ص:430. راجع هذه الروايات في أعيان الشيعة، ج:1، ص:307، ومناقب أهل البيت للشيرواني، ص:230.

(4)  بحار الأنوار، ج:43، باب:3، ص:26، رواية: 26. وفي مسند الإمام أحمد، ج:5، ص:435، فاطمة شجنة منّي يبسطني ما بسطها ويقبضني ما قبضها.

(1)  ما روته العامّة من مناقب أهل البيت، ص:23، نقله عن روضة الأحباب، ص:665. وراجع: بحار الأنوار، ج:43، باب:8، ص:220، رواية:3.

(2)  بحار الأنوار، ج:44، ص:367.

(1)  مسند فاطمة، ص:354، بحار الأنوار، ج:43، ص:220.

(2)  بحار الأنوار، ج:43، ص:19، وقد عدّت هذه الكنية "أم أبيها" في عداد كناها التي عرفت بها. راجع: عوالم الزهراء، ص:69. التتمّة في تواريخ الأئمّة، السيد تاج الدين بن علي الحسيني العاملي (ق11)، ص:40، مؤسّسة البعثة، قم ـ إيران، 1412هـ.

(3)  بحار الأنوار، ج:39، باب:73، ص:56، رواية:15.

(1)  روى في "عيون أخبار الرضا، ج:1، ص:213، وعنه البحار، ج:25، ص:177"، الحديث التالي قال: "وفي حديث ٍ آخر أنّ الإمام مؤيّد بروح القدس... والإمام يولد ويلد ويصحّ ويمرض ويأكل ويشرب ويبول ويتغوّط وينكح وينام وينسى ويسهو (وفي نسخة وهي الأصحّ ولا ينسى ولا يسهو) ويفرح ويحزن ويضحك ويبكي ويحيي ويموت ويقبر ويزار ويحشر ويوقف ويعرض ويسأل ويثاب ويكرم ويشفع، ودلالته في خصلتين؛ في العلم واستجابة الدعوة، وكل ما أخبر به من الحوادث التي تحدث قبل كونها، فذلك بعهد معهود إليه من رسول الله توارثه عن آبائه (عليهم السلام) ويكون ذلك ممّا عهد به جبرئيل عن علاّم الغيوب...".

(1)  مسند أحمد، ج:3، ص:642، وعنه عوالم الزهراء، ص:49.

(1)  قادتنا كيف نعرفهم، ج:4، ص:246. ما روته العامّة من مناقب أهل البيت، ص:229. أعيان الشيعة، ج:1، ص:307. عوالم الزهراء، ص:48، وما بعدها. وفضائل الخمسة من الصحاح الستة، ج:3، ص:122، وما بعدها.

(2)  روى الطبري الإمامي المتوفّى أوائل القرن الرابع الهجري في كتابه القيّم "المسترشد" ص:376، بسنده عن عليّ بن الحسين (عليه السلام) قال: لما قبض النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) وبويع أبو بكر، تخلَّف عليّ (عليه السلام)، فقال عمر لأبي بكر ألاَ ترسل إلى هذا الرجل المتخلِّف فيجيء فيبايع؟ قال أبو بكر: يا قنفذ اذهب إلى عليّ وقل ـ له: يقول لكَ خليفة رسول الله تعال بايع! فرفع عليٌّ صوته وقال سبحان الله ما أسرع ما كذبتم على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، قال فرجع فأخبره ثمّ قال عمر: ألاَ تبعث إلى هذا الرجل المتخلِّف فيجيء يبايع؟ فقال لقنفذ اذهب إلى عليّ فقل له يقول لكَ أمير المؤمنين تعال بايع، فذهب قنفذ فضرب الباب فقال عليّ، مَنْ هذا؟ قال أنا قنفذ، فقال ما جاء بك؟ قال يقول لكَ أمير المؤمنين تعالَ فبايع، فرفع عليّ (عليه السلام) صوته وقال: سبحان الله، لقد ادّعى ما ليس له، فجاء فأخبره، فقام عمر فقال انطلقوا إلى هذا الرجل حتّى نجيء إليه، فمضى إليه جماعة فضربوا الباب، فلمّا سمع عليّ أصواتهم لم يتكلّم وتكلّمت امرأته فقالت: مَنْ هؤلاء؟ فقالوا قولي لعليّ يخرج ويبايع، فرفعت فاطمة صوتها فقالت: يا رسول الله ما لقينا من أبي بكر وعمر بعدك؟! فلمّا سمعوا صوتها بكى كثيرٌ ممّن كان معه ثمّ انصرفوا، وثبت عمر في ناس معه، فأخرجوه وانطلقوا به إلى أبي بكر حتّى أجلسوه بين يديه، فقال أبو بكر بايع، قال: فإنْ لم أفعل؟ قال إذاً والله الذي لا إله إلاّ هو تضرب عنقك! قال عليّ (عليه السلام): فأنا عبد الله وأخو رسوله، قال أبو بكر بايع، قال فإنْ لم أفعل؟ قال: إذاً والله الذي لا إله إلاّ هو تضرب عنقك، فالتفت عليّ (عليه السلام) إلى القبر وقال: "يا بن آدم إنّ القوم استضعفوني وكادوا أن يقتلوني"، ثمّ بايع وقام. راجع الإمامة والسياسة، ص:13.

(3)  شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد المعتزلي، ج:16، ص:122.

(1)  راجع مصدر الحديث، ص:63.

(2)  بحار الأنوار، ج:43، ص:84.

(3)  تقدم مصدره، ص:66.

(1)  تقدّمت مصادره، ص:147.

(1)  بإمكان القارئ المهتم بمعرفة رأي سماحة السيّد حفظه المولى، الرجوع إلى كتاب "فقه الحياة"، ص:267، فيتّضح له رأي سماحته جليّاً، وأنّ ما أُثير حوله من لغط ربّما يكون ناشئاً من عدم المراجعة لكلماته والاغترار بمصطلح العصمة التكوينية الذي جاء في بعض كلماته حفظه المولى. وإلاّ فقد جاء كلامه صريحاً في "فقه الحياة"، ص:272، بأنّ "الحتمية" التي نقول بها لا تسلب عنصر الاختيار..".

(1)  مسند الإمام أحمد، ج:7، ص:132.

(2)  صحيح مسلم، ج:4، ص:1871. بحار الأنوار، ج:21، باب:37، ص:142، رواية:5.

(1)  نهج البلاغة، قصار الحكم: 238.

(2)  الوسائل، كتاب القضاء، الباب: 9، الحديث: 13.

(3)  سفينة البحار، ج:7، ص:115.

(1)  راجع كتاب النكاح، الشيخ جعفر الشاخوري، تقريراً لأبحاث سماحة آية الله العظمى السيّد محمّد حسين فضل الله، ج:1، ص:3، دار الملاك، 1996م.

(1)  راجع: عوالم الزهراء، ص:201.

(2)  م.ن، ص:583.

(3)  تفسير الكشّاف، ج:1، ص:275، وعنه بحار الأنوار، ج:43، ص:29. وعوالم الزهراء، ص:207، نقلاً عن الخرائج والجرائح.

(1)  تأمّلات إسلامية حول المرأة، ص:9، دار الملاك، ط:6، 1997م.

(1)  البحار، ج:43، ص:84. وعوالم الزهراء، ص:224.

(2)  البحار، ج:43، ص:253. وعوالم الزهراء، ص:225، نقلاً عن علل الشرائع.

 

(1)  البحار، ج:39، باب:73، ص:56، رواية:15.

(2)  البحار، ج:95، باب:7، ص:167، رواية:5.

(1)  راجع: صحيح مسلم، ج:4، ص:1905.

(2)  عوالم الزهراء، ص:123.

(3)  بحار الأنوار، ج:43، باب:3، ص:53، رواية:48. رواه الحاكم في المستدرك بإسناده عن عائشة، ج:3، ص:160، نقلاً عن عوالم الزهراء، ص:259. وفي البحار، ج:43، ص:84. قالت عائشة: "ما رأيتُ أحداً قطّ أصدق من فاطمة غير أبيها".

(1)  الكافي، ج:1، ص:458، رواية:2.

(1)  أصول الكافي، ج:1، ص:485.

(2)  مسند فاطمة، ص:585. دلائل الزهراء للطبري الإمامي، ص:28.

(1)  رواها الهيثمي في مجمع الزوائد. راجع: مُسند فاطمة، ص:66، وص:586. ورواها في دلائل الزهراء، وهو أحد فصول كتابه دلائل الإمامة، وطبع مستقلاً، ص:27. وراجع دلائل الإمامة له، ص:65.

(1)  الكافي، 3/104.

(1)  معادن الجوافر، 1/417.

(2)  أضواء على السُنّة المحمديّة، محمود أبو ريّة، ص:54، وما بعدها، مكتب الإعلام الإسلامي، نشر البطحاء، إيران، طـ:5. وراجع كتاب تدوين السُنّة الشريفة، السيّد محمد رضا الجلالي، قم ـ إيران، مكتب الإعلام الإسلامي 1413هـ.

 

(3)  البحار، ج:26، ص:39. ومن الواضح أنّ الإمام (عليه السلام) يتحدّث في هذا الحديث عن حجم المصحف وأنّه ثلاثة أضعاف القرآن، ولذا عقّب على قوله: :فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرّات" بقوله: "والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد"، أي أنّه علم آخر غير القرآن الكريم.

(1)  ففي الخبر عن الإمام الصادق (عليه السلام): "... مصحف فاطمة، ما أزعم أنّ فيه قرآناً.." البحار، ج:26، ص:37، وفي خبر آخر عنه (عليه السلام): "... وعندنا مصحف فاطمة، أما والله ما هو بالقرآن"، م.ن، ص:38، وفي خبرٍ ثالث عنه (عليه السلام): "وخلّفت فاطمة (عليها السلام) مصحفاً ما هو قرآن.."، م.ن، ص:43.

(2)  الكافي، ج:3، ص:507، كتاب الزكاة، باب: العلّة في وضع الزكاة على .. رواية:2.

(3)  تحدّث سماحة السيّد بهذا الحديث مع العالِم الشيخ محمد الغزالي، الذي أنصف في هذا المجال كما في غيره، قال في كتابه "دفاع عن العقيدة والشريعة ضدّ مطاعن المستشرقين"، ص:219 ـ 220، سمعت واحداً من هؤلاء ـ الذين يرسلون الكلام على عواهنه ـ يقول في مجلس علم: إنّ للشيعة قرآناً آخر يزيد وينقص عن قرآننا المعروف، فقلت له أين هذا القرآن، إنّ العالَم الإسلامي الذي امتدّت رقعته في ثلاث قارات ظلّ من بعثة محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إلى يومنا هذا بعد أن سلخ من عمر الزمن أربعة عشر قرناً، لا يعرف إلاّ مصحفاً واحداً، مضبوط البداية والنهاية، معدود السور والآيات والألفاظ، فأين هذا القرآن الآخر، ولماذا لم يطّلع الإنس والجن على نسخة منه خلال هذا الدهر الطويل؟ لماذا يُساق هذا الافتراء، ولحساب من تفتعل هذه الإشاعات وتُلقى بين الأغرار ليسوء ظنّهم بأخوانهم وقد يسوء ظنّهم بكتابهم، إنّ المصحف واحد يطبع في القاهرة فيقدّسه الشيعة في النجف أو في طهران ويتداولون نسخه بين أيديهم وفي بيوتهم دون أن يخطر ببالهم شيء البتّة إلاّ توقير الكتاب ومنزله جلّ شأنه ومبلّغه (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، فلم الكذب على الناس وعلى الوحي".

(1)  البحار، ج:22، باب:2، ص:545، رواية:63.

(2)  الكافي، ج:1، ص:241. البحار، ج:26، باب:1، ص:41، رواية:72.

(1)  البحار، ج:26، باب:1، ص:37، رواية:68.

(1)  الكافي، ج:3، ص:507، رواية:2.

(2)  وقد استظهر وحدة كتاب فاطمة مع مصحفها العلامة السيّد محسن الأمين العاملي في أعيان الشيعة، مجلد:1، ص:97.

(3)  الكافي، ج:1، ص:241، رواية:4.

(4)  البحار، ج:6، ص:41 و44.

(5)  م.ن، ج:26، ص:41، رواية:73.

(6)  مجمع الرجال، ج:4، ص:262.

(1)  لعلّ وجه استظهار سماحة السيّد أنّ أبا عبيدة هذا هو المدائني وليس الحذّاء الثقة، هو أنّ المدائني قد روى في الكتاب نفسه من الكافي (كتاب الحجّة) وبعد عدّة صفحات رواية تتحدّث عن علم الأئمّة وأنّهم إذا شاؤوا علموا، الكافي، ج:1، ص:258، رواية:3.

     أي أنّ مضمونها ومضمون رواية مصحف فاطمة واحد، وهو الحديث عن علم الأئمّة ومصادر هذا العلم، ما قد يساعد على وحدة الراوي، وأنّه المدائني، وإنْ كان ابن رئاب عُرف بالرواية عن الحذّاء. وكيف كان، إن لم يمكن استظهارذلك فلا أقلّ من احتماله، وهو كافٍ في تضعيف الرواية بعد تردّد الراوي بين الثقة وغيره، فتأمّل.

(2)  بحار الأنوار، ج:26، ص:40. وهكذا يظهر ذلك من السيّد هاشم معروف الحسني في سيرة الأئمّة الإثني عشر، ج:1، ص:105، والشيخ الفضلي في دروس في فقه الإمامية 1/108.

(3)  م.ن، ص:22 ـ 23.

(1)  م.ن.

(1)  دلائل الزهراء، ص:87.

(2)  الإمامة والسياسة، ص:14.

(3)  راجع نهاية ابن الأثير، ج:5، ص:259.

(4)  الكامل في التاريخ، ج:1، ص:554. ولكنّ الرواية في صحيح مسلم، ج:3، ص:1416، حديث:1، كما يلي: "... أنّه سمع سهل بن سعد يسأل عن جرح رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) يوم أُحُد فقال: جرح وجه رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وكسرت رباعيّته وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تغسل الدّم، وكان عليّ بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن (الترس)، فلمّا رأت فاطمة أنّ الماء لا يزيد الدّم إلاّ كثرة، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتّى صار رماداً ثمّ ألصقته بالجرح فاستمسك الدّم". وراجع: عوالم الزهراء، ص:270.

(1)  نهج البلاغة، الكتاب:45.

(2)  دلائل الزهراء، ص:87.

(3)  بحار الأنوار، ج:26، ص:28 ـ 29.

(1)  سفينة البحار، ج:2، ص:721.

(2)  الاحتجاج، ص:108.

(3)  معاني الأخبار، ص:354.

(4)  الأمالي، ص:374.

(5)  شرح النهج لابن أبي الحديد، ج:16، ص:233. وراجع: دلائل الزهراء، ص:87.

(1)  الإمامة والسياسة، ص:12.

(1)  بحار الأنوار، ج:16، باب:11، ص:307. مجمع البيان، ج:3، ص:763، وفيه ابناي هذان...

(1)  بحار الأنوار، ج:5، باب:15، ص:314، رواية:5.

(1)  ينابيع المودّة، ج:1، ص:124.

(2)  صحيح مسلم، ج:4، ص:187. والبحار، ج:2، باب:29، ص:486، رواية:3.

(3)  ينابيع المودّة، ج:1، ص:123.

(1)  بحار الأنوار، ج:25، ص:193.

(1)  دلائل الإمامة، ص:68.

(2)  دلائل الإمامة، ص:69. عوالم الزهراء، ص:68. كنز العمال، ج:12، ص:113، مؤسّسة الرسالة، بيروت 1993م.

(1)  مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام)، ص:582، نقلاً عن سنن ابن ماجة مع اختلافٍ بسيط.

(1)  نقلاً عن: عوالم الزهراء، ص:580. مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام)، التويسركاني ص:218 ـ 219، دار الصفوة ـ بيروت.

(2)  دلائل الإمامة، ص:76. عوالم الزهراء، ص:621.

(1)  دلائل الإمامة، ص:66. وعنه مسند فاطمة، ص:585. وعنه عوالم الزهراء، ص:620.

(2)  دلائل الإمامة، ص:69.

(3)  مسند فاطمة، التويسركاني، ص:212.

(1)  بحار الأنوار، ج:78، ص:207، رواية: 17، باب:12.

(1)  مهج الدعوات، ص:141. ومسند فاطمة، ص:540.

(1)  وسائل الشيعة: ج:20، باب:129، ص:232، من أبواب مقدّمات النكاح وآدابه.

(2)  وقد أشار إلى إرساله السيد الخوئي في مستند العروة الوثقى، كتاب النكاح، ج:1، ص:53.

(1)  وسائل الشيعة، ج:20، ص:194، حديث:13، باب:14 من مقدّمات النكاح.

(2)  م.ن، ج:20، ص:192، حديث: 1ـ5، من الباب نفسه.

(1)  من أقدم المصادر التي ذكرت خطبة الزهراء (عليها السلام) كتاب بلاغات النساء لابن طيفور، ص:23، والاحتجاج، ج:1، من ص:97 إلى ص:107، طبع مشهد المقدّسة 1403هـ. وراجع مسند فاطمة، ص:557. وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج:16، ص:211 ـ 249. وعوالم الزهراء، ص:467، وبحار الأنوار، ج:43، ص:148.

(1)  نهج البلاغة، الكتاب:62.

(1)  مرّ ذكر المصدر.

(2)  مسند فاطمة، ص:280.

(1)  الصحيفة السجادية الكاملة: أدعية الإمام السجاد عليّ بن الحسين زين العابدين، دعاؤه عند الصباح والمساء، ص:67، منشورات دار الأضواء.

(2)  البحار، ج:82، باب:1، ص:198.

(3)  نهج البلاغة، قصار الحكم: 145.

(1)  ميزان الحكمة، ج:5، ص:368، محمد الريشهري، الدار الإسلامية، بيروت، 1985م.

(1)  البحار، ج:96، باب:30، ص:258، رواية: 41.

(1)  نهج البلاغة، الخطبة: 36.

(2)  م.ن، الخطبة:126.

(1)  نهج البلاغة، قصار الحكم: 82.

(2)  الكافي، ج:3، ص:407، رواية:16.

(1)  البحار، ج:93، باب:24، ص:378، رواية:21.

(1)  نهج البلاغة، الكتاب:53.

(2)  بحار الأنوار، ج:71، ص:91.

(3)  م.ن، ص:93 ـ 94.

(4)  بحار الأنوار، ج:71، ص:102.

(5  م.ن، ص:97.

(1)  م.ن، ص:100.

(1)  الكافي، ج:ص، ص:79، باب العفّة، رواية: 1و7و8.

(2)  م.ن، ص:79، رواية:2.

(1)  صحيح مسلم، وقد تقدّم. الكافي، ج:8، باب:8، ص:92، رواية:80.

(1)  راجع: فضائل الخمسة من الصحاح الستّة، ج:2، ص:340. نقل هذه الحادثة عن خصائص النسائي ومستدرك الحاكم والكشّاف للزمخشري.

(1)  نهج البلاغة، الخطبة:146.

(1)  راجع كلام المؤرّخين والروايات الواردة في ذلك، كتاب: "قادتنا كيف نعرفهم.."،ج:4، ص:316 وما بعدها. ومسند فاطمة، ص:371. وعوالم الزهراء، ص:601 ـ 602.

(1)  التفسير الكبير، الفخر الرازي، ج:21، ص:184.

(2)  م.ن.

(1)  راجع فضائل الخمسة، ج:2، ص:231 ـ 232، وقد تقدّم نقله عن مصادر أخرى.

(1)  م.ن، ج:2، ص:250، نقله عن عشرات المصادر.

(1)  عوالم الزهراء، ص:477، نقلاً عن الاحتجاج. والملفت أنّ هذا الذيل غير موجود في بلاغات النساء.

(1)  نهج البلاغة، قصار الحكم:178.

(2)  بحار الأنوار، ج:71، ص:222 و225.

(3)  م.ن، ج:69، باب:114، ص:257، رواية:20. ومستدرك الوسائل، ج:12، ص:235.

(4)  هذا مضمون القصّة، فراجعها في سيرة المصطفى، السيّد هاشم معروف الحسني، ص:250، دار القلم، بيروت، طـ:3، 1981م.

(1)  بحار الأنوار، ج:42، ص:239.

(2)  م.ن، ج:45، ص:46.

(1)  القصّة منقولة بالمعنى، ولتراجع في إقبال الأعمال، ج:1، ص:384، تحقيق: جواد القيومي، قم ـ إيران، 1414هـ.

(1)  بحار الأنوار، ج:44، ص:329.

(2)  الكافي، ج5، ص:60، رواية:16.

(1)  نهج البلاغة، الخطبة الشقشقيّة.

(2)  م. ن.

(1)  نهج البلاغة، الكتاب:62.

(2)  م.ن، الخطبة:74.

(3)  م.ن، الخطبة:33.

(4)  نهج البلاغة، الخطبة:189.

(5)  إرشاد الطالبين إلى نهج المسترشدين تأليف المقداد السيوري، ص:371، طبع المرعشي النجفي، قم:1405هـ.

(1)  تقدّم ذكر المصدر.

(2)  وقد تقدّمت إجابة أخرى على هذا التساؤل، راجع صفحة 118.

(1)  تقدّم ذكر مصدر هذه القصّة. راجع ص:119.

(1)  صحيح البخاري بشرح الكرماني، ج:16، ص:14.

(1)  نهج البلاغة، الكتاب:45.

(1)  نهج البلاغة، الخطبة:189، شرح نهج البلاغة، ج:13، ص:102.

(2)  راجع، ص:334.

(1)  تقدّم ذكر المصدر.

(1)  يا ظلال الإسلام، ص:232، الطبعة الثالثة، دار التعارف للمطبوعات، بيروت 1985م.