كعادته في الاتهام بدون دليل، فبعد أن عجز السيد جعفر مرتضى عن اثبات ما يدعيه من أن الشيخ المفيد (رحمه الله) يؤكد حصول الاحراق والضرب من قبل السلطة الجائرة، وبعد فصل جاء تحت عنوان (ماذا يقول الشيخ المفيد)، حيث بدل أن يبدأ المؤلف بإيراد كلام المفيد (قده) كما وعد، استرسل في إيراد جميع أقوال من كان في عصر المفيد ومن جاء بعده ومن كان قبله، دون أن يعرض لنا رأي الإمام المفيد بما يفيد. أراد مرتضى أن يختم حديثه الذي استعرض فيه براعته في إنشاء الخطاب، باتهام السيد فضل الله (رحمه الله) بأن سبب تشكيكه في صحة نسبة كتاب الاختصاص إلى الشيخ المفيد هو تذرع ومكابرة لرفض حصول الاحراق والضرب، فتحت عنوان (كتاب الاختصاص للشيخ المفيد) يقول المؤلف: "تقدم أن البعض: قد جعل التشكيك في نسبة كتاب (الاختصاص) للشيخ المفيد (قده)، ذريعة لرفض الاعتماد عليه فيما يرويه عن مظالم الزهراء عليها السلام، ولرفض نسبة رواية ذلك إلى المفيد رحمه الله. ونقول: إننا بعد التأمل فيما يثار حول كتاب (الاختصاص) للشيخ المفيد، وجدنا أن تلك التساؤلات لا تصلح للاعتماد عليها للطعن في صحة هذه النسبة إلى ذلك العالم الجليل". (1)
ثم يشرع السيد جعفر مرتضى في الرد على نفسه! فهو قبل ما يقل عن عامين، كان قد أرسل رسالة إلى السيد فضل الله علل فيها سبب عدم اعتقاده بأن الاختصاص للمفيد!!! ولحسن الحظ، فإن هذه الرسالة موجودة في كتاب (الحوزة العلمية تدين الانحراف) تحت عنوان (الرسالة الثانية للسيد جعفر مرتضى العاملي إلى "فضل الله")، وها نحن سنكشف لكم من هو المنحرف، الذي يبيع الحقيقة من أجل المصلحة، وبأبخس الأسعار... فقبل نشره كتاب المأساة، صرّح مرتضى: "وإن كنا نعتقد: أن الاختصاص ليس من تأليفات الشيخ المفيد لوقوعه في طرق بعض رواياته". (2)
وما لنا إلا أن نبجّل الروح العلمية والأمانة التي يمتلكها صاحبنا الباحث عن الحقيقة! ثم نعرض لكم آراء العلماء في نسبة هذا الكتاب للشيخ المفيد مع بعض الأدلة الرافضة لهذه النسبة.
إن ﺑﻌﺾ ﻣﺎ جاء ﻓﻲ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ مخالف ﻟﻠﻌﻘﻞ، وهذا لا ينسجم مع آراء المفيد في سائر كتبه، فمن ما جاء ﻓﻲ ﺍﻻﺧﺘﺼﺎﺹ، ﺭﻭﻱ ﻋﻦ ﻋﺒﺪ ﺍﻟﻠﻪ ﺑﻦ ﻣﺴﻌﻮﺩ أﻧﻪ ﻗﺎﻝ: ﺃﺗﻴﺖ ﻓﺎﻃﻤﺔ (ع) فقلت ﻟﻬﺎ: ﺃﻳﻦ ﺑﻌﻠﻚ؟ ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﻋﺮﺝ ﺑﻪ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺴﻤاء، ﻓﻘﻠﺖ: في ماﺫﺍ؟ ﻓﻘﺎﻟﺖ: ﺇﻥ ﻧﻔﺮاً ﻣﻦ ﺍﻟﻤﻼﺋﻜﺔ ﺗﺸﺎﺟﺮﻭﺍ ﻓﻲ شيء، ﻓﺴﺄﻟﻮﺍ ﺣﻜﻤﺎً ﻣﻦ ﺍﻵﺩﻣﻴﻴﻦ، ﻓﺄﻭﺣﻰ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﻟﻴﻬﻢ ﺃﻥ ﺗﺨﻴﺮﻭﺍ ﻓﺎﺧﺘﺎﺭﻭﺍ ﻋﻠﻲ ﺑﻦ ﺃﺑﻲ ﻃﺎﻟﺐ (ع). (3)
وفي الكتاب أيضاً، ما نصّه: "قال محمد بن محمد بن النعمان"، فمن الذي قال ذلك يا ترى؟! لأن محمد بن محمد بن النعمان هو الشيخ المفيد نفسه!!!
أمّا فيما يخص صحة نسبة كتاب الاختصاص إلى الشيخ المفيد فقد قال السيد محمد مهدي الخرسان، محقق النسخة المطبوعة من كتاب الاختصاص المنسوب للشيخ المفيد: "أمّا الجواب عن سؤال من هو مؤلّف الكتاب؟ وهو السؤال الأوّل ومن أجله سلكنا هذا السبيل وغيره، فقد حصل لنا ظن بأنّه للشيخ المفيد (رحمه الله)". فهو عمل بظنه أن الكتاب للشيخ المفيد. إن الظن لا يغني من الحق شيئاً.
وقال الشيخ حسين معتوق في كتابه (الإنصاف في مسائل الخلاف): "كتاب الاختصاص المنسوب للشيخ المفيد (قدس سره): وهذا الكتاب لم يذكره أحد من المتقدمين ممن ترجم الشيخ المفيد (قدس سره)، ولكن في نسخة منه تاريخ كتابتها سنـة (1055 هـ) ذكـر كاتبها أنـه مـن مصنفـات الشيـخ المفيد (قدس سره) وأنه استخرجه من كتاب الاختصاص للشيخ أبي علي أحمد بن الحسين بن أحمد بن عمران المعاصر للشيخ الصدوق، ولا علم لنا بحال هذا الكاتب، فضلاً عن الفاصل الزمني بينه وبين الشيخ المفيد وعدم وجود إسناد متصل إليه، ولذا حكـم غير واحـد من المحققين منهم السيد المحقـق الخوئي (قدس سره) إلى عدم ثبوت نسبة الكتاب إليه، والمسألة محل خلاف بين المحققين". (4)
وقال السيد الخوئي فى ترجمة (رشيد الهجري): "فإن كتاب الاختصاص لم يثبت أنه للشيخ المفيد قدس سره". (5)
وقال أيضاً في ترجمة (زهير بن معاوية): "لم يثبت أن كتاب الاختصاص للشيخ المفيد قدس سره". (6)
وفي ترجمة (زيد بن ارقم): "إن كتاب الاختصاص لم يثبت أنه من تأليف الشيخ المفيد قدس سره". (7)
وفي ترجمة (زيد بن صوحان): "على أن كتاب الاختصاص لم يثبت اعتباره في نفسه". (8)
وفي ترجمة (زيد الخير): "إلا أن الرواية ضعيفة لعدم ثبوت إسناد كتاب الاختصاص إلى الشيخ المفيد قدس سره". (9)
وفي ترجمة (عبد الله بن ابي يعفور): "إن السند إلى هذا الكتاب مجهول". (10)
وفي ترجمة (عبد الله بن المغيرة): "لا يمكن الاعتماد عليه لعدم ثبوت نسبة الكتاب إلى الشيخ المفيد قدس سره". (11)
وقال السيد كاظم الحائري عن أستاذه السيد محمد باقر الصدر: "أفاد أستاذنا الشهيد (رحمه الله) أنّه لا دليل على كون الاختصاص للشيخ المفيد (قدّس سرّه) عدا كونه من الكتب التي اشتهرت عنه". (12)
وقال العلامة السيد كمال الحيدري في درس مفاتيح عملية الاستنباط الفقهي (384): "ﺍﻵﻥ ﻳﻮﺟﺪ كتاب ﻓﻲ ﺍﻷﺳﻮﺍﻕ باﺳﻢ ﺗﻔﺴﻴﺮ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ، ﻭﻳﻨﺴﺐ ﺇﻟﻰ ﺍﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ، وأنا ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻘﻄﻊ ﻭﺍﻟﻴﻘﻴﻦ ﺃﻥّ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻟﻴﺲ ﻻﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ، ﻭﺇﻧﻤﺎ ﻫﻮ ﻟﻌﺒﺪ ﺍﻟﺮﺯﺍﻕ ﺍﻟﻜﺎﺷﺎﻧﻲ، وﻻ ﻋﻼﻗﺔ ﻟﻬﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﺑﺎﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ، ﻭهذا ﺛﺎﺑﺖ ﻋﻠﻤﻴﺎً ﻻ أنّه ﻣﺸﻜﻮﻙ، ﻭﻟﻜﻦ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﻘﻘﻪ ﻭﺍﻟﺬﻱ ﻃﺒﻌﻪ ﻭﺟﺪ ﻓﻴﻪ ﺁراء ﻋﺮﻓﺎﻧﻴﺔ ﻓﺘﺼﻮﺭ ﺃﻧﻬﺎ ﻻﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ ﻭﻃﺒﻌﻪ ﺑﺎﺳﻤﻪ، ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺗﻨﻘﻞ ﺍﻵﺭﺍء ﺑﻌﻨﻮﺍﻥ ﺍﺑﻦ ﻋﺮﺑﻲ، ﻭﻫﻜﺬﺍ ﺍﻓﺘﺮﺿﻮﺍ ﻛﺘﺎﺏ ﺍﻻﺧﺘﺼﺎﺹ ﻟﻠﺸﻴﺦ ﺍﻟﻤﻔﻴﺪ، وﻫﻨﺎﻙ ﺟﻤﻠﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﻘﻘﻴﻦ ﺍﻟﻤﻌﺎﺻﺮﻳﻦ ﻳﻘﻮﻟﻮﻥ إﻥ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻜﺘﺎﺏ ﻟﻴﺲ ﻟﻠﺸﻴﺦ ﺍﻟﻤﻔﻴﺪ". (13)
وقال العلامة المحقق الشيخ محمد آصف محسني، صاحب مشرعة البحار: "كما أن مؤلّف الاختصاص أيضاً مجهول على الأقوى، وبالجملة هذه المصادر غير موثوق بها فلا يعتمد -كل الاعتماد- على أحاديثها، لبطلان الاعتماد على مجرد الاحتمال". (14)
وللعلامة المحقق الشيخ محمد الباقر البهبودي كلامٌ حول الموضوع، سنذكره نقلاً عن السيد الحيدري في درس مفاتيح عملية الاستنباط الفقهي (407): "ويظهر من هذا التوافق بين كتاب الاختصاص وبين كتاب التكليف للشلمغاني المعروف بفقه الرضا (ع)، ان مؤلف كتاب الاختصاص اعتمد على كتاب التكليف وأخذ عنه كما أخذ عنه ابن أبي جمهور الاحسائي في كتابه عوالي اللئالي عارفاً بنسبة كتاب التكليف إلى مؤلفه" (15). والشلمغاني كان على المذهب الحقّ، ثمّ غلا، واعتقد بالباطل، وخالف الشريعة، يحمله على ذلك كلِّه حسدُه ومنازعته لوكيل الإمام (عج) الحسين بن روح في ما آتاه اللهُ من شرف هذه الوكالة، فتبرّأ منه الإمام (عج)، ولعنه، وطلب من الشيعة أن ينفضّوا عنه، وهكذا كان. (16)
وقال الشيخ حيدر حب الله: "بل لقد بلغت الاختلافات حدّاً أن نُسبت كتب لأشخاص ثم تبيّن أنها لم تكن لهم، وضاعت كتب كثيرة لعلماء كبار لم يعثر منها الباحثون على شيء، واختلاف النسخ في كلمة أو جملة أو فقرة أو حديث أو اختلاط كتبٍ ببعضها مثل ما قيل عن تفسيري: القمي وأبي الجارود، أو نسبة كتاب إلى شخص ولا يعلم أنه له أصلاً، مثل كتاب الاختصاص للشيخ المفيد". (17)
وأخيراً، ذكر السيد محمد رضا السيستاني، نجل السيد علي السيستاني، في كتابه (قبسات من علم الرجال)، خلال دراسته لرواية منقولة عن الشيخ الصدوق في الاختصاص: "ولكن كتاب الاختصاص - كما أشير إليه - إنما هو منسوب إلى المفيد (قدس سره) ولم تثبت هذه النسبة بل هناك شواهد على خلافها، فالرواية غير معتبرة لعدم التأكد من كون من رواها عن الصدوق (قدس سره) من الثقات". (18)
خلاصة البحث، هناك عدد كبير من العلماء قالوا بعدم صحة نسبة كتاب الاختصاص للشيخ المفيد (رحمه الله)، وقد ذكرنا منهم: السيد الخوئي، الشهيد الصدر- كما نقل عنه السيد الحائري -، السيد كمال الحيدري، الشيخ محمد آصف محسني، الشيخ محمد الباقر البهبودي، الشيخ حيدر حب الله، السيد محمد رضا السيستاني، بل وحتى السيد جعفر مرتضى نفسه – على رأيه السابق لكتاب المأساة -، إضافة إلى ما ذكره السيد محمد مهدي الخرسان والشيخ حسين معتوق من شواهد تضعّف القول بصحة هذه النسبة... ولنا نهايةً أن نتساءل عن التقوى التي انطلق منها محققنا العظيم عند اتهامه للسيد فضل الله (رحمه الله) بأنه "قد جعل التشكيك في نسبة كتاب (الاختصاص) للشيخ المفيد (قده)، ذريعة لرفض الاعتماد عليه فيما يرويه عن مظالم الزهراء عليها السلام"!!! وعن السبب الذي دعاه لتغيير رأيه القديم حول عدم صحة هذه النسبة.
وللحديث عن رأي الشيخ المفيد في ما روي عن مظالم الزهراء (ع) تفاصيل أخرى سنعرج على ذكرها لاحقاً - إن شاء الله -.
المصادر:
(1) مأساة الزهراء، ج 1، ص 171
(2) الحوزة العلمية تدين الانحراف، ص 95
(3) ﺍﻻﺧﺘﺼﺎﺹ، ص 213.
(4) الإنصاف في مسائل الخلاف، ج 1، ص 139
(5) معجم رجال الحديث، ج 8، ص 197
(6) م ن ج8 ص307
(7) م ن ج8 ص345
(8) م ن ج8 ص355
(9) م ن ج9 ص101
(10) م ن ج11 ص107
(11) م ن ج11 ص362
(12) مباحث الأصول، تقريراً لأبحاث سماحة آية الله العظمى الشهيد السيد محمد باقر الصدر (قده) بقلم السيد كاظم الحائري ق 2 ج 2 ص 210
(13) درس مفاتيح عملية الاستنباط الفقهي (384)، رابط المقطع:
https://www.youtube.com/watch?v=UnjI39oPCx8
(14) مشرعة البحار، ج 1، ص 443
(15) بحار الأنوار مع تعليق العلامة البهبودي، ج 71، ص 354، الحاشية 2
درس مفاتيح عملية الاستنباط الفقهي (407)، رابط المقطع:
https://www.youtube.com/watch?v=w3N7x0Lw91w
(16) حقيقة الخلاف بين الشلمغاني والحسين بن روح، الموقع الرسمي للشيخ محمد عباس دهيني، على هذا الرابط:
(17) الإماميّة والموقف من صحيحي البخاري ومسلم، ص 43
(18) قبسات من علم الرجال، تقريراً لأبحاث السيد محمد رضا السيستاني بقلم السيد محمود البكاء، ج 1، ص 241