مأساة
كتاب المأساة



السيّد نجيب نور الدين







دار الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)                                   دار المحجّة البيضاء






كافة الحقوق محفوظة ومسجَّلة
الطبعة الأولى
1418 هــ ـــ 1997م
















إذا طُعنت من الخلف
فاعلم أنَّك في المقدِّمة












مقدِّمة الكتاب
يتعلَّق التاريخ بوقائع تتّصل بحياة الناس والمجتمعات خلال تعاقب الأزمنة في الماضي، ويدخل علم التاريخ في عداد العلوم الوصفية لا المعياريّة في عرضها وثبوتها. والمؤرّخ لا يتهيَّأ له أبداً أن يلاحظ وقائع التاريخ مباشرة ـــ مثل عالم الكيمياء الذي يُمكنه أن يعاين موضوع بحثه ـــ لأنَّ التاريخ هو أحداث الماضي، والماضي قطع زمنيّة تصرَّمت وانتهت، إلاَّ أنَّ المتبقي من هذا الماضي الغائب، هو وثائق ومدوّنات وروايات، تشكّل الأساس في تدوين التاريخ، والمدخل إلى إعادة تصوير الحَدَث وسَلْسَلَة أجزائه وترتيبها، ليكوِّن المؤرّخ من ذلك صورة متحرّكة وناطقة يوفّرها للقارئ. فالوثيقة هي نقطة البدء، والواقعة الحادثة في الماضي هي نقطة الوصول، فلا بديل عن الوثائق، وحيث لا وثائق، لا تاريخ.
الحذر والاحتياط هما السّمة الأساسية للباحث في كلّ مراحل تدوين التاريخ، لأنَّ نقطة الوصول إلى الواقعة التاريخيّة تتطلَّب المرور بسلسلة مركّبة من الاستدلالات المرتبط بعضها ببعض، وفُرص الخطأ متوفّرة في كلّ مرحلة، وأقلّ خطأ يمكن أن يفسد كلّ النتائج، خصوصاً وأنَّ الميل الطبيعي للإنسان هو إلى تصديق التوكيدات وترديدها دون تمييزها حتّى من ملاحظاته الخاصّة، ألا نسلم في الحياة اليومية، دون اكتراث ولا تحقّق من أيّ نوعٍ كان، بالشائعات والمعلومات المجهولة المصدر؟ فلو دقَّق المؤرّخ في كلّ قوله، لما ساق أقوالاً كثيرة بغير برهان، ولأقرّ بعدد أقلّ من المبادئ الزائفة.
فالباحث ليس في وضع التلقّي المستلب للوثيقة أو لمعانيها، ولا يقتصر دوره على جمع الوثائق وترتيب وقائعها وتسلسلها، بل يتسلَّح بأدوات شكّ وعلامات تساؤل ومنهجية قراءة وبحث، يختبر بها مصداقية الوثيقة وحقيقة كشفها وإخبارها عن الوقائع التاريخيّة.
وكتابة التاريخ الإسلامي أو إثبات واقعة من وقائعه، من أعقد المهام وأصعب الغايات التي تواجه الباحث، فموادّه متعدّدة، ووقائعه متداخلة، ومصادره متعارضة، ودواعي الوضع والتدليس متوفّرة، وحياد الرواة نادر وصعب، وفقدان الوثائق كثير، وتناقض الصور حاضر في كلّ حدث، والإثبات والنفي متوفّر في كلّ واقعة.
ويزيد الأمر حدّة، عندما يتداخل المذهبي بالتاريخي، فتجد المصنَّفات التاريخية الكبرى تدوِّن التاريخ بما يتلاءم مع ثوابت ومرتكزات هذا المذهب أو ذاك، فنجد ممارسات استبعاد لحدث، وإبرازاً لحدث آخر، كي تتكامل الصور وتنسجم وفق منظومة المذهب وإيديولوجيّته، فيكتسب المذهب بذلك شرعية التمثيل الحصري للدين، ويمنحه التاريخ خصوصيّة التحدُّر الطبيعي والتسلسل المنطقي ما بين عصر الوحي وعصر تشكّل المذهب أو زمانه.
وهكذا، فإنَّ مهمّة الباحث في التاريخ الإسلامي تكتنفها صعوبات مضاعفة، فعليه أن يتجاوز حواجز المذاهب وإكراهاتها التأويليّة والمنهجيّة في كتابة التاريخ، وعليه أن يكشف المزوَّر من الصحيح، والصادق من الكاذب، وأن لا يقع أسير خلفيّاته النفسية والأيديولوجية، ولا ينحصر بين جدران فرضيّاته وميوله وأهوائه التي تشوّش عليه الرؤية، وتجعله أسير ذاته، ممّا يحوِّله من صانع حقيقة للآخرين، إلى صانع حقيقة لنفسه وفق ما تمليه عليه رغباته وميوله.
وإثبات واقعة تاريخيّة لا يكون بتراكم وثائق أو جدول من الرّوايات المتعدّدة على الواقعة المراد إثباتها، فالمسألة ليست مسألة كم، بقدر ما تكون كيفيّة معيّنة لصدور الرواية ولظروف الحادثة تولّد الاطمئنان النفسي في ثبوتها، وتدفع إلى الركون الذهني في تحقُّقها.
فقد تتعدَّد الروايات، إلاَّ أنّه قد يكون راويها والمخبر بها واحد، الأمر الذي يقلّل من قوّة احتمالها ويجعلها بمستوى الرواية الواحدة، فقد تنتشر رواية معيّنة في مئات المراجع التاريخيّة، إلاّ أنَّ راويها أو مصدرها الأساسي واحد، وهذا يعني أنَّ احتمال ثبوتها لم يتغيَّر، كما لو كانت رواية آحادية.
وقد تتعدَّد الروايات، مع تعدُّد منشأ هذه الروايات، وقد يتعدَّد الرّواة وتتعدَّد الروايات، إلاَّ أنّ ظروف روايتها أو الإخبار عنها واحدةٍ ومتشابهة إلى حدٍّ بعيد، بحيث يشتبه ـــ أو يحتمل ـــ أن يكون التعدُّد ناشئاً عن مصادر قليلة أو واحدة.
وقد تتشابه الروايات المتعدّدة في الدوافع، كأن يكون رواة حادثة معيّنة منسجمين في المذهب والمعتقد، وتتوافق الرواية مع المباني المذهبية للرّواة.
وقد يكون الرّواة معروفين بالكذب والوضع والتدليس، عند ذلك، فإنَّ عدد الرّوايات لا يزيد من احتمال الثبوت ولا يرفع من مستوى التأكيد بشيء.
وبالجملة، فإنَّ التراكم الاحتمالي لحدوث واقعة معيّنة، يكون في استقلال الروايات بعضها عن بعضها، وبعدها عن التماثل في النشأة والدوافع وفي طبيعة الرواة، بحيث كلَّما اختلفت ظروف الوثائق الدالّة على واقعة معيّنة، كانت الاحتمالات في ثبوت هذه الواقعة تتراكم بنحو تصاعدي لتؤكّد الإثبات وتستبعد الخلاف.
والإثبات التاريخي لا يقتصر على معرفة مدلول الوثيقة أو الرواية، ولا على جمع مدلولها مع دليل الوثائق الأخرى، ليكون الباحث مجرَّد آلة ربط محايدة. فالباحث يُمارِس أسلوب تقريب واستبعاد تجزئة وجمع لكافّة الدلالات المتوفّرة بين يديه، ويعمل على صنع المشهد التاريخي بعد أن يطبّق منهجيّته ويمارس قراءاته، فتكون الواقعة التاريخيّة المثبتة، صورة ذهنية كوَّنها الجهد العقلي والعمل النقدي للباحث، وبالتالي يكون هناك نقلة وتحوّل بين الدلالة المباشرة للوثيقة وبين الواقعة المثبتة، لأنَّ الدلالة قد مرَّت بجهاز تنقية، فرضه النقد المنهجي والعمل التفسيري والتأويلي لنصوص الوثائق، فيصبح الباحث شريكاً في التقاط الوقائع التاريخيّة وفق ما يُمليه عليه منهجه ومشروعه النقدي.
والنقد هنا لا يقتصر على مصدر الوثيقة من جهة إثبات الوثاقة أو نفيها، بل يدخل إلى باطن الوثيقة ليحلِّل مضمونها للتأكيد ممّا أراد المؤلّف أو الراوي أن يقوله، ولتمييز ما يمكن قبوله فيها على أنَّه حقّ. وهذا النوع من النقد ضروري ليحمي الباحث نفسه من التسليم بنصوص مخالفة للحقيقة، إذ عليه أن لا ينسى أبداً المسافة القائمة بين قول مؤلّف الوثيقة وبين الحقيقة الثابتة علمياً، فعليه أن يبدأ أوّلاً بالشكّ، ليحتفظ دائماً بالشعور التّام بالمسؤولية التي تقع على عاتقه حين يردّد قولاً ورد في وثيقة أو رواية.
وهكذا، فإنْ أمضى أداة للباحث في هذا المجال، هو الشكّ المنهجي الذي يبقي المسافة بين ما في الوثيقة وبين ما في الواقع قائماً، حتّى يبقى الحدث المثبت تحت مجهر النقد، ولكي لا ترتفع النتائج فوق التساؤلات المنهجية، وتتفلَّت من إجراءات البحث العلمي الذي يتّسم بالاستمرار والتجدُّد، في كشف الوقائع وتركيب الأحداث التاريخيّة.
وتتأكّد منهجية النقد والشكّ المنهجي في مجال التاريخ الإسلامي، حيث تتعدَّد المصادر وتتناقض وتتضارب، وتتجاذب الوقائع المفصلية التي لها دلالة خاصّة على معاني الشرعية والنجاة والأحقيّة وما شابه، بحيث تمنح صاحب الواقعة امتيازاً ـــ أو ذمّاً ـــ دينياً ينتصر به صاحب هذا المذهب على المذهب الآخر، وبالتالي، يكون البحث في الأحداث الخاصّة ـــ التي هي محلّ تنازع وتدافع بين أصحاب المذاهب والاجتهادات المتعدّدة ـــ صعباً وشائكاً، ويتطلَّب حذراً شديداً ودقّة عالية في الدراسة والتحليل، خصوصاً وأنَّ لكلِّ صاحب مذهب دعوى تؤيّد مبناه ووثائق تدلّ على مراده. وتزداد صعوبة البحث، عندما ينتمي المؤرّخ إلى مذهب أو انتماءٍ معيَّن، حيث يتعرَّض الحدث لإسقاطات مبانيه المذهبية، ولو بنحو اللاشعور، أو الرغبة الدفينة في الانتصار لمذهبه، فيُمثّل هذا الواقع اتّجاهاً ومساراً للباحث في دراسة التاريخ، يحدّد من خلالها خياراته، ويأخذ التعسّف مجاله في رسم الحدث وأساليب الاستبعاد للوثائق والأدلّة التي لا تتناسب مع الصورة المؤطّرة للواقع التاريخي، التي تتقولب بقالب المنظومة المذهبية للمؤرّخ أو الباحث.
إنَّ تأريخ التاريخ الإسلامي، لم يأخذ حظّه من الحياد اللازم ليسمح للحدث أن يظهر على حقيقته وكما حصل، إذ إنَّ إكراهات الميول والسياسات قد حجبته وغيَّبت صورته الواقعية. فالوقائع التاريخيّة ملزمة بالمرور في قناة ونفق المذهب، فيتشكَّل الحدث والصور التاريخية على شاكلة المنظومة المذهبية، ومع عدم قابلية الحدث أو الوثيقة على المرور في النفق المذهبي، فإنَّ مصيره ـــ أو مصيرها ـــ هو الاستبعاد والنفي. وهكذا يتشكَّل التاريخ في نهاية البحث بشكل المنظومة، وتتحوَّل وقائعه إلى أسلحة دفاع ـــ أو هجوم ـــ تتأكَّد فيها مشروعية المنظومة ومنطقية تشكّلها واستمرارها وتطوّرها، ويخرج التاريخ من كونه عرضاً لأحداث ووقائع، تقف على مسافة من ميول الجميع، إلى مادّة توظيف وأداة مساجلة وحجّة جدل، في صراع الآراء والانتماءات والمواقف والمذاهب.
الحادثة التاريخيّة تثبت لأنّها تكون قابلة بذاتها للإثبات، ولها وثائق وأدلّة تكفيها مؤونة التحقُّق من وجهة نظر تاريخيّة، سواء كانت موافقة لمنظومة هذا المذهب أو ذاك، خصوصاً وأنَّ أصول إثباتها وقواعده، لا تنبني على حكم شرعي أو فتوى أو معتقد.
لذلك لا بدَّ من إعطاء البحث التاريخي حيِّزاً مستقلاً عن المباحث والمعايير الأخرى، كالبحث الفقهي وإثبات مسائل الاعتقاد وغيرها. فالبحث التاريخي علم وصفي يهدف إلى إثبات واقعة تاريخيّة، مع قطع النظر عن دلالات هذه الواقعة وأهميّتها بالنسبة لباقي العلوم، كعلم الكلام والتفسير والفقه وغيرها. فهو جهد محايد، يبتكر أدواته ووسائله المنهجية بشكلٍ مستقلّ عن باقي العلوم، حيث يتجنَّب العبارات المعيارية: كالحقّ والباطل والضلال والهداية والاستقامة والانحراف، وغيرها من الألفاظ التي لا شأن للبحث التاريخي بها، ولا تدخل في ميدان عمله، لأنّه يقدّم الواقعة كما هي في الحقيقة، وكما جرت في جزئيّاته وكما تقتضيه قواعد البحث والمنهج عنده، من دون اعتبار لما تعنيه في الميادين الأخرى.
هذا يستلزم أن يجرّد الباحث التاريخي ذهنه من كلّ ميوله وانتماءاته الخاصّة، ويضع أسلحته الأيديولوجيّة خارج غرفة البحث، ليتسنَّى له أن يرى الأشياء كما هي، ولكي لا يقع في حبائل الإسقاط المذهبي والتأويل الأيديولوجي للوثائق والحقائق، والتي نراها تأخذ دورها ومجراها بشكلٍ لا شعوري في وجدان المؤرّخ وفي ممارساته ونتاجاته. ولعلَّ هذا ما نلمسه في أكثر الموسوعات التاريخيّة المعروفة، التي دوَّنها علماء الإسلام، حيث دوَّنت داخل جدران الثوابت المذهبية للمصنّف، وتشكَّلت أحداث التاريخ بصوريّة المعتقد، وصوَّبت باتّجاه مؤدّى الضرورات الإيمانية لديه.
وقد يلتقي البحث التاريخي مع بعض العناوين العقائدية أو الفقهية، إلاَّ أنَّه التقاء في النتيجة وليس في المبنى أو في الدلالة أو الهدف. فالعمل التاريخي يكشف عن واقعة ويرويها كما هي، وفق ما توفّر عليها من وثائق، فلا يحمل صفة الإلزام أو الحجّة، ولا تتعلَّق وقائعه بتحديد أو توجيه الفعل والسلوك والاعتقاد. أمَّا العمل الفقهي، فيدور مدار التكليف المتعلّق بالعمل غالباً، ويتمحور البحث الاعتقادي على تشكيل منظومة مبادئ ذات حجّة قاطعة للمعتقد بصحّتها وصوابيّتها. فقد تثبت رواية ثبوتاً تاريخياً وفقهياً، إلاَّ أنَّها في التاريخ تدلّ على مشهد أو زاوية لمشهد حَدَثَ في التاريخ، وفي الفقه تدلّ على وضع أو تكليف معيّن بأحد أقسامه الخمسة أو الأربعة ـــ الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة ـــ، وفي الاعتقاد تدلّ على مبدأ إيماني مُلزم، وبالتالي، فإنَّ زاوية البحث مختلفة، والأغراض متعدّدة لكلِّ من العلوم الثلاثة.
والحدث أو الواقعة التي تثبت بدرجة دون التواتر المولد لليقين، يبقي للباحث التاريخي الهامش في الاحتفاظ بنسبة الاحتمال الضئيلة من الخلاف أو النفي، لأنَّ درجة الثبوت كانت بمستوى الظنّ الراجح أو القويّ، ولا يمكن التعدّي عن هذا المستوى لإلغاء الاحتمال الضئيل من النفي، لأنَّ إلغاء النفي يحتاج إلى دليل عليه يستبعده. وهذا ما يبقي ساحة الإثبات التاريخي مفتوحة، ومجال الاجتهاد فيها قائماً، وفرص إعادة الإثبات والقراءة مستمرّة. ويبقى التساؤل في ميدان البحث التاريخي مشروعاً، ويندرج في مجال الشكّ المنهجي، الذي يحدّ من التماهي مع الوقائع التاريخية، ويخفّف من المغالاة في ثبوتها، ويسمح بالتالي للحركة العلمية أن تُكمل مسارها وتعمّق نتاجها، إذ لا يمكن لنا أنْ نتصوَّر استمرارية للبحث التاريخي في بقعة، وقائع قد حسم أمر ثبوتها أو نفيها. البحث العلمي يتحرّك في المساحات التي ترى بصيص نور للشكّ وفسحة للظنّ، لتنطلق منه إلى بناء المشهد التاريخي أو إلى إعادة بنائه وفق ما تجدّد من معطيات، وما ظهر من وثائق لم تكن متوفّرة من قبل.
أمَّا مسائل الاعتقاد، فإنَّها لا تثبت إلاّ باليقين، وبالحجّة القاطعة التي تولّد ركوناً نفسياً وتسليماً ذهنياً لدى المعتقد بالمسألة، ويطرد عنها النفي أو الخلاف. وهي مسائل لا تقليد فيها ولا متابعة، بل يحصِّلها صاحبها بنفسه ويعتقد بها. وهي حجّة عليه، ولا يجوز له الاعتقاد بخلافها إذا ثبتت لديه بالحجّة القاطعة.
هذا الاعتبار، يرسم مسافة بين طبيعة الأمور الاعتقادية والوقائع التاريخيّة المثبتة، حيث إنَّ أكثر المسائل التاريخيّة تثبت بنحو الظنّ الراجح، والأمور الاعتقادية تستلزم اليقين والجزم.
كذلك، فإنَّ الكثير من المسائل الاعتقادية تكون محلّ تسالم بين الجميع على عنوانها العام، إلاَّ أنَّ تفسيرها وتأويلها محلّ للبحث والاجتهاد، حيث تتنوَّع الآراء، وتتفاوت المذاهب في فهمها، ومن هذا الشيء الكثير: كالإيمان بالعصمة والاختلاف حول ماهيّتها، والإيمان بالوحي والاختلاف في حقيقته، والإيمان بنزول القرآن والاختلاف في كيفيّته، والإيمان بالقرآن الكريم والاختلاف في تفسيره، والإيمان بالله تعالى والاختلاف في صفاته. فالإيمان بالمسائل الاعتقادية لا يمنع من الاجتهاد بتفاصيلها ولا يمنع من تأويلها، ولا يحصر تفسيرها برأي أو جهة واحدة.
فالانتماء إلى منظومة إيمانية أو عقيدية معيّنة، لا يمنع من الاجتهاد في داخلها، على الرغم من ثبات عناوينها. وهذا يقتضي تعريف الثوابت الاعتقادية، وتمييزها عن العناوين التي هي محلّ خلاف واجتهاد. فلا يمكن إدراج واقعة تاريخيّة ثبتت بالظنّ الراجح، في جدول المسائل الاعتقادية التي تمّ تحصيلها باليقين والجزم. فما كان موضع اجتهاد يبقى كذلك إلى أن تتغيَّر معطيات الوثائق المفيدة لثبوته. ويبقى حقّ الاجتهاد والتجديد في البحث قائماً ما دام كذلك، ويكون الخلاف مع صاحبها خلاف اجتهاد ونظر ووقائع وأدلّة، لا خلاف معتقد وإيمان.
ولا يمكن لمن اجتهد في هذا المجال وحصل القطع بنفسه ـــ على فرص حصول ذلك ـــ أنْ يُلزِم غيره بنتيجة عمله، إذا كان هذا الغير لم يرتق في بحثه إلى مستوى اليقين في ثبوت الواقعة أو في تأويلها، فيكون قطعه حجّة على نفسه دون غيره. ولا يحقّ له أن يمنع غيره من البحث والاجتهاد في هذه المسألة بحجّة أنَّ الأمر محسوم، وأنَّ اليقين قائم، لأنَّ اليقين تجربة ذاتية لا تأتي من الخارج، ولا يفرض بمرسوم أو فتوى بالمنع، بل هي تجربة ذاتيّة تحصل من نشاط ذهني وتفاعل نفسي تولّد لصاحبها يقيناً أو جزماً، وهذا لا ينبع إلاَّ من داخل النفس لا من خارجها. وبالتالي، فإنَّ البحث من حقّ الجميع، والتعبير عن هذا البحث أو الاجتهاد يبقى من حقّ الجميع، طالما أنَّ صاحب التجربة لا يُمارِس قمعاً أو استبداداً أو تضليلاً في عرض تجربته، بل يعرّضها لغرض التفاعل والفائدة العامّة، وهذا لا مانع منه.
فلا وصاية على الاعتقاد من أحد، ولا سلطة منع أو تجويز لأحدٍ فيها، لأنَّها ـــ كما ذكرنا ـــ تجربة خاصّة، يحقّ بل يجب على كلِّ واحدٍ أن يُبادر لتكوين اعتقاده وتثبيت مرتكزات إيمانه بنفسه، وأن يكوِّن حالته اليقينيّة الذاتية. فطالما أنَّ المسائل التي لم تدرج في قائمة اليقينيّات، وفق منظومة إيمانية أو اعتقادية معيّنة، فإنَّ مجال البحث فيها واسع، وحقّ التعبير عن التجارب العلمية والذاتية فيها قائم. ولعلَّ هذا هو السبيل الوحيد لنسج منظومة اعتقادية وإيمانية قائمة على اليقين وخالية من شوائب الأسطرة.
وكما أنَّه لا تعبّد في البحث التاريخي، كذلك لا تعبّد في ثبوت مسائل الاعتقاد ـــ وفق ما اتَّفق عليه كلّ العلماء وكلّ المذاهب ـــ، فلا إيمان بمسألة اعتقادية من جهة التعبّد، لأنَّ الاعتقاد يفرض يقيناً بالمسألة المعتقد بها. وهذا ما يميِّز الاعتقاد عن التقليد، لذلك فإنَّ مسائل الاعتقاد لا تحسم بسهولة، ولا يمكن التسلُّح بجملة تعميمات أو عناوين توحي بالتعبُّد أو بالقداسة، ليصادر على المطلوب ويثبت من خلالها مبادئ عقيديّة تحتاج إلى الدقّة في البحث والتحصيل. فالقداسة هي للنتيجة المحصلة باليقين، والتعبّد يكون بما تدلّ عليه هذه النتيجة، ولا داعي أن تتسرَّب عناوين القداسة والتعبُّد على طرق تحصيل اليقين وعلى منهج البحث.
فالاعتقاد لا ينزل ضيفاً على النفس، ولا يأتي من الخارج ليستقرّ في مقرّها، بل هو تولُّد ذاتي وحركة نتاج داخل النفس تولّد اليقين والاعتقاد. وهذا يعني أنَّ العناوين الفقهية أو التاريخيّة تشكِّل معطيات علمية ومرجحات عقلية أو شرعية، وأدلّة تتجمَّع مع غيرها من الأدلّة لتساعد الباحث على تحصيل يقينه والارتقاء في إقراره، من دون أن تكون هذه العناوين ملزمة بذاتها للاعتقاد.
وكذلك الأمر بالنسبة للحدث التاريخي، فما ثبت تاريخياً، لا يستلزم الاعتقاد به أو التيقُّن بحدوثه. لذلك فإنَّ الوقائع التي يرويها المؤرّخ لا تستوجب الإيمان بها، ولا يدلّ عدم الإيمان الاعتقادي بها على جحودها أو إنكارها، لأنَّ مستوى الإثبات التاريخي يختلف عن مستوى الإثبات الاعتقادي، ولكلّ طرقه وأساليب إثباته وقراءاته، ولكلّ دائرة اهتمام وموضوع بحث مستقلّ عن الآخر.
وهذا يعني أنَّ كلّ مسألة تثبت في ميدان علم معيّن، وأريد إثباتها في ميدان علمٍ آخر، لا بدّ من إعادة إنتاجها وفق مناهج وأصول الإثبات المعتمدة في هذا العلم. فالاختلاف في النهج أو المنهج يؤدّي إلى الاختلاف في النتائج، والتغاير في موضوع البحث يولد مسائل وعناوين متنوّعة. وهذا يحفظ لكلّ علم ميدانه ومنهجه وموضوعه، ويمنع من مصادرة الآراء، والسرعة في تعميم النتائج، ويعطي لكلّ علمٍ فرصته في تطوير أدواته وتشييد أركانه، بما ينسجم مع موضوعه.
فلا يمكن للمؤرّخ في دائرة البحث التاريخي أن يصادر عناوين عقائدية، ويسري نتائجه على المباحث الكلامية والاعتقادية، فلكلّ طريقته ولكلّ مجالاته، التي قد تتداخل في مجالٍ ما، ولكنّها تستقلّ عن بعضها البعض في مجالات أخرى. ولا يمكن للباحث الكلامي أن يفرض عناوين عقائدية أو مذهبية في مجرى البحث التاريخي، من أجل إثبات الوقائع ورسم الحدث.
ونودّ أن نؤكّد هنا أنّ الشكّ في البحث التاريخي، لا يعني أبداً إنكار واقعة ما، لأنَّ الشكّ مدخل لإعادة القراءة والنظر، وبداية للجهد العقلي في معالجة موضوع البحث، فلا معنى لبحث الباحث حول ثبوت واقعة تاريخيّة، وهو متيقّن سلفاً بثبوتها، أو ينوي إثبات واقعة قبل النظر في طبيعة الأدلّة والوثائق، إذ يكون بذلك قد صادق على نتائج بحثه، وأخضع الأدلّة لمقتضيات يقينه السابقة على بحثه، ويكون البحث عند ذلك إملاءات أيديولوجية وصراع منظومات وسجال مذاهب، أكثر منه إلى البحث العلمي، حيث تكون النتائج جاهزة ومعدّة مسبقاً، ومهمّة البحث هو الكشف عن الدليل الذي ينسجم في مداليله مع النتيجة المفروضة. ويتحوَّل الجهد العلمي حينذاك، من البحث عن الحقيقة إلى لعبة الحقيقة، ومن الإرشاد إلى التضليل.
الباحث التاريخي يتسلَّح بالنقد دائماً، ويثير تساؤله دائماً عند أدنى شكّ، ويعيد النظر في الأمور عند أدنى خلل في ترابط الصورة التاريخيّة وفي أدلّتها ووثائقها، بل يعيد النظر عندما تكون الصورة التاريخيّة في غاية الانسجام والمثالية والجمال، لأنَّ هذا لا يوافق الطبيعة البشرية التي صنعت هذه الأحداث. فدواعي الشكّ عند حصول خلل في منطق الوقائع، شبيهة بدواعي الشكّ عند الغاية القصوى من التناسق والتناغم في الوقائع، التي تنسج صورة أسطورية خياليّة.
الشكّ العلمي هو الذي يحمي الباحث من التعجُّل في تحصيل النتائج، ومن تلقّي الإرث المعرفي والعلمي المتوارث، تلقي استلاب وتسليم مطلق، بل تبقى لحركة العقل مسارها المتواصل وبدون انقطاع في تصوير وفهم ما جرى.
منهجيّة كتاب "المأساة"
بعد هذا العرض المنهجي، نودّ تقديم مراجعة سريعة في هذه المقدّمة لكتاب "المأساة"، حيثُ يطلّ هذا الكتاب حاملاً همّ "العقيدة" و"مشكلة الولاء والولاية"، وناقلاً تاريخ "الظلامات"، ومعبّراً عن "علوّ المقامات"، في محاولة لردّ تصريحات "الانحراف" ودعاوى "التشكيك" ومحاولات "التضليل"، التي استنفر مؤلّف هذا الكتاب جهده في التصدّي لها وبيان "خللها" ومستوى "الزيغ" فيها، وليخرج في آخر بحثه، بنقاء الاعتقاد وكمال المنظومة، ومرسخاً اليقين والجزم في مسائل الإيمان وأحداث التاريخ.
هذا ما يدّعيه صاحب الكتاب في مقدّمته بلغة الواثق من نفسه، والمتيقّن من أدلّته والجازم بمبانيه، والعارف بحقيقة الأمور، والقابض على صورة الواقع كما هي في الماضي والحاضر.
يدَّعي صاحب الكتاب التمسّك بأسلوب البحث العلمي والدليل الواضح والجازم، وبين ما يدّعيه وما تحتضنه صفحات الكتاب من نقاش وبحث، مسافة يتلمّسها القارئ المتمعّن، فلفظ "العلمية" يشير إلى المعنى على فرض تحقّقه ووجوده، ومع فقده يُصبح هذا اللّفظ لغواً وأماني يتمنَّاها كلّ مَن يطرح حقيقة معيّنة، ويصبح تلاعباً على الآخر حين يُوهمه أنَّ ما يقدّمه هو الحقّ والحقيقة.
طرح الكتاب لوضع الأمور في نصابها كما يدّعي صاحبه، وللردّ على جملة دعاوى وشبهات أثارها "البعض" كما يقول، ولكنّنا نرى أنَّ الكتاب ليس ردّ فعلٍ، ولا انفعالاً ناتجاً من فعلٍ خارجي، بل هو مبادرة بذاتها، وجدت مناسبة ومبرّراً، لتطلق لغتها وخطابها، ولكي تختبئ بظلّ دفع "الشبهات" ورد "الأقاويل"، وتتمرَّس برموز مقدّسة وأحداث لها وقعها الخاص في مخيّلة الناس، فتُمارس مصادرة على المطلوب، وتقمع حركة التفكير باسم الإيمان، وتميع البحث العلمي باسم مقامات الأولياء، وتطلق الاتّهامات في كلّ اتجاه باسم حبّ أهل البيت (عليهم السلام) والولاء لهم.
إنَّه مشروع اغتيال للعقل بكلِّ ما تعنيه الكلمة من دلالة، ورؤية تسطيح للتفكير، واستلاب لأذهان الناس في تلقّي معارفها، وقمع لحريّة اختيارهم وإرادتهم. إنَّه تخيير بين الطاعة والتلقّي المستلب لكافّة الحقائق، وبين التهمة في الخروج على الثوابت، والردّة على منظومة الإيمان، والانحراف عن خطّ النجاة في حال قرَّر أحد أن يكون حرّاً في تفكيره وعلمياً في قناعاته وآرائه. إنَّه كتاب يستبطن التهديد على كلّ مَن يثير إشكالاً علمياً أو تساؤلاً منهجياً، أو يدعو إلى علمنة ـــ (من علمية) ـــ البحث وعقلنة المقولات. إنّها دعوة لإقالة العقل عن وظيفته، فالحقائق محسومة والتاريخ المقولب متيقّن الثبوت، ولم يبقَ إلاّ الإيمان والإذعان والخضوع، حتّى بدون تساؤل، فالسلف قد فكَّر عن الجميع، ووفَّر عليهم عناء البحث وجهد طلب الحقيقة، والسؤال ـــ حتّى مجرّد السؤال ـــ تهمة، والنقاش خروج، والتردُّد ردّة.
وقد وجدنا أن نُدلي بقولنا، لا من باب أنّنا نقبض على الحقيقة، بل من أجل أن نطلق عقال الحقيقة من أنانية الاحتكار، وبؤرة المزاورة، وعمى التعصُّب، وعقدة الأنا والآخر، فتستعيد بذلك ـــ أي الحقيقة ـــ إطلاقها ولا محدوديّتها، لتكون قابلة لأن تتوزَّع على الجميع، فلا يحرم أحدٌ من فيضها وجمالها، ولتبقى أوسع من أن تحصر وأثمن من أن تمتلك، فتكون أوسع من أيّ فهمٍ، وأضبط من أيّ تعمية.
ولا نهدف إلى إسقاط أحد، أو نتعرَّض ليقين أحد، فلكلٍّ حجّته ومسلكه، فيقين شخص معيّن، لا يستلزم اليقين للآخر، ولا يُعطي اليقين لأحد الحقّ في فرض يقينه على الآخرين، لأنَّ مساحة حقّه هو أن يعبّر عن نتائجه ويعرض تجربته، تاركاً الحريّة للآخرين في النظر والبحث والتفكير.
هدفنا هو توسيع فضاء العقل والاعتراف بقدرات الناس على التفكير، وأخذ القرار أو حسم الخيار في مصيرها ومسائلها، ونبذ مقولة "العامّة" التي تسلب عن الناس خواصهم البشرية والنفسية، وتحشر الأفراد في لفظٍ واحد وفكرةٍ واحدةٍ، على الرغم من تنوّعهم واختلافهم وخصوصيّتهم وفرادة كلّ واحدٍ منهم، فتعمّم الأحكام وتصدر المراسيم الآمرة في حقّهم. فالحديث عن حفظ الإشكالات ضمن جدران مغلقة ومجالسٍ "الخاصّة"، هو جزء من ذهنية الاستخفاف بعقول الناس، وسياسة إخضاع الناس بلغة التخويف والتهويل.
الإشكال المركزي الذي يقف خلف النصوص في كتاب "المأساة"، هو تنزيل الكثير من الوقائع التاريخية والاجتهادات الخلافية، منزلة اليقين، ودرجة الاعتقاد، وصنو الوحي، مصادراً بذلك تنوُّع الآراء، مهمّشاً ومهشّماً للآراء المخالفة ـــ على كثرتها ـــ ومتّهماً كلّ مَن يناقش المسألة أو يطرح الحوار حولها.
العقيدة لا تحمي بالسلب والتّهم والمنع والتحريم، بل تحفظ بالحوار المفتوح، والدليل الواضح، والبحث العلمي الذي يُرجّح الآراء المحتملة وفق ضابطة موضوعية سليمة. فأسلوب تحصيل العقيدة السليمة، هو أخذ كافّة الاحتمالات على مشرحة التدقيق، وقيمة كلّ احتمال هي بحسب ما يقوم عليه من دليل وما يدعمه من وثيقة، فلا تتفاضل الاحتمالات بحسب رغبة الذّات، ولا تستبعد احتمالات أخرى بلغة القمع والتهمة، ولا تتداول المبادئ بلغة الشيفرات وفي أوقات العتمة. العقيدة المتماسكة والصلبة هي التي تطرد الخلاف وتستبعد الشكّ بنور دليلها وقوّة برهانها، فلا عقدة من الرأي المخالِف ولا أزمة مع التساؤل.
وقد أكَّد كتاب "المأساة" أنّه ينهج البحث العلمي ويعتمد الدليل والحجّة القاطعة والفكرة الحاسمة للجدل، وهي ألفاظ حشدها الكتاب في مقدّمته، سالباً الحقّ للقارئ في الحكم والتقدير، ومصادراً خياره في الاقتناع، فهو إمَّا منصاع لنتائج الكتاب، وإمّا مكابر ومعاند، لأنَّه رفض الدليل ونبذ اليقين.
وحتّى نوضح للقارئ العزيز المنهجية "العلمية" في الكتاب، نودّ أن نسجّل الملاحظات التالية:
1 ـــ أسلوب التهمة:
الحوار العلمي يقتضي أن يكون الخصم بعيداً عن التّهمة، حتّى يتركَّز البحث على نقاش آراء الخصم، وفق ما يراه صاحب الكتاب أقرب للحقيقة أو "مطابقاً لها". وهذا ما افتقده الكتاب، حيث لم يفوّت فرصة في التّهمة، وإيحاء للقارئ أنَّ "البعض" يحمل شبهات وآراء مناقضة للدين ومزعزعة لمبادئ التشيُّع، ويبادر بالتهمة قبل الولوج في البحث، حيث يعرض في المقدّمة ضرورة التصدّي ومواجهة آراء "البعض" حتى تحفظ أركان التشيُّع في أذهان الناس.
مثلاً: حين ينقل كلام "البعض" في مقدّمة الكتاب: "إنَّ ما يصدر عنه من مقولات هو مجرّد اجتهاد ويحقّ لكلِّ أحد أن يمارس الاجتهاد ويُخالف الآخرين في آرائهم".
فيردّ عليه بقوله: "أمّا إذا كان هذا الشخص يريد أن ينشر بين الناس اجتهاده المخالف لثوابت المذهب التي قامت عليها البراهين القاطعة، ودلَّت عليها النصوص الصريحة والمتواترة، فيدعو الناس إلى مقالاته المخالفة لها، فالموقف منه لا بدَّ أن يختلف عن الموقف من ذاك، حيث لا بدَّ من التصدّي له، وتحصين الناس عن الانسياق معه، في أفكاره التي تُخالف حقائق الدين وثوابته"(1).
هذه عيّنة من النصوص التي تبدأ بتهمة "البعض" والردّ عليهم من موقع القابض على الحقيقة، واللاغي لرقعة الاجتهاد في المسائل التي هي موضع بحث، علماً أنَّنا لم نجد رأياً واحداً صدر عن "البعض" يُخالف الثوابت ويسقط الضروريات المذهبية. إلاَّ أنَّ صاحب الكتاب، يعرض مسائل محلّ نقاش وخلاف، ويعتبر أنَّ رأيه وما ثبت لديه هو اليقيني والضروري.
ثمَّ لا ندري ما هي الثوابت التي خالفها "البعض"، ومَن الذي يحدِّد هذه الثوابت، وهل الثوابت هي المبادئ التي تمتنع على العقل أو على البحث العلمي؟ ثمَّ لماذا التسلُّح بالثوابت لتمرير تهمة أو لمصادرة النقاش والحوار العلمي وإلغائه؟ ولماذا يعتبر صاحب الكتاب نفسه إلى جانب هذه الثوابت وحارساً لحقائق الدين؟ أليس منهج التعصّب هو الأبعد عن الدين، والاتّهام اللامسؤول هو المُخالِف لغايات الإسلام؟ أليس التسامح هو روح الرسالة، والعقل هو طريق الاعتقاد؟ أليس التقليد الأعمى لمسائل الاعتقاد هي التي نبذها القرآن الكريم بقوله: {قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ} [الزخرف : 22]، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة : 170]؟ أليس الوعي هو مفتاح الفكر وسلامة الإيمان؟ الفارق بين مَن يُثير تساؤلات حول ثبوت أحداث تاريخيّة، ليُثير النقاش من حولها ويطرح قيمة وثائقها الدالّة عليها، وبين مَن يؤكِّد الوقائع التاريخية ويدَّعي يقينيَّتها ويتّهم المخالف بالردّة أو بالخروج على المذهب، هو الفارق بين منهجية تحصّن الاعتقاد بالوعي والتفكير والبحث، وبين منهجية تنشر الرعب باسم مقامات الأولياء، وتقمع العقل باسم المقدَّسات.
طريقة التّهمة بهذه الطريقة التي يعرّضها صاحب الكتاب هو تلاعب بالضروريّات وحقائق الدين، ليجعلها على قياس قناعاته، من دون أن يفسح المجال للرأي المختلف أن يُعبِّر عن نفسه، ولو اجتهد برأيه لَعُدَّ مخالِفاً لحقائق الدين وثوابته.
ويقول في موردٍ آخر من الكتاب: "فإنَّ ما صدر عن هذا الشخص ليس أموراً شخصية تعنيه هو دوننا، إذ إنَّ ما ارتكبه لم يكن مجرَّد نزوة عارضة أو شهوة جامحة، بل هو يُعبِّر عن روحيّته، وعن نظرته لتعاليم الدين، وعن قيمة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في نفسه، وعن قسوته، وعن حقيقة مشاعره الإنسانية، وأحاسيسه البشرية، وعن أخلاقيّاته وعن قِيَمه، وليست القضية أنّه اجتهد فأخطأ فله أجر أو أصاب فله أجران"(1).
ولا ندري أين هي لغة البحث العلمي، التي تسقط صاحب الرأي المخالِف من روحيّته ودينه وأخلاقه ومشاعره وأحاسيسه البشرية ومن قِيَمه. ثمَّ رفض أن يكون مجرَّد خطأ، بل تأكيد أنّه منهج انحراف وضلال.
هذا الأسلوب يستعين به صاحب الكتاب ليشحن القارئ ويعبِّئه نفسياً ضدّ الخصم، قبل عرض الدليل والوصول إلى النتيجة، ليقع القارئ في فخّ النفور والإدانة النفسية ضدّ كلّ ما يقوله الخصم، قبل سماع قوله ومعرفة خلفية الكلام ودليله وحجّته.
نقول: إنَّ لكلِّ إنسان أن يُعبّر عمّا يؤمن به ويراه مناسباً في شؤون الفكر والاعتقاد، إلاَّ أنَّ هذا لا يعطيه الحقّ في رمي مَن يخالفه بالتّهمة ويطلق عليه أحكام الخروج عن مبادئ التشيُّع، لأنَّ هذا استنتاج يجب أن يترك للقارئ بحسب ما توفّر لديه من أدلّة علمية متماسكة.
المبادرة بالتهمة، تنصب صاحب الكتاب في موضع الوصي على فهم الحقيقة وتحديدها وتأويلها، وإصدار الأحكام والفتاوى بحقّ مَن يخالفها. وفي هذا استمالة غير علمية للقارئ إلى جانب صاحب الكتاب، ليناصره في حملته "العقائدية" على مَن يحاول زعزعة أركان المذهب، إذ يُثير لديه ـــ أي القارئ ـــ حمية الانتماء وحساسية الهوية، في مواجهة آراء يصنّفها الكاتب في خانة الشبهات والإشكالات.
البحث العلمي يقتضي أن يقف صاحب الكتاب مع الخصم الذي يُسمّيه "البعض" في كتابه، على مسافة واحدة من الحقيقة، وعلى مستوى واحد في حقيقة الانتماء لها والتماهي معها، حتّى يأخذ الدليل مجاله العلمي، وتعرب الحجّة عن قوّة إقناعها، من دون الاستعانة بمؤثّرات نفسية وكلامية ومذهبية تُثير الرّعب في النفوس وتسبّب التشويش على العقول.
علماً أنَّ جُلّ آراء "البعض" عبارة عن تساؤلات وشكوك منهجية يفرضها العقل العلمي في معالجة الكثير من القضايا التاريخية، وبعض التفصيلات العقائدية أو الكلامية، والتي يكون هدف إثارتها هو جلاء الحقيقة وتماسك الدليل والبرهان على مسائل الاعتقاد، وسدّ مسارب الخلل، وتحصيل صورة عقائدية نقيّة.
وهذا من حقّ كلّ مؤمن، بل هو تكليف لكلِّ إنسانٍ بأن يحصّل مسائله الاعتقادية بالدليل والحجّة والمساءلة وعدم الركون لوثائق التاريخ بسهولة، إلاَّ بعد عملية نقدية مطوَّلة ودقيقة، تكشف المزيّف، وتجلي الواقعة التاريخيّة كما هي. إلغاء هذا الحقّ، يعني فرض حقائق الاعتقاد بالإكراه وبلغة التخويف والتهويل، والوقوع في أسر التقليد المستلب، وتتحوَّل بذلك مسائل الاعتقاد إلى عناوين تراثية يتلقَّاها كجزء من تاريخ أو تراث، لا شأن لعقله في صنعها ولوعيه في الولوج في أدلَّتها.
2 ـــ استعمال أسلوب المزاودة:
يسهب الكتاب في أكثر أبوابه، بالحديث عن مقام الأئمّة والسيّدة الزهراء (عليها السلام)، مع العلم أنَّ ما يذكره ليس موضع خلاف مع الخصم، ولا ينكرها أصلاً، بل يؤكّد الخصم علو مقام الأئمّة والسيّدة الزهراء (عليها السلام) في أكثر خطبه وكتاباته.
المشكلة أنّ الحديث في سياق الكلام عن المقامات العالية للمعصومين وعرض فضائلهم وإنجازاتهم، توحي للقارئ، بأنَّ الخصم لا يؤمن بهذه المقامات أو يشكِّك بها. ويتحوّل البحث إلى مباراة وسجال في المبالغة في مقامات المعصومين والمزاودة في إثبات فضائلهم، وتصبح إثارة نقاش علميٍ حول مسألة تتعلَّق بأحوال المعصومين، إنكاراً لكلِّ المقامات والفضائل، وإسقاطاً لعلوّ الأئمّة، مع أنَّ المسألة ليست كذلك.
الخروج عن الموضوع في نقاش أصل المطلب، والتترّس وراء المقامات والفضائل، هي خدعة تُمارس على القارئ، لتوحي له بالملازمة بين نقاش مطلب تاريخي أو كلامي معيّن، وبين إنكار كلّ هذه الفضائل والمقامات؛ فإمَّا الإيمان بكلِّ ما جاءت به كتب التاريخ، والتمسّك حتّى النادر من الروايات والضعيف من الأحاديث، في ما يتّصل بأحوال المعصومين، وإمَّا إنكار كلّ شيء، والخروج على منظومة الاعتقاد وخطّ التشيُّع. وهذه محاولة لتوظيف المعاني المقدّسة والسامية المترسّخة في أذهان الناس والقارئ، من أجل إدانة الخصم، وإيجاد مبرّرات للإدانة والتّهمة.
فالذي يربح جولة النقاش، هو الذي يتمسَّك بكلِّ مقولة، ويتشدَّد بكلِّ صفة تنسب للأئمّة، من دون التحقُّق والتدقيق، والخاسر هو الذي يُناقش ويبحث ويحلِّل.
أسلوب المزاودة، يغيّب لغة العقل، ويعزّز الخوف من التّهمة، والمراءاة من أجل كسب المديح والتبجيل. فحبّ أهل البيت وولاؤهم شيء، والمزاودة في التمسُّك بكلِّ فضيلة أو مقام تعرضه رواية أو حديث شيء آخر.
الولاء الحقيقي يفرض صورة واضحة وجليّة واعتقاداً متماسكاً في دليله وحجّته، من دون خلط بين العاطفة وبين ما هي عليه الأمور في الواقع، وما يكشفه الدليل من حقائق.
3 ـــ حشد المصادر الدالّة على المطلوب:
يحشد مؤلّف الكتاب الكثير من الروايات الدالّة على مطلبه، ويدعمها بمصادر كثيرة في حاشية الكتاب، كلّ ذلك للإيحاء بمتانة الاستدلال ويقينيّة النتائج.
والسؤال هو: هل كثرة الروايات دليل على صحّة المطلب، وهل كثرة المصادر برهان على صوابية الادّعاء؟
وكم تمنَّينا أن يبيِّن لنا صاحب الكتاب وثاقة الروايات وصحّة سندها، أو مستوى مصداقيّتها التاريخية، بل نراه يكتفي بترتيب الروايات وتكثيفها، من دون النظر في إمكان الاعتماد عليها، علماً أنَّ مطلبه ـــ كما يدَّعي في أوّل الكتاب ـــ هو الردّ بالحجّة القاطعة. ولا يخفى على القارئ ما تحويه كتب التاريخ والروايات من ضعف ووضع ودسّ، بحيث لا يمكن الاعتماد عليها، إلاَّ بعد التثبُّت من القيمة العلمية لكلِّ رواية أو حديث.
ويحدث كثيراً أن يحشد صاحب الكتاب عدّة مصادر للحديث الواحد، على الرغم من رجوع أكثر هذه المصادر إلى مصدر واحد، فيذكر مثلاً مصدر الرواية من الكتب القديمة ويذكر أيضاً مصدرها في الكتب المتأخّرة، مع العلم أنَّ الكتب المتأخّرة ترجع إلى الكتب المتقدّمة.
ويحصل كثيراً أن يذكر أكثر من رواية، مع أنَّها ترجع جميعها إلى رواية واحدة ذات مصدر واحد.
كلّ ذلك للإيحاء للقارئ، بأنَّ أدلّة مطلبه مؤكّدة وقاطعة ولا تحتمل الخلاف، ويوهمه بأنَّ الأمر متواتر أو مجمعٌ عليه، علماً أنّه يوجد بالمقابل روايات معارضة، قد تزيدها في العدد وقد تقلّ عنها، ومع ذلك فإنَّ المؤلّف يعرض عن الأدلّة المعارضة ولا يذكرها.
فنراه يذكر آراء العلماء المؤيّدة لرأيه، ولا يشير إلى آراء مغايرة، وإذا اعترف بوجود آراء مخالفة، فإنَّه يحشرها في زاوية الشاذّ والنادر، بحيث يجعلها ممتنعة عن النهوض إلى مستوى الرأي الموافق لرأيه.
الاكتفاء بذكر روايات، دون ممارسة نقد تاريخي وروائي، واعتبار أنَّ الكثرة تغني عن التحقيق، هو منهج موضع تساؤل ومحلّ ردّ، خصوصاً إذا تعلَّق الأمر بالاعتقادات والإيمانيات، حيث لا مجال للتسامح ولا هامش للتساهل.
ولو كانت كثرة الوثائق والأدلّة، من دون التحقيق في قيمتها، هو المؤشّر على أحقيّة مبدأ وثبوت واقعة، لكانت كلّ فرقة في الإسلام هي صاحبة الحقّ، ولكان كلّ دين هو الصحيح، إذ لا يخلو أيّ مذهب أو دين أو عقيدة من أدلّة كثيرة من ادّعاءات اليقين والجزم في مبانيها. وكم هي كثيرة الأدلّة التي يوردها أصحاب الدعوات الضالّة. الشيء الوحيد الذي يجلي الحقيقة عن الملتبسين، هو النقد والتحليل والبحث والمساءلة والشكّ المنهجي، حيث يقول العقل الناقد كلمته الأخيرة، ويحسم النزاع في صوابيّة الفكرة ومطابقية الحدث التاريخي.
اعتبار الكثرة  بديلاً عن التحقيق والتدقيق، هي ممارسة غير أمينة، يمارسها الكاتب على القارئ، من أجل أسر قناعاته وتعجيل أحكامه، إنَّها طريقة القفز فوق المقدّمات، للوثوب على النتيجة، وإيهام القارئ بصورة الدليل الحاسم والنتيجة المؤكّدة.
4 ـــ الخلط بين العقيدي والتاريخي:
كثيراً ما يناقش المؤلّف مسألة تاريخيّة من حيث ثوبتها، ثمَّ يربط هذه الواقعة بمنظومة الاعتقاد ومبادئ التشيّع، مع العلم أنَّ أكثر الأحداث والوقائع التي يُناقشها، ليست محلّ تسالم في ثبوتها أو محلّ إجماع، وعلى فرض كونها محلّ إجماع، فإنَّها ليست من ضروريات المذهب، ومع ذلك، فإنَّ المؤلّف يتوسَّع في دلالة الأحداث والوقائع التاريخيّة، ويجعلها من معالم المذهب، وفي مقدّمة مبادئه، وأنَّ عدم الإيمان بها هو خروج على المذهب. ويفرض صاحب الكتاب أهمية هذه الأحداث على طريقته الخاصّة وبفهمه الشخصي، من دون أن يدع مجالاً للقارئ بتحديد موقفه وقناعاته بما يراه منسجماً مع العقل والدليل.
مثلاً: يقول في كتابه: "صحيح أنَّ قضية الهجوم على الزهراء ليست من أصول الدين، لكنَّ ذلك لا يعني أنَّها ليس لها مساس بالناحية العقيدية.. بل هي واحدة من أهمّ مسائل الإسلام والإيمان لأنَّها تمسّ قضية الإمام والإمامة بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وتعطي للنّاس رؤية واضحة في أمر لم يزل هو المحور الأساس في الخلافات الكبرى التي وقعت في هذه الأُمّة في قضايا الدين والعقيدة. إذن فهو حدث تاريخي سياسي، له مساس بالإمام والإمامة، وهو أمر عقائدي خطير وهام جدّاً"(1).
رغم جلال مقام الزهراء (عليها السلام) واستنكارنا لكلِّ ما حَدَثَ لها من ظلم وغبن، فإنَّنا لا نرى وجه الربط بين هذه الحادثة التاريخية، وبين قضية الإمامة ومسائل الاعتقاد. أليس من الأجدى أن تبقى مسائل الاعتقاد ومبدأ الإمامة، فوق النقاش التاريخي، ولا نقحمها في أحداث تاريخيّة هي موضع نقاش وتعدُّد في الرأي من حيث ثبوتها؟ ولماذا التأكيد على هذا الربط في عصرنا الحاضر، هل هو لفرض الشحن النفسي والتعبئة الشعبية بمسائل حسّاسة وتكوين مزاج منفعل وجعله جزءاً من الاعتقاد وأصلاً من أصول الإمامة؟ مع أنَّ أمور الاعتقاد لا ترتبط بتفاصيل الحدث التاريخي لأنّها عناوين مستقلّة تثبت بالدليل القاطع الذي تستمرّ حجيّته رغم تبدُّل الأحوال وتغيّر الزمان.
لا نعتقد أنَّ التلاعب بالمضامين العقائدية بهذه البساطة، ولا نريد أن تتحوَّل الأحداث التاريخية إلى مناسبة للسجال المذهبي، ولا يحقّ لأحد أن يفرض الدلالات العقائدية للأحداث التاريخية على الآخرين(2).
هذا الخلط بين التاريخي والاعتقادي، يضيق الخناق على البحث التاريخي في إثبات الوقائع التاريخيّة، لأنَّه يجعل هذه الوقائع في مستوى الاعتقاد، ويُمثِّل البحث العلمي حولها مساساً بالمقدّسات والمقامات، وبالتالي يقع الباحث أسير الخوف على التهمة، وتحاط الكثير من الوقائع التاريخيّة بسباج من الممنوعات الشرعية والمحرَّمات المذهبية، تُعيق لغة العقل وتقمع الفكرة الناقدة والهادفة.
5 ـــ اختلاف زاوية النقاش:
نشهد في أكثر من موضع، أنّ الكتاب يعرض نصّاً للــ "البعض" يطرح فكرة معيّنة، ويُناقش الكتاب هذا النصّ من زاوية مختلفة تماماً عن دلالة النصّ.
فعلى سبيل المثال لا الحصر، يذكر نصّاً "للبعض" يقول: "إنَّنا لا نجد في التاريخ ما يشير إلى نشاطٍ اجتماعي للسيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في داخل المجتمع الإسلامي إلاَّ في رواية أو روايتين"(1).
حيث إنَّ النصّ يذكر ندرة النصوص التي تتحدّث عن نشاط السيّدة الزهراء (عليها السلام)، وبالتالي، فإنَّ هذا إجحافٌ بحقّها من جهة عدم تغطية وقائع حياتها، وفوات الفرصة للتعرّف على الكثير من التفاصيل عنها.
إلاَّ أنَّنا نجد صاحب الكتاب يُناقش النصّ من زاوية أخرى لا يقصدها صاحب النصّ، وهي أنَّ الزهراء (عليها السلام) لم يكن لها نشاط يذكر، ثمَّ يبدأ بتعداد نشاط وأعمال السيدة الزهراء (عليها السلام)، بطريقة توحي أنَّ الخصم لا يعلم ذلك أو ينكره.
وهذا يوحي أنَّ صاحب الكتاب يفرض فهمه الخاص على نصّ الخصم، دون التأكُّد من معرفة مراده.
مثالٌ آخر: نراه يُناقش الخصم عن قيمة الغيب ودوره في الحياة، بطريقة توحي أنَّ الخصم ينكر ذلك(1)، وأنَّه يقلِّل من أهمية الغيب في الحياة، مع العلم أنَّ نصّ الخصم لا يدلّ على ذلك، بل يدلّ على أنَّ فهم حادثة تاريخية معيّنة، يفرض علينا أن نفهمها في ظروفها وأجوائها الموضوعية، من دون الاستعانة بعناصر الغيب فيها، خصوصاً وأنَّ أخبار الغيب حول الحدث غير مؤكّدة.
وفي مقابل هذا الطرح، يبدأ صاحب الكتاب بالحديث عن الغيب وأهميّته الإيمانية وضرورته الحياتية، مع أنَّ هذا الكلام ليس محلاًّ للنقاش.
القارئ يحسّ من هذه المعالجة، أنَّ صاحب الكتاب لا يريد أن يسمع كلام الخصم، ولا يريد أن يتمعَّن في كلامه، بل يتعسَّف في تحديد الدلالة التي يراها هو مناسبة، ويقفز إلى التهمة والإدانة، قبل القراءة المتأنّية والتحليل الهادئ لكلام الخصم.
وهناك شواهد أخرى على ذلك، تدلّ على أنَّ المؤلّف يضع المعنى الذي يريده هو في مراد الخصم وقصده، مع أنَّ ظاهر نصّ الخصم لا يحتمل ذلك، بحيث يظهر أنَّ الخصم ينكر قيمة أو مبدأً أساسياً من أساسيّات الدين أو المذهب، ثمَّ يُناقش قول الخصم على أساس ذلك، فتراه يناقش الخصم في مسائل تُثير التّهمة لدى القارئ، مع أنَّ الخصم لا يقول بذلك ولم يصدر ذلك عنه.
وهذا، مرّة أخرى، تلاعب على القارئ، وحكم مبيّت على الخصم قبل سماع قوله، والإصرار على هذا الحكم حتى بعد سماع قوله، لأنَّ المؤلّف أعلم بقصد الخصم من الخصم نفسه.

6 ـــ الحمل على الأسوأ:
يعرض المؤلّف نصّاً للخصم، ثمَّ يعرض المعاني المحتملة من النصّ، فنراه يذكر كلّ الاحتمالات التي هي محلّ تهمة، ولا يذكر احتمالاً واحداً فيه شيء من حسن الظنّ بالخصم، كأنَّ الحكم قد صدر، ولا مجال للعودة عنه. فالاحتمال الحسن مستبعد، لأنَّ الغرض من الكتاب ليس النقاش العلمي الهادئ والعادل، بل إنَّ غرضه هو التشهير وزعزعة قناعة القارئ بالخصم وبإيمانه واعتقاده.
7 ـــ لغة الانتقاص والتشفِّي:
في معرض النقاش، تعترضك أحياناً جملة، لا علاقة لها بالبحث، تنال من شخص الخصم وتنتقصه، بلغة مشوبة بالاستهزاء والسخرية.
فمثلاً يقول: "إنَّنا نحتاج إلى هذا الوجود لنرتبط به، وتحنو عليه قلوبنا، وهو يجسّد لنا القِيَم والمثل، والكمال الإنساني الذي نحتاج إليه هو الآخر، لتحتضنه قلوبنا من خلال احتضانها للزهراء (عليها السلام)، وليسهم ـــ من ثَمَّ ـــ في بناء عقيدتنا، وتركيز المفاهيم الإسلامية والقِيَم والمثل في قلوبنا وعقولنا، لتنتج وتصوغ عواطفنا وأحاسيسنا وكلّ وجودنا، هذا هو دور فاطمة (عليها السلام)، وليس دورها ودورهم هو بناء المؤسّسات، أو إنشاء الجمعيات الخيرية أو الإنسانية، أو ما إلى ذلك"(1).
مع العلم أنَّ البحث كان حول نشاط السيّدة الزهراء (عليها السلام) الاجتماعي، فما دخل الجمعيات الخيرية في الموضوع، وهل هو عيب من عيوب الخصم أنَّه أسَّس جمعيات خيرية لرعاية اليتيم والفقير، وهل لهذه الجملة قيمة في تثبيت مطلب الكاتب؟! يحار القارئ من موقع هذه الجملة من الإعراب، لأنَّ الكاتب قد ألزم نفسه بالأسلوب العلمي في مقدّمة كتابة، ثمَّ يقحم أفكاراً لا تمتّ إلى البحث بصلة.
ومثال آخر يقول أيضاً: "ولماذا يهتمّ هو نفسه بالتذكير بحدث جرى قبل سنوات يحتمل أن يكون له نوع ارتباط به ويعتبره من الشؤون والقضايا الإسلامية الكبرى، ثمَّ لا يهتمّ بغيره من نظائره كمجزرة مكّة، وإسقاط الأميركيين للطائرة الإيرانية بركّابها الثلاثمائة الأبرياء، وكذلك لا يهتمّ بما ربَّما يعد أخطر قضية مفصليّة في تاريخ هذا الإسلام العزيز، وله ارتباط مباشر وعضوي في مساره العام على جميع الصعد وفي مختلف المجالات ألا وهو ضرب الزهراء، أو كسر ضلعها"(1).
لا ندري ما دخل اهتمام الخصم بالحدث بمطلب "ضلع الزهراء"، وكيف يحقّ لصاحب الكتاب الحكم عليه بعدم اهتمامه بمجزرة مكّة أو بالطائرة الإيرانية، مع العلم أنّنا سمعنا له أكثر من حديث وتعليق على هذه المناسبات؟! ما علاقة الأمور الشخصية بالمطلب الذي يبحثه صاحب الكتاب؟ وهل أنَّ لشخصية الخصم مدخلاً في إثبات الرأي أو تفنيده؟ ثمَّ إنَّنا نتعجَّب من لغة السخرية أو الانتقاص التي يستنتجها القارئ في كلام صاحب الكتاب، عندما يتناول أمور الخصم الشخصية، وهل هذا يدخل في تحقيق مطلب شريف أو مقدَّس؟
أَلَم يتعهَّد الكاتب في مقدّمة كتابه أن لا يقحم المسائل الشخصية في البحث، بل كان كلّ غرضه هو البحث العلمي، ومقارعة الحجّة بالحجّة؟ أَلَم يتعال في مقدّمته عن ذكر اسم الخصم والاكتفاء بذكر "البعض" حرصاً على سيادة الروح العلمية في الكتاب؟
ومع ذلك، فإنَّ الكتاب لم يوفّر إشارة أو قرينة لتدلّ على شخصية "البعض"، بل لقد عرفت شخصية "البعض" في المقدّمة وقبل الدخول في البحث، ومع ذلك أيضاً لم يوفّر مناسبة معقولة تسمح له بالانتفاص من الخصم بعبارات لا يتلفَّظ بها مَنْ هم على مقاعد الدراسة، فكيف بمن لقّبوا بالمحقّق وصنّفوا الكثير من المؤلّفات.
وللقارئ أن يسأل: هل أنَّ كتاب "المأساة" هو لتقرير حقيقة أو إثبات مبدأ، أم أنَّها دوافع تشفٍّ، وأغراض انتقاص اختزنها المؤلّف، وراح يُعبِّر عنها كلَّما سنحت له الفرصة وأتته المناسبة؟
8 ـــ اجتزاء النصوص:
يعرض المؤلّف نصوص الخصم في جمل قصيرة، علماً أنَّ هذه النصوص لم تصدر بشكلٍ مستقلّ، بل جاءت في سياق خطبة أو حديث شامل وطويل، فتكون دلالات هذه النصوص مترابطة مع الخطبة أو الحديث، لأنّها في سياق الكلام عن موضوع معيّن، بحيث يعرف رأي الخصم وغرضه من كامل النصّ وليس من جزئه. فاجتزاء النصّ وتقطيعه، تسمح لمؤلّف الكتاب بالتحكُّم باقتطاع النصوص التي تُناسِب مراد المؤلّف، وأسر المعنى الذي يرغب أن يُصرّح به الخصم. ويزيد الأمر حدّة، عدم توثيق نصّ الخصم، فلا يعلم ما مناسبة النصّ أو تاريخه، ولا يعلم مصدره، بحيث يختلط على القارئ ما هو الصحيح وما هو الموضوع، وقد يختلط هذا على المؤلّف نفسه، إذ إنَّه ينقل تصريحات للخصم نقلت له بالمشافهة، واستعملها كدليل على الخصم في مقدّمته، ولم يبيِّن للقارئ مدى دقّة ما وصله من كلام، علماً أنّ من حقّ القارئ على الكاتب، هو اطّلاعه على نصوص وأخبار موثقة ومؤكّدة، ليتسنَّى للقارئ التأكّد من صحّتها.
عدم توثيق نصّ الخصم شوَّش على القارئ صدقية هذه النصوص، ومدى مطابقتها لحقيقة ما قاله الخصم، واقتطاع النصّ من مصدره الأصلي، أخرج الكلام عن سياقه وعن مناسبته. ولا يمكن محاكمة شخص على قول، دون نقل المناسبة والظرف، والسؤال الذي سبق النصّ، ومستوى المستمع الذهني، وغيرها من الاعتبارات التي تُشكّل قرائن على تحديد مراد الخصم وقصده. أمَّا التحكّم بنقل النصّ معزولاً عن أجوائه العامّة، فهو كمن يحكم بكفر من يقول "لا إله" قبل أن ينتظر منه التكملة بــ "إلاّ الله".
والذي يزيد الأمور سوءاً، هو أنَّ صاحب الكتاب يستشهد بنصوص للخصم بطريقة انتقائية، بحيث يذكر النصوص التي هي محلّ اعتراض ونقاش، ولا يستشهد بنصوص أخرى تفسّر مُراد الخصم وتبيّن ما يقصد. هنالك تصريحات كثيرة وكتابات أكثر من أن تحصى في مقامات الأئمّة وموقعهم الروحي والمعنوي، تُشكّل قرينة على مراد الخصم وتوضح وجهة نقاشه لبعض المسائل التفصيليّة.
أمّا أن تُذْكر نصوص معيّنة ويعزلها صاحب الكتاب عن سياقاتها، ولا يستحضر نصوصاً أخرى لصاحب النصّ تبيّن مراده وتفسّر غرضه، بحيث يطرح النصّ كشيء معلَّق في الهواء تتقاذفه المزاجات الشخصية والتأويلات المنحازة، فهذا ـــ لعمري ـــ قلّة في الأمانة وخروج عن روحية الحقيقة التي تفرض الحياد، وتمنع النتائج المسبقة وتُؤكّد على نقل الأمور كما هي، لا كما يراها صاحب الهوى.









الفصل الأول



منهجيّة البحث عند السيّد مرتضى
أو البحث عن الزاوية في الغرفة المستديرة





مسلَّمات واهمة
يعمد عدد من كتاب السيرة أو ممَّن درجوا على تحقيق الروايات والأحداث التاريخية، إلى اعتماد مبدأ مفاده أنَّ كلّ ما لم يخرج من عندهم، أو لا يوافق مبانيهم، هو خارج دائرة العلمية والموضوعية، وبالتالي فهو تلقائياً لا قيمة علمية له، أو هو في أحسن الحالات مدّعاة للشكّ ومسانخ للباطل أو قد يكون.
وينطلق هؤلاء من مسلَّمات ربّما هم مَن وضعوها وأوهموا الناس بها، من قبيل أنَّ لهذا المحقّق أو ذاك سلطة لا تعلوها سلطة ومكانة علمية لا يجدر بأحد قط، مهما كان هذا الأحد، مقاربة أيّة حقيقة تندرج ضمناً في إطار أعمالهم، وهم بالتالي، سواء شاء الناس أو أبوا، يستخدمون هذه السلطة تعسّفاً أحياناً كثيرة ومستنداً لمحاكمات تطاول كلّ مَن يقع خارج دائرتهم ـــ وقد تكون من أضيق الدوائر ـــ بحجّة أنَّ العلمية والموضوعية والبحث العلمي هو شأنهم وحدهم أو هو اختصاصهم الذي ليس لأحد التطاول عليه ومقام لا يجب أن يتجرّأ على منازلته أيّ من الناس مهما علا شأنهم، حتّى لو كانوا من كبار العلماء ومراجع الأُمّة.
وغالباً ما يعمد هؤلاء إلى منح أنفسهم ألقاباً وصفات يتعالى شأوها إلى الحدّ الذي يصدق معها أصحابها أنّها تعبّر بالفعل عن واقع حالهم، عدا عمّا تمنحه لهم هذه الألقاب من سلطة يستخدمونها لتعريش كراسيهم العلمية مهما كانت متواضعة، وقد يتزايد هؤلاء تعاظماً عند أنفسهم إذا ما قابلوا إمكاناتهم بالعادي ممّا عند الناس الذين لا يتصدّى أحد منهم للمحاورة في آرائهم أو المناقشة في ما ورد فيها.
وهناك سبل يمكن لأيّ كاتب عادي أن يسلكها ويتسنّى له من خلالها تحقيق درجات عليا من الألقاب دون أنْ يتصدَّى له مَنْ يختبر هذه المرتبة من العلمية ليحكم إنْ كان ما يدّعيه حقيقة أم أوهاماً تمَّ إلباسها لباس العلمية والأعلمية.
الحقّ يُقال، إنَّ في نظام العلوم الدينية وترتيب الدرجات والألقاب ثغراتٍ لا يمكن التغاضي عنها، وإذا كان المعتاد أن يُختبر الفقيه والعالِم بشؤون الفقه والأحكام الشرعية، فإنَّ المراتب العلمية الأخرى قد تركت لكلِّ راغب ومتطفِّل.
فلا يصبح الفقيه في الشرع الإسلامي معتداً به ومعترفاً بعلميّته إلاَّ بعد أن ينهي علوماً محدَّدة ويجتهد في أمور درج الفقهاء على معالجتها وإعمال النظر في بحثها والخلوص منها إلى نتائج تعدّ في الموازين العلمية راجحة، إلاَّ أنَّ الأمر يختلف في شأن البحث التاريخي أو التحقيق في المعطيات والوقائع التي جرت في عصور وأزمنة ماضية، فالتساهل الذي درج عليه العلماء في هذه المسائل عن طريق عدِّها من الأمور المتسامح معها لأنَّها لا تطاول تكليفاً شرعياً أو حكماً إلَهياً، فتح المجال واسعاً أمام كلّ راغب في التصدّي لهذا النوع من الأبحاث بعيداً عن التدقيق في طريقة عمله وأدوات اشتغاله وصوابية نتائج أبحاثه، وقد أدّى غضّ الطرف عن كثير من تجاوزات هؤلاء المحقّقين والبحّاثة، إلى ما جرّأهم على دخول ميادين والتطرّق إلى موضوعات يُشكّ في مقدرتهم على معالجتها أو الدخول في غمارها، فالتبس أمر هذه النتاجات وراجت بين العامّة والخاصّة دونما تدقيق أو تمحيص أو إعادة نظر.
إنَّ منطق الأمور يفترض التوسُّع في صلاحيات الفقهاء والعلماء لدخول غمار التاريخ والتثبّت من معطياته ووقائعه وعدم التساهل في أمور كهذه بغية قطع الطريق على حديثي العهد من البحّاثة الذين يستفيدون من تساهل الفقهاء الأعلام في شأن نتاجاتهم، خاصّة وأنَّ هؤلاء يدفعون بهذه النتاجات إلى الرأي العام بصفتها دراسات كشفت عن الصحيح من معطيات التاريخ وادّعت ـــ حصراً ـــ امتناع هذه النتاجات عن البحث والمناقشة أو الحوار بشأن نتائجها وخلوصاتها.
إنَّ التساهل مع أمثال هؤلاء، جعلهم من الجرأة بحيث ادّعوا تماهياً مزيّفاً مع الأنبياء والأئمة المعصومين، وحدا بهم إلى القول بمعصومية أبحاثهم وبصدقها الذي لا يخدشه الشكّ، عدا عن أنّها أبحاث تمتنع عن النقاش والحوار أو إعادة البحث؛ فكلّ ما يقولونه هو الصواب وكلّ ما يدعونه يصبح حقيقة، والويل لمن عارض أو ناقش أو أعطى رأياً فيها، فإنَّ التكفير والتكذيب والخروج عن المذهب أو الدين، هي أقلّ التّهم الجاهزة والتي تحوقه أو تلحق به.
لحساب مَن يعمل هؤلاء المحقّقون؟!
لعلَّ هذا التقديم يقودنا إلى صلب الموضوع، وسوف ندخل إلى دائرته بصيغة سؤال: هل يحقّ لغير النبيّ أو المعصوم، كائناً مَن كان، أن يدَّعي حصراً قول الحقيقة؟ أم أنَّ ما علَّمنا إيَّاه الله والأنبياء والأئمّة هو أنَّ ما تعدّى قولهم لا يعدو اجتهاداً أو قولاً يبغي إصابة الحقيقة ولا يدّعيها، ويجهد في إصابة الواقع ولا يدّعي حصوله، وقد عوّدنا الأعلم والأتقى من العلماء أن يُتبع قوله أو رأيه أو اجتهاده، وقد عوَّدنا الأعلم والأتقى من العلماء أن يُتبع قوله أو رأيه أو اجتهاده بـــ "والله العالِم بحقائق آياته وأحكامه". فمن أين يأتي البعض بالجرأة ليجزم بأنَّ قوله هو الحقّ وينكر على الآخرين حتّى آراءهم واجتهاداتهم التي تواضعوا دوماً بجعلها في دائرة الاجتهاد وأخضعوا العديد منها للنقاش والعديد الآخر للبلورة عن طريق الحوار؟.
إنَّنا بالجرأة نفسها نقول لكلِّ البحَّاثة والمحقّقين بأن يرفعوا أيديهم عن الحقيقة ويكفّوا عن ادّعاء امتلاكها حصراً إنتاجاً وتوزيعاً، وأن يتحلُّوا بالتواضع الذي عهدناه في علمائنا وأكابر أعلامنا ويكونوا علميين حقّاً بطرح ما يتوصّلون إليه في إطار الرأي الذي جهد للوصول إلى الحقيقة التي قد يكون أصابها وقد يكون أخطأها؛ شأنه في ذلك شأن كلّ المخلصين في البحث والدراسة والاجتهاد.
إنَّ عين الموضوعية والعلمية، أن يتواضع مَن يدّعي العلم للعلماء ويحاورهم ويناقشهم بعيداً عن المصادرات والتعميمات المضلّلة، فمن العيب الذي يؤخذ على "العالم" أن يستغلّ جهل العامّة بالتاريخ وبعلم الرِّجال وبأصول البحث العلمي ويدفع إلى مخيالهم ما يرهقه بالمعطيات الهجينة التي يصعب عليهم بحثها ومناقشتها، وأن يسوق المحاكمات جزافاً لرجال امتهنوا العلم والبحث عن الحقيقة وعدم إخفائها أمام الجمهور الذي يبحث عن تكليفه.
إنَّ من العجب العجاب سوق التّهم إلى علمائنا الكبار بأنَّهم انحرفوا عن أصول الدين وفروع المذهب لأنّهم أعطوا رأياً أو طرحوا سؤالاً أو أخضعوا للنقاش والبحث معطىً تاريخياً تعدَّدت آراء العلماء بشأنه.
إنَّ التشكيك بعلمائنا الأعلام الذين عُرِفَ عنهم الإخلاص وأفنوا عمرهم في خدمة الإسلام، فيه من التحامل الشيء الكثير، فمتى كانت تدبلج الكتب وتسمّك صفحاتها بغرض النيل من عالمٍ جليل وقائد كبير عرفته الساحة الإسلامية أباً ومعلِّماً كما عرفته فقيهاً وعالِماً ومرجعاً.. ومتى كانت تُستبطن نوايا أعلامنا الأجلاّء لمجرّد تطاول البعض على مقاماتهم بالطعن والتشكيك؟!
إنَّنا لا ندري حقيقة مَن المستفيد من عمل هؤلاء المحقّقين الذين جهد العدوّ في استزلام مَن هو أقلَّ منهم شأناً لعملٍ أقلّ طعناً من أعمالهم بكثير؟!!
لا شكّ أنَّ الخدمة التي يؤدّيها هؤلاء "الغيارى" على الإسلام والمسلمين وعلى الشيعة والتشيُّع أكبر بكثير من الخدمات التي يؤدّيها عملاء الاستخبارات المركزية للدول المستكبرة، وهي لا شكّ ستكون موضع ترحيب كلّ الذين عملوا لسنوات طوال على النيل من المقام الرفيع لأحد أعلام هذه الأُمّة وعلمها الأبرز.
لقد قرأنا العديد من الكتب التي سعت إلى النيل من عالم جليل كالذي تناوله كتاب "محقّقنا" الفذّ، إلاّ أنّنا لم نقع على مثل تهجّماته وافتراءاته التي لا تخلو منها صفحة من صفحات هذا الكتاب "المفرط في علميّته"!
لقد توقّعنا أن يبادر مَن هم في صفّ أعداء هذه الأُمّة إلى أعمال تطعن بجهاد علمائنا وإسهاماتهم وتحاول أن تسيء إليهم لتشوّه سمعتهم وسيرتهم الجهادية الرائدة، إلاَّ أنَّ ما لم نتوقّعه، هو أن يبادر من حسبناه في صفّ المسلمين إلى غدر علمائنا الذين يواجهون بصدورهم وأكفّهم  وأفواههم، وبكلِّ ما أوتوا من قوّة، أعداء هذه الأُمّة، ويتصدّون لفضح خططهم وكشف مؤامراتهم والدفاع عن المقاومة والمقاومين، ويتلقّفون بأيديهم ولحمهم الحيّ كلّ السِّهام التي تطلق كلّ المجاهدين والمنافحين عن هذا الشعب وهذه الأرض وهذه الرسالة الإسلامية العظيمة.
المنهجية الملتبسة
هذا الكتاب، كما يفهم من عناوينه الكبرى والتفصيلية، موجّه إلى عامّة الناس قبل الخاصّة، لذلك كان من المفترض على المؤلّف أن يقوم بعملية توضيح، منذ البدء، للمنهجية المراد اعتمادها في تناول موضوعاته، إضافة إلى إيراد التعريفات والتوضيحات اللازمة للكثير من المسائل التي يتطلَّب الحديث عنها تعريفاً بمقدّماتها، عدا عن تنوُّعات موضوعاتها.
ومن المفيد أيضاً في مثل هذه الكتب التي تسعى إلى تفنيد الأقوال التي تتناول شؤوناً دينية وعقائدية وتاريخيّة، أن تعطي توضيحات لا بدَّ منها في علوم يحتاج المؤلّف إلى إيضاحها للقارئ حفاظاً على الأمانة العلمية في النقل والمناقشة. ولكن من خلال سبرنا لكلِّ ما ورد في الكتاب المؤلّف من جزءين لم نجد أيّة إشارة علمية إلى كلِّ ذلك، فلا نجد في مقدّمة هذا الكتاب ـــ مثلاً ـــ ما له علاقة بعلم التاريخ ولا بعلم الرجال أو بعلم الأصول ولا حتّى إشارة واحدة عابرة إلى ما تعني هذه العلوم. وإيضاح ذلك، من وجهة نظر علمية، تُعدّ ضرورة لازمة للدخول في نقاشات كالتي يتناولها موضوع الكتاب. وعدم الدخول في مثل هذه البحوث ولو سريعاً، أدّى لدى "الباحث" إلى خلط التاريخ بالعقيدة والعقيدة بالمذهب والأخير بالدين، وبات تفكيك هذه العناصر أمراً مستحيلاً لكثرة ما تعدَّت مساحة الواحدة منها الأخرى على صفحات هذا الكتاب.
بحث المصادر والمراجع
الأمر الآخر الذي يبدو ضبابيّاً وغائماً في هذا الكتاب، هو عدم توثيق المصادر والمراجع التي عاد إليها المؤلّف وعدم تصنيفه لها بين ما هو موثوق أو مشكوك أو متروك، بل تساوى عنده الجمع، وتعادل القويّ مع الضعيف، وتضافر استخدامهما جميعاً بما لا يدع مجالاً للشكّ عند القارئ أنَّ كلّ ما وَرَدَ في كتابه هو الصحيح وأنَّ أيّاً من الأحاديث والمرويّات التي أطلقها يمكن أن يتساوى في دلالاته مع الآخر بمعزل عن النظر إلى قوّة وصحّة أو ضعف وبطلان أيّ من هذه الروايات على اختلافها.
المخيال الشعبي
يُضافر المؤلّف حشداً هائلاً من الروايات والكلمات والمصطلحات والمنمّقات دون تدقيق بحسن توظيفاتها، ودون تكلّف عناء النظر إلى عدد المتناقش منها بعضه مع البعض الآخر ومدى إساءة بعضه للبعض الآخر، ولعلَّ المناط في استخدام هذه الطريقة أمران:
الأول: هو التركيز على إثارة المسائل التي تُلامس المخيال الشعبي، باعتبار أنَّ الحشد الكبير من المرويات والنصوص، يباغت القارئ ويجعله أمامها في موقف المستسلم، إضافة إلى أنَّ المؤلّف يضع في تصوّره أنَّ القارئ الشيعي بنوعٍ خاص، لن يخطر بباله التشكيك في كلّ ما روي عن أهل البيت (عليهم السلام) ولا يعنيه كثيراً أمر الراوي، طالما أنَّها تراكم من تصوّراته حول أُناس يحبّهم ويستعدّ دائماً لقبول كلّ ما يُقال عنهم. ولعلَّ ذلك قد ساعد المؤلّف على تحقيق مقصده في تمريره العديد من المعطيات التي لم يكن مضطراً لتحقيق أسانيدها، متَّكلاً على أنَّ المصادر والمراجع التي أورد عناوينها أو أسماء أصحابها تكفيه مؤونة إعمال النظر والتحقيق بصدقها أو كذبها ضعفاً وقوّة.
الثاني: في زحمة المناورات الخطابية التي اعتمدها الكاتب في مؤلّفه، لم يلتفت إلى العدد الكبير من الإساءات التي تعرَّض من خلالها لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، وبالأخص الإمام عليّ (عليه السلام) والإمام الحسين (عليه السلام)، وسيجد القارئ في طيَّات الكتاب أنَّه أساء، ولأكثر من مرّة، بحقّ الإمام عليّ (عليه السلام) عندما أراد أن يثبت فضيلة للسيّدة الزهراء (عليها السلام)، وكذلك فعل الأمر نفسه مع الإمام الحسين (عليه السلام).
المداورة... لماذا؟
يبدأ كتاب المأساة بالقول: "لقد وردت النقاط التي ألمحنا إليها وناقشناها في هذا الكتاب في مؤلّفات، ومقالات، ومحاضرات، ومقابلات صحافية أو إذاعية أو تلفزيونية، وقد حرصنا على أن لا نصرّح باسم قائلها من أجل الحفاظ على المشاعر... فإذا ما أراد شخص أن يعتبر أنَّ ما يرد في هذا الكتاب يعنيه دون سواه، على قاعدة: (كاد المريب أن يقول خذوني)، فذلك شأنه، ولكنَّنا نسدي له النصح بأنْ لا يفعل ذلك، لأنَّنا، إنَّما نقصد بذلك نفس القول من أيّ قائلٍ كان"(1).
في هذه المقطوعة التي بدأ بها صاحب الكتاب حديثه، تصريحٌ باسم مَن أراد إخفاء اسمه، لأنَّ من تناوله محقّقنا ليس شخصاً مجهول القول ولا هو قال ما قال في عتمة الليل أو تحت جنح الظلام، بل إنَّه تحدّث ـــ بشهادة المحقّق ـــ في مقالات ومحاضرات ومقابلات صحافية أو إذاعية أو تلفزيونية. ومن أراد الكاتب نقده ليس ممَّن يُحاضر ويقابل ويذايع ويتلفز في جنوب افريقيا حتّى لا يعرف اسمه أو صفته أو مكانته، فأقواله وآراؤه وقناعاته تتردَّد على كلِّ شفة ولسان، وبالتالي فأقواله معروفة ومفهومة ولا داعي لعدم ذكر صاحبها بحجّة الأسباب التي أوردها الكاتب، بل كان أجدى به أن يقول من البداية إنَّه يريد نقد شخصية مرجعية معروفة ومرموقة ولا ينفع إغفال اسمها أو المداورة في ذكر أوصافها.
أمّا عن "كاد المريب أن يقول خذوني"، فهو قول لا يجدي مع من يطرح قناعاته على الملأ وفي رابعة النهار، وبالتالي، لا يخشى أن تُعرَض أقواله وتنشر، وليس لصّاً يقول كلمته من وراء حجاب أو قناع.
أمّا النصيحة التي يسديها الكاتب لمن يتوجَّه إليه بالنقد، فلا نظن أنّها تجدي مع مرجع بصفات وخصال سماحة آية الله العظمى السيّد محمّد حسين فضل الله، علماً أنّه ترفَّع عن الردّ بنفسه؛ ليس انصياعاً لنصيحة صاحبنا، بل لأنَّ المقال لا يناسب صاحب المقام. ثمَّ إنَّ هذه اللغة تستبطن في ما تستبطن أموراً، منها:
أوّلاً: أنَّها تدّعي لصاحبها الحقّ الحصريّ في قول الحقيقة، بل هي تبغي القول إنَّ صاحبها هو مَن يقبض على الحقيقة وله شرف التصريح بها والإعلان عنها، علماً أنَّ هذا المقام الشريف لم نعهده إلاَّ لنبيّ أو معصوم، وما نعلمه أنَّ الرسول محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هو آخر الأنبياء، والأئمّة هم اثنا عشر آخرهم الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه الشريف)، ولا ندري إن كنّا قد سهونا عن إمام ثالث عشر في زماننا ولم يحدّثنا أحد عن هذا الإمام.
ثانياً: يستبدّ صاحب الكتاب بسلطة تصنيف النّاس إلى مَن هو على المذهب والعقيدة ومن هو خارج المذهب والعقيدة، مستخدماً سلطة الكلمات تعسّفاً مثل: "إنَّه لا مجال للمجاملة أو المهادنة في أمر الدين وقضايا العقيدة وما يتعلَّق بأهل البيت (عليهم السلام)(1)، وكأنَّه بقوله هذا يريد الإيحاء أنَّه الحامي للدين والعقيدة وأهل البيت (عليهم السلام)، وأنَّ غيره يقع خارج هذه الدائرة، وعليه أن يسلِّط سيف "التكليف الشرعي الملزم باتّخاذ موقف تجاهها"(2)، ليوحي أنَّ المعني بهذا الأمر خارج عن التكليف الشرعي ومنحرف عن أصول الدين والعقيدة، وعليه واجب زجره وتصويب انحرافه ونهيه عن ضلاله، وصاحبنا يعلم علم اليقين أنَّ المقصود بنقده لا يرقى إليه مثل هذا الكلام ولا تصيبه دلالات ما يوحي به من قريب أو بعيد.
ثالثاً: إنَّ قول: "من واجبنا المبادرة إلى توضيح بعض الأمور"(1) تُقال لمن يجهل مثل هذه الأمور ولا تُقال لمن هو أعلم من صاحبنا بها، كما أنَّ ادّعاء صفة "الموضح" لا يلغي جهل القائل بحقيقة علم المقصود في القول.
مسّ الثوابت الدينية أو المذهبية أو التاريخية
يقول المؤلّف: "إنَّ المبادرة إلى نقد الفكرة ليس تجنّياً ولا تشهيراً، بل إنَّ الإصرار على طرح الأمور التي تمسّ الثوابت الدينية أو المذهبية أو التاريخية، أو غيرها، بطريقة خالية من الدقّة العلمية، وتجاوز الحدود الطبيعيّة، هو الذي يؤدّي إلى التشهير بصاحبها"(2).
ولنبدأ هنا من آخر القول الذي يصرّح به المؤلّف بنيّته: "التشهير بصاحبها" ولم يمضِ على قوله: "وقد حرصنا على أن لا نصرّح باسم قائلها من أجل الحفاظ على المشاعر" أكثر من عشرين سطراً، وفي ذلك بيان لا يقبل الجدل حول نوايا المؤلّف في التشهير، إنَّما لا ندري الغرض منه سوى ادّعائه أنَّ من يسمّيه "صاحبها" قد مسَّ بالثوابت الدينية أو المذهبية أو التاريخية، وفي ذلك أمور:
أوّلاً: لم يقدّم لنا المؤلّف مفهوماً واضحاً ومحدَّداً يعرّفنا من خلاله على ما هو المقصود "بالثوابت" المذكورة، بل إنّه لم يكلِّف نفسه عناء إيراد تعريف علمي مقنع ومحدَّد عن معنى "الثوابت" تلك، علماً أنّه من أبسط قواعد التحقيق العلمي أن يبدأ فيها المحقّق بإيراد التعريفات للموضوعات التي يودّ تناولها، حتّى لا يقع القارئ في التباسات مفهومية تخرجه عن إدراك المقاصد من الأقوال، خاصّة إذا كان هذا المحقّق يتناول ثوابت دينية ومذهبية وتاريخيّة كما يقول.
ثانياً: نزعم أنَّ الكاتب لم يوضح ما هو المراد "بالثوابت" تلك قصداً، لأنَّه سيجد نفسه محرجاً في مطابقة مفاهيمه على مصاديقها، وبالتالي، ستخرج كلّ موضوعات البحث عن سياق الموضوع، وبما أنَّ هذا لن يخدم مقصده، عمد إلى ترك المفاهيم من دون تعريفات، كي لا يقع في المحذور ويضلّ عن إصابة المراد في ادّعاءاته.
ثالثاً: إنَّ من أبسط قواعد "البحث العلمي" ـــ وهو التعبير الذي يحلو للمؤلّف أن ينسبه إلى أعماله ـــ هو أن يعرض المؤلّف كشفاً بالنقاط والمطالب المراد نقدها، ويضاعف من ضرورة هذا الأمر، ادّعاء المؤلّف أنَّ المقصود بالنقد "طرح الأمور التي تمسّ الثوابت الدينية أو المذهبية أو التاريخيّة"، لأنَّ عرض هذه المطالب من شأنه أن يضع القارئ أمام روزنامة الموضوعات الخطيرة "المنتهكة" والتي يبغي المؤلّف أخذ الحقّ من "منتهكها". وسواء كان عدم ذكرها يعود إلى عدم معرفة الكاتب بأنَّ ذلك من أصول البحث العلمي أو أنَّه أغفل ذلك عن عمد، فزعْمُنا أنَّ ذلك كان بهدف "تكبير الحجر" وتهويل الموضوع، إمعاناً في تعظيم الأمور على القارئ، الذي يبادره المؤلّف دوماً ـــ وقبل أن يلتقط أنفاسه ـــ بالمفردات المرعبة التي تنبيك أنَّ المتوجّهة إليه ارتكب من الفظائع بحقّ الدين والمذهب والتاريخ ما لا يُحسِن السكوت عليه، وهو خلاف الحقيقة كما سنبيّن ذلك جليّاً.
رابعاً: سنجنّب الكاتب مؤونة واجب سرد محاور موضوعاته بإيرادها هنا حسب ما جاءت مبعثرة ومتفرّقة في "البحث العلمي" المذكور:
1 ـــ هل حُرقَ بيت السيِّدة الزهراء (عليها السلام) أم كان هناك تهديد بالحرق؟
2 ـــ هل كُسِر ضلع السيِّدة الزهراء (عليها السلام) حين الاعتداء على منزل أمير المؤمنين (عليه السلام) أم لا؟
3 ـــ هل أسقطت السيِّدة الزهراء (عليها السلام) جنينها المحسن (عليه السلام) أثناء حادثة الاعتداء؟
4 ـــ هل ضُرِبت (سلام الله عليها) أم هُمَّ بضربها؟
5 ـــ هل كان في عهد السيِّدة الزهراء (عليها السلام) أبوابٌ خشبية أم لا؟
6 ـــ هل السيِّدة الزهراء (عليها السلام) أفضل من السيِّدة مريم (عليها السلام)؟
وهنا تبدو الأسئلة منطقية، ونحن نطرحها هنا على القارئ اللّبيب والمحبّ لآل البيت (عليهم السلام) قبل "المحقّق" الذي "أرهبنا" بالحديث عن انتهاك أصول المذهب والدين والتاريخ وثوابتهم.
وهذه الأسئلة تهدف إلى كشف "لعبة البداهة" التي حاول أن يلعبها المؤلّف على القارئ بغية تضليله وسوقه مجبراً على التسليم بمقاصده، وهذه الأسئلة هي:
1 ـــ هل هناك إجماع أو اتّفاق على ما ذكر من إشكالات عند محقّقي الشيعة وفقهائهم، أم هي من الأمور الخلافية بينهم وهي لا تخدش تشيّع أيّ إنسان يثير أسئلة حول ثبوتها أو عدم ثبوتها؟ وعلى فرض وجود الإجماع والاتفاق، فهل هو إجماع نابع عن اجتهاد، أو إجماع قائم على ضرورة من ضرورات الدين؟
2 ـــ هل ما ذكر من مطالب يُعَدّ من أصول الدين أو فروعه؟
3 ـــ هل من الحرمة في شيء مناقشة هذه الوقائع التاريخية وعرض وجهات النظر حولها؟
4 ـــ هل يُعدُّ كفراً إثارة النقاش حول النصوص التي تحدّثت عن تلك الواقعة التاريخية التي تعرَّضت بنحو معيَّن لحادث الاعتداء على السيِّدة الزهراء (عليها السلام)؟
إنَّ الجاهل قبل "العالم المحقّق" يدرك بالبداهة أنَّ مناقشة الروايات التي تعرَّضت للاعتداء على السيِّدة الزهراء (عليها السلام)، لا يُعدُّ ـــ بحالٍ من الأحوال ـــ خروجاً على الدين أو المذهب، فكيف إذا كان العالم المقصود بالنقد لا ينفي مطلقاً الاعتداء على السيِّدة الزهراء (عليها السلام) أو يشكِّك بحصوله، ولم يرد أيُّ نصٍّ عنه ينفي ذلك، وكلّ ما ورد عنه هو مناقشة علمية لما ورد في هذه الروايات ومحاولة منه لتأكيد ما هو ثابت وإعادة البحث بما يحتمل التحقيقُ العلمي ثبوته أو عدم ثبوته بشكلٍ قاطع.
هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ الكاتب يعلم كغيره من الناس، أنَّ نقاش الأدلّة الدالّة على وجود الخالق (جلَّ وعزَّ)، يُعدُّ أمراً مشروعاً لا يستوجب الكفر، إذا كان ذلك مقدّمة لحصول اليقين، فكيف بالتساؤل حول معطيات تاريخية لا تشكّك بأصل الحادثة، إنَّما تبغي التثبُّت من بعض وقائعها؟!
إذاً، لماذا كلّ هذا التهويل الذي لا نرى من غرض له إلاَّ الإساءة للعالِم المقصود بالنقد في كتاب المؤلّف، وهو غرض مريب لا ندري مقاصده، أو قل نحن لا نريد؟!
وبعد ذلك يمعن في التمويه على القارئ بقوله: "وقد يرى البعض أنَّ التعرّض إلى بعض الثوابت يُمثّل نوعاً من التجديد في الفكر، أو في الثقافة الإسلامية أو التاريخية، وما إلى ذلك"(1).
وببساطة، يقحم الكاتب الأمور بعضها بالبعض الآخر دون أن يصدق القول بالشواهد في ما يقول فيه سماحة السيِّد تجديداً أو في ما يطرحه بهدف البحث والنقاش، وإذا كان الكاتب لا يورد الشواهد على ادّعائه، فليس لنا إلاَّ أن نسائله: أين العلمية والبحث العلمي ودأب المحقّقين في تبيان المراد من بحوثهم؟ فلو كان الكاتب جادّاً في بحثه، لأظهر لسماحته العديد من الأفكار التي تحتشد في بطون الكتب وعلى ظهر صفحاتها، إضافة إلى مقالاته ومقابلاته الإذاعية والتلفزيونية التي يدّعي الكاتب أنَّه تفحَّصها بدقّة، وللأسف، لم يجد فيها إلاَّ تساؤله عن حقيقة ما ورد من تفاصيل في الأخبار الواردة عن مظلومية السيّدة الزهراء (عليها السلام)، وإذ ذاك يحقّ لنا أن نتساءل: كيف يكون المحقّق موضوعياً وباحثاً علمياً إذا اختزل كلّ مقولات التجديد ببعض الأقوال المقتطفة من سياقاتها بهدف النيل من صاحبها والتشهير به من غير وجه حقّ؟
ويصل الأمر بتجرّؤ الكاتب على سماحة السيّد، بأن يخرجه عن مذهبه ودينه حين ينسب إليه ـــ افتراءً وبغير دليل ـــ ما نصّه: "إذا كان ثمّة مَن يحاول هدم الأدلّة التي أقامها العلماء على قضية عقيدية أو غيرها، فبقطع النظر عن فشله أو نجاحه في ذلك، فإنَّه حين لا يقدم الدليل البديل، فإنَّه يكون بذلك قد قرَّر التخلّي عن تلك العقيدة التي زعم أنَّه هدم دليلها، حيث لا يمكنه أن يلتزم بعقيدة ليس له دليل عليها، إلاَّ إذا كان مقلّداً في الأمور العقائدية، وهو أمرٌ غير مقبول من أحد من النّاس"(1).
وهنا لا بدَّ من القول إنَّ هذه الجرأة على السيِّد، فيها الكثير من التفريط بالتقوى الذي لم نعهد مثله عند علمائنا ولأيّة غاية من الغايات، لكن لا بأس إذا كان هذا التفريط ممَّن صرَّح بنيّة التشهير بعالِم من علماء الإسلام الأجلاّء.
وهنا فليسمح لنا الكاتب أن نسأله: هل لكاتبنا الجليل أن يدلَّنا على أمرٍ واحد من أمور العقيدة أو قضاياها التي فرَّط بها أو هدم دليلها من ينسب إليه ذلك؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا مراعاته ومداراته وعدم "دغدغة مشاعره"؟ فمن الواجب حينذاك عدم المداراة أو المماراة في دين الله، إلاَّ إذا كان الأمر خلاف ما يدَّعيه المؤلّف، وهذه هي الحقيقة بعد أن بيَّنا ـــ في ما سبق ـــ أنَّ ما تناول به المؤلّف سماحة السيّد، لا يُعدّ ـــ إذا صحَّ ـــ بحالٍ من الأحوال دليلاً على التفريط بثوابت العقيدة والدين والمذهب، وهو محض افتراءٍ لا يملك المؤلّف عليه دليلاً واحداً، ونحن نقبل بأقلّ من دليل.
القول بالنصيحة
أمّا نقله عن سماحة السيّد قوله: "إنَّه ليس من حقّ أحد أن ينصحه، بأن لا يطرح على الناس العاديين بعض آرائه وتساؤلاته حول الأمور العقيدية والإيمانية والتاريخية التي يُخالف فيها ما أجمع عليه علماء المذهب ورموزه وجهابذته، حتّى لو كانت هذه النصيحة تهدف إلى صيانته عن الوقوع في المحذور الكبير إذا كان ما سيطرحه يُمثِّل خروجاً خطيراً، يفرض على العلماء الذين يحرم عليهم كتمان العلم والبيّنات مواجهته بالدليل القاطع، وبالحجّة البالغة، وبالأسلوب المماثل، بل بأيّ أسلوب مشروع يجدي في التوضيح والتصحيح"(1)؟
ففي هذا القول أمور:
أوّلاً: لا ندري كيف أعطى الكاتب لنفسه هذا الحقّ بالنصيحة، إلاّ إذا كان يفترض أنّه أعلم ممّن ينتقده أو أدرى منه بشؤون الدين والعقيدة، وهذا لم يثبت لا بالعقل ولا بالنقل ولا بشهادة العدول، ناهيك عن الشياع والاطمئنان!
ثانياً: نعم، من حقّ سماحة السيّد أن لا يرضى بالنصيحة في أمر يتعلَّق بنشر قناعاته، لأنَّ من حقّ العالم أن يظهر علمه حتّى لو لم يعجب أمثال كاتبنا الجليل. نعم، من حقّ الآخرين أن يناقشوا في آرائه وأن يخالفوه فيها، وهذا أمرٌ شائع بين العلماء ومشهور، أمّا أن تقدّم له النصيحة بالكفّ عن الإدلاء بقناعاته، فهذا ما لم نعهده في أيّ عصرٍ من العصور بحقّ أيّ عالمٍ من علمائنا الكبار.
ثالثاً: وإذا كان سماحة السيّد قد عوَّد صاحب الكتاب على سماع آرائه، فليس لأنّه يحتاج إلى نصحه، بل لأنَّ أخلاق العلماء تمنع عليهم غير ذلك، فطمع كاتبنا بسماحة صاحب السماحة، وظنَّ أنَّ من حقِّه عليه أن يستمع لنصائحه، حتّى إذا وجد الأمر على شاكلة "تراه يصغي إلى الحديث بسمعه وبقلبه ولعلَّه أدرى به" أخذت هذا "الناصح" العزّة، وانقلب على سامعه ذمّاً وتقريعاً لا نجد لهما تفسيراً إلاّ النكاية.
المفاخرة بالذّات العالمة!
يُبالغ المؤلّف في استخدام حشد كبير من التعابير ذات السطوة مثل: "الروح العلمية"، "متانة الدليل"، "الطرح العلمي"، "البحث العلمي"... الخ.
ولا ندري إلى مَن يتوجّه الكاتب بهذه المفردات الجميلة؟ فإذا كانت موجّهة إلى سماحة السيّد، فنظنّ أنّه أدرى بهذه المصطلحات ودلالاتها من كاتبنا الجليل، رغم أنّه لا يُفاخر في الحديث عن أيّ منها حين يتكلّم عن أفكاره وآرائه، وما يصدق على سماحة السيّد يصدق على أمثاله من العلماء ومَن هم في مرتبته العلمية. أمّا إذا كان الكاتب قاصداً التوجّه بها إلى العامّة، فإنَّنا نتمنّى له حسن الحظّ في أن ينخدع بها مَن أسماهم السذَّج من الناس البسطاء. ونحن نتساءل: هل المطلوب تسخيف قناعات الناس والقول إنَّ كلّ ما خالَف قناعاتنا هو ساذج وسخيف بغير دليل؟ نظنّ أنَّ هذا نوع من ممارسة الإرهاب، لأنَّ ادّعاء الحجّة لا بد من أن يأتي بعد عرض الأدلّة، وإلاّ عُدَّ الأمر من قبيل المصادرة والتهويل على القارئ.
افتراءات بلا أدلّة
يورد الكاتب عدداً من الأقوال ينسبها إلى سماحته بغير دليل ولا إثبات ومنها قوله: "يبدو لنا أنَّ الإسراف في تقديس العقل، باعتباره هو مصدر المعرفة الأوحد، وجعله مقياساً لردّ أو قبول النصوص.. مأخوذ من المعتزلة، وقد كان هو الدّاء الدويّ لهم، ومن أسباب انحسار تيّارهم، وخمود نارهم في العصور السالفة"(1).
لا ندري من أين جاء الكاتب بهذه الأقاويل التي نسبها إلى سماحة السيِّد، فإنّنا لم نسمعها لا في إذاعة ولا في تلفاز ولا قرأناها في مقالة أو مقابلة، وإذا كان الكاتب قد سمع من سماحته ما يمتدح العقل، فإنَّ ذلك ليس مغالاة ولا مبالغة، بل التزاماً بنصوص القرآن الكريم، وإلاَّ ماذا يقول في ربّ العالمين وقرآنه المجيد الذي لم نرَ كتاباً مجَّد العقل وحثَّ الناس على استخدامه أكثر منه؟!
أمّا الأمر الثاني الذي يفسّر فيه صاحب الكتاب أسباب انحسار تيّار المعتزلة، ففيه تستّر على العامل الأساسي الذي سبب القضاء عليهم، فالذين ضربوا تيّار المعتزلة هم أنفسهم الذين حاربوا خطّ أئمّة أهل البيت، وضيَّقوا على كلّ صاحب رأي حريّته، إلاَّ إذا كان كاتبنا يمتدح ضمناً مَن قضى على المعتزلة وأبادهم وغدر بالأئمّة (عليهم السلام)، فهنا ينكسر قلمنا ونترك لغيرنا أن يقول المناسب في هذا الموضوع.
التناقض والتهافت
يقرّر الكاتب في معرض تبريره لمناقشة سماحة السيِّد ونقده أنَّه "إذا كانت مناقشة الأفكار ونقدها تشهيراً، فاللازم هو إغلاق أبواب المعرفة والعلم، ومنع النقد البنَّاء من الأساس، مع أنَّ نقد أفكار حتى كبار العلماء عبر التاريخ هو الصفة المميّزة لأهل الفكر والعلم، خصوصاً أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)"(1).
إذاً، ووفق ما تقدَّم، فإنَّ الكاتب يبيح لشخصه بالمطلق، أن يمارس المناقشة والنقد لأقوال سماحة السيِّد وآرائه وهو لا يرى في ذلك ما يخلّ بدأب العلماء وسعيهم، ويُعَدّ ذلك ممّا درج عليه العلماء عبر التاريخ، وأنَّ عدم العمل بهذه الفضيلة من شأنه إغلاق أبواب العلم والمعرفة.
نحن نوافق المؤلّف على ما تقدَّم به، ونؤيِّد هذا التوجّه العلمي دون تحفُّظ، إلاَّ أنّنا نوافق عليه ونؤيّده كمبدأ يستطيع العمل به كلّ العلماء والمفكّرين دون استثناء ودون أن يكون هذا الحقّ مباحاً لأحد وممنوعاً على آخر، وإلاَّ يصبح أمراً استنسابيّاً تحزّبيّاً يؤدّي إلى الوقوع في محذور المقال وهو "إغلاق أبواب المعرفة والعلم"، وإذ ذاك، فليس لأحد أن يدَّعي حصراً حقّ المناقشة والنقد ويستنكره على آخر لأنّه لا يوافق توجّهاته ووجهات نظره. وعليه، كيف يفسّر الكاتب قوله في موردٍ آخر: "ما زلنا نسمع البعض يطرح مسائل في مجالات مختلفة، لا تلتقي مع ما قرَّره العلماء، ولا تنسجم مع كثير ممّا تسالَموا عليه استناداً إلى ما توفّر لديهم من أدلّة قاطعة تستند إلى قطعي العقل، أو صريح النقل أو ظاهره..."(1)؟ أَوَليس من حقّ العالم أن يُظهر علمه الذي توفّر لديه من أدلّة قاطعة حتّى لو لم تنسجم مع كثير ممّا تسالَم عليه العلماء، علماً أنّه يقرّر في البداية أنَّ منع النقد البنَّاء من شأنه أن يؤول إلى سدّ أبواب العلم والمعرفة؟!! فكيف يبيح الكاتب النقد في مكان ويحرمه في مكانٍ آخر في الموضوع نفسه؟!
وفي موردٍ آخر، يجيز الكاتب لكائنٍ مَن كان من الناس، أن يتعرَّض لقضايا العقيدة التي لا يجوز فيها التقليد، في وقت لا يجيزه كاتبنا لسماحة السيِّد، فهو يقول: "وليس من الجائز مع الناس من التعرُّض لمثل هذه القضايا، ولا يصحّ أن يطلب منهم مجرّد الأخذ الأعمى لها، وتقليد الآباء والأجداد أو هذا العالِم أو ذاك بها"(2)، ويعود في مكانٍ آخر ليقول: "ولا غضاضة عليه (أي السيِّد) لو اكتفى بعرض ما توافق عليه أعاظم علماء المذهب وأساطينه، من دون التفات إلى ما تفرَّد به هذا العالم أو ذاك، حيث لا يمكن التزام الشّاذ وترك المشهور والمنصور"(3).
وهنا نتساءل: كيف يتّفق لكاتبنا أن يعرض علينا الشيء ونقيضه، فمرّة يدعونا إلى التعرّض لقضايا العقيدة باعتبار أنّه لا يجوز فيها التقليد، ويدعونا أخرى إلى التزام تقليد ما توافَقَ عليه علماء المذهب؟ فليحسم كاتبنا أمر هذا الموضوع ويقول لنا بصراحة هل يجب التقليد في أمور العقيدة أم لا حتّى لا يبقى الناس في حالة التباس وتشتُّت، وإذا كان الواجب هو عدم التقليد في أمور العقيدة، فلماذا يأخذ على سماحة السيِّد عدم تقليد مَن سبقه من العلماء؟ وإذا كان يدعو عامّة الناس إلى عدم التقليد في هذه القضايا، فلماذا يجوّز لهؤلاء ذلك ولا يجوّزه لعالِم في مقام سماحة السيِّد؟!!
الحوار... حسب وجهة نظر الكاتب
يأخذ صاحب الكتاب على سماحة السيِّد مبادرته إلى طرح الأمور المثيرة ونشر طروحاته بكلِّ الوسائل(1) ثمَّ يطرح في مكانٍ آخر أنَّه حين دعاة إلى "الدخول في حوارٍ علمي مكتوب وصريح... جاءنا الجواب منهم (منه) برفض الحوار، إلاَّ أن يكون ذلك بين جدران أربع وخلف الأبواب"(2).
كيف يتَّفق للكاتب القول بأنَّ سماحة السيِّد يصرّ على طرح الأمور المثيرة ونشرها بكلِّ الوسائل، ثمّ ينقل أنَّه يرفض الحوار إلاَّ ضمن "جدران أربع"؟ فهل أنَّ "كل الوسائل" التي وردت في أقوال المؤلّف لا تشتمل على الحوار المكتوب؟ وإذا كانت لا تشتمل عليه، فكيف يصدق قول المؤلّف إنَّ السيّد يصرّ على نشر طروحاته بكلِّ الوسائل، علماً أنَّه يصرّح هو نفسه في الفقرة التالية: "لقد أبوا (يقصد السيِّد) أن يكتبوا لنا ولو كلمة واحدة تفيد في وضع النقاط على الحروف، متذرّعين بعدم توفّر الوقت لديهم للكتابة، رغم أنَّهم قد كتبوا وما زالوا يكتبون حتّى هذه المسائل بالذّات، ويوزّعون ذلك في أكثر من اتّجاه، لأُناس بأعيانهم تارّة، وللنّاس عامّة أخرى.. وفي مقالاتهم، وخطاباتهم، ومحاضراتهم عبر وسائل الإعلام المختلفة ثالثة"(1)؟.
إنَّنا لا نرى أبلغ من كلام الكاتب شاهداً على تناقض منطقه وتهافته، فكيف يدَّعي الكاتب أنَّ السيِّد رفض الكتابة في هذا الموضوع ثمَّ يصرّح أنَّه كتب ولا زال يكتب وينشر ويذيع آراءه وأقواله حول الموضوع نفسه، إلاَّ إذا رفض أن يكتب للمؤلّف بشكلٍ خاص، فهذا أمرٌ لا يؤخذ على سماحة السيِّد، طالما أنَّ ما سيكتبه للمؤلّف هو نفسه ما ينشره بكلّ الوسائل، ففي ذلك مضيعة للوقت، وأخذ السيِّد بجريرة هذا الأمر يصبح تعسُّفاً ولأسباب شخصية بحتة كما لا يخفى على العارفين؟!
دعوة إلى إغلاق باب الاجتهاد
ومن أطرف ما أورده كاتبنا الجليل في معرض حديثه عن اجتهادات سماحة السيِّد وأغربه أنَّه "لا حرج في أن يجتهد فلان من النّاس، ويخالف الآخرين في آرائهم أو يوافقهم.. إذا كان الأمر يقتصر عليه هو، وينحصر به، ويُمثِّل عقيدة شخصية له، لا تتعدَّاه إلى غيره"(1)، ومع أنَّ هذا التصريح لم نسمع بمثله لا في الأوّلين ولا في الآخرين، إلاَّ أنَّنا سنخضعه للنقاش كغيره من آراء المؤلّف:
أوّلاً: إنَّ كلّ مَن قرأ وسمع كلام سماحة السيِّد، يعرف أنّه ليس لصاحب السماحة أيّة "عقيدة شخصية له"، بل إنَّ الإسلام هو جبلّته ومنطقه وحديثه وموضوع دعوته وحواراته وسلاحه في مواجهة أعداء الأُمّة، وليس من رأي اتّفق ورأي المؤلّف في السابقين واللاحقين على أنَّ لسماحة السيِّد عقيدة خاصّة به كي لا تتعدَّاه إلى غيره.
ثانياً: يعطي المؤلّف لــ "فلان من النّاس أن يجتهد ويخالف الآخرين في آرائهم أو يوافقهم" ولا يسعنا هنا إلاَّ أن نتوجَّه بالشكر له لأنّه أباح لــ "فلان من الناس" هذا الحقّ، علماً أنَّ سماحته لم يتقدَّم بطلب رسمي من أحد حتّى يجيز له هذا الحقّ أو يمنعه عنه، ولم يسبق لأحدٍ ممّن هم في مرتبة سماحة السيِّد أن فعل ذلك.
ثالثاً: مورد النقاش في كلام المؤلّف هو قوله إنَّه يحقّ له ذلك "إذا كان الأمر يقتصر عليه هو، وينحصر به..." وهنا نتساءل، متى كان على العالِم أن يقتصر باجتهاده على نفسه ومتى كان يتوجّب على العالِم حجب علمه عن النّاس؟ وهل في تاريخ التشيُّع ما يستدلّ به على ذلك؟ إنَّنا لم نقع في كلّ تاريخ التشيُّع على سابقة واحدة من مثل ما يدعو إليه المؤلّف سماحة السيِّد. وإذا استبعدنا الجانب الشخصي من هذا الكلام، يبقى أمامنا تفسير واحد لمنطوق هذا القول، وهو أنَّ الكاتب يدعو صراحة إلى إغلاق باب الاجتهاد والاقتصار على جعله ضمن جدران أربع لا يتعدَّاه إلى عامّة الناس، وهذه الدعوة لم نقع على مثيل لها في كلّ تاريخنا.
إنشائيّات لا ترقى إلى حجّة
في الصفحات الــ (24 ــ 25 ــ 26 ــ 27 ــ 28 ــ 29) من مقدّمة كتابه تحت عنوان "النقاط المعادة"، يحشر المؤلّف كمّاً هائلاً من الإنشائيات والصياغات التي لا تفيد القارئ في شيء سوى أنَّها تشكّل محاولة للتهويل عليه بغية مباغتته والإمعان في تصويب التهمة على العالِم موضوع نقده، دون أن يورد نصّاً واحداً أو شاهداً واحداً على ادّعاءاته واستدلالاته، وكلّ ما نقع عليه في هذه الصفحات لا يعدو أن يكون إسقاطات ومصادرات وتهم لا ندري ما الغرض من إيرادها إلاَّ الذمّ والقدح والتجريح، ونحيل القارئ على هذه الصفحات، ونترك أمر التعليق عليها له وحده.
اتّهامات وأباطيل
ينهال المؤلّف على سماحة السيِّد بكيل الاتّهامات التي لا حصر لها في الكتاب؛ فمرّة يقول: "هذا الخطأ (خطأ السيِّد) سينعكس خطأً أيضاً في عقائد الناس"(1) وثالثة بقوله عنه: "إنَّ التعرّض إلى بعض الثوابت يُمثِّل نوعاً من التجديد في الفكر، أو في الثقافة"(1) ورابعة يصنّفه مع المعادين والمخالفين حين ينسب إليه أقوالاً للمخالفين "ردّ عليها علماء المذهب" وخامسة: "تشكيكه بعدم إيمان سماحة السيِّد بالغيب" وغيرها الكثير، دون أن يعطي دليلاً واحداً على صدق ادّعاءاته، سوى ما افترضه في تحليلاته من أدلّة، وغالباً ما انطلقت هذه التحليلات من معطيات، لا تعدو بدورها أن تكون افتراضات افترضها.
ولا بأس هنا من أن نورد ما جاء في مقالة الكاتب كمثال على ذلك، يقول: "إنَّ نسبة أيّ قول إلى فئة أو طائفة، إنَّما تصحّ إذا كان ذلك القول هو ما ذهب إليه وصرَّح به رموزها الكبار، وعلماؤها على مرَّ العصور، أو أكثرهم، وعليه استقرَّت آراؤهم وعقدوا عليه قلوبهم.
ويعلم ذلك بالمراجعة إلى مجاميعهم ومؤلّفاتهم وكتب عقائدهم، وتواريخهم، أمّا لو كان ثمّة شخص، أو حتّى أشخاص من طائفة، قد شذوا في بعض آرائهم، فلا يصحّ نسبة ما شذوا به إلى الطائفة بأسرها، أو إلى فقهائها وعلمائها، فكيف إذا كان هؤلاء الذين شذوا بأقوالهم من غير الطليعة المعترف بها في تحقيق مسائل المذهب"(2).
ونحن نسأله هنا:
أوّلاً: ماذا يقول في بعض آراء الشيخ المفيد التي شذّ بها عن مشهور الطائفة؟
ثانياً: ماذا يقول عن السيِّد محسن الحكيم الذي شذَّ ببعض آرائه عن مشهور الطائفة؟
ثالثاً: ماذا يقول بالإمام الخميني الذي شذَّ ببعض آرائه عن مشهور الطائفة حتّى اتّهمه بعضهم بالزندقة ووصلوا إلى حدّ تنجيسه لأجل ذلك؟
إنَّنا لن  نعلّق على هذه  الأقوال أكثر من ذلك ونترك الحكم في ذلك للقارئ اللّبيب.
العقدة الشخصية
ثمَّ يتّجه الكاتب في أقواله وآرائه نحو الضرب على وتر العلاقة بين سماحة السيِّد وإيران، مصوِّراً سماحته معادياً للذهنية الإيرانية، وذلك بقوله: "ولعلَّ أيسر ما سمعناه وأخفّه وأهونه، هو أنَّنا نتحرّك بالغرائز، أو نعاني من التخلّف والعقد، والوقوع تحت تأثير هذا وذاك، هذا عدا عن وصفنا بالذهنية الإيرانية، وبالتعصُّب. وهذه هي التهمة المحبَّبة إلينا، لأنَّنا إنَّما نتعصَّب للحقّ، وندافع عنه، وهو أمرٌ ممدوحٌ ومرضي عند الله ورسله، وعند أوليائه وأصفيائه ـــ صلوات الله عليهم أجمعين ـــ"(1).
في الحقيقة يقف المرء حائراً أمام هذه الخفّة التي يتعاطى بها كاتبنا الجليل مع هذا الموضوع، فلا ندري لماذا زجّ، إلى جانب تعصّبه المحبَّب إليه والذي يفخر به، ما نسبه إلى السيِّد من أنَّه تأثَّر "بالذهنية الإيرانية"؟ لعلَّ سماحة السيّد يوافق على الأولى، أي تعصّب الكاتب لأفكاره وآرائه، وهذا قد لا يكون عيباً، إلاَّ أنَّ المعيب في التعصّب هو ادّعاء الحقّ لهذا الرأي كما يفعل كاتبنا، وأنَّ كلّ الآخرين في مقابل رأيه على ضلال، وهذا الادّعاء كما هو معلوم وكما لا يخفى على العقلاء، غير ممدوح إلاَّ إذا كان من نبيّ أو إمام معصوم، ولم نعلم أنَّ كاتبنا الجليل من مصاف هؤلاء أو هو منهم. هذا ما قصده سماحة السيّد بالتعصّب، وليس المقصود تعصّب الكاتب للحقّ والحقيقة، لأنَّ سماحة السيّد لو علم أنَّ الكاتب يملك الحقّ ويمسك بالحقيقة لما نسب إليه التعصّب، أمّا أن يتعصَّب لآرائه لمجرّد أنّها آراؤه، فهو ما ذمّه السيّد بالكاتب، وهو مذموم من أيّ إنسان كان لم يميِّزه الله بالعصمة، ونحن نعلم أنَّ كثيراً من علمائنا الكبار، كأمثال السيّد الخميني، كان ينهي كلامه غالباً بـــ "الله العالِم بحقائق الأمور"، وكان يسأل الله أن يكون قد أصاب الواقع والحقيقة في آرائه، أمّا ادّعاء إصابة الحقيقة ونسبة كاتبنا إيَّاها إلى نفسه، فهو المذموم من علمائنا ومعصومينا عبر التاريخ والعصور.
وإنَّنا لا نفهم من تركيز الكاتب على هذه المقولة إلاَّ انطلاقه من عقدة شخصية اتّجاه سماحة السيِّد، فالقاضي والدّاني والإيراني قبل العربي واللبناني، يعرفون مدى تعاطف سماحة السيّد مع إيران الإسلام، ويعرفون مدى تبنّي سماحته للدولة الإسلامية الإيرانية.
من هنا، لا يجوز لمثل الكاتب أو غيره أن يتّهم السيّد بذمّ الذهنية القائدة والرائدة لقيادات الأُمّة في إيران، وإنَّ تعميم الكلام بهذه الطريقة، لا يهدف إلاَّ للوقيعة بين السيّد وإيران، وتضليل الناس عن حقيقة مقاصد سماحته في هذا الموضوع والتي لا يبعد فيها عن مقاصد الإمام الخميني حول الموضوع نفسه.
إذاً، لماذا إثارة هذا الأمر من قبل كاتبنا الجليل؟ في الحقيقة لا نجد إلاَّ تفسيراً واحداً، وهو أنَّ هناك عقدة شخصية من الكاتب اتّجاه سماحة السيّد الذي لم يبدر منه اتّجاه الكاتب إلاَّ الودّ والإحسان، وهذا ما صرَّح به هو نفسه حين قال: "إنَّنا كنّا وما زلنا إلى ما قبل أشهر يسيرة من تاريخ كتابة هذه الكلمات من خير الأحباب والأصحاب لهم ومعهم (يقصد سماحة السيّد) ولم يعكّر صفو هذه المحبّة والمودّة إلاَّ أنَّنا اكتشفنا في هذه الآونة الأخيرة ما رأينا أنَّ تكليفنا الشرعي يفرض علينا أن نطلب منهم الحوار العلمي الهادئ والرصين لحلِّ معضلته"(1).
وبعد، ما هي هذه الصحبة والمحبّة التي يكنُّها الكاتب لسماحة السيّد؟ وما هو هذا الجرم الكبير الذي اضطر الكاتب بسببه وخلال أشهر معدودة أن يضرب صحبته ومحبّته للسيّد وينقلب عليها حقداً وعداوة وكتباً ذات أجزاء؟ هل يقتنع عاقل أنَّ السيّد قد "ضلَّ وانحرف" على حدّ ادّعاء الكاتب خلال هذه الأشهر القليلة؟ وإذا كان صاحبنا يملك كلّ هذا الودّ والمحبّة للسيّد، لماذا لم يبادر إلى محاورة سماحته ضمن حدود "الجدران الأربعة" التي ادّعى أنَّ السيّد اشترطها عليه، فالحبّ والمودّة ـــ على حدّ ادّعائه ـــ يتطلّبان التنازل عن الشروط الشكلية للحبيب والودود، وهل أنَّ الكاتب يظنّ أنَّه بإصدار هذا المؤلّف العدائي قد حاوَرَ السيّد حوار الحبيب للحبيب، أم أنَّه يريد أن يقنعنا أنَّ الكيل قد طفح من الأحبّة وما عاد الشوق يغري بالوصال؟ إنَّ ما ورد في هذا الكتاب، لا ينمّ مطلقاً عن وجود محبّة وودّ من الكاتب لسماحة السيّد، بل كلّ ما بدَرَ منه لا يوحي إلاَّ بعكس ذلك.
فكلّ عالِم وفقيه وباحث يعلم أنَّ ما صرَّح به سماحة السيّد يتجاوز عمره السنوات، فالحديث عن "ضلع السيّدة الزهراء" أو "إسقاط المحسن" ونقاش سماحة السيّد في هذه المطاليب وطرح الأسئلة عليها دون إنكارها أو استبعادها، كان قبل سنوات قد تتجاوز الأربعة، وكلّ العارفين يعلمون ذلك، فلماذا إذاً ثارت حميّة الكاتب خلال هذه الشهور الأخيرة فقط، ولِمَ لم يتصدَّ بحنانه الملفت للمسألة قبل هذا التاريخ؟ والأكثر من ذلك، هل كلّ ما قاله السيّد حول كلّ ما أثاره المؤلّف يستدعي كلّ هذا الهجوم، أم أنَّ وراء الأكمة ما وراءها؟ والله العالِم.
وتبدو أيضاً العقدة الشخصية من المؤلّف اتّجاه سماحة السيد من ادّعائه بأنَّه "يحاول تحاشي الالتزام بأنَّها (عليها السلام) قد تزوّجت من عليّ (عليه السلام) في سن مبكّر، لأنّه يشعر بدرجة من الإحراج على مستوى الإقناع، يُؤثر أن لا يعرِّض نفسه له.. وقد لا يكون هذا ولا ذاك، بل ربَّما أمرٌ آخر، هو الذي يدعوه إلى اتّخاذ هذا الموقف، والله هو العالِم بحقائق الأمور، والمطّلع على ما في الصدور"(1).
وفي هذا المقال أمور:
أوّلاً: إذا كان هذا رأي سماحة السيِّد، فلماذا لم يدعم هذا الرأي بوثيقة أو نصّ يثبت بهما ادّعاءه؟ ولنفرض أنَّ هذا هو رأي سماحة السيِّد في موضوع الزواج المبكر، فلماذا الادّعاء والقول إنَّه كذلك، "لأنّه يشعر بدرجة من الإحراج على مستوى الإقناع يؤثّر أن لا يعرض نفسه له"؟ وهل يحقّ للكاتب أن يستنتج هذا الاستنتاج المريب دون أن يكون هناك حجّة أو دليل على ما يقول؟ وهل هذه هي الطريقة العلمية التي يبني عليها المؤلّف استنتاجاته؟ وما يدرينا أن تكون كلّ استنتاجات الكاتب هي على هذا المنوال؟! الله وحده العالِم بحقائق الأمور.
ولماذا أيضاً الارتقاء من الكاتب إلى الارتياب بسماحة السيّد بالقول: "وقد لا يكون هذا ولا ذاك، بل ربَّما أمر آخر، هو الذي يدعوه إلى اتّخاذ هذا الموقف..." السؤال الطبيعي الذي يتولَّد هنا هو: لماذا سوء النيّة هذه من الكاتب اتّجاه صاحب السماحة؟ ولماذا يفترض ـــ بسوء ظنّه ـــ أنَّ للسيّد غايات يرتاب في الكشف عنها؟ وهل وراء كلّ هذا الإيهام للقارئ إلاَّ اتّهامات شخصية وارتيابات عدائية ليس لها أيّ مبرّر أو مسوّغ؟ فماذا يكون السيّد قد أضفى في هذا الموضوع ولماذا لم يكشفه الكاتب في هذا الكتاب، علماً أنَّه لم يترك أمراً يفترضه مشيناً لسماحته إلاَّ وأدرجه في مأساته هذه؟ الحقيقة لا يوجد تفسير لكلِّ هذه التحاملات إلاَّ المسألة الشخصية من المؤلّف لسماحة السيِّد.

المع والضد
ظهر في مؤلّف كاتبنا الجليل نمط من التفكير المبرمج على ثنائية الــ "المع والضدّ"، على قاعدة أنَّ كلّ مَن ليس معنا فهو ضدّنا، والعكس صحيح، علماً أنَّ الدراسات التاريخية بنوعٍ خاص، لا يمكن إثباتها مائة بالمائة إلاَّ لمن كان حاضراً حين وقوعها، وحتّى الذي ينقل الحادثة التاريخيّة حين وقوعها، فإنَّه يغفل، عادة، كلّ ما لا يتوافق مع وجهة نظره، وبالتالي.. فإنَّ الدراسة التاريخيّة يقع عليها مهمّة الكشف عن كامل معطيات الواقعة المروية وتفحّص صدقها ودقّتها بمعزل عن الراوي وحده في كثير من الأحيان.
ولعلَّ الكاتب غفل عن أنَّ معظم تساؤلات سماحة السيّد عن الوقائع التاريخيّة تقع في هذه الدائرة وليس تشكيكاً بالواقعة نفسها أو إنكاراً لها، وبالتالي، فكما أنَّ هناك اختلافاً في المباني عند علماء الفقه، فإنّه لا يبعد أن يكون هناك اختلاف في المباني والأصول التي يعتمدها عددٌ من العلماء بالنظر إلى التاريخ حوادث ووقائع، وهذا ليس مدّعاة للعجب أو الاستهجان إلاَّ عند الذين لا ينظرون إلى التاريخ إلاَّ كما ينظرون إلى الفقه، فالتاريخ عملية معقّدة لا يستبعد اختلاف وجهات النظر حولها، وغالباً ما يتسبَّب في هذا الاختلاف الطريقة التي يدرس بها العلماء أحداث التاريخ؛ فواحد يكتفي بقول ما ليتثبَّت أو ليثبت حادثة، وآخر يجد أنَّ ذلك لا يكفي، بل لا بدَّ من دراسة كافّة جوانب الحادثة حتى يحصل على علم أقرب إلى اليقين، نقول أقرب إلى اليقين، لأنّه ليس هناك يقينيّات في التاريخ سوى ما جاء في القرآن الكريم وما صحَّ قطعاً من المرويّات عن الرسول والأئمّة (عليهم السلام).  






الفصل الثاني



دفاع عن الزهراء (عليها السلام)
أم هجوم على سماحة السيِّد؟!





ولادة السيِّدة الزهراء (عليها السلام)
يقول المؤلّف: "إنَّ أوّل ما يطالعنا في حياة الصدّيقة الطاهرة هو تاريخ ولادتها (عليها السلام)، حيث يدّعي البعض أنَّها (عليها السلام) قد ولدت قبل البعثة بخمس سنوات"؟!
ثمّ يردف قائلاً: "ونقول: إنَّ ذلك غير صحيح، والصحيح هو ما عليه شيعة أهل البيت (عليهم السلام) تبعاً لأئمّتهم (عليهم السلام) ـــ وأهل البيت أدرى بما فيه ـــ وقد تابعهم عليه جماعة آخرون، وهو أنَّها (عليها السلام) قد ولدت بعد البعثة بخمس سنوات، أي في سنة الهجرة إلى الحبشة، وقد توفّيت وعمرها ثمانية عشر عاماً، وقد روي ذلك عن أئمّتنا (عليهم السلام) بسند صحيح"(1).
ولعلَّ القارئ يدرك معنا أنَّنا في السجال حول تاريخ ولادة السيّدة الزهراء (عليها السلام)، لا نساجل حول أمر اعتقادي يطاول أصلا من أصول الدين، بل إنَّ الأمر لا يعدو وجود جملة روايات تختلف في تحديد زمن أو تاريخ ولادة الزهراء (عليها السلام)، وسواء صحَّت الروايات التي تتحدَّث عن ولادتها (عليها السلام) قبل البعثة بخمس سنوات، أو صحَّت تلك التي تؤرّخ لولادتها بعد البعثة بخمس سنوات، فهذا لا يقدّم ولا يؤخّر من أهمية سيّدة نساء العالمين ولا ينقص من فضلها وكرمها وشرفها. فنحن نعلم أنَّ المسلمين قد اختلفوا في تاريخ ولادة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، نفسه، ومع ذلك لم تقم الدنيا ولم تقعد، إذ إنَّه لا يزيد تاريخ ولادة نبيّ أو إمام أو ينقص من قدره وشأنه ومكانته المتعالية، ولا يترتَّب على ذلك أيّ أثر عملي في الاعتقاد أو التكليف، بل إنَّ عظمة الإمام الخميني وخبرته السياسية ومقدرته الفائقة على تحويل مواضيع الخلاف البسيطة بين المسلمين إلى مواضيع وفاق، جعله يعتبر الفارق بين التاريخين، وهو أسبوع، "أسبوعاً للوحدة الإسلامية"، وهكذا انقلب الاختلاف إلى ضدّه، وتحوَّل الفارق إلى ما هو أسمى من دخول سجال لا طائل منه، وبدل أن يحتفل المسلمون بيومين: واحد للشيعة، وآخر للسُّنّة، بات الشيعة والسُنّة يحتفلون بأسبوع كامل يقدّمون فيه المسائل الوفاقية على تلك الخلافية، بما يحول دون تسلّل الأعداء إلى موضوع عادي ليجعلوا منه موضوع خلاف غير عادي. وحبذا لو استفاد الكاتب من طريقة الإمام الخميني في التعاطي مع مثل هذه المسائل، لكان جنَّبنا السجال حول هذا الموضوع وكفانا مؤونة التوضيح والمقارنة والردّ. وإذا كان الكاتب لا يرتّب أيّ أثرٍ عملي على هذا الاختلاف، فلماذا إثارة الموضوع أصلاً؟!
مريم أفضل أم فاطمة (عليهما السلام)؟
يقول الكاتب: "قد يجيب البعض عن سؤال: أيُّهما أفضل: مريم بنت عمران (عليها السلام) أم فاطمة بنت محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بقوله: "هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضرّ من جهله، وإنَّما مجرّد ترف فكري أحياناً، أو سخافة ورجعية وتخلّف أحياناً أخرى". ثمّ يقول: "وإذا كان لا خلاف بين مريم (عليها السلام) وفاطمة (عليها السلام) حول هذا الأمر، فلماذا نختلف نحن في ذلك؟ فلفاطمة فضلها، ولمريم فضلها ولا مشكلة في ذلك"(1).
ثمَّ يردّ المؤلّف بالقول: "أمّا نحن فنقول: أوّلاً: لا شكّ في أنَّ الزهراء (عليها السلام) هي أفضل نساء العالمين، من الأوّلين والآخرين، أمّا مريم، فهي سيّدة نساء عالمها، وقد روي ذلك عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) نفسه، فضلاً عمّا روي عن الأئمّة (عليهم السلام)"(2).
وفي هذه الأقوال أمور:
أوّلاً: كان الأجدى بالكاتب أن يقرأ كلام سماحة السيّد بدقّة وتمعُّن أكبر حتّى لا يقع في مطبّ المعالجة التي يقتضيها ظاهر القول.
فكلام سماحة السيِّد عن أنَّ ذلك "علم لا ينفع من علمه ولا يضرّ من جهله"، لا يدلّ على أنَّ سماحة السيّد لا يعلم بأفضلية سيّدة نساء العالمين (عليها السلام) على كلِّ مَن عداها، ولا يفيد بأنَّه يشكّك بمقامها الرفيع ومكانتها المتعالية، بل إنَّ علمه بذلك ويقينه بأفضليّتها هو الذي دفعه إلى عدم الخوض في هذا الموضوع، لأنّه يُعدّ من الخوض بما هو معروف ومعلوم، ولأنَّ سماحته يعلم أيضاً أن لا يجيب عن سؤال قد يخلق حساسية لا لزوم لها بين أبناء الوطن الواحد من مسلمين ومسيحيين.
ثانياً: إنَّ سماحة السيّد قد خبر الساحة اللبنانية جيّداً وخبر أديانها وطوائفها ومذاهبها، ولأنّه كذلك، يحاذر دائماً ـــ محاذرة الحريص ـــ على أن لا يتعرَّض بشيء من الحديّة لمواضيع من شأنها أن تعطي المتربّصين بالتعايش اللبناني أسلحة وأسافين يدقّونها بين مجموعاته المتنوّعة. من هنا، فإنَّه ردّ السؤال على السائل، وكأنّي به يرد الإسفين إلى أهله، مع حفظه لمكانة كلّ من السيّدتين الجليلتين مريم وفاطمة (عليهما السلام).
ثالثاً: لا بدَّ من التأكيد على أنَّ المتصدّين للشأن العام هم غير المرتاحين من مشقّته، ـــ وهو كما ندري ـــ تكليف شرعي لا يسقط بحالٍ من الأحوال على كلّ قادرٍ، والتصدّي للشأن العام في مجتمعٍ متنوّع كلبنان، يقتضي من المتصدّي مزيداً من الوعي لطبيعة الساحة ومزيداً من الحكمة والمقدرة هي أشبه بمقدرة الخبير على تفكيك الألغام التي تعترض طريق سالكها. هكذا يجب النظر إلى إجابات سماحة السيّد على مثل هذه الأسئلة، وليس بالنقد الساذج الذي يختزل كلّ هذا الواقع. وبالتأكيد، لو كان سماحته متخفِّياً ويُخاطب الناس من وراء حجب، لقال كلّ ما يُقال في هذا الموضوع غير آبه بما يمكن أن يستتبع من تداعيات، لكنَّ القائد الحريص على أن يطلّ على الناس بالإسلام الربّاني، الذي يخاطب الناس جميعاً بما يرقّ له قلوبهم، لن ينزلق إلى فخوخ وتفاصيل، الإسلام في غنى عن الخوض فيها.
رابعاً: لا شكَّ أنَّ سماحة السيّد داعية حوار كما هو معروف، وبهذا المعنى، فإنَّه ليس من الحكمة في شيء أن يخوض في موضوعات تضرب أُسس هذا الحوار وتضرب غاياته في الصميم، ومع ذلك، فإنَّه يعمل بقاعدة لكلّ مقامٍ مقال، بمعنى أنَّ الموضوع الذي قد يكون ثمّة محاذير لطرحه في بلدٍ ما، ربَّما كان طرحه في ساحة أخرى يُعدّ من رأس الحكمة. فالمسألة إذاً مسألة "تكتيكيّة" الطرح وليس التفريط باستراتيجيّاته الكبرى، كما أنَّه ليس تفريطاً بالقناعات والثوابت كما لا يخفى على العارفين.
هذا واستدراكاً على الموضوع نفسه، يورد المؤلّف ما يلي: "إنَّ كلّ ما جاء في كتاب الله تعالى وكلّ ما قاله رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأوصياؤه (عليهم السلام) وأبلغونا إيَّاه، وكلّ ما ذكر في كتاب الله العزيز، لا بدَّ أن نعرفه بأدقّ تفاصيله إن استطعنا إلى ذلك سبيلاً، وهو علم له أهميّته، وهو يضرّ من جهله، وينفع من علمه..."(1).
يستغرق القارئ ما تفضَّل به الكاتب لجهة إقحام الموضوعات وزجّ بعضها بالبعض الآخر، فأين يقع هذا الكلام في سياق الحديث عن مقام السيّدة مريم أو السيّدة الزهراء (عليها السلام)؟ وهل أنَّ سماحة السيّد حقّاً يحتاج إلى مثل هذه الموعظة في موضوع لا دخل له بأصل المسألة التي هو بصددها، أم أنَّ الحشو على البداهة بات ممّا يستلزمه الردّ على كلّ قول أو رأي؟ وهل أنَّ مَن يقصده الكاتب قد فرَّط فعلاً في معرفة أدقّ تفاصيل ما جاء في القرآن الكريم، وهو صاحب التفسير المعروف جداً للقرآن الكريم، والذي لا تخلو خطبة من خطبه أو حديث من أحاديثه أو مقابلة من مقابلاته من كلام نبيّ أو وصيّ أو وليّ، فكيف استدلّ صاحب الكتاب على تفريط سماحة السيّد في جميع ذلك؟ لا ندري؟!
أمّا قول المؤلّف: "وهذه المعرفة تزيد في صفاء الروح ورسوخ الإيمان ومعرفة النفس الموصلة إلى معرفة الربّ سبحانه"(1)، فهذا تلخيص واقتضاب للمستفادات الكثيرة التي استفادها سماحته من كتاب الله وكلام رسوله وأئمّة الإسلام وأوليائه، ويكفي أن تضع بين يديك مقالة واحدة من مقالات سماحة السيّد لترى فيها جمعاً كبيراً من الآيات والأحاديث التي لم يبخل بها على أحد من طالبي المعرفة أو حتّى عابري السبيل.
قيمة الزهراء (عليها السلام)
يورد المؤلّف ما يلي: "قد يتساءل بعض النّاس، ويقول: إنَّ إشراك الزهراء (عليه السلام) في قضية المباهلة لا دلالة له على عظيم ما لها (عليها السلام) من قيمة وفضل، فإنَّه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إنَّما جاء بأهل بيته (عليهم السلام)، لأنَّهم أعزّ الخلق عليه، وأحبّهم إليه، ليثبت أنّه على استعداد للتضحية حتّى بهؤلاء من أجل هذا الدين، ولا دلالة في هذا على شيءٍ آخر"(2). ثمَّ يرد على هذا البعض بالقول: "لقد أشرك الله سبحانه الزهراء (عليها السلام) في قضية لها مساس ببقاء هذا الدين وحقانيّته، وهي تلامس جوهر الإيمان فيه إلى قيام الساعة، وذلك لأنَّ ما يُراد إثباته بالمباهلة هو بشرية عيسى (عليه السلام)، ونفي ألوهيّته"(3)، ويستفيد من ذلك استفادات ليس الكلام في واردها مطلقاً.
وعلى هذه الأقوال ترد أمور:
أوّلاً: لا ندري حقيقة إنْ كان سماحة السيّد قد صرَّح بهذه الأقوال ولم يرشدنا الكاتب إلى مصدرها لا في المتن ولا في الهامش.
ثانياً: لنفرض أنَّه قد ورد من سماحة السيّد مثل هذا القول، فهل يكفي أن ينظر المؤلّف إلى الموضوع بمثل هذه السطحية ليقرّر أنَّ في الأمر تشكيكاً منه بقيمة السيّدة الزهراء (عليها السلام) من خلال هذا الحديث؟

إنَّ ما نفهمه من هذا القول أمور:
1 ـــ ليس في الأمر تشكيك مطلقاً بمكانة السيّدة الزهراء وعظمتها، بل كلّ ما في الأمر هو أنَّه لا يصحّ الاستدلال من قضية المباهلة على هذه المكانة والعظمة لها (عليها السلام)، لأنَّ القضية لا تفيد ذلك، بل إنَّ معرفة عَظَمَة مقام السيّدة الزهراء (عليها السلام) نستدلّ به من أحاديث وروايات وآيات أخرى غير قضية المباهلة.
2 ـــ مقصود القول إنَّ الحديث يُستفاد منه الدلالة الأكيدة على المكانة الخاصّة للزهراء (عليها السلام) عند النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهي الأظهر الأقوى في قضية المباهلة، لأنَّ المباهلة كانت تقضي بأن يصحب النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أعزّ الخلق لديه بمعزل عن مكانتهم العظيمة التي لا يرقى إليها الريب أو الشكّ.
فالحديث ناظر إلى الزاوية التي هدفت إليها المباهلة وهي حشد رسول الله لأقرب النّاس إليه وليس إلى الزاوية التي يظهر منها عظمة المدعوين إلى هذه المباهلة.
هذا ولمن أراد أن يتوسَّع في رأي سماحة السيّد في عظمة السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فليرجع إلى محاضراته ومقالاته وخطبه العديدة التي يبيّن فيها المكانة الرائدة والمتعالية لهذه الصدّيقة الطاهرة المطهّرة، وسيجد كلاماً واضحاً قاطعاً بشأنها (عليها السلام) وخلاف ما حاول الكاتب استنتاجه من أقوال مجتزأة فسَّرها على غير مقصدها.



النشاط الاجتماعي للزهراء (عليها السلام)
ينقل الكاتب عن سماحة السيّد ما يلي: "قد يورد البعض ملاحظة ذات مغزى، تقول: إنَّنا لا نجد في التاريخ ما يشير إلى نشاط اجتماعي للسيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام) في داخل المجتمع الإسلامي إلاَّ في رواية أو روايتين"(1).
وبعد استعراض إنشائي عوَّدنا عليه المؤلّف، يصل إلى القول: "... فإنْ كان المقصود به هو أنَّها تخلَّفت عن وظيفتها ولم تقم بواجبها كمعصومة وبنت نبيّ وزوجة وليّ، فقد كان على خصومها أن يعيبوها بذلك، وكان على أبيها وزوجها أن يسدِّدوها في هذا الأمر، وإنْ كان المقصود بالنشاط في داخل المجتمع الإسلامي هو إنشاء المدارس والمؤسّسات الخيرية، أو تشكيل جمعيات ثقافية أو خيرية، أو إقامة ندوات واحتفالات، أو إلقاء محاضرات، وتأليف كتب تُهدى أو تُباع، فإنَّ من الممكن أن لا تكون الزهراء (عليها السلام) قد قامت بالكثير من هذا النشاط..."(2).
وفي هذه الأقوال أمور:
أوّلاً: يلاحظ القارئ استعجال المؤلّف في استنتاجاته السلبية من قول سماحة السيّد، فهو لم يحمل الكلام إلاَّ على محملٍ واحد هو طبعاً غير اثنين وسبعين محملاً الذي دعا الله المؤمنين لحمل بعضهم البعض عليه، لكنَّ الكلام في هذا القول ليس هنا، بل في استعجال الفهم البسيط واستدعاء الدلالة السريعة التي لا تحقّق في منطوق القول العميق كما لا بدَّ من استبيانه.
ثانياً: عدم التأنّي في استنطاق القول على مقصده الحقيقي وعدم استفراغ أدنى الجهد في ذلك، فالذي يعرف طبيعة خطاب سماحة السيّد ومبناه في مثل هذه الأقوال، يدرك بالبداهة أنَّ دلالة قول سماحته: "أنَّنا لا نجد في التاريخ.. إلاّ في رواية أو روايتين" أنَّ المؤرّخين والرُّواة قد أجحفوا السيّدة الزهراء (عليها السلام) حين لم يذكروا عن نشاطها الاجتماعي أكثر من هاتين الرّوايتين، وهم ربَّما عن قصد أرادوا أن يعتّموا على سيرتها الشريفة على طريقتهم في التقليل من أهمية أدوار الأئمّة (عليهم السلام)، فأخفوا ـــ عامدين ـــ العدد الكبير الذي قد يكون من سيرتها وأنشطتها وجهادها، بهدف إبعاد المسلمين في الماضي والحاضر والمستقبل عن حقيقة دورها القائد والرائد في المجتمع الإسلامي. وريبة سماحة السيّد هنا، هي من قلّة الرّوايات بحقّ الزهراء (عليها السلام) وشكّ بنوايا المغرضين الذين أخفوا معطيات سيرتها المباركة ووقائعها، وهي السيرة التي يعتقد سماحة السيّد جازماً أنَّها كانت واضحة وغنيّة ومضيئة كما ينبغي لسيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فريبة سماحة السيّد هنا، هي بما هدف إليه هذا الاختزال للحديث عن الزهراء بهذا الحجم البسيط الذي لا يعكس حقيقة نشاطها وأعمالها التي تليق بمقامها وبرائديّتها وهي القدوة التي لا يرقى إليها الشكّ.
ثالثاً: لا يكتفي الكاتب بتسطيح مقاصد سماحة السيّد من القول وبالاقتصار في فهم نصّه على ما عبَّر عنه في هذه الفقرة، بل يحوّل الأمر إلى موضوع شخصيّ لا مبرّر له، حين يسعى إلى تسخيف الدور الثقافي والقيادي والاجتماعي لسماحة السيّد ويضعه في دائرة الشبهة من خلال سرده لمعطيات ووقائع لأنشطة يتشرَّف كلّ قيادي إسلامي يحمل قضايا الأُمّة وهموم المسلمين بالتصدّي لها، بل إنَّ سماحة السيّد يعتبر هذه الأنشطة من الواجبات الشرعية الأكيدة على القيادات الإسلامية القادرة على ذلك.
وآخر ما كان يمكن أن يفكّر به أحد هو أن يؤخذ على سماحة السيّد تصدّيه لرفع الحيف عن الأيتام والسعي إلى إبراز صورة الإسلام المشرقة من خلال مؤسّسات تعمل وفق التكليف الشرعي وتهدف إلى تفعيل الحركة الاجتماعية التي تسهم في تزخيم الساحة الإسلامية وتكسبها قوّة مادية ومعنوية لا شكّ أنَّها تحتاجها إلى جانب إسهامات أخرى من قبل ما يقوم به سماحة السيّد كالمؤسّسات التي ترعاها الجمهورية الإسلامية بشخص قائدها السيّد على خامنئي من خلال حز//ب الله في لبنان. فهل يمكن أن نعيب على كلّ هؤلاء مسعاهم المشابه لمسعى سماحة السيّد؟!
رابعاً: أين وجه الحكمة أو الموضوعية أو الأصول العلمية في مقابلة ما ذكره المؤلّف عن أنشطة سماحة السيّد مع النشاط الاجتماعي للسيّدة الزهراء (عليها السلام)، وهل المقصود ذمّ سماحة السيّد تحت مظلّة الاستنصار للسيّدة الزهراء (عليها السلام)؟! إنَّ هذا الإقحام المريب الذي افتعله المؤلّف لا ينمّ إلاّ عن حالة انفعالية شخصية تردّ غاياتها على أصحابها، والدخول في استبطان النوايا يزجّ الموضوع في دائرة المهاترات لا طائل منها، لكن نريد أن نختم هذه الفقرة بسؤال نوجّهه إلى الكاتب: هل يريد كاتبنا الجليل أن يتوقّف سماحته عن خدمة النّاس والمجتمع ويجلس في بيته كغيره متفرِّغاً لتصدير الكتابات المغرضة والتحريضات المريبة حتّى يرضى عنه زيد من النّاس؟! علماً أنَّ سماحته لا يعيش كلّ تلك العقد ولا يتحرّك على خلفية المزايدات، والأعمال تتحدَّث عن نوايا أصحابها.
خامساً: الأغرب من كلّ ما تقدَّم أنّ الكاتب بعد أن يستنتج ما يستنتج ويتهجَّم بما تهجَّم به، يعود إلى القول: "على أنَّ قوله: إلاَّ في رواية أو روايتين" يبقى غير واضح وغير دقيق.
وهنا نسأل: لماذا هذا التراجع في الحديث عن كلام سماحة السيّد بعد أن قطع في الفقرات السابقة بما استعجل استنتاجه من سلبيات؟ وإذا كان الكلام حسب تصريح المؤلّف غير واضح وغير دقيق، فكيف استنتج ما استنتجه منه قاطعاً بصحّته ودقّته؟ وهل هذا الكلام يفيد الموضوعية والعلمية التي يدّعيها الكاتب؟ إنَّنا نسأله: هل باللّعب على الكلام يكون البحث العلمي والنقد البنَّاء؟!
سادساً: يستدلّ المؤلّف على سعة نشاط السيّدة الزهراء (عليها السلام) وتوسّع حركتها الاجتماعية بأنّها ـــ على حدّ قوله ـــ "كانت تشارك حتى في مناسبات غير المسلمين، وذلك حينما دعاها بعض اليهود إلى حضور عرس لهم"(1).
نعلّق على هذا القول أو الرّواية التي يستشهد بها الكاتب بسؤال واحد: هل هي دعوة من الكاتب للمسلمين والشيعة تحديداً إلى مشاركة اليهود في أعراسهم؟!! أجبنا مأجوراً مشكوراً!
الزهراء (عليها السلام) أُمّ أبيها
ثمّ ينتقل الكاتب إلى الحديث الذي اقتطعه من كلام لسماحة السيّد حول الزهراء (عليها السلام) فيقول: "ومن أغرب ما سمعناه مقولة أطلقها البعض مفادها: أنَّ الزهراء (عليها السلام) قد عوَّضَت النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عن عطف الأم، حيث إنَّ أمّه ماتت وهو لا يزال طفلاً، فلأجل ذلك أطلق عليها لقب: أمّ أبيها"، ثمَّ يردف قائلاً بالحديث نفسه: "إنَّه يقول بالحرف الواحد: ... بدأ النبيّ حياته وهو يشكو فقد حنان الأُمّ، لأنَّ حنان الأمّ ليس شيئاً يمكن أن تتكفَّله مرضعة أو مربّية... إلى أن قال: ولذلك أعطته أمومتها باحتضانها له. وقالها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وهو يشعر أنَّ ذلك الفراغ الذي فقده بفقدان أمّه استطاع أن يملأه من خلال ابنته"(1).
ويرد الكاتب على سماحة السيّد بالقول: "إنَّ هذا الكلام لا يمكن قبوله، إذ لا يمكننا قبول مقولة: إنَّ االنبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان يعاني من عقدة نقص، نشأت عن فقده أُمّه، فاحتاج إلى مَن يعوّضه ما فقده.. بل معنى هذه الكلمة: أنَّ الزهراء (عليها السلام) كانت تهتمّ بأبيها، كما تهتمّ الأُم بولدها، وهذا لا يعني أنَّ ذلك سيعوّض النبيّ عن عاطفة فقدها، أو سيكمل نقصاً يعاني منه"(2).
في البداية لا بدّ من تسليط الضوء على ما قاله سماحة السيّد حتّى نستطيع أن نرى إنْ كان تحليل المؤلّف يتناسب مع هذا القول أم لا؟ وننطلق في هذا الحديث بالأسئلة التالية:
1 ـــ ما هي المشكلة في القول إنَّ النبيّ محمّداً (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد فَقَدَ حنان أُمّه في طفولته؟ وهل أنَّ هذا القول ينتقص من مقام الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؟ أَلَم يفقد الرسول أُمّه وأباه في بداية حياته؟ أوَلَيس حنان الأُم ملازماً لوجودها وهو لا يُعطى إلاَّ حال تحقّق هذا الوجود؟ ففقد الأمّ يتسبَّب بشكلٍ طبيعي بفقد العاطفة التي تنشأ عن وجودها، وبغياب الأمّ لا شكّ أنَّ تلك العاطفة تغيب، فما المشكلة في قول ذلك وهو من أوضح الواضحات؟! والقرآن الكريم يذكر في الآية: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى*وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى} [الضحى: 6 ـــ 7].
2 ـــ ما المشكلة في قول أحدهم إنَّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد فَقَدَ حنان أُمّه في طفولته لأنّها توفيت باكراً وإنَّ الرسول قد وَجَدَ في حنان الزهراء (عليها السلام) حنان تلك الأُمّ، أليست الزهراء بمكانتها وعظمتها وفيوضاتها الإنسانية العالية بقادرة على تعويض الحنان الذي افتقده الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بفقد والدته؟
3 ـــ هل حقّاً أنَّ الدلالة المستفادة من قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): "فاطمة هي أُمّ أبيها"، هي فقط أنّها (عليها السلام) كانت تهتمّ به كما تهتمّ الأم بولدها؟ وإذا كان هذا هو التفسير الحصري لقول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فماذا يعني قول: "إنَّ الزهراء (عليها السلام) كانت تهتمّ بأبيها كما تهتمّ الأُم بولدها"(1)؟ نحن نسأله كيف تهتمّ الأمّ بولدها، هل بغسل ثيابه وكنس منزله وترتيب أغراضه وطهو طعامه.. وما إلى ذلك من الأمور العادية؟ أَوَلَيست الزوجة بقادرة على القيام بكلّ هذه الأمور لزوجها؟ وإذا كان هذا هو المقصود بقول الرسول فقط، فماذا تصبح خصوصيّة هذا القول؟
إنَّنا نرى مع سماحة السيِّد أنَّ خصوصية هذا القول هو أنَّ الزهراء (عليها السلام) كانت تحنو على رسول الله كما تحنو الأم على ولدها وتهبه من نبل العاطفة وصفائها ما لا تستطيعه زوجة أو أخت أو حتّى ابنة عادية، بل ابنة تملك ما تملك الأمّ من فيض العاطفة واندفاعة الغيرة والاستعداد للاحتضان والتضحية لأجله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وليس في ذلك عيب ولا حرمة ولا نقيصة للرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
3 ـــ المستغرب في الموضوع هو استنتاجات المؤلّف من أنَّ مقصود سماحة السيِّد هو وجود عقدة نقص عند الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ولا ندري كيف استدلّ صاحبنا على مثل هذا المعنى من قولٍ واضح الدلالة على ضدّه. إنَّ الكاتب أراد بقوله هذا تقويل سماحة السيِّد ما لم يقله وأسقط معنى على القول غير وارد وغير مقصود ولا هو يستفاد من كلامه بأيّ حالٍ من الأحوال. إنَّه ليس أكثر من تخيُّلات تهيَّأت للكاتب ونَسَجَ عليها ما نَسَج، ونحن لا نرى أبداً ما ينحو بنا ـــ حين قراءتنا لنصّ السيِّد ـــ هذا النحو، وما نراه يراه أيّ قارئ لبيب لا يقحم من الفهم ما لا يجوز إقحامه، ولا يسقط من المعاني على نصّ لا يحتمل مثلها. أمّا القول بعقدة نقص عند الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ والعياذ بالله ـــ فلم يتفوَّه بها إلاَّ الكاتب نفسه، وهو أمرٌ قد درج على مثلها عند الدخول في مناقشة كلِّ رأي من آراء السيِّد تطرَّق له في الكتاب "المأساة".
4 ـــ وفي أسوأ الحالات، لماذا لا يُقال: إنَّ للسيّد فهماً معيّناً لقول النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في حديثه عن السيّدة الزهراء (عليها السلام) وإنَّ للكاتب فهماً آخر؟ لماذا توضع "الأفهام" دائماً في حالة صدامية في مواجهة بعضها البعض ولا يسمح أن يكون هناك أكثر من استيحاء أوحد لأحاديث الرسول والأئمّة (عليهم السلام)، أم أنَّ الذي درج على اعتقاد الحقيقة في أقواله، لا يقبل أن تكون في متناول غيره، أو أن يكون في متناول غيره حتّى أجزاء منها؟!
إنَّ هذا النمط من التفكير يفضي إلى تضييق فضاء المعاني للنصوص ويؤطّرها ويحاصرها بفهمٍ واحد قد يتبيَّن قصوره أو محدوديّته فيما بعد، فلا يفترض بحالٍ من الأحوال تسوير المعاني والدلالات وفق رؤية واحدة ووجهة نظر آحادية، لأنَّ ذلك يقتل النصّ ويؤدّي إلى موته وخنق فيوضات المعاني فيه، والمطلوب روح علمية أكثر اتّساعاً واستيعاباً.

عصمة الزهراء (عليها السلام)
يتابع المؤلّف سرده لآراء سماحة السيّد فيقول: "يتحدَّث البعض عن أنَّ العصمة التي تجلَّت في الزهراء (عليها السلام) قد أنتجتها البيئة والمحيط الإيماني الذي عاشت وترعرعت فيه، لأنَّها كانت بيئة الإيمان والطهر والفضيلة والصلاح" ويردّ المؤلّف بالقول: "ومن الواضح أنَّ هذه المقولة في ما تستبطنه، تستدعي سؤالاً حسَّاساً وجريئاً، وهو: ماذا لو عاشت الزهراء (عليه السلام) في غير هذه البيئة، وفي محيط ملوَّث بالرذيلة والموبقات؟! وماذا لو عاش غير الزهراء (عليها السلام) في هذه البيئة بالذّات؟"(1).
وعلى عادته، يستعجل المؤلّف تبسيط المطلب ويستسهل الاستنتاج بأنَّ سماحة السيّد يستبعد أيّة فضيلة ذاتيّة للسيّدة الزهراء (عليها السلام)، وفي المقابل، لا يقبل أقوال سماحته في "تكوينيّة العصمة لها (عليها السلام)"(2)، فلا ندري حقيقة كيف لا يقبل الأمرين معاً، علماً أنَّهما يكملان بعضهما بعضاً وكلاهما قد يشكّلان جزئي علّة العصمة الكاملة، فقول سماحته: "إنَّ العصمة التي تجلَّت في الزهراء (عليها السلام) قد أنتجتها البيئة والمحيط الإيماني" يقصد به أنَّ هذا المحيط هو مهبط الوحي والتنزيل، وهو المحيط الذي تركّزت فيه الرعاية الإلهية للرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والإمام (عليه السلام) وبالتالي للسيّدة الزهراء (عليها السلام)، فلا يتحدَّث سماحته عن المحيط أو البيئة بمعناهما التجريدي ليستنتج الكاتب أنَّه لو وضعنا السيّدة الزهراء (عليها السلام) في بيئةٍ فاسدة ما سيكون عليه حالها، بل المقصود هو تلك البيئة أو ذاك المحيط بالذّات الذي تحفّ به الملائكة وتشرق به أهل السماوات والأرض، وهو غير قابل للمقارنة مع أيّ بيئة ومحيط آخرين ليقول الكاتب ما قاله أو ليفتعل تلك المقارنة الساذجة. فبيئة الزهراء التي نشأت فيها هي "بيئة الإيمان والطهر والفضيلة والصلاح"، وقد أجمع علماء النفس والتربية أنَّ الإنسان يتأثَّر ببيئته ويكتسب منها الكثير من مواصفاته ومميّزاته.
أمّا عن قوله: "ماذا لو عاشت الزهراء.. وفي محيط ملوَّث"، فهو افتراض جدلي لا مدخلية له في المقام، إذ حتّى لو كانت السيّدة الزهراء (عليها السلام) في مثل هذه البيئة، ما كانت إلاَّ لتكون السيّدة الزهراء الفاضلة العالمة المتعالية، لأنَّ الرعاية الإلهية ستحميها من كلّ المساوئ التي يمكن أن يتعرَّض لها الإنسان في مثل تلك البيئة، وبالتالي، فإنَّها ستحوّل هذه البيئة، بفعل عصمتها وإيمانها وقدرتها على التأثير، إلى بيئةٍ صالحة نظيفة. وإنَّه لمن سوء الظنّ بالسيّدة الزهراء (عليها السلام) أن نفترض، ولو جدلاً، أنَّها لو ترعرعت في بيئةٍ فاسدة، لَما كانت على ما هي عليه من الصلاح والكمال.
هذا، وإذا أنكرنا تأثير البيئة والمحيط على تكوين السيّدة الزهراء (عليها السلام)، نكون قد أنكرنا فضل الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في تربية وصنع شخصية الزهراء سيّدة نساء العالمين، لأنَّه وأخاه الإمام عليّ (عليهما السلام) هما مَن شكَّلا هذه البيئة الخاصّة التي خُصَّت بها السيّدة الزهراء (عليها السلام) وحَبَاها الله لأن تنشأ فيها، بعيداً عن كلِّ الأجواء الأخرى التي يفترضها المؤلّف.
مشكلة المؤلّف أنّه دائماً يفترض بعداً واحداً للقضايا التي يتصدّى لنقاشها، وبالتالي، فهو يقتصر على تفسيرٍ واحدٍ حين يريد معالجتها، وهذا ما يجعله دائم الاستعجال ويوقعه في اجتزاء الصور والمعاني التي تحفل بها القضايا المدروسة، فيقع نتيجة تسرّعه في الاستنتاجات المنقوصة على الدوام.
وبعد ذلك، يدخل المؤلّف في مناقشات لا طائل منها في عددٍ كبير من الصفحات، دون أن ندري ما الهدف الحقيقي من هذه العراضة الطويلة، اللَّهم إلاَّ إذا كان الكاتب يستعرض براعته في المكان غير المناسب، حتّى إِنّه في زحمة استعراضاته، بالغ في مقارنة بيئة الزهراء (عليها السلام) مع غيرها، إلى الحدّ الذي جعله يقارن بين بيئة "آسية" التي عاشت في ظلّ الفرعون الطاغية وبين بيئة رسول الرحمة التي عاشت في كنفها الزهراء (عليها السلام)، وشتَّان بين البيئتين وبين راعييهما. ونكتفي بهذا القدر كي لا نحرج الكاتب أكثر.
ولا ينهي الكاتب مداخلته الطويلة إلاَّ بالسخرية من المرأة عموماً حيث يقول: "وهل ثمَّة أحبّ إلى قلب المرأة من القصر الشاهق، ومن الأثاث الفاخر واللائق ومن وصائف كالحور، وغير ذلك من بواعث البهجة والسرور؟!"(1) ولا ندري أين تقع الزهراء (عليها السلام) في نظر الكاتب من ذلك كلّه؟!
الجوانب الغيبيّة في حياة الزهراء (عليها السلام)
ثمَّ يتناول الكاتب موضوعاً يسمّيه الجوانب الغيبية في حياة الزهراء (عليها السلام) فيقول: "هناك من يقول: إنَّه لا حاجة لنا في ما يفيض فيه التاريخ في مسألة زواج الزهراء (عليها السلام)، والجوانب الغيبية في ذلك الزواج، في ما احتفلت به السماء وغير ذلك ممّا يتعلَّق بهذا الأمر، كما أنَّه يتحفَّظ على الحديث الذي يقول بوجود عناصر غيبيّة وخصوصيّات غير عادية في شخصية الزهراء (عليها السلام)، وماذا ينفع أو يضرّ ـــ على حدِّ تعبيره ـــ أن نعرف أو نجهل أنَّ الزهراء (عليها السلام) نور أو ليست بنور؟ فإنَّ هذا علم لا ينفع من علمه ولا يضرّ من جهله"(2). ويردّ المؤلّف على ذلك بالقول: "إنَّ إثارة الأمور بهذه الطريقة، التي يخشى أن تسبِّب إثارة صراع داخلي، من حيث إنَّها ترمي إلى التشكيك بضرورة الثقافة الدينية الغيبيّة، وذلك غير مقبول ولا معقول؛ لأنَّ ذلك من بديهيات الدين والعقيدة.."(3)!
وعلى عادة الكاتب في تحميل الأمور ما لا تحتمل وإسقاطه عليها ما ليس منها، يناقش هذا الإشكال ـــ في نظره ـــ ولو أردنا أن نرى الموضوع على طبيعته وبدون تحامل لوجدنا ما يلي:
أوَّلاً: إنَّ سماحة السيّد ينطلق في آرائه استناداً إلى منطق الدين والقرآن نفسه، فالقرآن لم يحدّثنا عن خوارق معيّنة يجب أنْ نتمثَّلها أو نقوم بمثلها أو نجهد لمشاهدتها وغير ذلك، القرآن الكريم حدَّثنا عن أصحاب المعاجز الذين هيَّأ لهم الغيبي وغير العادي وكرَّمهم بكرامات خاصّة لأسباب يمكن أن نرى فيها الاهتمام الخاص بأشخاص هؤلاء، وأهمّهم الأنبياء، لكنَّ الأهداف العامّة لتسهيل المعاجز من الله للإنسان (النبيّ أو الولي)، كان في الدرجة الأولى بهدف دعم الرسالة التي يحملها هذا النبيّ أو الرسول إلى الأُمّة التي كلَّف بهدايتها وإخراجها من الظلمات إلى النور. من هنا فإنَّ ما يعنينا نحن، هو أن نهتمَّ بالجانب الرسالي في أصحاب المعاجز والخوارق، لا الجانب الذي يعني أمورهم الخاصّة والتي اختصّوا بها لكرامات خاصّة بهم.
ثانياً: إنَّ الاهتمام بالجانب الرسالي من معاجز الأنبياء والأوصياء وغيبيَّاتهم، هو في النهاية لتأكيد صدق دعوتهم الإلهية ولتسهيل قبول الناس بها واقتناعهم بمضامينها، والأهم اطمئنانهم بأنَّها من الباري (عزَّ وجلّ)، وليست أموراً خاصّة بهم أتوا بها من غير علم الله ودعمه وتسديده، وهذا الجانب الإنساني من حركة المعجزة النبويّة والرسوليّة، وهذا التمام الإنساني الذي يشتمل عليه شخص النبيّ أو الوصيّ، يجب أن يلحظ بجانبه الإنساني بالدرجة الأولى، وإلاَّ كيف يكون لنا أن نرى مصداقاً للآية التي تقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب : 21] فإذا كان الغيب هو الذي يجب رؤيته ويجب التأسّي به، لكان على كلِّ إنسان يتأسَّى بالرسول، أن يتوقَّع نزول الوحي عليه وحصول المعاجز على يديه وأن يكلِّم الله أو يستنزل من عنده رسالة خاصّة به، وهذا غير ممكن ولا يمكن حصوله كون النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هو خاتم الأنبياء والرسل. إذاً، فلكي يكون النبيّ أو الوصي أو سيّدة نساء العالمين الإنسان القدوة، لا بدّ من أن يتمتَّعوا بمواصفات مميّزة، وهو ما يمكننا تلمّسه في واقع شخصية الزهراء (عليها السلام)، وليس في غيبيّات لا يمكن لإنسانٍ ما أن يبلغها مهما علا شأنه لأنَّها ممّا اختصّه بها الله.
وإلاَّ، فلا نستطيع أن نقدّم كلّ هؤلاء باعتبارهم قدوة، لأنّه لا يجوز بحالٍ من الأحوال الاقتداء بهم على مقتضى ما ذهب إليه المؤلّف.
ثالثاً: ولنفترض أنَّ كلّ ما تحدَّث عنه المؤلّف من غيبيّات في حياة السيّدة الزهراء (عليها السلام) صحيح، أي تكلّمها في المهد أو زفافها في الجنَّة أو أنّها من ثمر الجنّة، وغير ذلك من الأقوال، فإنَّ ذلك لا يعتبر جزءاً من الإيمان الواجب، بل هي مسألة قناعة وإثبات لهذه الأمور من وجهة نظر تاريخية، ولا يترتَّب على عدم القناعة كفر بالدّين أو انحراف عنه، وهذا موجود عند معظم أتباع الديانات السماوية.
رابعاً: لا ندري كيف يكون شأن عدم الإيمان بمثل هذه الغيبيّات سبباً لإثارة صراع داخلي؟ ولا ندري كيف يسبّب النقاش في مثل هذه الأقوال تشكيكاً بضرورة الثقافة الدينية الغيبيّة؟!
ولا ندري كيف تكون هذه الأمور التي ليس لها علاقة بأصول الدين ولا بفروعه ولا هي حتّى من أصول المذهب، تشكيكاً ببديهيّات العقيدة؟!
فليعطينا الكاتب دليلاً واحداً غير إنشائيّاته على صدق دعواه هذه. نعم، هي قد تكون سبباً في إثارة العصبيّات والصراعات عندما تُثار بالطريقة التي يطرح بها الكاتب مثل هذه الأمور، حيث يخرجها عن براءتها وطبيعتها ويعطيها أبعاداً لا تحملها، بل يحملها ما في ذاته من تشكيكات وارتيابات لا تصدق عليها بحالٍ من الأحوال.
أمّا أنَّها تتحوّل إلى تشكيك بالغيب أو بثقافته، فهذا من نسج خيال المؤلّف، إذ لا ندري بأيّ فهم أو منطق أو طريقة تحليل، تبيّن للكاتب أنَّ التشكيك بمثل هذه الأمور يُعَدّ تشكيكاً بالإيمان بالغيب، حتى يبدأ بإنشاء المقاطع المتطاولة عن الغيب وضرورته في حياة الإنسان... وإلى ما هنالك من أمور لم يتطرّق سماحة السيّد إليها وليست مقصودة أصلاً في مقالته، بل كلّ ما هنالك أنَّ الكاتب استنتج من هذه الجزئية الواحدة أنَّه يمكنه تعميم حكم كلّي يتوصَّل من خلاله إلى التشكيك بإيمان سماحة السيّد بالغيب وبالثقافة الغيبيّة وما إلى ذلك، وهذا هو عين الإسقاط الذي يعتبر من أكثر الهفوات العلمية معيوبيّة على أصحابها، خاصّة إذا كانوا ممّن يحملون عناوين كبيرة كمثل التي يحملها كاتبنا.
خامساً: والأغرب من كلِّ ذلك، هو محاولته وعظ سماحة السيّد بطريقة مدرسية تنفع الأطفال إجمالاً، ولا يُفترض أن يخاطب بها علماء الأُمّة باعتبارهم الأقدر على التحدّث عنها حيث يقول: "وممّا لا شكَّ فيه، أنَّ للأمور الغيبية تأثيراً قوياً على الحالة الإيمانية للإنسان المسلم، وأنَّ الغيب هو من الأمور الأساسية في موضوع الإيمان الذي يريده الله سبحانه من عباده"(1). وهذا الكلام مردود إلى أصحابه، لأنَّ السيّد لم يتطرَّق أبداً إلى موضوع التشكيك بالغيب بمعنى الإيمان بالله وبالأنبياء والرسل والأوصياء والأولياء، ولا بالمعاجز التي حصلت على أيديهم، ولا بالكرامات التي كرَّم الله بها أنبياءه وأوصياءه ورسله، ولا باليوم الآخر والجنَّة والنار، إنَّما الحديث في المقام عن جزئيّات قد تكون حصلت مع السيّدة الزهراء (عليها السلام) أو لم تحصل، وهذا لا يُنافي الدين، رغم أنَّه قد يكون حصل للزهراء (عليها السلام) من كرامات أكثر ممّا يدَّعيه المؤلّف، لكن ما يعنينا هو المواصفات الشخصية الرسالية للسيّدة الزهراء (عليها السلام) والتي تجعل مَن يقتدي بها يرتقي إلى أعلى مراتب الإنسانية، وليس أمراً آخر على الإطلاق.
في قول تنزُّه الزهراء (عليها السلام) عن الطمث والنفاس
يورد المؤلّف ما يلي: "يقول البعض إنَّ عدم رؤية السيّدة الزهراء (عليها السلام) للعادة الشهرية يُعتبر حالة مَرَضيّة تحتاج إلى العلاج، أو هي على الأقلّ حالة نقص في أنوثتها وفي شخصيّتها كامرأة ولا يمكن عدَّها من كراماتها وفضائلها، وكذا الحال بالنسبة للنفاس"(1). ويقول المؤلّف في معرض ردِّه على هذا القول: "وإنَّ تنزُّه الزهراء (عليها السلام) عن ذلك يشير إلى علوّ مقامها، وإلى خصوصيّة تميّزها عن كلِّ مَن سواها، ما دام أنَّ المحيض من الأذى، كما قال سبحانه"(2). ويورد في الهامش استشهاده بالآية الكريمة: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاء فِي الْمَحِيضِ} [البقرة : 222].
وفي مناقشة هذا الأمر ما يلي:
أوّلاً: إنَّ قول سماحة السيّد ـــ إنْ صحَّ عنه القول ـــ إنَّ عدم رؤية السيّدة الزهراء (عليها السلام) للعادة الشهرية يُعتبر حالة مَرَضيّة تحتاج إلى العلاج، أو هي على الأقلّ حالة نقص في أنوثتها.." هو قول وجيه، لأنَّ الزهراء (عليها السلام)، المرأة الكاملة في طبيعتها وأنوثتها، لا يمكن أن تكون على مثل هذا الحال، فهي منزَّهة عن كلِّ عيب ونقص وعن كلّ ما يخرجها عن كونها امرأة، لها ما لكلِّ النساء وتجري عليها ما يجري على النساء بما له علاقة بالأمور النسويّة العامّة. فالزهراء (عليها السلام) حسب قول سماحة السيّد مُنَزَّهة عن كلِّ هذه النواقص، وهي لا تشكو في طبيعتها من أيّ نقصٍ حتّى من الحيض والنّفاس. وهو يقول بحاجتها إلى معالجة في حال كان ينقصها ما ينقص أنوثتها ونسويّتها وهو قول يستنكر على القائلين بوجود ما ينقص منها ذلك، لأنَّ الحالة الطبيعية هي أن تحيض المرأة، وبما أنَّ الزهراء (عليها السلام) نموذج المرأة الكاملة، فإنَّه من غير الطبيعي أن ينقصها هذه الأشياء وقد تنزَّهت عن كلِّ ذلك.
ثانياً: إنَّ الانطلاق من كون الله لا يمكن أن يصيب الزهراء (عليها السلام) بأذى وهي المحبوبة إليه كونها ابنة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأنَّه قد اختصّها بالرعاية فلا يمكن أن يصيبها بالحيض لأنَّ فيه أذى، فهو قول مردود. وإنَّ الاستشهاد بالآية الكريمة: {قُلْ هُوَ أَذًى} استشهاد في غير محلّه ومحاولة لنفي حالة طبيعيّةٍ في النساء. والحيض لا ينتقص من الزهراء (عليها السلام) ولا يقلِّل من شأنها مطلقاً، وحتّى إِنّه لا يصيبها بالأذى إذا علمنا ما هو تفسير معنى الأذى في الآية التي استشهد بها المؤلّف. يقول صاحب الميزان: "... والأذى هو الضّرر على ما قيل، لكنّه لا يخلو عن نظر، فإنَّه لو كان هو الضّرر بعينه، لصحّ مقابلته مع النَّفع، كما أنَّ الضّرر مقابل النفع وليس بصحيح، يقال: دواء مضرّ وضار، ولو قيل دواء مؤذ، أفاد معنى آخر، وأيضاً قال تعالى: {لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى} [آل عمران : 111]، ولو قيل لن يضرُّوكم إلاَّ ضرراً لَفَسَدَ الكلام، وأيضاً كونه بمعنى الضّرر غير ظاهر في أمثال قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [الأحزاب : 57] وقوله تعالى: {لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ} [الصف : 5]، فالظاهر أنَّ الأذى هو الطارئ على الشيء غير الملائم لطبعه، فينطبق عليه معنى الضّرر بوجه. وتسمية المحيض أذى على هذا المعنى، لكون هذا الدم المستند إلى عادة النساء حاصلاً من عمل خاص من طبعها يؤثّر به في مزاج الدم الطبيعي الذي يحصله جهاز التغذية، فيفسد مقداراً منه عن الحال الطبيعي وينزله إلى الرّحم لتطهيره أو لتغذية الجنين أو لتهيئة اللّبن للإرضاع، وأمّا على قولهم: إنَّ الأذى هو الضّرر، فقد قيل: إنَّ المراد بالمحيض إتيان النساء في حال الحيض، والمعنى: يسألونك عن إتيانهن في هذه الحال، فأجيب بأنَّه ضرر وهو كذلك"(1).
من هنا يتبيَّن أنّه لا موجب لرفع الحيض والنّفاس عن الزهراء (عليها السلام) ظنّاً أنّه يحصل لها بسببه الضّرر، لأنَّ الأذى كما تبيّن من تفسير السيّد الطباطبائي وغيره لا يعني الضّرر المتبادر من دلالة اللّفظ، وبالتالي، فإنَّ كلّ النقاش في هذا الموضوع يصبح من دون طائل.
ثالثاً: لا ندري ما هي الكرامة التي يريد المؤلّف أن ينسبها إلى السيّدة الزهراء (عليها السلام) بالقول بامتناعها عن الحيض والنفاس؟ وهل أنَّ عدم الحيض والنفاس للمرأة يُعَدّ كرامة لها وتميُّزاً عن غيرها.
المعروف أنَّ هناك العديد من النساء اللاتي لا يحضن ولا يطمثن لسببٍ أو لآخر، فهل أنَّ الله فضَّلهنَّ بذلك عن النساء الأخريات؟(1) وهذا يقودنا إلى القول حسب منطق المؤلّف إنَّ المرأة بعد سنّ اليأس تصبح فاضلة وذات كرامة عند الله لأنّها لا تعود ترى شيئاً ممّا تعوّدته قبل هذه السنّ، فهل هذا صحيح؟!!
رابعاً: تصل المغالاة عند البعض إلى الادّعاء بأنَّ الأئمّة (عليهم السلام) لم يكونوا يحدثون ـــ بمعنى الحدث الأكبر أو الأصغر أو التغوّط ـــ أبهذه الطريقة نثبت أنَّ للأئمّة (عليهم السلام) كرامات، أم بالطرق التي لا تخرج الأئمّة عن بشريّتهم وإنسانيّتهم كما هي بشرية الأنبياء والرسل، بحيث أن نكون أكثر التصاقاً بالقرآن الكريم في محاولات الإثبات والنفي لأمور نجهل حقيقة الكيفية الحقيقية لها؟ ولا يجب الإفراط في توهّماتنا إلى حدّ اعتبار الإنسان ذي الكرامات هو غير الإنسان المعروف والذي لا يشبه البشر الذين يمكن أن يمشوا في الأسواق ويأكلوا الطعام، وما إلى ذلك من الأوصاف التي يتطرَّق إليها الله في القرآن الكريم حين يتحدّث عن بشرية الأنبياء.  
الزهراء (عليها السلام) أوّل مؤلّفة في الإسلام
يورد الكاتب عن سماحة السيّد ما يلي: "قد يُقال: إنَّ الزهراء (عليها السلام) هي أوّل مؤلّفة في الإسلام، إذ قد دلَّت الروايات على أنّه قد كان لها مصحف عرف باسم (مصحف الزهراء) فإنَّ هذه التسمية تدلّ على ما ذكرناه، لأنَّنا إذا قلنا: (مصحف الزهراء)، فذلك يعني أنَّ لها دوراً في تأليفه وكتابة هذا المصحف"(1).
وهنا نورد كلام المؤلّف في الردّ على سماحة السيّد، وبعدها سنناقش هذه الردود. يقول المؤلّف: "إنَّ نسبة المصحف إلى الزهراء (عليها السلام)، وقولهم: (مصحف فاطمة) لا يعني بالضرورة أنّها هي التي ألَّفته وكتبته، فأنتَ تقول: هذا كتاب فلان، إذا كان له نوع ارتباط به ولو من حيث ملكيّته له، ونقول: هذه ساعة فلان، وقميص فلان، وبيت فلان، ولا يعني ذلك أنَّه هو الذي صنع الساعة، أو بنى، أو مَلَكَ البيت، أو حتّى خاطَ القميص، فضلاً عن أن يكون قد نسجه، أو ما إلى ذلك.. ولأجل ذلك يقال أيضاً: زبور آل داود، وتوراة عيسى، وإنجيل عيسى، ويقال أيضاً: مصحف عثمان، ويقال كذلك: صحف إبراهيم وموسى، ودعاء كميل وعهد الأشتر"(2).
وفي المناقشة نقول:
أوّلاً: ما المانع من أن تكون الزهراء (عليها السلام) قد ألَّفت هذا الكتاب أو أنَّها أوّل مؤلّفة في الإسلام؟ وأين وجه الذمّ في هذا الشأن؟ وهل من العيب أن يُقال عن الزهراء إنَّها أوّل مؤلّفة أم ماذا؟ لا نرى أنَّ هناك ما يسيء إلى الزهراء مطلقاً في ذلك، بل إنَّه يبيِّن حقيقة متميّزة لها، ويدلِّل على شأن خاص جداً لم يكن لجميع بنات جنسها في حينه، وأنَّها قد تقدَّمت على هؤلاء الجميع في ما أقدمت عليه من الكتابة.
ثانياً: أين وجه القياس الذي أجراه المؤلّف بين (مصحف فاطمة)، وساعة فلان، وقميص فلان، وبيت فلان؟ وكيف يحقّ القياس بأمورٍ ليست من سنخِ بعضها عدا أنَّها بين أمر ذي شأن كمصحف الزهراء (عليها السلام) وأمر عادي جداً كالقميص والساعة وما إلى ذلك؟
ثالثاً: أين وجه الشبه بين الكتب السماوية التي يعرف مصدرها ومَن أوحى بها وبين (مصحف فاطمة) الذي هو كتاب لِوَلِيَّة من أولياء الله لا يوحى إليها كما يوحى للأنبياء والرسل؟
أمّا القول إنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) هو من كان يكتب لها ما تقرأه عليه "وقد كان قسم منه بإملاء رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وكتابة عليّ (عليه السلام)، والقسم الآخر من إملاء الملك لفاطمة وكتابة عليّ (عليه السلام)"(1)، فهو أمرٌ ممكن، لكن لماذا استبعاد أن تكون هي مَن كتبت مصحفها بنفسها؟ ألاَ يوجد عندها إمكانات الكتابة، أم أنَّ المؤلّف يصوّرها أُميّة لا تستطيع أن تفعل ذلك إلاَّ بمساعدة شخص يعرف القراءة والكتابة؟
أمّا عن القول إنَّ ما فيه هو الحلال والحرام أو إنَّه عمل ما سيأتي، أو غير ذلك(1) من الحديث عن حجم هذا المصحف وسعته، فإنّه ممّا لا حسم فيه وقد يكون أحد هذه الأفراد وقد يكون كلّ ذلك، خاصّة مع تعدُّد الروايات التي تتحدّث عن محتوياته، فهذا الإشكال ليس بذي فائدة طالما أنَّ الكتاب ليس بين أيدينا لنحكم بالدقّة على ما يحويه، عدا عن أنَّ الاختلاف عليه مع عدم وجوده لا يعدو أن يكون مضيعة للوقت دون طائل.










الفصل الثالث



نقاش النوايا وسجال الافتراضات






فلنناقش قضايانا قبل أن يناقشها الآخرون
ولتبيان التوجّه الاتّهامي نفسه الذي بدأ به المؤلّف جميع تحليلاته لمقولات ادّعى أنَّها لسماحة السيّد، نبدأ في فصل أسماه: "إرهاصات ومحاولات التفاف وطعن في كتاب سُليم". وتحت عنوان "بداية وتوطئة"، يورد المؤلّف ما يلي: "فقد أنكر البعض أو شكَّك بحدوث أيّ شيء سوى تهديدهم بإحراق بيت فاطمة (عليها السلام)، وذكر أموراً عديدة عدَّها مبرّرات لموقفه هذا الذي اعتبر فيه أنَّ هذه القضية لا تمسّ العقيدة، مؤكّداً أنَّ علينا أن نناقش نحن قضايانا قبل أن يناقشها الآخرون ويسقطوها.."(1).
ويعلّق المؤلّف قائلاً: "وهذا الأسلوب من الكلام يوحي بسقوط هذه القضايا واقعاً، وكأنَّه يقول: فلنسقطها نحن إذن، قبل أن يسقطها الآخرون"(2).
وعلى عادته في فرض وصايته على الأقوال والآراء وأنَّه هو من يقرِّر ما يجب وما لا يجب في الموضوعات نقاشاً وسجالاً وإقراراً، يقول: "ونحن نذكر في هذا الفصل، ما يشير إلى عدم سلامة هذه المقولة، ونتحدَّث عن جانب من هذه التساؤلات والاستبعادات المبتنية على استحسانات واعتبارات وترجيحات لا يصحّ الاعتماد عليها، لأنّها ـــ إنْ لم تكن تَبَرُّعِيّة ـــ قد لاحظت بعض الجوانب، وأهملت جوانب أخرى هي الأجدر بالملاحظة، لأنَّها هي الموافقة لأسس دراسة المواضيع الحسَّاسة كالذي نحن بصدده.."(1).
وكما يرى القارئ هذا التهويل الذي يبدأ به الكاتب مقولاته وهذا الحشد من الكلمات والمفردات التي يقذف بها بشكلٍ متسارع ومتتالٍ، وكأنَّه يريد أن يوحي أنَّه الغيور المحبّ والمدافع الشرس عن حقوق أهل البيت (عليهم السلام) وأنَّه الوصي بعد الرسول والإمام عليّ والأئمّة على حماية فاطمة الزهراء (عليها السلام) من أعدائها وعلى رأسهم هذا "المفتري" الذي تنكَّر لكلِّ فضائلها ومظلوميّتها ووقف إلى جانب أعداء الدين الإلهي وأعداء أولياء الله وأهل بيته.
وبشكل تعوزه الحكمة العلمية في معالجة رأي السيّد، حين يقول إنَّه لا بدَّ من مناقشة قضايانا قبل أن يناقشها الآخرون، يلجأ إلى قلب الكلام بشكلٍ مريب، فيلجأ بشيء من سوء الظنّ، إلى اتّهام السيّد بأنَّه يبغي إسقاط قضايانا قبل أن يسقطها الآخرون. ونحن نسأل القارئ اللّبيب هل قول: "فلنناقش قضايانا قبل أن يناقشها الآخرون ويسقطوها"، يعني: فلنسقطها نحن قبل أن يسقطوها؟
كان متوقّعاً من أمثال المؤلّف أن يبادر إلى الاستجابة لدعوة سماحة السيّد إلى إجراء مناقشة جادّة لعددٍ كبير من الأحاديث التي تتناول قضايانا بشيء من التخليط كي يعمل على إسقاط الغثّ منها، لئلا يضيع الثمين بجريرة الغثّ، وهذا طلب الغيورين على تراثنا وأحاديثنا وأئمّتنا وزهرائنا، وليس كما حاول المؤلّف الإيحاء به. فتنقية تراثنا الروائي من الشوائب، من شأنه أن يحفظ هذا التراث نقيّاً صادقاً غير مخلّط، ومن شأنه أيضاً أن يحمي نظراتنا السليمة إلى أنبيائنا وأئمّتنا وأوصيائنا، وليس هدفه إسقاط هذا التراث وهذه الأحاديث وتلك المرويّات، وإذا كان سماحة السيّد قد دعا إلى مثل هذا الأمر، فهو ليس بدعاً من الدعوات في تاريخنا، فقد فعل ذلك صاحب الكافي حين نقَّح المرويّات والأحاديث وقدَّم الصحيح منها والمسند الذي يقرب إلى الصحّة، وكذلك فعل الغيورون على الدين والمذهب ولم يتّهمهم أحد بمحاولة إسقاط قضايانا، لأنَّ غرضهم كان شريفاً، وعملهم، رغم محاولات المغرضين ـــ بقي عملاً جبّاراً يُشْكَرون عليه إلى يوم القيامة ـــ وكذلك هو توجّه سماحة السيّد حين يدعو إلى ما سبقه إليه هؤلاء، لكن ماذا نفعل إذا كانت الدعوات الصادقة ما عادت تؤخذ إلاَّ بسوء النيّة؟!
فالمنطق يقول إنَّ بقاء تراثنا مختلطاً ومتشابكاً في كثير من موضوعاته، من شأنه أن يعرض للنقد كلّ ما هو صحيح في تراثنا ومرويّاتنا، لأنَّ المغرضين إذا وجدوا ما هو ضعيف في تراثنا، فإنَّهم سينطلقون منه إلى تعميم نتائجهم على كلّ ما ينتسب إلى هذا التراث، وهو من الظلم الذي لا يجدر بنا أن نترك الآخرين يتجرأون به علينا. فهل تكون هذه دعوة لإسقاط قضايانا؟! أجبنا مأجوراً.
افتراءات:
والأغرب من ذلك أنَّ المؤلّف يورد عدداً من الموضوعات ينسبها إلى سماحة السيّد بدون توثيق أو دليل أو ذكر الموضع الذي أخذ منه هذا الحديث، فخذ مثلاً على ذلك حين يقول ـــ رداً على قول سماحة السيّد بأنَّنا "علينا أن نناقش نحن قضايانا" ـــ:
"... إنَّ أسلوب تعامل هذا البعض مع بعض القضايا، يشير إلى أنَّ ثمّة رغبة في مغازلة بعض الأطراف على الساحة الإسلامية، لسبب أو لآخر، وإلاَّ فلماذا الإصرار على دعوى أنَّ المهاجمين الذين جاء بهم عمر كانوا يحبُّون الزهراء عليها أفضل الصلاة والسلام، ويحترمونها، ثمَّ التفوّه بأنَّ عليّاً (عليه السلام) "معارضه..!!" وأنَّه "متمرِّد على الخلافة!!" وأنَّه يراد اعتقاله لأجل ذلك، وأنَّ طبيعة الأمور تقتضي إخضاع المتمردين، وأنَّ المسلمين فهموا نصّ الغدير بطريقةٍ أخرى... الخ"(1).
ونحن حين نريد مناقشة هذه الردود، فأوّل ما يقف في طريقنا، هو أنَّ المؤلّف لا يذكر لا في المتن ولا في الهامش من أين جاء بهذه الأحاديث والأقوال التي ينسبها بهذه الطريقة إلى سماحة السيّد، ولا هو يشير حتّى إلى المناسبة التي قيلت فيها وإنَّما يرصفها بهذا الشكل المريب طعناً منه بنوايا سماحة السيّد واتّهاماً له بالإساءة إلى الدين والمذهب والشريعة والتاريخ، إلى آخر المنظومة التي لا تكاد تخلو منها صفحة من صفحات كتاب المؤلّف.

بالروية نعود إلى النقاش
أوّلاً: نتساءل من أين تسرَّبت إلى المؤلّف رغبة سماحة السيّد بــ "مغازلة بعض الأطراف"، وإذا كان الأمر كذلك لماذا لا يصرّح به طالما الأمر بهذه الخطورة بل يكتفي بالقول "لسببٍ أو لآخر"؟! هذا أمر.
ثانياً: هو ما ينقله المؤلّف عن سماحة السيّد من أنَّ "المهاجمين الذين جاء بهم عمر كانوا يحبُّون الزهراء". ونحن نكرِّر أنَّنا لا نعلم من أين أتى المؤلّف بهذه الأقوال، لكن لنفرض أنَّ الأمر كذلك، فلا يبعد أن يكون الذين أتى بهم عمر هم من المسلمين الذين يكنُّون حبّاً لابنة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ومعلوم أنَّ رسول الله كان يوصي بحبّ الزهراء وبعدم إيذائها، وهذا لا يتنافى مع كون عمر لم يكن يحبّ الزهراء (عليها السلام) مع فرض قول المؤلّف، فكثيراً ما يحاول بعض الناس إيذاء أشخاص ذوي مكانة وشأن بأُناس يحبُّونهم، وهذا أمرٌ ممكن، خاصّة إذا علمنا أنَّ هؤلاء قد جاؤوا مع عمر لمحاولة أخذ البيعة من عليّ (عليه السلام) ولم يكن بتوقّعاتهم أنَّهم سيصطدمون بالزهراء (عليها السلام) على باب منزل عليّ (عليه السلام). وهذا ممكن عقلاً ومنطقاً.
ثالثاً: أمّا قوله بأنَّ سماحة السيّد قد "تفوَّه بأنَّ عليّاً (عليه السلام) معارضة!! ومتمرِّد على الخلافة!!"، فهو حديث عن المشهد التاريخي بلغة العصر وباستخدام المفردات والمصطلحات التي تستخدم في زماننا، فهذا هو منطق أهل السلطة آنذاك، وكلّ ما فعله سماحة السيّد هو الحديث عن الأمر بلغة العصر ومحاولة لتقريب الفكرة لأهل زماننا، ففي السابق، كان يُقال لمن يتخلَّف عن الموالاة إنَّه ترك البيعة أو امتنع عن البيعة، وهو في لغتنا الحديثة اعترض عليها، وبالتالي، فإنَّ امتناعه في لغة العصر يعتبر معارضة، وهذا كلّ ما يستفاد من الكلام وليس أمراً آخر كالذي يفترضه الكاتب من أخذ السيّد جانب المغتصبين للسلطة كما يحاول أن يصوُّر الأمور، وما يصحّ في مصطلح المعارضة يصحّ أيضاً في موضوع التمرُّد، وأين العيب في أن يُقال إنَّ عليّاً رَفَضَ بيعة أبي بكر وعمر وتمرَّد عليهما لأنَّهما اغتصبا حقّه في الإمامة مع علمهما أنَّ الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد أوصى له بذلك؟
رابعاً: يدهشك الكاتب وأنتَ ترى تناقضاته وتهافته الذي لا ينتهي في هذا الكتاب، فبعد كلّ الذي تحدَّث به عن ثوابت العقيدة والدين والتاريخ وبعد كلّ الاتّهامات التي ساقها في حقّ سماحة السيّد في ما نقله عنه من آراء حول مظلومية السيّدة الزهراء (عليها السلام)، وبعد أن كاد يكفّر سماحة السيّد، بل قد فعل ذلك بشكلٍ أو بآخر، يصرِّح المؤلّف بما ينسف كلّ تنظيراته السابقة فيقول: "صحيح أنَّ قضية الهجوم على الزهراء (عليها السلام) ليست من أصول الدين، لكنَّ ذلك لا يعني أنَّها ليس لها مساس بالناحية العقيدية.."(1).
مناقشة العلماء
ويُورد المؤلّف ما يحاول من خلاله التشهير بسماحة السيّد والإمعان في إهانته واتّهامه بالكذب الصريح حين يقول: "ثمَّ إنَّك ترى هذا البعض يقول: قد ناقشت كلّ العلماء في إيران وغيرها حول مسألة ضرب الزهراء وغيرها.. فلم يقنعوني!"(2).
وتعليقاً على هذا القول يُورد المؤلّف: "إنَّنا لا ندري مدى صدقية هذا الكلام، وذلك لما يلي: إنَّنا نشكّ كثيراً، بل نحن نجزم بعدم حصول هذا الأمر، فإنَّ العلماء في إيران الإسلام وحدها دون غيرها يعدُّون بعشرات الألوف؛ فمتى تسنَّى له الاجتماع بهم، فضلاً عن مناقشتهم جميعاً... (و) لماذا لم نطّلع نحن ولا غيرنا ممّن يهتمّ لهذه القضايا ويلاحقها على هذه المناقشات، ولم يصلنا خبرها، رغم طول إقامتنا في تلك البلاد، والتي قاربت الثلاثين عاماً.."(1).
وكما يجد القارئ اللّبيب، فإنَّ هذه الردود هي من الركاكة بحيث يسهل الردّ عليها بدون عناءٍ يذكر، وفيها نقول:
أوّلاً: إذا صحَّ عن سماحة السيّد ما ذكره المؤلّف من قوله إنَّه "ناقش كلّ العلماء حول مسألة ضرب الزهراء (عليها السلام) ولم يقنعوه"، فإنَّ معنى ذلك أنَّه قد ناقش العلماء الكبار الذين اتّصل بهم سماحة السيّد وأجرى معهم النقاش حول هذه المسألة، وقول كلّ العلماء قد تُقال على سبيل المبالغة وأساسها معظم العلماء، وتُقال على سبيل التغليب، خاصّة عندما يكون الكلام مشافهة وبجو وديٍّ خاص. ومع ذلك، فإنَّ سماحته قال: "إنَّهم لم يقنعوه" ولم يقل إنَّهم أنكروا الأمر أو أقنعهم بغيره، ولا غضاضة في ذلك كما لا يخفى على النبهاء.
ثانياً: أمّا هذا التكذيب الصريح لسماحة السيّد لمجرّد أنّه لم يسمع هو شخصياً بأصداء هذه المناقشات، فهو افتراء لا يليق بباحثٍ أو محقِّق أو عالِم. وإذا كان لم يصل  خبر هذه المناقشات إلى المؤلّف، فهذا شأنه، وليس من واجب أحد أن يُعلم الكاتب بما جرى من نقاشات ولا يجب أن تسجّل هذه النقاشات في أمانة سرّ مكتب الكاتب حتّى يصدّق أنَّ مثل هذه النقاشات قد حصلت فعلاً، فضلاً عن أنَّ سماحته قال إنّه ناقش كلّ العلماء، ولا نظنّ أنَّ الكاتب معني بهؤلاء.
ثالثاً: قول المؤلّف: "فلو كان قد أقنعهم جميعاً، لَبَانَ ذلك وَظَهَر، وَلَضَجَّت الدُّنيا وعجَّت بهذا الأمر الخطير الذي أجمع عليه علماء الشيعة عبر العصور والدهور..."(1).
ويضيف: "بقي احتمال، ولعلَّه الأقرب: أن يكون هو الذي اقتنع منهم.."(2). وفي هذه الأقوال أمور:
1 ـــ يظنّ المؤلّف أنَّ العلماء في إيران وغيرها ليس لهم عمل إلاَّ أن يناقشوا في مثل هذه الأمور، ويسهو أنَّهم قد تركوها لأمثاله كي لا يُقال: إنَّه لا يجد ما يشتغل به أو يعمل لأجله.
2 ـــ لعلّه سَهَا عن بال المؤلّف أنَّ علماء الإسلام في إيران عندهم من الهموم ما يكفيهم كي يناقشوا فيها، خاصّة وأنَّ إيران منذ انتصار الثورة تواجه أعتى شيطان في التاريخ وأنَّ معظم جهود علمائها مُنْصَبَّة على فضح اعتداءاته ومؤامراته صوناً للثورة والشعب وحماية لهما ممَّن يريدون أن يستدرجوا الثورة وعلماءها إلى صراعات جانبية كالتي يخوضها كاتبنا مع أحد أبرز علماء الإسلام في هذا العصر.
3 ـــ لو صحَّ توقّع المؤلّف أن يكون الذي اقتنع من علماء إيران هو سماحة السيّد، فما يضير المؤلّف في ذلك؟ أليس هذا مطلبه من كلِّ هذا الهجوم الذي شنَّه عليه دون طائل؟ أوليس حريّ بالكاتب ـــ لو صحَّ ما قال ـــ أن يعترف للسيّد بهذه الفضيلة بدل أن يُبادر إلى التشهير به، علماً أنَّ الكاتب يغالط نفسه حين يعترف ضمناً أنَّ السيّد قد قابل كلّ العلماء الذين قال إنَّه قابلهم وذلك بقوله: "بقي احتمال ـــ ولعلَّه الأقرب ـــ أن يكون هو الذي اقتنع منهم" (أي من علماء إيران)، فكيف يقول ذلك، مع أنّه سبق أن كذَّب مثل هذا القول في بداية حديثه؟
نموذج من مهاترات الكتاب
تحت عنوان "إنكار ضرب الزهراء (عليها السلام) تبرئة للظالمين"، يُورد الكاتب ما نصَّه: "ويقول البعض: إنَّ نفي ضرب الزهراء، وإسقاط جنينها، وكسر ضلعها، وغير ذلك، لا يعني تبرئة أحد ممَّن ظلموها، فما هو الحرج في ذلك؟!"(1).
انظروا بأيّة خفّة يُناقش المؤلّف ما ينسبه إلى سماحة السيّد. يقول الكاتب: "ونقول: لم نفهم مقصود هذا القائل بالتحديد، فإنَّ نفي ضرب الزهراء (عليها السلام)، معناه الصريح هو تبرئة الآخرين من الإقدام على الضرب، ونفي إسقاط الجنين ونفي كسر الضلع أيضاً، معناه تبرئتهم من ذلك، وهكذا الحال بالنسبة لإحراق البيت، واقتحامه، وما إلى ذلك (!!) فإنَّ المتّهم بعشر تُهَم، إذا برّئ من تسعة، فهل يعني ذلك أنَّه لا يزال مجرماً في التسعة نفسها التي ثبتت براءته منها؟! وإذا كانوا أبرياء من ذلك كلّه، ولم يفعلوا شيئاً إلاَّ مجرّد التهديد، الذي هو الآخر قد يُقال فيه: إنَّه صوري من أجل التخويف، ولا ينبغي أن يحمل على محمل الجدّ، خصوصاً مع قولهم: إنَّ مكانة الزهراء (عليها السلام) تمنع من الإقدام على أيّ شيء في حقِّها. نعم.. إذا كانوا كذلك، لم يبقَ ثمّة شيء يطالبهم الناس به.."(1).
لا شكَّ أنَّ القارئ اللّبيب قد فهم كيف يُناقش الكاتب الأمور وما هو المبنى الذي يستند إليه في هذه المناقشة.
أوّلاً: وعلى قاعدة ما بدأه من مناقشات، فإنَّ الأمور عند كاتبنا لا تعدو أن تكون بسيطة إلى الحدّ الذي يسهل معها اتّخاذ المواقف دونما تدقيق أو تمحيص، فيكفي أن يرى فيها ما يشير إلى الاتجاه الذي تعمَّد إلى رشق السيّد به من بداية الكتاب، حتى يعمد إلى استبعاد كلّ ما عداه، ليس لشيء إلاَّ إمعاناً في الإساءة إلى سماحة السيّد لأغراض لم تعد تخفى على أحد.
ثانياً: لا يريد الكاتب أن يفهم من كلام سماحة السيّد إلاَّ ما تسرّع في فهمه، في حين أنَّ مظلومية الزهراء (عليها السلام) هي مظلومية متفرّعة عن أصل هو اغتصاب الإمامة بعد الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ومحاولة الاستئثار بها، وعدم الاكتفاء بذلك، بل أخذ البيعة من عليّ (عليه السلام) عنوة، وهذا هو بيت القصيد.
فالذي يقصده سماحة السيّد بأنَّ "نفي ضرب الزهراء وإسقاط جنينها وكسر ضلعها.." لا يعني تبرئة أحدٍ ممّن ظلموها، بل تعني أنَّ هذا النفي لا يلغي المظلومية الأساس، وهي مسألة اغتصاب الخلافة، وهي أصل الظلم في كلِّ هذا الموضوع، فبنظر سماحة السيّد، لا يجب نسيان الموضوع الأصل في زحمة الحديث عن مظلومية الزهراء، بل لا بدَّ من النظر إلى هذه المظلومية انطلاقاً من أصولها وإلاَّ نكون قد وقعنا في الشرك الذي نصبه لنا المغرضون وأرادوا أن يحوِّلوا المعركة من معركة خلافة الإسلام وإمامة الأُمّة إلى موضوع، رغم أهميّته وعظمته ومأساويّته، فإنَّه فرع من ذلك الأصل الكبير لموضوع الزهراء (عليها السلام).  
ثالثاً: أمّا عن قول المؤلّف: "إنَّ المتّهم بعشر تُهَم إذا برّئ من تسعة فهل يعني ذلك أنَّه لا يزال مجرماً في التسعة نفسها التي تثبت براءته منها؟!".
نقول: نعم، لأنَّ المسألة ليست مسألة كم وعدد، إنَّما مسألة نوع، فإنَّ قضية اغتصاب الخلافة من عليّ (عليه السلام) تُعادل كلّ القضايا الأخرى، بل وتترجَّح بثقلها على ما عداها مهما كانت أهميّته، أم أنَّ صاحبنا يريد أن يبسّط موضوع اغتصاب الخلافة إلى درجة جعله مقابل عدد أو كم من الجرائم الأخرى؟
رابعاً: من الغريب المستغرب أن يعمد المؤلّف إلى القول: "إذا كانوا كذلك (أي أبرياء من كسر ضلع الزهراء (عليها السلام) لم يبقَ ثمّة شيء يطالبهم النّاس به"، نعم، هو قول مستغرب، لأنَّ الكاتب بهذا القول يفترض أنَّ أمر اغتصاب الخلافة ليس من الأمور الهامّة التي يجب على الناس المطالبة بها، أو هي ليست بأهمية الاعتداء على منزل الإمام عليّ (عليه السلام) والإساءة إلى الزهراء (عليها السلام)، علماً أنَّ كلَّ ما جرى على البيت العلوي من ظلمٍ وتعدٍّ إنَّما أصله الأوّل والأساس هو اغتصاب الخلافة ومنع عليّ (عليه السلام) من حقّه الذي أوصى له به نبيّ الإسلام بطلب من الله عزَّ وجلّ. فكيف يصحّ من الكاتب القول إنَّه: "لم يبقَ ثمّة شيء يطالبهم الناس به"؟.
الاهتمام بضرب السيّدة الزهراء (عليها السلام)
ينقل المؤلّف عن سماحة السيّد ما يلي: "يقول البعض: إنَّ ضرب الزهراء (عليها السلام) وإسقاط جنينها، وكسر ضلعها، قضية تاريخيّة وليست متّصلة بالعقيدة". ويعقب على ذلك: "ولهذا، فهو لا يهتمّ لهذا الأمر شخصياً، فسواء كسر ضلع الزهراء (عليها السلام) أم لم يكسر، فإنَّ ذلك لا يقع في دائرة اهتماماته، على حدّ تعبيره!!"(1).
وقبل الدخول في نقاش ردّ المؤلّف، لا بدّ من التساؤل: في أيّة مناسبة قال سماحة السيّد هذا الكلام؟ وهل قاله كتابة أو مشافهة أو تسجيلاً أو بأيّة طريقة أخرى؟ إنَّ المؤلّف لا يشير بحالٍ من الأحوال إلى مصادر تلك الأقوال ولا يوثق كلامه بما يثبت ذلك، وإنَّنا لا نستبعد أن يكون ذلك انتزاعاً من سياق أو تلفيقاً دون دليل أو لأهداف شخصية بحتة، كما تبيّن ذلك في العديد من المناقشات التي سبق الحديث عنها.
والقول: "إنَّ ضرب الزهراء (عليها السلام)، وإسقاط جنينها، وكسر ضلعها، قضية تاريخية وليست متّصلة بالعقيدة" قول صحيح ولا ينكره حتّى المؤلّف نفسه، إذ سبق أن ذكرنا له ما يفيد ذلك، ونعيد ذكر نصّه تبياناً للأمر. يقول المؤلّف في الصفحة 128 من الجزء الأوّل ما يلي: "صحيح أنَّ قضية الهجوم على الزهراء (عليها السلام) ليست من أصول الدين.."(2). فأي إشكال يبقى على كلام سماحة السيّد بعد هذا التصريح، وقضية الزهراء (عليها السلام) قضية تاريخيّة وليست متّصلة بالعقيدة، فلا عقائد الإسلام ولا عقائد المذهب الشيعي تفترض التسليم بكلِّ الروايات التاريخيّة، وحتّى "حقائق" هذه الروايات، ولا نعتبرها شرطاً من شروط الإيمان.
نعم، لا بدَّ من الإقرار بمظلومية السيّدة الزهراء (عليها السلام) وبما جرى عليها بعد وفاة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من مصاعب ومتاعب واعتداءات، لكنَّ هذه الأمور تحتاج إلى المزيد من التحقيق والتدقيق حتّى لا نقع فريسة الجهل بهذه الأمور ونسترسل مع عواطفنا بعيداً عن تلمّس الحقائق في مثل كلّ هذه المسائل.
أمَّا ما تقوَّله المؤلّف عن السيّد: "إنَّه سواء كسر ضلع الزهراء (عليها السلام)... فإنَّ ذلك لا يقع في دائرة اهتماماته"، فهو أمرٌ قاله المؤلّف ولم يدلّنا على أيِّ مرجع استند في ذكره هذا القول، ولا يكفي أن يختم قوله بكلمة "على حدّ تعبيره" حتّى يكون الكلام صحيحاً وصادراً عن صاحبه كما لا يخفى على المحقّقين والباحثين.
ولنفترض جدلاً أنَّ سماحة السيّد قال ذلك ـــ وهذا ما نستبعده ـــ فما المشكلة في أن لا يكون هذا الأمر في دائرة اهتمام إنسانٍ ما، بما يعني أنَّه ليس من الأمور التي يدرسها ويبحث بها أو يتابع تفاصيلها كما يفعل الباحث الذي أخذ على عاتقه هذا الأمر، ففي عالم اليوم، أصبح الاختصاص في البحث هو المعوّل عليه في أيِّ رأي أو دراسة، فسماحة السيّد حين يقول: "إنَّ هذا الأمر هو من اهتماماته"، فلا بدَّ من أن ينكبّ على دراسة الموضوع بدقّة وتأنٍ وإعمال نظرٍ، كي يصل إلى نتيجة حاسمة بشأنه، وهذا ما لم يتصدَّ له سماحة السيد، لأنَّ هناك العديد من الأمور التي تشغل سماحته عن الخوض في هذه البحوث، خاصّة وأنَّ هناك عدداً كبيراً من المواضيع التي تستلزم العمل عليها في زحمة التبليغ والتصدّي للأفكار الحضارية للإسلام عدا عن تفرّغه لاستكمال الفتاوى والتشريعات التي لا بدَّ من أن يضعها بين يديّ المقلّدين والمهتمين.
تحامل لا مبرّر له  
ويصل المؤلّف في معرض تشنيعه بسماحة السيّد إلى أن يعيّره بالحديث عن محاولة اغتياله مِن قِبَل أجهزة الاستخبارات الأميركية والإقليمية والمحليّة المعادية للإسلام، فيقول ما نصّه: "لماذا يهتمّ هو نفسه (سماحة السيِّد) بالتذكير بحدث جرى قبل سنوات يحتمل أن يكون له نوع ارتباط به ويعتبره من الشؤون والقضايا الإسلامية الكبرى، ثمَّ لا يهتمّ بغيره من نظائره كمجزرة مكّة، وإسقاط الأميركيين للطائرة الإيرانية بركّابها الثلاثمائة الأبرياء.."(1).
إنَّنا نجزم أنَّ هذا الكلام لا يصدر إلاَّ عن حاقدٍ على سماحة السيّد، وفي أحسن الظنون عن متحامل على جهاده وتضحياته التي لا يتحدّث عنها ولا يرضى أن يمتدح بها بحالٍ من الأحوال، ولعلَّ الكاتب هو أدرى النّاس بذلك.
وحين نُريد أن نضع هذه الأقوال على بساط النقاش نقول:
أوّلا: ليس صحيحاً على الإطلاق ما يدّعيه المؤلّف من أنَّ سماحة السيّد لا يأتي على ذكر "مجزرة مكّة وإسقاط الأميركيين للطائرة الإيرانية"، فليراجع الكاتب بهذا الشأن كلّ المناسبات السنوية وغير المناسبات السنوية لهذه المجازر، فسيرى أنَّ سماحته لم يترك مناسبة يجد فيها مدخلية لهذا الموضوع إلاَّ وطرحه وناقشه وأظهر أبعاده وبيَّن خلفيّاته وتكلَّم على مرتكبيه بما يفضح نواياهم وأهدافهم وخبثهم وعداءهم للإشراقة الإسلامية التي انبثقت من إيران الإسلام وشعّ نورها في أرجاء المعمورة. فليراجع المؤلّف أقوال سماحته وتصريحاته بهذا الخصوص، فسيجد ما يسرّ المؤمن ويغيظ الكافر ويشفي غليل الباحث والعالِم والعارِف، أمّا إذا كان الكاتب لا يطالع من تصريحات سماحة السيّد وأقواله وكتاباته إلاَّ ما يعينه على التهجُّم عليه، فهذا شأنه، وليس من مهمّة سماحته أن يعلم الكاتب عن كلّ أقواله وأفعاله وتحرُّكاته بخصوص إدانة الأعمال الاستخباراتية المعادية أو استنكارها.
ثانياً: ليس صحيحاً على الإطلاق أنَّ سماحة السيّد لا ينفك يذكر ما تعرَّض له من محاولة اعتداء بالقتل من خلال عملية تفجير لا زال كلّ الناس يتحدَّثون عنها لِمَا خلَّفته من قتل ودمار وتشريد لعدد كبير من الأفراد والعائلات في منطقة بئر العبد من الضاحية الجنوبية لمدينة بيروت. فسماحة السيّد إنْ ذَكَرَ هذه الحادثة، فإنَّما يفعل ذلك ليواسي أهل العزاء بشهدائهم وأبنائهم وليس للتفاخر، ولا هو اعتاد أن يُفاخر بمثل هذه الأمور، نعم، لا يتجاهل سماحة السيّد أسئلة الصحافة والإعلام والبحاثة في هذا المجال، بل هو يجيب على أسئلتهم حول هذا الموضوع إذا طرح عليه السؤال، ومن عادة الصحافة المحليّة والعالمية أن تتعرَّض لهذا السؤال عند كلّ مقابلة تريد من خلالها أن تبيّن ما إذا كان سماحته مستهدفاً مِن قِبَل أجهزة المخابرات الدولية المعادية للإسلام أم لا، وهل تعرَّض في ما سبق لهجومات عليه بوصفه أحد أبرز قادة الحركة الإسلامية في لبنان والعالم، وهذا الأمر معروف لدى القاصي والدّاني وليس سرّاً ولا أمراً يُعاب عليه.
ثالثاً: لا ندري ما الغرض من محاولة التقليل من إمكانية أن يكون سماحة السيّد هو المعني بالتفجير المذكور حتّى يقول الكاتب: "... بحدث جرى قبل سنوات يحتمل أن يكون له نوع ارتباط به (بسماحة السيِّد)..". ألا يعلم الكاتب علم اليقين أنَّ سماحة السيّد كان المقصود بعملية التفجير؟ وإذا كان لا يعلم، فليسأل الأجهزة الأمنية الإسلامية عن ذلك، فلعلَّ عندهم الخبر اليقين، وإذا لم يكتفِ بذلك، فليُراجع الصحف ويطالع من على صفحاتها كلّ تصريحات الذين تورَّطوا بالأمر، سواء بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، ليتأكّد أنَّ سماحة السيّد كان المقصود بعملية التفجير ومن ورائه ـــ بالتأكيد ـــ كلّ الحالة الإسلامية في لبنان. إنَّنا نستغرب هذا التوجّه الذي نحاه المؤلّف، وظنَّنا أنَّ الأمر لا يعدو أن يكون أمراً شخصياً يريد أن يفرّغ بموجبه كلّ ما من شأنه أن يشهد لسماحته بفضيلة من فضائله أو يعترف له بحقّ هو له ولا مِنّة لأحد فيه عليه.
رابعاً: ما دخل هذه المسائل والأمور على أهميّتها بموضوع كالذي يناقشه الكاتب؟ وكيف يداخل بين هذه الأمور التي لم نرَ فيها وجه ارتباط ـــ اللَّهم إلاَّ الوجه الشخصي المرتاب ـــ أم أنَّ من شروط البحث العلمي الذي توعَّدنا به المؤلّف وسلَّطه على رقابنا أن ينازل الأشخاص في أمور يستحون من الحديث عنها كي لا يُقال عنهم تفاخروا، أم هو استغلَّ أمراً يعلم أنَّ تقوى سماحة السيّد وورعه تمنعانه من الخوض بمثله؟ الحقيقة لا ندري.. ولا نريد أن ندري.. حتّى لا نقول أكثر..















الفصل الرابع



كتاب سليم بن قيس
سيف الباحث المكسور





حول كتاب سُليم بن قيس
رغم كلّ الجدل الذي أثاره المؤلّف حول هذا الكتاب واستبساله في إثبات صحّته وما رافق ذلك من هنات، خاصّة في إخفائه لبعض الآراء التي لا توثقه، أو من خلال تبسيط الإشكالات الواردة عليه، فإنَّ نقاشنا في هذا الموضوع سيقتصر على ما أورده الإمام الخوئي في "كتاب معجم رجال الحديث" وليلاحظ القارئ معنا كيف يكون بحث الرِّجال وليقارن بين طريقة المؤلّف وهذه الطريقة العلمية الحياديّة"(1).
وهنا نقول: كان حريٌّ بالمؤلّف في موضوع كتاب سليم بن قيس أن ينهج نهج العلماء المحقّقين المدقّقين حيث يقوم السيّد الخوئي (قدِّس سرّه) بعرض مجمل الآراء حول الكتاب ويضع نفسه على مسافة واحدة من جميع الذين يقومون بعرض آرائهم، وهؤلاء ليسوا على اتّفاق فيما بينهم حول وثاقة الكتاب، فهناك مَن يوافق على وثاقته وهناك مَن لا يوافق ذلك وآخرون يضعون الملاحظات ويُشكِّلون على بعض ما ورد فيه كثيراً أو قليلاً، لكن في جميع مراحل العرض، يحرص السيّد الخوئي على عرض الآراء بأمانة العالم المحقّق الذي يبغي الاستفادة من جميع الأقوال للوصول إلى رأي نهائي في موضوع الكتاب، فقد عَمَدَ السيّد الخوئي (قدِّس سرّه) إلى عرض الآراء ومقابلتها ونقاشها وتحليلها وتصنيفها وكشف الضعيف منها وتفحّص الحلقات الرابطة فيما بين أسانيدها، فيثبت ما هو قوي ويشير إلى ما هو ضعيف ويسمّي الأمور بأسمائها والمتحدّثين بأعيانهم، وفي السياق لا يغفل رأياً ولا يستبعد قولاً إلاَّ بعد مناقشته وسلسلته إلى النهاية.
فيبدأ بتعريف الهوية الشخصية لــ (سليم بن قيس) ثمَّ يعرض آراء الرُّواة حول هويته ومدى قربه أو بعده عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). ثمَّ يعرض لكتابه وينقل عن الرُّواة ماهية هذا الكتاب ومضمونه وعن مَن كان ينقل هذه الأحاديث التي تضمَّنها الكتاب، ثمَّ يورد أسماء مَن نسبوا إليه الكتاب ونقلوه عنه واحداً بعد آخر.
بعد ذلك يعرض لآراء العلماء حول الكتاب بين مَن يصدقه ومَن لا يقبله، ثمَّ يصل إلى أنَّ سليم بن قيس هو ـــ في نفسه ـــ من الأصحاب وأنَّه ثقة جليل، لكنّه يناقش في صحّة نسبة الكتاب إليه. وما يجعله يناقش في هذا الموضوع هو ما تضمّنه الكتاب من أحاديث لا تُطابق المنطق ولا ثوابت مذهب التشيُّع من مثل وعظ محمّد بن أبي بكر لأبيه عند موته وهو لم يتجاوز السنوات الثلاثة، وكذلك نسبة القول إليه بأنَّ الأئمّة من آل بيت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هم ثلاثة عشر إماماً وغير ذلك من التخليط والتدليس الذي تضمّنه الكتاب.
ثمَّ يعرض ويناقش مختلف الآراء الواردة حول مضمون الكتاب وإشكالاته وينهي حديثه برأيه حول الموضوع بأنَّ الطريق إلى كتاب بن قيس ضعيف(1).
وبعد عرض ومناقشة كتاب سليم بن قيس الهلالي للسيّد الخوئي، يرى القارئ الفرق بين الذي يقود البحث باتّجاه ما يوافق رأيه وبين من يعرض الوثيقة العلمية كما هي دون أن يسوق النصّ باتّجاه ما يخدم وجهة نظره، وإذا كان السيّد الخوئي يُناقش في الكتاب ويرى في نهاية النقاش أنَّ الطريق (إلى الكتاب) ضعيف، فكيف حسم محقّقنا هذا الأمر بهذه البساطة؟!
مناقشة لآراء المؤلّف في كتاب سليم بن قيس الهلالي
يُورد المؤلّف عن سماحة السيّد في خصوص كتاب سليم بن قيس الهلالي ما يلي: "هناك مَن لا يرضيه الاستشهاد بما جاء في كتاب سليم بن قيس من أحاديث تذكر ما جرى على الزهراء (عليها السلام)، ويقول: جئني بغير ما روي في هذا الكتاب"(1)، ثمَّ يُتابع ما ينقله عن سماحة السيّد فيقول: بل هو يقول (سماحة السيّد): "إنَّ كتاب سليم بن قيس ـــ الذي هو العمدة في الموضوع على حدِّ زعمه ـــ ليس بمعتمد في صيغته بشهادة الشيخ المفيد وغيره، مع أنَّ فيه خلطاً لا يخفى على أحد"(2). ويردّ المؤلّف على سماحة السيّد بالقول: "ليس كتاب سليم هو العمدة في نقل ما جرى على الزهراء (عليها السلام) في الجملة، بل مضافاً إلى ما جاء في كتاب سليم، هناك روايات كثيرة بل متواترة عن المعصومين (عليهم السلام)... وسنذكر في هذا الكتاب طائفة كبيرة من ذلك إن شاء الله تعالى". ويضيف: "كتاب سليم يُعدّ من أوائل ما ألفه قدماء الأصحاب، وهو يعبّر عن أصول وثوابت المذهب بصورة عامّة، وقد تلقَّاه العلماء بالقبول والرضا، ولا نجد فيه أيّ أثر لهذا الخلط المزعوم، ولم يقدّم لنا مدَّعيه أيّ موردٍ يصلح شاهداً على مدّعاه، حيث لم يظهر لنا من هذا الخلط سوى دعواه ذلك"(1).
في البداية، لا بدَّ من أن نكشف لعبة البداهة في هذا القول، وسنرى كيف يُناقض الكاتب نفسه دون أن يلاحظ ذلك في زحمة اندفاعه للنيل من سماحة السيّد... انظر معي مأجوراً:
1 ـــ لو أردنا ترتيب أقوال الكاتب ترتيباً منطقياً، على ماذا نحصل؟
أ ـــ "كتاب سليم بن قيس يُعدّ من أوائل ما ألفه قدماء الأصحاب، وهو يُعبّر عن أصول وثوابت المذهب بصورة عامّة، وقد تلقَّاه العلماء بالقبول والرضى".
ماذا يعني هذا الكلام؟ يفيد الكلام الآنف أنَّ كتاب سليم بن قيس هو كتاب مرجعي بالنسبة لمن يعبّر عنهم الكاتب بأصحاب "نصوص تاريخية متضافرة"(2)، وهذا يعني أنَّ التواتر الذي يتحدّث عنه الكاتب منشأه وأصله واحد، وبالتالي ماذا يفيد التواتر إذا كان جميع من يستدلّ بهم الكاتب قد أخذوا عن أصلٍ واحد، وإذا كان هذا الأصل غير موثوق من قِبَل سماحة السيّد، ومن شيخ الطائفة المفيد (قدِّس سرّه) وغيره، لا يعود هذا التواتر أيّة قيمة علمية، كما هو معروف عند الفقهاء والمؤرّخين.
ب ـــ يقول المؤلّف: "كتاب سليم بن قيس، تلقّاه العلماء بالقبول والرضا، ولا نجد فيه أيّ أثر لهذا الخلط المزعوم"، وينسى المؤلّف أنَّه ذكر في مكانٍ آخر عدداً من "التخليطات" الواردة في الكتاب تحت "منشأ الطعن في كتاب سليم" فيقول: "الأوّل: ما قاله محمد ابن أبي بكر لأبيه عند موته.. والثاني: الأئمّة ثلاثة عشر"(1). وهنا يحقّ لنا أن نتساءل: كيف يوفّق المؤلّف بين ما يقوله من أنَّه: "لا نجد فيه أيّ أثر لهذا الخلط المزعوم" وبين قوله بهذين العنوانين اللذين أورد فيهما التخليط؟!
2 ـــ بعد أن تبيَّن أنّ كتاب سليم بن قيس يحوي تخليطاً، وهذا رأي الشيخ المفيد الذي أقرَّ به حتّى مؤلّف الكتاب نفسه، يحقّ بعدها لسماحة السيّد أن لا يعتبره من المصادر التي يستفاد منها في ما ذكره هذا الكتاب عن مظلومية السيّدة الزهراء (عليها السلام)، وأنّ يطالب بمصدر غيره أوثق منه يمكن الاعتماد عليه في ما خصَّ مظلومية سيّدة نساء العالمين.
3 ـــ مجرّد أن يصبح هذا الكتاب مورد اختلاف "أعلام المذهب وأساطينه"، لما أقدم عليه بعضهم من رفع لوثاقته وتمسّك بعضهم الآخر به، فمعنى ذلك أنّه كتاب فيه لبس، وبالتالي، فمن غير الحكمة العلمية أن يُعبّر ما جاء به ـــ بشكلٍ حاسم ـــ "عن أصول وثوابت المذهب"، لأنَّه لو كان كذلك كما يصرّح الكاتب، لبات القول إنَّ الأئمّة (عليهم السلام) ثلاثة عشر أمراً مقبولاً! وهو ما يخالف "ثوابت المذهب". وإن أراد المؤلّف أن يشكّك بهذا الحديث الذي هو من "تخليط الكتاب"، فما الذي يثبت صحّة الروايات التاريخيّة الأخرى التي أوردها ولم يتبرَّع المؤلّف بتوثيقها أو بتدقيقها، بل اكتفى بما عوَّدنا عليه من حشد تعابير كمثل "أجمع عليه أساطين الشيعة" و"نصوص تاريخيّة متضافرة أوردها المؤرّخون..."، وما إلى ذلك من جمل وتعابير لا تفيد البحث العلمي شيئاً.
حول آراء شيخ الطائفة "المفيد (رحمه الله)"
وتحت عنوان فصل "ماذا يقول المفيد (رحمه الله)"، يستعرض المؤلّف براعته في إنشاء خطاب الحقيقة، ليصل به الأمر إلى إعطاء الدروس لسماحة السيّد بكيفية الاستشهاد بأقوال العلماء. ولن نتوقّف عند هذا الأمر، لأنَّه لا يستحقّ ذلك، بل سندخل في ما يعرضه المؤلّف من آراء تقاطعت مع رأي سماحته أو هو تبنّى معظمها حول ما جاء في الرّوايات الواردة عن مظلومية السيّدة الزهراء، فينقل المؤلّف عن سماحة السيّد أنَّه "استشهد بكلام ثلاثة من هؤلاء وهم:
1 ـــ الإمام الشيخ المفيد (قدَّس الله نفسه الزكيّة).
2 ـــ آية الله الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء (رحمه الله).
3 ـــ آية الله السيّد عبد الحسين شرف الدين (طاب ثراه).
فنحن نورد أوّلاً كلام المفيد (قدِّس سرّه)، ثمَّ نوضح أنَّه لا ينفعه في ما يريد إثباته، وذلك في ما يلي من مطالب"(1).
وبدل أن يبدأ المؤلّف بإيراد كلام المفيد (قدّس سرّه) كما وعد، يسترسل في إيراد جميع أقوال مَن كان في عصر المفيد ومَن جاء بعده ومَن كان قبله، دون أن يعرض لنا رأي الإمام المفيد بما يفيد. فخذ مثلاً على ذلك:
يُورد المؤلّف: "هناك مَن يقول بأنَّ ثمّة إجماعاً على أنَّ الزهراء (عليها السلام) قد ظلمت، وضربت، بل وأسقط جنينها، لكنَّ البعض حاول التشكيك في إجماع كهذا، ولم يقنعه ما جاء في تلخيص الشافي، من نصّ شيخ الطائفة الشيخ الطوسي على أنَّه لا خلاف بين الشيعة، في أنَّ فاطمة (عليها السلام) قد تعرَّضت للضرب وإسقاط الجنين"(1). وكما يلاحظ القارئ، فإنَّه حتّى الآن لم يذكر شيئاً عن رأي الشيخ المفيد.
ثمَّ يتابع المؤلّف: "ولم يقنعه أيضاً رواية ذلك بكثرة ظاهرة في مصنَّفات شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، ولا ورود ذلك أيضاً بصورة مستفيضة من طرق غيرهم، بل إنَّ روايات الشيعة عن المعصومين، فضلاً عن غيرهم، حول مظلوميّتها (عليها السلام)، من الكثرة والتنوُّع بحيث يمكن القول بتواترها"(2).
أيضاً يلاحظ القارئ أنَّ الكاتب لم يبدأ بعد ذكر أيّ مفيد عن الشيخ المفيد، ومع ذلك يتابع وسنتابع معه إلى النهاية: "ونحن نذكر هنا كلام الشيخ الطوسي والعلاّمة كاشف الغطاء حول هذا الأمر، ثمَّ نعقب ذلك بمناقشة ما قاله هذا البعض حول ذلك، فنقول:
1 ـــ قال شيخ الطائفة الإمام الشيخ محمّد بن الحسن الطوسي المتوفّى سنة 460 هــ، وهو تلميذ الشيخ المفيد، والشريف المرتضى..."(3) وسيستمر في الحديث الإنشائي من الصحّة 163 إلى آخر الصفحة 165(1)، دون أن يذكر المفيد إلاَّ كأستاذ للشيخ الطوسي...، وفي هذه الصفحات لم يذكر لنا المؤلّف حرفاً واحداً عمّا قاله المفيد. لماذا؟
هناك جوابٌ واحد على ذلك، هو أنَّ ما جاء به الشيخ المفيد عمَّا يُحاول الدفاع عنه المؤلّف، لا ينسجم مع رغبته ولا يستطيع توظيفه وفق ما يريد أن يسوّق الموضوع باتّجاهه ـــ انظر كيف يكون البحث العلمي ـــ ثمَّ بعد أن يدبلج من الإنشائيّات ما لا يفيد الموضوع بشيء، يعود إلى القول: "وبعد ما تقدَّم نقول: لقد حاول البعض ـــ (سماحة السيِّد) ـــ التشكيك بالإجماع المذكور، وذلك استناداً إلى أمور ثلاثة:
الأوّل: أنَّ الشيخ المفيد لا يلتزم به، بل هو يذكر في "الإرشاد" ما ينقض هذا الإجماع.
الثاني: أنَّ الشيخ محمّد حسين كاشف الغطاء، لم يلتزم بمفاده.
الثالث: أنَّ السيّد شرف الدين كذلك لم يلتزم بمفاده.
وفي الصفحات التالية في هذا الفصل، وما يأتي بعده، نذكر كلامهم ونناقشه مع توخّي الاختصار والاقتصار على المهم"(2).
وكما يلاحظ القارئ أنَّه حتّى الساعة لم يذكر شيئاً عن الشيخ المفيد. أيُّها القارئ اللّبيب، انظر كيف يأتي على ذكر الشيخ المفيد، إنَّ الكاتب لا يتجرَّأ على نقل أيّ شيء عن شيخ الطائفة، بل يلجأ إلى ما ينقله عن سماحة السيّد فقط، فيقول: "يقول البعض: يقول الشيخ المفيد (قدِّس سرّه): وفي الشيعة مَن يذكر أنَّ فاطمة ـــ صلوات الله عليها ـــ أسقطت بعد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ولداً ذكراً، كان سمَّاه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ وهو حمل ـــ محسناً؛ فعلى قول هذه الطائفة أولاد أمير المؤمنين (عليهم السلام) ثمانية وعشرون.. والله أعلم.. وقد نقل السيّد الأمين كلام الشيخ المفيد ـــ هذا ـــ في كتابه "أعيان الشيعة" ونقله المجلسي في "البحار" وآخرون"(1).
انظر أيُّها القارئ كيف يدحض سماحة السيّد الإجماع الذي يدّعيه المؤلّف ووفق ما جاء به المؤلّف نفسه، لترى الفرق بين متانة الدليل وأسلوب المداورة.
نتابع ما جاء في نصّ سماحة السيّد الذي نقله عنه الكاتب: "فإذا كان الشيخ  الطوسي ينقل اتّفاق الشيعة على أنَّ عمر ضرب على بطن فاطمة (عليها السلام) حتّى أسقطت محسناً، والرّواية بذلك مشهورة عندهم، فالشيخ المفيد يخالف الطوسي، وهو مُعاصر له، بل هو أستاذه، وكلامه يوحي بأنَّه لا يتبنَّى الإسقاط من الأساس"(2).
ونلفت القارئ هنا إلى أنَّنا سنناقش منهج الكاتب وليس أمر صحّة الضرب وعدمه أنَّه كيف يصحّ نقل كلام عن الشيخ الطوسي يناقضه الشيخ المفيد، والطوسي تلميذ المفيد، أي إنَّهما وجدا في زمنٍ واحد واختلفا في زمنٍ واحد،ـ ورغم ذلك يتحدّث المؤلّف عن إجماع كلام الشيعة حول هذا الأمر؟!!
هذه خلاصة نستفيدها من آراء سماحة السيّد. انظر أيُّها القارئ اللّبيب كيف سيعالج المؤلّف هذه المسألة.. يردّ المؤلّف على قول سماحة السيّد بالتالي: "إنَّ العبارة المذكورة لا تدلّ على مخالفة المفيد للطوسي في هذا الأمر؛ لأنَّ كلمة "الشيعة" كانت في زمن الشيخ المفيد تطلق على العديد من الفرق، مثل: الزيدية، والإسماعيلية، والإمامية، وغيرهم، بل وعلى المعتزلة أيضاً الذين كانوا هم الحاكمين في بغداد (!) وهم الذين سمحوا بإقامة مناسبة عاشوراء بالطريقة المعروفة والمتداولة حتّى يومنا هذا"(1). ماذا يريد أن يقول الكاتب في إيراداته هذه؟!
أوّلاً: هو يُغيِّب بشكلٍ كامل أقوال الشيخ المفيد ولا يذكر له أيّ قول مطلقاً، ومع ذلك، فهو يُناقش ما ورد عن المفيد على لسان سماحة السيّد ولا يجرؤ على ذكر ما قاله بنفسه.
ثانياً: يريد أن يثبت أنَّ الشيخ الطوسي ـــ تلميذ المفيد ـــ قد تحدَّث عن إجماع الشيعة على هذا الأمر، في وقتٍ عاش المفيد في عصره، وهو أستاذ الطوسي، ولا يقول قوله، فكيف يكون هذا الإجماع؟ وإذا كان التلميذ وأستاذه يختلفان في ذلك، فكيف نجزم بالإجماع؟
ثالثاً: يريد الكاتب أن يقول إنَّ المقصودين بــ "الشيعة" كانوا كثراً، فما يدرينا أنَّه كان يتحدّث عن الشيعة الإمامية؟ هذا القول ضعيف، لأنَّ الكاتب يعلم تماماً أنَّ المقصود بكلام المفيد كان الشيعة الإمامية ولا أحد غيرهم، ويدلّ على ذلك التبريرات التي ساقها المؤلّف لكي يجد مخرجاً لائقاً للمفيد ـــ لن يشكره عليه المفيد طبعاً ـــ لكن ماذا نفعل إذا كانت غاية الكاتب تهميش كلّ ما لا يوافق ووجهة نظره؟!
انظر معنا أيُّها القارئ لترى كيف يُبرّر الكاتب للمفيد مقولته: "لقد كان عصر المفيد (رحمه الله) بالغ الحساسية ومن أصعب العصور في تاريخ شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، حيث كانت الفتن تتجدَّد في كلِّ عام في يوم الغدير".. "فكان (رحمه الله) يريد أن يتعامل مع الأمور بمنتهى الحكمة والدقّة.. فلأجل ذلك لم يذكر فيه ـــ "الإرشاد" ـــ الأمور المثيرة والحسّاسة بصورة ملفتة للنظر، حتّى إنَّه لم يذكر شيئاً عن تفاصيل حادثة السقيفة وكلّ ما يرتبط بشأن البيعة لأبي بكر، ويبدو أنَّ ذلك منه (رحمه الله) يدخل في نطاق سياساته المتوازنة، التي تراعي الظروف والأجواء، وتتعامل معها بواقعية هادفة، وبمسؤولية ووعي"(1).
أوّلاً: نتساءل: كيف يبرّر الكاتب للشيخ المفيد حراجة مواقفه من الآخرين وأنَّه قد فعل ما فعل ـــ ونحن نقرّ بحكمة المفيد وقدرته على التعاطي بدقّة ومسؤولية مع الواقع ـــ لأنَّ دقّة الوضع وحساسيّته كانت تستدعي منه ذلك، فيما لا يقر ـــ في الوقت نفسه ـــ لسماحة السيّد الأمر نفسه، علماً أنَّنا نعيش في واقع لا تزال إثارة هذه القضايا الخلافية بشكلٍ حماسي يُعدّ تحدِّياً لمشاعر الطائفة التي يتشكَّل منها جمهور كبير في العالَم العربي والإسلامي. هذا، وكيف لنا أن نستعدي كلّ هؤلاء بإثارة الحساسيّات المذهبية في وقت أحوج ما تكون فيه الثورة الإسلامية في إيران إلى ما يوثّق علاقاتها مع الدول العربية لإحباط مخطَّطات الشيطان الأكبر، إضافة إلى الحاجة لدعم المقاومة من هؤلاء، أو على الأقل تفهُّم دورها وجهادها وعدم إثارة ما يستدعي النظر إليها بنظرة مريبة من خلال طروحات لا تقدِّم ولا تؤخِّر إذا ما أُثيرت في الهواء الطلق؟!
ثانياً: نحن نسأل المؤلّف نفسه، كيف سيكون عليه موقفه لو أنَّ سماحة السيِّد عالَجَ موضوعاً تاريخيّاً يتّصل بعصر الإسلام الأوّل ولم يذكر فيه شيئاً عن تفاصيل حادثة السقيفة وكلّ ما يرتبط بشأن البيعة لأبي بكر، كما فعل الشيخ المفيد (رحمه الله)؟ نحن نزعم أنَّ المؤلّف نفسه الذي يعذر شيخ الطائفة على إهماله هذا الأمر في كتاب "الإرشاد"، سيوجّه تهمة رهيبة إلى سماحة السيّد يخرجه فيها عن شيعيّته، فضلاً عن إسلامه، لأنَّها على حدّ منظوماته "المانشاتيتيّة" تُعد من أهم الوقائع التاريخية المتّصلة بثوابت المذهب والتاريخ.
ثالثاً: وإذا كان ما يدَّعيه المؤلّف صحيحاً لجهة حساسيّة المرحلة بالنسبة للشيخ المفيد والتي استدعت منه "التعامل بواقعية هادفة وبمسؤولية ووعي"، فلماذا لم يتصرَّف الشيخ الطوسي إذاً بالطريقة نفسها، وهو كما علَّمنا معاصر للشيخ المفيد بل تلميذه؟ أَلَم يكن أجدر بتلميذ الشيخ المفيد أن يتعامل مع الأمر بالطريقة نفسها، حسب مرتكزات التفكير عند المؤلّف؟ وحسب منطق المؤلّف، يُعَدّ الشيخ الطوسي متهوّراً (والعياذ بالله)، لأنَّه لم يتمتَّع بالحكمة العالية التي كانت عند أستاذه وهذا غير صحيح وغير مقبول.
وفي نهاية الأمر وبعد أن يصُول المؤلِّف ويجول ويحاول أن يُناوِر ويُداوِر حول موضوع مقولات الشيخ المفيد، يطرح رأي شيخ الطائفة في الموضوع، لكن لا يجد في رأيه إلاَّ ما يخيّب ظنّه وتوجّهه واتّهاماته. انظر ماذا يقول الشيخ المفيد في الموضوع نقلاً عن المؤلّف نفسه: "لما اجتمع مَن اجتمع إلى دار فاطمة (عليها السلام)، من بني هاشم وغيرهم، للتحيُّز عن أبي بكر، وإظهار الخلاف عليه، أنفذ عمر بن الخطّاب قنفذاً، وقال له: أخرجهم من البيت؛ فإنْ خرجوا، وإلاَّ فاجمع الأحطاب على بابه، وأعلمهم أنَّهم إن لم يخرجوا للبيعة أضرمت البيت عليهم ناراً.
ثمَّ قام بنفسه في جماعة، منهم المغيرة بن شعبة الثقفي، وسالم مولى أبي حذيفة، حتّى صاروا إلى باب عليّ (عليه السلام)، فنادى: يا فاطمة بنت رسول الله، أخرجي من اعتصم ببيتك ليبايع ويدخل في ما دخل فيه المسلمون، وإلاَّ ـــ والله ـــ أضرمت عليهم ناراً، في حديث مشهور"(1).
هذا ما قاله الشيخ المفيد في الموضوع، وكما يرى القارئ، لم يصرّح شيخ الطائفة مطلقاً بأنَّه حصل ما هو أزيد من تهديد بالحرق. هناك نيّة بالاعتداء، وهذا ما صرَّح به سماحة السيِّد أيضاً، وهناك اتّفاق بين الرأيين بما يسقط ادعاءات المؤلّف بأنَّ سماحة السيّد قد فرَّط بالثوابت والحقائق، بل إِنَّه أقرّ بثوابت وحقائق شيخ الطائفة ولم يدَّعِ أزيد ممّا هو وارد فيمن هو ثقة كلّ المسلمين الشيعة بمن فيهم المؤلّف.
رأي العالِم الحجّة الشيخ محمّد حسين آل كاشف الغطاء
وفي الموضوع عينه، يقول الشيخ كاشف الغطاء (رحمه الله): "أنا لا أبرِّئ هؤلاء القوم، لكنَّ ضرب المرأة كان في ذلك الزمان عيباً، فمن يضرب امرأة يصبح ذلك عاراً عليه وعلى عقبه، ففي نهج البلاغة عن عليّ (عليه السلام): "ولا تَهِيجوا النِّساء بأذى، وإن شَتَمْنَ أَعْراضَكُمُ، وسَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ، فإنَّهُنَّ ضَعِيفاتُ القوى والأَنْفُسِ والعُقُولِ، إنْ كُنَّا لَنُؤْمَرُ بالكَفِّ عَنْهُنَّ وإنَّهُنَّ لَمُشْرِكاتٌ، وإنْ كان الرَّجُلُ لَيَتَناوَلُ المرأَةَ في الجاهِلِيَّةِ بِالْفِهْرِ أو الهِراوَةِ فيُعَيَّرُ بِها وعَقِبُهُ من بَعْدِهِ"(1).
وقال (رحمه الله): ولكنَّ قضية الزهراء (عليها السلام) ولطم خدّها، ممّا لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبَّله عقلي، ويقنع به مشاعري، لا لأنَّ القوم يتحرَّجون ويتورَّعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأنَّ السجايا العربية والتقاليد الجاهلية التي ركّزتها... الخ.

ثمَّ اعتبر أنَّهم لو فعلوا ذلك، لوجدوا من الصحابة من يمنعهم ويردعهم عن ذلك.
"واستدلّ أيضاً بأنَّها (عليها السلام) ما ذكرت أنَّهم قد اعتدوا عليها بالضرب، أو أسقطوا جنينها، ولا أشارت إليه في شيء من خطبها ومقالاتها المتضمّنة لتظلّمها من القوم، وسوء صنيعهم معها، مثل خطبتها في المسجد، بحضور المهاجرين والأنصار، مع أنَّها كانت ثائرة متأثّرة أشدّ التأثُّر.
وقد خاطبت عليّاً (عليه السلام) بأنَّ فلاناً يبتزّني نحلة أبي، وبُلْغة ابنيّ ولم تقل: إنَّه أو صاحبه قد ضربني.
وكذلك الحال حين كلَّمت نساء المهاجرين والأنصار، حيثُ بدأت كلامها بقولها: أصبحت والله عائفة لدنياكنَّ، قالية لرجالكنّ... الخ، فلم تَشْكُ إلاَّ من غصب فدك وغصب الخلافة، مع أنَّ ضربها، ولطم خدّها، وكسر ضلعها، ونبات المسمار في صدرها ـــ لو صحّ ـــ أعظم من غصب فدك.
كما أنَّها حين جاء أبو بكر وعمر، واستأذنا عليّاً، ودخلا عليها لاسترضائها، لم تذكر لهما شيئاً ممّا يُقال إنَّه قد جرى عليها.
وعليّ أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً لم يشر إلى ذلك من خطبه ومقالاته. وقد هاجت أشجانه بعد دفنها، وخاطب النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بقوله: "السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللهِ، عَنِّي وَعَنِ ابْنَتِكَ النَّازِلَةِ في جِوَارِكَ..." الخ.  
ويتابع كاشف الغطاء: "وقد كان المقام يقتضي ذكر ذلك، لو أنَّه قد كان؛ لأنَّه حجّة قويّة عليهم، وفيه إثارة عاطفية ضدّهم من جميع الجهات.. إنَّ هذا الأمر إنَّما صدر عن قنفذ الوردي دون سواه"(1).
وبعد كلّ ما عرضه المؤلّف حول رأي الشيخ كاشف الغطاء في الموضوع وصريح قوله وتشكيكه في ما جرى على السيِّدة الزهراء (عليها السلام) من كسر ضلعها ونبات المسمار في صدرها وإسقاط جنينها، لا يهجم عليه بالنقد والتقريع كما فعل مع سماحة السيّد، علماً أنَّ الكاتب نفسه يصرِّح بأنَّ سماحته إنَّما استدلّ بقول آل كاشف الغطاء، حيث يورد في الصفحة 191: "هذا ـــ ما ذكره كاشف الغطاء، وتمسَّك به وأعاده بعض من يريد التشكيك ـــ (يقصد سماحة السيّد) وإثارة غبار الريب حول هذه القضية"(1). بل إنّ "المحقّق" يذهب بعيداً في الدفاع عن الشيخ كاشف الغطاء والتبرير له، كما فعل مع شيخ الطائفة المفيد، فيقول: "لعلَّ الشيخ كاشف الغطاء يخاطب أولئك الذين يقدّسون هؤلاء المهاجمين، ويرون فيهم معيار الحقّ وميزان الصدق، فأراد إفهامهم حقيقة الأمر، دون أن يثير حفيظتهم وعصبيّاتهم، ولذا نراه يظهر استبعاده لحصول هذا الأمر، ثمَّ يلقي التبعة على شخص لا حساسيّة لهم منه، ولا قداسة كبيرة له في نفوسهم، وهو قنفذ العدوي.. ويؤيّد هذا المعنى أنَّه (رحمه الله) إنَّما كتب ذلك جواباً على سؤال ورد إليه، فهو قد راعى حال السائل، أو الحالة العامّة التي لا يريد أن يثير فيها ما يهيج أو يثير، لاسيّما مع ما ظهر من اهتمامه الكبير بأمر الوحدة فيما بين المسلمين"(2).
انظر أيُّها القارئ اللّبيب كيف يحاول المؤلّف أن يجد الأعذار، بل أنْ يتبرَّع أحياناً بافتعالها دون أن يجد حرجاً في ذلك، مع أنَّ كلّ ما يؤسّس عليه تبريراته ليس سوى افتراضات يدّعيها ويسعى إلى بناء تبريراته عليها، في حين أنَّه يعلم علم اليقين أنَّ سماحة السيّد متصدٍّ عملياً لمسألة الوحدة الإسلامية في منطقة حسّاسة مثل لبنان والعالم العربي، ومع ذلك لا يرى له المؤلّف عذراً على الإطلاق، بل يأخذ عليه في مكانٍ آخر من الكتاب، مراعاته ـــ ولو الشكلية ـــ لمشاعر الطوائف الإسلامية الأخرى، حين يتحرّج من إثارة ما من شأنه تهييج الجراح أو استثارة مشاعر النّاس وعواطفهم حول هذا الموضوع.
هل يحقُّ للباحث أن يكيل رأيين، يحكمهما منطق واحد وظروف متشابهة، بمكيالين يبرّر فيه للأوّل ويهجم فيه على الثاني. نعم، ربَّما يجوز له ذلك إذا كان معقَّداً من أحدهما ويريد أن يفتري عليه، ومن يدري، لعلَّ ذلك من أصول البحث العلمي في مناقشة مثل هذه المسائل ونحن نجهل ذلك؟!
طرائف
1 ـــ ومن الطريف أنَّ المؤلّف يستدلّ بصدق الحديث على ضرب عمر لفاطمة (عليها السلام) بقوله: "وكان عمر نفسه يعذّب جارية بني مؤمل أيضاً؛ فكان يضربها حتّى إذا ملَّ قال: إنّي أعتذر إليك، إنّي لم أتركك إلاَّ ملالةً"(1).
نحن نسأل المؤلّف: أهكذا يستدلّ على ضرب سيّدة نساء العالمين ومن هي أفضل الأولين والآخرين؟ أنستدلّ على مظلوميّتها بمساواتها بخادمة ـــ بجارية بني مؤمل؟ أيّ حبّ للزهراء (عليها السلام) هو الذي يكنّه الكاتب للزهراء (عليها السلام)، وكيف سنصدّق أنَّه يدافع عن حرمة السيّدة العظيمة وهو لا يتورَّع عن مساواتها بجارية؟ نحن لا نحتقر الجارية كإنسانة لها كلّ الحقوق الإنسانية ومذموم من يضربها بالشكل الذي يتحدَّث عنه المؤلّف، إنَّما السيّدة الزهراء أَجَلّ مِن أن تضرب كما يضرب الخدم وأرفع من أن تقرن إلى نظائر من يقرنها بهنَّ المؤلّف.
2 ـــ يقول المؤلّف في معرض تبريره لعدم احتجاج السيّدة الزهراء (عليها السلام) على مظلوميّتها بكسر ضلعها وإسقاط جنينها أو إنبات المسمار في صدرها أمام القوم بقوله: "إنَّه لا تصحّ مقولة إنَّ عدم الاحتجاج تلازم عدم وقوع الحدث؛ إذ إنَّ الحدث يقع ثمَّ تحصل موانع من ممارسة الاحتجاج به.. قد ذكرنا أنَّها (عليها السلام) لو جعلت هذا الأمر محور اعتراضها على الغاصبين للخلافة، فإنَّها تكون قد وقعت في محذور تضييع القضية المحورية الكبرى، وهي قضية الخلافة؛ لأنَّهم سوف يتمكَّنون من أن يصوِّروا للنّاس أنَّ النزاع معها (عليها السلام) نزاعٌ شخصي على أمورٍ صغيرة، ولن يعود نزاعاً على الدين، أو على ما هو أحقّ بالخلافة، أو على مصلحة الأمّة"(1).
وفي مناقشة ما أورده المؤلّف أمور:
أوّلاً: لا ندري ما هي هذه الموانع التي يذكر المؤلّف أنَّها حصلت وحالت دون احتجاج السيّدة الزهراء (عليها السلام)، علماً أنّها في معركتها مع غاصبي الخلافة من الإمام عليّ (عليه السلام) تحتاج إلى كلّ ما يُدين هؤلاء لكي تظهر زيف ادّعاءاتهم وظلمهم وعدم تورّعهم عن ضربها فضلاً عن غصب الخلافة من زوجها عليّ (عليه السلام)!
ثانياً: إذا كانت لم تذكر أمر إسقاط جنينها وإنبات المسمار في صدرها لأنّها لا تريد أن تزجّ المسائل الشخصية في أمرٍ عام يُطاول قضية قيادة الأُمّة وخلافة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فلماذا تحدّثت عن فدك إذاً؟ وهل أنَّ سلب فدك قضية إسلامية عامّة أم هي مظلومية خاصّة بالسيّدة الزهراء (عليها السلام) ذكرتها أمام القوم مقرونة بغصب الخلافة لتؤكّد أنَّ الذي يسرق الكبيرة يسرق الصغيرة وأنَّ مَن يغتصب الأرض بعد أن أورثها لها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) هو نفسه من يغتصب الخلافة الذي نصَّ عليها الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) للإمام عليّ (عليه السلام)، إنفاذاً لأمر الله عزَّ وجلّ.
ثالثاً: يقول المؤلّف أيضاً في معرض تبريره لعدم ذكر السيّدة الزهراء (عليها السلام) للأمر: "لم يكن الموقف يتحمَّل إثارة العواطف، بل كان لا بدَّ من المداراة وتهدئة العواطف الثائرة، حتّى لا يبلغ السيل الزبى، ويقع في مخالفة أمر رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) له بالسكوت، وعدم المواجهة المسلَّحة لهم، لِمَا في ذلك من إضعاف للدّين، وتهيئة لأجواء الردّة عن الإسلام، كما صرَّح به أمير المؤمنين (عليه السلام) في نهج البلاغة وغيره"(1).
وهنا نقول: إذا كان هذا الأمر العظيم لا يستدعي تحريك مشاعر الناس باتّجاه مظلومية أهل البيت (عليهم السلام)، فأيّ أمرٍ يحرّك هذه المشاعر؟ هل يحرِّكها قضية غصب الخلافة وقد بايع معظم الناس أبا بكر؟ وهل أبلغ من أن يُقال إنَّ عليّاً (عليه السلام) رَفَضَ البيعة لأبي بكر فقام الأخير بالتعاون مع عمر واعتدى على منزله بالحرق وعلى زوجته بالشتيمة والضرب وعلى حقِّ الزهراء (عليها السلام) بفدك بالاغتصاب؟! أم أنَّ المؤلّف يريد تبرير أمر اغتصاب الخلافة من الإمام عليّ (عليه السلام) لأنَّ أجواء الردّة عن الإسلام قد بدأت؟ فهل أنَّ الكاتب يريد القول إنَّ الإمام أخطأ في عدم البيعة لأبي بكر، وكان أَوْلى به أن يُبايع بدل أن يشغل الخليفة الجديد بأمر يُشجّع به أصحاب الردّة ويعطيهم الحجّة على ارتدادهم؟!! أم أنَّ المؤلّف يريد أن يستدلّ بأمرٍ واحد على الشيء ونقيضه؛ فمرّة يسوق القول ويحشد الأحداث باتّجاهٍ معيّن ومرّة أخرى باتّجاهٍ آخر، وفي القولين والسياقين يريدنا أن نسلِّم معه ونهزّ برؤوسنا شاكرين على إنجازاته العظيمة؟!
رأي العالِم الحجّة السيِّد عبد الحسين شرف الدين
حول رأي السيّد عبد الحسين شرف الدين ينقل المؤلّف عن سماحة السيّد أنَّ العالم العلم الحجّة السيّد عبد الحسين شرف الدين قال له: "الثابت عندنا أنَّهم جاؤوا بالحطب ليحرقوا باب البيت، فقالوا: إنَّ فيها فاطمة، قال: وإن..."(1).
وقد حاول الكاتب في مداخلات كثيرة أن يقلِّل من أهمية هذا القول وعدم صدقيّته، وذلك بسبب نقل سماحة السيّد لهذا الأمر مشافهة عن لسان السيّد شرف الدين، إذ يكمن إشكال المؤلّف في أنَّ سماحة السيّد كان في سنّ السبعة عشر عاماً حينها أي في عمر المراهقة حيثُ "لم ينقل لنا أحدٌ من العلماء الآخرين أنَّه قال له"(2)، فلماذا اختصّ السيّد شرف الدين سماحته بهذا الأمر وهو لم يتجاوز هذه السنّ؟!
ولمناقشة هذا الردّ نتساءل:
أوّلاً: أين الإشكال في أن يكون عمر سماحة السيّد سبعة عشر عاماً حين سمع من السيّد شرف الدين ما سمع حول قضية السيّدة الزهراء (عليها السلام) وإن كان إشكاله في صغر سنّ سماحته، فنحن نعلم أنَّ العديد من علمائنا الكبار كان لهم مآثر كبيرة في مثل هذه السنّ، وكما يعلم المؤلّف، فإنَّ آية الله السيّد محمد باقر الصدر قد ألَّف أهم كتبه وهو في سنّ صغيرة جداً وأنَّ غيره من علمائنا الأفاضل قد نبغوا في سنواتهم المبكرة من العمر، ولا يجب أن يغيب عن بالنا أنَّ المؤلّف دافع عن ابن عمر وهو يعظ والده في سنّ لا تتجاوز سنواته عدد أصابع اليد الواحدة (الخمسة).
ثانياً: أمّا عن تساؤل المؤلّف عن الداعي في أنَّ السيّد شرف الدين قد اختصّ سماحة السيِّد بهذا القول مع صغر سنّه، فربَّما كان للأسباب المتقدّمة نفسها، أي لأنَّ سماحة السيّد في مثل هذه السنّ كان من النبهاء الذين يُناقَشُ معهم مثل هذه الأمور، وهو طبعاً حين ناقشه بالأمر أو سمع منه هذا الموضوع، لم يكن السيِّد شرف الدين في معرض مَن يفشي سرّاً، وإنَّما مَن يدلي بقناعة راسخة حول هذا الموضوع، وإذا كان المؤلّف لم يسمع بمثل هذا القول من أحدٍ من العلماء الآخرين، فذلك لأنَّه لم يسأل أحداً من هؤلاء العلماء عن الموضوع.
ثالثاً: يقرن سماحة السيِّد كلامه بدليلٍ، وهو أنَّ السيِّد شرف الدين لم يذكر ما يزيد عن أنَّهم: "جاؤوا بالحطب ليحرقوا باب البيت"، لا في كتابه (النصّ والاجتهاد) ولا في (المراجعات)...
ويؤكِّد كلامه في "هامش كتابيه (المراجعات، والنصّ والاجتهاد): تهديدهم عليّاً بالتحريق ثابت بالتواتر القطعي"(1)، وهذا نهاية الموضوع عند السيِّد شرف الدين.
ومع ذلك، فإنَّ المؤلّف لا يعدم له عذراً، لأنَّه لم يتعدَّ قوله ذلك، ويفترض أنّه تحاشى ذكر المزيد، "إذ لعلّه (رحمه الله) لم يكن في مقام نفي الثبوت لما سوى التهديد بالتحريق، بل كان (رحمه الله) يريد التأكيد على ثبوت هذا الشقّ والسكوت عمّا عداه لمصلحة يراها في هذا السكوت، هي نفس المصلحة التي منعته عن الدخول في تفاصيل هذا الأمر في كتبه"(2).
ونحن نتساءل هنا، ما هذا المنطق العلمي الذي يفترض لأحد أنَّه سكت عن شيء أراد قوله في حين كلّ الدلائل والبيِّنات تثبت أنَّه قال كلَّ ما عنده؟ أَبِالْقُوّة تُقوِّل الناس أو العلماء أقوالاً لم يقولوها وتقرّر أنَّهم سكتوا عنها لمجرّد أنَّك لا ترى ما يرون؟!!
إنَّها بدعة لم نعهدها من "محقّق" لا في الأوّلين ولا في الآخرين.
هذا، وبعد أن ييأس المؤلّف من إيجاد أيّ جديد يوافق ما ذهب إليه، يلجأ إلى التبري الذي عهدناه عنه في معالجاته السابقة لمقولات الشيخ المفيد والشيخ كاشف الغطاء، فيقول عن السيِّد شرف الدين: "فربَّما كانت له (رحمه الله) انشغالات كبيرة وكثيرة تحجزه عن التتبُّع في كثير من القضايا التي تحتاج إلى ذلك، إذا كانت لا تقع في دائرة اهتماماته الفعلية"(3).
ومن المؤسف هنا أن يَعذُرَ السيّد شرف الدين بقوله إنَّ هناك قضايا لا تقع في دائرة اهتماماته الفعلية، فيما رفع الصوت قبل قليل ليشنَّ هجوماً على سماحته حين تحدَّث عن قضية قائلاً إنَّها "خارج اهتماماته".  
نتيجة عرض آراء العلماء
النتيجة الأكيدة التي نصل إليها بعد عرض آراء العلماء، من الشيخ المفيد إلى السيِّد شرف الدين مروراً بالشيخ آل كاشف الغطاء، تبيِّن هشاشة الإجماع الذي يتحدّث عنه المؤلّف أو على الأقلّ خدش هذا الإجماع المزعوم، وبالتالي، فإنَّ التمسُّك بأقوال مثل "أجمع العلماء" و"أجمعت الطائفة"، وغير ذلك من العبارات الجازمة والحاسمة، يصبح أمراً غير ذي فائدة علمية، وهو قولٌ مبالغ فيه، كما ثبت بالبيّنة والدليل، وأكثر من ذلك، يبطل قول المؤلّف بأنَّ النقاش حول هذه القضايا يُعدُّ من التشكيكات بثوابت الدين والعقيدة والمذهب والتاريخ ويرد قول القائل عليه، ويظهر الأمر كأنَّه مبارزة شخصية من المؤلّف مع سماحة السيّد لا ندري مَنْ مِنَ العلماء والناس يأبه بها ويعوِّل فيها على أسلحة المؤلّف الصدئة.











الفصل الخامس



ذو الفقار على ذي الفقار






كتاب ذو فقار!
يُورد المؤلّف فصلاً كاملاً يُعيد فيه تكرار أمور سبق أن تطرَّق إليها في مكانٍ سابق من الكتاب نفسه في الجزء الأوّل عينه، وكما هو معلوم، فإنَّ تكرار الحديث عن أمرٍ واحدٍ في كتابٍ واحد في موضعين مختلفين، هو من العيوب الكبيرة التي تؤخَذ على الكتب "العلمية"، لكنَّ المؤلّف رغم ادّعائه بعلمية كتابه والبحوث التي وردت فيه، فإنَّه لا يتورَّع "علمياً" عن إعادة تكرار أمور سَبَقَ أن تطرَّق إليها بإسهاب في البدايات، ونحن لا نرى لهذا الأمر سوى سببين لا ثالث لهما:
الأوّل: هو تطويل الكتاب وجعله يحوي عدداً أكبر من الصفحات، خاصّة وأنَّ المؤلّف أخذ على عاتقه أن يكون الكتاب المراد الهجوم به على سماحة السيِّد ذا جزءين، ولا ندري إنْ كان ذلك تيمُّناً أيضاً بسيف الإمام عليّ (عليه السلام) ذي الفقار، لكن شتَّان بين "ذي الفقارين" فإنَّ "ذا الفقار" الإمام كان سيفاً مسلَّطاً على أعداء الإسلام والقرآن والأُمّة وذوداً عن حياض المسلمين، وقبلها عن رسول الإسلام الدّاعي إلى الله الصادق الأمين، أمّا ذو الفقار (الكتاب)، فهو مُسَلَّطٌ في الاتجاه المعاكس لذي الفقار الإمام، أي إلى صدر أحد أعلام الأُمّة وفقيه كبير من فقهائها، له في رسول الله أُسْوَةٌ حَسَنَة، وهو أيضاً مُسَلَّط على الوحدة الإسلامية لما ورد فيه من مغالطات ومسائل لا تفيد وحدة الأُمّة بقدر ما تفيد تعويم الحساسيّات التي عملت الزهراء والأئمّة (عليهم السلام) للحؤول بينها وبين تحقّق مشروع الأُمّة الواحدة.
الثاني: أن يكون هذا الفصل(1) من إعداد أحد الممدوحين في مقدّمة المؤلّف والذي تعهَّد الكاتب بإدراجه في كتابه حتّى لو أدَّى ذلك إلى التكرار المملّ والمخلّ في آنٍ معاً، وهو الأرجح.

طرفة مقيتة
ومع ذلك، فإنَّ هذا الفصل لا يخلو من طرفة مقيتة لم يلتفت الكاتب إلى أنّها تُسيء إلى الإمام عليّ (عليه السلام) بما لا يليق به بأيِّ حالٍ من الأحوال، وهذه الطرفة المقيتة جاءت في نصّ المؤلّف كما يلي:
"وبالإسناد المتقدِّم، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه (عليهما السلام)، أنَّ فاطمة بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، دخل عليها عليّ (عليه السلام)، وبه كآبة شديدة، فسألته عن ذلك فأخبرها أنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) سألهم عن المرأة: متى تكون أدنى من ربِّها؟ فلم ندر. فقالت: ارجع إليه فأعلمه أنَّ أدنى ما تكون من ربِّها أن تلزم قعر بيتها. فانطلق فأخبر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فقال: ماذا؟ من تلقاء نفسك يا عليّ؟ فأخبره أنَّ فاطمة (عليها السلام) أخبرته، فقال: صدقت، إنَّ فاطمة بضعةٌ مني"(2).
إنَّه لمن المستغرب أن يلجأ المؤلّف إلى مثل هذه الرواية التي نستهجنها جملةً وتفصيلاً، ومنشأ استهجاننا لها ناشئ عن كونها تُسيء بشكلٍ مباشر للإمام عليّ (عليه السلام) وتجعله كبقيّة الناس عاجزاً عن الإجابة على سؤال بسيط توجّه به رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إليه فلم يستطع إلى جوابه سبيلاً، ولعلَّ القارئ يرى معنا في هذه الرواية أموراً:
أوَّلاً: كيف يصدق عن عليّ (عليه السلام) عجزه عن الإجابة على سؤال، وقد حدَّثنا الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنَّه باب مدينة العلم الكبرى ومكمن سرّ رسول الله وأخو مهبط الوحي والتنزيل.
كيف يعجزه هذا السؤال وهو القائل: "أيُّها النَّاسُ، سَلُوني قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُوني، فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الأرض"(1).
ثانياً: إذا كان الإمام عليّ (عليه السلام) لم يستطع الإجابة على سؤال الرسول لكانَ الأجدى به أن يقول: لا أعلم، زدني يا رسول الله من علمك الذي علَّمك إيَّاه الله، بدل أن يكتئب كما في رواية المؤلّف وكأنَّه يريد الإيحاء أنَّ في الأمر "حزّورة"، وأنَّ "الشاطر" مَن يجد لها حلاًّ قبل الآخر، علماً أنَّ فحوى الرّواية تقرن عليّاً (عليه السلام) بغيره من الناس أو الأصحاب لقوله: "فلم ندر"، وهي كناية عن مجموعة، أو على الأقلّ أكثر من واحد أعجزهم هذا السؤال!!!
ثالثاً: هذا، ولم نعهد بالرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مخاطبته أخاه عليّاً (عليه السلام) بهذه الطريقة وهو "خير خلق الله ومتمِّم مكارم الأخلاق" حتّى يقول: "ماذا؟ من تلقاء نفسك يا عليّ"، بما يصوِّر الإمام عليّاً (عليه السلام) والعياذ بالله، بأنَّه ذاك التلميذ الكسول الذي ينقل الإجابة عن غيره في الامتحان!! إنَّه حقّاً لأمرٌ مستهجن ومُستنكر لا يجوز على الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ولا على عليّ (عليه السلام) وهما مدينة العلم وبابها.
رابعاً: ليس بهذه الطريقة تمتدح الزهراء (عليها السلام)، ولا هي تقبل أن يكون عليّ (عليه السلام) على هذه الدرجة من العجز عن سؤال بسيط كالّذي تورده الرواية، لعلَّه كان أجدى بالمؤلّف التدقيق أكثر بالرواية وعرضها بشكلٍ أفضل على "ثوابت الدين والعقيدة"، لأنَّها أَخَلَّتْ بأمرٍ ثابت من هذه الثوابت وهو مقدرة إمام الأئمّة عليّ (عليه السلام).


غيرة عليّ (عليه السلام) على الزهراء (عليها السلام)
جاء للمؤلّف في الفصل السابع "لماذا تفتح الزهراء (عليها السلام) الباب"(1)، وتحت عنوان: "أين هي غيرة عليّ (عليه السلام) وحميّته؟" ما يلي: "قد رأى البعض: أنَّ جلوس عليّ (عليه السلام) في داخل البيت، وتركه زوجته تُبادر لفتح الباب، يتنافى مع الغيرة والحميّة، وهل يمكن أن يصدر مثل ذلك من عليّ عليه الصلاة والسلام؟!"(2).
ويردّ المؤلّف على ذلك بالقول: "المهاجمون هم الذين اعتدوا وفعلوا ما يُخالِف الدين والشرع والغيرة والحميّة، وحتّى العرف الجاهلي، أمّا عليّ (عليه السلام) فلم يصدر منه شيء من ذلك، بل هو قد عمل بتكليفه، والزهراء (عليها السلام) عملت بتكليفها، والخلاف والتعدّي قد جاء من قِبَل المهاجمين"(3).
وفي مناقشة هذا القول أمور:
أوّلاً: إنَّ قول المؤلّف بأنَّ المهاجمين هم الذين خالفوا تكليفهم واعتدوا على الزهراء (عليها السلام)، هو من نوافل الكلام، لأنَّه تحصيل حاصل وبات معروفاً للقاصي والدّاني ولا يحمل جديداً، ولا وجه للمقارنة بين تكليفهم الشرعي وتكليف الإمام عليّ (عليه السلام) والزهراء (عليها السلام) الشرعي.
ثانياً: قوله إنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) قد عمل بتكليفه الشرعي في سكوته على ما حصل للسيّدة الزهراء (عليها السلام)، أمرٌ مريب، لأنّه لا يعقل بحالٍ من الأحوال أن يكون تكليف الإمام عليّ (عليه السلام) الشرعي هو السكوت على أذيّة زوجته بنت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأن يترك من يريد هتك حرمتها يفعل ما يريد وهو جالسٌ في مكانه يسمع ويرى ولا يُحرِّك ساكناً(1). إنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) أجلُّ ممّا يحاول أن يصفه به المؤلّف وأعلى شأناً من أيِّ إنسان يملك حميّة الدفاع عن الضعفاء ومهضومي الحقوق أو المعتدى عليهم، فكيف إذا كان هذا المظلوم هو أشرف خلق الله وأعزّهم عليه وعلى نبيّه؛ فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟! نحن نستغرب كيف يكون تكليف رجل كالإمام ـــ صلوات الله وسلامه عليه ـــ هو أن يسكت عن فعل أولئك المعتدين؟!
هذا، وهل يقنع هذا الكلام عاقلاً، كائناً مَن كان؟ أمّا أن ينسب الكاتب إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنَّه هو من طلب إليه السكوت، فهذا خلاف العقل والمنطق، وحاشا لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أن يصدر عنه ذلك؟ ومتى كان الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يستعطف بتركهم يهيجون ويظلمون ويعتدون دون أن يقول كلمته الصارخة في وجههم ودون أن يلقِّمهم حجراً في أفواههم وأياديهم، فكيف إذا كان ذلك بحقّ ابنته الزهراء (عليها السلام)؛ بضعته الشريفة ونفسه الزكيّة وفي داخل بيتها؟!
ومتى عُرِفَ عن الإمام عليّ (عليه السلام) تفريطه بوديعة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وتركها تُهان وتؤذى دون أن يقلب الأرض على رؤوس هؤلاء؟ وهل الدين إلاَّ تلك المكارم التي ما عهدناها عند أحد كما كانت عند الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والإمام عليّ (عليه السلام).
ثالثاً: يصف المؤلّف السيِّدة الزهراء (عليها السلام) وهي تتعرَّض للأذى بأنَّها قد عملت تكليفها الشرعي، ونحن نجد هذا الأمر مستغرباً ومستهجناً، إذ كيف يمكن أن يكون تكليف الزهراء (عليها السلام) الشرعي هو أن تُظلَم وتُضرَب في بيتها وأن تستسلم لهذا الظلم بملء إرادتها وأن يكون تكليف الإمام عليّ (عليه السلام) أن يتركها عرضة للظلم؟ أيُّ منطق هذا الذي يحاول المؤلّف أن يقنعنا به؟ ونحن نتساءل: لأيِّ أمرٍ يكون تكليف هؤلاء الشرفاء أن يُظلَموا، وإذا كان ذلك لتبيان حقّ الإمام في الخلافة، فإنَّنا لا نوافق على ذلك لسببٍ مهمّ جداً، وهو أنَّنا نعتبر حجّة الإمام بالغة إلى درجة اليقين، وأنَّ الطريق للوصول إلى هذا الحقّ لا يكون بهذه الطريقة التي تحرج الإمام والزهراء (عليها السلام) معاً، وأكثر من ذلك نقول: هل عُدم الإمام والزهراء (عليهما السلام) وسيلة لإظهار الحقّ حتّى يلجأوا إلى هذه الطريقة من التعاطي مع الظالمين؟؟!
إنَّنا نشكّ في ذلك، وليس هكذا يأخذ أئمّتنا حقوقهم، فقد عملت الزهراء (عليها السلام) على تبيان حقّها بالطرق الأكثر إقناعاً والأكثر قوّة والأكثر عزّة، وذلك حين خرجت إلى الناس في المسجد، وحين اجتمعت بنساء المسلمين، وحين طالبت بكلّ قدرتها وبالحجّة الدامغة بمسألة الإمامة التي هي شأن المسلمين عامّة ومسألة "فدك" التي تهمّها بشكلٍ خاص. ولم نعهد الزهراء ولا الإمام عليّاً ولا أحداً من الأئمّة (عليهم السلام) قد "تمسكن" (من المسكنة والضعف) بهدف تبيان حقّه، بل كانوا دائماً الأعزّة وأصحاب الهامات المرفوعة، حتّى عندما كانوا يسلبون حقوقهم ويتعرّضون لأذيّة الظالمين وظلمهم.
كلام مستغرَب في حقِّ عليّ (عليه السلام)
يقول المؤلّف: "إنَّه لا شكّ في أنَّ أحداً منّا لا يقبل بأن تُهاجَم زوجته، أو أمّه، أو أخته، وهو قاعد في البيت يقول: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله.. ولو فعل ذلك لقال النّاس عنه: إنَّه جبان قطعاً، ولقلنا نحن عنه ذلك أيضاً.. ولكن إذا كان المهاجمون يريدون استدراجنا لمعركة، أو إثارة أحاسيسنا، لكي نتشنَّج، ونتصرَّف بردّة الفعل، ومن دون وعي لنتائج تصرُّفاتنا؛ فإنَّ الكلّ سوف يلومنا إذا استجبنا لاستدراج هؤلاء المهاجمين وحقَّقنا لهم أهدافهم.. والمهاجمون كانوا يريدون ذلك من عليّ (عليه السلام)، ولو أنَّ عليّاً استجاب لهم، لضاعت فرصة معرفة الحقّ، ولأمكنهم أن يمتلكوا كلّ الأسهم الرابحة وكلّ إمكانات التشويه والتزييف للحقيقة.."(1).
إنَّ هذا الكلام الذي صدر عن المؤلّف بحقِّ الإمام عليّ (عليه السلام) لهو أغرب ما سمعناه بحقّ إمامنا الأوّل وأخي رسول الله وحافظ سرِّه. كيف يكون هذا الذمّ للإمام عليّ (عليه السلام) وبهذه الطريقة دون أن يرى المؤلّف حَرَجاً في ذلك؟ كيف يتصوَّر الكاتب أنَّ الإمام عليّاً يمكن أن يسكت على ظلم الظالمين ويكون ذلك تكليفه الشرعي ـــ على حدِّ زعم المؤلّف ـــ؟
هل أنَّ إمامنا يمكن أن يتصرَّف بطريقة "متشنِّجة وردّة فعل، ودون وعي لنتائج تصرّفه"(1)؟ ومتى كان يصحّ أن يُقال عن الإمام عليّ (عليه السلام) ما يقوله المؤلّف؟ هذا من جهة.
ومن جهةٍ ثانية، كيف يتقبَّل الناس موقف الإمام فيما لو صحَّ قول المؤلّف، وهو المعروف بحميّته وبطولته؟ ألاَ يدعو الموقف للريبة من الإمام كما يصوّر مواقفه الكاتب، وأنَّه يجلس في المنزل ينظر إلى زوجته تظلم وهو لا يُحَرِّك ساكناً؟ أليسَ من الممكن أن يقول النّاس: كيف يمكن أن يكون عليّ (عليه السلام) إمام المسلمين وهو عاجز عن الدفاع عن زوجته وهي تضرب أمام عينيه؟
وإذا كان سكوته ـــ على حدِّ ما يدَّعي المؤلّف ـــ بهدف "عدم ضياع الحقّ"(2) في إمامة الأُمّة، فكيف سيقتنع الناس أنَّ الإمام جدير بهذه الإمامة وهو على هذه الصورة التي يقدّمها عنه المؤلّف؟!
نعم، لو كانت الزهراء قد لاقت ما لاقت وهو خارج المنزل ولم يشاهد الإمام ما جرى عليها، لكان يصحّ القول إنَّه لم يُطالب بالأمر بغية عدم اعتبار الأمر شخصياً، في حين أنَّ الأمر يستدعي ما هو أكبر وأهم من الاستنصار لموضوع شخصي مهما كانت درجة أهميّته وأحقيّته، أمّا وأنَّ الزهراء (عليها السلام) تضرب على مرأى ومسمعٍ منه فكيف سيخدم هذا السكوت على الظلم موضوع الإمامة؟! كيف؟!
على العكس تماماً، إنَّ ما يخدم قضية الإمامة ـــ لو صحَّت رواية المؤلّف ـــ هو أن يُبادر عليّ (عليه السلام) إلى منع الظالمين من أذيّة الزهراء (عليها السلام) وأن يستفيد من عملية الاعتداء على الزهراء (عليها السلام) في تبيان مظلوميّته في المسألتين معاً. نقول إنَّه لو كان تكليف الإمام الشرعي هو أن يسكت على ظلم الزهراء (عليها السلام)، فهل تكليفه أيضاً أن لا يُجيِّر هذا الاعتداء لتجييش الناس ضدّ هؤلاء الظالمين وكشف نواياهم ومخطَّطاتهم وإعطاء المثل الحيّ على قباحة أفعالهم وسوق موضوع الاعتداء على الزهراء (عليها السلام) كدليل على أنَّهم لا يتورَّعون عن الاعتداء عليه في سلب إمامة الأُمّة منه؟!
الخدر وفتح الباب
وينسب المؤلّف إلى سماحة السيِّد ما يلي: "ويقول البعض: إذا كانت الزهراء (عليها السلام) مخدّرة، فكيف تُبادر هي لفتح الباب؛ فإنَّ التي لا ترى الرِّجال ولا تُقابل أحداً، لا تفعل ذلك.."(1).
انظروا كيف يُناقش المؤلّف هذا القول: "هل المخدّرة لا يحقّ لها أن تُدافع عن نفسها، لو هوجمت، أو عن ولدها وزوجها، أو عن شرفها، أو دينها ورسالتها؟!"(1).
وفي هذا القول ما يُناقض قولاً سابقاً للمؤلّف جاء فيه: "إذاً كيف يقول إنَّ الزهراء (عليها السلام) قد قامت بواجبها وعملت بتكليفها"(2) الشرعي حين فتحت الباب وهي تعلم أنَّه سيقع عليها الظلم دون أن يصدر منها مواجهة عنيفة، في مواجهة الآخرين الذين مارسوا العنف عليها، وكيف يتساءل هنا، عمّا إذا كان لا يحقّ للمخدّرة أن تدافع عن نفسها؟ هذا أمرٌ. الأمر الآخر، أنَّه يحقّ للمرأة أن تدافع عن زوجها ونفسها في حال كان الزوج يشارك الزوجة في المواجهة جنباً إلى جنب ووجدت أنّ الآخرين قد أجهزوا عليه دونما قدرة على ردِّ العدوان نفسه، أمّا وقد جَلَسَ الإمام في المنزل دون أن يُبادر إلى أيّة حركة، كما يصوّره المؤلّف، وتقوم الزهراء (عليها السلام) للدفاع عنه، فهذا ما لا يجوز الكلام فيه، لا على الإمام عليّ (عليه السلام) ولا على السيِّدة الزهراء (عليها السلام) أيضاً.
ولا يكتفي المؤلّف بذلك، بل يُسارع إلى الاستشهاد بفتح الزهراء (عليها السلام) للباب بالقول: "لقد كان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يأمر بعض زوجاته وأم أيمن بأن تجيب مَن كان يطرق عليه الباب حين يقتضي الأمر ذلك. وهل هناك أغير من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)؟"(3).
نقول: لا، ليس هناك أغير من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) على نسائه، لكنَّ في هذا الرأي أموراً:
أوّلاً: حين كان رسول الله يأمر بعض نسائه بفتح الباب، لم يكن في ذلك الحين ينتظر مَن يأتي ليعتدي عليه وعلى حرمه. ونحن نجزم أنَّه لو علم يوماً أنَّ أحداً جاءه طارقاً الباب ليعتدي على أيٍّ من زوجاته، لَمَا تردَّد لحظة في فتحه بنفسه ولجعل الطارق ينال ما يستحقّ من الجزاء، بل ربَّما كان قتله إذا كان الأمر يستدعي دفاعاً عن النفس.  
ثانياً: ليس هناك أيّة امرأة في العالم تساوي الزهراء (عليها السلام) في المكانة والرفعة، ولا يحقّ لأحد أن يساويها حتّى بنساء النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فإنَّ الزهراء (عليها السلام) ليست كأحدٍ من النِّساء، بل هي سيّدة نساء العالمين وبضعة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأُمّ أبيها، لذلك فإن كان من شأن أيٍّ من نساء النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أن تفتح الباب على الطارق الغريب، فليس بالضرورة أن يكون ذلك شأن الزهراء (عليها السلام).
ثالثاً: المؤلّف ينقل عن الزهراء (عليها السلام) أنَّها قالت: "خيرٌ للمرأة أن لا يراها الرّجال ولا ترى الرّجال"(1). فمن الأولى إنْ كان هذا الحديث صحيحاً، أن لا تفعل ما فعلته حين فتح الباب، وإلاَّ تكون قد خالفت ما هو خيرٌ لها، وهذا ما لا نراه في سيِّدة نساء العالمين، وإذا كان المؤلّف يصرّ على أنَّ الحديث صحيح، فكيف يجمع بين القولين، إذ لا بدَّ له من التشكيك حتّى في الروايات الواردة عنها أنَّها خرجت إلى المسجد وقابلت أيّاً من رجال المسلمين، وهذا غير صحيح.
وبعد، انظروا كيف يفيض التناقض من آراء المؤلّف بين ما سبق أن قاله وحاجَجَ به وفي ما يلي:
"ولنفرض جدلاً صحّة ما يقوله هذا البعض من أنَّ القوم كانوا يحترمون الزهراء (عليها السلام) ويقدّرونها، فلماذا لا يفترض أيضاً أن يكون الهدف من إجابة الزهراء (عليها السلام) لهم على الباب هو الاستفادة من مكانتها وموقعها لدفعهم بأسهل الطرق وأيسرها؟! وهل ترى أنَّ مكانتها واحترامها دفع عنها هجوم القوم وأذاهم؟!"(1).
لو أجابتهم فضّة
انظر معي أيُّها القارئ اللّبيب مستوى تهافت هذا المنطق الذي يعرض فيه المؤلّف قضية فتح الباب حين جاء المهاجمون يريدون أن يرغموا الإمام عليّاً (عليه السلام) على مبايعة أبي بكر.
يُورد المؤلّف ما يلي: "وحتّى لو أنَّ فضّة هي التي أجابتهم على الباب؛ فإنَّ الأمر لا يختلف عمَّا ذكرناه، لأنَّ إجابتها لن تعرِّف الناس على حقيقة ما يكنّ أولئك القوم من حرص على هذا الأمر، وإصرار أكيد على ابتزاز وانتزاع الحقّ من صاحبه الشرعي، وقد كان بإمكانهم إزاحتها عن طريقهم بأسلوب لن يكون له دور في جلاء الصورة، ولا في معرفة الحقيقة، إذ يمكن أن يتَّهموها هي بأنَّها قد واجهتهم بطريقة غير مؤدَّبة ولا أخلاقية"(2).
ماذا نستفيد من هذا الكلام على ضوء فهم المؤلّف للمسألة؟
نفهم شيئاً واحداً هو أنَّ الإمام عليّاً (عليه السلام) هو الذي خطَّط لأن تقوم فاطمة (عليها السلام) بفتح الباب وهو يعلم أنَّها ستُضرَب وتُظلَم وتُهان، وأنَّ الإمام أراد أن يحصل للزهراء (عليها السلام) هذا الظلم، لأنّه لو حصل لغيرها لم يكن له فائدة تُذكر!!!
أيُّ منطق هذا الذي يقدّم فيه المؤلّف الإمام عليّاً (عليه السلام)، إنساناً يستغلّ ابنة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ويجعلها طعماً للمهاجمين ويقدّمها إليهم فريسة لهجومهم وهو يجلس في المنزل يرقب ما يحصل بأعصابٍ باردة، ولا يتدخَّل، لأنَّ تدخّله سيؤدّي إلى إفشال مخطّطه المبرّر! فيجب أن تُظلَم الزهراء (عليها السلام) وتُهان، ولا يجب أن تقوم فضّة بفتح الباب، لأنَّ إهانتها لا تؤدّي إلى الغايات المرجوة!!!
ويؤكِّد المؤلّف هذا القول بما أورده بقوله: "فلولا الزهراء إذن لطمست معالم الدين، ولحقَّق الحاقدون والمنافقون المتربّصون بهذا الإسلام العزيز أغلى وأحلى أمنياتهم"(1). صحيح أنَّه لولا الزهراء (عليها السلام) والأئمّة الأطهار (عليهم السلام) لطمست معالم الدين الحنيف، لكن هل هناك أغرب من القول بما يوحي أنَّ الإمام قد ورَّط الزهراء (عليها السلام) بفتح الباب بهدف إهانتها وظلمها، لأنَّه بهذه الطريقة فقط تحفظ الزهراء (عليها السلام) الدين ويُمنع المنافقون من تحقيق أمنياتهم؟
ولا يكتفي المؤلّف بذلك، بل يُمعن في تأكيد أقواله حيث يُدلي بما يلي: "ولا غرو إذا قلنا أيضاً: لولا موقف الزهراء هذا، الذي تعرَّضت فيه للأذى وللضرب وإسقاط الجنين، لم يكن من هذا الإسلام إلاَّ المظاهر والأسماء وإلاَّ الأشكال والطقوس الجوفاء"(1).
وهنا يضيع الموضوع، ونظنّ بهذا القول أنَّ المؤلّف يعتبر أنَّ ضرب الزهراء (عليها السلام) وإسقاط جنينها كان ضرورة لا بدَّ من حصولها حتى يستقيم أمر الدين، وبالتالي لن نتعجَّب بعد ذلك إذا وصل المؤلّف إلى نتيجة مفادها أنَّ المهاجمين الظالمين يقومون بالدور التاريخي الهام الذي لا بدَّ منه لكي يتمّ معرفة الإسلام الصحيح ولكي يظهر الدين الحقّ من الباطل؟!! وحسب منطق المؤلّف، فإنَّه لا بدَّ من ضرب الزهراء وإسقاط جنينها وإلاَّ لكان ضاعَ الدين وضاعت الحقيقة؟
الحقيقة تُقال أنَّ الكاتب أنجز فتحاً عظيماً بهذه النتيجة، ولعلَّه شكر في قرارة نفسه مَنْ ضَرَبَ الزهراء (عليها السلام) وأهانها، فلو لم يفعلوا فعلتهم لما كنّا سنتعرَّف على الحقّ والحقيقة ونميِّز الظلمات من النور؟! أيُّ منطقٍ فظيع هو هذا في تبيان الحقائق، وهل يصدّق القارئ ما يقرأ وما يُظهره المؤلّف في منطقه من تهافت وخفّة!!!
وبعد، نقول: أَلَمْ يبقَ للأئمّة، وهم مشاعل النور وأعلام الهدى، من طريقة ينشرون فيها الإسلام ويعرِّفون الناس بها الحقّ، إلاَّ تعريض سيّدة نساء العالمين للظلم والإهانة؟ أليس هذا أخفض درك يمكن أن يصل إليه المرء في ضعف الثقة بأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وقوّة حجّتهم ومعرفتهم ومنطقهم؟ نترك للقارئ الحكم، ونسأل الله أن يهدي مؤلّفنا الكريم إلى ما هو أفضل في حقِّ الأئمّة والزهراء (عليها السلام).

إساءات للزهراء (عليها السلام) والإمام الحسين (عليه السلام)
وقد يستغرب القارئ ويتّهمنا بالتطرّف في نقد المؤلّف على ما تفوَّه به وما رمى إليه من مقولاته، إلاَّ أنَّ شاهدنا على صحّة هذا التحليل على قساوته، هو ما أورده المؤلّف نفسه في الصفحة 296 من الجزء الأوّل، عندما قال مناقشاً ما ورد عن أنَّ الزهراء (عليها السلام) أَنَّبَت الإمام عليّاً (عليه السلام) لأنَّه لم يهبّ لنجدتها حين ضربها المهاجمون واكتفى بالتفرُّج عليها دون أن يتدخَّل: "ولأجل ذلك ـــ يقول المؤلّف ـــ فنحن لا نوافق على ما يُقال، من أنَّها قد خاطبت عليّاً بالكلام الذي يتضمَّن جرأتها عليه (عليه السلام) بمواجهته بنوعٍ من التأنيب، بأنَّه اشتمل شملة الجنين، وقعد حجرة الضنين، إلى أن تقول له فيه: وهذا ابن أبي قحافة يبتزّني نحلة أبي، وبلغة ابنيّ، إلاّ أن يكون للرِّواية معنىً آخر، لم تصل إليه أفهامنا، أو كان ثمّة قرينة لم تصلنا، أو لم يُحْسِن الناس نقل كلامها إلينا، فنحن مع وجود احتمال من هذا النوع لا نجرؤ على تكذيب الخبر بصورة قاطعة، كما ربَّما يظهر من كلام بعضهم"(1).
أيُّها القارئ، هل بقي لديك أدنى شكّ بعد هذا التصريح الواضح من أنَّ الكاتب لا يجرؤ على تكذيب خبر إهانة الزهراء (عليها السلام) للإمام عليّ (عليه السلام) بصورة قاطعة حتّى لو كان في هذا الخبر إساءة للزهراء (عليها السلام) والإمام عليّ (عليه السلام) معاً؟!!  
بقي أنَّ المؤلّف لم يشأ إنهاء الجزء الأول من الكتاب دون أن يُمرّر إساءة ولو عابرة للإمام الحسين (عليه السلام) حين يقول: "حمل الحسين (عليه السلام) معه النساء والأطفال إلى كربلاء، حتّى لا يدّعي الحكّام المجرمون أنَّ اللّصوص قتلوا الحسين (عليه السلام)، أو أنَّه تاه في الصحراء، فماتَ عطشاً، كما جرى لدليلَيْ مسلم بن عقيل، أو أنَّ السّباع قد افترسته، أو ما إلى ذلك"(1).
نحن نتساءل: هل أنَّ الحسين (عليه السلام) كان مجهولاً إلى هذا الحدّ حتّى لا يعرف الناس مَن قتله؟ وهل أنَّ تحضيراته للثورة كانت تُخفى على القاصي والداني حتّى يحتاج إلى أن يصحب أهله لغاية التعريف بأنَّه استشهد (عليه السلام) على يد المجرمين الذين صمَّموا على قتله، والكلّ يعرف أنَّ عدداً كبيراً من الروايات التي اعتمدها قرَّاء مجالس العزاء نُقلت عن الذين شاركوا بقتله والتنكيل به؟ وهل نسي الكاتب أنَّ جميع قادة جيش العدو كانوا يفاخرون أنَّهم قتلوا الحسين (عليه السلام)، وخاصّة قول قائد الهجوم اللّعين عمر بن سعد: "اشهدوا لي عند الأمير أنّي أوَّل مَنْ رمَى" نأسف لهذا المنطق الذي يحاول المؤلّف تسويقه، ونؤكّد أنَّ الإمام الحسين (عليه السلام) هو أجلّ وأكبر بكثير من أن يُقال عنه إنَّه أخرج معه نساءه وعياله حين لا يُقال إنَّه قُتل في الصحراء على يد اللّصوص، أو أنَّ السباع والضباع قد أكلته، بل نظنّ أنَّه خرج بنسائه وأطفاله كي لا يضيع الحقّ عند المؤرّخين والمحقّقين، فيقولون فيه ما قالوا، لضعف إيمانهم بأهمية الإمام الحسين (عليه السلام) بذاته وبدون دفاعاتهم المترهّلة.
بكاء الزهراء (عليها السلام) وبيت الأحزان
يُورِد المؤلّف عن سماحة السيِّد ما نصّه: "إنَّه لا يتصوّر أن تكون الزهراء، المنفتحة على قضاء الله وقدره، إنسانة ينزعج أهل المدينة من بكائها ـــ كما يقرأ قرّاء التعزية ـــ حتّى لو كان الفقيد على مستوى رسول الله"(1).
ويقول المؤلّف في الجواب: "إنَّنا لا نتصوَّر أنَّ بكاءها على أبيها هو الذي أزعج المعترضين وأثار حفيظتهم، وإنَّما الذي أحفظهم وأزعجهم، هو ما يثيره وجود الزهراء إلى جانب قبر أبيها على حالة من الحزن والكآبة والانكسار الذي يذكّر الناس بالمأساة التي تعرَّضت لها (عليها السلام) فور وفاة أبيها، حيث إنَّ ذلك يُمثِّل حالة إثارة مستمرّة للنّاس الطيّبين والمؤمنين والمخلصين، وهو إدانة لكلِّ ذلك الخطّ الذي لم يتوقَّف عن فعل أيّ شيء في سبيل ما يُريده. فلم يكن البكاء على شخص الرسول، بقدر ما كان تجسيداً للمأساة التي حاقت بالإسلام وبرموزه بمجرّد وفاته وفقده صلوات الله وسلامه عليه"(2).
في البداية، لا بدَّ من التأكيد على أنَّ الزهراء (عليها السلام) هي ابنة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ولها مكانة خاصّة عند الله عزَّ وجلّ، وهي من أوفى النّاس لأبيها (عليها السلام)، لذلك فإنَّه من الطبيعي جداً أن تحزن على والدها حزناً شديداً وأن يتفطَّر قلبها الشريف حزناً عليه، إلاَّ أنَّ ذلك لن يخرجها عن كونها أوّل مَن يحتذي بالإيمان والصبر على المكاره والمصائب، لذلك فإنَّه لا يتوقَّع منها أن تحوّل حزنها إلى حالة جزعٍ يضجّ منها الناس وينزعج منها أهل المدينة، بل على العكس من ذلك، فهي كانت أفضل مَن تأسَّى برسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حين توفي ولده وقال (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): "إنَّ القلب ليحزن والعين لتدمع ولا نقول ما يغضب الله"، ولن نتصوَّر الزهراء غير تلك الصابرة المحتسبة المستبشرة بأنَّها أوّل مَن تلحق برسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، كما سبق أن أخبرها عليه الصلاة والسلام.
أمّا عن قول الكاتب إنَّ بكاءها آناء اللّيل وأطراف النهار كان بهدف إزعاج المعترضين"(1)، فإنَّنا نستغرب أن تكون الزهراء (عليها السلام)، وهي صاحبة الحجّة القويّة والمنطق الراسخ والكلام القاطع، نستغرب أن تلجأ إلى مثل هذه الوسيلة لتحريض الناس، لأنَّ مَن يحتاج إلى المسكنة لتبيان حقّه ليس الأئمّة ولا أم الأئمّة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، بل إنَّ صاحبة المواقف الصلبة الشجاعة تعرف كيف تظهر حقَّها وحقّ زوجها بالحجّة والبيان، وهي فعلت ذلك في المسجد عندما خطبت في المسلمين لتبيّن لهم حقيقة الأمور وتفضح المواقف المعادية وتجاهد الانحراف بالمواقف البطولية التي قلَّ نظيرها.
ونستغرب قول الكاتب: "فلم يكن بكاء الزهراء (عليها السلام) على شخص رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بقدر ما كان تجسيداً للمأساة التي حاقت بالإسلام وبرموزه"(2)، لأنَّنا لم نتعوَّد من أهل البيت (عليهم السلام) الضعف ولا المسكنة حتّى تكون وسيلتهم لإظهار الحقّ هي البكاء والنحيب، صحيح أنَّ الإمام زين العابدين (عليه السلام) قد بكى والده الحسين (عليه السلام) داخل بيته، إلاَّ أنَّ هذا الحزن لم يكن جزعاً ولا ضجراً، بل كان دافعاً لقاموس وناموسٍ من الأدعية الشريفة التي صوَّرت الحقّ وأرشدت إلى سبيله، وعيَّنت مكامن الضعف ومواقع القوّة، وحدَّدت الهدف، وبيَّنت لكلِّ سالكٍ كيف يكون السير على الصراط رسالة المؤمن ومبتغى غايته.
وكذلك فإنَّ حزن الزهراء (عليها السلام) كان دافعاً لها لإظهار الحقّ بالحجّة والمنطق الذي كانت رائدته من خلال خطبها وبديع بيانها وليس من خلال بكائها والبكاء فقط.








الفصل السادس



البحث يستعصي على الباحث






آراء كبار العلماء في الحادثة
وفي ما يلي سنورد عدداً كبيراً من آراء العلماء الذين أدلوا بدلولهم في الحادثة وأعطوا آراء تُخالف رأي المؤلّف الذي يصرّ على أنَّ الثابت هو ما يدّعيه دون غيره، وأنَّ مَن خالَفَه مُخالِف لثوابت الدين والمذهب وحقائق التاريخ. ونحن هنا ننقلها كما جاءت في كتاب "مأساة الزهراء (عليها السلام)" حتّى لا نتّهم بأنَّنا جئنا ببدعٍ من القول في الموضوع وعلى قاعدة "من فمك أدينك".
المحقِّق الكركي (940 هـ)
قال المحقّق الكركي: "إنَّه قد روى نقلة الأخبار، ومدوّنو التواريخ، ومن تصفَّح كتب السير علم صحّة ذلك: أنَّ عمر لمّا بايع صاحبه، وتخلَّف عليّ (عليه السلام) عن البيعة، جاء إلى بيت فاطمة الزهراء (عليها السلام) لطلب عليّ إلى البيعة، وتكلَّم بكلمات غليظة، وأمر بالحطب ليحرق البيت على مَن فيه، وقد كان فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وزوجته وأبناؤه، وممَّن انحاز إليهم الزبير، وجماعة من بني هاشم"(1).
الشهيد القاضي التستري (1019 هـ)
قال القاضي نور الدين التستري: "... وما ظنّك بأمرٍ يُدفع فيه صدور المهاجرين، وتُكسر سيوفهم، وتشهر فيه السيوف على رؤوس المسلمين، ويقصد إحراق بيوت ساداتهم إلى غير ذلك"(1).


الحرّ العاملي (1104 هـ)
وقال المحدّث الجليل، والفقيه المتكلِّم، صاحب الموسوعة الحديثيّة الرائدة، "وسائل الشيعة"، وهو يتحدّث عن أبي بكر، وعمّا ينفي أهليَّته للخلافة: "ومنها: أنَّه طلب هو وعمر إحراق بيت أمير المؤمنين لمّا امتنع هو وجماعة عن البيعة"(2).
العلاّمة المجلسي (1110 هـ)
وقال العلاّمة المتبحّر شيخ الإسلام المولى الشيخ محمّد باقر (المجلسي الثاني) في مقام الإيراد على خلافة عمر بن الخطّاب: "... الطعن السابع عشر: إنَّه هَمَّ بإحراق بيت فاطمة (عليها السلام) وكان فيه أمير المؤمنين، وفاطمة، والحسنان. وهدَّدهم وآذاهم".
وقال أيضاً: "... إذ تبيَّن بالمتّفق عليه من أخبارهم وأخبارنا: أنَّ عمر هَمَّ بإحراق بيت فاطمة (عليها السلام) بأمر أبي بكر، أو برضاه، وقد كان فيه أمير المؤمنين وفاطمة والحسنان، (صلوات الله عليهم)، وهدَّدهم وآذاهم"(1).
أبو الحسن الفتوني (1138 هـ)
قال الشريف أبو الحسن الفتوني، وهو من أعاظِم علماء عصره: "فالآن نشرع في بيان نبذٍ ممّا جرى عليها بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، من التعدّي والتفريط، بحيث أجهرت الشكوى، وأظهرت الوجد والغضب على المعتدين عليها، حتّى إِنَّها أوصت بمنعهم عن حضور جنازتها، إذ لا يخفى حينئذٍ على كلّ منصف، متذكّر لما ذكرناه في شأنها، أنَّ صدور مثل هذا عنهم قدح صريح فيهم، حيث لم يبالوا ـــ أوّلاً ـــ بما ورد في حقّها، ولم يخافوا ـــ ثانياً ـــ من غضب الله ورسوله".
"ثمَّ يستمر في الاستدلال.. ثمَّ يذكر رواية عن بكاء النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حين حضرته الوفاة، فسئل عن ذلك، فقال: أبكي لذريّتي، وما يُصنع بهم شرار أُمّتي من بعدي، وكأنّي بفاطمة وقد ظلمت من بعدي، وهي تنادي: يا أبتاه، يا أبتاه، فلا يعينها أحد من أُمّتي".
ثمّ يقول: "هذا الكلام من النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إشارة إلى ما سيأتي في المقالة الرابعة، من المقصد الثاني، مفصّلاً صريحاً، من بيان هجوم عمر وجماعة معه، بأمر أبي بكر على بيت فاطمة، لإخراج عليّ والزبير منه للبيعة. وكذا إلى منعها عن فدك، والخمس، وبقيّة إرثها من أبيها (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم).
ولا بأس إنْ ذكرنا مجملاً من ذلك ها هنا:
نقل جماعة سيأتي في الموضوع المذكور ذكر أساميهم، والكتب التي نقلوا فيها، منهم الطبري، والجوهري، والقتيبي، والسيوطي، وابن عبد ربّه، والواقدي، وغيرهم خلق كثير:
إنَّ عمر بن الخطّاب وجماعة معه، منهم خالد بن الوليد، أتوا بأمر أبي بكر إلى بيت فاطمة، وفيه عليّ والزبير، وغيرهما، فدقُّوا الباب، وناداهم عمر، فأبوا أن يخرجوا.
فلمّا سمعت فاطمة أصواتهم، نادت بأعلى صوتها باكية: يا أبتاه، يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطّاب وابن أبي قحافة.
وفي رواية القتيبي، وجمع غيره:
أنَّهم لما أبوا أن يخرجوا، دعا عمر بالحطب، وقال: والذي نفس عمر بيده، لتخرجن، أو لأحرقنَّها عليكم على ما فيها. فقيل له: إنَّ فيها فاطمة؟! فقال: وإن..
وفي رواية ابن عبد ربّه: إنَّ فاطمة قالت له: يا بن الخطّاب، أجئتنا لتحرق دارنا؟ قال: نعم.
وفي رواية زيد بن أسلم: أنَّها قالت: تحرق عليّ، وعلى ولدي؟
قال: إي والله، أو ليخرجن، وليبايعن.
ثمَّ إنَّ القوم الذين كانوا مع عمر لما سمعوا صوتها وبكاءها، انصرف أكثرهم باكين، وبقي عمر وقوم معه، فأخرجوا عليّاً.
حتّى في رواية أكثرهم: أنَّ عمر دخل البيت، وأخرج الزبير، ثمَّ عليّاً.
واجتمع النّاس ينظرون، وصرخت فاطمة وولولت، حتّى خرجت إلى باب حجرتها، وقالت: ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت نبيّكم"(1).
"... وكفى ما ذكروه في ثبوت دخول بيتها، الذي هو من بيوت النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بغير إذنها، وفي تحقُّق الأذى، لاسيّما مع التهديد بالإحراق، حتّى إِنَّ في "الاستيعاب"، وكتاب "الغرر" وغيرهما، عن زيد بن أسلم، أنَّه قال: كنت ممَّن حمل الحطب مع عمر إلى دار فاطمة"(2).
"وقال رحمه الله... إنَّ الذي يظهر من روايات القوم، التي نقلناها من كتبهم، موافقة لما روي عن ذريّتها الأئّمة وغيرهم، هو أنَّ أسباب الأذيّة لم تكن شيئاً واحداً، بل كانت متعدّدة، تواترت منهم عليها من حين وفاة أبيها (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى أن توفّيت هي؛ من الهجوم على بابها، بل على داخل بيتها بغير إذنها، وسائر ما ذكرناه، حتّى لو فرضنا أنَّه لم يصدر منهم غير محض إظهار الإهانة يوم مطالبة عليّ للبيعة، الخ.."(3).
الشيخ جعفر كاشف الغطاء (1228 هـ.ق)
قال الإمام العلم الشيخ جعفر كاشف الغطاء الكبير، وهو يُورد إشكالاته على الخليفة الثاني: "... ومنه قصد بيت النبوّة وذريّة الرسول بالإحراق"(1).
السيِّد عبد الله شبر (1243 هـ.ق)
وقال العلامة المتبحّر السيِّد عبد الله شبر، في جملة مؤاخذاته على عمر بن الخطّاب: "إنَّه همَّ بإحراق بيت فاطمة (عليها السلام)، وقد كان فيه أمير المؤمنين (عليه السلام) وفاطمة (عليها السلام)، والحسنان وآذاهم الخ..."(2).
السيّد محمّد قلي الموسوي (1260 هـ)
وللسيّد محمّد قلي الموسوي النيشابوري الهندي، والد صاحب "عبقات الأنوار" كتاب اسمه "تشييد المطاعن"، أورد فيه عشرات الصفحات المشتملة على النصوص الكثيرة، فكان منها ما ترجمته:
"إنَّ عمر قد هدَّد فاطمة بالإحراق، وجمع الحطب حول بيتها، كما رواه ثقاة أهل السُنّة، وأعاظم معتمديهم، وأكابر محدّثيهم، من المتقدّمين والمتأخّرين، كالطبري، والواقدي، وعثمان بن أبي شيبة، وابن عبد ربّه، وابن جراية، ومصنف المحاسن وأنفاس الجواهر، وعبد البر بن أبي شيبة، والبلاذري، وابن عبد البرّ صاحب الاستيعاب، وأبي بكر الجوهري، صاحب كتاب السقيفة، والقاضي جمال الدين واصل، وأبو الفداء؛ إسماعيل بن عليّ بن محمود صاحب كتاب: المختصر، وابن قتيبة، وإبراهيم بن عبد الله اليمني الشافعي صاحب كتاب الاكتفاء، والسيوطي صاحب كتاب جمع الجوامع، وملا عليّ المتّقي صاحب كنز العمال، وشاه ولي الله الدهلوي.."(1).
آية الله المظفر (1375 هـ.ق)
وقال العلامة آية الله الشيخ محمد حسن المظفّر: "... وبالجملة، يكفي في ثبوت قصد الإحراق رواية جملة من علمائهم له، بل رواية الواحد منهم له، لاسيّما مع تواتره عند الشيعة، ولا يحتاج إلى رواية البخاري ومسلم أمثالهم ممّن أجهده العداء لآل محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، والولاء لأعدائهم، وأدام التزلُّف إلى ملوكهم وأُمرائهم، وحسن السمعة عند عوامهم.
وقال: ... على أنَّ الإحراق لو وقع ليس بأعظم من غصب الخلافة"(2).
السيِّد شرف الدين (1377 هـ.ق)
يقول المؤلّف: "قدَّمنا في فصلٍ سابق بعض الحديث عن احتجاجات الإمام العلم السيِّد عبد الحسين شرف الدين على الآخرين، بالتهديد بالإحراق، الثابت بالتواتر القطعي، وبأنَّ أبا بكر قد كشف بيت فاطمة (عليها السلام)"(3).
الشهيد الصدر (1400 هـ.ق)
وقال المفكِّر الإسلامي الكبير الشهيد السعيد السيِّد محمَّد باقر الصدر تغمّده الله برحمته: "... إنَّ عمر الذي هجم عليك في بيتك المكّي، الذي أقامه النبيّ مركزاً لدعوته، قد هجم على آل محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في دارهم، وأشعل النّار فيها أو كاد".
وقال: "سيرة الخليفة وأصحابه مع عليّ، التي بلغت من الشدَّة أنَّ عمر هدَّد بحرق بيته، وإنْ كانت فاطمة فيه"(1).
ونهاية القول، نحن لن ندخل في تأكيد أو نفي إنْ كان بيت الزهراء (عليها السلام) قد أحرق أم لا، لكن نقول: هل كلّ هؤلاء الذين لا يرون رأي المؤلّف، يجب ـــ حسب رأيه ـــ أن يحاسبوا ويحاكموا وهم خارجون عن ثوابت الدين والمذهب والعقيدة وحقائق التاريخ؟! وإذا كانوا كذلك، لماذا لا يحاكمهم المؤلّف كما يفعل مع غيرهم، أم أنَّ في الأمر شأناً آخر غير ذلك؟
لنتَّق الله في التعاطي مع الأمور الخلافية
وبعد، يتبيَّن من كلِّ ما ذكر وعلى لسان علماء الشيعة وأعلامها، والثابت والمتواتر عن العامّة والخاصّة، أنَّ الموضوع فيه آراء متعدّدة ووجهات نظر مختلفة، وهو كما تبيَّن، مع عرض كلّ هذه الآراء، حتّى على رأي المؤلّف نفسه، لا يشكِّل خروجاً عن الدين والمذهب ولا إنكاراً لأصل من أصوله ولا لفرعٍ من فروعه، وكلّ ما في الأمر ـــ حسب الوثائق التي تمَّ عرضها ـــ أنَّ حادثة الاعتداء على بيت سيّدة نساء العالمين قد اختلف في تحديد تفاصيلها، فمنهم مَن قال ما يراه المؤلّف من إحراق للبيت وكسرٍ لضلعها الشريف وإسقاطٍ لجنينها الكريم وإنباتٍ للمسمار في صدرها (عليها السلام)، ومنهم مَن رأى أنَّ الاعتداء على بيت الزهراء والإمام عليّ (عليهما السلام) بقي في حدود التهديد بالإحراق، علماً أنَّ هذا الأمر بحدِّ ذاته يُشكِّل إدانة لا تقبل الشكّ لمن أراد الإساءة إلى البيت النبوي العلوي الشريف وبضعته الطاهرة وأخيه الإمام المنصوص على ولايته يوم الغدير.
وإذا كانت الآراء تتعارض وتختلف حول عددٍ من الأحداث والمجريات التاريخيّة، فلا يعني ذلك أنَّه من لا يرى حدوث الواقعة على نحو معيَّن، يستدعي الأمر تكفيره، والعكس صحيح بل يجب أن تبقى هذه الأمور في خدود الاختلاف في الرأي وإن تمسك كلّ صاحب رأي برأيه، ونحن نعلم أنَّ العلماء قد دَرَجوا على مناقشات كبيرة جداً ومعقَّدة أكثر، ومع ذلك لم يتجرَّأ أحدٌ منهم على تكفير الآخر أو إخراجه عن الدين والمذهب والعقيدة والتاريخ، كما فعل مؤلّفنا الجليل، ونحن إذ نذكّر المؤلّف بهذه المسألة، ندعوه إلى معرفة حدِّه والتوقّف في مناقشاته عند حدود البحث العلمي، وأن لا يتعدَّاه إلى أخذ موقع ممثليّة الله على الأرض ويصنّف النّاس؛ هذا مؤمن وهذا كافر، هذا من أعلام المذهب وذاك من الخارجين عليه، لأنَّه لو فعل كلّ عالم أو باحث ما يفعله المؤلّف، ولو أراد كلّ منهم أن يكفّر مَن يخالف رأيه ويخرجه عن الدين.. الخ، لاختلط الحابل بالنابل، ولضاع الحقّ بالباطل، ولكنَّا فرقاً وشِيَعاً لا حدَّ لها ولا حصر، ولكان لكلِّ طائفة أنصارها ومحازبوها، ولا ندري، ربَّما حبَّذها المحبّذون للاقتصاص من المخالفين والمارقين والمنافقين، على حدّ رأي المؤلّف.
وهنا لا بدَّ من إلفات المؤلّف إلى أنَّ الشيعة يقولون بالاجتهاد، وهذا القول يفترض لزاماً أن يكون هناك اختلاف في الرأي، وإلاَّ ماذا يبقى للاجتهاد من معنى إذا زالت الاختلافات في الرأي؟ وهل الاجتهاد إلاَّ المخالفة (بمعنى المختلف والجديد)؟ فإذا أردنا أن نوسم كلّ رأي جديد بأنَّه بدعة، لتوقَّف الاجتهاد ولأصبحنا مقلّدين لآبائنا وأجدادنا، أي مصداقاً لمن ذمَّهم الله عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم.
إنَّ المنطق يدعونا إلى تدبُّر الأمور بوعي أكبر وبتقوى أكثر، فليس كلّ مَن خالفني جاحد، ولست أملك الحقيقة حصراً وكلّ مَن عداي على باطل، كلُّنا أبناء آدم وكلّنا معرَّضون للخطأ، وإذا كان الأمر كذلك، فليحمل المرء أخاه على المحامل الحسنة ولا يطعنه بالظهر والصدر دونما وعي إلى ما سيؤدّي إليه ذلك {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات : 13] التقوى في الله.. التقوى في عباد الله.. يرحمكم الله.





الفصل السابع



السِّهام ترتد على مطلقها






أهداف غير نبيلة للكتاب
وبعد أنْ بيَّنا تهافت كتاب المأساة وأظهرنا تناقضاته وتعارضاته ومحدوديّته وضيقه، نتساءل: ما الحكمة المتعالية من إصدار مثل هذا المؤلّف في مثل هذا الوقت بالذّات؟ وما هي الرسالة التي يودّ المؤلّف نشرها؟ وهل أنَّ صاحب هذا الكتاب معذور شرعاً لهدره الوقت على كتابته ولهدر وقتنا للردّ عليه في وقت أحوج ما نكون إلى مضافرة الطاقات والإمكانات لحشدها في مكان آخر وعلى جبهة أخرى تكون فيها الفائدة للإسلام أعظم وخدمته من عليها أشرف؟
إنَّنا حقّاً نتساءل لماذا مثل هذا الكتاب الذي يُخالِف توجّهات قيادات الأُمّة الإسلامية وأركانها، سواء في الجمهورية الإسلامية المباركة في إيران أو في لبنان أو في أيّة بقعة من بقاع العالَم؟! إنَّنا نضع مثل هذه الكتابات في دائرة الشبهة:
فهي تعارض توجّه الإمام الخميني (قدِّس سرّه) في تعزيز الوحدة الإسلامية وإرساء قواعدها والحثّ على إنجازها وتسخير العديد من الإمكانات والطاقات في سبيل ذلك، وكذلك تعارض توجّهات القيادة الحالية للجمهورية المتجسّدة بآية الله الخامنئي الذي يسعى إلى تأكيد التكافل والتضامن بين كافّة قطاعات الأُمّة عند الشيعة والسُنّة على السّواء، وهو لا يدّخر جهداً في سبيل تحقيق هذا الإنجاز الكبير.
إنَّنا نشكّ بأهداف مثل هذا الكتاب، وكلّ القيادات الإسلامية المخلصة حريصة على إيجاد القواسم المشتركة بين جميع المسلمين، وهي تمدّ الجسور تلو الجسور بغية تقريب المسلمين إلى بعضهم البعض والتركيز على القواسم المشتركة بينهم، إيماناً منها بأنَّ إحباط مخطّطات الشيطان الأكبر لا يمكن حجبها إلاَّ بالوحدة وبالعمل المشترك على تحقيق الأهداف الإسلامية الكبرى.
إنَّ حقل هذا الكتاب، ينحرف عن جادّة العمل الإسلامي العام، ونحن نعتبر أنَّ صاحبه قد أضاع البوصلة وقدَّم حساسيّاته وعقده الشخصية على المصلحة الإسلامية العامّة، وأنَّه بكتابه هذا، دقَّ إسفيناً في سعي الخيّرين على توحيد جهود المسلمين وجهادهم في مواجهة المخاطر التي تحيط بهم من كلّ حدبٍ وصوب.
ما فائدة العمل على نكأ الجراح ورشّ الملح على النزيف وليس هناك منطقة من مناطق العالَم الإسلامي بمنأى عن تآمر أميركا وكلّ الاستكبار العالمي من ورائها؟! فالحركة الإسلامية في الجزائر تواجه عدواناً شرساً من الأميركيين والفرنسيين، والحكومة الإسلامية في تركيا تواجه تدخّلات الأميركيين في شؤونهم الداخلية، والحركة الإسلامية في مصر ليست أحسن حالاً من مثيلاتها، وكذلك الحركات الإسلامية في كلّ العالَم العربي والإسلامي.
إنَّ العمل على نصرة الإسلام والمسلمين في هذه البلدان ومساعدتهم بالقلم والفكر والإعلام والمنطق، لهو أجدى في الوقت الحاضر من فتح جبهات داخلية تُعَوِّم مكامن الخلاف بين المذاهب الإسلامية، وتُعيد الصراع إلى الدائرة الداخلية، وتفتح الجبهات على الجانب الخاطئ من المعركة.
إنَّ كلَّ قوى الإسلام المحمّدي الأصيل التي أخذت على عاتقها نصرة المستضعفين في العالم، والمسلمين منهم بشكلٍ خاص، تتبادل الدعم دون فرق بين سنيّة وشيعيّة، بل هي وضعت جدول أولويات ـــ كما يعرف الكاتب تماماً ـــ كان على الكاتب أن يلتزمها ويساندها ويصرف جهده في هذا السبيل، بدل أن يسبح عكس التيّار ويأخذ على عاتقه محاربة قيادات الأُمّة وعلمائها، من أمثال سماحة آية الله العظمى السيِّد محمّد حسين فضل الله.
الأفظع من ذلك، أنَّ الكاتب قد زجَّ الزهراء (عليها السلام) وأهل البيت في هذه المسألة في مشروعه للهجوم على الوحدة الإسلامية، وهو يعلم أنَّ أهل البيت (عليهم السلام) كانوا أحرص النّاس على الوحدة وعلى الإسلام وعلى قضايا المسلمين.
إنَّنا نعتبر إثارة ما يفرّق المسلمين، في وقت تعمل قيادات الأُمّة وفق نهج الأئمّة (عليهم السلام) على توحيد صفوفها، تآمراً على الإسلام والمسلمين ـــ ولو عن غير قصد ـــ، فليس كلّ ما نعرفه يجب أن نقوله في أيّ وقتٍ نريد ولأيّة غاية كانت، بل إنَّ الحكمة تقتضي أن نتمثَّل مواقف الأئمّة (عليهم السلام) حين يتهدَّد الإسلام الخطر الأكيد، فهذا الإمام عليّ (عليه السلام) يُساند من اختلف معه حين رأى راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، ويمتشق سيفه لمواجهة الردّة حفظاً على الوحدة، وهذا الإمام السجَّاد زين العابدين (عليه السلام) يدعو دعاء أهل الثغور للمسلمين في مواجهتهم أعداء الإسلام، وكذلك كانت سيرة أئمّتنا عبر التاريخ، فهم يظهرون حقّهم ويبرزون الحجّة عليه، حين لا يكون الخطر متهدّداً حياض الإسلام، وهم يفعلون ذلك حين يستشري الفساد في الأُمّة كما فعل الإمام الحسين (عليه السلام) الذي قدَّم دمه وأهله وأصحابه في سبيل استقامة الدين من الانحراف، بينما صالَحَ الإمام الحسن (عليه السلام) معاوية حين كانت مصلحة الإسلام تقتضي ذلك. أمّا أن يطلع علينا الكاتب بالاتجاه المعاكس لكلِّ هذا الصراط، فلا يعود في وسعنا إلاَّ أن نقول: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله على هذا البلاء الذي منيت به الأُمّة وقياداتها.
إنَّه لمن الغريب المستغرب أن يستغلّ الكاتب اسم الزهراء (عليها السلام) ومأساتها للهجوم على إنجازات الأئمّة (عليهم السلام) وعلى جهادهم لتكريس الأُمّة الإسلامية الواحدة، وإنَّه من غير الجائز أن يضرب الكاتب كلّ إنجازات الإمام الخميني (قدِّس سرّه) بعملٍ غير مدروس ولا محسوب، وكذلك من غير الجائز أن يحارب المؤلّف مَن وضع روحه بين كفّيه ولم يتوانَ يوماً عن ولوج مواقع الخطر إذا كان الإسلام يحتاج إليه في هذه المواقع.
إنَّ الأئمّة والزهراء (عليها السلام) أجلّ من أن يدنّس اسمهم في مثل هذه الأعمال، وإنَّ على أبناء الأُمّة أن يتنبَّهوا إلى مثل هذه الكتابات ولا يعيروها الاهتمام، لأنَّها لا تخدم الإسلام ولا المسلمين.
ونودّ هنا أن نلفت الكاتب إلى أنَّ الشيعة اليوم بوجود قيادات واعية كالذين حاوَلَ النيل منهم، هم في أحسن حالاتهم، وأنَّ الشيعة ليسوا بحاجة لمثل هذه الكتب حتّى يعمّقوا إيمانهم وإسلامهم، فالخيِّرون والقيادات الحكيمة، قد قاموا بواجبهم الشريف في تعريف الشيعة والسُنّة بحقيقة الإسلام وقضاياه السالفة والراهنة.
ومن خلال مطالعتنا لكتاب "المأساة"، لم نجد فيه ما يعرِّف الشيعة على شيءٍ جديد، بل يُعلّمهم كيف ينشئون خلافاً فيما بينهم، وكيف يتهكَّمون على قياداتهم وعلمائهم، وكيف يطعنون الذين يتقدّمون المسيرة في الظهر.
كلّنا نذكر معاناة الإمام الخميني (قدِّس سرّه) من طعون تعرَّض لها من مغرضين في إيران، وكلّنا نذكر كيف نفد صبره عليهم بعد أن أصبحوا عائقاً أمام تقدّم الجمهورية وتعاظم مسيرة شعبها، فلم يجد بُدّاً في النهاية إلاّ أن فضحهم بعد أن ملأوا قلبه غيظاً وصدره قيحاً.
إنَّ هؤلاء الذين يفتحون الجبهات الخلفية، لا خير فيهم حتّى لو استخدموا أسماء الزهراء والأئمّة (عليهم السلام) لتستير غاياتهم وأحقادهم، وأبناء الأُمّة الإسلامية ليسوا من الغباء والجهل بحيث لا يعرفون كيف يميِّزون بين الغثّ والثمين أو بين الحقّ والباطل أو بين الكلام الحقّ والذي يُراد به الباطل.
نحن نتساءل: هل يخدم هذا الكتاب المقاومة الإسلامية في لبنان وسعي قادتها إلى توحيد اللبنانيين عموماً... والمسلمين خصوصاً حول برنامج وطني داعم لقضية التحرير؟!
هل تخدم مثل هذه الكتابات الوحدة بين فصائل المقاومة اللبنانية والمقاومة الفلسطينية التي معظمها من إخواننا المسلمين السُّنّة؟!
هل تخدم مثل هذه الكتب شعارات الوحدة التي ترفعها الجمهورية الإسلامية في مواجهة الاستكبار العالمي؟!
إنَّ الكلام الداخلي يجب أن يبقى داخلياً، وصدق سماحة آية الله العظمى السيّد محمّد حسين فضل الله حين قال للكاتب: إنَّ هذه النقاشات يجب أن لا تجري إلاَّ تحت سقفٍ مقفل وجدران أربع، ليس لأنَّ الحديث فيها محرّم، بل لأنَّه إذا لم يكن في المكان والزمان المناسبين، فسيؤدّي إلى غير أهدافه النبيلة، وظنّنا أنَّ المؤلّف استخدم في كتابه مأساة أنبل الناس وأشرفهم في قضية ليست من النبل في شيء.
خلفية إصدار كتاب مأساة الزهراء (عليها السلام)
وللوقوف على خلفيّة إصدار هذا المؤلّف، لا بدَّ من رصد المتغيّر الذي أدّى بشكلٍ أساسي إلى تصدّي المؤلّف لمثل هذا العمل الهجومي، ولعلَّ هذا الأمر هو المبرّر الأساس للمؤلّف لإخراج كتابه "المأساة".
إنَّنا نشكّ أنَّ المؤلّف قد كتب ما كتب استنصاراً للزهراء (عليها السلام)، والذي يقرأ الكتاب، يشهد فيه ما يشهد من صنوف المبارزات والصولات، وما فيه إلاَّ استعراض بطولاته وخيلائه بعيداً عن ادّعائه بأنَّه يقوم بوضع النقاط على الحروف في بحث ادّعى أنَّه علمي يناقش فيه الشبهات ويتولّى الردّ عليها.
إنَّ مَن تناوله المؤلّف في هذا الكتاب هو سيِّد معروف ولا يخفى اسمه على أحد، لذلك كان من غير المبرّر أن يُعمي الكاتب على اسمه بحجّة أنَّه "لا يريد إثارة الغرائز والفتن"، بل كان من الأجدى أن يُسمي الأشياء بأسمائها ولا يتلطّى وراء "وقال البعض" و"ذكر البعض" و"يضيف البعض".. الخ من الكلمات المبهمة والتي لا تسير إلاَّ باتّجاهٍ واحد ولا تدلّ إلاَّ على شخصً واحد.
إذاً، لماذا تناول سماحة السيِّد الآن وبهذا الموضوع بالذّات؟
أوّلاً: المؤلّف قبل غيره يعلم أنَّ سماحة السيّد سبق أن ناقش العديد من الأفكار والمفاهيم وأطلق العنان لحركة علمية واسعة تعدَّدت اتجاهاتها، من السياسة إلى الاجتماع إلى الاقتصاد إلى الفقه والتفسير، وله العديد من الأبحاث التي تحوي مثل هذه الأعمال، ونظنَّ أنَّ المؤلّف الذي تقرّب إلى سماحته لمدة سنوات متطاولة، يعلم ذلك تماماً.
ونحن نظنّ أنَّ المؤلّف لو أراد خيراً في عمل يودّ القيام به لخدمة الإسلام والتشيُّع على ما يدّعي، لكانَ ساهم إلى جانب سماحة السيِّد في تطوير بعض الإسهامات أو بإضافة إسهامات جديدة حول مجمل القضايا التي يمكن أن يفيد منها الإسلام والمسلمين، ولكان دخل إلى عالم الفكر والبحث من بابه الواسع وأخذ لنفسه موقعاً إلى جانب الذين نذروا أنفسهم لنشر الإسلام والمجاهدة في سبيله وللدفاع عن الأُمّة وقضاياها في غير بلدٍ إسلامي أو عربي أو حتّى دولي.
لكن ما يدعو إلى التشكيك بمقصد المؤلّف هو استغراقه في تفاصيل تاريخيّة أو عدم عنايته بالنتاج الأهمّ الذي قدّمه سماحة السيّد الذي أغنى به الحركة الإسلامية والمسلمين وقضاياهم، وقد تناول سماحته من موقع المسؤولية ومن موقع الحرص على مشاعر المسلمين كافّة سنيّهم وشيعيّهم، ومن موقع ممارسته القيادية على أرض تتنوَّع فيها الاتجاهات والمذاهب وتختلط فيها الطوائف وأتباعها، وكلّ ذلك هو بمثابة الألغام التي يحرص من يريد أن يمشي فيما بينها من أن ينفجر بالمشروع الذي يحمله، فكيف إذا كان هذا المشروع هو مشروع الأُمّة الواحدة الموحّدة على كلمة الخير والتقوى والهدى.
إنَّ مَن يطرح مشروعاً بهذا الحجم، عليه أن ينقّيه من كلّ ما يمكن أن يثير الخلاف والفرقة، وأن يرتِّب أولويّاته بحسب الخطّة التي تخدم هذا الهدف، وبالتالي، فإنَّ تعويم المسائل الخلافية بين أبناء الأُمّة الإسلامية الواحدة، يجهض المشروع الذي يسقط صاحبه ولا يجني من وراء كدّه وسعيه إلاَّ الحسرة والخيبة. هذا من جهة، ومن جهةٍ أخرى، فقد شنَّ المؤلّف هجومه على سماحة السيّد من خلال موضوع يعلم مسبقاً مدى حساسيّته، ليس عند الطائفة السُّنيّة فقط، بل عند الشيعة أيضاً، فأراد من وراء إثارته لموضوع الزهراء (عليها السلام) إحراج السيّد وإظهاره ـــ في أحرج المسائل الشيعيّة ـــ أنَّه مشكّك و"خارج" وما إلى ذلك.. أراد المؤلّف أن يشكّك بشيعيّة سماحة السيِّد وصدق التزامه بمذهب أهل البيت، فاختار الموضوع الأكبر التصاقاً بعواطف الناس ومشاعرهم والأكثر استعداداً للتحسُّس منه، وهجم به على سماحته، ومع ذلك، فقد تبيَّن، ولله الحمد، بطلان دعواه وضلال مسعاه وتهافت منطقة وغاياته.
ونحن هنا نسأل: لماذا التركيز في الموضوع على العواطف والمشاعر وحشد الكلام والآراء بهذه الطريقة الحماسية؟ أليس هو الذي ادّعى أنَّه سيبحث هذا الموضوع من منطلقات علمية وعملية فقط بهدف إصابة الحقائق وتصويب الأخطاء؟ هل أنَّ تناول الموضوع من الزاوية العاطفية بالشكل الذي لجأ إليه المؤلّف هو منطق البحث العلمي الذي وعدنا به؟ هل تهييج مشاعر الناس بهذه الطريقة المبتذلة هو طريق البحث العلمي إلى إصابة الحقائق؟ هل استغلال هذه المشاعر والعواطف يؤدّي بالمقصد العلمي إلى الغاية المطلوبة، أم أنَّ ذلك من شأنه إيجاد الفرقة بين أبناء الصفّ الواحد، وتسعير الأحقاد وإشاعة التهمة وتهيئة مناخات الفتن؟!
لماذا الهجوم على "السيِّد" في هذا التوقيت؟
إنَّ ذلك يعيدنا مجدداً إلى إعادة طرح سؤال بهذه الصيغة: لماذا الهجوم على سماحة السيِّد في هذا التوقيت المريب؟
لماذا الاختباء وراء أصابع اليد؟ الجواب واضح وبديهي في رأينا، فمنذ شيوع اسم سماحته مرجعاً من مراجع التقليد في العالم الإسلامي، استثار ذلك حفيظة عدد من الذين ادّعوا الحبّ لسماحته قبل ذلك.
عادة يهدف العاملون على إسقاط المرجع الديني، كائناً مَن كان هذا المرجع، إلى التشكيك عنده بأمرين:
الأوّل: التشكيك بمقدرته العلمية، وفي المصطلح المتداول مقدرته على الاجتهاد.
الثاني: التشكيك بقوّة انتماء هذا المرجع إلى المذهب الشيعي.
وهذا ما حاول المحقِّق إثباته في هذا الكتاب، وسعى سعيه في سبيل تحقيق ذلك، إلاَّ أنَّه ـــ وكما تبيّن في سياق النقاش، أنَّ الأمر لم يَعْدُ أكثر من محاولة يائسة تبيّن من خلالها كيف عمل  الباحث على سوق المعطيات والوقائع لناحية وجهة نظره، دون أن يثبت أمراً واحداً يستطيع القارئ الاطمئنان إليه أو الركون إلى أدلّته.
وفي هذا الشأن لا بدَّ من الالتفات إلى أمور:
في شأن مرجعية سماحة السيِّد أمور:
أوّلاً: لعلّه من المفيد ترديد فحوى قول سماحته في هذا الموضوع وهو أنَّه لم يكن يرغب في إعلان تصدّيه للمرجعية الشرعية لولا إلحاح أصحاب الفضل والسماحة في هذا الشأن وإلحاح القطاعات الشعبية الواسعة على سماحته أن يصدر فتواه في أمور العقيدة والشريعة وأحكام التكاليف الشرعية، فمن أجل تسهيل أمور الناس، والتزاماً بالتكليف الشرعي، كان لا بدَّ من إعلان آراء سماحته في الأمور الشرعية كافّة.
ثانياً: إنَّ سماحته لم يفاخر يوماً في أمر من هذا النوع، بل رأيناه بصدق يزداد تواضعاً ولين عريكة، والأهم من ذلك، تقرُّباً إلى الناس، مصداقاً لقول الله لنبيّ الرحمة: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ...} [الكهف : 28].
ولم يشغله أمر المرجعية عن متابعة قضايا الناس وشؤونهم وحلّ مشاكلهم وإرشادهم إلى كلّ مفيد وسديد. والمؤلّف يعلم هذا الأمر تماماً، وما على مَن يريد التأكُّد من ذلك إلاَّ متابعة حركة سماحته وتحرُّكاته.
ثالثاً: إنَّ قرب سماحة السيِّد من قضايا الدين والدنيا وشؤونهما، جعله قادراً على تلمُّس العديد من الحلول للمشكلات الفقهية والتعقيدات الاجتماعية وحتّى السياسية والاقتصادية، ولا نظنّ أنَّ في ذلك ما يُدان به سماحته أو يؤاخذ عليه.
رابعاً: إنَّ ما أسهم في نشر فكر سماحة السيِّد وفتاواه، هو تصدِّيه لشؤون وقضايا نأى عن الخوض فيها العديد من المراجع، أو هم أحجموا عن الإعلان عن آرائهم بها لسببٍ أو لآخر، لكنَّ جرأة سماحته في إعلان رأيه صراحة في ما توصَّل إليه في اجتهاداته، جعل الناس تُقبل على تقليده، لأنَّها رأت فيه الفقيه الذي يعايش قضاياها ويُعاصرها، وهو إلى ذلك منخرطٌ في لجّة مسارها وهمومها ولا يقاربها عبر مناظير، ومن بعيد.
خامساً: كلّ مَن له خبرة وتمرّس في شؤون الفتوى والاجتهاد، يعلم مدى مشقّة العمل على إنتاج الاجتهادات الجديدة، وكم هو شاق هذا الطريق العلمي الحيوي والفعَّال، وبالتالي، فإنَّ سماحته حين يتصدَّى لمثل هذا الأمر، فإنَّه يزيد إلى مشاغله ومتاعبه شغلاً آخر وهمّاً جديداً، وهذا الأمر كما نعلم ويعلم المؤلّف ليس امتيازاً شخصياً، وإنَّما زيادة في تحمّل المسؤولية وأعبائها، وزيادة في حِمل العالِم الذي سيحاسب عليه أمام الله يوم القيامة.
سادساً: لعلَّ الهجمة على سماحة السيِّد تتعلَّق في جانب منها في أنَّه تصدّى ـــ وهو في قلب الحركة الإنسانية الإسلامية والعالمية ـــ لشؤون المرجعية، في وقتٍ قضى التقليد أن يكون المرجع الفقيه في منأى عن الجمهور وبعيداً عن حياتهم اليومية، وعلى مسافة من مشاكلهم ومعاناتهم المعيوشة، إضافة إلى بعده بالإجمال عن قضاياهم الكبرى، وهذا ما لا ينطبق على سماحته كما لم يكن ينطبق على سماحة الإمام الخميني (قدِّس سرّه) من قبل. وما أشبه الهجمة على سماحة السيّد بالهجمة على سماحة الإمام الذي كُفّر وزندق واستُبعد لأنَّه أراد أن يطلق الإسلام للحياة، بدل أن يكون لشريحة "مقلقلة" لا ترى في الإسلام سوى الجدل والسجال وراء الأحاجي المقفلة.
سابعاً: إنَّ سماحة السيّد منسجم مع نفسه ومع قناعاته في مسألة المرجعية، فهو صاحب وجهة نظر في شأنها، ورأيه موجود في جملة كتابات سبق أن نشر العديد منها حول ما أسماه "المرجعية المؤسّسة"، وهي في جوهرها تطوير في الشكل والمضمون لرأي السيّد الشهيد آية الله العظمى السيِّد محمَّد باقر الصدر حول "المرجعية الرشيدة"، وجوهر هذا الطرح يفضي بأنَّ المرجعية لا بدَّ من أن يتطوَّر دورها ووظيفتها التقليديان على ضوء اتّساع دائرة اهتماماتها والمدى الذي يناط بها التصدّي له وتفرّع العناوين الكبيرة لمهامها على العنوان الأصل، وبالتالي عدم قدرتها على شكلها الحالي على القيام بدورها كما ينبغي إن لم تتحوَّل إلى مؤسّسة تأخذ بعين الاعتبار اتّساع جمهور التابعين والمقلّدين كمّاً ونوعاً، بما يجعلها قادرة على متابعة شؤونهم وقضاياهم من موقع المسؤولية والحرص عليهم بما يكفل لهم وضعاً أفضل وتواصلاً أعمق ومشاركة أكبر في تداول شؤون الأُمّة مع مختلف قطاعاتها الواسعة والموزّعة جغرافياً تقريباً على أربع رياح المعمورة.
خلاصة: كان الأجدى بالمؤلّف أن يُعالج هذه المسألة وأمثالها عند سماحة السيِّد ويُناقشها، بل وينقلها إلى القيّمين على الحوزات العلمية لدراستها والتداول في أمرها والمشاركة في صنعها والعمل على تحسينها ـــ إن أمكن ـــ بغية أن يكون للمرجعية الإسلامية الشيعيّة في العالَم الدور الكبير والهام الذي يعوِّل عليه أبناء الأُمّة ويرى فيه الكثير من العلماء والغيورين على الأُمّة الفائدة والمصلحة التي لا يجب أن تفوَّت.
أمّا أن ينهال فلان من الناس على سماحته لمجرّد أنّه خرج عن تقليد درج عليه المؤلّف، فيكون الاعتبار الأصل عنده هو كيف نرجع هذا "العالِم الضَّال" إلى حظيرة الآباء والأجداد، فإنَّ هذا أمرٌ لم يعد ينطلي على أحد، ونظنّ أنَّ العارفين قد تجاوزوا منطق العصبيّة والتعصُّب وباتوا يؤمنون أنَّ الإسلام لا يمكن وضعه في قمقم أو اعتباره استنفد كلّ كنوزه ودرره وجواهره عند أيٍّ من الآباء والأجداد (غير النبيّ والأئمّة المعصومين عليهم السلام) وإلاَّ، ووفق منطق "المحقّق الجليل"، ماذا سيفعل الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه الشريف) عند ظهوره طالما أنَّ النصّ قد استنفد معانيه والألفاظ قد استنفدت دلالاتها وما عاد علينا إلاَّ أن نركن إلى السلف ونقيل العقل ونعطيه إجازة ونستريح من عناء الاجتهاد والجهاد؟!
الحقّ يُقال، إنَّ هناك الكثير الكثير ممّا يُقال في هذا المقام، لكن تعبنا من أمر أضعنا فيه وقتنا وصرفنا فيه جهدنا دفعاً لشبهة كان الأحرى بالكاتب ـــ وهو أعرف النّاس بسماحة السيِّد ـــ أن يقدّره حقّ قدره ولا يجعله غاية لسهامه واتّهاماته.
وأخيراً، وليس آخراً، فليعذرني القرَّاء الأعزَّاء على حماستي وغيرتي على سماحة السيّد، لأنّي في الحقيقة متعصّب لنهج الانفتاح والحوار والوحدة، ولأنَّ قناعتي أنَّ الوقوف خلف العلماء من أمثال الإمام الخميني والسيِّد فضل الله والسيِّد الخامنئي والشهيد الصدر والشهيد مطهّري وأمثالهم وكلّ الغيارى على الإسلام ومشروعه العالمي، لهو وقوف إلى جانب نهج وليس إلى جانب شخص، وأنَّ الدفاع عن النهج لا يعدّ عيباً ولا تكلُّفاً، خاصّة أنّنا لا ندّعي امتلاك الحقيقة ولا الإمساك بعنقها ولا من دأبنا تصنيف الناس كفرة ومؤمنين، بل نؤمن أنَّ النقاش والحوار هما الطريق الأسلم للوصول إلى الحقيقة، واختلاف وجهات النظر يُشَكِّل غنىً للفكرة، ويفتح فضاءً واسعاً لمعاني الإسلام وقِيَمه ولا يؤطّرها ويحصرها ويحاصرها ويخنق طيب أنفاسها.
إنَّ الإسلام الذي جعله الله (عزَّ وجلّ) لكلِّ زمان ومكان، يجب أن نطلقه في كلّ المساحات ولا نحبسه في مساحة صغيرة ضيّقة، هكذا علَّمنا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والإمام عليّ (عليه السلام) والزهراء (عليها السلام) وكلّ الأئمّة من بعدهم، وهذا هو جوهر فلسفة غيبة الإمام المهدي (عجَّل الله فرجه الشريف) الذي سيظهر ليملأ الأرض ـــ كلّ الأرض ـــ قسطاً وعدلاً بعد أن مُلِئت ظُلماً وجوراً.










الملحق
نص سماحة آية الله العظمى السيِّد أبي القاسم الموسوي الخوئي (قدِّس سرّه) حول كتاب سُليم بن قيس الهلالي.
وهنا نصّ السيِّد الخوئي: "سُليم بن قيس: قال النجاشي في زمرة من ذكره من سلفنا الصالح في الطبقة الأولى.
سُليم بن قيس الهلالي له كتاب، يكنّى أبا صادق، أخبرني عليّ بن أحمد القمّي، قال: حدَّثنا محمّد بن الحسن بن الوليد، قال حدَّثنا محمّد ابن أبي القاسم ماجيلويه عن محمَّد بن عليّ الصيرفي عن حمّاد بن عيسى وعثمان بن عيسى قال حمّاد بن عيسى وحدّثناه إبراهيم بن عمر اليماني عن سليم بن قيس بالكتاب.
وقال في ترجمة هبة الدين أحمد بن محمَّد الكاتب: كان يتعاطى الكلام ويحضر مجلس أبي الحسين بن الشيبة العلوي الزيدي المذهب، فعمل له كتاباً وذكر أنَّ الأئمّة ثلاثة عشر مع زيد بن عليّ بن الحسين، واحتجَّ بحديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي أنَّ الأئمّة اثنا عشر من ولد أمير المؤمنين (عليهم السلام) انتهى.
وقال الشيخ: (348) سليم بن قيس الهلالي: يكنّى أبا صادق، له كتاب أخبرنا به ابن أبي جيد عن محمَّد بن الحسن بن الوليد عن محمَّد ابن أبي القاسم الملقّب بماجيلويه عن محمّد بن عليّ الصيرفي عن حمّاد ابن عيسى وعثمان بن عيسى عن أبان بن أبي عياش عنه، ورواه حمّاد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر اليماني عنه.
وعدّه في رجاله في أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) "5" وفي أصحاب الحسن (عليه السلام) "1" وفي أصحاب الحسين (عليه السلام) "1"، قائلاً: سليم بن قيس الهلالي، وفي أصحاب السجّاد (عليه السلام) "6" قائلاً: سليم بن قيس الهلالي، ثمَّ العامري الكوفي صاحب أمير المؤمنين (عليه السلام) وعدَّه من أصحاب الباقر (عليه السلام) "1" وتقدّم في سلمة.
وعدَّه البرقي من الأولياء من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وفي أصحاب أبي محمَّد الحسن بن عليّ (عليه السلام) وأبي عبد الله الحسين بن عليّ من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) وكنَّاه في الأخير بأبي صادق وعدّه في أصحاب السجّاد من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) مقتصراً على كنيته، وقال عنه عدّه في أصحاب الباقر (عليه السلام) من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) أبو صادق سليم بن قيس الهلالي.
وقال الكشي (44) سليم بن قيس الهلالي:
حدَّثني محمَّد بن الحسن البراثي قال: حدَّثنا الحسن بن عليّ بن كيسان عن إسحاق بن إبراهيم بن عمر اليماني عن ابن أُذينة عن أبان ابن أبي عيّاش قال: هذا نسخة كتاب سليم بن قيس الجابري ثمَّ الهلالي دفعه إليّ أبان بن أبي عيّاش وقرأه وزعم أبان أنَّه قرأه على عليّ بن الحسين (عليه السلام). قال: صدق سليم رحمه الله عليه هذا حديث نعرفه.
محمَّد بن الحسن قال: حدَّثنا الحسن بن عليّ بن كيسان عن إسحاق بن إبراهيم عن ابن أُذينة عن أبان بن أبي عيّاش عن سليم بن قيس الهلالي قال: قلت لأمير المؤمنين (عليهم السلام): إنّي سمعت من سلمان ومن مقداد ومن أبي ذرّ أشياء في تفسير القرآن ومن الرّواية عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وسمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت في أيدي الناس أشياءً كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبيّ الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنتم تخالفونهم ـــ وذكر الحديث بطوله ـــ قال أبان: فقدر لي بعد موت عليّ بن الحسين (عليه السلام) أنّي حججت، فلقيت أبا جعفر محمَّد بن عليّ (عليه السلام)، فحدَّثت بهذا الحديث كلّه لم أخطئ منه حرفاً، فاغرورقت عيناه، ثمَّ قال: صدق سليم، قد أتى أبي بعد قتل جدّي الحسين (عليه السلام) وأنا قاعد عنده، فحدَّثه بهذا الحديث بعينه، فقال له أبي: صدقت قد حدَّثني أبي وعمّي الحسن (عليهما السلام) بهذا الحديث عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعليهم، فقالا لك: صدقت قد حدَّثك بذلك ونحن شهود ثمَّ حدَّثناه أنَّهما سمعا ذلك من رسول الله ثمَّ ذكر الحديث بتمامه.
وقال ابن الغضائري: سليم بن قيس الهلالي العامري: روى عن أبي عبد الله والحسن والحسين وعليّ بن الحسين (عليهما السلام) وينسب إليه هذا الكتاب المشهور، وكان أصحابنا يقولون إنَّ سليماً لا يعرف ولا ذكر في خبر، وقد وجدت ذكره في مواضع من غير جهة كتابه ولا من رواية أبان بن أبي عياش، وقد ذكر ابن عقدة في رجال أمير المؤمنين (عليه السلام) أحاديث عنه، والكتاب موضوع لا مرية فيه، وعلى ذلك علامات فيه تدلّ على ما ذكرناه، منها ما ذكر أنَّ محمَّد بن أبي بكر وعَظَ أباه عند الموت، ومنها أنَّ الأئمّة ثلاثة عشر، وغير ذلك. وأسانيد هذا الكتاب تختلف تارّة برواية عمر بن أذينة عن إبراهيم بن عمر الصنعاني عن أبان بن أبي عياش عن سليم و(تارة) يروي عن عمر عن أبان بلا واسطة.
وقال في أبان بن أبي عياش: ونسب أصحابنا وضع كتاب سليم ابن قيس إليه.
وقال الشيخ المفيد (رحمه الله) في آخر كتابه (تصحيح الاعتقاد): وأمّا ما تعلَّق به أبو جعفر (رحمه الله) من حديث سليم الذي رجع فيه إلى الكتاب المضاف إليه برواية أبان بن أبي عيَّاش، فالمعنى فيه صحيح، غير أنَّ هذا الكتاب غير موثوق به، وقد حصل فيه تخليط وتدليس فينبغي للمتديّن أن يجتنب العمل بكلِّ ما فيه ولا يعوّل على جملته والتقليد لروايته، وليفزع إلى العلماء في ما تضمّنه من الأحاديث ليوقفوه على الصحيح منها والفاسد، والله الموفّق للصواب (انتهى).
وقال النعماني في كتاب "الغيبة" في باب ما روي في أنَّ الأئمّة اثنا عشر إماماً: إنَّ كتاب سليم بن قيس الهلالي أصل من أكبر كتب الأصول التي رواها أهل العلم حملة حديث أهل البيت (عليهم السلام) وأقدمها وأنَّ جميع ما اشتمل عليه هذا الأصل إنَّما هو عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وأمير المؤمنين (عليه السلام) والمقداد وسلمان الفارسي وأبي ذرّ ومن جرى مجراهم ممّن شهد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأمير المؤمنين (عليه السلام) وسمع منهما، وهو (من) الأصول التي ترجع الشيعة إليها وتعوّل عليها، وإنَّما أوردنا بعض ما اشتمل عليه الكتاب وغيره من وصف رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والأئمّة الاثني عشر ودلالته عليهم وتكرير ذكر عدّتهم وقوله: إنَّ الأئمّة من ولد الحسين تسعة تاسعهم قائمهم (انتهى).
وقال ابن شهر آشوب في "معالم العلماء" (390): سليم بن قيس الهلالي صاحب الأحاديث له كتاب.
وقال العلاّمة (قدِّس سرّه) في الخلاصة القسم الأوّل "1"، من الباب:8، من فصل السين: وقال السيّد عليّ بن أحمد العقيقي: كان سليم بن قيس من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) طلبه الحجّاج ليقتله، فهرب وأوى إلى أبان بن أبي عياش، فلمّا حضرته الوفاة قال لأبان: إنَّ لك عليَّ حقّاً، وقد حضرني الموت يا بن أخي، إنَّه كان من الأمر بعد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كيت وكيت، وأعطاه كتاباً، فلم يرو عن سليم بن قيس أحد من النّاس سوى أبان بن أبي عيّاش، وذكر أبان في حديثه، قال: كان شيخاً متعبِّداً، له نور يعلوه.
بقي الكلام في وجهات.
الأولى: أنَّ سليم بن قيس ـــ في نفسه ـــ ثقة جليل القدر، عظيم الشأن، ويكفي في ذلك شهادة البرقي بأنّه من الأولياء من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) المؤيّدة بما ذكره النعماني في شأن كتابه، وقد أورده العلاّمة في القسم الأول وحكم بعدالته، وأمّا ابن داود فقد ذكره في القسمين الأول (731) والثاني (219) ولا نعرف لذلك وجهاً صحيحاً.
الثانية: إنَّ كتاب سليم بن قيس ـــ على ما ذكره النعماني ـــ من الأصول المعتبرة، بل من أكبرها، وأنَّ جميع ما فيه صحيح قد صدر من المعصوم (عليه السلام) أو ممَّن لا بدَّ من تصديقه وقبول روايته وعدّه صاحب الوسائل في الخاتمة في الفائدة الرابعة من الكتب المعتمدة التي قامت القرائن على ثبوتها وتواترت عن مؤلّفيها أو علمت صحّة نسبتها إليهم بحيث لم يبقَ فيه شكّ.
ولكن قد يُناقش في صحّة هذا الكتاب بوجوه:
الأوّل: إنَّه موضوع وعلامة ذلك اشتماله على قصّة وعظ محمَّد ابن أبي بكر أباه عند موته، مع أنَّ عمر محمّد وقتئذٍ كان أقلّ من ثلاث سنين، واشتماله على أنَّ الأئمّة ثلاثة عشر.
ويرد هذا الوجه أوّلاً، أنَّه لم يثبت ذلك والسند في ذلك ما ذكره ابن الغضائري، وقد تقدَّم غير مرَّة أنَّه لا طريق إلى إثبات صحّة نسبة الكتاب المنسوب إلى ابن الغضائري، كيف وقد ذكر صاحب الوسائل في ترجمة سليم بن قيس: والذي وصل إلينا من نسخة الكتاب، ليس فيه شيء فاسد ولا شيء ممّا استدلَّ به على الوضع، ولعلَّ الموضوع الفاسد غيره، ولذلك لم يشتهر، ولم يصل إلينا (انتهى).
وقال الميرزا في رجاله الكبير: إنَّ ما وصل إليَّ من نسخة هذا الكتاب، المذكور فيه أنَّ عبد الله بن عمر وعظ أباه عند الموت وأنَّ الأئمّة ثلاثة عشر مع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وشيء من ذلك، لا يقتضي الوضع (انتهى).
وقال الفاضل التفريشي في هامش النقد: قال بعض الأفاضل: رأيت في ما وصل إليَّ من نسخة هذا الكتاب أنَّ عبد الله بن عمر وعظ أباه عند موته وأنَّ الأئمّة ثلاثة عشر من ولد إسماعيل، وهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مع الأئمّة الاثني عشر، ولا محذور في أحد هذين (انتهى).
وإنّي لم أجد في جميع ما وصل إليَّ من نسخ من هذا الكتاب إلاَّ كما نقل هذا الفاضل والصدق مبين في وجه أحاديث هذا الكتاب من أوّله إلى آخره، فكان ما نقل ابن الغضائري محمول على الاشتباه.
(انتهى كلام الفاضل التفريشي).
أقول: وممّا يدلّ على صحّة ما ذكره صاحب الوسائل والفاضلان التفريشي والاسترابادي: أنَّ النعماني روى في كتاب "الغيبة" بإسناه عن سليم بن قيس في كتابه حديثاً طويلاً، وفيه:
فقال عليّ (عليه السلام): أَلَسْتُم تعلمون أنَّ الله عزَّ وجلّ أنزل في سورة الحجّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ*وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [الحج : 77 ـــ 78].
فقام سلمان (رضي الله عنه) عند نزولها، فقال يا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): مَن هؤلاء الذين أنتَ شهيد عليهم وهم شهداء على الناس الذين اجتباهم الله ولم يجعل عليهم في الدين من حرج ملَّةَ أبيهم إبراهيم؟ فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): عنى الله بذلك ثلاثة عشر إنساناً: أنا وأخي عليّاً وأحد عشر من ولده (الحديث).
وروى أيضاً بإسناده عنه قال: لما أقبلنا من صفّين مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، نزل قريباً من دير نصراني، إذ خرج علينا شيخ من الدير، جميل الوجه، حسن الهيئة والسمت، معه كتاب حتّى أتى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فسلَّم عليه.. (إلى أن قال): وفي ذلك الكتاب ثلاثة عشر رجلاً من ولد إسماعيل بن إبراهيم خليل الله من خير خلق الله... (إلى أن قال): رسول الله اسمه محمَّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأحبّ من خلق الله إلى الله بعده عليّ ابن عمّه لأمّه وأبيه، ثمَّ أحد عشر رجلاً من ولد محمَّد وولده، أوّلهم يسمّى باسم ابْنَيْ هارون شبّراً وشبيراً، وتسعة من ولد أصغرهما واحد بعد واحد، آخرهم الذي يصلي عيسى خلفه.
وروى أيضاً بإسناده عنه حديثاً طويلاً وفيه: أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) سميّ لعليّ، قال عليّ (عليه السلام): قد سألت فأفهم الجواب (إلى أن قال): قلت يا رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ومن شركائي؟ قال (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): الذين قرنهم الله بنفسه وبي فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء : 59] (إلى أن قال): قلت يا رسول الله سمّهم لي، فقال: ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسن (عليه السلام)، ثمَّ ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسين (عليه السلام)، ثمَّ ابن له على اسمك يا عليّ (عليه السلام)، ثمَّ ابن له محمَّد بن عليّ (عليه السلام)، ثمَّ أقبل على الحسين (عليه السلام)، وقال: سيولَد محمَّد بن عليّ في حياتك فأقرئه منّي السلام، ثمَّ تكمله اثني عشر إماماً (الحديث).
وروى بإسناده عنه أيضاً أنَّ عليّاً (عليه السلام)، قال لطلحة في حديث طويل عند تفاخر المهاجرين والأنصار: يا طلحة أليس قد شهد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) حين دعا بالكتف ليكتب فيها ما لا تضلّ الأُمّة بعده ولا تختلف؟... إلى أن قال: وسمّى مَن يكون من أئمّة الهدى الذين أمر المؤمنين بطاعتهم إلى يوم القيامة، فسمّاني أوّلهم ثمَّ ابني هذا حسن ثمَّ ابني هذا حسين ثمَّ تسعة من ولد ابني هذا حسين (الحديث).
وروى بإسناده عنه أيضاً حديثاً طويلاً فيه، قال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: فما بال أقوام يعيروني بقرابتي وقد سمعوني أقول فيهم ما أقول من تفضيل الله تعالى إيّاهم ـــ إلى أنْ قال ـــ: نظر الله إلى أهل الأرض نظره فاختارني منهم، ثمَّ نظر نظرة فاختار عليّاً أخي ووزيري ووارثي ووصيّي وخليفتي في أُمّتي ووليّ كلّ مؤمن بعدي ـــ إلى أن قال ـــ ثمَّ إنَّ الله نظر نظرة ثالثة، فاختار من أهل بيتي بعدي وهم خيار أُمّتي أحد عشر إماماً بعد أخي واحداً بعد واحد (الحديث).
وروى محمّد بن يعقوب بسندين صحيحين وبسندٍ آخر عن أبان ابن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي، قال: سمعت عبد الله بن جعفر الطيَّار يقول: كنّا عند معاوية أنا والحسن والحسين (عليهما السلام) وعبد الله بن عبّاس وعمر بن أم سلمة، فجرى بيني وبين معاوية كلام، فقلت لمعاوية: سمعت رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يقول: أنا أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمَّ أخي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد عليّ فالحسن بن عليّ أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمَّ ابني الحسين من بعده أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، فإذا استشهد فابنه عليّ ابن الحسين أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، وستدركه يا عليّ، ثمَّ ابنه محمَّد ابن عليّ أوْلى بالمؤمنين من أنفسهم، ثمّ تكمله اثني عشر إماماً تسعة من ولد الحسين... إلى أن قال: قال سليم وقد سمعت ذلك من سلمان وأبي ذرّ والمقداد وذكروا أنَّهم سمعوا ذلك من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم). الكافي، الجزء:1، كتاب الحجّة:4، باب ما جاء في الاثني عشر والنصّ عليهم، عليهم السلام 126، الحديث:4.
ورواه النعماني في كتاب "الغيبة" عن محمَّد بن يعقوب نحوه.
ورواه الصدوق في الخصال في أبواب الاثني عشر، الحديث:41. بسندين صحيحين عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس الهلالي نحوه.
وروى أيضاً فيه الحديث:38، عن أبيه (رضي الله عنه) قال: حدَّثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف، قال: حدَّثني يعقوب بن يزيد عن حمّاد بن عيسى عن عبد الله بن مسكان عن أبان بن تغلب عن سليم ابن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي قال: دخلت على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وإذا الحسين على فخذيه وهو يقبّل عينيه ويلثم فاه وهو يقول: أنتَ سيّد ابن سيّد، أنتَ إمام ابن إمام أبو الأئمّة، أنتَ حجّة ابن حجّة، أبو حجج تسعة من صلبك تاسعهم قائمهم.
وبما ذكرناه ـــ يظهر أنَّ ما نسبه ابن الغضائري إلى كتاب سليم بن قيس من رواية أنَّ الأئمّة ثلاثة عشر، لا صحّة له، غاية الأمر أنَّ النسخة التي وصلت إليه كانت مشتملة على ذلك. وقد شهد الشيخ المفيد أنَّ في النسخة تخليطاً وتدليساً، وبذلك يظهر الحال في ما ذكره النجاشي في ترجمة هبة الله بن أحمد بن محمَّد من أنَّه عمل كتاباً لأبي الحسين العلوي الزيدي وذكر أنَّ الأئمّة ثلاثة عشر مع زيد بن عليّ ابن الحسين (عليه السلام) واحتجَّ بحديث في كتاب سليم بن قيس الهلالي: أنَّ الأئمّة اثنا عشر من ولد أمير المؤمنين (عليهم السلام).
وأمّا وعظ محمَّد بن أبي بكر أباه عند موته، فلو صحّ، فهو وإن لم يمكن عادة، إلاَّ أنَّه يمكن أن يكون على نحو الكرامة وخرق العادة.
وعلى ذلك فلا وجه لدعوى وضع كتاب سليم بن قيس أصلاً.
ثانياً: إنَّ اشتمال كتاب على أمر باطل في مورد أو موردين، لا يدلّ على وضعه، كيف، ويوجد ذلك في أكثر الكتب حتّى كتاب الكافي الذي هو أمتن كتب الحديث وأتقنها.
الوجه الثاني: إنَّ راوي كتاب سليم بن قيس هو أبان بن أبي عيّاش، وهو ضعيف على ما مرَّ، فلا يصحّ الاعتماد على الكتاب، بل قد مرَّ عن العقيقي أنَّه لم يروه عن سليم بن قيس غير أبان بن أبي عيّاش.
والجواب عن ذلك، أنَّ ما ذكره العقيقي باطل جزماً، فقد روى عن سليم بن قيس في الكافي وغيره من غير طريق أبان.
وأمّا ما ذكره ابن الغضائري من انحصار راوي كتاب سليم بن قيس بأبان، فيرده ما ذكره النجاشي والشيخ من رواية حمّاد بن عيسى عن إبراهيم ابن عمر الصنعاني عنه كتابه.
الوجه الثالث: إنَّ راوي كتاب سليم بن قيس أبان بن أبي عيّاش وهو ضعيف وإبراهيم بن عمر الصنعاني، وقد ضعفه ابن الغضائري، فلا يمكن الاعتماد على كتاب سليم بن قيس.
والجواب: أنَّ إبراهيم بن عمر وثّقه النجاشي ولا يعارضه تضعيف ابن الغضائري على ما مرَّ الكلام في ترجمته.
هذا، والصحيح أنَّه لا طريق لنا إلى كتاب سليم بن قيس المروي بطريق حمّاد بن عيسى عن إبراهيم بن عمر عنه، وذلك، فإنَّ في الطريق محمّد بن عليّ الصيرفي أبا سمينة وهو ضعيف كذّاب.
الجهة الثالثة: قد عرفت أنَّ للشيخ إلى كتاب سليم طريقين، في أحدهما حمّاد بن عيسى وعثمان بن عيسى، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم، وفي الثاني حمّاد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن سليم.
وأمّا النجاشي، فالظاهر أنَّ في عبارته سقطاً، وجملة (عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم) قد سقطت بعد قوله: (وعثمان بن عيسى). وكيف كان، فلا يصحّ ما ذكره ابن الغضائري من اختلاف سند هذا الكتاب، فتارّة يروي عن عمر بن أذينة، عن إبراهيم بن عمر الصنعاني، عن أبان بن أبي عيّاش عن سليم، وتارّة يروي عن عمر عن أبان بلا واسطة.
وذلك، فإنَّ عمر بن أذينة غير مذكور في الطريق أصلاً وإبراهيم بن عمر روى عن سليم بلا واسطة.
ثمَّ إنَّ بعض أهل الفن قد استغرب رواية إبراهيم بن عمر عن سليم بلا واسطة واستظهر سقوط الواسطة وأنَّ الصحيح رواية إبراهيم عن ابن أذينة عن أبان، عن سليم، كما في الكافي، الجزء:2، كتاب الإيمان والكفر:1، في بابي دعائم الكفر وصفة النفاق 167 و168 الحديث:1.
أقول: هذا الاستغراب غريب! فإنَّ رواية إبراهيم بن عمر، عن سليم مع الواسطة أحياناً لا يُنافي روايته عنه كتابه بلا واسطة، فإنَّ إبراهيم بن عمر من أصحاب الباقر (عليه السلام)، فيمكن أن يروي عن سليم بلا واسطة، ودعوى أنَّ ما في الكافي رواية عن كتاب سليم أيضاً، دعوى بلا بيِّنة وتخرص على الغيب، بل الظاهر أنَّ لسليم أحاديث من غير كتابه، والشاهد على ذلك: ما قدّمناه عن ابن شهر آشوب من أنَّه صاحب الأحاديث، له كتاب، ويشهد له أيضاً: أنَّ النعماني بعدما روى عدّة روايات عن كتاب سليم، روى رواية عن محمَّد بن يعقوب بإسناده عن سليم، وقد تقدَّمت الروايات ويظهر من ذلك، أنَّ رواية محمَّد بن يعقوب لم تكن موجودة في كتاب سليم.
بقي هنا أمران:
الأوّل: إنَّ ابن الغضائري ذكر في كلامه رواية سليم بن قيس عن أبي عبد الله، والحسن والحسين وعليّ بن الحسين (عليهم السلام)، وهذا غريب جداً!! فإنَّ سليم بن قيس لم يدرك الصادق (عليه السلام)، بل الظاهر من الرواية الأولى المتقدّمة عن الكشي أنَّه مات في زمن عليّ بن الحسين (عليه السلام)، ولكنَّ الرواية ضعيفة وقد صرَّح الشيخ في رجاله بأنَّه من المدركين للباقر (عليه السلام).
الثاني: أنَّ المذكور في روايتي الكشي المتقدّمتين، رواية إسحاق بن إبراهيم بن عمر اليماني عن ابن أُذينة، عن أبان بن أبي عيّاش، عن سليم بن قيس، وهاتان الرِّوايتان ـــ مع أنَّهما ضعيفتان، ولا أقلّ من جهة الحسن بن عليّ بن كيسان ـــ فيهما تحريف لا محالة، فإنَّ الراوي عن ابن أذينة هو إبراهيم بن عمر اليماني لا ابنه إسحاق، بل لا وجود لإسحاق بن إبراهيم، ومن المطمأن به أنَّ التحريف من النساخ، والصحيح فيه: الحسن بن عليّ بن كيسان، عن أبي إسحاق إبراهيم بن عمر اليماني، عن ابن أذينة.
وكيفما كان، فطريق الشيخ إلى كتاب سليم بن قيس بكلا سنديه ضعيف، ولا أقلّ من جهة محمَّد بن عليّ الصيرفي (أبي سمينة)"(1).