كتب السيّد فضل الله فقه القضاء 1 ۲۳ مايو ۲۰۱۹ ۸۲٥۲ مشاهدة الفهرس تقريظ سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله(دام ظله) 11 المقدمة 13 الفصل الأول وجوب القضاء 1- القضاء لغة واصطلاحاً 25 القضاء لغة: 25 القضاء في الاصطلاح: 26 2- فقه القضاء في القرآن 28 أ- الحكم بما أنزل الله: 28 ب- شخصية القاضي: 33 ج- الحكم بين أهل الكتاب: 35 سبب النزول: 36 3- القضاء في سيرة النبي(ص) والإمام علي(ع) 40 4- وجوب القضاء 44 خطورة منصب القضاء: 52 حرمة القضاء لمن لا يملك الأهلية: 54 حكم القاضي الفاقد للأهلية أو مجهول الحال: 55 استحباب القضاء عيناً 56 عدم وجوب الفورية في القضاء: 58 5- النصب العام للقضاء 59 الحاجة إلى النصب: 59 أدلة النصب العام: 63 سند المقبولة: 69 مناقشة الدعوى الأولى (مشايخ الثقات): 72 مناقشة الدعوى الثانية (أصحاب الإجماع): 78 مناقشة الدلالة: 79 الفصل الثاني شخصية القاضي 1- صفات القاضي 84 1- الحرية: 85 2- سلامة البصر: 87 3- العلم بالكتابة: 89 4- البلوغ: 90 5- العقل: 91 6- طهارة المولد: 93 7- الإسلام: 94 القضاء بين غير المسلمين: 98 8- الإيمان: 99 تحديد محل الكلام: 99 أدلة الاشتراط: 101 التمسك بالأصل: 109 تولية شريح دليل عدم الاشتراط: 109 9- العدالة: 112 10- الذكورة: 115 القدرات العقلية عند المرأة: 117 أدلة الاشتراط: 120 تحفظ الأردبيلي والخونساري: 128 11- العلم والاجتهاد: 130 كلمات الأصحاب: 131 أقوال العامة: 134 أدلة اشتراط الاجتهاد: 136 1- الإجماع: 136 2- الاستدلال بالأصل: 137 3- الاستدلال بالأخبار: 138 شواهد على كفاية مطلق العلم: 141 اشتراط الأعلمية: 145 أدلة عدم اشتراطية الأعلمية: 150 إيكال القضاء لغير أهله: 151 التوكيل في المقدمات: 152 التوكيل في القضاء: 152 أدلة القول بالجواز: 153 التفصيل بين الصفات: 156 حالات الضرورة: 159 2- أقسام القاضي 159 1- القاضي المنصوب: 162 2- قاضي التحكيم: 162 أدلة مشروعية قاضي التحكيم: 162 الأول: الآيات القرآنية: 163 الثاني: الأخبار، من ذلك: 165 الثالث: أدلة الوفاء بالشرط: 172 الرابع: أدلة الصلح: 174 الخامس: السيرة العقلائية: 175 السادس: الإجماع: 176 أدلة عدم المشروعية: 176 الرأي المختار: 179 مدخلية رضا الخصمين في نفوذ حكمه: 183 من الذي يعيّن القاضي؟ 185 صورة التداعي: 188 3- رزق القاضي 190 ارتشاء القاضي: 190 حقيقة الرشوة: 190 حكم الرشوة: 192 حكم بذل الرشوة: 195 حكم الوسيط في الرشوة: 197 الرشوة أعم من المال: 197 حكم الهدية: 198 حرمة الرشوة في غير القضاء: 203 حكم ضمان الرشوة: 207 الحكم الوضعي للهدية والمعاملة المحاباتية: 210 عدم نفوذ حكم الحاكم المرتشي: 213 الشك في كون المدفوع هدية أو رشوة: 213 رزق القاضي: 215 4- نقض حكم الحاكم 217 حرمة نقض حكم القاضي: 218 استئناف الحكم: 218 نظر الثاني في حكم الأول: 220 موارد جواز النقض: 222 مناقشة القول بالموضوعية: 225 حكم الحاكم لا يغيّر الواقع: 227 نقض الحكم بالفتوى وعكسه: 230 الحكم على طبق حكم قاضٍ آخر: 231 إمضاء حكم المقصِّر في الاجتهاد أو غير المؤهل: 231 مخالفة الحكم لخبر معتبر: 232 انكشاف خطأ الحكم بعد تنفيذه: 233 دعوى المحكوم عليه فقد الشروط: 237 لزوم إحضار الخصم: 239 5- الحكم في موارد التهمة 242 حكم الحاكم لو كان وكيلاً: 242 عدم نفوذ حكمه على من لا تقبل شهادته له أو عليه: 244 موقف القانون الوضعي: 247 لفصل الثالث معنى المدعي والمنكر 1- تحديد المدعي 251 تحقيق الحال في التعريف: 255 اختلاف صدق المدعي والمنكر: 256 2- شروط سماع الدعوى 259 الدعاوى الحسبية: 264 إثبات الوكالة أولاً: 264 إثبات الرهن هل يستلزم إثبات الملك: 265 رأي صاحب الجواهر في اللزوم: 268 كفاية الإجمال في سماع الدعوى: 272 دعوى الإقرار: 273 المناقشة: 273 كفاية دعوى الملزوم في إثبات اللازم: 276 الإدعاء على الشاهد علمه بفسق نفسه: 277 أدلة القائلين بالجزم: 280 أدلة عدم اشتراط الجزم: 283 هل يُقضى بالنكول في المقام: 285 إبراز الدعوى بصورة الجزم: 288 دعوى القتل على أحد شخصين: 291 الترديد في صاحب الحق: 292 3- الدعوى على المجهول والغائب 292 الدعوى على المجهول: 292 الدعوى على الغائب: 293 الفصل الرابع وسائل الإثبات القضائي حكم القاضي بعلمه 312 تحرير الأقوال في المسألة: 312 موقف فقهاء الجمهور من علم القاضي: 316 موقف القانون من علم القاضي: 319 مقتضى الأصل في المسألة: 323 أدلة القول بالنفوذ: 324 أدلة عدم النفوذ: 349 حجية العلم المستمد من المعطيات القضائية: 360 الحل المناسب: 361 تقريظ سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. وبعد فقد كان من توفيق الله ولطفه أن يجتمع لديّ نخبة من الفضلاء، وطلبة الفقه الإسلامي في "بحث الخارج"، الذي يمثل الدراسة الفقهية الاجتهادية العالية في موضوع "فقه القضاء الإسلامي"، الذي تابعنا فيه الأبحاث التي حققها الفقيه المحقق السيد محمد كاظم اليزدي في العروة الوثقى في "كتاب القضاء" بأسلوب علميّ دقيق خاضع للتحقيق والتحليل والمناقشة. وقد قام فضيلة العلامة الجليل الشيخ حسين الخشن حفظه الله بتقرير هذه الدراسات في تعليقنا على الكتاب المذكور بتحقيق دقيق وأسلوب مشرق وأمانةٍ صادقة في توثيق ما حققناه وتأصيل ما بحثناه مما يدل على فضله وعلمه ودقته في البيان. وإني إذ أشكره على ذلك أسأل الله أن يكثّر في العلماء الفضلاء من أمثاله، كما أسأل الله سبحانه أن ينفع بهذا الكتاب أهل العلم والفضيلة راجياً منهم إبداء ملاحظاتهم على مطالبه فيما قد يثور في أذهانهم من النقد والتحليل والله الموفق وهو حسبنا ونعم الوكيل. مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وبعد... العدل أساس الرسالات: فإن العدل عنوان كبير يلخّص كل تعاليم السماء وأهداف الأنبياء والرسل، ويحقق الخير للإنسانية جمعاء، لأنه يضع الأمور في مواضعها ويعطي كل ذي حق حقه ويشيع الطمأنينة وينشر الأمن والاستقرار في المجتمعات ويمنع الفوضى ويحدّ من الجريمة ويقوّي ثقة الأمة بالحاكم، ولهذا جعله الله هدفاً لإرسال الأنبياء {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ}(الحديد:25) وغايةً ليوم الجزاء {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ}(غافر:17) وأراد للحياة الدنيا أن تتحرك على أساس العدل {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}(النحل:90). والنظام القضائي هو أهم وسيلة من وسائل تحقيق العدل، به تحفظ الحقوق وتصان الأعراض والدماء والأموال. القضاء عند العرب قبل الإسلام: وقد أدرك الإنسان منذ القديم بفطرته وتجربته، الحاجة الماسة لهذا النظام فسنّ القوانين المناسبة ــ برأيه ــ لذلك وشكّل جهازاً مهمته النظر في الشكاوي والمظالم، وكانت التجربة الإنسانية في هذا المجال تتراوح بين مد وجزر، تارة تكون مقبولة وناجحة وأخرى فاشلة ومريرة، وأسوأ حالات الفشل التي مني بها الجهاز القضائي في تاريخه هي حالات تدخل السلطة السياسية في عمله بما أفقده استقلاله وحوّل الحاكم إلى خصم وشاهد وقاضٍ في آنٍ واحد كما قال الشاعر: يا أعدَلَ النّاسِ إلاّ في مُعامَلَتي فيكَ الخِصامُ وَأنتَ الخصْمُ وَالحكَمُ ولو راجعنا تاريخ العرب قبل الإسلام لوجدنا أنهم وعلى الرغم من انتشار الفوضى العارمة بينهم وسيادة منطق العشيرة والقوة في أوساطهم، استطاعوا أن يقدموا نظاماً استوحوه من عاداتهم القبلية وأعرافهم البدوية، وما يعنينا من هذا النظام هو ما يرتبط بما عرف بنظام التحكيم القضائي، حيث كان لكل قبيلة حكّام يتحاكمون إليهم في فض النزاعات والخصومات، وقد تعرض المؤرخ اليعقوبي لذلك فقال: "وكان للعرب حكام ترجع إليها في أمورها وتحكم في منافراتها ومواريثها ومياهها ودمائها" (تاريخ اليعقوبي: 1/227) وكانوا يختارون الحكام من أهل الشرف والصدق والأمانة والرئاسة والمجد والتجربة، ومن أهم الشروط التي يجب توفرها في الحاكم: العدل والنزاهة، وربط أهل الأخبار "الحكم" بـ"الحكمة" وجعلوا بينهما سبباً ونسباً... وجعلوا الحكام حكماء حتى أنهم إذا ذكروا الحكّام قصدوا بهم حكّام العرب في الجاهلية... وقد أقرّ الإسلام بعض الأحكام الجاهلية وهذّب بعضاً آخر ومن هذه الأمور ما يدخل في باب العقوبات والجزاء منها ما يقع في باب المعاملات المدنية، كما تفيد المصطلحات الفقهيّة القديمة... (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام: 5/502). وينسب إلى قُسُّ بن ساعدة الإيادي أحد حكماء العرب وأشهر قضاتهم أنه قال: "البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر" (تاريخ القضاء في الإسلام للزحيلي: 32). وقد ذكر المؤرخون أسماء الكثيرين من المحكّمين العرب وسوف نشير في هامش بعض البحوث الآتية إلى أبرز هؤلاء. ويشار إلى نظام التحكيم العرفي لا زال معمولاً به لدى الكثير من القبائل العربية في العراق والحجاز وسوريا ومصر، وهي تفضّله على القضاء الرسمي. القضاء في الإسلام: ومع مجيء الإسلام وبعثة النبي محمد(ص) حصلت ثورة فيما يتعلق بالقضاء وقوانينه وأساليبه وصفات القاضي وشروطه، فقد شكّل رسول الله(ص) نظاماً وجهازاً قضائياً وبيّن معالمه وشروطه وغاياته وأدواته وقواعده وتفاصيله، وحدد شروط القاضي ومواصفاته، وكان(ص) أول قاضٍ في الإسلام تولى هذه المهمة امتثالاً لأمر الله سبحانه: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً}(النساء:105) وجاء في المعاهدة التي تمّت بينه(ص) وبين اليهود: "أنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدثٍ أو شجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله" (السيرة النبوية لابن هشام 1/504). وقد عيّن(ص) القضاء في أنحاء الدولة الإسلامية فانتدب علياً(ع) إلى اليمن، وروي أنه(ع) قال لرسول الله حين بعثه: "يا رسول الله بعثتني أقضي بينهم وأنا شاب لا أدري ما القضاء؟ قال: فضرب رسول الله(ص) في صدره وقال: اللهم اهده وثبت لسانه، قال(ع): فوالذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين" (مناقب أهل البيت(ع): 192). ومن هنا كان علي(ع) أقضى الناس وملجأ القضاة ومرجع الحكام ممن سبقوه، يرجعون إليه إذا تشابهت عليهم الأمور وضاقت بهم السبل وقد قالها عمر: "لولا عليّ لهلك عمر". وإنّ التجربة القضائية لأمير المؤمنين(ع) غنية ومتنوعة، وقد كان يتّبع(ع) أساليب متنوعة بغية الوصول إلى الحقيقة من تفريق الشهود والاستفادة من العلوم الأخرى، مضافاً إلى تجربته وخبرته في الحياة، وقد جمع العلماء أقضيته في كتب خاصة، ولعل أوسعها وأشملها كتاب "قضاء أمير المؤمنين" للمحقق التستري رحمه الله، وإننا نعتقد أن أقضيته(ع) تحتاج إلى دراسة خاصة ومتأنية لأنها تفتح أبواباً كثيرة أمام القضاء الإسلامي، سيّما فيما يرتبط بطرق وأساليب التحقيق مع المتهمين، أو استخدام آليات ووسائل جديدة وعلميّة بغية الوصول إلى الحقيقة. وقد عرف عن الإمام علي(ع) تشدده في مجال تطبيق العدالة الإسلامية، وهذا ما خلق له الكثير من الأعداء حتى قال: "ما ترك لي الحق من صديق"، ولم يكن للعدالة عنده مذهب أو دين أو لون خاص بل كان يُنصف الآخرين الذين يختلفون معه دينياً أو سياسياً تماماً كما ينصف نفسه والمقربين منه، وينقل ابن أبي الحديد أنه "استعدى رجل على علي بن أبي طالب(ع) عمرَ بن الخطاب وعلي جالس فالتفت عمر إليه، فقال: قم يا أبا الحسن فاجلس مع خصمك، فقام فجلس معه وتناظرا، ثم انصرف الرجل ورجع علي(ع) إلى محلِّه، فتبيّن عمر التغيّر في وجهه، فقال: يا أبا الحسن، ما لي أراك متغيراً! أكرهتً ما كان؟ قال: نعم قال: وما ذاك قال: كنيتّني بحضرة خصمي، هلاّ قلتَ: قم يا علي فاجلس مع خصمك! فاعتنق عمرُ علياً، وجعل يقبل وجهه، وقال: بأبي أنتم! بكم هدانا الله، وبكم أخرجنا من الظلمة إلى النور" (شرح نهج البلاغة: 17/605). وهكذا نجد أنه(ع) كان لا يأنف ولا يأبى من الترافع شخصياً إلى قاضٍ من قضاته إذا ادعي عليه بشيء، فقد روي أنه رأى ذات يوم درع طلحة في يد رجل يعدى عبد الله بن قفل فقال: "هذه درع طلحة، أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال له عبد الله بن قفل: فاجعل بيني وبينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين فجعل بينه وبينه شريحاً...." (وسائل الشيعة، الباب 14، من أبواب كيفية الحكم الحديث، 6). بل إنه(ع) لم يأنف من الوقوف مع خصم يهودي في مجلس القضاء، فقد أخرج أبو نعيم في الحلية قال: "وجد علي بين أبي طالب كرم الله وجهه درعاً له عند يهودي التقطها فعرفها فقال: درعي سقطت عن جمل لي أوراق فقال اليهودي: درعي وفي يدي، ثم قال له اليهودي: بيني و بينك قاضي المسلمين، فأتوا شريحاً... إلى أن يقول: قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين(ع)؟ قال: درعي سقطت عن جمل لي أورق فالتقطها هذا اليهودي، قال شريح: ما تقول يا يهودي؟ قال: درعي وفي يدي، قال شريح: صدقت، والله يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك، ولكن لا بد من شاهدين فدعا قنبراً مولاه والحسن بن علي، وشهدا أنها لدرعه، فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك لك فلا نجيزها، فقال علي: ثكلتك أمك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله(ص): الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة" قال: اللهم نعم، قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنة؟ ثم قال لليهودي: خذ الدرع، فقال اليهودي: أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين، فقضى عليه و رضي، صدقت والله يا أمير المؤمنين، إنها لدرعك سقطت عن جمل لك التقطتها، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فوهبها له علي(ع)، وأجازه بتسعمائة، وقاتل معه يوم صفين" (راجع فقه السنة 3/283). من عهد علي إلى مالك الأشتر: وجاء في عهده(ع) إلى مالك الاشتر لما ولاه مصر: "... ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلَا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ، وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ، وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ". ثم يضيف(ع): ــ وهو يشير إلى نقطة هامة عرفها النظام القضائي الحديث وهي ضرورة كفاية القضاة والتوسعة عليهم من الناحية المادية حفظاً لهم من الانحراف في القضاء تحت ضغط الحاجة المادية ــ: "ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِه وافسح له في البذل مما يزيح علَّته وتقلُّ معه حاجته إلى الناس، وأعطه المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك، ليأمن بذلك اغتيال الرِّجال له عندك فانظر في ذلك نظراً بليغاً، فإنّ هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار يُعمل فيه بالهوى وتُطلب به الدنيا" (نهج البلاغة). تطور النظام القضائي الإسلامي: وبمرور الزمن تطور النظام القضائي في الإسلام تطوراً ملحوظاً وتشكلت آليات لتعيين القضاة وعزلهم وتوزيعهم وارتزاقهم من بيت المال، ومن أبرز هذه التطورات التي أدخلها الإسلام على النظام القضائي قضية الفصل بين السلطات، وقد عرف المسلمون بوادر نظام الفصل بين السلطات منذ العهد النبوي من خلال تعيينه(ع) بعض الأشخاص في منصب القضاء كإرساله لأمير المؤمنين(ع) قاضياً إلى اليمن، ثم تكرّس نظام الفصل هذا في عهد الخلافة الأولى سيما في عهد أمير المؤمنين(ع) الذي جسَّد الفصل قولاً وفعلاً، فعيّن ابن عباس قاضياً على البصرة وأقرّ شريحاً في منصبه في الكوفة، وكلّف مالك الأشتر ــ كما مرّ ـت أن يختار أشخاصاً بمواصفات معينة للحكم بين الناس (راجع التنقيح الرائع: 4/231) وبحار الأنوار 39/175). ومتزامناً مع نظام الفصل بين السلطتين التنفيذية والقضائية الذي أُقرّ في العهد الإسلامي الأول حصل تنويع وتنظيم داخل النظام القضائي نفسه، وتمّ استحداث قضاء المظالم وقضاء الحسبة إلى جانب القضاء العادي، ويرمي قضاء المظالم إلى محاسبة الولاة والقادة وذوي النفوذ إذا صدر منهم ظلم لأحد من الناس أو تعدٍ على الأموال العامة أو استغلال للسلطة أو ما إلى ذلك، ويرمي قضاء الحسبة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة شرع الله وتطبيق حدوده والمحافظة على النظام العام. وفي العهدين الأموي والعباسي تطور النظام القضائي أكثر فأكثر، لجهة تعيين القضاة وعزلهم وتنويع مهامهم وتحديد صلاحياتهم وأماكن قضائهم وحتى لباسهم وزيهم القضائي، وفي العصر العباسي تم استحداث منصب قاضي القضاة الذي هو بمثابة وزير العدل في أيامنا هذه، يعيّن القضاة ويشرف على أعمالهم. وينقل عن الدميري أن أبا يوسف القاضي هو أول من دعي بقاضي القضاة كما أنه أول من غيّر لباس العلماء إلى الهيئة لتي هم عليها اليوم وكان قبله لا يتميز أحد عن أحد بلباسه (راجع الأوائل للتستري:184). التجربة الشيعية في القضاء: إن التجربة الشيعية في ممارسة القضاء ليست غنيّة بما فيه الكفاية، ويعود السبب في ذلك إلى تجربتهم التاريخية المريرة مع السلطة التي عملت على إقصائهم ومحاربتهم على خلفية مذهبة ضيقة، باستثناء فترات زمنية قصيرة حظوا فيها ببعض الاستقلالية ما مكّنهم من تشكيل أجهزة قضائية على وفق مذهبهم، كما هو الحال في العهد الصفوي، وأما خارج ذلك فقد أثّرت سياسة الإقصاء مضافاً إلى الموقف الفقهي السلبي من مسألة الولاية عند السلطان الجائر في انكفائهم عن السلطة بكل أنواعها طوعاً أو قسراً، وهذا الإبعاد أو الابتعاد عن السلطتين التنفيذية والقضائية ترك أثراً سلبياً على الفقه السياسي وفقه القضاء عندهم، فانكمش هذا الفقه ــ سيما القضاء الجنائي منه ــ وابتعد عن التحديث ومواكبة التطورات المستجدة في العالم ووضع الآليات الملائمة لنظام قضائي شامل ومتكامل، ولكن هذا لا يعني ضعفاً في البحوث الفقهية التقليدية فإن غالب الكتب الفقهية سيّما الموسوعات الكبيرة تزخر بهذه البحوث المعمقة. وفي الآونة الأخيرة وبعد تأسيس الجمهورية الإسلامية في إيران وتصدي الفقهاء للمهام القضائية فرضت تعقيدات الواقع والعمليّة القضائية نفسها عليهم وغدا من الضروري القيام بتشكيل جهاز قضائي بإمكانه تلبية احتياجات المجتمعات، والسعي للإجابة على الأسئلة المستجدة، فيما يرتبط بتشكيل المحاكم واستئناف الحكم أو إمكانية تصدي غير الفقيه في ظل عدم كفاية الفقهاء، إلى غير ذلك من الأسئلة الملحة... هذا الكتاب: وبالفعل فقد بادر جمع من الفقهاء إلى التأليف والتحقيق والتدريس في فقه القضاء، وكان سيدنا الأستاذ العلامة الفقيه المرجع السيد محمد حسين فضل الله ممن شمّر عن ساعد الجد وبادر إلى إلقاء المحاضرات والدروس الفقهية على جمع من الطلاب والفضلاء في فقه القضاء. وهذا هو الجزء الأول من هذه المحاضرات وهو يضم مجموعة من البحوث القضائية عملنا على تنسيقها وترتيبها وتخريج مصادرها، وعرضناها على سماحته فأجال النظر فيها مراراً، وأبدى ملاحظاته وأراءه القيمة، وارتأينا أن نقدمها إلى طلاب العلم ورواد الفقه، وكلي ثقة أنها ستلقى صدىً طيباً لديهم لما فيها من إضاءات هامة ومساهمات جادة وأفكار نيرة وجديدة في فقه القضاء الإسلامي. وتمتاز بحوث هذا الكتاب (فقه القضاء) بعدة مميزات أهمها: 1- التركيز على فقه القضاء من وحي القرآن كونه المصدر الأول والمرجعية العليا للتشريع الإسلامي، وهذه ميزة عامة في فقه سماحة سيدنا الأستاذ. 2- اعتمدت هذه المباحث منهج البحث الفقهي المقارن على ضوء آراء أهم المذاهب الإسلامية المعروفة، ولم تقتصر على فقه المذهب الإمامي. 3- وكذلك اعتمدت إلى حد بعيد منهج المقارنة مع القانون المدني، وهذا الأسلوب اتبعه سماحة السيد في الكثير من بحوثه كما في فقه الشركة وغيره. 4- أولت هذه البحوث أهمية كبيرة للتجربة النبوية وكذا تجربة الإمام علي(ع) في القضاء واستهدت هذه التجربة في العديد من الفروع والمسائل. 5- تمّت معالجة الكثير من مستحدثات المسائل القضائية وتسليط الضوء عليها وتكييفها من الناحية الفقهية كما في موضوع "محاكم الاستئناف" وغيره. 6- توصلت هذه البحوث إلى آراء جديدة وهامة في موضوعات قضائية متعددة، من قبيل جواز تصدي المرأة للعمل القضائي أو عدم قضاء القاضي بعلمه أو غير ذلك... وتجدر الإشارة إلى أن هذه البحوث اعتمدت متن "ملحقات العروة الوثقى" للفقهي السيد اليزدي (قده) ولكننا في الإخراج النهائي لهذا الكتاب تجاوزنا منهجيته (قده) في ترتيب المباحث القضائية لبعض الدواعي المنهجية والتنظيمية. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين حسين أحمد الخشن 18 ذو القعدة 1424هـ الفصل الأول وجوب القضاء 1- القضاء لغة واصطلاحاً 2- فقه القضاء في القرآن 3- القضاء في سيرة النبي(ص) والإمام علي(ع) 4- وجوب القضاء 5- النصب العام للقضاء 1- القضاء لغة واصطلاحاً القضاء لغة: ذكر اللغويون لكلمة القضاء معانٍ متعددة ربما أنهيت إلى عشرة كما في الجواهر( ) قال الجوهري في الصحاج: القضاء: الحكم، وأصله قضاي لأنه من قضيت، إلا أن الياء لما جاءت بعد الألف همزت، والجمع الأقضية، والقضية مثله، والجمع القضايا على فعالى، وأصله فعائل، وقضى، أي حكم، ومنه قوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}(الإسراء:23). وقد يكون بمعنى الفراغ، تقول: قضيت حاجتي، وضربه فقضى عليه، أي قتله، كأنه فرغ منه، وسمٌّ قاضٍ، أي قاتل. وقضى نحبه قضاءً، أي مات. وقد يكون بمعنى الأداء والإنهاء. تقول: قضيت ديني ومنه قوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ}(الحجر:66) وقوله تعالى: {وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ}(الحجر:66) أي نهيناه إليه وأبلغناه ذلك. وقال الفراء في قوله تعالى: {ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ}(يونس"71) يعنى امضوا إلى، كما يقال: قضى فلان، أي مات ومضى، روقد يكون بمعنى الصنع والتقدير، قال أبو ذؤيب: وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صَنَعَ السوابغَ تبَّع يقال: قضاه أي صنعه وقدّره: ومنه قوله تعالى: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ}(فصلت:12) ومنه القضاء والقدر، ويقال: استقضى فلان، أي صُيِّر قاضياً، وقضّى الأمير قاضياً، كما تقول: أمَّر أميراً...( ). وقد اختار بعض اللغويين والفقهاء إمكان إرجاع المعاني المذكورة إلى معنى واحد، قال الزهري كما نقل عنه في لسان العرب( ): "القضاء في اللغة على وجوه مرجعها إلى انقطاع الشيء وتمامه، وكل ما أحكم عمله أو أُتمّ أو ختم أو أدِّي أداء أو أوجب أو أعلم أو أنفذ أو أمضي فقد قضي. قال: وقد جاءت هذه الوجوه كلها في الحديث". وقال الشيخ الأنصاري(قده)( ): "ولا يبعد إرجاع الكلّ إلى معنى واحد، وهو إتمام الشيء والفراغ عنه كما اعترف به في كشف اللثام". والظاهر أن المرتكز في الذهن العرفي هو أنّ للقضاء معنى واحداً وليس له معانٍ متعددة، كما هو الحال في كلمة العين وسواها من المشتركات اللفظية، ومن الواضح أنه يمكن إرجاع بعض المعاني المتقدمة إلى بعض. القضاء في الاصطلاح: وأما بحسب الاصطلاح الفقهي فقد اختلفت عبائر الفقهاء في تحديده وتعريفه، فقد عرفه الشهيد الثاني في المسالك( ) وصاحبا الرياض( ) وكشف اللثام( ) وهكذا صاحب التنقيح( ) وغيرهم( ) بأنه عبارة عن ولاية الحكم شرعاً لمن له أهلية الفتوى بجزئيات القوانين الشرعية على أشخاص معينين من البرية بإثبات الحقوق واستيفائها للمستحق. وعرّفه الشهيد في الدروس( ) بأنه "ولاية شرعية على الحكم في المصالح العامة من قبل الإمام". والتعريفان يلتقيان في جعل القضاء بمعنى الولاية الشرعية. وعرفه الشهيد الثاني في الروضة( ) بأنه "الحكم بين الناس بمعنى فصل الخصومة بينهم وإثبات دعوى المدعي أو نفي حق عن المدعى عليه". أقول: تعريف القضاء بالولاية فيه جهة المنصبية وأن الفقيه الذي يملك الأهلية له ولاية الحكم وإلزام المتقاضيين، فهو في الحقيقة ليس تعريفاً للقضاء في نفسه بل لمنصب القضاء، وهو منصب ولايتي يحتاج إلى جعل، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}(ص:26) أما نفس القضاء فهو الحكم عند التخاصم والتنازع وفصل الأمر. وعرّفه بعض علماء السنة( ) بأنه "فصل الخصومات وقطع المنازعات". ومع قطع النظر عن هذه التعريفات وما يمكن أن يثار حولها من نقاش فإن ما نحمله في أذهاننا عن معنى القضاء يكاد يكون أوضح منها جميعاً، ولا نجد كبير ثمرة في الاستغراق في هذه التعريفات ومناقشتها، وإن عرفت أنّ الأقرب بنظرنا تعريفه بنفس الحكم كما اختاره بعض الفقهاء المعاصرين( ). وهو مختار السيد اليزدي(قده)( ). 2- فقه القضاء في القرآن يمكن تقسيم الآيات القرآنية الواردة في القضاء إلى عدة طوائف: الأولى: الآيات التي ترسم الخط العام للقضاء وتبيّن ــ في الجملة ــ وظيفة القاضي وتدعوه إلى الحكم بما أنزل الله وانتهاج سبيل الاستقامة في حكمه. الثانية: الآيات التي تتحدث عن شخصية القاضي وبعض مواصفاته، وهذه على قسمين: 1- ما ينهى عن التحاكم إلى قضاة الجور. 2- ما يأمر بالرجوع إلى الله ورسوله. الثالثة: الآيات التي تؤسس لبعض الأحكام القضائية. أ- الحكم بما أنزل الله: 1- من ذلك قوله تعالى موجّهاً خطابه إلى الناس كافة {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}(النساء:85) ومنها قوله تعالى موجهاً خطابه إلى نبيه(ص) {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}(المائدة:48). وهذه الآية وإن كانت واردة في سياق الحديث عن أهل الكتاب ولكن الخطاب فيها عام قصد به التأكيد على ضرورة أن يحكم القاضي بين الناس بما أنزل الله سواءً كان الحكم بين أهل الكتاب أو غيرهم وسواء كان الحاكم هو النبي(ص) كما يدل عليه ظاهر الآية ــ باعتبار توجه الخطاب إليه ــ أم المسلم المتصدي لرفع الخصومة والتنازع والذي يملك أهلية ذلك، فهو سبحانه يؤكد على الحاكم أن يراعي في حكمه القانون الشرعي، وأن لا يصدر في ما يريد أن يحرّكه في الناس من قضاء أو يطلقه من حكم، عن هوى أو رغبة أو مزاج شخصي، وأن لا يعتمد أي قانون آخر غير الذي أنزله الله تعالى وشرَّعه، وأن لا يخضع للضغوط والأوضاع النفسية التي قد تقوده إلى الحكم بما يريده الناس أو يميلون إليه. والأساس في استفادة ذلك من الآية هو القطع بعدم خصوصية المخاطب في هذا الأمر، بل إن توجيه الخطاب إلى النبي(ص) في خط رسالته يدل على أن الخطاب يتعلق بمنهج الرسالة في مسألة الحكم. ويدلل على نفس هذا المعنى قوله تعالى في الآية التالية مخاطباً رسوله(ص): {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}(المائدة:49) وذلك بأن تنتبه لكل الأساليب والوسائل التي يمكن أن يستخدمها الآخرون لينحرفوا بك عن ما أنزله الله من الحق. ويمكن أن يستوحى من هاتين الآيتين ــ بناءً على عموم الخطاب فيهما لغير النبي(ص) ــ أن الموقع الذي يحتله القاضي، والمنصب الذي يتصدى له معرّض للكثير من الضغوط التي يمارسها تجاهه أولئك الذين يرتبطون بالقاضي عاطفياً، أو الذين يملكون مواقع القوة في المجتمع، أو مقاليد السلطة، فعلى القاضي أن يلتفت إلى ما يمكن أن يؤثر في وظيفته من كل ذلك، أو ينحرف به عمّا يجب عليه تأكيده من الحق، فلا ينطلق بنفسه إلى موقع كهذا، ولا يتصدى له، إلاّ إذا عرف من نفسه التقوى التي تمكّنه من أن يملك ويتماسك أمام كل ما يثار في طريقه من مشكلات، أو يوضع أمامه من إغراءات، أو يتعرض له من ضغوط، لأن خطورة القضاء وقيمته تكمن في أنه يتصل بحياة الناس وتنعكس ممارسته سلباً أو إيجاباً على كل إنسان يدفعه واقعه إلى التوسل به، والركون إليه، لاستنقاذ حق، أو دفع باطل، أو تجنب ضرر أو ما إلى ذلك. وتشير الآيتان كذلك إلى أن الحاكم، أو القاضي لا بد أن يكون عالماً بما أنزل الله، متفقهاً بالقانون الشرعي أولاً، وأن يكون كذلك تقياً في ممارسة لوظيفته، وفي قيامه بأعباء المنصب الذي هو فيه، لأنه منصب يتعرض فيه المرء للكثير من عناصر الإغراء التي قد تنحرف بالإنسان وتسقطه، إذا لم يكن يملك ملكة تمنحه الانضباط والتوازن في مثل هذه المواقع. وقد يفقد الكثير من الناس الثقة بالدين الذي يمثله القضاة الذين لا يملكون ملكة التقوى ولا الفقه، ويتعاملون مع منصب القضاء على أنه مجرد وظيفة يسعون إليها، أو مهنة يرتزقون منها. 2- ومن الآيات التي أكدت على وجوب الحكم بالحق قوله تعالى مخاطبا رسوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً}(النساء:105). وجملة {بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} لا تدل بوجه من الوجوه على معنى الاجتهاد بالرأي، خصوصاً والخطاب للنبي(ص)، بل الظاهر أن المقصود بالآية "احكم بين الناس بالحق الذي أنزله الله إليك وأراكه". قال القاسمي في تفسيرها: "أي بما عرّفك وأعلمك وأوحى إليك، سمي ذلك العلم بالرؤية، لأن العلم اليقينى المبرّأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية فى القوة والظهور"( ). ولقد نقل( ) في سبب نزول هذه الآية وما تلاها من الآيات أنَّ ثلاثة من المسلمين من بني أبيرق سرقوا سيفاً وطعاماً لرجل فقير مسلم أو لرجل يهودي، فاجتمع رهط من بني أبيرق ثم مشوا مع أحد متكلميهم إلى رسول الله(ص) بهدف تبرئة ساحة جماعتهم لاعتبارات اجتماعية وعشائرية فأنزل الله هذا الفصل من الآيات بمقدار أربع عشر آية ليبيّن الحق وليؤكد على ضرورة أن يتحلى القاضي بأعلى درجات الحيطة والحذر والفطنة والكياسة حتى لا يقع تحت تأثير الكلمات المعسولة ولا يستعجل في الحكم إلا بعد التدقيق في طبيعة القضية وما يحيط بها من ظروف وملابسات وما يكتنفها من تعقيد أو اضطراب. وثمة شيء آخر أكّد عليه هذا الفصل من سورة النساء وهو أنه كما لا يجوز للقاضي أن يستخدم سلطته ليدافع عن الخائنين فكذلك لا يجوز ذلك لغيره من الناس ممن يعرف خيانتهم، ويفهم من ذلك ــ بطريق التلميح والإشارة ــ أنه لا يجوز للمحامي الدفاع عن موكله أو غيره في أية قضية وهو يعلم مسبقاً أن من يدافع عنه لا يملك الحق فيما يدعيه أو ينكره، وهكذا لو لم يتضح وجه الحق في المسألة، فلا يجوز له أن يستخدم ثقافته القانونية ليسلب الحق من صاحبه ويعطيه لمن لا يستحقه. وعلى هذا الأساس يكون تدخل المحامين أو غيرهم من الشخصيات السياسية أو الاجتماعية والاقتصادية في شؤون القضاء لمصلحة بعض الناس الذين لا يملكون الحق تدخلاً محظوراً من الناحية الشرعية، والله سبحانه يحذرهم من ذلك بما لا مزيد عليه {وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً} وهكذا قوله: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً}(النساء:105-107). وربما استدل بعضهم بالآية السابقة أعني قوله: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ}(النساء:105) على حجية القياس والاستحسان في استنباط الحكم الشرعي أو في إدارة العملية القضائية، وقد فهموا أن المراد من قوله تعالى بما أراك الله في الآية: ما ينطلق من رأيك، أو ما تفهمه من خلال ما ترتئيه، ونسبة الرأي ــ بحسبهم ــ في الآية إلى الله باعتباره المصدر الأساسي في كل شيء، وبناء على ذلك يفرّع هؤلاء بأن القياس والاستحسان بما يمثلانه من تعبير عن رأي الإنسان في الحكم الشرعي وسيلتان من وسائل استنباط الحكم الشرعي، وأداتان يمكن الركون إليهما في إثباته وتطبيقه. والذي نراه أن الآية قصدت توجيه النبيّ(ص) إلى الأهمية التي يوليها المولى (جلا وعلا) لمسألة الحكم بالحق الذي أنزله، وليست واردة في مقام بيان ما يمكن أن يكون آلة ووسيلة لبلوغ الحق فيما يختلط فيه الحق بالباطل من القضايا، والأسلوب القرآني في البيان يرتكز على إفادة المعنى الواحد بأساليب متعددة مراعاة للجانب الفني في التعبير، ولأن تعدد الأساليب واختلافها في التعبير عن المعنى الواحد سببٌ لقوة رسوخه في النفس، ولشدة وضوحه في العقل. وقد يستفاد من الآية ــ ولو استيحاءً ــ أن الله تعالى أكد على كل من يتولى القضاء ويتصدى للحكم بين الناس فيما يختلفون فيه، سواء في موقع القضاء بالمعنى المصطلح، أو في الموقع السياسي والاجتماعي، أن يلتزم الاحتياط في ما يصدره من أحكام سواء كانت سلبية أم إيجابية، وأن لا نطلق في حكمه اعتماداً على الظن، أو الانطباعات المباشرة والأولية، والتي لا تنطلق من دراسة متأنيِّة للواقع، ولا تهدف إلى تأكيد الحقيقة بمقدار ما تنطلق من أوضاع اجتماعية أو نفسية ضاغطة، أو من مواقف سياسية مترسخة ومنحازة... وربما يكون الحكم في الواقع الاجتماعي والسياسي أكثر تعقيداً وخطورة منه في الواقع القانوني أو الشرعي، لأن الثاني إذا كان سلبياً فربما ذهب بحق إنسان ما في دائرة الحق القانوني، ولكن القضاء في الواقع الاجتماعي ــ السياسي ربما يدمر الإنسان في إنسانيته، ويشوه صورته، ويحط من قدره، ويقضي على ما له من مكانة ومقام، فيترك آثاراً خطيرة على سلامة الشخص في ذاته وفي مجمل علاقاته الاجتماعية. 2- شخصية القاضي: أثارت بعض الآيات القرآنية موضوعاً يرتبط بقضيتنا بشكل جوهري، ويمس حياة الناس في كل تفاصيلها، وهو موضوع جواز الرجوع إلى القضاة غير الشرعيين لتحصيل حق أو دفع باطل. 1- أولى آيات هذه الطائفة قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً}(النساء:60-61). وظاهرها الشمول لكل من ينطلق في حياته على خلاف الشرع متجاوزاً أحكامه فيما يستند إليه من تشريعات وقوانين أو في ممارساته ولقد عبّر الله تعالى عن الرجوع إلى أمثال هؤلاء بالحاكم إلى الطاغوت، والطاغوت هو المنحرف والمتجاوز، من الطغيان بمعنى التجاوز، والتحاكم إلى الطاغوت ــ وهو كل متجاوز عن جادة الشرع ــ أمرٌ مبغوضٌ عند الله ويحرم الإقدام عليه. 2- وثمة آية أخرى تتحدث عن شخصية القاضي وهي قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(النساء:65) حيث ربط الله سبحانه فيها بين الإيمان وبين التحاكم إلى الرسول(ص) ثم الرضا بحكمه وقضائه بلا شعور بالحرج وعن غير تردد أو حذر، والآية وإن كانت خطاباً لرسول الله(ص) لكن يمكن القول: إن ذلك بسبب كونه ممثلاً للسلطة الشرعية والنموذج الأكمل للقاضي العادل الذي يحكم وفق موازين الحق والقسط، ما يعني أن مفادها لا يتجمد على شخصية رسول الله(ص) بل يجب التسليم لمطلق القاضي العادل والقبول بحكمه. 3- ومن الآيات القرآنية التي تربط بين الإيمان وبين التحاكم إلى القاضي الشرعي والتسليم له قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمَ الظَّالِمُونَ}(النور:47-50). فهذه الآيات تؤكد على قاعدة أساسية في عالم القضاء وهي أن على المؤمن أن يرجع إلى حكم الله وفي كل نزاعاته وخصوماته وحركته في الحياة، وأن يسلّم لحكم الله بدون تردد أو توقف سواء كان الحكم له أم عليه وبذلك ينال الفلاح في الدارين، أما الذين يلجأون إلى القضاء الشرعي لتحصيل نفع أو غرض لم يسعفهم القضاء غير الشرعي على تحصيله فهؤلاء ليسوا من المؤمنين والإيمان في شيء. فمسألة التحاكم إلى الله ورسوله ترتبط بعمق الإيمان لدى الإنسان وليس ذلك مجرد عمل مزاجي يرتبط بأهواء الشخص ونزعاته ورغباته، ولا معنى أن تؤمن بالله ورسوله وأنت تظن أن الله تعالى يجور عليك أو أن رسوله(ص) يمنعك حقك! ومن الضروري أن يقوم العلماء هنا بتثقيف الناس حيال هذا الموضوع لأن الكثيرين منهم أعرضوا عن حكم الله ورجعوا إلى حكم الطاغوت بسبب مثل هذا الحذر أو التردد، ونحن نعتقد أن التثقيف الإسلامي للناس في هذا الجانب هو الذي يبقيهم مرتبطين بالقضاء والحكم الإسلامي وإذا فقدوا هذا الارتباط تحوّل الإسلام عندهم إلى مجرد عبادة جامدة لا يعيشون معها مسؤولياتهم أمام الله سبحانه. ج- الحكم بين أهل الكتاب: من الآيات المتصلة بالقضاء، آية عرضت لموقف القاضي المسلم ــ نبياً كان أو إماماً أو قاضياً عادياً ــ مما يعرضه أهل الأديان الأخرى أمامه من قضايا ومنازعات، وأنه هل يجب عليه الاستجابة لهم، والفصل بينهم فيما يتحاكمون فيه إليه؟ أو أنه يتخير بين أن يحكم بينهم بما أنزله الله عليه من الحق، وبين أن يُعرض عنهم ويصرفهم إلى ما يؤمنون به من قضاء وما يلتزمون به من شرائع وأحكام؟ قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ}(المائدة: 41-43). والآية الأخيرة هي موضع الشاهد، وهي تدل على أن النبي(ص) أو من يقوم مقامه في موقع الحكم والقضاء مخيّر بين أن يحكم فيمن يتقاضى عنده من أهل الكتاب بما أنزل الله عليه من الحق والقسط، وبين أن يعرض عنهم، ويترك الأمر إلى قضائهم. والظاهر من الآية أن أساس ذلك هو اعتبار أن دخول هؤلاء في الإيمان أهمَّ وأولى من تحاكمهم إلى رسول الله(ص)، بل من غير المعقول أن يكون تحاكمهم إليه(ص) أمراً نابعاً من قناعة داخلية بقيمة هذا التحاكم ما لم يكن مسبوقاً بإيمان المتقاضين بالقانون الذي يستند إليه في قضائه، وبالشرع الذي ينطلق منه ويبني أحكامه على أساسه. سبب النزول: ولقد نقل في سبب نزول هذه الآية عن الإمام الباقر(ع) وغيره أن امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم، وهما محصنان فكرهوا رجمهما ــ والرجم كان شريعة التوراة فأرسلوا إلى يهود المدينة أن يسألوا النبي(ص) عن ذلك طمعاً في أن يأتي لهم برخصة، فانطلق قوم، منهم كعب من الأشرف، وكعب بن أسد، وشعبة بن عمرو، ومالك بن الصيف، وكنانة بن أبي الحقيق وغيرهم، فقالوا يا محمد أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ما حدّهما؟ فقال(ص): وهل ترضون بقضائي في ذلك؟ قالوا: نعم، فنزل جبرائيل بالرجم، فأخبرهم بذلك فأبوا أن يأخذوا به، فقال جبرائيل: اجعل بينك وبينهم ابن صوريا، ووصفه له، فقال النبي(ص): هل تعرفون شاباً أمرد أبيض أعور يسكن فدكاً يقال له ابن صوريا؟ قالوا: نعم، قال(ص): فأيّ رجل هو فيكم؟ قالوا: أعلم يهوديّ بقي على ظهر الأرض بما أنزل الله على موسى(ع)، قال(ص): فأرسلوا إليه، ففعلوا، فأتاهم عبد الله بن صوريا، فقال له النبي(ص): إني أنشدك الله الذي لا إله إلا هو الذي أنزل التوراة على موسى(ع)، وفلق لكم البحر، وأنجاكم وأغرق آل فرعون، وظلَّل عليكم الغمام، وأنزل عليكم المنَّ والسلوى، هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن؟ قال ابن صوريا: نعم، والذي ذكّرتني به لولا خشية أن يحرقني ربُّ التوراة إن كذبت أو غيَّرت ما اعترفت لك، ولكن أخبرني كيف هي في كتابك يا محمد؟ قال(ص): إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم، قال ابن صوريا: هكذا أنزل الله في التوراة على موسى، فقال له النبي(ص): فماذا كان أول ما ترخصتم به أمر الله ــ أي انحرفتم فيه ــ؟ قال: كنا إذا زنى الشريف تركناه، وإذا زنى الضعيف أقمنا عليه الحد، فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنى ابن عم ملك لنا، فلم نرجمه، ثم زنى رجل آخر، فأراد الملك رجمه، فقال له قومه: لا، حتى ترجم فلاناً، يعنون ابن عمه، فقلنا: تعالوا نجتمع فلنضع شيئاً دون الرجم يكون على الشريف والوضيع، فوضعنا الجلد والتحميم، وهو أن يجلد أربعين جلدة ثم يُسوَّد وجوههما، ثم يحملان على حمارين، ويجعل وجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما، فجعلوا هذا مكان الرجم، فقالت اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته به، وما كنت لما أتينا عليك بأهل، ولكنّك كنت غائباً فكرهنا أن نغتابك! فقال: إنه أنشدني بالتوراة، ولولا ذلك لما أخبرته به، فأمر بهما النبي(ص) فرجما عند باب مسجده( ). ولقد استخدم النبي(ص) كما هو ظاهر في القصة أسلوباً قصد منه التأثير النفسي في مستمعه لينفتح له قلبه، وليدفعه إلى الإحساس بمسؤولية أن ينطق بالحق، فذكر له ما تميل إليه نفسه، وما يمتلئ به وجدانه من تعاليم دينه، وما أنعم الله به على قومه في القرون الغابرة من ضروب النعم، لينفتح أمامه عقله، فيعترف بالحق وهو راغب، ويقر بما عرفه واستقر في نفسه من غير رهبة ولا خوف ولا تردد ولا ممانعة. والرسول(ص) يعلِّمنا في هذه القصة طريقةً في الخطاب وأسلوباً في الكلام هو أهم ما يحتاجه الداعية وهو في مقام التأثير في مستمعيه. والظاهر عدم اختصاص الحكم بالتخيير بالنبي(ص)، بل إنه يشمل كلَّ قاضٍ سواء كان نبياً أم إماماً، أم قاضياً عادياً. ونقل الأردبيلي في زبدة البيان عن القاضي لعله البيضاوي في تفسير هذه الآية: "تخيير لرسول الله(ص) إذا تحاكموا إليه بين الحكم والاعراض، ولهذا قيل: لو تحاكم الكتابيّان إلى القاضي لم يجب عليه الحكم، وهو قول الشافعيّ، والأصحّ وجوبه إذا كان المترافعان أو أحدهما ذميّاً، لأنّا التزمنا الذبّ عنهم، ودفع الظلم منهم، والآية ليست في أهل الذمّة، وفيه تأمّل لأنّ ظاهر الآية في أهل الذمّة لقوله فيما سبق هذه: {وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا} الآية وما بعدها {وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ...} وأيضاً الظاهر أنّ دفع الظلم واجب سواء التزمنا الذبّ أم لا، عن المسلم والكافر، كتابيّاً كان أو غيره، وأيضاً لا ظلم على ما حملناه عليه، فلعلّ القول الأوّل للشافعيّ هو قول أصحابنا"( ). ولقد دلّ على صحة هذا الذي قاله الأردبيلي ما رواه في الكافي بسنده عن إسحاق بن عمّار عن أبي عبد الله(ع) قال: أوحى الله إلى نبي من الأنبياء في مملكة جبار من الجبابرة أن: إئت هذا الجبار فقل له: إني لم أستعملك على سفك الدماء واتخاذ الأموال، وإنما استعملتك لتكفّ عني أصوات المظلومين، فاني لن لم أدع ظلامتهم وإن كانوا كفاراً( ). وإليه يرشد قوله تعالى كذلك: {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}(المائدة:8). فكأن تحقيق العدل ودفع الظلم من المقاصد التي لا يرضى الشارع بتفويتها بأي حال من الأحوال. وعليه فلا وجه للتفريق بين الذمي وغيره من أهل الكتاب فيما أشارت إليه الآية من معنى، وقررته من حكم. ومن الجائز أن تكون الآية في مقام تأكيد حرية الكفار ــ في شؤونهم وأوضاعهم ــ في المجتمع الإسلامي، في خصوص ما لا يرتبط بالنظام العام ولا يتصل بمصالح الدولة أو الأمة، ولا بالمقاصد العامة والكلية لحركة المجتمع، وذلك بإفساح المجال أمامهم في أن يديروا قضاياهم الخاصة وفق قيمهم ومن خلال ما يحملونه من أفكار ومفاهيم وأعراف، وما يؤمنون به من معتقدات، وما يعملون به من شرائع. وكأن تخيير الإسلام ــ من خلال الآية ــ للحاكم المسلم بين قبول القضاء بينهم أو عدمه، يراد منه الإيحاء بأن الدولة تمنح أهل الأديان الأخرى حرية يستطيعون من خلالها أن يديروا أوضاعهم الخاصة وفق شرائعهم، ومن وحي معتقداتهم. وثمة أحكام أخرى يمكن استفادتها من هذه الآية ترتبط بالقضاء وشؤونه، أشار إليها الأردبيلي عند شرحه لهذه الآية، منها أن الحاكم لا ينبغي له أن يخشى غير الله في حكمه، ومنها أن يحرم على الحاكم أخذ الرشوة، دل على ذلك من الآية فقرة: {وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً}(البقرة:41) وبالتالي فلا يجوز للإنسان أن يأخذ المال ليبتعد عن الحكم بالحق( )... ولا بأس بهذه الاستفادة، ذلك أن الآية واضحة في أنه على الإنسان أن لا يحرِّف كلام الله، ولا يحكم بغير ما أنزل الله، ولا يحيد في حكمه عن جادة الاستقامة على أساس ما يقدم إليه من إغراءات، من مالٍ أو منصب، أو م شابه ذلك. وعلى كل فالآية واردة مورد تأكيد خط عام ينبغي أن يأخذ به كل مسلم حاكماً كان أو غير حاكم، في كل ما يعلنه من رأي أو يقرره من حكم أو يتخذه من موقف، وهو الاستناد إلى ما أنزل الله تعالى على رسوله(ص) من تشريع، وهي كذلك في مقام تقرير أن المبدأ الذي ينبغي أن يحكم كل حركة المسلم هو الخشية من الله، لا من الناس، والخوف من مراقبته له، لا من مراقبتهم. هذا إجمالٌ لما قررته الآيات المتعرضة للقضاء من المعاني والأحكام والأفكار، نحسب أن فيه الكفاية لمن أراد أن يتلمس باختصار أسلوب القرآن في معالجة هذه القضية وما يرتبط بها. 3- القضاء في سيرة النبي(ص) والإمام علي(ع) تولى الرسول(ص) في المدينة المنورة القضاء بين الناس بنفسه فكان(ص) هو المبلغ لرسالة الله وهو ولي الأمر وهو الحاكم بين الخصوم الذي يفضّ النزاعات ويفصل بين الناس، وكان المنهج الذي يسير عليه في قضائه مبنياً على أساس الأخذ بما يعرض عليه من حجج وبراهين ظاهرية، ولا سير في ذلك على أساس الوحي أو علم الغيب الذي قد يطلعه الله عليه، ومن هنا جاءت كلمته الشهيرة: "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ وَبَعْضُكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَيُّمَا رَجُلٍ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْئاً فَإِنَّمَا قَطَعْتُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ"( ) وبهذا امتاز قضاؤه(ص) عن تبليغه للأحكام، ففي مجال تبليغ الأحكام فإنه ينقل لنا حكم الله الواقعي، وأما في مجال القضاء فإنه يسير على وفق ما يعرض عليه من حجج من قبل المتخاصمين. وقد وضع(ص) أسس القضاء الإسلامي وقواعده العامة من خلال كلمته المتقدمة وسائر كلماته الواردة في باب القضاء كقوله(ع): "البينة على المدعى واليمين على من أنكر"( ) وقد أكّد(ص) في الكثير من أقواله وأفعاله على أن كل الناس تحت القانون والقضاء الإسلامي بدون فرق بين حاكم ومحكوم وعبد وسيد ورجل أو امرأة قال(ص) في هذا الصدد "لو سرقت فاطمة لقطعت يدها"( )، وكان نفسه لا يستنكف عن قبول الترافع إلى بعض أصحابه إذا ادعي عليه بشيء كما حصل معه في قصة الأعرابي( ) الذي ادعى على رسول الله سبعين درهماً ثمن ناقة زعم أن رسول الله اشتراها منه ولم يوّفه ثمنها. ومع اتساع الدولة الإسلامية في عهده(ص) عهد إلى بعض أصحابه أمر القضاء والفصل في الخصومات فانتدب أمير المؤمنين(ع) إلى اليمن ليعلّم أهلها الأحكام ويبيّن لهم الحلال والحرام ويحكم فيهم بأحكام القرآن( )، وولّى عتَّاب بن أسيد أمر مكة وقضاءها بعد فتحها( )، وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن أيضاً( ). وأما أمير المؤمنين(ع) فقد فتح أمام القضاء الإسلامي أبواباً جديدة لأنه اتّبع أساليب خاصة في أقضيته بغية الوصول إلى الحقيقة، فكان(ع) يفرّق الشهود ولا يدّخر وسعاً في تمحيص الحجج والبراهين وتقليب الموضوع على وجوهه ودراسة كل مفردة من مفردات الدعوى، فلا يحكم إلا وقد اتضح له وجه الحق واستقامت له البينات والبراهين، وسيأتي الاستشهاد بقضاياه في موارد عديدة كقضاء القاضي بعلمه وغيره( ). كما أنّه(ع) كان مرجعاً رئيسياً في القضاء لكل الخلفاء الذين سبقوه في الحكم وملجأٌ يرجعون إليه في الدعاوى الصعبة والغامضة، ولم يمنعه اغتصابهم لحقه في الخلافة أن يبيّن لهم معضلات القضايا القضائية كيف له، وقد قال فيه رسول الله(ص): "أقضاكم علي"( ) وفي هذا الصدد جاءت كلمة عمر "لولا علي لهلك عمر"( ). وكلمته الأخرى: "اللهم لا تبقني لمعضلة ليس لها علي"( ). 4- وجوب القضاء نوع الوجوب: اتفق فقهاء المسلمين من مختلف المذاهب أن القضاء واجب كفائي. قال في الرياض: "وهو من فروض الكفاية بلا خلاف فيه بينهم أجده"( ). وقال بعض العامة: "القضاء فريضة محكمة من فروض الكفايات باتفاق أئمة المذاهب"( ). أدلة الوجوب: وأما ما استدل به على كونه فرض كفاية مضافاً إلى الإجماع: 1- توقف نظام النوع الإنساني عليه على اعتبار أن الظلم من شيم النفوس فلا بد من حاكم ينتصف من الظالم للمظلوم( ). ونوقش في هذا الاستدلال تارة بأنه لا يقتضي الوجوب من رأس، وأخرى بأنه لا يقتضي الوجوب الكفائي بالمعنى المصطلح، وثالثة بأنه لا يقتضي الوجوب إلا في ظل الدولة الإسلامية. أما المناقشة الأولى: فهي للمحقق العراقي( ) الذي رأى أنه منع اختلال النظام لا يتوقف على القضاء إذ من الممكن التماس طرق أخرى غير القضاء يمكن من خلالها إحقاق الحق وإبطال الباطل وفض النزاعات بين الخصوم، وأضاف المحقق المذكور بما حاصله: أن يضاع الحقوق في المجتمع الإنساني ليس بالضرورة ناتجاً عن عدم وجود منصب القضاء، بل قد يحصل ضياع الحقوق حتى مع وجوده، وإليك نص كلامه قال: "لإمكان إحقاق الحقوق بطور آخر، ولزوم تضييع الحقوق على ما ذكرنا ليس بأزيد من لزومه على فرض الجعل كما يخفى". هذا ولكن كلامه بشقيه غير تام. أمّا بشقه الأول: فلأنه رحمه الله لم يبيّن لنا الوسائل الكفيلة بإحقاق الحق وإبطال الباطل مما يمكن أن يستعاض به عن القضاء، ولسنا ندرك غير القضاء وسيلة عقلائية وإنسانية عامة تحفظ الحقوق وتدفع الباطل، ولو درسنا كل واقع الإنسان في العالم في مدى التاريخ الإنساني فإننا نجد أن لكل جماعة نظامها القضائي الذي تمنع بواسطته من انتشار الظلم والعدوان وتحول بذلك دون انتشار الفوضى التي تربك واقع الناس وتخرّب علاقاتهم الاجتماعية، مما يحصل عادة عندما تفقد الجماعة قانونها الذي ينظم حياتها في خضم شعب العلاقات وتشابك الطموحات والمصالح. فدعوى إمكان استقامة نظام الجماعة بمعزلٍ عن النظام القضائي دعوى تدخل في التجريد ولا تستند إلى تجربة الإنسان في تاريخه واجتماعه. وأما بشقه الثاني: فإن دعوى ضياع الحقوق حتى مع وجود النظام القضائي صحيحة ولكن ذلك ليس قاعدة عامة بل يمثل استثناءً جزئياً ناتجاً عن عدم عصمة القاضي أو عدم كفاية الأدلة أو عدم صدق الشهود، فضياع الحقوق في حالة وجود قضاء مستقيم نزيه يمثل استثناءً بينما ضياع الحقوق في حالة عدم وجود نظام قضائي من الأساس يمثل قاعدة عامة، وقياس إحدى الحالتين على لأخرى وافتراض تساويهما في ضياع الحقوق خلاف المشاهد بالعيان وما تؤكده التجارب الإنسانية. وأما المناقشة الثانية: فهي لصاحب الجواهر الذي اعترض على الاستدلال المذكور بأن القضاء بما أنه منصب من المناصب يمنحه المعصوم للشخص المؤهل له فلا معنى لوجوبه كفاية على المسلمين، قال رحمه الله معترضاً على الدليل المذكور: "وفيه: أن ذلك من قاعدة اللطف المقتضية نصب الإمام المتوقف عليه استقامة نظام نوع الإنسان، وليس هو من الواجب الكفائي بالمعنى المصطلح، نعم من السياسة الواجبة على الإمام(ع) نصب ما يستقيم به نظام نوع الإنسان، كما أنه يمكن القول بوجوب مقدار الصالح لذلك فيهم، وبوجوب فعل القضاء من المنصوبين له على الكفاية، وبوجوب تولي القضاء من الإمام(ع) ويكون كغسل الميت المتوقف صحته على الإذن من الولي. ولعل ذلك ونحوه مرادهم من الوجوب على الكفاية، وإن كان في قولهم: "هو واجب على الكفاية" ــ بعد تعريفهم له بالولاية التي قد عرفت معناها ــ نوع تسامح، ضرورة عدم صلاحيتها بمعنى كونها منصباً من المناصب للاتصاف بذلك"( ). ويرد عليه: إن القضاء ولو كان ولاية ومنصباً من المناصب فإنه يمكن أن يتصف بالوجوب الكفائي وبيان ذلك: أن السلطة التشريعية في الإسلام عندما تضع برنامجاً للقضاء فتارة تلجأ إلى تعيين من تجده مؤهلاً من الأشخاص لتولي هذا المنصب بشكل مباشر وهذا ما كان يحصل في عصر الحضور، وتارة أخرى تحدد المواصفات والشروط العامة التي يجب أن يتحلى بها القاضي كما هو الحاصل في عصر الغيبة فمن توفرت فيه هذه المواصفات يكون مأذوناً من قبل السلطة الشرعية بالنهوض بأعباء هذا المنصب، ومن الطبيعي والحالة هذه أن لا يتحقق القضاء إلا عند وجود جماعة من الناس تتوفر فيهم تلك المواصفات والشروط، ومسؤولية توفير هؤلاء الأشخاص وتأهيلهم ــ سيما عند عدم وجود سلطة شرعية ــ تقع على عاتق الأمة جمعاء فإن خرج منها أشخاص تتوفر فيهم الأهلية وتولوا القضاء سقط الواجب عن الأمة وإلاّ أثمت جميعها. وبعبارة أخرى: إن نصب السلطة الشرعية ــ أعني النبي والإمام ــ للقاضي سواء تمّ ذلك على نحو خاص أو على نحو عام ــ مع قطع النظر عما سيأتي من إشكال في مسألة النصب ــ يمثل الجانب الوضعي من القضية، فلا يشرع القضاء ولا يصح إلا إذا كان القاضي منصوباً بنصب شرعي، لكن الكلام في الوجوب الكفائي هو حديث عن جانب آخر من القضية وهو أنه هل يجب على الناس أن يهيئوا الظروف والإمكانيات ويؤهلوا من بينهم من يستطيع القيام بأعباء القضاء. وأما المناقشة الثالثة: على توقف حفظ النظام الإنساني على وجود منصب القضاء فهي: إن هذا الدليل لا يدل على ضرورة وجود القضاء الشرعي مطلقاً بل يدل على ضرورة وجود هذا القضاء في ظل الدولة الإسلامية فحسب، ففي ظل هذه الدولة يجب على المسلمين دفعاً لاختلال النظام أن يهيئوا من بينهم من يتصدى للقضاء بعد أن يتحلى بالكفاءة والأهلية وتتوفر فيه الشروط والإمكانيات، لكن هذا الدليل لا يجدي في ظل الدولة التي لا تحتكم إلى الإسلام ولا تتخذه أساساً للحكم ومصدراً للتشريع لأن دولة كهذه قد شرعت لنفسها من النظم والقوانين وانطلاقاً من قيم المجتمع الذي تدير شؤونه ومن رؤيته للعالم ومفهومه للسلطة، ما يكفل لهذا المجتمع أن يحفظ نظامه المتكامل من الفوضى والتوتر، ففي مثل هذه الدولة لا مجال للاستدلال على وجوب القضاء بالمعنى الشرعي الإسلامي من خلال افتراض اختلال النظام بمعزل عن هذا القضاء، ولذا لا بد في ظل هذه الدولة من دليل آخر غير لزوم اختلال النظام يفرض على المسلمين أن يعدّوا من بينهم من يقوم بعبء القضاء وفصل المنازعات. ويرد عليه: مضافاً إلى ما ذكره البعض( ) من أن حرمة الترافع والتحاكم إلى قضاء الجور الثابتة في الشريعة الإسلامية ــ على الأقل عند إمكان التحاكم إلى من يقضي بالحق ــ تحتّم على المسلمين الذي يعيشون في ظل الدولة التي لا يحكمها نظام الإسلام أن يشكلوا نظامهم القضائي المستقل ــ ما أمكنهم ذلك ــ وفق أحكام الشريعة الإسلامية ورؤيتها الخاصة لمواصفات القاضي وأسلوب القضاء، أن كون القانون القضائي الذي أعدّته هذه الدولة يمنع اختلال النظام بإيصال كل ذي حق إلى حقه وإبطال الباطل أول الكلام لأن قوانين تلك الدولة في القضاء وغيره لا تستهدي قواعد الحق والعدل كما يراها الإسلام ما يعني أن نظامها القضائي لا يرفع الحيف والجور من خلال وجهة نظر مواطنيها المسلمين وهذا ما يؤدي إلى عدم استقرار النظام وسيادة الفوضى، وهذا بدوره يحتم على المسلمين أيضاً أن يهيئوا منهم من يقوم بأعباء القضاء ويتصدّى لمسؤولياته، وقد لا يمكن لمثل هذا القضاء الشرعي الذي يرجع إليه المسلمون في ظل الدولة التي لا تحتكم إلى الإسلام في قضائها أن يرفع التنازع أو يقطع دابر الخلاف على نحو مطلق وكلي إلا أنه قادر في الجملة على رفع الكثير من الظلم والإجحاف، وتبقى سيئاته أقل بكثير من سيئات القضاء غير الإسلامي. ولعلّ الأساس العام الذي يفرض على المسلمين مثل هذا النهج، هو الفرق بين الإسلام وغيره من النظم الوضعية، والذي يتجسد في أن الله سبحانه يريد للمسلمين أن يطبقوا على أنفسهم الأحكام الإسلامية في نطاق الدولة إذا كان هناك دولة إسلامية، وفي نطاق المجتمع إذا لم يكن هناك دولة من هذا القبيل وأمكن للمجتمع أن يحقق بعض الاستقلال في ممارسة حياته وتنظيم شؤونه في ضوء الإسلام، وفي نطاق الفرد في تفصيلات حياته الشخصية، وفي ممارساته ما أمكنه ذلك. أما النظم الوضعية كالاشتراكية مثلاً فإنها لا تفرض على الإنسان في غياب الدولة القائمة على أساسها أن يمتنع عن الأخذ بأساليب العيش المستندة إلى قيم الرأسمالية كالربا مثلاً، بل من الممكن لشخص اشتراكي في المبدأ والمعتقد، ويعيش في ظل نظام رأسمالي، أن يكون مرابياً كأعظم ما يكون المرابون، لأن مشكلة كهذه ــ بالمفهوم الاشتراكي ــ لا يمكن تجاوزها إلا في ضوء نظام شامل للحياة، يكون نظام الحكم جزءاً منه، ولا يمكن تجاوزها فردياً، ولهذا فليس ثمة ما يمنع من أن يكون الاشتراكي الذي يعيش في دولة رأسمالية مرابياً بامتياز. بينما نجد أن الإسلام لا يبيح للإنسان أن يكون مرابياً حتى في ظل الأنظمة التي يرتكز بناؤها الاقتصادي على أساس الربا، لأن المسؤولية في الإسلام تتصل بالإنسان حتى في الحلول الجزئية للمشكلات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية أو الإدارية، فالإسلام يريد للإنسان أن يعيش الإسلام في إنسانيته، حتى ولو لم يكن التزامه الإسلامي ــ كفرد ــ حلاً للمشكلة الاجتماعية بشكل عام، فالمفروض مثلاً أن لا يكون المسلم مرابياً حتى ولو كان التزامه باجتناب الربا لا يحل أية مشكلة اقتصادية في المجتمع لأن الإسلام ينظر إلى واقع الإنسان من جانبين: فردي واجتماعي، وكما يريد له أن يحل مشاكله الاجتماعية من خلال التزامه بالنظام والقانون الإسلامي كذلك يريد له على المستوى الفردي أن يعيش أخلاقية الإسلام في سلوكه العملي حتى لو لم يحقق ذلك نتيجة على المستوى العام. ومن خلال ذلك نفهم أن الله سبحانه يريد للناس أن يلتزموا بكل أحكام الإسلام حتى ولو لم يكن هناك دولة إسلامية تماماً كما يريد لهم الالتزام بالصلاة والصوم وهذا ما يمكن استفادته من حديث الإمام الصادق(ع) الذي يردع فيه بعض الشيعة عن التحاكم إلى أهل الجور وهم الذين كانوا يمثلون السلطة آنذاك باسم الإسلام، ويرشدهم إلى من يمكنهم الرجوع إليه من الحكام الذين يملكون الكفاءة العلمية والدينية، مما يعني أن المطلوب حتى في ظل الأنظمة الجائرة أن يتحاكم المسلمون إلى القاضي العادل الذي يملك أهلية الحكم وملكة التقوى، وهذا يؤكد أن مسألة نصب القضاء ووجوب تحاكم الناس إلى من يمثل شرعية الحق حتى في ظل سلطة الباطل إنما هو لدفع ما أمكن من الظلم والجور وفقاً لنظرة الإسلام في ذلك، وهذا يتوقف بالضرورة على وجود قضاةٍ عدول يمكن اللجوء إليهم والتحاكم عندهم. والحاصل: أن المناقشة الأولى في توقف حفظ النظام الإنساني على وجود منصب القضاء ليست في محلها، فالنظام القضائي الذي يحمي الحقوق ويدفع الظلم ويرسي قواعد العدل والأمن في المجتمع ضرورة وواجب لا يرضى الله بإهماله وتركه، ولا يقبل بتواني المجتمع عن القيام بأعبائه وتوفير ما يلزم من إمكانيات تكفل وجوده واستمراره ونزاهته وفاعليته. 2- مما استدل به على¬ وجوب القضاء كفايةً أنه محقق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما واجبان كفائيان( ). وأورد المحقق العراقي( ) على ذلك بمنع صدق المنكر قبل صدور الحكم على من يعتقد صوابية رأيه وصدقه من المتنازعين، وكذلك لا يصدق المنكر في الحالات التي يشك فيها المتنازعان في صدق دعوى كل منهما، ولا يتميز لهما فيها المعروف من المنكر، ولا يصدق المنكر على موقف أحدهما إلاّ بعد قيام الحجة على بطلان مدعاه ومع قيامها فيكفي ذلك في تحقق موضوع المنكر بدون حاجة إلى الحكم والقضاء. ويلاحظ عليه: بأن كلامه إنما يكون وجيهاً لو كان الملحوظ في الدليل افتراض أن القضاء يقتضي رفع المنكر في كل الحالات الشخصية التي ينظر فيها القاضي فيقال حينئذٍ إن الحق في كثير من هذه الحالات مبهم غير متعين وغالب المتخاصمين يعتقد أنه على الحق وأن خصمه على الباطل فكيف يوجب القضاء النهي عن المنكر؟! لكن الملحوظ في الدليل ليس هذا بل المراد ملاحظة الجانب النوعي من القضية، وذلك إننا عندما ندرس الواقع الإنساني من حولنا نجد أن كثيراً من الناس يأكلون مال الغير بالباطل ويدعون عليهم زوراً وبهتاناً ويستولون على ما لا حق لهم فيه ويريدون تكريس ظلمهم بتوسط القضاء والقانون، وواقع كهذا يتوقف رفع الظلم والمنكر فيه على القضاء العادل الذي يرسم الحدود التي لا يُسمح بتجاوزها ويردع أولئك الذين تدفعهم نوازع الشر إلى الاعتداء على الناس وأكل أموالهم بالباطل، وعندئذٍ لا يملك الظلم تأكيد نفسه ولا يستطيع الأقوياء فرض سلطتهم بالأساليب الملتوية والباطلة. 3- ومما استدل به على أصل وجوب القضاء( ) قوله تعالى مخاطباً نبيه داود(ع): {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى}(ص:26)، وقوله تعالى مخاطبا نبيه محمد(ص): {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً}(النساء:105). وناقش المحقق العراقي( ) في ذلك بأن المقصود بالخطاب في الآيتين الآنفتين هو النبي، فهو المكلف ــ استناداً إليهما ــ بالقضاء بين الناس ولا ملازمة بين وجوبه عليه ووجوبه على غيره. وتوضيحاً لكلامه في نفي الملازمة نقول: إن من الممكن أن يكون لزوم القضاء عليه ناشئاً من اعتبار عصمته بمعنى أن عصمته في حكمه وفعله تمثل خصوصية له تجعله مؤهلاً للقضاء بين الناس دون سواه وهذا ما يوحي به قوله تعالى: {بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} ومع إراءة الله له لحقائق الأمور لا يبقى عنده شبهة في معرفة الحق والحكم به. لكن يلاحظ عليه: أن الأقرب أنه لا خصوصية للنبي رغم أنه المخاطب بل الخصوصية هي للحق الذي يريد الله له أن يتحرك في حياة الناس، وهذا ما يشهد له جعل الحق غاية وحيدة لتكليف النبي بالقضاء، فكأن الملحوظ في ذلك تأكيد الحق وتثبيته وإشاعته فلا قيمة للحكم في ذاته ولا خصوصية له إلا بمقدار ما يكون آلة إلى إحقاق الحق وليس الملحوظ شخصية الحاكم ومواصفاته إلا بمقدار ما تساهم في إقامة العدل. ومنه يتضح أنه لا وجه للاعتراض على دلالة الآيتين وما هو من قبيلهما بأنه لا دلالة فيهما على الوجوب، فإن الوجوب يفهم ليس من دلالة الأمر على الوجوب فحسب كما هو الحال في الآية الأولى، بل لأن الأمر بالحكم بالحق يأبى الحمل على غير الوجوب لأن الله ــ من خلال ما يفهم من القرآن الكريم ــ يريد للحياة أن تقوم على أساس الحق وأن تتحرك على ضوء العدل. خطورة منصب القضاء: إن منصب القضاء من المناصب الجليلة والمراتب العالية "فإنه إمارة شرعية وغصن من دوحة الرئاسة العامة الثابتة للنبي(ص)، والأئمة(ع) وخلافة عنهم(ع) ( )، ولكن خطره عظيم أيضاً والقاضي على شفير جنهم لأن أمن المجتمع وحقوق العباد ترتبط بقضائه، ولذا أكّدت الأخبار على لزوم الاحتياط في القضاء وحذّرت من مغبة التصدي لهذه المهمة إلا لمن يطمأن بأهليته وكفاءته للقيام بأعبائها، فعن النبي(ص): «من جعل قاضياً ذبح بغير سكين»( ) وعنه(ص): «لسان القاضي بين جمرتين من نار حتى يقضي بين الناس، فإما في الجنة، وإما في النار»( ) وعن أمير المؤمنين(ع) أنه قال: «يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي»( ) وعن علي بن الحسين(ع) قال: «الحكم حكمان: حكم الله وحكم أهل الجاهلية فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم أهل الجاهلية، ومن حكم في درهمين بغير ما أنزل الله عز وجل فقد كفر بالله تعالى»( ) وعن أبي عبد الله(ص): «أهل البيت اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم في المسلمين لنبي أو وصي نبي»( ). ومما يؤسف له أن هذا المنصب الجليل والخطيرُ ينظر إليه من قبل البعض على أنه مجرد وظيفة يحسّن بها وضعه المادي والاجتماعي، أو مجرد وسيلة يوسّع من خلالها دائرة نفوذه وامتيازاته، وما يدمي القلب أن لا يكون هناك احتياط في ذلك لا من جهة أولئك الذين يتصدون للقضاء إلا من رحم ربك، ولا من جهة الذين يعيّنونهم في هذه المواقع مع عدم الكفاءة في غالبيتهم. وعلى أي حال، فإن ممارسة القضاء في أي ظرف من الظروف لا تخلو من أن يكون الشخص( ) القاضي أثرٌ فيها، وهو أمرٌ لا ضير فيه، ولا يشكل عنصراً سلبياً في تجربة القضاء إذا بقي ضمن القانون الشرعي، خاضعاً لضوابطه وحدوده، وإذا لم تكن أهواء القاضي عنصراً سلبياً في تجربة القضاء إذا بقي ضمن القانون الشرعي، خاضعاً لضوابطه وحدوده، وإذا لم تكن أهواء القاضي عنصراً ضاغطاً يحجب الإنسان عن رؤية الحق، ويفقده القدرة على التمييز في خضم المنازعات وفي أوج احتدام الخصومة. وإذا كان من المؤكد أن تجربة النبي(ص) في القضاء بين الناس كانت منزهة عن حضور وتأثير العنصر الشخصي فيها لجهة أنه(ص) كان مسدَّداً بالوحي، ومحصَّناً بالعصمة، فإنّ تجربة غيره من غير المعصومين تبقى محفوفة بخطرين: الأول: تدخّل عنصر الشخصية التي لا تملك ما يمنعها في ذاتها من أن تنحرف أو تسقط. الثاني: تدخل عنصر الأوضاع الاجتماعية، والضغوط الخارجية التي تدفع بالإنسان خارج دائرة الحق، والتي قد تفرض على القاضي الحكم على خلاف مقتضى العدل. حرمة القضاء لمن لا يملك الأهلية: هذا مع أنه لا يجوز لأحد أن يتصدى لهذه المهمة إذا لم يعلم من نفسه أنه مستجمع للشروط والأوصاف المعتبرة في القاضي ــ مما يأتي تفصيله ــ فالقضاء الذي عرفت أنه واجب كفائي وقد ينقلب عينياً في بعض الحالات، يغدو محرماً على فاقد الأهلية، فمن عرف من نفسه عدم الكفاءة لم يجز له التصدي ولم تنفذ أحكامه وصدق على عمله عنوان الغش لله ولرسوله وللمؤمنين، ودخل لا محالة تحت عنوان الشقي والطاغوت، ولو اعتقد الناس بأهليته، فمسألة الأهلية في القضاء ليست كمسألة عدالة الإمام في صلاة الجماعة، حيث قد يكفي هناك للحكم بصحة الصلاة عدالة الإمام في نظر المأمون ولو لم يكن الإمام مقتنعاً بعدالة نفسه، بمعنى أن الملحوظ شرطاً في صحة الصلاة هو العلم بعدالة الإمام لا واقع العدالة، أما هنا فالشرط هو الكفاءة الواقعية، فحال الكفاءة هنا حال عدالة الشاهد في الطلاق، لجهة اعتبار واقع العدالة شرطاً لا اعتقاد العدالة. قال السيد كاظم اليزدي في ملحقات العروة: "إذا علم من نفسه عدم العدالة أو عدم الاجتهاد حرم عليه التصدي وإن اعتقد الناس عدالته واجتهاده"( ). ولا يقتصر الأمر على الحرمة التكليفية، بل يتعداه إلى الحرمة الوضعية أيضاً بمعنى فساد قضائه وعدم ترتب الآثار عليه، والدليل على الفساد والحرمة الوضعية واضح لأنه ما دام غير مستجمع لشرائط القضاء فلا يكون أهلاً لهذا المنصب لتنفذ أحكامه، وبعبارة أخرى: إن نفوذ حكم شخص على آخر خلاف الأصل، خرجنا عنه فيما لو كان القاضي أهلاً للقضاء فيبقى الباقي تحت الأصل. وأما الحرمة التكليفية فيمكن الاستدلال لها بمقبولة عمر بن حنظلة( ) التي اعتبرت القاضي عير الشرعي طاغوتاً، وبمعتبرة أبي خديجة( ) التي نهت عن الترافع إلى القضاة الفساق المعيّنين من قبل السلطان، مضافاً إلى دخوله تحت عنوان الشقي في حديث أمير المؤمنين المتقدم. حكم القاضي الفاقد للأهلية أو مجهول الحال: إذا كان في بلده قاضٍ متصدٍ للقضاء وللناس يترافعون إليه، فإن علم غير المتصدي أن من تصدى مستجمع للشرائط المعتبرة في القاضي رافع للحاجة فلا يجب عليه القضاء عيناً، وحمد الله الذي خفف المسؤولية عنه، وإن علم عدم أهليته وجب عليه إعلام الناس بذلك إن كانوا جاهلين، وإن كانوا عالمين وجب عليهم حثّهم على عدم الترافع إليه من باب النهي عن المنكر، ولما يترتب على ذلك من المفاسد الاجتماعية من تعريض الأموال والأعراض والأنفس للخطر، وإن جهل حاله لجهة الكفاءة وعدمها فهل يجب عليه التصدي أم لا؟ وهل يُمضي حكمه أم لا؟ أمّا لجهة التصدي فلا يجب عليه، وكذا لا يجب عليه نهي الناس عن الترافع إليه، وذلك لأن حمل فعل المسلم على الصحة يقتضي ذلك. أما إمضاء حكمه وترتيب الأثر عليه بأن يجيز شراء ما حكم بكونه للمدعي مثلاً، فقد استشكل في السيد اليزدي( ) ثم استظهر جوازه، ووجه الإشكال: أن الحمل على الصحة في مثل المورد لا يثبت لوازمه وآثاره فهو يقتضي نفي الجانب السلبي في سلوكه وفعله دون تأكيد الجانب الإيجابي وترتيب الآثار، وأما الوجه في استظهاره الجواز فلعله لجريان السيرة على ترتيب الأثر في عالم المعاملات ونظائره اكتفاءً بالظاهر فمثلاً: انتقال المال إلى الورثة يتم بموت المورِّث، فلو شك في ملك الميت لما بيده من المال فلا يمنع ذلك من انتقال المال بالإرث إلى ورثته، لأن ظاهر اليد يقتضي الملكية وبذلك جرت السيرة، وهكذا الحال لو انتقل المال بحكم القاضي المجهول الحال، وهو وجيه. ولكن قد يتأمل في جريان السيرة في المورد الذي يملك فيه الشخص أساساً للشك بحيث لا يجد قاعدة للثقة بالقاضي المذكور الذي كان التملك بسبب حكمه من دون وجود سبب آخر للملك كاليد ونحوها، فإن السيرة قد لا تكون قائمة على ترتيب الآثار والحال هذه، والقدر المتيقن منها هو صورة ما إذا كان المشتري لا يحمل فكرة عن حال القاضي بما تعني انتفاء أي أساس للشك بل كانت المسألة لديه مجرد احتمال تجريدي لا وقع له في ميزان الاعتبار. استحباب القضاء عيناً ذكر جماعة من الفقهاء أن القضاء وإن كان واجباً على نحو الكفاية في صورة تعدد الأشخاص المؤهلين للقيام بأعباءه، لكن تولّيه مستحب عيني لكل من يعرف من نفسه أنه قادر على القيام بشرائطه، لعظيم ما يترتب عليه من الفوائد والآثار المرتبطة بسلامة المجتمع ودام أمنه مما هو مرغوب ومطلوب شرعاً وعقلاً. واستشكل في ذلك بعدم جواز اجتماع الوجوب وإن كان كفائياً مع الاستحباب العيني إذا ما دام الشيء واجباً فكيف يتصور كونه مستحباً عيناً؟! ويمكن أن يذكر في بيان إمكان الاجتماع وجوه: الأول: أنه إذا نهض به بعض من تتحقق به الكفاية فإنه حينئذ يسقط وجوبه عن الباقين، فلا يبقة ثمة مانع من استحباب تولّيه بالنسبة لهم لعدم لزوم الاجتماع. ويلاحظ عليه: أولاً: إنّ لازمه عدم صحة إطلاق الاستحباب عيناً إلاّ في خصوص هذا المورد، مع أن القائلين بالاستحباب يقولون به بقول مطلق. وثانياً: عدم التسليم بسقوط الوجوب عن الباقين بمجرد تلبس البعض به وصتديهم له، ولذا لو تصدى له الغير قبل أن يفصل القاضي الأمر كان آتياً بالواجب فيبقى المحذور( ). الثاني: أن من الممكن أن يكون الشيء محكوماً بحكمين بلحاظين وباعتبار انطباق عنوانين مختلفين عليه، كما هو الحال في الوضوء فإنه مستحب في نفسه وواجب عند دخول وقت الصلاة ولا يسقط بذلك استحبابه بل يتأكد، ولا مانع أن يكون القضاء كذلك أي يكون مستحباً في نفسه لاشتماله على مصلحة غير ملزمة في الفعل، ويكون في الوقت نفسه واجباً كفائياً لاشتماله على مصلحة ملزمة بلحاظ عنوان آخر وهو حفظ النظام وحسم المنازعات بين الناس من خلاله فتأمل. الثالث: أن يقال( ) أن المراد بالاستحباب العيني هنا استحباب المبادرة إلى القضاء وسبق الغير إلى ممارسته فيختلف متعلق الحكمين حينئذٍ، على أن يكون المراد من تولي الغير ليس مجرد المباشرة بل تولي المنصب وصيرورته قاضياً لئلا يلزم من القول باستحباب المباشرة محذور استحبابه عيناً على كل مؤهل للقيام بأعبائه مع عدم قابلية الفعل للتكرار، وعليه فيكون موضوع الوجوب غير موضوع الاستحباب. عدم وجوب الفورية في القضاء: لو ترافع إلى القاضي متنازعان للتقاضي عنده فهل تجب عليه المبادرة إلى القضاء أو يسعه التأخير؟ وإلى متى؟ الظاهر عدم وجوب الفورية في القضاء لعدم الدليل على ذلك، ولأن المقصود من القضاء هو الحكم بالحق وتأكيده، وهو يستوجب من القاضي دراسة متأنية للواقع وللحجج والبينات المطروحة أمامه ليتضح وجه الحق ووجه الباطل فيما يقع فيه التنازع، ويتمكن من تكوين وجهة نظره بروية تامة، وإذا كان الوصول إلى الحق هو هدف القاضي وغايته، فإن ذلك قد يضطره إلى تنويع أدوات بحثه واستقصائه، وتوفير ما يمكن أن يسعفه ويعينه على تحقيق هدفه من الوسائل المشروعة ولقد كان أمير المؤمنين(ع) ــ فيما يروى عنه من قضائه ــ يمعن النظر في الأدلة والحجج، ويفحصها بعناية، ويستجوب المتّهمين كلاً على حدة، ويفرق بينهم ليتوهَّهم بعضهم أنه قد انتزع من البعض الآخر اعترافاً أو إقراراً، فيندفع إلى الاعتراف بالحق. وبعبارة أخرى: كان علي(ع) يتخير في قضائه، من الوسائل والأدوات والأساليب والطرق ما يعينه على تلمس مقصوده، والوصول به إلى غايته، والكشف عن وجه الحق فيما يعرض له من القضايا، ويثار بين يديه من المنازعات. وعلى ضوء ذلك فإن على القاضي دراسة كل احتمالات القضية، والتدقيق فيها، واستقصاء مجمل ظروفها وملابساتها، واستنفاذ النظر في البيّنات والأدلة، والدفوع والطعون، قبل اللجوء إلى موقف حاسم، أو الانتهاء إلى تأكيد حكم، أو البت في خصام أو منازعة. وقد يكون من النافع الأخذ بالكثير من الأساليب المستجدة المستحدثة، التي يستخدمها القانون المدني ويلجأ إليها ويعول عليها. لا أقصد ما يرتبط منها بوسائل الإثبات، بل أعني وسائله في التحقيق، وآلياته في النظر في البينات والأدلة، التي يمكن أن تقود القاضي إلى انتزاع اعتراف من المتهم والحصول على إقراره، أو تمكنه من الإفادة من شهادة شاهد أو تفسير قرينة أو غير ذلك من أمور. ومهما يكن من أمر، فالمبادرة إلى القضاء غير واجبة، بل قد تكون محرمة، إذا كان ذلك يمنع القاضي من التدقيق المطلوب في القضية ويحول ــ ولو احتمالاً ــ بينه وبين الحكم بالحق، أو إذا كان ذلك يحول بين المدعي وبين توفير بيّناته، أو أدلة الإدانة التي يملكها، أو يمنع المنكر من توفير دفوعه وتأمين ما يدعم موقفه من القرائن والشواهد. نعم إذا كان في التأخير وعدم المبادرة تضرر المتقاضيين أو أحدهما وجبت المبادرة إلى القضاء بما يرفع الضرر ويؤدي إلى إحقاق الحق، ولا يجوز له التأخير إن لم يكن له عذر في ذلك. 5- النصب العام للقضاء الحاجة إلى النصب: إذا كانت الحاجة إلى القضاء بالمثابة المشار إليها بالنسبة للاجتماع الإنساني فهل الملحوظ فيه من قبل الشارع كونه طريقاً إلى تأكيد الحق والوصول إليه، ليكون لكل من يملك كفاءة الحكم بالحق وثقافة الحق حرية التصدي للقضاء والحكم بين الناس فيما يتنازعون فيه من دون حاجة إلى نصب وتعيين، أو يحتاج إلى نصب وجعل له ممن يملك الحق بذلك؟ قد يقرّب الاحتمال الأول من قوله تعالى مخاطباً نبيه(ص): {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً}(النساء:105) إذا الظاهر منها أن الله سبحانه هيأ لرسوله القاعدة في الحكم والقضاء ليتحرك على أساسها فلا يحتاج إلى نصبه قاضياً بالمعنى الرسمي والدقيق للكلمة وإنما بيّن له الضوابط التي يلزمها السير عليها والهدف الذي يجب أن يسعى إلى تحقيقه في كل أقضيته، وعلى ضوء ذلك يمكن القول: أن كل من عرف ثقافة الحكم بالحق وملك المواصفات والشروط الشرعية فهو مكلَّفٌ بذلك ويكون قضاءه مشروعاً من دون حاجة إلى تنصيب وجعل بالمعنى الرسمي. وفي مقابل ذلك قد تطرح عدة وجوه للبرهنة على عدم مشروعية القضاء بدون نصب ممن له الحق بذلك: الوجه الأول: ومن هذه الوجوه قوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ}(ص:26) حيث دلّ على أن القضاء من المناصب التي تحتاج إلى جعل وتنصيب، وذلك بمقتضى تفريع وجوب الحكم بالحق في الآية على جعله خليفة في الأرض، ما يعني أن وجوب الحكم بالحق من شؤون جعله خليفة ومتفرعاً عليه وبالتالي ينتفي بانتفائه. ولكن قد يناقش في ذلك: أولاً: أن من المحتمل أن يكون الله تعالى فرَّع وجوب الحكم في الآية على أصل الخلافة لا على جعله خليفة، فلا تدل على انتفاء مشروعية الحكم في صورة انتفاء الجعل، بل غاية ما تدل عليه أن الحكم بالحق هو من مسؤوليات الخلافة ومتفرعاتها. ثانياً: أن من الممكن مناقشة في دلالاتها على وجوب القضاء على داوود(ع) فضلاً عن دلالاتها على انتفاء الجواز بالنسبة لغيره، وذلك لأن من المحتمل أن يكون المتفرّع على الخلافة هو وجوب الحكم بالحق أي الوجوب باعتبار القيد، ويصبح معنى الآية حينئذٍ: أنه لما جعلناك خليفة وجب أن يكون حكمك بالحق، فيكون النظر في الآية إلى القيد لا إلى القيد والمقيد معاً، ويكون شأن الآية شأن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً}(النساء:58). كما أن ثمة معنى آخر يمكن أن يفهم من الآية الشريفة كما ذكر بعضهم وهو أن يرد من التفريع تفريع جواز الحكم لا وجوبه على الخلافة باعتبار أن الأصل في الحكم الحرمة لعدم تسلط أحد على أحد، فيكون الأمر وارداً مورد الحضر وهو لا يفيد سو الإباحة. لكن استفادة هذا المعنى من الآية لا تخلو من خفاء والأقرب أنها بصدد تحديد مسؤوليات الخليفة في ضرورة الحكم بالحق. وكيف كان فهي لا تدل على كون القضاء منصباً من مناصب النبي أو الوصي ومختصاً بهما، بل غاية ما تدل عليه لزوم أن يقضي ويحكم النبي بالحق ويسعى إلى تحقيقه، ولكن ذلك لا ينطلق من خصوصية في النبي بل من خصوصية في الحق الذي يريد الله تعالى للناس أن يأخذوا به ويريد للنبي أو لغيره ممن يملكون الأهلية أن يتحركوا على أساسه في أقضيتهم وحكمهم ومواقفهم، فالحكم بالحق ليس مقتصراً على حل المنازعات بل هو عنوان من عناوين الرسالة شامل لكل مجالات تجلي الحق في الحياة سواء على مستوى الدعوة أو فصل الخصومات أو غير ذلك. الوجه الثاني: ما روي عن أمير المؤمنين(ع) أنه قال لشريح: "يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي"( ). وتقريب الاستدلال به على المدعى: أنه ظاهر في كون القضاء مختصاً بالنبي والوصي وأنّ من يتصدى له من الناس بدون نصبٍ منهما فهو شقي، فيستفاد من ذلك أنه لا بدّ من صدور نصب أو إذن منهما باعتبار أن الشرعية في القضاء محصورة بهما، وهذه اللابدية هي من جهة ضرورة القضاء وعدم ترك الأمة بدون وسيلة تضمن حل النزاعات والخصومات. لكن هذا الخبر ضعيف السند، ويضاف إلى ذلك بأن سياقه يوحي بأنّه صادر بداعي الوعظ والإرشاد إلى صعوبة القضاء وخطورته، فكأن الإمام(ع) يريد القول لشريح: إنك جلست مجلاً جلس ويجلس فيه الأنبياء والأوصياء باعتبارهم يحملون رسالة الحق، فانتهج في حكمك نهجهم ولا تَحِدْ عن خطهم فتكون شقياً، فالشقي هو الذي ينحرف في حكمه عن خط النبوة والوصاية، وليس من يجلس هذا المجلس ويحكم بالحق مستهدياً نهج الأنبياء والأوصياء، بشقي( ). الوجه الثالث: ما روي عن أبي عبد الله(ع) قال: "اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، لنبي أو وصي نبي"( ). ووجه الاستدلال به أن الإمام(ع) حصر الحكومة بالنبي والوصي محذراً من الإقدام عليها والتصدي لها، مما يدل على أنها مسؤوليتهما ومنصب مختص بهما. وهذا الخبر مع ضعفه السندي أيضاً فإن قوله: "إن الحكومة للإمام العالم بالقضاء" يوحي أنه ليس المراد من الإمام المعنى المصطلح بقرينة ذكر النبي(ص) بعد ذلك كمصداقٍ له، والتأكيد على صفتي العلم والعدل في الحاكم يشير إلى أن الأساس في القضاء ليس هو خصوصية الحاكم في ذاته وشخصه بل الأساس خصوصية علمه وعدله، وأن الله تعالى يريد للحاكم أن يحكم بالعدل بين الناس من خلال إلمامه بثقافة الحق والعدل، وعلى ضوء ذلك قد يكون ذكر النبي(ص) أو الوصي في الخبر باعتبارهما النموذج الأكمل للحاكم الذي ينطلق في حكمه بالحق من خلال علمه بمواقع الحق ويتحرك في قضائه بالعدل والقسط. أدلة النصب العام: تبيّن من الكلام السابق أنه يكفي للقول بمشروعية تصدي الفقيه للحكم والقضاء بين الناس فيما اختلفوا فيه أن يدل دليل على هذه المشروعية ولو لم يكن بلسان التنصيب والجعل، فيكفي إلغاء الخصوصية عن صفتي النبوة والوصاية الواردتين في الأحاديث السابقة واستظهار أن الخصوصية لصفتي العلم والعدل، هذا ولكن الفقهاء رضوان الله عليهم واعتماداً على أن الأصل عدم سلطنة أحد على أحد بل كان إنسان مستقل في إدارة شؤونه الخاصة، أو بسبب افتراضهم تفرّع القضاء على الجعل والنصب قد حكموا بعدم جواز ممارسة القضاء لغير المعصوم إلاّ مع تحقق النصب منه لأشخاص معنيين وهو ما يسمى بالنصب الخاص أو لعنوان عام وهو ما يسمى بالنصب العام، فهل ثمة ما يدل في النصوص على النصب والإذن لغير المعصوم بممارسة القضاء لنرفع اليد استناداً إلى ذلك عن الأصل المذكور؟ والبحث سوف ينصبّ على عصر الغيبة لأنه مورد الابتلاء، وعليه فينحصر الحديث في أنه هل ورد إذن عام لمن تتوفر فيه شروط معينة بممارسة القضاء؟ وأما الحديث عن صدور إذن خاص من المعصوم حال الحضور لأشخاص محددين في التصدي للقضاء فلا داعي له، لخروجه عن محل ابتلاءنا. وما يمكن أن يستدل به على تحقق نصب بالمعنى المتقدم وجوه: الوجه الأول: ما عرف بمعتبرة أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال أبو عبد الله(ع) جعفر بن محمد الصادق(ع): "إيّاكم أن يُحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه"( ). بتقريب أن الرواية المعتبرة سنداً ظاهرة في جعل منصب القضاء لمن يعلم شيئاً من قضاياهم، ولو لم يكن القاضي محتاجاً إلى جعل وتنصيب من قبل الإمام باعتباره يمثل السلطة الشرعية التي بيدها أمر نصب القضاة وعزلهم، لما كان لقوله(ع): "فإني قد جعلته قاضياً" معنى مفهوم. وقد استشكل السيد الأستاذ في دلالة المعتبرة بالقول: "ولكن الصحيح: أن الرواية غير ناظرة إلى نصب القاضي ابتداءاً، وذلك لأن قوله(ع): "فإني قد جعلته قاضياً متفرع على قوله(ع): "فاجعلوه بينكم"، وهو القاضي المجعول من قبل المتخاصمين، فالنتيجة أن المستفاد منها أن من جعله المتخاصمان بينهما حكما هو الذي جعله الإمام(ع) قاضيا فلا دلالة فيها على نصب القاضي ابتداءاً"( ). لكن ما ذكره من حمل المعتبرة على قاضي التحكيم غير تام، وذلك لأن صدر الرواية يدل صراحة على حرمة التحاكم إلى قضاة الجور والركون إليهم وهم أولئك القضاة الذين يعيّنهم السلطان ليقضوا بين الناس ويسيرون بوحيه وإرشاداته ولا يخالفون له أمراً، والبديل الذي يريد الإمام توجيه الناس نحوه وإرشادهم إليه هم القضاة الذين يحكمون بالعدل والقسط، وهو لا يتناسب مع قاضي التحكيم الذي يختاره المتخاصمان ليكون حكماً بينهما، لأنه لا يشكل بديلاً عن قضاة الجور الذين يوكل إليهم أمر القضاة سواءً تراضى بهم الخصمان أم لم يتراضيا. لكن مع ذلك يمكن أن يلاحظ على الخبر المذكور بأن قصد التنصيب منه مستبعد، لأن عالم التنصيب يستبطن معنى التعيين بل ذاك هو مدلوله المباشر والعفوي، ولا معنى في التنصيب لجعل الكلي العام، وإنما يكون للشخص، فيكون عالم التنصيب في الواقع هو عالم تعيين وتشخيص المنصوب، ولا دلالة في الخبر على التنصيب بهذا المعنى، وإنما يدل على لزوم الترافع إلى القاضي العادل العارف بثقافة الحكم بالحق كما يشهد لذلك التناغم بين لفظي "فاجعلوه" و"إني جعلته" إذ وحدة السياق تقتضي أن يكون المراد من لفظ الجعل في الموردين نفس المعنى إذا كان المقصود من "فاجعلوه" مجرد إرجاع الناس إلى قضاة العدل كبديل عن قضاة الجور فينبغي أن يكون المراد من جعله(ع) للقضاة مجرد الحث على هذا الرجوع والأمر به والتأكيد على مشروعيته لا التنصيب بمعناه الرسمي. الوجه الثاني: التوقيع الشريف الذي رواه الشيخ الصدوق في إكمال الدين وإتمام النعمة بسنده عن إسحاق بن يعقوب قال: سألت محمّدَ بن عثمان العَمْري أن يُوصِل لي كتاباً قد سألتُ فيه عن مسائل أشكَلَت علَيّ، فورد التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان عجّل الله فرَجَه: "أما ما سألت عنه أرشدك الله وثبتك... إلى أن قال: وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله"( ) ورواه الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة بإضافة "عليكم" بعد قوله: "وأنا حجة الله"( ). وقد رماه سيدنا الأستاذ( ) يضعف السند وما ذلك إلا لمجهولية إسحاق بن يعقوب. والواقع أن سند هذا الخبر إلى إسحاق بن يعقوب لا غبار عليه لأن الشيخ يرويه عن جماعة عن جعفر بين محمد بن قولويه وأبي غالب الزراري وغيرهما جميعاً عن محمد بن يعقوب عن إسحاق من يعقوب، والجماعة التي يروي عنها الشيخ منهم الشيخ المفيد، لأن الشيخ يروي جميع كتب وروايات ابن قولويه عن جماعة منهم المفيد، وابن قولويه والزراري مقطوع بوثاقتهما، والكليني غني عن التعريف والوثاقة، فلا يبقى في السند غير إسحاق بن يعقوب وهو وإن كان مجهولاً لا يعرف له ذكر في كتب الرجال، إلا أن ذلك لا يضر على مبنانا، فإن الأساس في قبول الخبر عندنا هو الوثوق لا وثاقة الراوي، وإنما كان بناء العقلاء في الأخذ بوثاقة الراوي لإفادته الوثوق النوي بالصدور، وحيث إن الأصحاب قد اعتمدوا على التوقيع وعملوا به من غير تردد أو تحفظ أمكن تحقق الوثوق بصدوره. ومع قطع النظر عن ذلك فإن للمقام خصوصية توجب عند التأمل فيها حصول الوثوق بالتوقيع، وهي أن احتمال الكذب أو التساهل منتفٍ في المقام لأن هذا الاحتمال إن فرض في أصل صدور التوقيع فكيف يخفى ذلك على الكليني وهو المعلوم بضبطه ودقته وفقاهته، وإن فرض في نقل الخصوصيات فإن ذلك إنما يحتمل في النقل الشفاهي لا في الكتابة كما هو المورد. هذا كله فيما يرتبط بسند الخبر. وأما دلالته فقد احتج به المقام بناءً على دلالته على ولاية الفقيه بتقريب أن المراد بالحوادث الواقعة: الوقائع التي يحتاج الناس فيها إلى القضاء والحكم والتدبير فتثبت بذلك ولاية الفقيه العامة والقضاء هو أحد فروعها. لكننا نرى أن دلالة الخبر على جعل الولاية للفقيه بعيدة وإنما هو مرتبط بقضية الفتوى، فالمقصود بالحوادث ما يتفق وقوعه من المشكلات والمسائل التي لا يعلم حكمها، ومما يؤكد هذا المعنى أن المسألة التي كانت مطروحة في علاقة الناس بالأئمة(ع) هي مسألة الفتاوى ومعرفة الحكم الشرعي ولمتكن الولاية مطروحة آنذاك، سيما أنه لا معنى لولاية الفقيه في زمن الإمام وحال وجوده، والشيعة أساساً لم يكونوا يفكرون في خضمّ تجربتهم التاريخية المريرة مع السلطات المختلفة بالولاية بهذا المعنى. وعلى هذا فما يمكن استظهاره من التوقيع أن إسحاق بن يعقوب سأل الإمام عن جملة مسائل وأجابه الإمام عليها، موضحاً له بأن ما سألت عنه مما يصادفك من مشاكل وحوادث لا تعرف حكمها ولا تجد حلاً فيما تملكه من ثقافة، فارجع فيها إلى رواة أحاديثنا فأنا أحتج عليك بما أفتوا به وأنا حجة الله فيما أبلغكم به من حلال الله وحرامه وكل تعاليمه وتفاصيل دينه. ومما يؤكد أن التوقيع لا صلة له بولاية الفقيه بل هو مرتبط بقضية الفتوى تعبير "رواة أحاديثنا" فإنه يشعر أن الرجوع إلى العلماء بما هم رواة أحاديث وأنهم حجة على الناس بما هم كذلك، فيكون وازن قوله: "فارجعوا إلى رواة أحاديثنا" وزان قول القائل ارجع إلى المهندس، فإن معناه الرجوع إليه بما هو مهندس، إلاّ أن يقال أن التركيز على عنوان "رواة أحاديثنا" ليس إلا بسبب ما يملكه الرواة من ثقافة اجتهادية تؤدي إلى اتصافهم بالفقهاهة وهي شرط في الوالي. لكن ذلك غير ظاهر لأن الرواة آنذاك كانت طريقتهم تقتصر على تلاوة الأحاديث على الناس دون الإفتاء وهذا ما نلاحظه في دراسة تاريخ الرواة. وعليه فلا يصلح هذا الخبر للدلالة على تحقق النصب العام للقاضي ولا على توقف مشروعية القضاء على النصب، كما لا دلالة له على ولاية الفقيه بشكل من الأشكار. الوجه الثالث: مقبولة عمر بن حنظلة قال: "سألت أبا عبدالله(ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك؟ قال: "من تحاكم إليهم، في حقّ أو باطل، فإنّما تحاكم إلى الطَّاغوت، وما يحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّاً ثابتاً له, لأنّه أخذه بحكم الطَّاغوت، وما أمر الله أن يُكْفَر به، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ﴾". قلت: فكيف يصنعان؟ قال: "ينظران من كان منكم ممَّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه، فإنّما استُخفّ بحكم الله، وعلينا ردَّ، والرَّادُّ علينا الرَّادُّ على الله، وهو على حدّ الشرك بالله"( ). وقد اعترض السيد الأستاذ على المقبولة "بضعف السند بعمر بن حنظلة إذا لم يرد في حقه توثيق ولا مدح وإن سميت روايته هذه بالمقبولة لأنّها مما تلقاه الأصحاب بالقبول وإن لم يثبت هذا أيضاً، نعم ورد في المواقيت عن يزيد بن خليفة أنه قال: قلت لأبي عبد الله(ع): إنّ عمر بن حنظلة أتانا عنك بوقت. فقال أبو عبد الله عليها السلام: "إذاً لا يكذب علينا"( ). فلو كانت هذه الرواية معتبرة لدلتنا على أن الرجل موثق غايته كيف وموثّقه الإمام(ع)، إلا أن تلك الرواية أيضاً ضعيفة فإن يزيد هذا كعمر لم تثبت وثاقته"( ). ولهذا لم يعتمد السيد الأستاذ على هذه الرواية لإثبات تحقق النصب العام رغم تمامية دلالاتها على نصب القاضي ابتداءً على حدّ قوله. ويلزمنا إيقاع البحث في سند المقبولة ودلالاتها. أما سنداً: فقد يستدل على وثاقة عمر بن حنظلة بعدة أمور: الأول: توثيق الإمام له في رواية يزيد بن خليفة، ولكن حيث أن هذه الرواية ضعيفة السند لعدم ثبوت وثاقة يزيد فلا تصلح للاستدلال. الثاني: توثيق الشهيد الثاني له كما ذكر في جامع الرواة( )، فإن توثيق الشهيد له ــ لا شك ــ ناتج عن اطلاعه على ما يوجب وثاقته وإن لم يصلنا. لكن الظاهر أن توثيق الشهيد له حدسي لا حسي لبعد احتمال عثور الشهيد الثاني على إمارات تدل على وثاقته سوى الخبر المذكور آنفاً وهو مما لا يعتمد عليه لضعف سنده، أو بعض الروايات الضعيفة التي رواها عمر نفسه وتدل على أن له منزلة عند الأئمة(ع) أو أن الناس لا يتحملون ما يتحمله( )، ولكن الجواب عنها واضح فإن ذلك شهادة من عمر بحق نفسه وهي غير مسموعة، وعليه فتوثيق الشهيد له اجتهاد شخصي لا يصح التعويل عليه. الثالث: رواية بعض الثلاثة عنه ممن عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة وهم محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى بن أبي نصر، وهكذا روى عنه بعض من قام الإجماع على تصديق روايتهم وتصحيح ما يصح عنهم. والأصل في الدعوى الأولى أعني توثيق كل من روى أحد الثلاثة هو ما قاله الشيخ في كتاب العدة في آخر بحثه عن خبر الواحد وإليك نصه: "وإذا كان أحد الروايين مُسْنِداً، والآخر مُرْسِلاً، نُظر في حال المرسل، فإن كان ممن يعلم أنه لا يرسل إلا عن ثقة موثوق به، فلا ترجيح لخير غيره على خبره، ولأجل ذلك سوَّت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير، وصفوان بن يحي، وأحمد بن محمد بن أبي نصر، وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عمن يوثق به، وبين ما أسندهم غيرهم"( ) فهذا إخبار من الشيخ (قده)، بأنه كان من المعروف عند الأصحاب أن هؤلاء الثلاثة لا يروون إلا عن موثوق به، وهو إخبار يُحمل على الحس، أو ما هو قريب منه، والشيخ ثقة يحتج بخبره، فتثبت عندئذٍ به شهادة جملة من الأصحاب بأن هؤلاء الثلاثة لا يروون إلاَّ عن ثقة. وإذا تحقق ذلك كان عمر بن حنظلة ثقة بدلالة رواية أحد هؤلاء الثلاثة عنه، فيعتمد حينئذٍ على خبره، ويحتج بروايته، وإن لم يوثّق صراحة في كتب الرجال أو يذكر بمدح. والأصل في الدعوى الثانية أعني دعوى الإجماع التي أشرنا إليها لِتوِّنا هو ما ذكره الكشي في رجاله في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر وأبي عبد الله(ع) قال: "أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر(ع) وأصحاب أبي عبد الله(ع) وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الأولين ستة: زرارة ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي؛ قالوا: وأفقه الستة زرارة؛ وقال بعضهم مكان أبي بصير الأسدي، أبو بصير المرادي وهو ليث بن البختري"( ). ثم قال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله(ع): "أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح من هؤلاء، وتصديقهم لما يقولون، وأقرّوا لهم بالفقه، من دون أولئك الستة الذين عددناهم، وسمّيناهم، ستة نفر، جميل بن دراج، وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بكير، وحماد بن عثمان، وحماد بن عيسى، وأبان بن عثمان. قالوا: وزعم أبو إسحاق الفقيه يعني ثعلبة بن ميمون: أن أفقه هؤلاء جميل بن دراج وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله(ع)"( ). وقال في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم(ع)، وأبي الحسن الرضا(ع): "أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح من هؤلاء، وتصديقهم، واقروا لهم بالفقه، والعلم. وهم ستة نفر آخر، دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله(ع). منهم يونس بن عبد الرحمان، وصفوان بن يحيى بيّاع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبد الله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، واحمد بن محمد بن أبي نصر. وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب: الحسن بن علي بن فضّال، وفضالة بن أيوب، وقال بعضهم مكان فضالة بن أيوب: عثمان بن عيسى. وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمان، وصفوان بن يحيى"( ). مناقشة الدعوى الأولى (مشايخ الثقات): وقد ناقش السيد الأستاذ دعوى الشيخ في العدة بشأن الثلاثة الذين لا يرون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة بأنها: "اجتهاد من الشيخ قد استنبطه من اعتقاده تسوية الأصحاب بين مراسيل هؤلاء ومسانيد غيرهم وهذا لا يتم لعدة مناقشات: أولاً: التسوية المزبورة لم تثبت، وإن ذكرها النجاشي أيضا في ترجمة محمد بن أبي عمير، وذكر أن سببها ضياع كتبه وهلاكها، إذ لو كانت هذه التسوية صحيحة، وأمرا معروفا متسالماً عليه بين الأصحاب، لذكرت في كلام أحد من القدماء لا محالة، وليس منها في كلماتهم عين ولا أثر، فمن المطمأن به أن منشأ هذه الدعوى هو دعوى الكشّي الإجماع على تصحيح ما يصح عن هؤلاء"( ). وقد اعترض بعضهم على السيد الأستاذ بكون الأصل في الخبر هو الحس، فحمل كلام الشيخ على الحدث والاجتهاد، أو التحميل عليه بأنه استفاد ذلك من كلام الكشي في تصحيح ما يصح عن جماعة بحاجة إلى مبرر، وتبرير ذلك: بأنه لو كانت هذه التسوية صحيحة وأمراً معروفاً متسالماً عليه بين الأصحاب، لذكرت في كلام أحد من القدماء بينما لا يوجد لها عين ولا أثر، أجيب عليه بأنه ما أكثر كتب الأصحاب التي تلفت ولم تصل بأيدينا فلعل هذا مذكوراً في الكتب التالفة( ). ويلاحظ على هذا الاعتراض: صحيح أن الأصل في الخبر أن يكون عن حس لكن ذلك يكون فيما لو خلّي ونفسه ولم يكن ثمة ما يدل على كونه حدسياً من القرائن، وليست القرينة على ذلك عدم وجود مثل هذه التسوية في كتب قدماء الأصحاب فحسب ليعترض عليها بضياع الكتب وتلفها، بل إن سياق كلام الشيخ يوحي بأنه إنما ينقل انطباع الأصحاب عن هؤلاء الرواة، فكأن شدة ورع هؤلاء وعدالتهم واحتياطهم في نقل الأخبار والتحفظ في الإسناد إلى الأئمة(ع) كوّن عند الأصحاب انطباعاً بأنهم لا يروون ولا يرسلون إلا عن ثقة، وعليه فيكون شأن عبارة الشيخ هذه شأن عبارة الكشي في نقل الإجماع والتي سوف ترى أنها لا تدل على أزيد من التصديق والشهادة بالوثاقة، وأضف إلى ذلك أن مسألة بهذه الأهمية وتمس الحاجة إليها في تقييم الأخبار ونقدها وتمييز ما يُقبل وما لا يقبل منها ولها دور في تصحيح المئات من الروايات، لو كانت مما تسالم عليه القدماء لنقلت إلينا بعناية بالغة وتحفّظ شديد على تدوينها وشرحها، والاعتذار عن ذلك بضياع الكتب لا يتم لأن الكثير من الكتب قد بقيت أيضاً، أو نقل لنا بعض مضامينها الهامة في مصادر أخرى مع أننا لم نجد لها ذكراً وانتشاراً كما تقتضي ذلك طبيعة الأمور، كل هذا يدلك على أن المسألة لم تكن عند القدامى بهذه المثابة وأنه لم يتحقق حولها تسالم بالمعنى الذي توحي به عبارة الشيخ(قده). ثم إن السيد الأستاذ قد أيّد دعواه بأمرين: 1- أن الشيخ لم يخصّ ما ذكره بالثلاثة المذكورين بل عممه لغيرهم من الثقات الذين عرفوا بأنهم لا يروون إلا عن ثقة، مع أنه لم يعرف أحد بذلك من غير جهة دعوى الكشي. 2- إن الشيخ نفسه قد ناقض نفسه في كتابيه التهذيب والاستبصار وناقش بعض الروايات بالإرسال مع كون المرسل أحد الثلاثة المذكورين، ما يكشف عن كون الدعوى غير ثابتة في نفسها وأنها محض اجتهاد وحدس منه( ). وقد أورد بعضهم على المؤيد الثاني باعتراضين: أولهما: إن كتاب العدة متأخر تأليفا عن التهذيب والاستبصار، فلعل الشيخ التفت إلى تسوية الأصحاب المذكورة مؤخراً وبعد تأليف الكتابين. وثانيهما: بأن مبنى الشيخ في التهذيب والاستبصار الاعتذار عن تعارض الأخبار تارة بالجمع، وأخرى بإسقاط أحد السندين، وذلك أمام من طعن علينا بكثرة التعارض في أخبارنا، فلعل المناقشة بالإرسال كانت بهذه النكتة، وقد صحح بعض المعاصرين كلا الجوابين( ). ولكننا نرى عدم تمامية هذين الاعتراضين: أما الأول: فلأن دعوى احتمال أن يكون عدم التفات الشيخ للتسوية المذكورة إلا بعد فراغه من تأليف التهذيب والاستبصار غريبة إذ لو كان الأمر كذلك لأشار إلى ذلك في العدة، على ما هي عادة المصنفين من تبرير العدول عن الرأي السابق، هذا فضلاً عن أنه من المستبعد عدم التفات الشيخ إلى هذه القضية المشهورة ــ حسب الفرض ــ والتي ترتبط ارتباطاً جذرياً بقضايا الجرح والتعديل وقبول الأخبار ورفضها عند تأليف الكتابين. وأما الثاني: فلأن الظاهر من عبارة الشيخ في العدة أنه ليس بصدد تصحيح مراسيل الثلاثة وإثبات حجيتها في نفسها، بل في مقام تبيان عدم ترجيح الخبر المسند على معارضه المرسل إذا كان المرسِل ممن عرف أنه لا يروى ولا يرسل إلا عن ثقة، والترجيح لا يكون إلا في مقام التعارض فيكون موضوع كلامه في العدة وفي الكتابين واحداً، وهو يختار في الأول عدم ترجيح المسند على المرسل إذا كان رواته ممن عرفوا أنهم لا يرسلون إلاّ عن ثقة، بينما في الكتابين يرجح المرسل مطلقاً حتى لو كان المرسل أحد الثلاثة، وإذا كان الأمر كذلك تحقق التعارض بين العبارتين. وثانياً: ويناقش السيد الأستاذ بمناقشة ثانية فيقول: فرضنا أن التسوية المزبورة ثابتة، وأن الأصحاب عملوا بمراسِل ابن أبي عمير وصفوان والبزنطي وأضرابهم، ولكنها لا تكشف عن أن منشأها هو أن هؤلاء لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة بل من المظنون قوياً أن منشأ ذلك هو بناء العامل على حجّية خبر كل إمامي لم يظهر منه فسق وعدم اعتبار الوثاقة فيه، كما نسب هذا إلى القدماء وأختاره جمع من المتأخرين منهم العلامة(قده)...( )". ولكن يلاحظ عليه أنه لو صحّ ما نسب إلى القدماء فما وجه التخصيص بمراسيل هؤلاء الثلاثة بعد فرض كون القاعدة المذكورة تشملهم وغيرهم؟! ثالثاً: "إن هذه الدعوى وأن هؤلاء الثلاثة وأضرابهم من الثقات لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة. دعوى دون إثباتها خرط القتاد، فإن معرفة ذلك في غير ما إذا صرّح بنفسه أنه لا يروي ولا يرسل إلاّ عن ثقة أمر غير ميسور ومن الظاهر أنه لم ينسب إلى أحد هؤلاء إخباره وتصريحه بذلك وليس لنا طريق آخر لكشفه..."( ). وأجاب عن ذلك بعض المعاصرين بقوله: "لو كان طريق الكشف منحصراً في تصريحهم لدلّت هذه الشهادة من قبل الشيخ على صدور تصريحٍ بذلك من قبلهم، ولا دليل على ضرورة وصول ذلك إلينا بأكثر من هذا المقدار من الوصول" وأضاف: "والواقع أن طريق الكشف ليس منحصرا في تصريحهم بذلك، بل بإمكان تلامذتهم أن يكتشفوا ذلك عن ظاهر حالهم واستقراء جملة من نقولهم وسنخ اهتماماتهم ونحو ذلك من القرائن كما يكتشفون عدالتهم ووثقاتهم بهذا الأسلوب"( ). ويلاحظ عليه: إن شهادة الشيخ إنما تدل على تصريحهم بوثاقة من يروون عنه عندما تكون شهادة حسية وصلت إلى الشيخ بالطرق المعهودة، ولكن قد ذكرنا أن شهادته هي على الأقرب اجتهاد شخصي مبني على الحدس. أما افتراض أن طريق الكشف عن وثاقتهم ليس منحصراً في إخبارهم بل بإمكان تلامذتهم أن يكتشفوا ذلك، فهو مرفوض لأن ما تكشف عنه شهادة تلامذتهم على تقديرها ليس سوى ما أشرنا إليه من حسن السيرة والورع والعدالة والتثبت في النقل، وإدعاء دلالاتها على أكثر من ذلك هو مجرد حدس وتخمين، لأن شهادة التلامذة في أساتذتهم تستند بحسب العادة إلى ما يكوّنه التلامذة من انطباع عن أساتذتهم في خضمِّ تجربة العلاقة معهم ومخالطتهم والتردد إليهم وهو انطباع يستمد من الحس أعني ما يظهر للتلامذة من ورع وصدق ووثاقة أساتذتهم وجميل صفاتهم وأخلاقهم، ويستمد كذلك من العاطفة والوجدان والحدس مما يجعل شهادتهم هذه شهادة يختلط فيها الحس والحديث كلاهما فتأمل. ثم إن التسائل الطبيعي إن شهادة التلامذة لو كانت حسية فلماذا اختفت ولم تصل إلينا إلا من خلال عدة الشيخ الطوسي؟! إن ذلك ليس طبيعياً بشأن شهادة من هذا القبيل. رابعاً: "قد ثبت رواية هؤلاء عن الضعفاء في موارد ذكر جملة منها الشيخ بنفسه ولا أدري أنه مع ذلك كيف يدّعي أن هؤلاء لا يروون عن الضعفاء... إن قلت: إن رواية هؤلاء عن الضعفاء لا تنافي دعوى الشيخ أنهم لا يروون إلا عن ثقة، فإن الظاهر أن الشيخ يريد بذلك أنهم لا يروون إلاّ عن ثقة عندهم، فرواية أحدهم عن شخص شهادة منه على وثاقته وهذه الشهادة يؤخذ بها ما لم يثبت بطلانها... قلت: لا يصح ذلك بل الشيخ أراد بما ذكر: أنهم لا يروون ولا يرسلون إلاّ عن ثقة في الواقع ونفس الأمر لا من يكون ثقة باعتقادهم، إذ لو أراد ذلك لم يمكن الحكم بالتسوية بين مراسليهم ومسانيد غيرهم، فإنه إذا ثبت في موارد روايتهم عن الضعفاء ــ وإن كان ثقات عندهم ــ لم يمكن الحكم بصحة مراسيلهم إذ من المحتمل أن الواسطة هو من ثبت ضعفه عنده فكيف يمكن الأخذ بها؟!"( ). وقد اعترض بعضهم على السيد الأستاذ بما لا طائل من ذكره، بعدما عرفت عدم تمامية دعوى الشيخ لأنها ناشئة عن حدس واجتهاد لا عن حس، وعليه فلا يصح التعويل على كلام العدة للحكم بوثاقة عمر بن حنظلة وتصحيح العمل برواياته. مناقشة الدعوى الثانية (أصحاب الإجماع): أما دعوى الإجماع بتصحيح ما يصح عنهم التي ذكرها الكشي فهي ــ بنظرنا ــ لا تدل على أزيد من توثيقهم وتصديقهم، وعبارته في الستة الأولى واضحة الدلالة على ذلك، ولا دلالة فيها من قريب أو بعيد على وثاقة من يروي عنه أصحاب الإجماع، وقد يتوهم من عبارته في الستة الثانية والثالثة أن ما يصح إلى هؤلاء فهو صحيح إلى الإمام وهو ما قد يعني وثاقة الرواة الذين وقعوا بينه وبين الإمام، ولكن الواقع أن عبارته في الستة الثانية والثالثة كعبارته في الستة الأولى لا دلالة فيها على أكثر من تصديقهم والثقة بهم والاطمئنان إلى حديثهم وأن ما صح سنده إليهم من الأخبار فهو صحيح بلحاظهم، أي أنهم صادقون في النقل، أما أنهم لا ينقلون إل عن ثقة فلا يفهم من تلك العبائر، ويؤيد ما نقوله: عطف قوله: "وتصديقهم" على قوله: "تصحيح ما يصح عنهم" إذ ظاهره عطف المرادف على ما يرادفه ويؤكده، ويؤيد ما ذكرناه من وحدة المعنى في العبائر الثلاث عطف الكشي للستة الثانية والثالثة على الأولى بقرينة قوله: "من دون الستة الذي عددناهم" مما يوحي بأن العبارات الثلاث سيقت لبيان معنى واحد. قبول موثقة عمر بن حنظلة: ومع غض النظر عن الحديث المتقدم فإننا نعمل برواية عمر بن حنظلة لا من باب ثبوت وثاقته عندنا أو لرواية أحد المشايخ الثلاثة أو أحد أصحاب الإجماع عنه، بل بناءً على مذهبنا في حجية الخبر، القائم على حجية الخبر الموثوق الصدور، ولا شك أن عمل الأصحاب بخبر عمر بن حنظلة وتلقّيه بالقبول ــ ولذا عُرفت روايته بالمقبولة ــ يورث الوثاقة به نوعاً، هذا كله فيما يرتبط بسند الرواية. مناقشة الدلالة: إلا أن الكلام في دلالة المقبولة وأنها هل تفيد معنى النصب للقاضي أم لا؟ ربما يقال بإفادتها ذلك "ببيان أن قوله فيها: "فليرضوا به حكماً" بعد قوله: "ينظران من كان منكم" يدل على أنهم يلزمون بالرضا به حكماً نظراً إلى أنه(ع) قد جعله حاكماً عليهم بمقتضى قوله: "فإني قد جعلته" حيث إنه تعليل لإلزامهم بذلك"( ). والاعتراض على دلالتها بأنها لا تدل على أكثر من قاضي التحكيم كما هو ظاهر قوله: "فليرضوا به حكماً" إذ هو جعل من مثله لمن يرضون به، وقاضي التحكيم يحتاج إلى جعل ونصب لكنه نصب في طول التراضي به وتحكيمه من المتخاصمين. قد أجيب عنه: بأن فاء التعليل في قوله: "فإني قد جعلته" ظاهرة عرفاً في أن النصب ثابت في الرتبة السابقة على تحقق التراضي فكأنه(ع) قال: فليرضوا به حكماً لأني قد جعلته عليكم حاكماً فيكون الخبر ظاهراً في إرادة القاضي المنصوب لا قاضي التحكيم( ). كما أن الاعتراض على دلالتها بأن النصب وقع من الإمام الصادق(ع) بوصفه ولياً للأمر مما يعني أنه يختص بزمانه فلا يصلح لإثبات نصب في زماننا. قد أجيب عنه أيضاً من بعض المعاصرين: بأن ظاهر المقبولة هو الجعل المستمر الذي لا يزول إلا بالنسخ وتكون ولاية الإمام شاملة لما بعد وفاته لإطلاق دليل ولايته ولم يثبت نسخ هذا المنصب من قبل إمام متأخر( ). لكن ملاحظتنا على المقبولة أنها لا تدل على النصب بالمعنى المصطلح لأن القاضي المنصوب لا يفهم منه إلا معنى التعيين، والتعيين يقتضي أن يكون المعيّن شخصاً محدداً أو أشخاصاً محددين يشار إليهم بأسمائهم أو نحو ذلك، ولا يتحقق معنى النصب من دون ذلك، أما إذا حدد الإمام(ع) خطاً عاماً للقضاء وقرر الشروط العامة لممارسته والأوصاف التي ينبغي أن تتوفر فيمن يتصدى لهذا المنصب فلا يقال عن ذلك أنه نصب، والمقبولة كما سائر الآيات والروايات المتقدمة لا تدل على أزيد من أن الأساس من كل قضاء مشروع هو أن ينطلق الإنسان في خضم ذلك على أساس الحق والعدل وأن يكون ممن يعرفون الحق وما يقتضيه ويجيدون إدارة العملية القضائية، ولا يتخطون حدود العدالة، فشأن القاضي هنا شأن الفقيه وإرجاع الإمام(ع) إلى القاضي في حسم الخلافات كإرجاعه إلى الفقيه في بيان واستنباط الأحكام الشرعية فهو مجرد إرجاع وليس نصباً. وليس تعبير الإمام في المقبولة أو غيرها بلفظ الجعل ظاهراً في النصب المصطلح بل هو تعليم وإرشاد للناس أن تتخير من يملك صفة العدل والعلم ليقضي بينهم في قبال قضاة الجور الذي لا يجوز الترافع إليهم، فليس اختيار القاضي العادل العالم بالقضاء لكونه منصّباً ومعيناً من قبل الإمام بل لأنه يملك المواصفات الشرعية. وعليه فلا تدل مقبولة عمر بن حنظلة على أن الإمام(ع) يُعمل ولايته في تنصيب القاضي وغاية ما تدل عليه أن على الناس أن يرجعوا فيما يختلفون فيه إلى من يملك العلم ويتحرك على أساس العدل. أمّا الاعتراض على ذلك: بأنه كيف يمكن إذن مع عدم القول بتحقق نصب للقاضي الخروج عن الأصل العام المقتضي عدم مشروعية تسلط أحد على أحد ولا نفوذ حكم أحد بحق أحد؟ فيمكن الجواب عليه: بأنه يكفي للخروج من دائرة الأصل المذكور القول بدلالة الأخبار على أن الإمام قرر قاعدة عامة في القضاء وحدد الشروط اللازم توفرها فيمن يتصدى له. الفصل الثاني شخصية القاضي 1- صفات القاضي 2- أقسام القاضي 3- رزق القاضي 4- نقض حكم الحاكم 5- الحكم في موارد التهمة 1- صفات القاضي اشترط الفقهاء في القاضي عدة شروط؛ منها ما يرتبط بالجانب السلوكي كالعدالة ومنها ما يرتبط بالجانب الفكري والذهني كالعلم والعقل، ومنها ما يرتبط بالجانب العقيدي كالإيمان والإسلام. قال المحقق الحلي(قده): "ويشترط فيه: البلوغ، وكمال العقل، والإيمان، والعدالة وطهارة المولد، والعلم والذكورة، فلا ينعقد القضاء لصبي، ولا مراهق ولا كافر لأنه ليس أهلا للأمانة، وكذا الفاسق، ويدخل في ضمن العدالة، اشتراط الأمانة، والمحافظة على فعل الواجبات، ولا ينعقد القضاء لولد الزنا، مع تحقق حاله، كما لا تصح إمامته ولا شهادته في الأشياء الجليلة، وكذا لا ينعقد لغير العالم، والمستقل بأهلية الفتوى، ولا يكفيه فتوى الفقهاء، ولا بد أن يكون عالماً بجميع ما وليه، ويدخل فيه أن يكون ضابطاً، فلو غلب عليه النسيان لم يجز نصبه، وهل يشترط علمه بالكتابة؟ فيه تردد، نظراً إلى اختصاص النبي(ص) بالرئاسة العامة، مع خلوه في أول أمره من الكتابة، والأقرب اشتراط ذلك، لما يضطره إليه من الأمور التي لا تتيسر لغير النبي(ص) بدون الكتابة، ولا ينعقد القضاء: للمرأة، وإن استكملت الشرائط، وفي انعقاد قضاء الأعمى تردد أظهره أنه لا ينعقد لافتقاره إلى التمييز بين الخصوم وتعذر ذلك مع العمى إلا فيما يقل، وهل يشترط الحرية؟ قال في المبسوط: نعم والأقرب أنه ليس شرطاً"( ). وقال ابن رشد القرطبي: "فأما الصفات المشترطة في الجواز فأن يكون حراً مسلماً بالغاً ذكراً عاقلاً عدلاً، وقد قيل في المذهب: إن الفسق يوجب العزل ويمضي ما حكم به، واختلفوا في كونه من أهل الاجتهاد، فقال الشافعي: يجب أن يكون من أهل الاجتهاد ومثله حكى عبد الوهاب عن المذهب، وقال أبو حنيفة: يجوز حكم العامي، قال القاضي: وهو ظاهر ما حكاه جدي رحمة الله عليه في المقدمات عن المذهب؛ لأنه جعل كون الاجتهاد فيه من الصفات المستحبة، وكذا اختلفوا في اشتراط الذكورة، فقال الجمهور: هي شرط في صحة الحكم، وقال أبو حنيفة: يجوز أن تكون المرأة قاضياً في الأموال، قال الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكما على الإطلاق في كل شيء، قال عبد الوهاب: ولا أعلم بينهم اختلافا في اشتراط الحرية... ولا خلاف في مذهب مالك أن السمع والبصر والكلام مشترطة في استمرار ولايته..."( ). وذكر بعضهم أنه "اتفق أئمة المذاهب على أن القاضي يشترط فيه أن يكون عاقلاً بالغاً حراً مسلماً سميعاً بصيراً ناطقاً، واختلفوا في اشتراط العدالة، والذكورة، والاجتهاد"( ). فيما يلي ندخل في بيان أدلّة الشرائط المذكورة لنرى ما يمكن اعتباره منها ويعضده البرهان: 1- الحرية: استقرب المحقق في الشرائع( ) أن لا تكون الحرية شرطاً في القاضي ووافقه صاحب الجواهر( )، والسيد الأستاذ (قده)( )، بينما ذهب الشيخ في المبسوط( ) إلى اعتبارها واختاره العلامة في القواعد( ) والشهيد في المسالك( ) معتبراً أنه رأي أكثر الأصحاب، وقوّاه في رياض المسائل( ). واستدل للاشتراط بأن القضاء ولاية العد ليس محلاً لها، لاشتغاله عنها باستغراق وقته بحقوق المولى وأنه من المناصب الجليلة التي لا يليق حال العبد بها. ونوقش ذلك: بأن مقتضى الإطلاقات عدم الفرق بين الحر والعبد، والفرض إذن المولى في ذلك، وعدم أهليته دعوى، بل مصادرة. وأجيب عن ذلك: بعدم التسليم بشمول الإطلاقات له لانصرافها عنه، ولا أقل من الشك في شمولها له،على أنه لو جاز فيه ذلك فليجز مثله في غير البالغ، هذا ملخص ما ذكره فقهاؤنا، وأما فقهاء السنة فلا خلاف عندهم في صحة قضاء من فيه شائبة الرق لأن القضاء ولاية والعبد لا ولاية له على نفسه لأولى أن لا تكون له ولاية على غيره، وقد تقدم قول ابن رشد: "ولا أعلم اختلفاً في اشتراط الحرية". ولكن خالف في ذلك ابن حزم الظاهري( ) واعتبر ابن قدامة أن لا سلف في ذلك( ). والذي يهوّن الخطب أن المسألة ليست محل ابتلاء في زماننا فلا ضرورة للبحث فيها أكثر مما مرّ. 2- سلامة البصر: اختلف الفقهاء في اشتراط سلامة البصر قال في الشرائع: "وفي انعقاد قضاء الأعمى تردد أظهره أنه لا ينعقد"( )، وقال المحقق النراقي: ومنها البصر: قال باشتراطه الشيخ والإسكافي وابن سعيد والقاضي والفاضل في القواعد وولده، ونسبه في الروضة والكفاية إلى الأكثر وإن نفاه الثاني، واستشكل في التحرير ونفاه في المعتمد وهو الأصح"( ). وما استدل به لهذا الشرط هو أن الأعمى يتعذر عليه التمييز بين الخصوم، وفيه: أن ذلك لا يكون مانعاً لأنه مجرد اعتبار لا ينطبق على أصولنا كما أفاد في الجواهر( )، وأضاف أنّه: "يمكن رفعه بوضع مميز، أو بغيره، إذ طرق التمييز غير منحصرة في البصر، وربما لا يحتاج إلى ذلك، كما هو واضح". وذهب إلى ذلك السيد الأستاذ معتبراً أن العبرة بالبصيرة لا بالبصر( ). وهو وجيه لشمول الإطلاقات للأعمى، وعدم وجود ما يدل على اشتراط سلامة البصر بخصوصه، نعم إذا توقف القيام بأعباء القضاء عليها وتعذر النهوض بمستلزماته من دونها وربما انجرّ الأمر إلى الإخلال بالحكم أو بمقدماته، فيكون اشتراطها قريباً، والكلام بعينه يجري في سلامة النطق والسمع، إذ لا دليل على اشتراط ذلك بخصوصه، لكن لو توقفت سلامة العملية القضائية عليها لزمت. أما عند أهل السنة، فمذهب جمهور علمائهم الاشتراط، لأن الأعمى لا يميز المدعي من المدعى عليه، ولأن العاهة تمنع من قبول الشهادة فتمنع من القضاء بطريقة أولى، لأن الشهادة ولاية خاصة، والقضاء ولاية عامة، لا فرق في ذلك بين سلامة النطق وسلامة السمع وسلامة البصر، وذهب مالك( ) إلى وجوب اتصاف القاضي بالبصر ابتداءاً ودواماً، لكنه عنده ليس شرطاً في صحة التولية، فلو وقع حكمه صواباً نفذ، إن لم يكن فيه عيب آخر، والراجح عنده كذلك عدم نفوذ حكمه إن كان فيه صفتان كالعمى، وعدم القدرة على النطق، أو عدم سلامة السمع، أما من كان فيه ثلاث، فلا ينفذ حكمه قطعاً، ولا تصح معاملته، لعدم تكليفه إن ولد كذلك، وعجزه عن غالب الأحكام إن طرأت عليه بعد التكليف. وذهب بعض الشافعية إلى جواز تولية الأعمى للقضاء، وجوَّز ابن سريج منهم ولاية الأخرس إذا كانت إشارته مفهمة، كما جوَّز شهادته. واختلفوا في جواز تولية الأصم القضاء، كما اختلفوا في تولية الإمامة. واستدل الذي قالوا بعدم الاشتراط بقياس القضاء على الشهادة، لأن الشهادة ولاية على الغير، وشهادة الأعمى جائزة في الأقوال عند كثير من العلماء، إذا تيقن الصوت( ). وناقشه الجمهور بأنه قياس مع الفارق، إذ القضاء ولاية عامة والشهادة ولاية خاصة، ولأن الآفة ربما لا تنافي الشهادة وتنافي القضاء، ولأن قبول الشهادة مع هذه الآفات مقيد وليس مطلقاً( ). هذا وقد تقدم منّا القول بعدم الاشتراط إلا ما توقف عليه القيام بأعباء القضاء. 3- العلم بالكتابة: قال النراقي في المستند: "ومنها: العلم بالكتابة قراءة وكتبة، شرطه الشيخ والحلّي، ونسبه في المسالك والروضة وغيرهما إلى الأكثر، وجعله في السرائر من مقتضيات المذهب، وقيل: إنّه مذهب عامّة المتأخّرين وظاهر النافع والقواعد الخلاف فيه، بل نسبه في التنقيح إلى قوم، ونقل في شرح المفاتيح عن الفاضل وجماعة احتمال العدم وصريح المحقّق الأردبيلي والكفاية التردّد، ونفى اشتراطه والدي العلاّمة في معتمد الشيعة، وهو المعتمد"( ). وقال المحقق في الشرائع: "وهل يشترط علمه بالكتابة؟ فيه تردد، نظراً إلى اختصاص النبي(ص) بالرئاسة العامة مع خلوه في أول أمره من الكتابة والأقرب اشتراط ذلك لما يضطر إليه من الأمور التي لا تتيسر لغير النبي(ص) بدون الكتابة"( ). واعترضه في الجواهر: "بعدم دليل عليه سوى الاعتبار المزبور الذي لا نطبق على أصولنا، بل إطلاق دليل النصب في نائب الغيبة يقتضي عدمه، على أنه يمكن الاستغناء بوضع كاتب"( ). والظاهر أنه لم يذكر أحد من الذين قالوا باعتبار العلم بالكتابة دليلاً على اشتراطه بخصوصه، ودعوى تبادر العالم بالكتابة من أدلة الإذن بالقضاء أو انصرافها إليه محل نظر، بل منع، نعم لو كان الجهل بالكتابة موجباً لوقوع الخلل في الحكم أو مقدماته فالوجه لزومها كما اختاره بعض الفقهاء المعاصرين رحمه الله( )، وإلا فلا تكون لازمة سيما مع وجود عارف يستعان به عليها. والملحوظ أنّ الوظائف التي تناط بالقاضي في هذا الزمان قد بلغت حداً من التعقيد بات من الضروري معه معرفته بالكتابة، فضلاً عن القراءة ويندر أن تجد قاضياً جاهلاً بالكتابة ثم يتمكن من القيام بكل المهام المطلوبة منه والمسؤوليات الملقاة على عاتقه. 4- البلوغ: اتفق علماء المسلمين على اشتراط البلوغ في القاضي وقد تقدمت بعض كلماتهم في ذلك واستدل على هذا الشرط بأمور: منها: الإجماع كما في المستند( ) وغيره( ). ومنها: التقييد بالرجل في معتبرة أبي خديجة حيث جاء فيها "انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئا من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضياً..." ( ) وهكذا خبره الآخر: "اجعلوا رجلاً قد عرف حلالنا..." ( )، وبهما نُقيّد المطلقات لو وجدت. ومنها: أن الصغير لا ولاية له على نفسه بل هو مولّى عليه فأولى أن لا تكون له ولاية على غيره( ). ومنها: دعوى تبادر البالغ من الروايات أو انصرافها عن الصبي( ). لكن دعوى الإجماع لا يمكن الاستناد إليها، لاحتمال استناد المجمعين على الوجوه الآخرى، كما أن كونه مولى عليه لا يمنع من تولّيه القضاء ونفوذ حكمه لعدم المنافاة بين الأمرين، وكذلك دعوة التبادر أو الانصراف لا تخلو من تأمل بل منع، وذكر الرجل في الروايتين ربما كان من باب المثال لأنه المؤهل لذلك في الأعم الأغلب. وأضعف من الكل الاستدلال بسلب أفعاله وأقواله( ) فإن ذلك لا دليل عليه. 5- العقل: فلا ينفذ حكم المجنون ولو كان أدوارياً في دور جنونه، وهذا مما أجمع عليه المسلمون، واعتباره واضح فلا يحتاج إلى البحث، نعم ما يحتاج إلى البحث هو أنه هل يشترط في العقل خصوص ما يتوقف عليه التكليف أو أزيد من ذلك؟ الظاهر من عبارات الكثيرين كفاية ما يتوقف عليه التكليف لاكتفائهم بذكر العقل بلا قيد، مما يوحي أن المراد به ما كان في قبال الجنون، لكن صريح المحقق في الشرائع اشتراط "كمال العقل"( )، وهو يوحي بعدم كفاية ما يتوقف عليه التكليف منه، لكن لا دليل على ذلك بل إن ما دل على اشتراط العقل أريد منه العقل مقابل الجنون، على أن الكمال صفة قابلة للشدة والضعف والزيادة والنقص فأي مرتبة من مراتبه هي المعتبرة هنا والمطلوبة؟! نعم قد يكون المقصود من كمال العقل( ) أن يملك القاضي درجة من النضوج العقلي والذهني تؤهله للقيام بأعباء منصبه لجهة القدرة على تمحيص الدعاوى واستيعابها والتمييز بين مراتب الأدلة والحجج وامتلاك الفطنة اللازمة لتسيير دفة العمل القضائي واستنطاق المتهمين والشهود، فإن كان المراد به ذلك فهو صحيح، لكنه داخل في شرط العلم أو مكمّل له، إذ لا يقصد من العلم المشترط في القاضي خصوص التفقه ومعرفة الحلال والحرام، بل يضاف إلى ذلك معرفة إدارة العمل القضائي مع ما يحتاجه ذلك من الفطنة والذكاء والبصيرة والقدرة على استعمال الوسائل والأساليب الكفيلة بالوصول إلى الحقائق. وقد أشار إلى ذلك الماوردي بقوله: "وَلَيْسَ يَكْتَفِي فِيهِ بِالْعَقْلِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ مِنْ عِلْمِهِ بِالْمُدْرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ صَحِيحَ الفكر والتَّمْيِيزِ جِيِّدَ الْفَطِنَةِ بَعِيدًا مِنَ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ يَتَوَصَّلُ بِذَكَائِهِ إِلَى حَلِّ مَا أُشْكِلَ وَفَصْلِ مَا أُعْضِلَ"( ). ولعل ذلك هو ما قصده السيد الأستاذ(قده)( ) من شرط الضبط عند تعداده للشروط المعتبرة في القاضي. 6- طهارة المولد: هذا الشرط ذكره جماعة وادعى بعضهم عليه( ) أو نفي الخلاف عنه( ) وقد استدل عليه مضافاً إلى الإجماع المذكور بفحوى ما دلّ على المنع من إمامة ولد الزنا وعدم قبول شهادته( )، مؤيداً بنفور طباع الناس من مثله، أضف إلى ذلك قوله(ع) في صحيحة الجمّال: "ولكن انظروا إلى رجل منكم" ينصرف إلى غير ولد الزنا جزماً، وليس هنا ما يدل على نفوذ حكمه( ) ويلوح من صاحب الجواهر التحفظ على دعوى الأولوية حيث قال: "فالعمدة الإجماع المحكي، وفحوى ما دل على المنع من إمامته وشهادته إن كان، وقلنا به"( ). والتحقيق أن يقال: أنه لو تمّ الدليل على طهارة المولد في الشهادة وإمامة الجماعة، فإن دعوى الأولوية تكون قريبة، ولعل اشتراط طهارة المولد في هذه القضايا لا يقصد منه الانتقاص من إنسانية ولد الزنا، بل يراد بيان قيمة النسب الشرعي، والعلاقات الشرعية وإعطاء المنصب معنى يتصل بإسباغ الشرعية فإن إمامة الجماعة كالقضاء تمثل مظهراً قيادياً، ولو ساوينا فيها بين ولد الزنا والولد الشرعي فمعناه أننا لم نجعل للنسب الشرعي ميزة فيما يعتبر من القضايا المهمة والجوهرية. إذن ثبوت الاشتراط في إمامة الجماعة مع ما يستبطن من إشارة إلى وجود ميزة فيمن يؤم المصلين لجهة اتصاله بنسب شرعي، يقتضي اشتراط ذلك في القضاء بطريق أولى، سيما أن لهذا المنصب قداسته في وعي المتشرعة بحيث ارتكز في أذهانهم ضرورة أن يكون المتصدي له فوق الشبهات طاهر المولد. وأما الاستدلال بصحيحة الجمال بدعوى انصراف قوله "رجل منكم" عن ابن الزنا كما أفاد السيد الخوئي فهو غريب، ولا وجه له إلا بناءً على كفر ولد الزنا، كما في بعض الأخبار ولذا قال في الجواهر مستدلاً على اشتراط طهارة المولد: "وهو واضح بناءً على كفره"( ) ولكن المختار هو عدم الحكم بكفره وما ورد في الأخبار ــ لو صح ــ لا بد ّ من رد علمه إلى أهله أو حمله على محامل أخرى، سيما أنه ورد في بعضها( ) ما يؤكد أن حاله حال سائر الناس إن عمل خيراً فلنفسه وإن عمل شراً فعليها. وأما التمسك بنفور طباع الناس عن ابن الزنا هو لا يصلح حجة يستند إليها، ولذا لم يُذكر إلا للتأييد، فلا يبقى ما يصلح للاستدلال إلا الأولوية. ومما يؤيد الأولوية الآنفة أن المسألة موضع تسالم واتفاق، ولم يعرف عن أحد فيها خلاف. 7- الإسلام: وهو شرط بالاتفاق فلا يجوز الترافع إلى قاضٍ كافر واستدل له مضافاً إلى الإجماع بعدة أدلة: الأول: قوله تعالى: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}(النساء:141) بتقريب أن القضاء يمثل سبيلاً ضاغطاً على المتقاضيين، سيما إذا قلنا أنه ولاية يمارس القاضي بموجبها سلطته على المتحاكمين، وقد تمسك بهذا الدليل جمع من الفقهاء( ). وقد يناقش الاستدلال المذكور بالآية بمناقشتين: الأولى: أن من الوارد جداً أن يكون المقصود منها الحديث عن الآخرة لا عن الدنيا، فهي تريد التأكيد على أن الناس حينما يقومون بين يدي الله سبحانه فلن يكون للكافرين على المؤمنين سبيل من خلال الحجة التي تقام عليهم، ويشهد لذلك سياق الآية، فقد سبق هذه الجملة من الآية قوله تعالى: {فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ...}، ويؤيد ذلك ما في الدر المنثور: أخرج ابن جرير عن علي(ع) "وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً" قال: في الآخرة ورواه عن ابن عباس أيضاً( ). وقد يمكن تعميم دلالة الآية لعالم الدنيا أيضاً والالتزام بأن الكفار لا يملكون الحجة على مواقفهم المنحرفة التي يواجهون بها خط الإيمان ويؤيده ما رواه الصدوق في عيون أخبار الرضا بإسناده عن أبي الصلت الهروي عن الرضا(ع) في قول الله جل جلاله: {وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً} قال: "فإنه يقول: لن يجعل الله لكافرٍ على مؤمنٍ حجةٍ، ولقد أخبر تعالى عن كفار قتلوا نبيهم بغير الحق ومع قتلهم إياهم لم يجعل الله لهم على أنبيائه سبيلاً من طريق الحجة"( )، وعلى كل حال فالآية أجنبية عن المقام. المناقشة الثانية: إن صحة الاستدلال بها للمورد تتوقف على كون المراد بالقاضي الكافر من يحكم بحكم الكفر، أما لو كان يحكم بحكم الإسلام ويعتمد على قوانينه في عالم الإثبات ويستهدي شريعته في مقام تلمّس الحلول للمنازعات، فلا يشكّل قضاؤه بين المسلمين مصداقاً للسبيل، خصوصاً إذا كان ثمة من يراقبه ويشرف على قضائه كما هو في الدولة الإسلامية التي يفترض قانونها وجود أجهزة رقابة وإشراف على عمل القضاة وملاحظة مدى مطابقته للقانون الإسلامي، أو يفترض وجود مجلس قضائي أعلى من مهماته الرقابة والإشراف على عمل القضاة، أو نحو ذلك، فذلك لا يكون مشمولاً للآية لأن سياقها سياق المنع من تسليط الكافر على المسلم من خلال حكمه بالكفر. وشأن القاضي الكافر الذي يحكم بحكم الإسلام هنا شأن القاضي في دولة علمانية عندما لا يكون مؤمناً بقانونها ولا معتقداً بمشروعية قضائها ومع ذلك يحكم وفقه، معتبراً أن ذلك لا يعدو كونه مهنة يمتهنها ووظيفة يقوم بأعبائها. الثاني: قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}(هو:113) بتقريب: أن التحاكم إلى الظالم ركون إليه والركون محرم بنص الآية، والمراد بالظالم في الآية ما يعمّ الظالم لنفسه ــ ولو بظلم غيره ــ ومن أبرز مصاديقه الظالم لها بالكفر. ولكن التعمق في الآية وملاحظة مناسبات الحكم والموضوع فيها يقودنا إلى القول: بأن الركون إلى الظالم لا يصدق إلا إذا كان التقاضي عنده يشجع ظلمه أو يحمل إقراراً له على ذلك، أما إذا كان الظالم يحكم باسم الإسلام ووفق قوانينه وكان يخضع في ممارسة وظيفته لسلطة الدولة الإسلامية دون أن يكون لمعتقده أي دور في ذلك تماماً كأي موظف في الدولة فلا يكون الرجوع إليه ركوناً إلى الظالم أو تقوية لمواقع ظلمه. الثالث: ما روي عن رسول الله(ص): "الإسلام يعلو ولا يعلى عليه"( ). وقد تمسك الفقهاء بهذا الحديث في أكثر من مورد كمنع الكافر من إرث المسلم، وعدم إقرار يد الكافر على العبد المسلم، ومنع الكافر من استلام القرآن وغير ذلك. وتقريب الاستدلال به في مقامنا: إن الإسلام لا بد أن يكون في موقع العلو والكفر في موقع الدنو وهو يقتضي أن يكون المسلم في موقع الرفعة لأن رفعة المسلم رفعة للإسلام، والكافر في موقع السفل لأن دنوّ الكافر دنوّ للكفر، فلو كان الكافر قاضياً فيكون في موقع العلو ويصبح المسلم الذي يتقاضى عنده في موقع الدنو، وذلك بحكم أن القضاء يعطي القاضي سلطة على إلزام المتخاصمين بما يحكم به. وقد يناقش في ذلك: بأنه مع قطع النظر عن سند الحديث، فإنه بصدد بيان علو الإسلام ورفعته في حججه وقوانينه ونظمه فلا ينفع الاستدلال به في الموارد المتقدمة برمتها، ومنها ما نحن فيه، ولو تنزلنا فإن العلو إنما يصدق لو كان الكافر يحكم بسلطة الكفر وأحكامه أما لو كان يحكم في ظل سلطة الإسلام ووفق قوانينه فلا يتحقق حينئذٍ علوٌّ للكفر للقاضي الكافر، لأنه خاضع لسلطة الإسلام ومحكوم بقوانينه في إدارة العملية القضائية، ووسائل الإثبات المعتمدة فيها. وعليه فلا يصلح هذا الخبر دليلاً على عدم جواز التحاكم إلى القاضي الكافر، وهكذا تبيّن أنه لم يتم لنا دليل على شرط الإسلام. لكن الإنصاف: أن القاضي ليس مجرد موظف يؤدي دوره ويقوم بمهامه على ضوء القوانين والتشريعات المرعية الإجراء فحسب، بل هو مؤتمن على حقوق الناس ومصائرهم، ومن البعيد أن يأتمن الشارع من لا يكون مؤمناً بالقانون الذي يقضي به والنظام الذي يحكم على ضوئه، سيما أن القانون الإسلامي والعقيدة الإسلامية حسب نظرة الإسلام هما أساس الدولة، والانتماء إليها هو مدخل الانتماء إليهما، خلافاً لما هو حال بعض الأنظمة الوضعية التي ترتبط بالأرض والجغرافيا أو غيرها من القيم المادية ولا يكون للعقيدة دور في الانتماء أصلاً، وعليه فليس من الطبيعي أن يكون الكافر قاضياً بين المسلمين مع عدم اعتقاده بعقائدهم. وافتراض أنه موظف يحكم بحكم الإسلام قد يكون صحيحاً في الجملة، لكن لا يؤتمن على ذلك، لأن منصب القضاء كما هو متصل بجانب القاعدة والنظرية فهو متصل أيضاً بجانب التطبيق والتنفيذ، والقاضي إن لم يكن مؤمناً بتلك القاعدة فلا يؤمن في إدارة القضاء في الجانب التنفيذي على نحو يتحول فيه الباطل حقاً ولحق باطلاً، ولذلك فلا بد من الاحتياط لشؤون القضاء بما يمنع من التفريط بحقوق الناس، وهو يقتضي القاضي مسلماً ولعل هذا ما رامه صاحب الشرائع بقوله: "ولأنه ليس أهلاً للأمانة( )، وعلى كل حال فالذي يظهر من كلمات أن إسلام القاضي موضع تسالم عندهم، وهذا يعزز ما نقوله ويؤيده. القضاء بين غير المسلمين: ما تقدم كان حكم القضاء بين المسلمين، أما غيرهم فإن رجعوا إلى القاضي المسلم تخيّر في أن يحكم بينهم على وفق القانون الإسلامي، أو أن يعرض عنهم ليديروا شؤونهم بأنفسهم، وكذلك لو لم يرجعوا إلى القاضي المسلم من الأساس، فإنهم يتركوا وشأنهم ليتحاكموا إلى قضائهم فيما لا يرتبط بمصالح المجتمع الإسلامي وقضاياه الرئيسية. ولقد أشار إلى ذلك المقدس الأردبيلي في زبدة البيان فيما نقلناه عنه سابقاً في تفسير قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ}(المائدة:41) ويبدو أن هذا هو مذهب الإمامية بلا خلاف. ويراجع كامل الحديث في ذلك في بداية الكتاب. 8- الإيمان: ذهب فقهاؤنا إلى اشتراط أن يكون القاضي مؤمناً بإمامة أهل البيت(ع)، وادعى الشهيد الثاني الإجماع على ذلك في المسالك( ) وهكذا صاحب المستند( ) وغيرهم من العلماء( )، بل إن صاحب الجواهر اعتبر أن ذلك من ضروريات المذهب( )، ورأى بعض آخر أن اشتراط الإسلام يغني عن اشتراط الإيمان لأنه يتضمنه ولا إسلام بدون إيمان في الجملة كما أفاد في الجواهر( )، ولعل الذي لم يصرحوا باشتراط الإيمان واكتفوا بذكر الإسلام كانوا ينطلقون من وجهة نظر كهذه ما لم يظهر منهم عكس ذلك. تحديد محل الكلام: وقبل أن ندخل في تقييم هذا الكلام وما ذكر من أدلة على شرطية الإيمان، لا بد من تحديد محل الكلام وبيان الأساس الذي ركّز عليه الأئمة(ع) عند تحذيرهم من الرجوع إلى بعض القضاة في عصرهم، فهل أن ذلك بسبب أن أحكامهم مبنية في الأعم الأغلب على ما لا حجية فيه من الأدلة كالقياس والاستحسان؟ أو أن الأئمة(ع) قصدوا القول أنه لا يجوز الرجوع إلى غير الشيعي حتى ولو التزم الحق في قضائه وقصد تحقيق العدل، معتمداً على الحجج الشرعية، سواء في مجال تحديد حكم القضايا أو موضوعاتها، ما يعني أن لشخصية القاضي المذهبية مدخلية في صحة قضائه وجواز الرجوع إليه؟ لا إشكال في عدم صحة الرجوع إلى القاضي فيما يقضي به بحسب مذهبه ورأيه مما هو مخالف لما ثبت عن النبي(ص) أو أئمة أهل البيت(ع) الذي يمثلّون الحجة في معرفة الإسلام، والأدلة صريحة جداً في النهي عن الرجوع والترافع إلى مثله، لأن الاختلاف هنا ليس اختلافاً في الاجتهاد مع الالتقاء على القاعدة الاجتهادية حتى يُعذر المخطئ فيه، وإنما اختلافٌ في القاعدة نفسها وفي المبدأ الذي ينطلق القضاء منه والأساس الذي يعتمد عليه القاضي في حكمه. ولذا يلزمنا تركيز الكلام على ما لو كان ثمة دولة إسلامية ــ مثلاً ــ وكان لها قانون قضائي من دون التدخل في القواعد التي يرتكز عليها والمباني التي ينطلق منها، فهل يشترط في مثل هذا المورد أن يكون القاضي مؤمناً في ذاته؟ أو يكفي أن يكون مؤمناً وأميناً في قضائه؟ وبعبارة أخرى، هل يشترط في القاضي أن يكون مؤمناً بالقانون الذي يقضي على أساسه؟ أو يكفي أن يكون ملتزماً عملياً بالقانون في ممارسته القضائية؟ وتجدر الإشارة هنا إلى أنه لا يمكن المقارنة بين المسلم المخالف وبين الكافر الذي قلنا أنه لا يجوز الترافع إليه، لأن المسلم المخالف يؤمن بالإسلام كقانون وشريعة، واختلاف المذهب عادة لا يشكل اختلافاً في الجوهر ولا في الأصول ولا يبلغ هذا الاختلاف حتى في أعمق صوره حدود الاختلاف مع أصناف الكفر. أدلة الاشتراط: وعلى كل حال لا بد من استعراض الأدلة التي استدل بها على اشتراط الإيمان في القاضي مستبعدين دعوى كون ذلك من ضروريات المذهب وكذا دعوة كفر المخالف، والوجه في استبعاد الدعوى الأولى هو أن كون حكم ما من ضروريات المذهب يقتضي أن يكون بديهياً ومسلَّماً بحيث لا يحتاج إلى تجشم عناء الاستدلال لدى أتباع المذهب، وكون موردنا من هذا القبيل محل نظر، بل إن الموارد التي هي من هذا القبيل قليلة جداً، نعم قد يكون شرط الإيمان متسالماً عليه عند الفقهاء، ولكن ثمة فرق واضح بين كون الشيء مما تقتضيه طبيعة المذهب أو الفقه المذهبي في أصوله ومبادئه، وبين كونه مشهوراً عند الفقهاء أو شائعاً بينهم. ولأجل ذلك لا بد من التحفظ في كثير من دعاوى ضرورات المذهب أو ضرورات الفقه، ومن دراسة الأساس في مثل هذه الدعاوى ليرى إن كانت ناشئة من شيوع الرأي وانتشاره بين علماء المذهب في حقبة زمنية معينة بدون تردد أو مناقشة، أو أنها ناشئة من خصوصية في أصول المذهب تقتضي هذا الرأي وتستوجب الإيمان به. وما يجب التأكيد عليه هنا أن كثيراً مما أدرج في ضروريات المذهب أو الفقه ليس ضرورياً بالمعنى المذكور وإنما يفترض ضرورياً بسبب شيوعه وانتشاره لفترة زمنية طويلة وتبنيّه من قبل طائفة كبيرة من العلماء فيبدو وكأنه ضروري. وأما الوجه في استبعاد الدعوى الثانية أعني كفر المخالف فلأنّ إسلام المخالف هو من الأمور القطعية والواضحة، والأدلة اللفظية عليه كثيرة كما أن سيرة الأئمة(ع) شاهدة إلى أنهم تعاملوا مع أبناء المذاهب الأخرى تعامل المسلم مع المسلم فزوّجوهم وتزوجوا منهم، وواقع السيرة يكشف عن أنه ليس كل من تزوج بهن الأئمة(ع) من النساء كنّ شيعيات بل أن بعضهن كُنَّ من الخوارج( ). ولهذا لا بد من النظر في الأدلة الأخرى وهي الأخبار التي استدل بها على شرطية الإيمان وهي عدة روايات: الأولى: ما رواه الصدوق بإسناده عن عطاء بن السائب عن علي بن الحسين(ع) قال: "إذا كنتم في أئمة جور فاقضوا في أحكامهم ولا تشهروا أنفسكم فتقتلوا، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيرا لكم"( ). فالخبر صريح في أن الخوف على النفس يسوّغ الرجوع إلى قضاة الجور والأخذ بأحكامهم، وأهل الجور مصطلح يراد به القضاة الذي يلتزمون بخلافة الحاكم الذي تسلموا موقع الخلافة. ومفهوم الشرط يقتضي أن الرجوع إليهم ليس مشروعاً في حالة الاختيار ومن حيث المبدأ. ثم إن عبارة "وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم" لا ينبغي أن يفهم منها أن العمل بأحكام أهل البيت(ع) غير لازم وإنما هو خير للإنسان يختار بينه وبين غيره، بل إن التعبير بالخير في مثل المقام ظاهر في كون الأمر ملزماً لأن الأمر يدور بين الأخذ بأحكام أهل الجور أو الأخذ بأحكام أهل البيت(ع) وهذا يقتضي المقابلة بين الظلم والعدل في المبدأ ولا خيار بينهما كما لا يخفى. ولكن لا يظهر من الخبر أن هناك مدخلية لمعتقد القاضي في مسألة جواز الرجوع إليه أو عدم جوازه، وإنما النهي فيه منصبٌّ على عنوان "قضاة الجور" الذين يحكمون بالظلم وينتهجون طريق الجور والاعتساف، وهو خارج عن محل الكلام ومفروضه، لأنا نتكلم في القاضي الذي يحكم بالحق والعدل وإن كان لا يؤمن بالقانون الذي يحكم على وفقه. الثانية: ما رواه محمد بن الحسن الطوسي بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، قال: قلت لأبي عبد الله(ع): "ربما كان بين الرجلين من أصحابنا المنازعة في الشيء فيتراضيان برجل منا، فقال: ليس هو ذاك إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط"( ). ومورد الخبر كما هو واضح السؤال عن قاضي التحكيم الشيعي الذي يتراضى به الخصمان، وجواب الإمام(ع) ظاهر في أن لا مانع من الرجوع إلى مثله مع التراضي، إنما الذي لا يجوز الرجوع إليه هو ذاك الذي يفرض نفسه على الناس بالسيف والسوط، أي بالقوة والعنف وهو تعبير آخر عن قاضي الجور، وقد يكون المرتكز في ذهن السائل أن فعل القضاء مختص بالأئمة(ع) وأنهم هم المخوّلون فقد رفع المنازعة والحكم بين الناس فيما يتخاصمون فيه، فلا يجوز لغيرهم القيام بذلك، فبيَّن الإمام(ع) له أن الذي لا يجوز الرجوع إليه إنما هم قضاة الجور، وأن ما توهّمه من عدم جواز الرجوع مطلقاً إلى غيرهم(ع) ليس صحيحاً. ونلاحظ على الاستدلال بهذه الرواية بنفس ما أوردناه على سابقتها. الثالثة: ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن بعض أصحابنا، عن محمد بن مسلم قال: مرَّ بي أبو جعفر(ع) أو أبو عبد الله(ع) وأنا جالس عند قاضٍ بالمدينة، فدخلت عليه من الغد، فقال لي: ما مجلسٌ رأيتك فيه أمس؟ قال: فقلت: جعلت فداك إن هذا القاضي لي مكرم فربما جلست إليه، فقال لي: وما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعمّ من في المجلس( ). والرواية ــ كما هو ظاهر ــ لا تتحدث عن قضية الرجوع إلى قاضي الجور أو القاضي غير المؤمن، بل عن الجلوس في مجلسه، وعُلِّل النهي فيما باحتمال نزول العذاب الذي يعمّ الصالح والفاسد، فهو إرشاد إلى ما في الجلوس في مجلس الظالم من احتمال الضرر، ولعلَّ الإمام(ع) كان ناظراً إلى قضية أن جلوس مثل محمد بن مسلم في مجلس قاضٍ جائر يوحي بدعمه له ورضاه بحكمه، والناس يفهمون أن موقف محمد بن مسلم المقرّب جداً من الإمام هو موقف الإمام نفسه، وعليه فتكون حرمة الجلوس عند الحاكم بهذا المعنى حرمة بلحاظ عنوان ثانوي لا بعنوان الجلوس ذاته. وكيف كان فالخبر لا دلالة له على المدعى بحال من الأحوال، مضافاً إلى كونه مرسلاً. الرابعة: ما رواه الكليني عن محمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن يزيد بن إسحاق عن هارون بن حمزة الغنوي عن حريز عن أبي بصير عن أبي عبد الله(ع) قال في رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه، فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء: كان بمنزلة الذي قال الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ}(النساء:60)( ). ولا دلالة في هذا الخبر على المطلوب، لأن الحديث فيه عن القاضي الطاغوتي بقرينة استشهاد الإمام بالآية، فيكون المنع من الرجوع إليه بلحاظ أنه يحكم بحكم الطاغوت، فلا يستفاد منه حرمة الرجوع إلى القاضي المخالف الذي يحكم بالحق ويستهديه. الخامسة: ما رواه الكليني في الصحيح عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(ع) قال: "أيّما مؤمن قدّم مؤمناً في خصومة إلى قاضٍ أو سلطان جائر فقضى عليه بغير حكم الله فقد شركه في الإثم"( ). السادسة: وما رواه بإسناده عن بحر عن عبد الله بن مسكان عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله(ع) قول الله عز وجل في كتابه: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ}(البقرة:188) فقال: فقال: يا أبا بصير! إن الله عزّ وجلّ قد علم أن في الأمة حكاما يجورون، أما أنه لم يعنِ: حكام أهل العدل، ولكنه عنى حكام أهل الجور، يا أبا محمد: انه لو كان لك على رجل حق، فدعوته إلى حكام أهل العدل، فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له، لكان ممن حاكم إلى الطاغوت، وهو قول الله عزّ وجلّ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ}( ). والمستفاد من هذين الخبرين أن قاضي الجور إنما يُرفض حكمه لا بلحاظ معتقده وفكره، بل بلحاظ جوره وحكمه بالباطل، فالمسألة لا تتصل بشخصية القاضي بل بمضمون الحكم. السابعة: ما رواه الشيخ الصدوق بإسناده عن أحمد بن عائذ عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: "إياكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم، يعلم شيئاً من قضايانا، فاجعلوه بينكم، فأني قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه"( ). وقد تمسك بمعتبرة أبي خديجة هذه جمع من الأعلام لإثبات شرطية الإيمان كالسيد اليزدي( ) والسيد الخوئي( ) وآخرين( )، معتبرين أن قوله(ع): "انظروا إلى رجل منكم" واضح الدلالة على عدم مشروعية التحاكم إلى غير القاضي المؤمن، والرواية لو كانت واردة في القاضي المنصوب فتدل على شرطية الإيمان في غيره بطريق أولى. لكن يمكن التعليق على هذا الاستدلال بأن تأكيد الإمام(ع) على أن يكون القاضي "منكم" باعتبار أن الشخص المؤمن بآل البيت(ع) هو المتوقع أن يحكم على طبق الأحكام المستفادة من رواياتهم، أما من لا يؤمن بهم ولا يعتقد بحجية كلامهم فلن يتوقع منه أن يقضي بحكمهم ووقف رؤيتهم، وعليه فلا إطلاق في الخبر لحالة الترافع إلى القاضي المخالف الذي يحكم بالعدل مستهدياً سننهم وسائراً على نهجهم(ع)، وبعبارة أخرى: الحديث يمنع من الترافع إلى غير المؤمنين من القضاة لا بلحاظ ذات القاضي ومعتقده بل بلحاظ طبيعة ما يحكم به مما قد لا يكون منسجماً مع خط أهل البيت(ع). ونفس ما أوردناه على رواية أبي خديجة يرد على الاستدلال بمقبولة عمر بن حنظفة، فلاحظ. الثامنة: ما رواه محمد بن الحسن الطوسي بإسناده عن الحسين بن سعيد، عن فضالة ابن أيوب، عن داوود بن فرقد، عن سعيد بن أبي الخصيب، عن جعفر بن محمد(ع) في حديث أنه قال لابن أبي ليلى: بأي شيء تقضي؟ قال: بما بلغني عن رسول الله(ص) وعن علي(ع) وعن أبي بكر وعمر، قال: فبلغك عن رسول الله(ص) أنه قال: إن عليا أقضاكم؟ قال: نعم، قال: فكيف تقضي بغير قضاء علي(ع) وقد بلغك هذا؟! فما تقول: إذا جئ بأرض من فضة وسماوات من فضة ثم أخذ رسول الله(ص) بيدك فأوقفك بين يدي ربك وقال: يا رب إن هذا قد قضى بغير ما قضيت؟( ). إلا أن الخبر لا يدل على المدّعى، لأنه: ظاهر في ضرورة أن يستلهم القاضي في قضائه قضاء رسول الله(ص) وقضاء علي(ع)، وأن يقتفي أثرهما في ما يعرض عليه من قضايا، وما يثار أمامه من منازعات وهو لا يتعرض لشخصية القاضي وأوصافه من قريب أو بعيد، وذلك يعني أن أساس المشكلة إنما هو في ما يستند إليه القاضي من مدارك ليس لها في الشريعة أساس يعتد به ويعتمد عليه. التاسعة: ما رواه محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا، عن أحمد، عن أبيه، رفعه عن أبي عبد الله(ع) قال: "القضاة أربعة، ثلاثة في النار وواحد في الجنة، رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النارـ ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة"( ). وما يستفاد من هذا الخبر أمران: الأول: هو أنه لا بد أن يقصد القاضي في قضائه على الدوام بلوغ الحق، وأن يهدف من حكمه إلى ترسيخ العدل. والثاني: أن لا يحكم إلا بالحق معتمداً على الحجة والبرهان، فلا يجوز أن يحكم بالباطل، ولا يكفي أن يحكم بالعدل بدون قاعدة وحجة شرعية، وهذا يقتضي أن يكون عالماً بمواضع الحق وسبل تحقيقه ومواضع الباطل وسبل اجتنابه، ولا دلالة في الخبر على أزيد من ذلك، فهو لا يتعرض لتحديد مواصفات القاضي ومعتقده من قريب أو بعيد. العاشرة: قال رسول الله(ص): "من حكم في درهمين بحكم جور ثمَّ جبر عليه كان من أهل هذه الآية: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ الله فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ}(المائدة:44) فقلت وكيف يجبر عليه؟ فقال: يكون له سوط وسجن فيحكم عليه فإن رضي بحكومته وإلاّ ضربه بسوطه وحبسه في سجنه"( ). وواضح أيضاً أنّ ما أراد الإمام التركيز عليه في هذا الخبر ــ مع غض النظر عن سنده ــ هو طبيعة الحكم لا شخص القاضي، وأن المنهى عنه هو الحكم بالجور ثم فرْضُه على الناس بالسوط والقوة. فتحصل إنه ليس ثمة دليل على اعتبار شرط الإيمان في القاضي، لأن الأخبار السابقة إما أنها ناظرة إلى القاضي الذي يتخذ تجاه أهل البيت(ع) موقفاً عدائياً سلبياً فيتنكر لدورهم ولا يعتمد على ما بيّنوه من أسس القضاء وقواعده، بل يعتمد في قضائه وحكمه على جملة مدارك لا يصح الركون إليها كالقياس والاستحسان، أو أنها ناظرة إلى القاضي الذي كان منخرطاً في خدمة السلطة السياسية القائمة، ويشارك فيما تمارسه من جور ويساهم في تطبيق سياساتها وأهدافها ويضفي عليها الشرعية، وقد كان موقف الأئمة(ع) من مثل هؤلاء القضاة يندرج في إطار الموقف من السلطة السياسية وتوجهاتها الفكرية. التمسك بالأصل: فلا يبقى إلا أن يقال: إن الأصل يقضي بعدم نفوذ حكم القاضي المخالف، لأن الأصل عدم نفوذ حكم أحد على أحد إلا ما خرج بالدليل وثبت بالبرهان نفوذ حكمه والإذن له في القضاء، ممن يملكون شرعية ذلك وهم الأئمة(ع) فإنّ لهم أن ينصبوا من يشاؤون للقيام بمسؤولية القضاء، ولم يثبت أنهم أذنوا أو نصبوا غير المؤمن في هذا الموقع، فيبقى حكمه داخلاً تحت الأصل المذكور. ولكن يمكن التعليق على ذلك بأن الأصل لا مسرح له مع وجود بعض العمومات والمطلقات الدالة على نفوذ الحكم القائم على أساس العدل، ومن جهة أخرى فإن محل كلامنا هو في القاضي الذي يحكم بحكم الله ورسوله ووفق الضوابط الشرعية لا من يحكم وفق هواه أو على ضوء ما ثبت بطلانه من الإمارات والأساليب القضائية، والأصل إنما يجري بلحاظ الثاني دون الأول. تولية شريح دليل عدم الاشتراط: ويقوي عدم اعتبار هذا الشرط ما روي من أن علياً(ع) استبقى شريحاً في القضاء ولم يعزله من منصبه على الرغم مما عرف من مخالفته للإمام(ع)( )، ويلمحّ لذلك قول الإمام له: "يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي"( ). إن قلت: جاء في الخبر الصحيح عن الإمام الصادق(ع) قال: لمّا ولّى أمير المؤمنين(ع) "شريحاً القضاء اشترط عليه ألا ينفّذ القضاء حتى يعرضه عليه( ) وهو يدل على عدم شرعية قضاء شريح لولا إمضاء الإمام(ع) له. قلت: لو كان القاضي المخالف لا شرعية له في نفسه ولا يصلح لتولي القضاء لما أمكن للإمام(ع) أن يمنحه هذه الشرعية، أمّا وقد أذن له بالتصدي وأبقاه في منصبه للقيام بأعباء القضاء، فذلك يعني أنه ليس ثمة ما يمنع من تصديه للقضاء من الناحية الشرعية. إن قيل: لعل إبقاء الإمام له في هذا الموقع كان تقية ومداراة لتجنّب سطوة خصومه ويأمن شرهم( ). قلت: إن هذا بعيد عن سيرة الإمام(ع) الذي عرف عنه عدم التساهل فيما يرتبط بحقوق الناس وإقامة العدل، والقضاء ــ كما هو معلوم ــ يشكّل مظهراً من مظاهر قوة الدولة ومعبراً أساسياً عن عدالتها واستقامتها، وقد خاض الإمام(ع) أكثر من حرب ليركّز شرعية الحكم وينهض بمقومات العدل، ولو كان يريد أن يتبع أسلوب المداراة والتساهل في هذه الأمور لاستبقى معاوية على الشام ولم يصرّ على عزله عنها رغم خطورة الأمر ونصيحة البعض له بذلك، ولو كان يريد إتباع أسلوب التقية أو الأساليب الأخرى الملتوية للجأ إلى ذلك عندما عرض عليه عبد الرحمن بن عوف العمل بسيرة الشيخين إبان الشورى، إذ كان يمكن أن ينطبق بهذا القيد، ثم يتمرد على ذلك بغية الوصول إلى حقه في الخلافة. على أن التقية إنما تحتمل في زمن الإمام الباقر والصاد(ع) وما بعدهما دون زمن أمير المؤمنين(ع) التي كان ظروفه وشخصيته تسمح له بأن يصدع بالحق ويسير عليه حتى في ظل خلافة من سبقه، فبالأولى أن يكون كذلك في ظل خلافته وأمرته. ولكن الإنصاف: أنه رغم كون القواعد العامة لا تقتضي القول باشتراط الإيمان في القاضي، إلا أن الاحتياط لا يترك في مثل هذا الأمر، وذلك لأن القضاء لما كان ممارسة تتصل بحياة الناس اليومية وترتبط بقضاياهم المباشرة وترتبط أيضاً بأعراضهم ودمائهم وأموالهم، كان الأسلم أن يكون القاضي ممن يؤتمن على ذلك بلحاظ قناعاته والتزاماته، بحيث تتفق قناعاته مع قناعات الناس الذين ينظر في أمورهم، لأن من غير المستبعد أن يكون اختلافه معهم في العقيدة موجباً لاعتماده في الحكم على ما يتوافق مع عقيدته من وسائل الإثبات أو مدارك الأحكام، هذا إن لم يكن موجباً للانحياز إلى الباطل والإعراض عن الحق. 9- العدالة: الظاهر أنه لا خلاف بين الفقهاء في اشتراط العدالة في القاضي فلا ينفذ قضاء الفاسق وقد ادعى أكثر من فقيه، الإجماع على ذلك كصاحب المستند( ) وصاحب الرياض( ) والسيد اليزدي( )، وقال السيد الأستاذ: "العدالة شرط بلا خلاف ولا إشكال"( ) وقال السيد اليزدي وهو يعدد شرائط القاضي وصفاته: "الخامس: العدالة، للإجماع، والمنع من الركون إلى الظالم، ولقصوره عن مرتبة الولاية على الصبي والمجنون فكيف بهذه المرتبة الجليلة"( ) هذا ما عند فقهائنا. وأما فقهاء أهل السنة فيبدو أنهم غير مجمعين على هذا الشرط قال: في "الفقه الإسلامي وأدلته": أما العدالة: فهي شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة، فلا يجوز تولية فاسق ولا من كان مرفوض الشهادة لعدم الوثوق بقولهما، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا}(الحجرات:6) فإذا لم تقبل الشهادة من امرئ فاسق فلأن لا يكون قاضياً أولى، والعدالة تتطلب اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر وسلامة العقيدة والمحافظة على المروءة والأمانة التي لا اتهام فيها بجلب منفعة لنفسه أو دفع مضرة عنها من غير وجه شرعي، وقال الحنفية: "الفاسق أهل للقضاء، حتى لو عيّن الإمام قاضياً صح قضاؤه للحاجة، لكن ينبغي ألا يعيّن، كما في الشهادة، فإنه لا ينبغي أن يقبل القاضي شهادة الفاسق، لكن لو قبلها منه جاز، وفي الحالتين: (قضاء وشهادة) يأثم من يعيّنه للقضاء ومن يقبل شهادته"( ). وكيف كان فما يمكن أن يستدل به للشرط المذكور عدة وجوه: الوجه الأول: الإجماع، وقد ذكرنا كلمات العلماء الذين ادعوا الإجماع، إلاّ أنّ من المحتمل جداً أن يكون منشأ الإجماع في المقام هو الأدلة الآتية، فلا تحرز كاشفيته عن قول المعصوم أو فعله أو تقريره شأنه شأن أكثر الإجماعات المدعاة في مثل هذه الموارد. الوجه الثاني: قوله تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ}(هود:113) وتقريب الاستدلال بها: أن الفاسق ظالم لنفسه بارتكاب المعاصي وفعل المحرمات، والآية نهت عن الركون إلى مطلق الظالم، ومن الواضح أن تعيين الفاسق في موقع القضاء هو من أظهر مصاديق الركون إلى الظالم فيكون منهياً عنه، وهو يعني بطلان حكمه وعدم نفوذ قضائه( ). ويلاحظ على ذلك: أنه قد يكون المقصود من الركون إلى الظالم المنهي عنه في الآية الركون إليه في مواطن ظلمه وتعديه على حقوق الناس، والركون يستبطن معنى الميل وهو يتصل بالموقف الذي يتخذه الإنسان في علاقته مع الظالم بحيث يتحقق منه الانتماء إليه ودعمه، أمّا عندما يكون الإنسان ظالماً لنفسه كأكثر المسلمين لكنه يملك التوازن في عالم القضاء ويحرص حرصاً شديداً على إحقاق الحق وإبطال الباطل وعدم التعدي على الحقوق فالاعتماد عليه وتعيينه للقضاء لا يعد ركوناً إلى الظالم، ونحن نلاحظ في الواقع أن كثيراً من الأشخاص الذين يمارسون القضاء لا يعرف عنهم تساهلهم في ما يرتبط بقضايا الناس وحقوقهم، مع أنهم في حياتهم الشخصية قد لا يتورعون عن الدخول في المعصية. الوجه الثالث: إن هذا المنصب من المناصب المهمة في الشريعة الإسلامية والمختصة بالنبي وأوصيائه كما جاء في الخبر المتقدم المروي عن أمير المؤمنين(ع) وعليه فكيف يوكل أمر هذا المنصب إلى الفاسق الذي لا يتورع عن ارتكاب المعاصي والمحرمات وانتهاك حرمة المولى عز وجل، وبعبارة أخرى من يعتدي على حق مولاه فكيف يؤمن على حق الناس؟! وهل يتناسب ذلك مع قداسة هذا المنصب ورفعته؟ الوجه الرابع: التمسك بالأولوية، فإنه إذا كانت العدالة شرطاً من إمام الجماعة وفي الشهادة على الرغم من كون القضاء أكثر خطورة من إمامة الجماعة كما أن الشهادة أحد فروع القضاء، فيكون اشتراطها في القضاء بطريق أولى، وقد يتمسك بالأولوية بوجه آخر، وهو أن الفاسق قاصر عن مرتبة الولاية على الصبي والمجنون، فكيف بهذه المرتبة الجليلة( ). الوجه الخامس: صحيح سليمان بن خالد عن أبي عبد الله(ع) قال: "اتّقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إِنّما هي للإِمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين لنبيّ أو وصي نبي"( ) حيث صرّح فيه بضرورة شرط العدالة في القاضي. ولكن يلاحظ على ذلك: بأن المذكور في الحديث هو "العادل في المسلمين" وهو ظاهر فيمن كان عادلاً في القضاء والحكم لا من كان عادلاً في نفسه مستقيماً في سلوكه وغير مرتكب للمآثم، فلا ينهض الحديث للدلالة على شرط العدالة بالمعنى المصطلح في هذا المقام وأمثاله. الوجه السادس: معتبرة أبي خديجة قال: بعثني أبو عبد الله(ع) إلى أصحابنا وقال: قل لهم: إياكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تدارى بينكم في شيء من الأخذ والعطاء أن تتحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفساق، اجعلوا بينكم رجلاً ممن قد عرف حلالنا وحرامنا، فإني قد جعلته قاضياً، وإياكم أن يخاصم بعضكم بعضا إلى السلطان الجائر"( ). وتقريب الاستدلال: أن تعليق النهي على عنوان الفسق مشعرٌ بعلٍّيته للحكم كما هو الحال في كل وصف. وربما كان تعليق الحكم في الخبر على الفسق مردّه إلى أن فسق هؤلاء ينعكس في الأعم الأغلب على حكمهم وقضائهم فلا يكون الملحوظ خصوص الفسق في ذاته، وإنما للحاظ م يترتب عليه من مجانبة العدل فتأمل. هذه خلاصة ما استدل به على شرط العدالة وما أثيره حوله ملاحظات والأقرب بنظرنا اعتبار هذا الشرط لما تقدم من بعض الوجوه الخالية من الاعتراض، ويضاف إليها أن أهمية القضاء في حياة الناس وفي واقعهم واتصاله بالدماء والأموال والأعراض مما يحتاط الشارع فيه بما لا يحتاط في غيره، تقتضي أن لا يسلط على مثل هذا المنصب من لا يعهد منه الاستقامة والورع ولا يتجنب الخوض في المعاصي والمآثم ولا يملك استقامة على جادة الشريعة تحصّنه من الانزلاق مع الشهوات والانسياق وراء المغريات الكثيرة التي تحيط بهذا الموقع. ولهذا فمقتضى الاحتياط للعدالة أن لا يكتفى بكون القاضي عادلاً قضائه مستقيماً في سلوكه، بل يضاف إليه عدالته في نفسه، سيما أن مزالق القضاء كثيرة ــ كما قلنا ــ وقد تمارس عليه ضغوط مختلفة وتحوط به إغراءات متعددة قد يسقط أمامها العادل، فكيف بالفاسق الذي لا يستطيع أن يضبط شهواته ورغباته ويقمع هواه وغريزته. 1- الذكورة: من الشرائط المعتبرة في القاضي الذكورة، فلا ينعقد القضاء للمرأة ولا ينفذ حكمها ولو استجمعت سائر الشرائط كالعلم والعدالة وغيرها، وتكاد عبارات فقهائنا تتطابق على اعتبار هذا الشرط، فقد اختاره الشيخ في المبسوط( ) والخلاف( ) وابن البراج الطرابلسي( ) والمحقق في الشرائع( ) والعلامة في القواعد( ) والإرشاد( ) والشهيد الأول( )، والشهيد الثاني في المسالك( ) وكذا صاحب كشف الرموز( ) والجواهر( ) ورياض المسائل( ) وغيرهم من العلماء المتقدمين( ) والمتأخرين، وادعى غير واحد من الفقهاء الإجماع على هذا الشرط( )، أو نفي الخلاف عنه( ) ويظهر من صاحب المستند استشكال بعض فقهائنا في هذا الشرط، قال وهو يعدد شروط القاضي: "ومنها: الذكورة، بالإجماع كما في المسالك ونهج الحقّ ومعتمد الشيعة وغيرها واستشكل بعضهم في اشتراطه، وهو ضعيف، لاختصاص الصحيحتين بالرجل، فيخصّص بهما غيرهما ممّا يعمّ"( ). وأما العامة فقد اتفقوا على هذا الشرط باستثناء الحنفية، قال في الفقه الإسلام وأدلته: "وأما الذكورة: فهي شرط أيضاً عند غير الحنفية، فلا تولى المرأة القضاء؛ لقوله(ص): «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، ولأن القضاء يحتاج إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة والخبرة بشؤون الحياة، والمرأة ناقصة العقل، قليلة الرأي، بسبب ضعف خبرتها واطلاعها على واقع الحياة، ولأنه لا بد للقاضي من مجالسة الرجال من الفقهاء والشهود والخصوم، والمرأة ممنوعة من مجالسة الرجال بعداً عن الفتنة، وقد نبه الله تعالى على نسيان المرأة، فقال: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}(البقرة:282) ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان، ولهذا لم يولِّ النبي(ص) ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد". وقال الحنفية: يجوز أن تكون المرأة قاضياً في الأموال أي في القضاء المدني، لأنه تجوز شهادتها في المعاملات، ويؤثّم المولّي لها، للحديث السابق "لن يفلح..." أما في الحدود والقصاص أي في القضاء الجنائي، فلا تعيّن قاضياً، وقال ابن جرير الطبري: يجوز أن تكون المرأة حاكماً على الإطلاق في كل شيء، لأنه يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضية"( ). القدرات العقلية عند المرأة: وقبل أن نستعرض الأدلة المذكورة في كلمات الفقهاء على شرطية الذكورة ينبغي أن نقيّم الكلام الذي يتحدث عن نقصان عقل المرأة بالقياس إلى عقل الرجل، وهو ما يجعله البعض دليلاً أو شاهداً على منعها من تولي القضاء أو الحكم أو الإفتاء كما مرّ، والحقيقة أنه لدى دراسة واقع المرأة في الماضي أو في الحاضر لا نجد لهذه الدعوى صديقة وواقعية. فعندما ندرس التاريخ في القصص القرآني تواجهنا نماذج كثيرة من النساء تملك من القدرات العقلية ما يفوق عقل الرجل، فهذه ملكة سبأ يقدّمها القرآن على أنها أكثر هدوءاً في العقل والتخطيط من الرجال فلما جاء كتاب سليمان يهددها وقومها ويأمرهم بالانقياد له لم تضعف ولم تنفعل وإنما طلبت من قومها أن يقدموا لها الرأي والمشورة {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ}(النمل:29-32) لكن الملأ من قومها وبدل أن يقدموا لها عضلاتهم الفكرية إذا بهم يقدمون لها عضلاتهم الجسدية {قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ}(النمل:33) وكان رأيها ما عبر عنه القرآن: {قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (34) وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ}(النمل:34-35) وكان رأيها عاقلاً متزناً يرتكز إلى حسابات دقيقة توصل إلى الحل الأفضل للمشكلة، فرأت الملكة أنه لا بد من دراسة شخصية سليمان لمعرفة أنه داعية حق ورسول هدى يمكم الدخول في حوار معه، أو أنه ملك يهدف إلى السيطرة الغاشمة على الآخرين ومصادرة حرياتهم كما هو حال الملوك، ورأت أن تكتشف ذلك من خلال الهدية التي تبعثها إليه فلو كان ملكاً لأمكن للهدية أن تجتذبه فيما لو كانت هديّةً كبيرة، وأمّا لو كان رسولاً فلا يتنازل تحت تأثير الهدايا والرشاوى ولو كانت كبيرة. إن قرارها هذا يدل على شخصية عاقلة متزنة تحسب للأمور حساباتها الدقيقة ولا تخضع للعاطفة والانفعال. لو عرجنا إلى واقعنا، فإننا نجد أنه عندما فتحت أبواب العلم والمعرفة أمام المرأة فإنها انطلقت وتفوقت على الرجل في كثير من الميادين، فلو كان عقل المرأة ناقصاً، لما أبدع كما أبدع عقل الرجل في الكثير من مجالات الحياة. والحقيقة أن واقع التخلف الذي فرض على المرأة هو الذي أوجب عزلتها عن ميادين الإبداع والعطاء الفكري والعملي، وإلاّ فضعف العقل المفترض فيها ليس صفة ذاتية لازمة لها بما هي امرأة، وإلاّ لعمّ كل النساء بما في ذلك السيدة مريم التي اصطفاها الله وطهرّها والسيدة الزهراء(ع) التي هي في المنزلة الرفيعة علماً وطهارة وعقلاً، نعم هناك ضعف تعيشه المرأة كما يعيشه الرجل سواء بسواء وهو الضعف الإنساني، قال تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً}(النساء:28). ثم إن العقل في الإسلام هو الذي يحدد المسؤوليات فلو كان عقل المرأة أقل من عقل الرجل لكان يجب أن تكون تكاليف المرأة أخف من تكاليف الرجل مع أننا نجد أن تكاليف الرجل والمرأة متساوية وواحدة باستثناء بعض التكاليف الخاصة بالرجل أو بعض التكاليف الخاصة بالمرأة، مما يفرضه اختلاف الجنسين في خصائصهما الجسدية أو غيرها. وانطلاقاً من هذا فإن لنا تحفظاً كبيراً على ما روي عن أمير المؤمنين(ع) في نهج البلاغة( ) من نقصان عقل المرأة ودينها وحظها، فإن هذه الرواية وغيرها مع أنها لم تثبت سنداً فإنها قد تكون خاضعة لبعض الظروف والأجواء التي عاشتها المرأة في تاريخها من خلال الجهل والتخلف الذي فُرض عليها، بل إن هذه الروايات مخالفة للقواعد والأصول العامة التي نعلمها من الشريعة الغراء، لأن التعليل الوارد في هذه الروايات لا يناسب المعلل، فإن قعود المرأة الحائض عن الصلاة أو إفطارها في شهر رمضان ليس نقصاً في دينها، لأنه نابع عن عمق الإيمان الذي أمرهن بترك الصلاة والإفطار، وإلا كان قصر الصلاة في السفر موجباً لنقصان دين المسافر وليس كذلك، بل إن الإتمام في السفر هو الموجب لنقصان الدين ولذا ورد عن النبي(ص) أنه سمى جماعة صاموا في السفر بالعصاة. أدلة الاشتراط: وفيما يلي نذكر الوجوه التي استدل بها على شرطية الذكورة في كلمات الفقهاء: الوجه الأول: قوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}(النساء:34) بتقريب أن القيمومة تعني سلطة الرجال على النساء، ودعوى أن مورد الآية هو الزوجين لا تقتضي تخصيص الحكم بالمورد، إذ يبعد أن لا تكون للمرأة سلطنة في بيت الزوجية وتكون لها السلطنة خارج دارها وعلى غير زوجها من الرجال. ولكن الظاهر أن الآية الكريمة وما تلاها تتحدث عن الملامح الأساسية للتخطيط القرآني لوضع الأسرة التشريعي ولطبيعة العلاقة بين الزوج والزوجة، وفي هذا السياق فيما تحتاج من شؤون الإدارة والرعاية وذلك انطلاقاً من نقطتين: الأولى: تفضيل الرجال على النساء من خلال بعض الخصائص التكوينية المتصلة بقدرة الرجل الجسدية أو شدة الجانب العاطفي عند المرأة. الثانية: إنفاق الرجال على النساء. والظاهر أن هاتين النقطتين معاً هما الأساس في هذا الحكم لا كل واحدة باستقلالها، وعليه فبما أن الحالة الوحيدة التي يجب فيها على الرجل بصفته رجلاً أن ينفق على المرأة بصفتها امرأة هي حالة الزواج، إذ الرجل الأب يصرف بما هو أب على أولاده الذكور والإناث، والرجل الابن يصرف على أبويه معاً، فهذا يعني أن القوامة مختصة بحالة الزواج. ومنه يتضح وجه الضعف فيم ذكره بعض المفسرين( ) من أن أمر القوامة لا يختص بقوامة الزوج على زوجته، بل الحكم مجعول لقبيل الرجال على قبيل النساء في الجهات العامة التي ترتبط بها حياة الجنسين جميعاً كالقضاء والحكومة اللذين يتوقف عليهما حياة المجتمع، وكذا الجهاد الذي يرتبط بالشدة وقوة التعقل. واستند هذا المفسر على أن عموم العلة في الآية يقتضي عموم الحكم. لكن ما ذكره لا يتم لأن سياق الآيات وجوها العام يوحي بالحديث عن البيت الزوجي كما أن تعليل القيمومة بالإنفاق يشهد لذلك، لما ذكرناه من أنه لا يوجد مورد ينفق فيه الرجل بما هو رجل على المرأة بما هي امرأة إلا في حالة الزوجية. ويضاف إلى ذلك أن منصب القضاء لا يرد به إثبات القيمومة على الغير، ليقال بأن الآية حيث جعلت القيمومة للرجل على المرأة دون العكس فهي تثبت هذا المنصب للرجل دون المرأة. وغاية ما ثبت للقاضي إلزام الطرفين ورفع الخصومة بينهما على ضوء الكتاب والسنة وهذا لا يعطيه قيمومة على المحكوم عليه، بل ربما كان للمحكوم عليه نوع قيمومة على القاضي. الوجه الثاني: قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}(البقرة:228) إذ ظاهر الآية أن للنساء حقوقاً على الرجال يلزمهم تأديتها لهن في قبال أن يكون للرجال عليهن القوامة والدرجة والارتفاع( ). لكن الظاهر أن البعد العام الذي قصدت إليه الآية في جعل هذه الدرجة للرجل ليس موضوع السيطرة أو القوامة بشكل عام، لأنها في مقام تحديد موقع الرجال في نطاق العائلة كما يشهد سياقها، ما يجعل الدرجة خاصة بالأسرة وهي القوامة التي تعني الإدارة والرعاية والإشراف... ولا تتعرض الآية بأي نحو من الأنحاء إلى منزلة المرأة في سُلّم الاجتماع الإنساني، ولأجله فالدرجة التي جعلت للرجل في نطاق التشريع الإسلامي العام لا تعتبر امتيازاً له على حساب كرامة المرأة وإنسانيتها، بالمستوى الذي يبرّرُ نوعاً من التمايز الاجتماعي الذي يضغط على المرأة لحساب الرجل، لتتحول إلى مجرد أداة للمتعة أو كمية مهملة لا تمثل شيئاً ذا وزن في مقياس الإنسانية وميزانها. ومن هنا، فليس ثمة ما يفرض للرجل قوامة على المرأة خارج نطاق العائلة، ولا ما يوجب له لزوم الطاعة أو ضرورة التمييز، فللمرأة الحرية في أن تمارس كل ما تريد ممارسته في الحياة كإنسان، مما تسمح به حدود الشريعة في خطها العام وفي تفاصيلها، كما للرجل الحرية في أن يمارس ذلك سواء بسواء، لا فرق في ذلك بين مجالات العلم والعمل، وبين مراكز المسؤولية. نعم ثمة فوارق تستدعيها طبيعة تكوين المرأة والرجل وتستوجبها طبيعة التفاوت في المكان والإمكانات وطبيعة الظروف الواقعية والاجتماعية المحيطة بالرجل والمرأة. الوجه الثالث: قوله تعالى: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ}(الأحزاب:33) بتقريب أن القضاء يستلزم خروج المرأة من البيت وهو خلاف المأمور به في الآية. ويلاحظ على هذا الاستدلال: أولاً: إن الآية الشريفة خطاب لنساء النبي(ص) اللاتي كانت لهن خصوصية تتصل بموقعهن من رسول الله(ص) وما قد يتركه خروجهن واختلاطهن بالرجال من تأثير على موقع النبي(ص) ومركزه في الحياة الاجتماعية بما يعني أن هناك بعض القيود فرضت على نساء النبي(ص) بم لا يشمل غيرهن من النساء، وهذا ما يدل عليه قوله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ}(الأحزاب:32). وثانياً: لو سلمنا بشمول الآية لمطلق النساء لكون المورد لا يخصّص الوارد مثلاً، لكننا نقول إن ما فهم منها هو الفهم الحرفي للآية ولو جمدنا عليه لكان معنى ذلك ولازمه حبس المرأة في البيت وعدم السماح لها بالخروج، وهو بعيد ولم يلتزم به أحد، والأقرب أن الأمر بالتزام البيت هو كناية عن عدم الخروج الاستعراضي الذي يظهرن فيه بطريقة لا تتناسب مع كمال المرأة وتقواها وذلك بخروجهن بزينتهن فيكون مقدمة لقوله: {وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى}(الأحزاب:33) حيث كانت المرأة في الجاهلية تخرج إلى نوادي الرجال بزينتها في وضع غير لائق بالضوابط الأخلاقية. فتكون الفقرتان واردتين في الحديث عن عدم خروج المرأة من البيوت بالطريقة التي تخرج بها النساء في الجاهلية، لا عدم الخروج أصلاً، لأنه لم يعهد المنع المطلق من الخروج في زمن النبي(ص) والأئمة(ع). وربما كانت الآية كناية عن الثبات في البيوت فيما يمثله البيت من مكان الاستقرار للمرأة في دورها الطبيعي الذي يتصل بالأمومة أو رعاية الأولاد والزوج والإشراف على الأسرة بشكل عام والله العالم. وربما كانت الآية كناية عن الثبات في البيوت فيما يمثله البيت من مكان الاستقرار للمرأة في دورها الطبيعي الذي يتصل بالأمومة أو رعاية الأولاد والزوج والإشراف على الأسرة بشكل عام والله العالم( ). الوجه الرابع: معتبرة أبي خديجة وقد جاء فيها "أنظروا إلى رجل منكم"( ) فإن التقييد بالرجل يدل على عدم شرعية تولي المرأة لهذا المنصب وعدم نفوذ قضائها. ولكن دلالة هذه الرواية قابلة للمناقشة بأن يقال: لا موضوعية للرجل فيها، وإنما ذكر من باب المثال كما هو الحال في ذكر الرجل في الحديث التالي: "يا علي لئن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما طلعت عليه الشمس"( ) فهو لا يعني إنه إذا هدى الله به امرأة فليس خيراً له! فالإمام(ع) كان في مورد بيان عدم صحة الرجوع إل قضاة الجور وأن ثمة من يكفي الناس مؤونة الرجوع إليهم، فَذَكر الرجل ولم يذكر المرأة لأنه لا أساس موضوعي في ذلك الواقع للإرجاع إلى المرأة، باعتبار أن المجتمع كان مجتمع الرجال، لا أن المرأة لا يجوز قضاؤها ولا يصح الترافع إليها، بل لأن الغالب توفر شروط القاضي في الرجل، أما المرأة فمن النادر ــ ذاك الوقت ــ توفر شروط القاضي ــ سيّما القدرة العلميّة ــ فيها، مضافاً إلى أن الرجوع إليها في القضاء ربما لم يكن مألوفاً في المجتمع الإسلامي بحسب عاداته وتقاليده، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الاستدلال بالرواية مبني علة حجية مفهوم اللقب وهو ليس حجة بالاتفاق. الوجه الخامس: ما رواه الصدوق بإسناده عن حماد بن عمرو وأنس بن محمد عن أبيه عن جعفر بن محمد عن آبائه(ع) في وصية النبي(ص) لعلي(ع) قال: "يا علي ليس على النساء جمعة ولا جماعة، إلى أن قال: ولا تولّى القضاء..."( ). لكن الرواية لا تصلح للاستدلال لضعف سندها بجهالة بعض رجاله وعمل المشهور واستنادهم إليها غير محرز لاحتمال استنادهم على الوجوه الأخرى، كما أنها من حيث الدلالة قابلة للمناقشة من جهة أنها لا تدل ــ بلحاظ السياق ــ على أزيد من أن المرأة لا ينبغي لها أن تتولى القضاء، أما أن ذلك غير جائز فلا تنهض بإثباته لأن سياق الفقرات وارد على نحو نفي الإلزام فتأمل( ). ونفس الملاحظات التي سجّلناها على هذا الحديث يمكن تسجيلها على الحديث الذي رواه الصدوق في الخصال( ) بسند ضعيف إلى أبي جعفر(ع)، وهو مشابه للحديث السابق. الوجه السادس: الحديث النبوي المعروف "لن يفلح قوم وليتهم امرأة"( ). ويلاحظ على هذا الاستدلال، مع غض النظر عن سند الحديث أن الظاهر من الولاية فيه معنى السلطة والحكم، لأن موردها هو تولية الفرس ابنة كسرى عليهم حيث أنه لما مات كسرى قال النبي(ص): "ومن استخلفوا؟ قالوا ابنته، فقال(ص): لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة (أو وليتهم) امرأة"( ). ويضاف إلى ذلك أن عدم الفلاح لا ينافي الجواز، إلا أن يقال: أن هذا اللسان "ما أفلح قوم..." أو لسان "هلك قوم..." ( ) لا يراد منها المعنى الحرفي المباشر بل يراد معناها الكنائي وهو عدم صلاحية المرأة لتولي الإمارة وأن ذلك لا ينبغي لها لعدم أهليتها، لكن ذلك محل تأمل كما سيأتي. الوجه السابع: دعوى الإجماع ممن عرفت من العلماء. إلا أن دعوى الإجماع في مثل هذه المسألة التي كثرت مداركها من الآيات والروايات لا يصغى إليها لعدم الاطمئنان بكونه إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم، ولا أقل من احتمال اعتمادهم على الأصل الأولي الآتي، على أن هذا الإجماع غير محصل، وستأتي الإشارة إلى مخالفة بعض الفقهاء أو ترددهم في المسألة. الوجه الثامن: أنه حتى لو لم يتم لنا دليل على شرط الذكورة فيكفي للقول بمنع المرأة من التصدي لهذا المنصب وعدم نفوذ قضائها، الأصل القاضي بعدم نفوذ حكم إنسان على إنسان إلا ما خرج بالدليل، وقد خرج الرجل المستجمع للشرائط من تحت الأصل فتبقى المرأة تحته. وفيه: أنه مع وجود بعض الإطلاقات( ) فلا مسرح للأصل، كما أن الأصل إنما يرجع إليه في المقام لو كان الحكم مستنداً إلى الهوى والذات والآراء الاستحسانية وغيرها مما لا دليل على حجيته، أما الحكم المستند إلى الشرع والمعتمد على الأسس والقواعد الإسلامية فالأصل نفوذه، ويضاف إلى ذلك أنا قد بيّنا سابقاً أنه لا خصوصية لشخصية القاضي في قبول حكمه وقضائه إنما الخصوصية لأمانته وعلمه، لأن عالم القضاء هو عالم ثقافة وأمانة، فإذا كانت المرأة تملك الأمانة والعدالة وثقافة القضاء فلا مانع يمنع من تصديها ونفوذ قضائها. الوجه التاسع: وربما استدل بعضهم على شرط الذكورية بأن منع المرأة من الشهادة يستلزم منعها من القضاء، ولذلك فصّل الحنفية بين القضاء المدني (الأموال) فيمكن توليتها فيه لقبول شهادتها فيه، والقضاء الجنائي (الحدود والقصاص) فلا تعيّن قاضياً، لأنه لا شهادة لها فيه، ومن المعلوم أن أهلية القضاء تلازم أهلية الشهادة( ). وفيه: أنه لا تلازم من الجانبين أما من الجانب الإيجابي فواضح لأن قبول شهادتها لا يقتضي قبول حكمها، إذ الشهادة نقل حسي للواقع وقبول نقلها للواقع لا يقتضي قبول حكمها عليه، وأما من الجانب السلبي فلأنّ عدم قبول شهادة النساء في بعض الأشياء كالهلال مثلاً، لا يحرز ملاكه لأن شهادتهن في مواضع أخرى مقبولة إمّا وحدهن في كل ما لا يجوز للرجل النظر إليه، أو بالضميمة إلى الرجال كما في مواضع أخرى( )، وهذا يعني أن الأنوثة وحدها لا تشكل مانعاً من قبول الشهادة، وعليه فلا يصح أن نستنتج من رفض شهادتها في بعض المواضع رفض قضائهن فيها فضلاً عن غيرها. الوجه العاشر: أنه لا بد للقاضي من مجالسة الرجال من الفقهاء والشهود والخصوم، والمرأة ممنوعة من مجالسة الرجال بعداً عن الفتنة، وقد نبّه تعالى على نسيان المرأة فقال: {أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى}( )(البقرة:282). ويرد عليه: أنه لا مانع للمرأة أن تكشف وجها وتتحدث مع الرجال بما يناسب أجواء الحشمة والعفة، ولا نجد في الإسلام ما يمنع المرأة من ذلك، وقد كانت النساء المؤمنات في زمن النبي(ص) والأئمة(ع) يتحدثن مع الرجال ويخرجن إلى المجتمع المختلط بشكل اعتيادي، بل كُنَّ يخرجن مع النبي في حروبه وغزواته، وقد كانت سيدتنا الزهراء(ع) تتحدث مع الرجال وتخطب فيهم وتعلمهم بعض الأحكام أو التعاليم الإسلامية( )، فهذا كله يدلّل على أن الإسلام لم يدع إلى عزل المرأة أو حبسها أو رفض الترخيص لها بالعمل ونحوه، إذن ما ذكر لا يصلح دليلاً على منع المرأة من ممارسة مهنة القضاء، سيما إذا كان قضاؤها بين النساء فإن ذلك لا يستدعي اختلاطها بالرجال. وأما نسيان المرأة الذي نبّهت عليه الآية الشريفة فهو مرتبط بالشهادة، وقد عرفت أنه لا ملازمة بين الشهادة والقضاء، والملحوظ في الآية أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى} أن المرأة هي التي تذكّر المرأة الأخرى، وهو ليس نقصاً بل تعبير عن حالة إنسانية غير سلبية وإلا لو كانت المسألة تختزن النقص فكيف يكمل الناقص ناقصاً، فالتشدد في أمر الشهادة هو احتياط للعدالة، كما يحتاط الشارع عندما لا يقبل إلا بشهادة رجلين أو أربعة رجال. تحفظ الأردبيلي والخونساري: ولعله لأجل عدم تمامية ما ذكر من أدلة على شرط الذكورة تحفظ بعض الفقهاء في اعتبار هذا الشرط، ومن هؤلاء المقدس الأردبيلي الذي قال ما نصه: وأما اشتراط الذكورة، فذلك ظاهر فيما لم يجز للمرأة فيه أمر، وأما في غير ذلك فلا نعلم له دليلاً واضحاً، نعم ذلك هو المشهور. فلو كان إجماعاً، فلا بحث، وإلا فالمنع بالكلية محل بحث، إذ لا محذور في حكمها بشهادة النساء ــ مع سماع شهادتهن ــ بين المرأتين مثلاً بشيء، مع اتصافها بشرائط الحكم"( ). وقد مرّ قول صاحب المستند: "واستشكل بعضهم في اشتراطه وهو ضعيف"( ) وربما كان ناظراً إلى المقدس الأردبيلي. وممن ناقش في اعتبار هذا الشرط المحقق الخونساري (قده) قال( ): "وأما الذكورة فادعي الإجماع على اعتبارها، واستدل أيضاً على اعتبارها بالنبوي «لا يفلح قوم ولتهم امرأة"، وقوله(ع): "لا يفلح قوم وليتهم امرأة" وفي خبر آخر: "ليس على النساء جمعة ولا جماعة... ولا تولى القضاء"، مضافاً إلى التقييد بالرجل في المقبولة والمشهورة ويمكن المناقشة في بعض ما ذكر، فإن التولية ظاهرة في الرئاسة غير القضاء، والتعبير بـ"لا يصلح" لا ينافي الجواز، وكذا التعبير بـ "ليس على النساء"، لا ينافيه، ألا ترى أن المرأة تصلي جماعة مع النساء". إلا أن يقال؛ أن الأردبيلي لم يناقش إلاّ في بعض الأدلة وهو لا يعني تحفظه في الحكم. والخلاصة: أن مسألة عدم صحة تولي المرأة للقضاء وعدم نفوذ قضائها هي محل تحفظ علمي ولا يعضدها الدليل. والقضية على كل حال ليست من المسلمات والضرورات الفقهية أو الدينية، ولذا تحفظ فيها بعض فقهاء المسلمين كما مرّ. 11- العلم والاجتهاد: لا يختلف فقهاء المسلمين في ضرورة أن يتوفر القاضي على مقدار من العلم بالأحكام الشرعية، وعلى درجة من الثقافة والوعي وحسن الفهم ما يمكّنه من تعقّل الحوادث وإدراك موازين القضاء ليكون قادراً من خلال ذلك على إدارة العمل القضائي، والنهوض بأعبائه ومسؤوليته، سواء في الحكم الذي يصدر عنه، أو في التطبيق والممارسة، ويدل على ذلك مضافاً إلى الإجماع، عموم ما دلَّ من الكتاب الكريم على النهي عن إتباع غير العلم في قول وفي عمل، وجملة أخبار منها: ما روي مرفوعاً عن الصادق(ع) قال: "... ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار"( ). وما روي عن أبي جعفر(ع) قال: "من أفتى الناس بغير علم ولا هدى من الله، لعنته ملائكة الرحمة"( ). والجاهل لا يعرف ما يجب الاستناد إليه من الأحكام في مقام رفع التنازع وحل الخصومات، ولا يميز بين مواضع الحق ومواضع الباطل، ولا يملك القدرة على تقييم البيّنات والحجج، ولا الميزان الذي يزن به الشهادات والأقوال، فلا يتحقق بنصبه الغرض المرجو من تعيين القاضي ونصبه، أعني بلوغ الحق وترسيخ مظاهر العدل. واشتراط العلم بهذا المقدار لا ريب فيه، لكنَّ السؤال الأساسي هنا هو: هل يجب في العلم بالأحكام الشرعية الذي يلزم توفره في المتصدي للقضاء أن يكون اجتهادياً؟ أو يكفي فيه أن يكون علماً ناشئاً عن تقليد؟ والاجتهاد المقصود هنا ليس مجرد المهارة في فهم كلمات الأئمة(ع) وإدراك معاني أخبارهم ومدلولاتها، والوقوف على مقاصد الآيات، الناتجة ــ أعني هذه المهارة ــ عن كثرة الممارسة، وتكرار الاشتغال بها، بل المقصود به القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها الفصيلية بالطرق المعهودة والتي تساهم في حصولها وتكوّنها جملة شروط وأسباب منها: العلم بما يرتبط بالأحكام من آيات الكتاب، بعامها وخاصها، مطلقها ومقيدها، محكمها ومتشابهها، مجملها ومبينها، ناسخها ومنسوخها... والعلم بالسنة والأخبار، بصحيحها وسقيمها، متواترها وآحادها، والعلم بالرجال والإجماع والمعرفة بعلم الأصول، سيما تعارض الأدلة وكيفية الترجيح، وكذا العلم بلسان العرب نحواً وصرفاً ولغة وبلاغة في الحدود إلى تمكّن من فهم أدلة الكتاب والأخبار. كلمات الأصحاب: ذهب الأكثر إلى أنه لا بد في القاضي أن يكون عالماً مجتهداً مستقلاً بأهلية الفتوى، فلا ينعقد القضاء لغيره ولو كان مطلعاً على فتوى المجتهدين ومقلداً لهم، وادعي عدم الخلاف في ذلك( ) بل الإجماع عليه( )، وإليك بعض كلماتهم في ذلك: قال المحقق في الشرائع: "وكذا لا ينعقد لغير العالم المستقل بأهلية الفتوى ولا يكفيه فتوى العلماء"( ). وقال في كفاية الأحكام: "ولا خلاف لمن يعتد بقوله بين الأصحاب في اعتبار كونه فقيهاً جامعاً لشرائط الإفتاء، والاتفاق عليه منقول في كلامهم"( ). وتشعر بعض الكلمات بوجود مخالف ما في المسألة، قال النراقي في المستند: "وحكى في التنقيح عن المبسوط أنه نقل قولا بجواز قضاء المقلد، قال في المبسوط في هذه المسألة ثلاثة مذاهب: الأول: جواز كونه عامياً ويستفتي العلماء ويقضي بقولهم، إلى آخر ما قال، ثم قال في التنقيح: ولم يصرح ــ أي الشيخ ــ باختيار شيء من المذاهب"( ). وقد استشكل في شرطية الاجتهاد فقهاء آخرون منهم: المقدس الأردبيلي، قال (قده): "وأما اشتراط اتصافه بشرائط الفتوى، التي ذكروها في الأصول والفروع، فكأنهم أخذوها من الروايات، لقوله(ع) "وعرف أحكامنا" فإن عرفان الأحكام بدون الاجتهاد، لا يمكن، ويؤيده الاعتبار، وفيه تأمّل، لعدم حجيّة الاعتبار، وان ظاهر الأخبار، أنه يكفي مجرد الرواية، وان فهمها كافٍ، ولعله إشارة إلى تجزّي الاجتهاد. وبالجملة الروايات غير ظاهرة في ذلك، فتأمّل، وكأنّهم يدّعون فيه الإجماع، فتأمّل فيه"( ). ومنهم صاحب الجواهر الذي ذهب إلى عدم اعتبار الاجتهاد في القاضي وكفاية الحكم بالحق والعدل ولو عن تقليد صحيح قال (قده) ــ بعد نقله اشتراط الفقهاء لهذا الشرط ــ: "قلت قد يقال: إن المستفاد من الكتاب والسنة صحّة الحكم بالحق والعدل والقسط من كل مؤمن" قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}(النساء:58). {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا}(المائدة:8). {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً}(النساء:135). ومفهوم قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(المائدة:47) وفي آية أخرى: {هُمُ الْكَافِرُونَ}(المائدة:40) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة. وقال الصادق(ع): "القضاة أربعة ثلاثة في النار وواحد في الجنة؛ رجل قضى بجور وهو يعلم فهو بالنار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم أنه قضى بجور فهو في النار، ورجل قضى بحق وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بحق وهو يعلم فهو في الجنة"( ). وقال علي: "الحكم حكمان: حكم الله وحكم الجاهلية فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهلية"( ). وقال أبو جعفر(ع): "الحكم حكمان حكم الله وحكم الجاهلية، وقد قال الله عز وجل: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(المائدة:50) وأشهدوا على زيد بن ثابت لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية"( ). إلى غير ذلك من النصوص البالغة بالتعاضد أعلى مراتب القطع الدالة على أن المدار الحكم بالحق الذي هو عند محمد وأهل بيته (صلوات الله عليهم). وأنه لا ريب في اندراج من سمع منهم(ع) أحكاماً خاصة ــ مثلاً ــ وحكم فيها بين الناس وإن لم يكن له مرتبة الاجتهاد والتصرف. قال الصادق في خبر أبي خديجة: "إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه"( ). بل قد يقال: باندراج من كان عنده أحكامهم بالاجتهاد الصحيح أو التقليد الصحيح وحكم بها بين الناس كان حكماً بالحق والقسط والعدل..." انتهى كلامه (قده)( ). وحكي عن المحقق القمي في جامع الشتات الإشكال في شرطية الاجتهاد على الإطلاق، ولم يستبعد جواز المرافعة للعالم العادل المطلع على جميع المسائل المتعلقة بالواقعة تقليداً في حال الاضطرار( ). أقوال العامة: هذا ما عند علمائنا، أما علماء العامة فالاجتهاد "شرط عند المالكية والشافعية والحنابلة وبعض الحنفية كالقدوري، فلا يولى الجاهل بالأحكام الشرعية ولا المقلد وهو من حفظ مذهب إمامه لكنه غير عارف بغوامضه وقاصر عن تقرير أدلته، لأنه لا يصلح للفتوى فلا يصلح للقضاء بالأولى، لأن الله تعالى يقول: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}(المائدة:49) ولم يقل بالتقليد للآخرين وقال سبحانه: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ}(النساء:105)، وقال عز وجل: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}(النساء:59). وروى بريدة عن النبي(ص) قال: "القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، ورجل عرف الحق وجار في النار، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار"( ) فالعامي يقضي على جهل. ويلاحظ أن اشتراط وصف الاجتهاد عند المالكية هو الذي عليه عامة أهل المذهب، لكن المعتمد والأصح عندهم أنه لا يصح تولية المقلِّد مع وجود المجتهد... وقال جمهور الحنفية: لا يشترط كون القاضي مجتهداً، والصحيح أن أهلية الاجتهاد شرط الأولوية والندب والاستحباب، فيجوز تقليد غير المجتهد للقضاء ويحكم بفتوى غيره، أي بتقليد مجتهد، لأن الغرض من القضاء هو فصل الخصائم وإيصال الحق إلى مستحقه، وهو يتحقق بالتقليد، لكن مع هذا قالوا: لا ينبغي أن يقلد الجاهل بالأحكام، أي الجاهل بأدلة الأحكام الشرعية تفصيلاً واستنباطاً، لأن الجاهل يفسد أكثر مما يصلح، بل يقضي بالباطل من حيث لا يشعر به. وبصرف النظر عن هذا الخلاف فإن الواقع له مكان وأهمية، قال الإمام الغزالي: "اجتماع هذه الشروط، من العدالة والاجتهاد وغيرهما، متعذر في عصرنا، لخلو العصر عن المجتهد والعدل، فالوجه تنفيذ قضاء كل من ولاّه سلطان ذو شوكة، وإن كان جاهلًا وفاسقًا، وقال الشافعية: ... إن تعذّر جميع هذه الشروط في رجل فولى سلطان له شوكة مسلماً فاسقاً أو مقلداً نفذ قضاؤه للضرورة...( )". هل يكفي المتجزي؟ بناءً على القول بشرط الاجتهاد فهل يلزم أن يكون المجتهد مطلقاً أو يكفي التجزي؟ المشهور بين الفقهاء اعتبار الإطلاق( )، قال في المسالك: "والمراد بكونه عالما بجميع ما وليه كونه مجتهداً مطلقاً، فلا يكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزي الاجتهاد"( ). ولم يستبعد السبزواري في الكفاية كفاية التجزي عند فقد المجتهد المطلق( ) ووافقه في المستند( )، واختاره المقدس الأردبيلي( ). وكيف كان فلا بد من تحقيق الكلام في شرط الاجتهاد فإن ثبت اعتباره، اتجه التساؤل عن كفاية التجزي وعدمه، وإلاّ فتنتفي الحاجة إلى البحث الثاني كما هو واضح. أدلة اشتراط الاجتهاد: ما يمكن الاستدلال به لاعتبار وصف الاجتهاد في القاضي أمور: 1- الإجماع: وقد تقدم نقله عن بعض الفقهاء، كصاحبي المسالك والرياض. إلا أن دعوى الإجماع في مثل المورد لا يصغى إليها لا لعدم ثبوت الإجماع فحسب كما لاحظنا، بل لأنّ حجية الإجماع على تقدير ثبوته ليست تعبدية بل بملاك كاشفيته عن قول المعصوم أو فعله أو تقريره، ومن الواضح أن أي احتمال يحول دون إحراز الكاشفية فإنه يعطّل الإجماع ويبطل حجيته. والاحتمال في المقام موجود وهو أن يكون منشأ دعواه الأدلة الآتية التي استند إليها الفقهاء لإثبات شرط الاجتهاد، فيكون الإجماع محتمل المدركية إن لم نقل معلومها فلا يكون حجة، وقد يكون اشتهر القول باعتبار الاجتهاد ناشئاً من حالة ثقافية اشترك فيها المجمعون في فهم الروايات والآيات وترسخّ تأثيرها على الأجيال الفقهية المتعاقبة انطلاقاً من تأثير أولئك الفقهاء الأوائل على طلابهم وطلاب طلابهم، وهذا المعنى يرد في الكثير من الإجماعات. وعلى أقل تقدير فإن اشتهار القول باشتراط الاجتهاد في القاضي ربما كان ناشئاً من موافقة هذا القول للاحتياط. 2- الاستدلال بالأصل: وبغض النظر عن دعوى الإجماع هذه فقد يستدل( ) لاشتراط الاجتهاد في القاضي بأن الأصل عدم نفوذ حكم أحد على أحد وأنه لا يلزم الشخص بالاستجابة لما يقرره الآخرون في حقه من أحكام، لا فرق فيهم بين مجتهد وغيره، والقدر المتيقن الذي دل الدليل على خروجه من تحت الأصل هو ما لو كان القاضي مجتهداً، فيبقى غيره تحت الأصل المقتضي عدم النفوذ. وفيه: أنا ذكرنا فيما مضى أن مورد الأصل هو الأحكام الذاتية التي تصدر عن الشخص بما له من صفة شخصية، أما التي تصدر عنه باعتباره ناطقاً بالحكم الشرعي وصادراً عنه فلا يشملها الأصل، لأن هذه الأحكام ليست أحكامه في الحقيقة بل أحكام الشرع، وفرض الكلام في القاضي الذي يحكم في الناس على ضوء الحجج الشرعية فلا يشمله الأصل من دون فرق بين ما لو كان مقلداً أو مجتهداً. ويبقى الفرق بينهما أن الثاني ــ أعني المجتهد ــ يأخذ الحكم من الكتاب والسنة بلا واسطة بينما الأول ــ أعني المقلد ــ يأخذه بواسطة المجتهد وكلاهما طريق معتبر إلى الحكم الشرعي هذا أولاً. وثانياً: اتضح مما مضى أيضاً أن شخصية القاضي لا موضوعية لها في عالم القضاء، وأنها ملحوظة على نحو الطريقية بمعنى أن المعتبر هو أن يقضي الحاكم بالحق الذي علمه كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}(ص:26) وقوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}(النساء:58) وغيرها من الآيات التي يفهم منها أن الأساس في القضاء هو الحكم بالحق من خلال ما شرّعه الله وقنّنه، ومعلوم أن ذلك كما يعرف بالرجوع المباشر إلى الكتاب والسنة واستنباط الحكم الشرعي منها، فإنه يعرف من خلال الرجوع إلى فتوى المجتهد الجامع للشرائط، ففي كلتا الحالتين تحقق الحكم بالحق والعدل. 3- الاستدلال بالأخبار: ومما استدل به على شرطية الاجتهاد، الأخبار ونعرضها فيما يلي: 1- معتبرة أبي خديجة سالم بن مكرم الجّمال قال: قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق(ع): "إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإني قد جعلته قاضياً، فتحاكموا إليه"( ). وتقريب الاستدلال: أن يقال: أن المراد بقوله(ع): "يعلم شيئاً من قضايانا" ليس العلم بشيء يسير، بل بمقدار يمكّنه من فهم كلامهم وهو معنى الاجتهاد وإنّما لم يأت التعبير "يعلم قضايانا" لأن قضاياهم لا يحيط بها أحد لأنها تتسع لتشمل الإسلام كله( ). ونلاحظ على ذلك: أن ما ذكر مجرد دعوى لا يعضدها الدليل لأن عبارة "يعلم شيئاً من قضايانا" لا تدل بحسب المتفاهم العرفي على العلم الاجتهادي بل غاية ما تدل عليه أن يملك القاضي العلم بقضاياهم إلى الحد الذي يمكّنه من النهوض بأعباء القضاء، وهذا لا ينحصر بالمجتهد بل يتحقق في الحافظ لحديثهم الذي يملك المهارة في فهم كلامهم، أو الذي يرجع إليهم فيسمع منهم مباشرة أو بالواسطة، كما أن ذلك يصدق على المقلد أيضاً. على أنا ذكرنا فيما سلف أن الإمام(ع) في هذه الرواية ليس في مقام بيان صفات القاضي وما يلزم توفره فيه من شروط، بل هو من مقام النهي عن التحاكم إلى قضاة الجور والحث على إيجاد البديل عنهم من القضاة العدول المؤمنين. وعلى كل حال فربما تكون دلالة هذه الرواية على عدم اعتبار الاجتهاد أقوى من دلالتها على اعتباره، ولذا اعتبرها صاحب الجواهر ــ كما مرّ ــ دليلاً على عدم اعتبار الاجتهاد. 2- التوقيع الشريف الذي رواه الشيخ الصدوق بإسناده إلى إسحاق بن يعقوب وجاء فيه: "أما ما سألت عنه ــ أرشدك الله وثبتك ــ إلى أن قال: وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله"( ). وتقريب الاستدلال: أن الإمام(ع) جعل رواة أحاديثهم حجة على الناس، ورواة الأحاديث هم الفقهاء الذين يملكون ثقافة الأحاديث وفهم أبعادها والجمع بين متعارضاتها وتمييز غثها من سمينها فهؤلاء هم الذين يمكن أن يُحتج بهم على الناس دون الشخص المقلد الذي لا يستند في علمه إلى الأحاديث بل إلى فتاوى العلماء. ويلاحظ على ذلك: بأنه من غير الواضح دلالة التوقيع على اعتبار شرط الاجتهاد، وذلك لأنه لدى دراسة الظروف التاريخية التي مرّ بها الشيعة نجد أن همهم الأساسي كان معرفة أحكامهم الشرعية وتنظيم أوضاعهم على أساس تعاليم أهل البيت(ع)، وقد كان الإمام(ع) هو مرجعهم وملجأهم في حال الحضور أمّا بعد غيبة الإمام الثاني عشر(ع) وتعذر الاتصال به فقد أرجعهم إلى رواة أحاديثهم لا بوصف كون الرواة مجتهدين وعلى الأمة الأخذ بآرائهم، بل بوصفهم رواة أمناء لأحاديثهم، والشيعة ولو من خلال علمائهم سوف يتوصلون إلى معرفة أحكامهم من خلال دراسة هذه الأحاديث، فالتوقيع في الحقيقة يؤكد على حجية قول الرواة والأخذ منهم ويحث على حفظ الروايات من الضياع لأن ضياعها يساوي ضياع الدين، وهذا هو الذي يبرر وصف الرواة بأنهم حجة الإمام على الناس، لأنهم يملكون ما يحتاج إليه الناس من روايات أهل البيت وأحاديثهم التي يحتج بها الإمام على الناس. وعليه فالتوقيع لا نظر له إلى شرط الاجتهاد في القاضي، بل لا نظر له إلى مسألة القضاء كلياً. 3- خبر إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله(ع) قال أمير المؤمنين(ع) لشريح: «يا شريح قد جلست مجلسا لا يجلسه إلاّ نبي أو وصي نبي أو شقي»( ). وتقريب الاستدلال: أن الإمام(ع) حصر القضاء بالنبي والوصي، وهذا الحصر يدل على مكانة هذا المنصب، وبالتالي لا يسمح لأحد بالتصدي له إلا إذا اقترب في علمه وورعه من علم النبي أو الوصي وورعهما وهو ليس إلا المجتهد العادل. وفيه: إن ظاهر الخبر يمنع حتى المجتهد العادل من التصدي لهذا المنصب لأنه افترض أنّ من لم يكن نبياً أو وصي نبي فهو شقي، وهذا الظاهر مما لا يمكن الأخذ به لمعلومية ثبوت هذا الموقع لغيرهما في الجملة، ولهذا فما ذكر في تقريب الاستدلال لا يظهر من الخبر، فلا مناص من الالتزام بأن الحصر فيه ليس حقيقياً بل هو إضافي. ومن خلال ما ذكرناه من التعليق على خبر إسحاق بن عمار يتضح عدم صحة الاستدلال بكل الآيات أو الأخبار التي استدل بها على كون القضاء منصباً مختصاً بالنبي أو الإمام(ع) فيتوقف جواز النهوض بأعبائه على الأذن من النبي أو الإمام، ومن الآيات المذكورة قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}(النساء:65) وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}(النساء:59) وقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ}(النساء:105) ومن الروايات قوله(ع): اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين، لنبي أو وصي نبي"( ). فهذه لا دلالة فيها على شرط الاجتهاد لعين ما ذكرناه في التعليق على خبر إسحاق بن عمار. 4- مقبولة عمر بن حنظلة وفيها: "ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإني قد جعلته عليكم حاكماً..."( )، بتقريب أن ظاهر قوله(ع): "ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا" إرادة المجتهد وإلاّ لو قصد مطلق العالم لاكتفى بقوله: "عرف أحكامنا" فيكون الخبر واضح الدلالة على المطلوب. مناقشة المقبولة سنداً ودلالة: وقد مرّ الحديث حول سند الرواية والخلاف في صحتها وضعفها، وخلصنا هناك إلى صحة الاعتماد عليها لا لثبوت وثاقة عمر بن حنظلة، بل بناءً على مذهبنا في حجية الخبر الموثوق الصدور، وحيث أن المشهور عملوا بالرواية وتلقوها بالقبول حتى عرفت بالمقبولة، فيصح الاعتماد عليها ويحصل الوثوق والاطمئنان النوعي بصدورها. ولكن قد يلاحظ على دلالتها: بأنها لا تدل على شرط الاجتهاد بالمعنى المصطلح، والمقصود به القدرة على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية والتي تحتاج إلى الإلمام والمعرفة بعدة علوم كما هو معلوم، وإنما غاية ما تدل عليه ضرورة كون القاضي من أهل الفضل والعلم بحيث يعرف الحلال والحرام ويدرك معاني أخبار النبي والأئمة(ع) ولو لم يملك ملكة الاجتهاد، سيّما أنّ الاجتهاد بالمعنى الذي نعرفه اليوم لم يكن موجوداً في زمن الأئمة(ع) ولم يكن فهم الأخبار يقتضي ما يقتضيه ذلك اليوم من شروط وإمكانات وعلوم ومعارف، ولم تكن الوقائع والأحداث التي واجهت الأمة آنذاك قد بلغت من التعقيد والاتساع الحد الذي بلغته في عصورنا المتأخرة. شواهد على كفاية مطلق العلم: ومما يعزز ما قلناه أننا نجد روايات أخرى اعتبرت الميزان هو العلم كما هو الحال في رواية "القضاة أربعة"، بل من المحتمل جداً أن يكون "النظر" في المقبولة لا موضوعية له، وإنما هو طريق للعلم ومقدمة له، فيكون التقييد به محمولاً على غلبة حصول العلم به من بين طرق العلم لا على الاحتراز، فلا يصح التمسك به لإسقاط حكم غير المجتهد عن درجة الاعتبار ما دام يملك العلم بالحكم الشرعي، وهل يمكن الالتزام بعدم نفوذ حكم القاضي الذي يستفتي الإمام المعصوم فيما يعرض له من قضايا لمجرد كونه غير مجتهد! وهل أن الأشخاص الذين نصبهم رسول الله(ص) للقضاء بين الناس كانوا مجتهدين؟! وهل كان شريح القاضي مجتهداً عندما أبقاه الإمام في منصب القضاء؟! بالطبع لم يكونوا كذلك. وإنّ الروايات التي تؤكد أن الإمام(ع) أمر شريحاً مع عدم اجتهاده أن يعرض القضايا عليه تشهد لعدم موضوعية الاجتهاد وأن الأساس هو الحكم بالعلم والحق، وهكذا نجد في بعض الروايات أن بعض أصحاب الأئمة(ع) كانوا يتعلمون منهم الحكم في الواقعة ثم يقضون به كما في رواية عبد الله بن طلحة عن أبي عبد الله(ع) قال: سألته عن رجل سارق دخل على امرأة ليسرق متاعها فلما جمع الثياب تابعته نفسه فكابرها على نفسها فواقعها، فتحرك ابنها فقام فقتله بفأس كان معه، فلما فرغ، حمل الثياب وذهب ليخرج حملت عليه بالفأس فقتلته، فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد، فقال أبو عبد الله(ع): "اقضِ على هذا كما وصفت لك..."( ). ثم لو سلّمنا بدلالة مقبولة ابن حنظلة على لزوم توفر الاجتهاد في القاضي حصل التنافي بينها وبين معتبرة أبي خديجة والتنافي حاصل بين منطوق المعتبرة ومفهوم المقبولة، ومفاد المنطوق هو: من يعلم شيئاً من قضايانا فهو منصوب، ومؤدى المفهوم هو: من لم يرو حديثنا ولم ينظر في حلالنا وحرامنا فهو غير منصوب ولا يؤذن له في القضاء، فهل يمكن الجمع بينهما؟ يمكن طرح عدة وجوه للجمع بينهما، وبعضها وجوه تبرعية لا يعوّل عليها، والوجه الذي يمكن قبوله هو: أن التنافي بينهما هو الإطلاق والتقييد، فالمعتبرة مطلقة وتدل بمنطوقها على شرعية قضاء كل من علم شيئاً من قضاياهم، بينما المقبولة مقيَّدة حيث دلت على شرعية قضاء من روى أحاديثهم ونظر في حلالهم وحرامهم وعرف أحكامهم، وعليه فتقدم المقبولة على المعتبرة لمكان التقييد ويصبح المعنى بعد الجمع أن من روى حديثهم ونظر في حلالهم وحرامهم وعلم شيئاً من قضاياهم فهو مأذون في القضاء. إل أن هذا الوجه من الجمع لا وجه له لما عرفت عن عدم المنافاة بين المقبولة والمعتبرة لأنها تصبّان في اتجاه واحد، وتؤكدان على حقيقة واحدة يمكن أن تستفاد من مجموع الروايات والأدلة هي: أن من الضروري أن يملك القاضي من العلم بالأحكام الشرعية ما يستطيع من خلاله أن يقوم بأعباء منصبه ولو لم يكن يملك ملكة الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية، وعليه فما ذهب إليه في الجواهر من كفاية مطلق العلم بما يستطيع بواسطته أن يحكم بالعدل ولو كان مقلِّداً هو الصحيح. وأمّا ما نوقش به صاحب الجواهر بأنه لا يمكن التمسك بإطلاق ما ذكره من أدلة لإثبات عدم اشتراط الاجتهاد في القاضي، لأنه لا إطلاق في تلك الأدلة باعتبار أنها ناظرة إلى ضرورة الحكم بالحق والعدل وليست في مقام تحديد مواصفات القاضي. فيلاحظ عليه: بأن تلك النصوص والأخبار واردة لبيان الأساس الذي يجب أن يقوم عليه القضاء والهدف الذي يلزم أن يحققه، وهي دالة بنحو من أنحاء الدلالة على أن شخصية القاضي لا موضوعية لها وأنها ليست أساساً ترتكز عليه مشروعية عمل القاضي. وبذلك ينفتح أمام القضاء الإسلامي المعاصر بابٌ واسعٌ، لأن توفير العدد الكافي من القضاة المجتهدين لحل مشاكل الأمة المتزايدة أمر في غاية الصعوبة بل هو غير ممكن من الناحية العملية، كما هو ملحوظ في الجمهورية الإسلامية في إيران التي عانت ولا تزال من هذه المشكلة. ومما تقدم يتبيّن أنه لا مانع من تصدي المجتهد المتجزئ للقضاء، إذ لم يثبت اعتبار الاجتهاد المطلق، وهذا ما مال إليه أو اختاره بعض الفقهاء كما أسلفنا، ومنهم السيد اليزدي إذ قال: "وأمّا المتجزّئ بناءً على إمكانه فالأحوط عدم نفوذ قضائه خصوصاً مع وجود غيره، وإن كان لا يبعد جوازه إذا كان مجتهداً في أحكام القضاء لخبري أبي خديجة"( ). اشتراط الأعلمية: بناءً على اشتراط الاجتهاد في القاضي فهل يلزم أن يكون أعلم المجتهدين؟ فلا يجوز على هذا تصدي من لا يحرز أنه الأعلم ولا يجوز الرجوع إليه ولا ينفذ حكمه، أم لا تشترط الأعلمية فيه بل يكفي الاجتهاد؟ قال الشهيد الثاني في المسالك: "إذا وجد الإمام اثنين صالحين للقضاء لكن أحدهما أعلم من الآخر، فلا إشكال في رجحان تقديم الأعلم. لكن هل يتعين ذلك، أم يجوز تولية المفضول؟ فيه قولان مرتبان على أن المقلِّد هل يجب عليه تقليد أعلم المجتهدين، أم يتخير في تقليد من شاء منهم؟ فيه قولان للأصوليّين والفقهاء. أحدهما: الجواز، لاشتراك الجميع في الأهلية، ولما اشتهر من أن الصحابة كانوا يفتون مع اشتهارهم بالاختلاف في الأفضلية، ومع تكرر الإفتاء لم ينكر عليهم أحد من الصحابة، فيكون إجماعاً منهم على جواز تقليد المفضول مع وجود الأفضل، ولأن تعيين الأرجح للتقليد يتوقف على ترجيح العامي، والعامي لا يمكنه الترجيح، لقصوره. وهذا هو الذي اختاره المصنف رحمه الله في هذه المسألة، محتجاً بأن نقصه ينجبر بنظر الإمام المولي له. وهذا معنى زائد على أصل التقليد في غير هذه المسألة. والثاني: وهو الأشهر بين الأصحاب: المنع، لأن الظن بقول الأعلم أقوى منه بقول المفضول، وإتباع الأقوى أولى، لأن أقوال المفتين بالنسبة إلى المقلد كالأدلة، فكما يجب العمل بالدليل الراجح يجب تقليد الأفضل. ورواية عمر بن حنظلة عن الصادق(ع) السابقة صريحة في هذا، فإنه قال ــ بعد ما نقلناه منها وأمره(ع) بالرجوع إلى العالم بالأحكام ــ قلت: "فإن كل واحد منهما اختار رجلا وكلاهما اختلف في حديثنا، قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما، ولا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر"، وهذه الرواية هي مستند القائل بذلك من الأصحاب، لشهرة مضمونها بينهم، وتلقيّهم لها بالقبول. ويضيف الشهيد الثاني: وفي كل واحد من الأدلة من الجانبين نظر: أما الأول: فلمنع كون اشتراكهم في أصل الأهلية بالنظر إلى أنفسهم يقتضي تساويهم بالنظر إلى الغير، وهل ذلك إلا عين المتنازع؟ واستفتاء الصحابة مع تفاوتهم في الفضيلة لا يجري على أصول الأصحاب كما لا يخفى. والعامي يمكنه معرفة الأفضل بالتسامع، كما أمكنه معرفة المتأهل لأصل الفتوى من غيره. وما ذكوه المصنف ــ رحمه الله ــ من انجبار نقص المفضول بنظر الإمام إنما يتمّ مع قربه منه واطلاعه على أحكامه، لا في البعيد عنه على وجهٍ ربما لا يعلم شيئا من وقائعه في جميع الأوقات أو في أوقات متطاولة، والمسألة أعم من كونه قريباً وبعيداً. وأما الثاني: فلمنع كون الظن بقول الأعلم أقوى مطلقاً، فإن مدارك الظن لا تنضبط، خصوصا في المسائل الشرعية، فكثيراً مّا يظهر رجحان ظن المفضول على ظن الفاضل في كثير من المسائل الاجتهادية. وفرق بين أقوال المفتين وأدلة المستدل، لأن المستدل يمكنه ترجيح بعض الأدلة على بعض، بخلاف العامي بالنسبة إلى الأقوال. والرواية نص في المطلوب، لكن قد عرفت ما في طريقها، فإن تم الاستدلال بها لانجبار ضعفها بالشهرة فهي العمدة، وإلاّ فلا( ). أقول: نقلنا كلام الشهيد الثاني بطوله لما فيه من فوائد، والتحقيق أن أهم ما يكمن أن يستدل به على اشتراط الأعلمية أمور: الأول: التمسك بالأصل، فإن نفوذ حكم أحد على غيره على خلاف الأصل، والقدر المتيقن من ذلك نفوذ حكم الأعلم. ولكنك عرفت مراراً أنه لا مجال لتمسك بالأصل في موردنا، سيما مع وجود بعض المطلقات التي ستأتي الإشارة إليها. الثاني: قياس ما نحن فيه على التقليد فكما أن الأعلمية شرط في الإفتاء، فهي شرط في القضاء. وفيه أولاً: إنّا لم نوافق على شرط الأعلمية في الإفتاء لعدم تمامية الأدلة على ذلك. وثانياً: لو تمت تلك الأدلة فهي تختص بباب التقليد، ولا تشمل القضاء، فالسيرة العقلائية ــ مثلا ــ التي هي أهم دليل على شرط الأعلمية في المفتي لو سلَّمنا بها فهي تجري من باب الفتوى، وأما في باب القضاء فلم يعهد جريان سيرة العقلاء على الرجوع إلى أعلم القضاة، والعرف ببابك. الثالث: ما جاء في المقبولة واعتبره الشهيد نصاً في المطلوب لكنه استشكل في سندها، والفقرة التي هي محل الشاهد هي "قلت: فإنّ كل واحد منهما اختار رجلاً وكلاهما اختلف في حديثكم؟ قال: الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما"( ). وفيه: إن ما هو محل نظر الإمام(ع) في المقبولة هو حالة تعارض القاضيين في الحكم على قضية بعينها، كما يدلل على ذلك قول السائل وافتراضه أن كل واحد من المتنازعين رفع القضية إلى حاكم غير الذي اختاره الآخر، واختلف الحاكمان في بيان الحكم أو مدرك الحكم، وهذا ليس هو محل كلامنا، فإن محل كلامنا في تعيّن الترافع إلى الأعلم عند التنازع. الرابع: ما ورد في العهد الذي أرسله أمير المؤمنين(ع) إلى مالك الأشتر واليه على مصر وجاء فيه: "... ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ، مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَلَا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ، وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ، وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ، وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ، وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ، وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ، وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ، وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ، وَأَصْبَرَهُمْ عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ، مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ، وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ"( ). وقد نوقش في سند العهد بحسب طريق الشيخ الطوسي وأما بحسب طريق الشيخ النجاشي فهو ضعيف حتماً( ) لاشتماله على بعض من لم تثبت وثاقته مثل ابن أبي جيد والأصبغ بن نباتة، وإن كان السيد الأستاذ(قده) قد وثّق الأول لأنه من مشايخ النجاشي وهو يرى وثاقة مشايخ النجاشي( ) ووثّق الثاني أيضاً في مبناه القديم في وثاقة رواة كتاب كامل الزيارات، ولكن هذا المبنى بنظرنا غير تام، ولكننا نعتقد أنه يكفي للحكم بوثاقة الأصبغ ما ذكره الشيخ والنجاشي في ترجمته من أنه كان من خاصة أمير المؤمنين( )(ع)، وأما باقي رجال السند فيمكن الحكم بوثاقتهم. والذي يهوّن الخطب أن قوة مضامين العهد وشهرته الواسعة عند الشيعة تغنيان عن البحث في رجال سنده، بناءً على مبنانا في حجية الخبر الموثوق به نوعاً، سيما أنه لا داعي للكذب في نسبة هذا العهد إلى أمير المؤمنين. وعليه فلا مشكلة في سند العهد، ولكن الكلام في دلالة الفقرة الآنفة على المدعى، والظاهر أنها لا تتم لأن سياقها هو سياق المستحبات والفضائل والصفات الأخلاقية التي يحسن بالقاضي أن يتزيّن بها، ولم يلتزم أحد بوجوب أن يتوفر كل ما ذكر في الفقرة الآنفة في القاضي، فهو إذن في مقام ذكر الآداب ومحاسن الأخلاق ليس إلاّ. وقد سجل بعض المعاصرين( ) على دلالة العهد ملاحظتين: 1- "أن كلمة أفضل لا تعطي معنى أعلم كي يثبت المقصود بل تعطي الترجيح من حيث مجموع الجهات". ويلاحظ عليه: بأن كلمة أفضل ليست مساوقة لمعنى "أعلم" لكنها شاملة لذلك، فمن لم يكن أعلم فليس هو الأفضل. 2- "أنه لم يعلم كون هذا حكماً شرعياً أو حكماً ولائياً نافذ المفعول إلى الآن، إذاً الموقف يناسب كونه من تعاليمه بما هو رئيس الحكومة، لمالك الأشتر بما هو منصوب من قبله". ويلاحظ عليه: أن الإمام(ع) في عهده للأشتر كان في مقام بيان البرنامج الإسلامي للوالي وما يلزمه الأخذ به أو ينبغي التحلي به وإتباعه من أساليب وطرق في إدارة الدولة وتسيير شؤونها، لا أنه ينطلق من حالة خاص يمارس فيها الوالي ولايته وصلاحياته فيفرض بعض الأمور الطارئة التي لم يُلزم بها الشارع ليكون أمره بحجم المرحلة، خصوصاً مع التعليلات الواردة في كلامه مما يتناسب مع كل الأزمان لا زمن دون زمن. فالصحيح في الاعتراض على دلالة العهد هو ما ذكرناه من أنه لا دلالة فهي على لزوم ما ذكر فيه من مواصفات. أدلة عدم اشتراطية الأعلمية: وهذا يتبيّن أنه لا دليل على شرط الأعلميّة بل يمكن القول أن الدليل قائم على عدم اعتباره وذلك: أولاً: أن ما تقدم من شواهد على عدم اعتبار الاجتهاد تدل على عدم اشتراط الأعلمية بالأولوية، وأهم تلك الشواهد والأدلة هي بعض الإطلاقات التي لو قبلنا بدلالتها على أصل الاجتهاد فمن الصعب قبول دلالتها على الأعلمية، فإن تلك الروايات حتى ما افترض دلالاته على شرط الاجتهاد مطلقة ولم تنص على قيد الأعلمية مع مسيس الحاجة إليه وشدة الابتلاء بالمسألة. وإن قيل: إن تلك الأدلة ليست في مقام البيان من هذه الجهة ولا إطلاق فيها لمثل المورد ليمكن التمسك به لنفي اشتراط الأعلمية، لأنها بصدد الحث على الحكم بالعدل والنهي عن الرجوع إلى قضاة الجور وليست في صدد بيان مواصفات القاضي. قلنا: إن تلك الأدلة واردة مورد بيان التكليف الفعلي للناس، وتقدم لهم برنامجاً فعلياً يسيرون عليه ليتخلّصوا من مشكلة الترافع إلى حكام الجور، فلو كان شرط الأعلمية معتبراً لكان من المفترض التركيز عليه وبيانه، منعاً لتأخير البيان عن وقت الحاجة. ثانيا: إن اشتراط الأعلمية في القضاء يجعله متعذراً، لندرة وجود الأعلم بل هو منحصر في كل عصر بشخص واحد أو اثنين مثلاً، ومن الواضح أنه لا يمكن للواحد والاثنين القضاء بين كل الناس، وهذا يؤدي إلى تعطيل الجهاز القضائي من الناحية العلمية وبالتالي شيوع الفوضى واختلال النظام. هذا مضافاً إلى صعوبة تحديد الأعلم وتشخصيه. إيكال القضاء لغير أهله: على تقدير اختيار الاجتهاد في القاضي وعدم نفوذ حكم المقلِّد، فهل يمكن للفقيه أن يوكّل المقلِّد في القضاء ويأذن له به؟ وهذه مسألة تعتبر من متفرعات القول باعتبار الاجتهاد في القاضي ولا موضوع لها على المختار من كفاية الفضيلة والقدرة على الإحاطة بالقضاء والنهوض بأعبائه ولو عن تقليد، ولكننا رغم ذلك نبحثها تبعاً للفقهاء، ولما يترتب عليها من الفوائد العلميّة، بل يمكن القول بجريان البحث فيها حتى على المختار، إذ يأتي السؤال هل يجوز للعالم ذي الفضيلة أن يوكل غيره ممن لا يملك الأهلية في القضاء؟ وهل يفرّق في حكم المسألة بين صورتي الاختيار والاضطرار، وهل يفرَّق بين مقدمات الحكم ونفس الحكم؟ التوكيل في المقدمات: ذهب الشهيد الثاني في المسالك إلى جواز التوكيل في مقدمات الحكم ممّا لا يحتاج إلى الاجتهاد، قال(قده): "فيعتبر في النائب كونه مجتهداً، إلا أن يفوَّض إليه أمراً خاصاً لا يتوقف على اجتهاد، كسماع البيّنة ونقلها إليه، أو في التحليف بعد أن يسمع الحاكم البينة، دون الحكم، فيكفيه العلم بشرائط ذلك"( ). وهذا ما ذهب إليه السيد اليزدي في ملحقات العروة إذ قال: "يجوز للمجتهد أن يستنيب في بعض مقدمات وأجزاء القضاء مما لا يتوقف على الاجتهاد، سواءً كان النائب مجتهداً أو عامياً، مثل سماع البيّنة ونقلها إليه، فيما إذا علم مثلاً بعدالة زيد وعمرو وأنهما يشهدان بكذا، فوكّل من يسمع شهادتهما وينقلها إليه..." ( ). والظاهر صحة ما ذهب إليه هذان العلمان وغيرهما من جواز التوكيل في مقدمات القضاء تمسكاً بعمومات الوكالة التي لا مانع من التمسك بها في المقام. التوكيل في القضاء: وأما التوكيل في القضاء نفسه أعني في الحكم فهو محل خلاف ففي المسالك: لا يجوز، وفي الجواهر مال إلى الجواز ونسب إلى الفاضل القمي اختياره. قال في المسالك: "ومن هنا يظهر أن المجتهد في حال الغيبة لا يمكنه تولية أحد للحكم بين الناس مطلقاً، لأن النائب إن كان مجتهداً كان أصلاً كالمستنيب... وإن كان مقلدا لم ينفذ حكمه مطلقاً"( ). وقال في الجواهر ما ملخصه: "إن لم يكن إجماع، لا مانع من التوكيل في إنشاء صيغة الحكم من قول: "حكمت" ونحوه، نحو إنشاء صيغة الطلاق... كما أنه قد يقال ــ إن لم يكن إجماع ــ بجواز تولية الحكم للمقلد على أن يحكم بفتوى مقلده مثلاً... ولعله لذا حكي عن الفاضل القمي جواز توكيل الحاكم مقلِّده على الحكم بين الناس بفتاواه على وجه يجري عليه حكم المجتهد المطلق، وهو قوي إن لم يكن إجماع..."( ). أدلة القول بالجواز: يبدو من كلام صاحب الجواهر أن ثمة دليلين على جواز توكيل المجتهد غيره في القضاء: الأول: التمسك بعمومات أدلة الوكالة، فإنها شاملة للمقام كما تشمل الطلاق، وافترض أنها لا تشمل التوكيل في سماع البينة والتحليف ونحوهما فحسب بل تشمل التوكيل في إنشاء صيغة الحكم، بل إن شمولها لذلك هو بالأولوية( ). الثاني: التمسك بما دل على أن المجتهد حجة على الناس بما كان الإمام(ع) فيه حجة عليهم، وحيث أن من صلاحيات الإمام(ع) تعيين من شاء للقضاء ولو كان مقلِّداً فكذا الفقيه( ). ويلاحظ على الدليل الأول بعدة ملاحظات: أولاً: إن عمومات الوكالة مختصة بالمورد الذي لا تشترط فيه المباشرة، وموضوعها ما كان قابلاً للتوكيل وقيام الغير به، فلا بد من إحراز كون المورد قابلاً لقيام الغير به، وفي المقام يشك في كون القضاء قابلاً للتوكيل وعليه فلا يصح التمسك بالعمومات المذكورة. وبعبارة أخرى: إن أدلة الوكالة أنها تشمل الموارد التي تصح نسبة الفعل فيها إلى الموكِّل كما هو شأن الأمور الاعتبارية الإنشائية التي لم يقم دليل على اختصاص صدورها بشخص الموكِّل، والتي يكون عمل الوكيل فيها عمل الموكِّل سواء بسواء، بحيث يصح نسبة الفعل إليه لتترتب عليه آثاره، وهذا ما لا تحقق له في موردنا، إذ قضاء الوكيل لا يصح نسبته إلى الموكِّل كما لا يخفى. ثانياً: إن ظاهر أدلة اشتراط الاجتهاد ــ لو تمت ــ هو مباشرة المجتهد لأمر القضاء بنفسه، فتكون بنفسها دليلاً على عدم أهلية المقلِّد لتولي أمر القضاء ولو بالوكالة. ثالثاً: إن الوكالة إنما تجوز في صورة ما إذا كان متعلقها مشروعاً، بحيث يصح للوكيل القيام به في أصل الشرع، فيمكن للموكِّل حينئذٍ أن يوكل فيه على تقدير قابلية الفعل للتوكيل، فتترتب عليه آثاره المجعولة، فإذا قام الدليل على عدم جواز قضاء المقلِّد، وأن حكمه غير نافذ شرعاً فيكون توكيله في ذلك ممنوعاً شرعاً( ). وبعبارة أخرى: إن أدلة الوكالة ليست مشرِّعة فلا تجعل للأمر الموكَّل فيه شرعية، بل لا بد من إحراز شرعيته من خارج لينظر بعدها في صحة التوكيل أو عدمها. وأما الدليل الثاني: فقد يناقش فيه صغروياً وكبروياً، لأن دعوى جواز تولية الفقيه لغيره من منصب القضاء مبني على صغرى وكبرى. والأولى: هي أن للإمام ولاية على تعيين من شاء لمنصب القضاء ولو لم يكن مستجمعاً للشرائط. والثاني: إن كل ما للإمام من الصلاحيات فهو ثابت للفقيه إلا ما خرج بالدليل ولا دليل على خروج ما نحن فيه. ولكنّ المقدمتين ممنوعتان أو على الأقل محل نظر: أما الصغرى: فلأنه يمكن أن يقال: إن مسألة الولاية ليست صفة تشريعية بل تنفيذية، ودور الولي إماماً كان أو غير إمام هو أن ينفذ حكم الله وشريعته، فالولي بما هو ولي والقاضي بما هو قاضٍ ليس مشرّعاً، إنما ينحصر دوره في تطبيق شرع الله وتدبير أمور الناس على ضوء القانون الإسلامي، هذا القانون الذي لا يجوز لأحد تغييره أو تجاوزه ولا يملك أحد صلاحية ذلك، باستثناء ما يدخل في باب التزاحم وتقديم المصلحة الإسلامية العليا، وعليه فلو ثبت عندنا اعتبار شرط الاجتهاد في القاضي فلا يجوز ــ من حيث المبدأ ــ حتى للمعصوم تنصيب من لم يكن مجتهداً لأنه لا ولاية له على ذلك. ولا نريد القول: أن الإمام إذا ولّى غير المجتهد فلا يقبل منه بل نريد القول: بما أنه لا يجوز توليته، فلا يصدر ذلك عن الإمام فرض عصمته. وأما الكبرى: وهي أن كل ما للإمام من وجوه الولايات فهو ثابت للفقيه، فممنوعة أيضاً، لأن كل ما استدل به على ولاية الفقيه العامة وأن له ما للإمام مردود ومناقش فيه دلالة وسنداً، وهذا له بحث آخر لكن ما نستطيع أن نقوله هنا باختصار: إن ما ورد في الروايات بلسان "العلماء ورثة الأنبياء، وذاك أن الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم... فانظروا علمكم هذا عمّن تأخذونه"( ) أو: "الفقهاء أمناء الرسل"( ) أو "مجاري الأمور بيد العلماء الله الأمناء على حلاله وحرامه"( )، أو "اللهم ارحم خلفائي... الذين يأتون من بعدي ويرون حديثي وسنتي"( ) أو نحو ذلك، فذلك كله لا دلالة فيه ــ لو صح سنداً ــ على الولاية بل إن ظاهر هذه الأخبار وسياقها خير شاهد على أن العلماء قائمون مقام الأنبياء والأئمة في تبليغ الأحكام وبيانها ونقل الآيات والروايات وتفسيرها، والدفاع عن الشريعة وحراستها. وأما التوقيع المروي عن الإمام الحجة(عج)( ) فلا دلالة له على الولاية العامة كما أسلفنا الحديث عن ذلك، وقلنا أنه لا يدل على أزيد من كون العلماء حجة على الناس في بيان الأحكام الشرعية. التفصيل بين الصفات: وربما فصّل بعضهم( ) في الشروط والصفات، فكل شرط ثبت اعتباره بأصل الشرع وبعنوان كونه حكماً إلهياً مولوياً فهذا لا يجوز للفقيه تجاوزه وتوكيل الفاقد له في القضاء لأن هذا خلال أحكام الشريعة، وولاية الفقيه إنما هي في دائرة الأحكام الإسلامية لا خارجها، ومثّل لذلك بشرط العدالة، أما الشرط الذي لم يثبت اعتباره في أصل التشريع، بل غاية ما هناك أن الدليل دل على أن الولي المعصوم اعتبره في مقام استعمال ولايته في نصب القاضي وتعيينه، فكان نصبه مقيداً بحدود هذا الشرط من دون أن يدل الدليل على اشتراطه من قبل الشريعة الإسلامية نفسها، وهذا من قبيل شرط الاجتهاد الذي استظهر اشتراطه من قوله(ع): "ينظران من كان منكم ممَّن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً، فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً"، ففي مثل هذا الشرط، يجوز للفقيه نصب من كان فاقداً له، لأن نصبه قاضياً ليس فيه تجاوز للأحكام الشرعية، لأنه لم يثبت اعتباره من قبل الشريعة الإسلامية، وأخذ الإمام له لا يحتّم على الفقيه أخذه في دائرة نصبه الخاص، إذ من الطبيعي أن يتخذ الإمام(ع) احتياطات في النصب العام الذي لا يختص بشخص معين ولا زمان أو مكان معيّنيْن بما لا يهتم به في النصب الخاص لشخص خاص أو في مقطع زماني أو مكاني خاص. وعند الشك في شرك أنه ملحوظ في أصل التشريع أو أنه شرط أخذه الإمام(ع) في نصبه العام فلا يصح التمسك بإطلاق ما استدل به لولاية الفقيه لافتراض أنه ليس شرطاً في أصل التشريع لأنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، هذه خلاصة كلامه. ويلاحظ عليه: إن الظاهر من المقبولة أن شرط الفضيلة ــ كما استقربنا ــ أو الاجتهاد ــ كما فهم المشهور ــ هو شرط ثابت في أصل التشريع وليس شرطاً ولايتياً وذلك بقرنية ما سبق هذه الفقرة من النهي عن الترافع إلى قضاة الجور لأنه تحاكم إلى الطاغوت وقد أمروا بالكفر به كما نصت الآية الشريفة: {يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ}(النساء:60)، فإن حرمة الترافع إلى الطاغوت حرمة ثابتة في أصل الشرع وليست حرمة سلطانية كما لا يخفى. كما أن كل الأحاديث التي دلت على شرط العلم ظاهرة في كونه شرطاً ثابتاً في أصل الشرع وحملها على الأوامر السلطانية خلاف الظاهر جداً. فتحصل أنه على القول باشتراط الاجتهاد فليس ثمة ما ينهض دليلاً لإثبات جواز توكيل المجتهد مقلِّده أو استنابته في أمر القضاء، ومعه فعدم نفوذ حكم الفاقد لملكة الاجتهاد على طبق القاعدة، ولا نحتاج إلى البرهنة عليه بالإجماع الذي لهجت به ألسنة الفقهاء المعاصرين للشيخ صاحب الجواهر ومن تقدمهم( ) لأن هذا الإجماع غير متحقق كما ذكر في الجواهر ولاحتمال استناد المجمعين على الوجوه المتقدمة فلا يكون كاشفاً عن رأي المعصوم. وعلى أية حالة فما اخترناه من عدم اشتراط الاجتهاد في القاضي يغنينا عن خوض غمار هذا البحث برمته، إذ لا مانع من أن يتصدى للقضاء الإنسان الفاضل الذي عنده إلمام بالفتاوى والأحكام الشرعية ويتمكن من تحريكها في مواردها ويتقن إدارة العمل القضائي وشروطه وقواعده، وربما كان بعض الفضلاء أعرف بإدارة شؤون القضاء من بعض المجتهدين الذي يعيشون مع الكتاب أكثر مما يعيشون مع الواقع. نعم الكلام قد ينقل إلى هذا العالم الفاضل فهل يجوز له توكيل العامي الذي لا أهلية ولا فضيلة له؟ وقد اتضح مما تقدم أنه هذا التوكيل لا يجوز لعدم الدليل عليه حالات الضرورة: وما تقدم كان في حالات توفر ما يكفي من المجتهدين أو أهل الفضل ــ حسب رأينا ــ لإدارة العملية القضائية، وأما في حالة عدم وجود ما يكفي منهم للنهوض بأعباء القضاء، كما هو الحال في أيامنا هذه، فهل يمكن للفقيه أو للولي الفقيه أن ينصّب ويعيّن قضاة لا يملكون العلم الكافي الذي يسمح بتصديهم لشؤون القضاء؟ الظاهر أنه لا مانع من ذلك بل هو جائز( )، وذلك بتقريب أن الله سبحانه شرّع من القوانين ما يكفل حفظ نظام الأمة وأراد لها أن تشيع في الناس وتنتشر بغرض تحقيق الاستقرار والأمن الاجتماعي، فلو كان النظام لا يستقر بالشكل المطلوب بتصدي القضاة المجتهدين ــ مثلاً ــ لشؤونه، لعدم كفايتهم وكان يمكن لغيرهم المساهمة في تحقيق الأمن الاجتماعي وفرض النظام ومنع الفوضى أو الحد منها، فيكون ذلك دليلاً على شرعية قضائهم، لأننا لا نعلم علم اليقين بأن الشارع لا يرضى بإهمال أمور المجمع أو ترك الخصومات بدون علاج وحل. 2- أقسام القاضي اشتهر بين الفقهاء تقسيم القاضي إلى قسمين: 1- القاضي المنصوب: ويقصد به اصطلاح الفقهاء ذاك الذي يعينّه النبي(ص) أو الإمام(ع) أو نائبهما الخاص، أو العام ــ على القول بعموم الولاية للفقيه ــ بتعيين شخصي، أو بتعيين عام، وقد فصّلنا القول في الأبحاث السابقة عن ضرورة النصب العام والدليل عليه، كما أن الحديث السابق عن الشروط والمواصفات المعتبرة شرعاً فيمن يتصدى لمنصب القضاء كان حديثاً يأخذ القاضي المنصوب بعين الاعتبار. 2- قاضي التحكيم: وثمة قسم آخر من القضاة يصطلح عليه بقاضي التحكيم، ويقصد به الشخص الذي يتراضى به المتنازعان ويتفقان على الرجوع إليه حكماً بينهما وملزماً لهما من خلال ما يحكم به، مع عدم كونه منصوباً ممن له حق النصب. ومن خلال هذا التعريف لقاضي التحكيم يتضح خروج نوعين من الناس عن دائرته وموضوعه: الأول: القاضي المنصوب الذي يكون حكمه لازماً نافذاً على المتخاصمين استناداً إلى ما دلّ على مشروعية قضائه، أو على نصبه. الثاني: الشخص الذي يرجع إليه المتخاصمان لا ليقضي ويحكم بينهما فيما اختلفا فيه وإنما ليصلح أمرهما ويقدم لهما المشورة والنصيحة ويعمل على إرشادهما وإقناعهما بحلٍ يتراضيان عليه ويخرجهما عن حالة النزاع والتخاصم، ويمكننا تسميته بالمصلح الاجتماعي، وهذا نظير الحَكَم الذي يسعى للاصطلاح بين الزوجين وتحدّث عنه القرآن في قوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا}(النساء:35). فالحَكَم المذكور في الآية يراد به المصلح الذي يساعد الزوجين في تسوية خلافاتها وتقريب وجهات نظرهما ورفع العوائق التي قد تحول دون تحقق التفاهم بينهما، ومثل هذا لا يدخل في عنوان قاضي التحكيم اصطلاحاً، وإنما كلام الفقهاء فيمن يرجع إليه المتنازعان ليقضي ويحكم بينهما ويكون حكمه نافذاً في حقهما وملزماً لهما. إذا اتضح المراد بقاضي التحكيم يأتي السؤال عن مدى مشروعية الترافع إليه ونفوذ حكمه، فهل في الشريعة ونصوصها ما يدل على إمضاء التحاكم إليه ولزوم الانقياد لحكمه بعد صدوره؟ هل يتصور وجوده في زمن الغيبة؟ لكن قبل الدخول في بيان ما استدل به على شرعية قاضي التحكيم لا بد من تسليط الضوء على أمر هام وقع البحث فيه بين الفقهاء وهو أنه هل يمكن تصور قاضي التحكيم في عصر الغيبة أو أن ذلك من مختصات عصر الحضور؟ والإجابة على هذا التساؤل ترتبط بنقطة أخرى وهي أنه هل يشترط في قاضي التحكيم كل ما يشترط في القاضي المنصوب من الشرائط؟ فإن كان الجواب بالإيجاب، فقد يقال حينئذٍ بأن فرض قاضي التحكيم في عصر الغيبة غير متصور، لأنه مع توفر الشروط في شخص ما يكون قاضياً منصوباً من قبل المعصومين(ع) وليس قاضي تحكيم، ولذا قال في الرياض: "وأرى البحث في هذه المسألة قليل الفائدة، بناءً على اختصاصها بزمان حضوره(ع) دون غيبته، وذلك لإجماعهم على الظاهر المصرّح به في الروضة والمسالك على اشتراط الحكم فيها باستجماع الواحد، الذي إليه تحاكما وبه تراضيا لجميع صفات القاضي المنصوب من قبله(ع) وشرائطه التي قدّمناها، سوى نص من له الولاية بالعموم أو الخصوص، وفرضه في زمان الغيبة غير متصور، بناءً على ما سيأتي من تحقق الإذن العام في القضاء لمن استجمع تلك الشرائط، فإذا حصلت له حالتها في رجل كان مأذوناً، وإن فقدت فيه لم يجز له القضاء مطلقا ولو كان الإمام حاضراً"( ). ونبّه لهذا الأمر في المسالك أيضاً حيث أفاد أنه لو كان يشترط فيه ما يشترط في القاضي المنصوب من الشرائط التي من جملتها كونه مجتهداً "فقاضي التحكيم مختص بحال حضور الإمام، ليفرّق بينه وبين غيره من القضاة بكون القاضي منصوباً وهذا غير منصوب من غير الخصمين، أمّا في حال الغيبة فسيأتي أن المجتهد ينفذ قضاؤه، لعموم الإذن، وغيره لا يصحّ حكمه مطلقاً، فلا يتصور حالتها قاضي التحكيم"( ). وهذا الكلام وجيه ولذا لا تظهر ثمرة مهمة للبحث حول شرعية قاضي التحكيم إلا إذا افترضنا أنه لا يشترط فيه جميع مواصفات القاضي المنصوب، كما هو ظاهر الشهيد في اللمعة على ما نبّه عليه صاحب الرياض( )، وكما هو مذهب السيد الأستاذ حيث نفى اعتبار شرط الاجتهاد فيه، قال(قده): "وأما قاضي التحكيم فالصحيح أنه لا يعتبر فيه الاجتهاد خلافاً للمشهور وذلك لإطلاق عدة من الآيات..."( ). أدلة مشروعية قاضي التحكيم: وبالعودة إلى صلب الموضوع وهو الحديث عن مشروعية التحاكم والترافع إلى قاضي التحكيم ونفوذ حكمه نقول: المشهور بين فقهاء الفريقين جواز التخاصم إليه ونفوذ حكمه في حق المترافعين بل ادعي على ذلك الإجماع وإليك بعض كلماتهم في ذلك: قال الشيخ في الخلاف: "وإذا تراضى نفسان برجل من الرعية يحكم بينهما، وسألاه الحكم بينهما، كان جائزا بلا خلاف، فإذا حكم بينهما لزم الحكم"( ). وقال المحقق في الشرائع: "نعم، لو تراضى خصمان بواحد من الرعيّة وترافعا إليه فحكم لزمهما الحكم"( ). وفي الجواهر: "نعم قد ذكر غير واحد من الأصحاب، بل لم يذكر أحد فيه خلافاً، بل ظاهر بعضهم وصريح آخر الإجماع عليه، أنه لو تراضى الخصمان بواحدٍ من الرعيّة فترافعا إليه فحكم لزمهما حكمه وإن كان هناك قاضٍ منصوب، بل وإن كان إمام"( ). ولكن قد يبدو من كلام صاحب المسالك التشكيك في نفوذ حكمه إذ أنه قال: "ومنع منه جماعة من العامة، لأنه على خلاف الأصل، وفيه تفويت الولاية على القاضي المنصوب، وتفويت رأيه ونظره. مع كون الخبر من طريقهم، فورود هذا الوجه عندنا أولى"( ). وقال النووي في روضة الطالبين: "هل يجوز أن يحكّم الخصمان رجلاً غير القاضي، وهل لحكمه بينهما اعتبار؟ قولان أظهرهما عند الجمهور نعم، وخالفهم الإمام والغزالي، فرجّحا المنع..." ( ). الأول: الآيات القرآنية: منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}(النساء:58)، وقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {الظَّالِمُونَ} {الْفَاسِقُونَ }(المائدة:44، 45، 47). حيث دلت بإطلاقها ــ كما ذكر السيد الخوئي (قده) ــ على جواز الحكم من قبل الناس من دون أن يؤخذ في ذلك أيُّ شرط من شرائط القاضي المنصوب بما في ذلك الاجتهاد( ). وأورد عليه بأن "هذه الآيات إنّما هي بصدد بيان أنّ الإنسان حينما يحكم يجب أن يكون حكمه عادلاً وأن يحكم بما أنزل الله، أما متى يحكم ولمن يجوز الحكم؟ فهذه مسألة أخرى لم تكن الآيات بصددها، كي تثبت بإطلاقها عدم شرط الاجتهاد أو عدم شرط النصب أو عد أي شرط آخر"( ). ونلاحظ على ذلك بأن السيد الأستاذ ربما كان ناظراً إلى أن هذه الآيات ظاهرة في أنّ الأساس في موضوع القضاء هو الحكم بالعدل من دون أية خصوصية للحاكم، سيّما أنّها أطلقت الخطاب للناس بشكل عام مما يعني أن لهم اختيار أي شخص ليحكم بينهم على أساس العدل. لكن يبقى هنا تساؤل مثير، وهو أنّ البناء العقلائي في كل المجتمعات قائم على وضع ضوابط معينة للحاكم سواء أريد تعيينه في سدة القضاء ممن يملك سلطة القانون أو أريد به من يتراضى به الخصمان، ولذا لو ترافع المتخاصمان إلى شخص ليس في مستوى القضاء ول يملك أهلية لذلك، كان رجوعهما إليه محل انتقاد اجتماعي من العقلاء. وربما يُلاحظ على أن الأهلية لدى العقلاء في أمثال هذا القاضي الذي تراضى به الخصمان، قد تختلف عن الأهلية المعتبرة لدى الشارع، فقد يكفي لديهم أن يكون هذا الشخص عارفاً بواقع القضاء الاجتماعي أو القبلي في تحديد الحق لصاحبه أميناً على العدالة في إعطاء الرأي العادل، وهذا مورد لموافقة العقلاء في سيرتهم العامة ما داما قد تراضيا به في أمر يخصهما ذاتياً. وعلى كل حال فلو سلّم إطلاق الآيات، فاللازم تقييدها بما دل على أنه لا بدّ من توفر جملة من المواصفات فيمن يتصدى للقضاء من قبيل العدالة والإسلام والاجتهاد والنصب... مما هو ثابت عند السيّد الأستاذ بلا نقاش ولا تردد. وعليه فلا تصلح الآيات المذكورة سنداً للقول بمشروعية قاضي التحكيم ونفوذ حكمه أو عدم اشتراط اجتهاده كما هو مذهب السيد الأستاذ(قده)، وهذا بقطع النظر عن الملاحظة السابقة في بناء العقلاء. الثاني: الأخبار، من ذلك: 1- ما روي عن النبي(ص) أنّه قال: "من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل فعليه لعنة الله"( ). وتقريب الاستدلال به أن يقال: أنه "ولو لم يكن لحكمه اعتبار ولزوم لما كان لهذا التهديد معنى، ولكان التحذير على فعله لا على عدم العدل، ولأن التهديد على عدم العدل يدل على أن العلة عدمه، ولو لم يكن جائزاً كان التهديد بالأعم أولى"( ). والرواية بقرينة قوله: "تراضيا به" واردة في قاضي التحكيم لأن القاضي المنصوب لا يشترط رضا المتقاضيين به. وناقش صاحب الجواهر في سنده بأن لم يثبت من طرقنا( ). ويمكن أن يناقش في دلالته بما نوقش به الاستدلال بالآيات السابقة من أنه وارد مورد حكم آخر وهو عدم جواز الحكم بغير العدل، وليس بصدد بيان جواز القضاء لكل من رضيا به ليكون للخبر إطلاق فتأمل. كما أنه ربما تكون كلمة "تراضيا به" واردة في القاضي المنصوب باعتبار أنه قد يكون مورداً للتراضي بين الخصمين لأنهما قد يختلفان في القاضي الذي يترافعا عنده.. وفي ضوء ذلك فلا يكون الحديث ظاهراً في قاضي التحكيم. 2- ما رواه الكشي في رجاله عن العيّاشي عن أحمد بن منصور عن أحمد بن الفضل الكناسي قال: قال لي أبو عبد الله(ع)، أي شيء بلغني عنكم؟ قلت: ما هو؟ قال(ع): بلغني أنكم أقعدتم قاضياً بالكناسة، قال: قلت: نعم جعلت فداك ــ رجل يقال له عروة القتات، وهو رجل له حظ من عقل نجتمع عنده فنتكلم ونتساءل، ثم يردّ ذلك إليكم، قال(ع): لا بأس"( ). وتقريب الاستدلال به: أن عروة القتات نصبه الناس وتراضوا به قاضياً يحكم بينهم فيما اختلفوا فيه، وقد أجاز لهم الإمام(ع) ذلك من غير سؤال عن فقاهته واجتهاده أو غيرها من الشرائط المعتبرة في القاضي، وترك الاستفصال دليل العموم، أين ينفذ قضاؤه ولم لم يكن مجتهداً. ولكن نوقش الخبر سنداً ودلالة: أما سنداً: فلعدم ثبوت وثاقة أحمد بن منصور وأحمد بن الفضل الكناسي، مضافاً إلى احتمال الإرسال لأن أحمد بن منصور، وهو الخزاعي على الأرجح بقرينة نقل العياشي عنه ــ من أصحاب الإمام الرضا(ع) والعياشي ينقل عن أصحاب علي بن الحسن بن فضال الذي هو من أصحاب الهادي والعسكري(ع) إلا أن يفترض أن أحمد بن منصور عمّر طويلاً وهو بعيد( ). وأما دلالة: لأنه لا يتضح من الخبر أن الكلام عن القاضي لأنه صدر الحديث وإن كان ظاهرا في ذلك لكن ذيله أعني قوله: "نجتمع عنده، فنتكلم ونتساءل، ثم يرد ذلك إليكم". ظاهر أنهم كانوا يجلسون عنده بغرض البحث العلمي والمناقشة والمذاكرة الفقهية، وعليه فيكون الخبر مجملاً( ). ويمكن التعليق على ذلك: بأن الذيل لا يعطي ظهوراً مغايراً للصدر لأن الاجتماع عند القاضي والتكلم والتساؤل كما يمكن حملها على أجواء المذاكرة العلمية، يمكن حملها على أجواء التقاضي لأنها تستدعي ذلك، وحيث أن صدر الحديث واضح الظهور في أن الكلام عن القاضي الذي يحكم بين الناس فيحمل الذيل على ذلك أيضاً. لا سيما أن الكناسي وافق على توصيف الإمام(ع) للرجل بالقاضي غير أنه تحدث عن صفاته المميزة التي لا تبتعد عن الخط الشرعي في تعاليم أهل البيت(ع) في هذا الجانب. ولعل الملاحظة الصحيحة التي يمكن تسجيلها على دلالة الرواية هي عدم وضوح ورودها في قاضي التحكيم، بل من الوارد جداً أنها واردة في القاضي المستجمع للشرائط المعتبرة ومنها الاجتهاد أو الفضيلة كما يستفاد من عبارة "ثم يردّ ذلك إليكم" حيث يستفاد منها علمه بأخبارهم على نحو يمكّنه من معرفة الحكم واتخاذ الموقف المناسب. وخصوصاً أنّ الاجتهاد في ذلك الوقت لم يكن بالتعقيد الذي وصل إليه في المراحل المتأخرة. 3- ما رواه الكليني بسند تام عن أبي بصير عن أبي عبد الله(ع) قال: "أَيُّمَا رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه، فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال الله عزّ وجل: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ}(النساء:60)"( ). ووجه الاستدلال بالخبر أنه مطلق فلم يُقيَّد الرجل الذي يترافع إليه الخصمان بأيّ قيد سوى أنه من إخوانه، فمقتضى الإطلاق أنه يجوز الترافع إليه حتى ولو لم يكن مجتهداً أو منصوباً. وبعبارة أخرى: إن ظاهر الصحيحة أن الإمام(ع) يرغِّب المؤمنين ويحثُّهم إذا وقع بينهم تَخاصمٌ أن يتجنبوا الرجوع إلى قضاة الجور وأن يتحاكموا عند القاضي المؤمن وهو كلام مطلق شامل لصورة ما إذا توفرت فيه شروط القاضي المنصوب أو لم تتوفر. ونوقش: بأن الصحيحة لا إطلاق فيه لأن الإمام بصدد الردع عن التحاكم إلى حكام الجور والطاغوت وليس بصدد بيان من يجوز التحاكم إليه وبيان شروطه ومواصفاته( ). على أنه قد يقال: أن الخبر لا ظهور له في قاضي التحكيم أصلاً ولا دلالة فيه على أن الذي حثّ الإمام(ع) على الرجوع إليه، هو من تراضى الخصمان بحكمه، بل هو من دعا أحدهما الآخر للرجوع إليه وهذا يتحقق في القاضي المتوفر على الشرائط المعتبرة في المنصوب، فتأمل. إذ قد يقال إن عبارة "فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه" يبعد حملها على القاضي المعيّن للقضاء وإلاّ لكان الأنسب التعبير بـ"فدعاه إلى القاضي" أو "إلى قاضٍ من إخوانه". 4- ما رواه الشيخ بسند تام عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن حماد عن الحلبي قال: قلت لأبي عبد الله(ع): "ليس هو ذاك، إنما هو الذي يجبر الناس على حكمه بالسيف والسوط"( ) بتقريب أن الرواية دلت على أن هناك نوعين من القضاء: نوع يتحقق بتراضي الخصمين، وآخر يرتكز على السيف والقوة، وما لا شرعية فيه هو النوع الثاني فحسب. لكن الإنصاف أنّه لا ظهور للرواية في حرية المتنازعين في اختيار أي شخصٍ للحكم بينهما ويكون حكمه نافذاً، إذ يبدو أن في الرواية حواراً مطوياً دار بين السائل والإمام(ع) كان الإمام فيه ناهياً عن الترافع إلى بعض الحكام والقضاة، وهذا ما أثار حفيظة حماد فسأل الإمام عن الرجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة فيتراضيان برجل منا فقال له الإمام: "ليس هو ذاك" أي قد التبس عليك كلامي فطبّقته على مصداق لم أقصده، فالإمام إذن قد بيّن له بطلان تَوهُمِّه وأن من نهى عن الترافع إليه هو من يتولى القضاء ويحكم بالقوة والسيف، وهو بطبيعة الحال لا ينطبق على الرجل من أصحابنا، لكن هذا لا يعني أن حكم الرجل من أصحابنا نافذ بمجرد تراضي الخصمين به لأن الإمام لم يكن في مقام بيان أن الرجل منهم ينفذ قضاؤه بشكل مطلق ولو لم يتصف بشروط القاضي المنصوب، بل هو في مقام بيان النهي عن الترافع إلى القاضي الذي يحكم بالقوة والجبر. 5- معتبرة أبي خديجة السابقة وجاء فيها: انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه"( ). وقد قرّب السيد الأستاذ( ) دلالتها ونظرها إلى قاضي التحطيم بأن قوله(ع): "فإني قد جعلته قاضياً" متفرع على قوله: "فاجعلوه بينكم" فتكون ناظرة إلى قاضي التحكيم. إلا أنا قد ناقشنا فيما مضى وجهة نظر السيد هذه، وقلنا إن صدر الرواية يدل صراحة على حرمة الترافع إلى قضاة الجور، والبديل الذي يطرحه الإمام ويوجه الناس نحوه هم القضاة الذين يحكمون بالعدل، وهو لا يتناسب مع قاضي التحكيم الذي يختاره المتخاصمان ليحكم بينهما، لأنه لا يشكل بديلاً عن قضاة الجور الذين يحكمون في النزاعات سواء تراضى بهم الخصمان أم لم يتراضيا، وعليه فلا ينبغي أن يفهم من جملة "فاجعلوه بينكم" معنى التراضي بمفهومه الشائع أعني اتفاق الناس على شخص ليكون حكماً بينهم، وعليه فلا تصلح المعتبرة للدلالة على مشروعية قاضي التحكيم. 6- ما رواه الشيخ الطوسي بإسناده عن محمد بن علي بن محبوب عن محمد بن الحسين عن ذبيان بن حكيم عن موسى بن أكيل عن أبي عبد الله(ع) قال: "سئل عن رجل يكون بينه وبين أخ منازعة في حق، فيتفقان على رجلين يكونان بينهما، فحكما، فاختلفا فيما حكما؟ قال: وكيف يختلفان؟ قلت: حكم كل واحد منهما للذي اختاره الخصمان، فقال: ينظر إلى أعدلهما وأفقههما في دين الله عز وجل فيمضي حكمه"( ). إلاّ الاستدلال بهذه الرواية لا يتم لضعفها سنداً بذبيان بن حكيم الذي لم تثبت وثاقته، ودلالةً لأن موردها هو تعارض الحكَمَيْن وليس أصل نفوذ الحكم حتى يقال بنفوذ حكمه مطلقاً ولو لم يكن مستجمعاً للشرائط ومنها الفقاهة أو الفضيلة، على أن إرجاع الإمام الأمر إلى أفقههما في دين الله يمنع من انعقاد الإطلاق لغير هذه الحالة. 7- ما رواه الصدوق بإسناده عن داوود بن الحصين عن أبي عبد الله(ع): "في رجلين اتفقا على عدلين جعلاهما بينهما في حكم، وقع بينهما فيه خلاف، فرضيا بالعدلين، فاختلف العدلان بينهما، على قول أيهما يمضي الحكم؟ قال: ينظر إلى أفقههما وأعلمهما بأحاديثنا وأورعهما فينفذ حكمه، ولا يلتفت إلى الآخر"( ). وهذه الرواية كسابقتها ناظرة إلى صورة التعارض بين الحكمين فلا يستفاد منها الإطلاق لحالة عدم توفر الشرائط، ويمكن أن يقال: إن الرواية قد افترض فيها توفر الشروط في القاضي سيّما العلم والعدالة، وبسبب اختلاف الحاكمين رجّحت حكم الأعلم والأروع، ونفوذ حكمه ليس متفرعاً على تراضيهما به كما هو المفروض في قاضي التحكيم بل بسبب توفره على الشرائط المعتبرة. 8- مقبولة عمر بن حنظلة فقد جاء في آخرها افتراض أن كُلاًّ من المتنازعين اختار رجلاً من أصحابنا فرضيا أن يكونا الناظرين في حقهما واختلفا فيما حكما، وكلاهما اختلفا في حديثكم؟ فقال(ع): "الحكم ما حكم به أعدلهما وأفقههما وأصدقهما في الحديث وأورعهما"( ). ولكن الرواية ــ بملاحظة صدرها ــ لا ترتبط بقاضي التحكيم بوجه، وإنما هي واردة في القاضي المنصوب حسب تعبير الفقهاء ونحن وإن شككنا في استفادة النصب بالمعنى الدقيق للكلمة من المقبولة، ولكن قلنا بأنه يستفاد منها أن الإمام(ع) يأمر الناس بالرجوع فيما يختلفون فيه إلى من يملك العلم ويتحرك على أساس العدل. فتحصل أن الآيات والأخبار المتقدمة لا دلالة فيها على مشروعية قاضي التحكيم ونفوذ حكمه. الثالث: أدلة الوفاء بالشرط: وقد يستدل لمشروعية قاضي التحكيم بما دل على لزوم الوفاء بالشرط، كقوله(ع): "المؤمنون عند شروطهم"( )، الدال على ضرورة أن يلتزم المؤمن بما أخذه على نفسه من شروط وعهود، والمفروض أن المترافعين باتفاقهما على الرجوع إلى شخص للتحاكم عنده قد التزما على أنفسهما وشرط كل واحد منهما على الآخر الالتزام بما يحكم به. وربما أورد على هذا الاستدلال: بعدم نفوذ الشرط الابتدائي كما هو المشهور، وإنما الشرط النافذ هو ما كان ضمن عقد أو التزام، بل ربما يقال: بأن عنوان الشرط لا يصدق على الشرط الابتدائي إلا على نحو المجاز. ولكن يرده: أنه لا فرق ــ على المختار ــ بين الشرط الابتدائي والشرط ضمن العقد، لجهة صدق عنوان الشرط عليهما ولزوم الوفاء بهما، لأن الشرط هو مطلق الالتزام عرفاً، ويؤيده ما جاء في رواية محمد بن قيس عن أبي جعفر(ع) قال: "في رجل تزوج امرأة وشرط لها إن هو تزوج عليها امرأة أو هجرها أو اتخذ عليها سرية فهي طالق فقضى في ذلك أن شرط الله قبل شرطكم فإن شاء وفى لها بما شرط وإن شاء أمسكها"( ). فقد أطلق لفظ الشرط في الرواية على الحكم الشرعي لا بلحاظ وجود التزام ضمن التزام كما لا يخفى، بل بلحاظ الالتزام الذي لا بد أن يتحقق بين العبد وخالقه في الانقياد له وطاعة أوامره واجتناب نواهيه، وتفصيل الكلام في ذلك موكول إلى محله. وأما الاعتراض على الاستدلال المذكور بأن التمسك بأخبار الوفاء بالشرط هنا مبني على أن كل تحاكم تشارط، وهو غير مسلم، فهو واضح الاندفاع، وذلك لأنّ العرف يرى بأنه لا معنى للتحاكم عند شخص لا التعاهد على قبول حكمه والالتزام به والتشارط عليه. نعم هناك ملاحظة أساسية ــ بنظرنا ــ ترد على الاستدلال المذكور سيأتي التعرض لها عقيب الدليل الرابع الآتي. الرابع: أدلة الصلح: وربما يستدل على مشروعية قاضي التحكيم ونفوذ قضائه بأدلة الصلح بدعوى صدق عنوان الصلح على تراضيهما، فإن اتفاق الخصمين على الرجوع إلى شخص معيّن ليحكم بينهما هو نوع من التصالح والتسالم، لأن الصلح لا يحتاج إلى لفظ خاص وإنما يؤدى بكل ما يدل عليه وعقد الصلح نافذ ما لم يحرّم حلالاً أو يحلل حراماً. وهذا الاستدلال لا يفرّق فيه بين ما لو قلنا أن الصلح عقد مستقل بنفسه ولا يرجع إلى غيره من العقود والإيقاعات وإن أفاد فائدتها، أو قلنا بأنه ليس عنواناً مستقلاً وإنما يأخذ عنوان مورده فإن كان مورده البيع كان بيعاً وإن كان مورده الإجارة كان إجارة وهكذا... ولكن يلاحظ على هذا الدليل وسابقه: بأنه بناءً عليهما سيكون نفوذ حكم من ترافع إليه المتخاصمان بعنوان الشرط والصلح لا بعنوان كونه حكماً قضائياً، والالتزام بحكمه هو في الحقيقة هو التزام بالشرط والصلح وليس التزاماً بحكم القاضي، وهذا خروج عن محل البحث، إذ المقصود إثباته هنا هو نفوذ حكمه بعنوان كون قاضي التحكيم لا بعنوان التشارط أو التصالح. اللهم إلا أن يقال: إن ما مرّ من إشكال لا يجري في الصلح وإن جرى في الشرط، والوجه فيه أن الصلح تمّ على الرضا بقضائه، فيكون نفوذ قضائه جزءاً مما وقع التصالح عليه والرضا به، ولا يضر بعد ذلك أن يكون نفوذ حكمه بعنوان تصالحهما. لكن الإنصاف: أن رضا المتداعيين حتى لو استبطن معنى الصلح إلا أنه لا يثبت مشروعية قاضي التحكيم، لأن الصلح إنما يصح في الموارد القابلة للتصالح والتراضي، وكون الرجوع إلى قاضي التحكيم من هذه الموارد أول الكلام. الخامس: السيرة العقلائية: ومفاد هذا الدليل أنّ السيرة العقلائية جارية على تحكيم بعض الأشخاص وقبول ما يصدر عنهم من حكم، ولم يرد ردع من قبل الشارع عنها وهو دليل إمضائها، ويلاحظ أن فكرة التحكيم موجودة في القضاء المدني في بعض الحالات. ويلاحظ عليه: أن القدر المسلم من السيرة هو الرجوع إلى المحكَّم لحل التنازع من خلال ما يرتئيه من رأي شخصي أو اجتماعي ينبغ من الأعراف الاجتماعية والعادات والتقاليد، وليس على ضوء الشريعة الإسلامية ولا بعنوان أنه حكم الله، كما هو مفروض الكلام، كما أن الظاهر أن العقلاء يلجأون إليه طلباً للإصلاح والاستنارة برأيه والاستفادة من مكانته للتأثير على الطرفين وهذا خارج عن محل الكلام كما ذكرنا في بداية البحث عن قاضي التحكيم. ولكن ربّما يقال: أنه لا ينكر جريان السيرة على تجاوز الناس القانون الرسمي في بعض الحالات إلى القضاء الشعبي الذي يرتكز على تراضي المتخاصمين بشخصٍ يرجعان إليه يملك الخبرة والحكمة والدراية الاجتماعية، وقد يلتقي هذا القضاء بالقانون الشرعي المعترف به في المجتمع وقد لا يلتقي لكنه لا يتنافى معه. ويختلف هذا القضاء عن القضاء الرسمي ــ إن صح التعبير ــ في أنّه ينطلق من الرضا الاجتماعي أو الشخصي به، كما أنه يتصف بعنصر الإلزام لدى الجميع. إن قيل: لو سلّم جريان السيرة، فإن ما دلّ على ضرورة أن يتوفر في القاضي بعض الشروط والمواصفات مما تقدم الحديث عنه، كاف للدلالة على ثبوت الردع عن هذه السيرة. قلت: النص الرادع لا بد أن يكون من الوضوح بحيث يترك تأثيره على كل الملتزمين بالرجوع إلى النص، وهو ما لا نجده في النصوص المذكورة، ما يعني أن الناس لم يكونوا يرون في هذه النصوص ما يشكِّل رادعاً عن سيرتهم، فتأمل. السادس: الإجماع: ادعى جملة من الفقهاء الإجماع على نفوذ حكم قاضي التحكيم، ابتداءً من الشيخ في الخلاف( ) الذي استدل بإجماع الفرقة على كفاية الرضا قبل الحكم في نفوذه، وهو يستبطن الإجماع على أصل المسألة، وفي المسالك( ) والرياض( ) أنه لم ينقل في ذلك خلاف، وقد مرّ كلام صاحب الجواهر بأن ظاهر بعض الأصحاب وصريح آخرين الإجماع عليه( ). ولكن يبدو أن هذا الإجماع على تقدير ثبوته لا قيمة له لكونه معلوم المدركية، لا أقل محتملها، ومعه لا يحرز كونه كاشفاً عن رأي المعصوم. أدلة عدم المشروعية: يمكن أن يستدل على عدم نفوذ حكم قاضي التحكيم بوجهين: الأول: الآيات القرآنية: منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}(النساء:59). منها قوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(النساء:65). وقيل( ) في تقريب الاستدلال بذلك: أن المقصود بالردّ إلى الله ورسوله وتحكيم الرسول هو الردّ والتحكيم ولو بالواسطة بأن يردّ إلى من يمثل الرسول ويحكّم من نصب من قبله، والمفهوم من ذلك هو كونه ممثلاً للرسول ومنصوباً من قبله في المرتبة السابقة على الردّ إليه وتحكيمه، وهذا معناه عدم نفوذ حكم قاضي التحكيم. ولكن يرد على الاستدلال بالآية الأولى: أنها بعيدة كل البعد عن مسألة القضاء وإنما هي واردة في قضايا العقيدة والشريعة والمفاهيم الإسلامية العامة دون الموضوعات الخارجية بقرينة قوله: "فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ" ولم يذكر أولي الأمر مع أن المسألة لو كانت ترتبط بالموضوعات لكان اللازم ذكرهم، ومعنى الرد إلى الله ورسوله هو العمل بما قالاه وبيّناه. وأمّا الآية الثانية فهي تدعوهم إلى تحكيم الرسول(ص) بصفته الرسالية ليكون رجوعهم إليه وتحكميهم له رجوعاً إلى الرسالة وتحكيماً للسنة. ويمكن القول: إن المستفاد من الآيتين وما ارتبط بهما من الآيات في السياق نفسه التأكيد على أن الله أراد للمسلمين أن يعتبروا طاعة الله ورسوله وأولي الأمر قاعدة ثابتة ترتكز عليها حياتهم العامة ليتجسد ذلك عبر الإحساس بالعبودية لله في القول والفعل والفكر، وعبر السير على الخط الذي رسمه رسول الله للناس في جزئيات الأمور وكلياتها والرجوع إليه باعتبار ما تمثله سنته من تفصيل وتطبيق للمفاهيم القرآنية وتجسيد عملي لقيم هذا النص المقدس، وعبر التحاكم إليه بلحاظ ما أوكله الله إليه من شؤون الحاكمية عندما جعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، ولكن لا دلالة في هذه الآيات على عدم نفوذ حكم قاضي التحكيم حتى لو كان حكمه غير متنافٍ مع الكتاب والسنة بل كان منسجماً معهما تمام الانسجام. الثاني: الأخبار: وأهمها رواية سليمان بن خالد عن أبي عبد الله(ع) بقوله قال: اتقوا الحكومة، فإن الحكومة إنّما هي للإمام العالم في المسلمين لنبيٍّ، أو وصي نبي»( ). والرواية يمكن تصحيحها سنداً بملاحظة طريق الصدوق إلى سليمان بن خالد، فإنه طريق صحيح، وأما سليمان نفسه فيمكن إثبات وثاقته بما قاله النجاشي في حقه أنه "كان قارئاً فقهياً وجيهاً"( ) فإن كون وجيهاً يلازم حسن الظاهر ويضاف إلى ذلك أن الكشي نقل توثيقه عن حمدويه عن أيوب بن نوح. وأما دلالاتها: فهي ظاهرة في حصر الحكومة وهي القضاء بالنبي والوصي وهو يعني أن الحاكم يجب أن يكون نبياً أو وصياً أو منصوباً من قبل أحدهما، وهو لا يتناسب مع افتراض إمضاء حكمه في طول تراضي المتخاصمين به بدعوى أنه أصبح منصوباً في طول التحكيم. هذا ما ذكر في تقريب دلالة الرواية وتصحيح سندها( ). وأجيب( ): بانصراف الحكومة إلى المنصب لا إلى مجرد الحكم ولو بتراضي المترافعين ولذا فهي دليل على أن القاضي المنصوب يجب أن يكون منصوباً من قبل النبي أو الوصي وأجنبية عن المقام، ويصبح حالها حال ما ورد في خبر إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله(ع) قال: قال أمير المؤمنين(ع) لشريح: «يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي»( ). ويلاحظ على ذلك: أنا ذكرنا سابقاً أن خبر شريح وخبر سليمان بن خالد لا يدلا على ضرورة تحقق النصب بمعناه الدقيق وعلى اختصاص هذا المنصب بالنبي(ص) والوصي(ع) بحيث لا يجوز لغيرهما ممارسة مهام القضاء والنهوض بأعبائه، والأقرب أنهما بصدد المبالغة في التحذير من خطورة هذا المنصب والتأكيد على أهميته لاتصاله بقضايا الدماء والأعراض والأموال، سيما بملاحظة ما يحتفُّ به من مغريات ومفاتن أو ضغوطات وصعوبات قد تنحرف بالقاضي عن جادة الصواب أو تدفعه إلى تجاوز ومجانبة العدل. ولا تخلو الروايتان من إيحاءٍ بضرورة اتصاف القاضي وتخلقه بأخلاق الأنبياء والأوصياء، وسعيه الدؤوب للاستهداء بتعاليمهم والاسترشاد بإرشاداتهم في كل ما يعرض له من قضايا ويواجهه من مشكلات ومنازعات. ومهما يكن المعنى الذي تدل عليه هاتان الروايتان وسواهما فإنهما لا تنهضان حجة للقول بعدم مشروعية قاضي التحكيم. الرأي المختار: تبيّن مما تقدم أن الأدلة التي سيقت لإثبات عدم مشروعية قاضي التحكيم ليست تامة، كما أن الأدلة التي سيقت لإثبات المشروعية غير واضحة الدلالة باستثناء سيرة العقلاء التي لاحظنا جريانها على عدم اقتصار الناس في حل خلافاتهم على القضاء القانوني الرسمي الذي يعتقدون بشرعيته بل يتجاوزون ذلك إلى ما يمكن تسميته بالقضاء الشعبي، وهذا الأمر ممتد في التاريخ ونجد له أساساً في الواقع الجاهلي ما قبل الإسلام، فالمصادر التاريخية تؤكد أن الجاهلية عرفت نظام التحكيم وكان الاحتكام إلى شخصيات محددة ومعروفة( ) تملك كفاءة النظر في قضايا الناس ومشكلاتهم ولها من المكانة والخبرة والدراية بالحياة الاجتماعية ما يدفع الناس إلى احترام آرائها والإذعان لأحكامها، وهذه السيرة استمرت في العهد الإسلامي دون أن يردع عنها النبي(ص) بل إنه شارك في التحكيم قبل البعثة وبعدها فقد ذكرت المصادر التاريخية أن قريش حكّمت رسول الله(ص) في الجاهلية وذلك في قصة الخلاف حول من يستحق وضع الحجر الأسود في مكانه وبيان ذلك: أنه بينما كان النبي(ص) في سن الخامسة والثلاثين جاء سيل عظيم فهدّم الكعبة واجتمع شيوخ قرشي وتشاوروا وأجمعوا على عمارتها، ولما انتهوا إلى وضع الحجر الأسود، اختصموا وأرادت كل قبيلة أن تفوز بهذه المنقبة وتفاقم الأمر حتى وصل إلى حد القتال، ثم تناصفوا على أن يجعلوا أو طالع يطلع عليهم من باب المسجد حكماً يقضي في الأمر فخرج النبي(ص) فاحتكموا إليه وقالوا لقد جاءكم الصادق الأمين، وكان من حكمته(ص) أن أمر بثوب كبير فطرح الحجر فيه ثم قال: لتأخذ كل قبيلة بطرف منه...( ). وهكذا نجد أن مبدأ التحكيم استمر في الإسلام ويبدو أنه كان مقبولاً لدى أتباع الديانات السماوية ولذا قبل به اليهود في غزوة بني قريظة، بل يظهر من المصادر أن اليهود هم الذين سألوا النبي(ص) النزول على حكم سعيد بن معاذ( ). إن لجوء النبي(ص) إلى التحكيم في الموردين المذكورين ورضاه به خير دليل على شرعية التحكيم في الإسلام. وفي عهد أمير المؤمنين(ع) وقعت حادثة التحكيم الشهيرة في صفين، والتحكيم في هذه المعركة وإن فرض على علي(ع) وكان كارهاً له، لكن كراهته له لعدم شرعيته في ذاته بل لأنه اعتبر ذلك استمراراً لخدعة رفع المصاحف، ولذا قبل به فيما بعد وعيّن له ابن عباس، فلما لم يُقبل منه ذلك عيّن الأشتر ولم يقبل منه أيضاً، فقال لهم حينها فاصنعوا الآن ما أدرتم، وما يؤكد قبول الإمام بفكرة التحكيم رفضه التوبة التي عرضها عليه الخوارج بزعم أن التحكيم كفر ولا بدّ من التوبة منه. ولقد جرى المسلمون بعد رسول الله(ص) على هذه السيرة في الكثير من النزاعات ولم ينقل عن رسول الله(ص) أو أحد من أهل بيته(ع) أنه نهى عن هذه السيرة. وأمّا ما يقال بأن ما دل على ضرورة توفر القاضي على عدة مواصفات كافٍ للردع عن السيرة فقد تقدم جوابه وقلنا: إن الردع لا بد أن يتناسب مع حجم السيرة واستحكامها ولا يكتفى فيه بمثل ذلك. كما أن الأخبار السابقة التي استدل بها على مشروعية قاضي التحكيم وإن ناقشنا في دلالة معظمها لكن بعضها يدل على المطلوب ولو على مستوى الإيحاء مما يصلح للتأييد، أضف إلى ذلك تسالم الفقهاء على نفوذ حكمه وإجماعهم عليه( ). وبهذا نكون قد انتهينا إلى نتيجة حاسمة ــ استناداً إلى ما مرّ من أدلة ومؤيدات ــ وهي مشروعية الترافع إلى قاضي التحكيم ونفوذ قضائه ولو لم يكن معيّناً أو منصباً أو مستجمعاً لكل شرائط القاضي المنصوب. لكن حيث أن مدركنا على نفوذ قضائه هو السيرة أو الفعل الصامت فلا بد من القصر في ذلك على القدر المتيقن، والقدر المتيقن أن يتصف بمقدار من العلم والخبرة بأسس القضاء الإسلامي حتى لا يكون قضاؤه مخالفاً للأحكام الإسلامية وأن يتحلى بمقدار من النزاهة والتجرد وحسن السمعة ما يبعث على لاثقة به والركون إلى رأيه، ولهذا وجدنا رسول الله(ص) على ما ذكرت كتب السيرة قال لسعد بن معاذ بعد أن أصدر حكمه في بني قريظة القاضي بقتل مقاتليهم وسبي ذراريهم: "قضيت بحكم الله"( ) ويمكن القول: إن إطلاقات الحق في القضاء شاملة لقاضي التحكيم. مدخلية رضا الخصمين في نفوذ حكمه: وقع البحث بين الفقهاء ــ بعد الفراغ من نفوذ حكم قاضي التحكيم ــ في سعة دائرة هذا الحكم ومدخلية رضا المتخاصمين في نفوذه، ولمزيد من التوضيح لهذه المسألة نقول: هل يكون لرضا المتخاصمين مدخلية في نفوذ حكمه بعد صدوره؟ الظاهر أنه لا خلاف بين الأصحاب في كفاية تحقق الرضا قبل الحكم، وعليه فلو رجعا عنه وعزلاه لم يكن لرجوعهما أثر كما صرّح به في الشرائع( )، "بل لم يذكر أحد خلاف بل ظاهر بعضهم وصريح آخر الإجماع عليه" كما في الجواهر( )، ويمكن الاستدلال على ذلك ببعض الأخبار المتقدمة وبالاعتبار، إذ لو توقف نفوذ حكمه على رضاهما بعده لم يكن للرجوع إليه والتحاكم عنده أي معنى. قال في الخلاف ــ بعد أن أفتى بشرعية الترافع إلى قاضي التحكيم ونفوذ حكمه دون أن يكون للخصمين خيار بعد صدوره ــ: "لو كان الحكم لا يلزم بنفس الالتزام والانقياد، لما كان للترافع إليه معنى، فإن اعتبر التراضي كان ذلك موجوداً قبل الترافع إليه( ). وما ذهب إليه فقهاؤنا هو المشهور عند فقهاء السنة أيضاً، وإن نسب إلى بعضهم وإلى الشافعي في أحد قوليه أنّ رضاهما بعد الحكم معتبر كما هو معتبر في أصل الحكم( ). ومنه يظهر أن عبارة الشهيد في الروضة( ) التي ينص فيها على وجود قولين في المسألة لا يقصد منها وجود قولين عندنا إذ الظاهر أن القول الآخر قول بعض فقهاء أهل السنة، لأنه لم ينقل عن أحد منا الخلاف في المسألة. من الذي يعيّن القاضي؟ من المسائل التي تبحث على هامش الحديث عن شخصية القاضي مسألة تحديد من يعيّن القاضي أهو المدعي أو المنكر أو كلاهما؟ ذهب السيد الأستاذ إلى التفصيل في المسألة، لأن حالة النزاع تارة يكون فيها مدع ومنكر، وأخرى يكون كل منهما مدعياً ومنكراً، وفي الحالة الأولى تارة يتم الترافع إلى القاضي المنصوب، وأخرى إلى قاضي التحكيم، فصور المسألة ثلاث: 1- أن يكون لدينا مدع ومنكر ويتم الترافع إلى قاضي التحكيم، وحكم السيد الأستاذ هنا بأن التعيين بيدهما معاً. 2- أن يكون لدينا مدع ومنكر ويتم الترافع إلى القاضي المنصوب، والتعيين هنا بيد المدعي. 3- أن يكون كل منهما مدعياً ومنكراً. والمرجح في التعيين هنا هو القرعة. قال(قده) في تكملة المنهاج: "هل يكون تعيين القاضي بيد المدعي أو بيده والمدعى عليه معا؟ فيه تفصيل، فإن كان القاضي قاضي التحكيم فالتعيين بيدهما معاً، وإن كان قاضياً منصوباً فالتعيين بيد المدعى، وأما إذا تداعيا فالمرجع في تعيين القاضي عند الاختلاف هو القرعة"( ). وأمّا الوجه في هذا التفصيل فأوضحه بالقول: "أمّا الأول فلما عرفت من أنّ حكمه ــ قاضي التحكيم ــ غير نافذ إل بعد اختيار المتخاصمين إياه وتراضيهما به، وأما الثاني ــ فهو المشهور بين الأصحاب بل ادعي عليه الإجماع، ويدل عليه ان المدعى هو الملزم بإثبات دعواه بأي طريق شاء وأراد، وليس للمدعى عليه أي حق في تعيين الطريق له أو منعه عن إثبات دعواه بطريق خاص كما تشير إلى ذلك عدة من الآيات، فالنتيجة أن تعيين القاضي بيد المدعي سواءً أرضي به المدعى عليه أم لا"( ). وأما توجيه الرجوع إلى القرعة فعلّله بما يلي: "حيث أن كلاً منهما مدعى فلكل منهما الحق في تعيين الطريق لإثبات دعواه وليس للآخر منعه عنه، فلو عيّن أحدهما حاكماً والآخر حاكماً آخر ولا يمكن الجمع بينهما، فالمرجع في تعيين الحاكم هو القرعة"( ). نقول: ما ذكره السيد الأستاذ بشأن قاضي التحكيم صحيح أي أن تعيينه لا بدّ أن يكون بيد كلا المتخاصمين، لأن فرض مشروعيته قائم على أساس تراضيهما به واتفاقهما على الرجوع إليه، وهذا هو القدر المتيقن من السيرة التي كانت دليلنا الرئيسي في شرعية قاضي التحكيم، فالمتأمل في واقع العقلاء يجد أنهم إنما يرجعون إلى قاضي التحكيم بعد اتفاقهما عليه وتراضيهما به، بل إنّ الأمر كذلك لو قلنا بأن دليل مشروعي قاضي التحكيم هو الإجماع أو أدلة الوفاء بالشرط، أما الإجماع فواضح لأنه دليل لبي لا بد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن، وأمّا أدلة الوفاء بالشرط فلأنه لولا رضاهما فلا تشارط في المقام، وهكذا هو الحال لو كان الدليل هو الروايات فإنها تختص بصورة التراضي كما هو يتضح بملاحظتها. وأما بالنسبة للقاضي المنصوب، فافتراض أن تعيينه بيد المدعي استناداً إلى أن له الحق في إثبات دعواه بأي طريق كان وأنه لا يحق للمدعى عليه منعه، مشكل، إذ لو كان يحق للمدعي إثبات دعواه بأي طريق كان فللمنكر أيضاً أن يثبت صحة إنكاره وصواب رأيه بأي طريق من الطرق وعند القاضي الذي يختاره، وليس ثمة ما يدل على منعه من ممارسة حقه هذا، سيّما أنه قد يملك من الاعتبارات والأسباب ما يجعل من عدم قبوله بالقاضي الذي يختاره المدعي أمراً منطقياً ومعقولاً، كما لو كان يريد المرافعة إلى قاضٍ يملك كفاءة عالية في إدارة النزاع وخبرةً وبعدَ نظرٍ وعمقَ بصيرة بشكل أفضل من القاضي الذي اختاره المدعي. وأما الآيات التي أشار إليها السيّد ولم يذكرها فإن كان يقصد بها مثل قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}(النساء:85) بتقريب أن على القاضي أن يحكم بالعدل في القضايا التي يرفعها إليه المدعي سواء رضي المنكر بالقاضي أو لم يرضى به. فيرد عليه: إن هذه الآية وأمثالها لا دلالة فيها على هذا المعنى وليست مسوقة لبيان من يعيّن القاضي، وإنما هي مسوقة لبيان لزوم الحكم بالحق والعدل على القاضي، فلو قدّك المدعي دعواه إلى قاضٍ وكان المنكر رافضاً للترافع إليه، فليس في الآيات ما يدل على إلزام المنكر بقبول ذلك القاضي، نعم قد يفرض على المنكر الانصياع والقبول به إبان تحرك الدعوى وفي أثنائها، بمعنى أنه لو قبل بالقاضي بداية ثم أراد تغييره فلا يسمع منه لئلا يلزم انسداد باب القضاء والحكم. والإنصاف أن يقال: صحيح أنه ليس ثمة دليل لفظي على أن اختيار القاضي هو حق المدعي، لكن منصرف أدلة القضاء هو ذلك، والعادة جرت والعرف استقر على أن المدعي هو الذي يقدّم الدعوى، وهذا الأمر ليس مختصاً بعرف أهل الشرع ولا هو مختص بطبيعة القضاء في مجتمع معين بل هو أمر شائع في كل بلاد العالم ومترسخ في كل الأمم على مرّ الزمان، ممّا يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن هذه الطريقة هي الطريقة العقلائية في حل الخلافات، وربما يكون خلو النصوص الإسلامية من ذلك لوضوحه، باعتبار أن مجرى القضاء وطبيعته لدى العقلاء، تتلخص بقيام المدعي بتقديم الدعوى إلى القاضي دون استشارة المدعى عليه أو أخذ موافقته المسبقة، ولا يقبل لدى العقلاء رفض المنكر للترافع ما لم يقدم سبباً وجيهاً كعدم أهلية القاضي، أو يقدم عذراً يمنعه من ذلك من مرضٍ أو نحوه، ولم يردع الشارع عن مثل هذه السيرة ولا اعترضها. ولا يقف الأمر لدى العقلاء عند هذا الحد فإنهم يرون أن للقاضي حقاً في استدعاء المدعى عليه وجلبه بكل وسيلة ممكنة يجد القاضي أن سير المحاكمة يتوقف عليها أو يتوقف عليها إحقاق الحق وتحقيق العدل. وهكذا تبيّن أن المدعي هو الأصل في تحريك الدعوى، فله الحق في تقديم الدعوى إلى من يشاء من القضاة ممن تتوفر فيهم الشروط المعتبرة في القاضي وعلى المدعى عليه الانصياع والقبول، وإذا ألزمه القاضي بالحضور لزمه ذلك ولو تخلّف أمكن للقاضي جلبه وإحضاره بكل وسيلة متيسّرة. صورة التداعي: هذا كله في حالة وجود مدّعٍ ومنكر، أمّا في صورة التداعي كما لو ادعى شخص أن آخر باعه الدار وادعى الآخر أنه آجره إياها ولم يحصل التراضي على قاضٍ بعينه بل اختار كل واحد قاضياً، فهن قد يقال بأن! المستفاد من مقبوله عمر بن حنظلة وبعض الروايات الأخرى( ) هو ترجيح الأعدل من القاضيين ثم الأفقه، ولا مجال لما ذكره الأستاذ من الرجوع إلى القرعة، لأن القرعة إنما يرجع إليها عند عدم وجود حلٍّ مستفاد من النصوص الخاصة أو القواعد والأصول العامة، والحل في المقام موجود وهو ما ذكرته المقبولة. ولكن الظاهر عدم تمامية هذا الكلام لأن مورد المقبولة ما إذا اختار كل واحدٍ منهما حاكماً واختلف الحَكَمان في الحكم، بينما كلامنا في المقام في تعيين الحاكم وتشخصيه بعد اختلافهما عليه قبل صدور الحكم. ولذا يكون المرجع هو القرعة. ولكن قد يناقش في ذلك: بإدعاء أنّ مورد القرعة هو مورد اشتباه الواقع المتعين ويراد بالقرعة كشف اشتباهه وتعيينه، وفي موردنا ليس ثمة واقع متعين قد خفي علينا ويراد تعيينه بالقرعة، فليس أحد القاضيين أولى من الآخر في علم الله لنستخرجه بالقرعة. والجواب على ذلك: بأن أدلة القرعة لا تختص بصورة ما لو كان هناك واقع يراد تعيينه بل هي شاملة لكل ما لا حل له من الأمور، كما يشهد لذلك بعض مطلقات القرعة من قبيل رواية ابن حكيم "وكل مجهول ففيه القرعة"( )، وقد كان النبي(ص) يقرع بين نسائه عندما يعزم على السفر، ليحدد بالقرعة من ترافقه منهن في سفره مع عدم وجود واقع متعين في هذا المورد، وإنما كان مراده من ذلك رفع ما يمكن أن يثور بينهن من خلاف، وقد بيّنا الأمر بالتفصيل في أبحاث القرعة واخترنا هناك ما ذهب إليه السيد الأستاذ من أن القرعة كما تجري لتحديد الواقع المجهول، فإنها تجري لفضِّ النزاع وإزالة الخصومة فيما لا واقع له. 3- رزق القاضي القاضي كإنسان يحتاج أن يعيش حياة كريمة وتؤمّن موارده المادية واحتياجاته الطبيعية، فكيف أمّن الإسلام له ذلك؟ وهو كبشرٍ أيضاً قد تتشوف نفسه إلى ما في أيدي الناس فيقبل الرشوة أو الهدية وتميل نفسه فميل في حكمه ويتبع الهوى ويضل عن سبيل الله، فهل يسمح له الإسلام أخذ المال م الخصوم أو من طرف ثالث؟ هذا ما تعرف له في هذا المقطع من البحث. ارتشاء القاضي: وبداية نتحدث عن الموارد والسبل المادية التي منع الإسلام القاضي من الاستفادة منها ثم نبحث في البديل الذي قدّمه له ليكفيه مؤونة الحياة ومتطلباتها، ونبدأ في الرشوة وحكمها التكليفي والوضعي وفرقها عن الهدية. حقيقة الرشوة: قال ابن الأثير في النهاية: "الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، وأصله من الرشاء الذي يتوصل به إلى الماء، فالراشي من يعطي الذي يعينه على الباطل، والمرتشي الآخذ، والرائش الذي يسعى بينهما يستزيد لهذا ويستنقص لهذا، فأما ما يعطى توصلا إلى أخذ حق أو دفع ظلم فغير داخل فيه. وروي أن ابن مسعود أخذ بأرض الحبشة في شيء فأعطى دينارين حتى خلي سبيله، وروي عن جماعة من أئمة التابعين قالوا: لا بأس أن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم"( ). وفي مجمع البحرين للطريحي: "الرشوة ــ بالكسر ــ: ما يعطيه الشخص الحاكم وغيره ليحكم له أو يحمله على ما يريده..."( ) ونحوه ما في المصباح المنير( ). هذا ما يذكره اللغويون. وأما الفقهاء فقد اختلفوا في تحديد هذا المفهوم سعة وضيقاً فهل هي تختص بما يدفع للقاضي للحكم بالباطل أو تعم كل ما يدفع إليه للحكم بالحق أو الباطل، قال المحقق النراقي في المستند: "لا كلام في أنّ الرشوة للقاضي هي المال المأخوذ من أحد الخصمين أو منهما أو من غيرهما للحكم على الآخر، وإهدائه وإرشاده في الجملة، إنّما الكلام في أنّ الحكم أو الإرشاد المأخوذين في ماهيّته، هل هو مطلق شامل للحقّ والباطل، أو يختصّ بالحكم بالباطل؟ مقتضى إطلاق الأكثر وتصريح والدي العلاّمة في المعتمد والمتفاهم في العرف هو الأول، وهو الظاهر من القاموس والكنز ومجمع البحرين، ويدلّ عليه استعمالها فيما أعطي للحقّ في الصحيح: عن الرجل يرشو الرجل على أن يتحوّل من منزله فيسكنه، قال: «لا بأس» فإنّ الأصل ــ والكلام للنراقي ــ في الاستعمال إذا لم يعلم الاستعمال في غيره الحقيقة( ). وذهب السيد الأستاذ إلى توسعة مفهوم الرشوة لغير الحكم بالحق والباطل فقال ما ملخصه: "والمتحصّل من كلمات الفقهاء ومن أهل العرف واللغة: أنّ الرشوة ما يعطيه أحد الشخصين للآخر لإحقاق حقّ، أو تمشية باطل، أو للتملّق، أو الوصلة إلى الحاجة بالمصانعة، أو في عمل لا يقابل بالأُجرة والجعل عند العرف والعقلاء وإن كان محطّاً لغرضهم ومورداً لنظرهم، بل يفعلون ذلك العمل للتعاون والتعاضد فيما بينهم، كإحقاق الحقّ، وإبطال الباطل وترك الظلم والإيذاء أو دفعهما، وتسليم الأوقاف من المدارس والمساجد والمعابد ونحوها ــ إلى غيره، كأن يرشو الرجل على أن يتحوّل عن منزله فيسكنه غيره، إلى غير ذلك من الموارد التي لم يتعارف أخذ الأُجرة عليها"( ). أقول: دفع المال لإبطال حق أو إحقاق باطل هو المعنى الذي غلب استعمال لفظ الرشوة فيه، لكنها تستعمل فيما يعطي للحاكم ليحكم بالحق، فالتعميم هو الصحيح، ولذا يكون المهم هنا هو إثبات حرمة الرشوة بهذا المعنى. حكم الرشوة: استدل الفقهاء على حرمة الرشوة، بأمور: 1- الإجماع المحصل والمنقول ولم يخالف في ذلك فقيه من فقهاء المسلمين حتى قيل إن ذلك من ضروريات الدين( ). وقد يناقش في دعوى الإجماع، باحتمال كون مدرك المجمعين ما يأتي من الآيات والروايات، فلا يكون دليلاً مستقلاً كاشفاً عن تلقي الحكم عن المعصومين(ع). 2- قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(البقرة:188). ويلاحظ على الاستدلال بالآية بأنها لا تشمل أخذ المال مقابل الحكم بالحق لأنها نهت عن إعطائهم المال بغرض أكل أموال الناس بالإثم. 3- الروايات وهي عديدة: أ- صحيحة عمار بن مروان عن أبي عبد الله(ع): "السحت أنواع كثيرة منها ما أصيب من أعمال الولاة الظلمة، ومنها أجور القضاة... وأمّا الرشا... في الأحكام ــ يا عمار فهو الكفر بالله العظيم"( ) ونحوها موثقة سماعة( ). ب- خبر الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين(ع) قال: "أيّما والٍ احتجب من حوائج الناس احتجب الله عنه يوم القيامة وعن حوائجه، وإن أخذ هدية كان غلولاً، وإن أخذ الرشوة فهو مشرك"( ). ج- معتبرة السكوني عن أبي عبد الله(ع) قال: "السحت ثمن الميتة وثمن الكلب وثمن الخمر ومهر البغي والرشوة في الحكم وأجر الكاهن"( ). ونحوه من ما ورد في وصايا النبي(ص) لعلي(ع)( )، وما أرسله في الفقيه إلى الإمام(ع)( ). د- ما دل على لعن الراشي والمرتشي، ومنها ما ورد في تفسير قوله تعالى: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}(المائدة:42) قال: "لعن رسول الله الراشي والمرتشي والرائش" يعني الذي يمشي بينهما( ). هـ - رواية يوسف بن جابر: "لعن رسول الله(ص) من نظر إلى فرج امرأة لا تحل له ورجلاً خان أخاه في امرأته ورجلا احتاج الناس إليه ليفقههم فسألهم الرشوة"( ). إلى غير ذلك من الروايات المستفيضة الواردة من طريق الفريقين( )، وأكثر الأخبار المتقدمة مطلقة ودالة على حرمة أخذ الرشوة سواءً أراد القاضي الحكم بالحق أو بالباطل. وبه يندفع ما قد قيل: من أن القاعدة الأولية تقتضي جواز أخذ المال مقابل الحكم بالحق لأن القضاء عمل جائز فيجوز أخذ المال عليه، كما هو الحال في كل الأعمال المحللة، والقضاء ولو كان من الواجبات لكن لم يثبت بالدليل حرمة أخذ الأجرة على الواجبات النظامية. والوجه في اندفاعه: أنّ ما دل على حرمة الرشوة عام وشامل لحالتي الحكم بالباطل والحكم بالحق، ولو سلمنا بجواز أخذ الأجرة على ممارسة مهمة القضاء ــ ولم نقل بحرمة ذلك استناداً إلى ما تقدم في صحيحة عمار من حرمة أجور القضاة ــ فإن ذلك لا ينفع في المقام، لأن المال في مقامنا يعطى في مقابل الحكم لا في مقابل التصدي للعمل القضائي، فإذا جاز للقاضي أخذ الأجرة على ممارسة العمل القضائي استناداً إلى الأصل الأولي فلا يجوز له أخذ المال في مقابل الحكم ولو كان بحق، لعدم صدق عنوان الأجرة عليه عرفاً، بل هو مشمول لمطلقات الرشوة. ولعل الحكمة من تحريم أخذ المال مقابل الحكم ولو بالحق هي تحصين القاضي عن السقوط أمام المغريات التي قد تدفعه للانحراف عن جادة الاستقامة والعدالة، لأن الإنسان مجبول على الميل لمن أحسن إليه وهذا الميل قد يدفع القاضي لا شعورياً إلى أن يوجه البيّنات والوثائق ويدرس الأدلة بطريقة تنسجم مع ميله وهواه. ولا يفرق في حرمة أخذ القاضي ما يبذل له، بين أن يكون ذلك مسبوقاً بالمشارطة منهما صراحة، أو قصداه ضمناً، وبين أن يكون ذلك هو قصد الباذل وحده إذا أثَّر ذلك في القاضي، بل وإن لم يؤثر، بأن يكون قصده في الأساس الحكم له وإن لم يعطه الرشوة. فما يقال عن عدم البأس بالأخذ إذا لم يكن مؤثراً فيه لا وجه له، لصدق الرشوة على المدفوع لمجرد قصد الباذل ذلك، فتشمله الأدلة المانعة عنه والناهية عن أخذه. حكم بذل الرشوة: وكما يحرم على الحاكم أخذ الرشوة يحرم على الآخرين بذلها لها وذلك استناداً إلى قوله تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ}(البقرة:188) فإنها واضحة الدلالة على عدم جواز البذل للحكام بغرض أكل أموال الناس بالإثم، واستناداً إلى ما ورد في الحديث:: "لعن رسول الله الراشي والمرتشي والرائش"( )، وقد يستدل لذلك أيضاً بأن المستفاد من الأدلة المتقدمة على حرمة الرشوة أن الله لا يريد تحقق الرشوة في عالم الحكم كلياً، ولذا لا بدّ من سد كل الأبواب التي يمكن أن تؤدي إلى تحققها ومن هنا تحرم على الأخذ والباذل معاً، ويمكن أن يضاف إلى ذلك أن بعض الروايات كصحيحة عمار ومعتبرة السكوني انصبَّ النهي فيها على عنوان الرشوة دون ذكر المتعلق، فيستفاد من ذلك حرمة أخذ الرشوة وحرمة بذلها بمقتضى أن حذف المتعلق دليل العموم فتأمل. وأما الاستدلال( ) على الحرمة بأن نبذل الرشوة إعانة على الإثم فيحرم ذلك. فقد يناقش فيه: بأنه إن أريد من ذلك حرمة الإعانة على الإثم بعنوانها فهذا لا دليل عليه على إطلاقه، وقوله تعالى: {لَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ}(المائدة:2) دال على حرمة التعاون لا الإعانة. وإن أريد بذلك إثبات حرمة البذل لكونه مقدمة للحرام فيرده: بأنه ثبت لدينا أن مقدمة الحرام ليست محرمة. إلا إذا كانت المقدمة من الأسباب التوليدية التي يتبعها بالضرورة وجود الفعل ولا يتوسط بينها وبينه اختيار الإنسان، ومقامنا ليس كذلك إذا بذل الرشوة لا يتبعه أكلها أو أخذها بالضرورة، فربا بذل الباذل ولكن الحاكم امتنع عن الأخذ أو الأكل. فتحصل أن بذل الرشوة ــ كأخذها ــ محرم ويستثنى من ذلك ما لو كان مكرهاً على البذل، أو مضطراً له كما لو توقف استنقاذ حقه على ذلك فتسقط حرمة البذل بمقتضى حديث الرفع وغيره، وإن حرم على الآخذ في الحالتين. حكم الوسيط في الرشوة: قيل( ): أنه يحرم التوسط في إيصال الرشوة، كذلك يحرم التوسط في الاستزادة والاستنقاص ويسمى المتوسط لذلك بالرائش. ويمكن الاستدلال له بلعن الرائش الوارد في الحديث النبوي المتقدم لو تمّ سنده، وإلا أشكل الأمر، لعدم تمامية الاستدلال عليه بحرمة الإعانة على الإثم، لما ذكرناه من عدم تمامية هذه القاعدة عندنا وفاقاً للسيد الأستاذ (قده). الرشوة أعم من المال: ذكر بعض الفقهاء أن الرشوة قد تكون مالاً من عين أو منفعة، وقد تكون عملاً يقدمه الباذل للقاضي كخياطة ثوبه أو تعمير داره أو حراثة أرضه أو نحو ذلك، وقد تكون قولاً كأن يمدحه ليستميل قلبه ويستدر عواطفه ومشاعره نحوه، وقد تكون فعلاً من الأفعال كالسعي في قضاء حوائجه وإظهار تعظيمه وتبجيله ونحو ذلك، وكل ذلك محرم إما لصدق الرشوة عليه أو للإلحاق بها( ). والظاهر أن الوجه في الإلحاق هو تحقق ملاك الرشوة في الموارد المذكورة وإلغاء الخصوصية عن المال، إذ من القريب جداً أنّ الرشوة حرّمت بسبب الأثر النفسي الذي قد تركته في نفس القاضي ما يدفعه ــ في الأعم الأغلب ــ إلى الميل في القضاء لصالح الراشي مسايرة ومداهنة له ولو لم يكن محقاً، فأراد الله بتحريم الرشوة سدّ هذ البال الذي قد يدخل منه الفساد إلى القاضي، ومن الواضح أن هذا الملاك كما يوجد في صورة ما إذا كان البذل مالاً فهو موجود في صورة ما إذا كان فعلاً أو عملاً أو قولاً. حكم الهدية: هل يجوز للقاضي أخذ الهدايا من المتحاكمين أو أن ذلك محكوم بالحرمة كما هو الحال في الرشوة؟ لو كنا نحن والقاعدة فهي تقتضي جواز أخذ الهدية سواء كان غرض المُهدي استمالة القاضي للحكم له، أو كان غرضه مجرد الملاطفة والتودد إليه، وإن كان قد يحرم على الباذل البذل بقصد استمالة القاضي للحكم له. ولكن ثمة أدلة يمكن الاستدلال بها على حرمة الهدية تقتضي رفع اليد عن مقتضى القاعدة والأصل: 1- رواية الأصبغ بن نباتة المتقدمة عن أمير المؤمنين(ع) وجاء فيها "وإن أخذ هدية كان غلولاً، وإن أخذ الرشوة فهو مشرك"( )، والغلول هو الخيانة. وقد أجاب السيد الأستاذ عن الرواية بما ملخصه: أولاً: هي ضعيفة السند. وثانياً: أنها واردة في هدايا الولاة دون القضاة، وبما أن الهدية إلى الولاة جائزة فلا بد من حمل الرواية على بعض المحامل الممكنة: الأول: أن تحمل على الكراهة. الثاني: أن تحمل على ظاهرها ولكن يقيد الإعطاء بكونه لدفع الظلم أو إنقاذ الحق أو لأجل أن يظلم غيره، فإنه في هذه الصور محرمة على الوالي وفي الصورة الأخيرة على المعطي أيضاً. الأول: الأول: أن تحمل على الكراهة. الثاني: أن تعمل على ظاهرها ولكن يقيد الإعطاء بكونه لدفع الظلم أو إنقاذ الحق أو لأجل أن يظلم غيره، فإنها في هذه الصور محرمة على الوالي وفي الصورة الأخيرة على المعطي أيضاً. الثالث: "أن تحمل على كون ولايتهم من قبل السلطان مشروطة بعدم أخذ شيء من الرعية"( ). ويلاحظ على كلامه (قده) بأن كونها واردة في الولاة دون القضاة لا يضر بالاستدلال بها لأن القضاء ليس أقل خطراً من الولاية، فالقضاء يتعلق بأموال الناس وأعراضهم ودمائهم مما يعلم باهتمام الشارع به اهتماماً بالغاً، هذا إذا لم نقل أن القضاة هم من الولاة أيضاً لأن القضاء شعبة من شعب الولاية، وأمّا المحامل التي حملها السيد عليها فيه خلاف الظاهر، ولهذا فالرواية لو رفضت هي ترفض لضعفها السندي لا الدلالي. 2- ما رواه جابر عن النبي(ص) أنه قال: "هدية الأمراء غلول"( )، وفي سنن البيهقي بسنده عن أبي حميد الساعدي قال: قال رسول الله(ص): "هدايا الأمراء غلول"( ) وفي الدر المنثور في تفسير قوله تعالى في سورة المائدة: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}(المائدة:42) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله(ص): "هدايا الأمراء سحت"( ). وليس في هذه الروايات ما يعتمد على سنده إلا أن يدعى حصول الوثوق والاطمئنان بصدورها بسبب استفاضتها واشتهارها عند الفريقين. وقد يعترض على دلالتها بأن إضافة الهدايا إلى العمل هي من باب إضافة المفعول إلى الفاعل، بمعنى أن الغلول هو الهدية التي يقدمها الوالي إلى الرعيّة. ولكن هذا الاحتمال مخالف للظاهر خصوصاً بمعونة بعض الروايات المتقدمة التي ظاهرها حرمة ما يأخذه العامل من الهدايا لا ما يقدمه للآخرين، والروايات تتحدث حول مضمون واحد، وبتعابير متقاربة. 3- روى أبو حميد الساعدي قال: "استعمَل رسول الله(ص) رجلاً من بني أسد يُقال له: "ابن اللُّتْبيَّة" على الصدقة فلمَّا قَدِم، قال: هذا لكم، وهذا لي أُهْدِي لي. قال: فقام رسول الله(ص) على المنبر، فحَمِد الله وأثْنَى عليه، وقال: "ما بال العامل أبعثه، فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت وأُمِّه، حتىة ينظر أيُهْدى له أم لا؟ والذي نفسي محمد بيده، لا ينال أحد منكم شيئاً إلاَّ جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه بعير له رُغاء، أو بقرة لها خُوار، أو شاة تَيْعَر، ثم رفَع يديه؛ حتى رأَيْنا عُفْرتَي إبطَيه ثم قال: "ألا هل بلَّغْت؟! مرتين"( ). وقد اعترض السيد الأستاذ على الاستدلال بها: "أولاً: بأن الرواية ضعيفة السند لكونها منقولة من طرق العامّة، وثانياً: أنها وردت في عمّال الصدقة فلا ترتبط بما نحن فيه"( ). أقول: الرواية وإن كانت ضعيفة السند لكنّها تلتقي مع ما ذكرناه وتعضده، ولا يبعد إلغاء الخصوصية عن عمال الصدقة والتعدي إلى ما نحن فيه، لأن طبيعة المسؤوليات العامة التي تتصل بحياة الناس تفرض التشدد في القضايا المالية احتياطاً للعدالة، سيما أن المال لم يقدم لهذا الوالي أو القاضي بصفته الشخصية بل بصفته مسؤولاً أو حاكماً أو قاضياً. 4- ما رواه الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا(ع) بأسانيده عن الرضا(ع) عن رسول الله(ص) في قوله: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ}(المائدة:42) قال: "هو الرجل يقضي لأخيه الحاجة ثم يقبل هديته"( ). ولكن يلاحظ على الاستدلال بهذه الرواية مع غضِّ النظر عن جهالة سندها، أنها لا ترتبط بالمقام وهو قبول الهدية قبل قضاء الحاجة من حكم أو نحوه، وإنما هي ناظرة إلى قبول الهدية بعد قضاء الحاجة، وتحريم ذلك لا يمكن الالتزام به إذ من الواضح فقهياً أنه لو قضى أحد حاجة أخيه المسلم قربة إلى الله أو لأي دافع آخر وبعد ذلك أهداه الآخر هدية فلا وجه لحرمة قبولها، ولهذا قد تحمل الرواية على الكراهة بلحاظ أن ذلك يؤدي به إلى الاعتياد على عدم قضاء حوائج الأخوان إلا إذا قُدّمت له الهدايا فيصير يطلب من الناس ذلك بعد أن لم تكن نيته كذلك في أول الأمر، وربما تصل به المسألة في نهاية الأمر إلى قبول الرشاوى وبذلك تفسد أخلاقيته ويفقد روح الإيثار والإحسان للآخرين. 5- تنقيح المناط القطعي وافتراض أن ملاك تحريم الرشوة موجود في الهدية، بأن يدعى بأن المناط في حرمة الرشوة هو أنها في الأعم الأغلب تؤثر على سلامة القضاء واستقامته نتيجة لتأثيرها المباشر على استقامة الماضي وعدالته وميله مع هواه ورغباته، وهذا المناط موجود في الهدية لأن الناس لا تهدي له حباً بشخصه بل محاولة منها للتأثير على عواطفه ما يدفعه إلى الميل لهم في أحكامه ومراعاة مصالحهم في قضائه. وبما يناقش ذلك بأن هذا الملاك ليس قطعياً لأنه لا يملك أحد الإطلاع على ملاكات الأحكام الإلهية، نعم ربما يكون ذلك متحملاً أو مظنوناً لكن الظن لا يغني عن الحق شيئاً. ولنا أن نلاحظ على ذلك بأن مقولة غياب الملاكات عن إدراكنا وفهمنا التي أبعدتنا عن اكتشاف علل الأحكام ومقاصد التشريع، مسلمة في باب العبادات القائمة على التعبد المحض، دون باب المعاملات وغيرها من الأمور العقلائية التي لم يكن دور الشارع فيها دور التأسيس بل الإمضاء، ومن ذلك ما نحن عليه، فإن منع القاضي من قبول الرشا في الحكم مسألة عقلائية ومعلومة الملاك ــ وهو ما تقدم ــ ولذا لا يختص المنع بالتشريع الإسلامي بل هو موجود في كل الأنظمة والقوانين الوضعية، وبنفس الملاك نجد أن غالبية دول العالم التي تحترم نفسها تمنع القاضي أو المسؤول قبول الهدايا، تمماً كما تمنعه من قبول الرشاوى، حرصاً منها على عدم انحرافه وفساده. ومن مجموع ما تقدم يمكن للفقيه الحكم بحرمة الهدية على القاضي، فإن الأخبار وإن لم تعطينا حجة للفتوى لأنها ضعيفة السند، لكن نتيجة لتظافرها واستفاضة بعض مضامينها وورودها من طرق السنة والشيعة، يضاف إلى ذلك مسألة تنقيح المناط، وأن ذلك هو مقتضى الاحتياط للعدالة التي نعهد حرص الإسلام عليها في شأ، المسؤولين يمكن الاطمئنان بالحرمة، وإننا نقرأ في نهج البلاغة رفض الإمام لهدية الأشعث وتقززه منها كما يتقزز الإنسان من سم الأفعى، يقول(ع): "وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها، ومعجونة شنئتها، كأنما عجنت بريق حية أو قيئها، فقلت: أصِلة أم زكاة أم صدقة؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت، فقال: لا ذا ولا ذاك، ولكنها هدية. فقلت: هبلتك الهبول..! أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبط أنت أم ذو جنّة؟ أم تهجر؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت..."( ). ومن خلال الحديث المتقدم في الهدية يتضح حكم المعاملة المحاباتية بأن يبيعه بأقل من ثمن المثل لغرض استمالته والحكم له، فإن هذه المعاملة محرمة لأنها رشوة أو ملحقة بالرشوة بتنقيح المناط وإلغاء الخصوصية، ويبدو من السيّد اليزدي(قده) الفراغ عن حرمة الهدية والهبة والمعاملة المحاباتية مع القاضي، ولذا وجّه الحديث إلى الجانب الوضعي في المسألة حيث قال: "من الرشوة أو يلحق بها الهبة أو الهدية أو المصالحة أو البيع محاباةً لغرض الحكم له بالباطل، وفي صحة المذكورات وعدمها وجهان..." ( ). حرمة الرشوة في غير القضاء: الرشوة لغرض محرم: لا تختص الرشوة بما يبذل القاضي ليحكم للباذل حقاً كان أو باطلاً بل تعم ما يبذل في غير القضاء لتحقيق أمر أو غرض محرم كأن يبذل المرء شيئاً لحاكم أو ظالم أو رئيس أو موظف ليعينه على ظلم أو غيره من المعاصي، فمثل ذلك محرم أيضاً، وإن للرشوة في القضاء خصوصية وأهمية استثنائية لاتصاله المباشر بعالم الحقوق فتكون الرشوة فيه أشد ضرراً وأمضى خطراً، لكنها تبقى ــ بعنوانها العام ــ من وسائل الضغط النفسي على بعض الأشخاص لينحرف عن الحق ويرتكب بعض الأفعال المحرمة. فما يبذل للحاكم أو المسؤول أو الموظف بهدف تجاوز الحقوق وإبطالها وإحقاق الباطل وإحيائه فهو رشوة( ) محرمة وتشمله إطلاقاتها، ولو شكك في صدق عنوان الرشوة عليه فيمكن الالتزام بحرمته بوجه آخر وهو أن حرمته على وفق القاعدة لأن كل عمل أو فعلٍ يفعله الإنسان بقصد أن يدفع شخصاً آخر إلى ارتكاب الحرام فهو محرم، ويمكن أن نضيف إلى ذلك التمسك بالمناط على اعتبار أنّ الرشوة إنما حرمت على القاضي ــ كما ذكرنا ــ لكونها وسيلة تهيّئ الأجواء أمام انحرافه في حكمه وخروجه عن خط الاستقامة، وهذا المناط موجود في رشوة الحاكم وغيره من المسؤولين. هذا كله لو كان البذل في قبال عمل محرم. الرشوة لغرض مباح: وقد تطلق الرشوة على ما يبذل في قبال عمل محلل، كما لو دفع شخص مالاً ليحوّله عن داره أو يتنازل عن مكانه الذي سبق إليه في السوق أو المدرسة، وقد صرّحت بعض الأخبار بانطباق عنوان الرشوة عليه، ولكنها في الوقت نفسه أكدّت على جوازه كما ورد في صحيح ابن مسلم قال: "سألت أبا عبد الله(ع) عن الرجل يرشو الرجل الرشوة على أن يتحوّل من منزله فيسكنه؟ قال: لا بأس"( ). وقد يقال أن إطلاق الرشوة على مثل ذلك هو إطلاق مجازي، لأن العرف لا يرى ذلك رشوة، وكيف كان فلا إشكال في جواز ذلك كم نصت عليه الصحيحة الآنفة، وقد جرت الإنسانية في مدى تاريخها الطويل على أن يدفع المرء شيئاً من ماله أو يحقق عملاً لغير ليحصّل لنفسه منفعة مقبولة في العرف أو مصلحة سائغة كدفع ظلم محقق أو محتمل عن نفسه أو يسرّع في تحصيل حاجة له، وهذا أمر شائع في زماننا هذا سيما في الموارد التي لا يتمكن الإنسان من تحصيل حقه أو دفع الضر عنه إلاّ بواسطة الرشوة أو البذل فيجوز للباذل ما يسهل له الوصول إلى حاجته المباحة. لكن ثمة استثناء هنا وهو أن كثيراً من الناس يدفعون المال أو ينجزون خدمة أو عملاً لموظف معيّن ليعينهم على قضاء حاجة مباحة في ذاتها لكن بطريقة يتجاوز فيها القانون ويخالف فيها النظام الذي يضبط عمل هذا الموظف، ويحدد له حدود صلاحياته والأصول التي يلزمه إتباعها في وظيفته ومهامه، ففعلٌ كهذا وإن كان جائزاً في نفسه لكنه يحرم بلحاظ خرقه للقانون، أو إخلاله بالنظام العام، أو حصول الاعتداء على حقوق الآخرين وتجاوزها بغير وجه حق. وكما لا يجوز البذل في مورد كهذا من قبل الباذل كذا لا يجوز الأخذ من قبل المبذول له، لأن المفروض أنه موظف ملزم بالعمل وفق النظام ومقيَّد بالأصول المرعية الإجراء، وبميثاق عمل ينظم عمله ويحدد صلاحياته ولا يسمح له بقبول الرشاوي من قبل المراجعين من الناس، ولا يفرق قي ذلك بين كون الموظف موظفاً رسمياً وبين كونه في شركة خاصة أو مؤسسة أهلية ما دامت هذه المؤسسات ــ حكومة كانت أو أهلية ــ قد منعت موظفيها من تقاضي المال من المراجعين، وذلك حرصاً منها على عدم تفشي الفساد في جهازها الإداري أو السياسي أو الأمني أو العسكري... وقد يقال بحرمة أخذ الموظف للمال في قبال العمل المشروع حتى لو لم يكن فيه تجاوز على حقوق الآخرين ولا مخالفة للنظام ولا إخلال بمقتضيات القانون، وذلك في الحالات التي يكون من الواضح فيها أن الجهة التي استخدمت الموظف واستأجرته إنما تدفع له الأجرة في قبال فعله ليؤديه للناس على نحو المجان وبلا مقابل فيكون عمله ــ والحالة هذه ــ ملكاً للجهة التي استخدمته ووظّفته، فلا يجوز له تقاضي المال في قبال عمله لعدم ملكه له. وقد يستفاد هذا المعنى من خير الصيرفي قال: سمعت أبا عبد الله(ع) وسأله حفص الأعور فقال: "إنّ عمال السلطان يشترون منّا القرب والأداوة فيوكلون الوكيل حتى يستوفيه منّا ونرشوه حتّى لا يظلمنا؟ فقال: لا بأس ما تصلح به مالك، ثم سكت ساعة ثم قال: أرأيت إذا أنت رشوته يأخذ أقل من الشرط؟ قلت: نعم قال: فسدت رشوتك"( ). حيث دل على أن الرشوة التي تقود إلى أن يأخذ العامل منه أقل مما يستحق في ذمته عمل غير جائز شرعاً حتى لو كان ما يدفع هو مال للسلطان الجائر. وهذا الخبر وإن كان ضعيف السند لجهالة حكيم بن حكم الصيرفي( )، لكنه يصلح مؤيداً لما سقناه من دليل. فتحصل أنه في الموارد التي يكون فيها دفع البذل على خلاف القانون أو الشرط أو في تجاوز لحقوق الآخرين أو لميثاق العمل الذي يلزم الموظف بالعمل المجاني يكون أخذه محرماً، وإلاّ جاز من غير فرقٍ بين أن يكون مالاً أو منفعة أو عملاً يؤدى. حكم ضمان الرشوة: إذا حرمت الرشوة في المواضع المذكورة لم يملكها المرتشي تماماً كما لا يملك المقرض ما يأخذه من الربا، وبقيت على ملك الراشي، فيجب إرجاعها إليه مع بقاء عينها، أما مع تلفها من يده أو إتلافه لها فهل يضمنها أم نسب السيد اليزدي( ) القول بالضمان إلى صريح جماعة بل عن بعضهم نفي الخلاف في ذلك وعن ظاهر المسالك الإجماع عليه( ). وما يمكن الاستدلال به للضمان أمور: 1- الإجماع المدعى في كلام الشهيد الثاني. ويرده: بأن دعوى الإجماع في مثل المقام لا قيمة لها لعدم إحراز كونه تعبدياً، إذ من المحتمل ــ إن لم يكن مقطوعاً ــ أن يكون منشأ دعواه ما استدل به للضمان من الأدلة الآتية، فلا يكون كاشفاً عن رأي المعصوم، وإنما تتوجه كاشفية الإجماع عن الحكم الشرعي في الحالات التي لا يوجد فيها دليل يمكن أن يكون أساساً للحكم، أما في الموارد التي يحرز فيها وجود دليل اجتهادي أو فقاهتي من قاعدة أو أصل أو حكم عقلي أو آية أو رواية فلا يكون للإجماع في نفسه قيمة، وإنما القيمة لذاك الدليل المحتمل استنادهم إليه. 2- "قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده" وقد استقرب السيد اليزدي)( ) (قده) أن يكون منشأ دعوى الإجماع هو القاعدة المذكورة، ووجه الاحتجاج بها على الضمان هو أن الراشي إنما بذل ما بذله في قبال أن يحكم القاضي له، فيكون بذله للرشوة بعنوان المعاوضة فيكون مصداقاً لقاعدة "ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده". ثم استشكل السيد(قده) في ملحقات العروة( ) على الاستدلال بالقاعدة المذكورة بأمور: الأول: أن القاعدة المذكورة أخص من المدعى، إذ قد لا يكون البذل بعنوان المعاوضة، وإنما يعطي الباذل مجاناً، ويتحقق ذلك في المواضع التي يقصد فيها الراشي التأثير في نفس القاضي ليكسب وده ويستدر عطفه، فلا يكون الدفع في قبال الحكم ولا في قبال أي عوض آخر. ويمكن المناقشة في ذلك: بأن القائلين بالضمان اعتماداً على قاعدة "ما يضمن" قالوا به في البيع المحاباتي، فإنه بيع يقصد فيه المعاوضة ولم يتمسكوا بها بشكل مطلق، بل تمسكوا في غير البيع المحاباتي وغير الرشوة المقابَلة بوجوه أخرى للضمان. الثاني: أن القاعدة المذكورة غير مسلّمة أصلاً ولا دليل عليها. ويلاحظ عليه: أن الأساس في القاعدة المذكورة السيرة العقلائية القائمة على الضمان في المعاوضات التي لا يكون التسليط فيها مجانياً ولا تكون اليد أمانيّة، وكل من يتأمل في العلاقات الاقتصادية للعقلاء يدرك استقرارهم على السيرة المذكورة، من قبيل قاعدة اليد أو قاعدة الإقدام. إن قلت: لا يصح التمسك بقاعدة الإقدام لأن ما أقدم عليه الباذل وهو المسمى لم يسلم له، لفرض فساد المعاملة وتلف المسمى، وما يراد ضمانه بعد الفساد وهو المثل لم يقدم عليه. قلت: بأن دليل الإقدام لم يلحظ فيه ذلك بل لوحظ فيه إقدام الطرفين على عدم المجانية، فإذا لم يسلم المسمى فكان اللازم ضمان المثل أو القيمة، والبحث الموسع في هذه المسألة موكول إلى محله. الثالث: إن المفروض في المقام أنّ الراشي راضٍ بإتلاف ماله من قبل المرتشي لأنه هو الذي سلطه عليه بإرادته ورضاه مع علمه بعدم ملكيته له وحرمته عليه، فيكون الباذل هو الهاتك لحرمة ماله. ورضاه بالإتلاف وإن كان مقيداً بالعوض وهو الحكم له، إلاّ أن قيده حاصل بعد فرض الحكم، فحاله حال سائر المقبوضات بالعقود الفاسدة وقد اخترنا ــ والكلام للسيد اليزدي قده ــ فيها عدم الضمان مع التلف، نعم لو كان رضاه مقيداً بالحكم له ولم يحكم له القاضي أمكن أن يقال بالضمان، لأن المفروض أن رضاه مقيدٌ بقيدٍ لم يحصل. ويرد على أصل الاعتراض: أن المفروض هو كون البذل في مقابل الحكم، ومجرد علمه بعدم مشروعية البذل وعدم تملكه له لا ينافي لحاظ العوضية ولو تشريعاً من قبل نفسه، كالكثيرين الذين يتملكون المال بالغصب مع علمهم ببطلانه شرعاً، تشريعاً من عند أنفسهم. 3- السيرة العقلائية الجارية على احترام ما يبذله المسلم من مال أو عمل أو منفعة لا بعنوان المجنية، وهذه السيرة هي المستند لما يعرف بضمان اليد حتى لو لم يصح حديث "على اليد ما أخذت حتى تؤدي" أو "حتى تؤديه" باعتبار كونه عامياً( ) وقد رواه سمرة بن جندب المعروف حاله، هذا على الرغم من اشتهار الاستدلال به في كتبنا الفقهية، مما اعتبره البعض جابراً لضعفه بناءً على كبرى جابرية عمل المشهور لضعف السند، هذا كله في الحكم الوضعي للرشوة. الحكم الوضعي للهدية والمعاملة المحاباتية: وأما المعاملة المحاباتية التي عرفت فيما سبق، إما لكونها رشوة أو لكونها ملحقة بالرشوة، فقد وقع البحث بين الفقهاء في صحتها وعدمها وفي ضمان المأخوذ فيها وعدمه؟ أما في البحث الأول: فقد اختار في الجواهر ــ القول بالبطلان مطلقاً قال(قده): "ثم إن المتجه بناءً على أنّ من أفرادها عقود المحاباة ــ مثلاً ــ بطلان العقد الذي وقع على جهة الرشوة لما عرفت من النصوص الدالة على بقاء المال على ملك الراشي بأي طريق كان، بعد فرض اندراجه في الرشوة( ). وهكذا قوى الشيخ الأنصاري(قده) القول الفساد حيث قال: "وفي فساد المعاملة المحابي بها وجه قوي"( ) على الرغم من أنه اختار في مسألة الإعانة على الإثم عدم فساد البيع بقصد توصل الغير إلى المحرّم مثل بيع العنب ليعمل خمراً قال: "لتعلّق النهي بما هو خارج المعاملة أعني الإعانة على الإثم، أو المسامحة في الردع عنه، ويحتمل الفساد، لإشعار قوله(ع) في رواية التحق المتقدمة بعد قوله: "وكل بيع ملهو به، وكل منهي عنه مما يتقرب به لغير الله أو يقوى به الكفر والشرك في جميع وجوه المعاصي، أو باب يوهن به الحق: فهو حرام محرم بيعه وشراؤه وإمساكه..."( ) بناءً على أن التحريم مسوق لبيان الفساد في تلك الرواية، كما لا يخفى. لكن في الدلالة تأمل، ولو تمت لثبت الفساد مع قصد المشتري خاصة للحرام، لأن الفساد لا يتبعض( ). ولكن السيد اليزدي(قده) ــ بعد نقله لهذا الكلام ــ استقرب عدم الفساد قائلاً: "والأوجه: عدم الفساد لما ذكر من تعلّق النهي بأمر خارج عن المعاملة، ولا فرق بين المقام وبين مسألة الإعانة، ولا نسلّم ما ذكره صاحب الجواهر(قده) من بقاء المال على ملك الراشي بأيّ طريق كان، وإنّما هو مسلّم في صورة البذل من غير أن يكون بعقد من العقود. نعم، لو لم يقصد من المعاملة إلاّ المحاباة التي في ضمنها، أو قصد المعاملة ولكن قصد الرشوة بالمحاباة فيها لا بأصلها، بطلت لعدم قصد المعاملة في الأوّل واستلزام بطلان مقدار المحاباة لبطلان أصل المعاملة في الثاني. نعم يمكن أن يقال: إنّه إذا قصد الرشوة بالمعاملة المحاباتيّة يصدق عرفاً أنّ العين الموهوبة مثلاً رشوة فتكون حراماً ولازمه بطلان المعاملة، وهذا هو الفارق بين المقام وبين مسألة الإعانة"( ). أقول: ما ذكره السيد اليزدي(قده) وجيه فالأقرب هو التفصيل: بمعنى أنّه لم يُقصد من البيع المحاباتي إلا المحاباة بطل العقد لعدم قصد المعاملة أصلاً، وكذا لو قصد الرشوة بالمحاباة في المعاملة بحيث صدق عنوان الرشوة على المعاملة عرفاً صدقاً حقيقياً لا صدقاً تسامحياً وتنزيلاً للبيع المحاباتي منزلة الرشوة لاتحاد الملاك، ففي هذه الصورة أيضاً يحكم بالبطلان لأن المعاملة بلحاظ صدق عنوان الرشوة عليها تكون محرمة ولازم ذلك هو البطلان، وأما في غير ذلك أي لو لم يقصد خصوص المحاباة بالبيع أو لم تصدق الرشوة على المعاملة عرفاً، فلا يحكم ببطلان المعاملة المحاباتية لأن النهي يكون متعلقاً بأمر خارج عن المعاملة لا بها بعنوانها، والمعاملة الفاسدة هي التي يتعلق التحريم بها بعنوانها كحرمة بيع الخمر، ويكون حال حرمة البيع في موردنا كحال حرمة البيع وقت النداء لصلاة الجمعة إذ النهي هناك تعلق بالبيع لا بما هو بيع، إنما به هو فعل يعطّل حضور صلاة الجمعة فلا يكون موجباً للبطلان، والبيع المحاباتي هنا حرام لكن لا بعنوان كونه بيعاً، بل باعتبار انطباق عنوان الرشوة عليه، وهو عنوان لا دخل له في المعاملة من حيث هي عقد من العقود ولذا لا يحكم بالبطلان. أما البحث الثاني: وهو ضمان المأخوذ بالعقد المحاباتي: فإن قلنا بصحة المعاملة المحاباتية فلا يدب رد المبذول مع بقائه فضلاً عن دفع العوض عند تلفه، وبعبارة أخرى لا وجه للضمان في هذه الصورة لأنها معاملة مبنية على المعاوضة، والمفروض أنّ ما دفعه مقابل المال، غايته أنها مشروطة بأن يحكم له وهذا شرط فاسد والشرط الفاسد غير مفسد كما هو المعروف بين المتأخرين، نعم تخلفه يوجب ثبوت خيار تخلف الشرط. وإن قلنا بالبطلان فمع بقاض العين يجب الرد وجهه واضح، ومع تلفها يكون القاضي ضامناً لقاعدة "ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده" أو لقاعدة اليد أو للسيرة المذكورة، نعم بناء على مختار السيد اليزدي(قده) من عدم الاعتراف بتلك القاعدة يتوجه عدم ضمانه. هذا كله في حكم البيع المحاباتي. وأما حكم الهدية أو الهبة فقد اتضح مما ذكرناه، فلو حكمنا بصحتها رغم حرمتها فلا يجب ردها على القاضي مع بقاء العين فضلاً عن رد عوضها مع تلفها وإن كان بإمكان صاحب العين الرجوع فيها مع بقائها، وأما لو حكمنا ببطلانها فمع بقاء العين يلزمه الرد ومع التلف لا يلزمه التعويض لأن ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده، وأما قاعدة على اليد فهي مختصة في غير موارد التسليط المجاني. عدم نفوذ حكم الحاكم المرتشي: لا ينفذ حكم الحاكم الآخذ للرشوة وإن حكم بالحق وعلى طبق القواعد والموازين الشرعية، لصيرورته بذلك فاسقاً فيختل شرط العدالة المعتبر ــ كما سلف ــ في تحقق أهليته للقضاء، نعم لو تاب ثم حكم بالحق بعد التوبة صح قضاؤه ونفذ حكمه( )، لأن قبول حكمه وعدمه دائران مدار توفر الشروط المعتبرة فإذا أحرزنا توفرها فيه عند الحكم نفذ وإلا فلا، بغض النظر عن الحالة التي كان عليها قبله. والأقرب بنظرنا أن العدالة هي الاستقامة على جادة الشريعة بفعل الواجبات وترك المحرمات وليست هي الملكة التي يقتدر بها على فعل الواجبات وترك المحرمات، وعليه فلا يحتاج القاضي المرتشي إذا تاب إلى مضيِّ مدة يُحرز معها عود الملكة. الشك في كون المدفوع هدية أو رشوة: إذا شك في كون المدفوع إليه رشوة أم لا؟ فتارة يكون الشك على نحو الشبهة الحكمية وأخرى على نحو الشبهة الموضوعية. أما لو كان الشك على نحو الشبهة الحكمية كما إذا شُك في كون المبذول للحاكم ليحكم بالحق رشوة أم لا؟ أو شُك في أن الأخذ مع عدم التأثير على نفسية القاضي وعلى حكمه رشوة أو لا؟ فالحكم في هذه الحالة هو جواز الأخذ لأصالة البراءة عن الحرمة( ). أما لو كان الشك على نحو الشبهة الموضوعية كما لو أُهدي إليه هدية وشك في أنه قصد بها الرشوة أم لا؟ فقد استظهر السيّد اليزدي(قده) جواز أخذها حملاً لفعل الباذل على الصحة ما لم تكن هناك قرينة على إرادة الرشوة منها، كما لو لم يكن من عادته ذلك قبل المرافعة، ثم أفاد بأن الأولى عدم أخذها مطلقاً أي حتى مع عدم قيام القرينة على قصد الرشوة منها، وربما كان وجهه صيانة مقامه وتنزيهه عن شائبة الارتشاء واحترازاً عما قد تحدثه الهدية في نفسه من ميل لا شعوري نحو المهدي، وسداً لباب التهمة عن نفسه، سيما مع ما علمناه من تشدد الشارع في شأن القضية ودعوتهم إلى التنزه عن كل ما يحتمل تأثيره في حكمهم والترفع عن كل عمل يسمح للآخرين بالتشكيك في شخص القاضي أو موقعه. هذا ولكن السيد اليزدي(قده) ذكر بعد ذلك أنه يمكن أن يقال بحرمة الهدية المذكورة حال المرافعة لوجهين: الأول صدق عنوان الرشوة عليه عرفاً. ولعل وجهه أن المبذول إنما يصدق عليه عنوان الهدية إذا لم يكن للباذل حاجة عند المبذول له، أما إذا بذل له مع حاجته إليه ومع انشغال المهدي إليه بالنظر في حاجته فهو إنما يبذل له ليستميل قلبه ويدفعه إلى تحقيق حاجته وإنجازها. ويلاحظ عليه أولاً: أننا لا نسلم بصدق الرشوة على الهدية مطلقاً، لأن المهدي قد لا يقصد من هديته إلا وجه الله سبحانه أو مجرد التودد إلى القاضي دون قصد التأثير عليه واستمالته ليكون رشوة، ومجرد التودد غير مبغوض كما لا يخفى، وإننا نجد أن نفس السيد(قده) قد فرق بين الرشوة والهدية "أنّ الغرض من الرشوة جلب قلبه ليحكم له ومن الهدية الصحيحة، القربة أو إيراث المودّة لا لداع أو الداعي عليها حبّه له، لوجود صفة كمال فيه من علم أو ورع أو نحوهما"( ). وثانياً: أن العرف إنما يرجع إليه في تشخيص المفاهيم لا في تحديد المصاديق، وفي المقام فإنّ شكَّنا متمحور حول كون المدفوع للحاكم رشوة أو هدية بعد وضوح مفهوم كل منهما، فالشك في المصداق مع وضوح مفهوم كليهما لدى العرب، فلا يمكن اللجوء إلى العرف للحكم بأن ما قُدّم مصداق للرشوة لا للهدية. الثاني: حرمة الهدية تعبداً ولو لم يصدق عليها عنوان الرشوة والسبب في ذلك هو وجود بعض الأخبار الدالة على حرمة الهدية بعنوانها وهي ما ورد عن رسول الله(ص): "هدايا العمال غلول أو سحت"( ). وقد تقدم أن هذه الأخبار ضعيفة السند فلا يمكن التعويل عليها في الحكم بحرمة الهدية، ولهذا فالأولى التمسك بما ذكرناه سابقاً من الوجوه التي يعضد بعضها بعضاً بما في ذلك هذه الأخبار فإنها إن لم تصلح للاستدلال فإنها تصل لتأييد سائر الوجوه التي مرّ ذكرها فراجع. رزق القاضي: بعد أن سدّ الإسلام الباب أمام القاضي ومنعه من أخذ الرشوة على الحكم وكذا الهدية أو الأجرة مقابل الحكم فيأتي السؤال كيف يعتاش هذا القاضي لو كان فقيراً؟ والجواب: أنّه يرزق من بيت المال وهذا لا إشكال في جوازه للقاضي مع حاجته، بل مطلقاً، إذا رأى الإمام المصلحة فيه كما ذكر الشيخ الأنصاري(قده)( ). والارتزاق غير الأجرة أو الجعالة، ففي الأجرة والجعالة يقدّر العمل والعوض والمدة في عقد الإجارة أو الجعالة، وأما الارتزاق من بيت مال المسلمين فهو منوط بنظر الحاكم الشرعي من دون أن يكون عقد خاص أو بتقدير خاص. والوجه في جواز ارتزاق القاضي من بيت المال أمران: 1- إن بيت المال وضع لأجل رعاية المصالح العامة للمسلمين وأي مصلحة أعظم من تأمين معيشة القضاة وتشكيل الجهاز القضائي الذي لولاه لشاعت الفوضى واختل النظام. وقد ورد في مرسلة حماد بن عيسى عن بعض أصحابنا الواردة في مصارف الأراضي الخراجية والأنفال: "... ويؤخذ الباقي فيكون بعد ذلك أرزاق أعوانه على دين الله، وفي مصلحة ما ينويه من تقوية الإسلام وتقوية الدين في وجوه الجهاد وغير ذلك ممّا فيه مصلحة العامّة"( ). 2- ما جاء في عهد الإمام(ع) للأشتر في قوله: "وافسحْ له ــ أي للقاضي ــ في البذل مما يزيح علَّته وتقلُّ معه حاجته إلى الناس"( ). حيث دل على ضرورة جعله في موقع الاكتفاء الذاتي حتى لا تضغط عليه حاجاته ما يدفعه إلى أخذ الرشوة من المتحاكمين أو غيرهما، وهو ما يؤدي إلى فساد الجهاز القضائي واختلال النظام العام. وربما يدعى وجود بعض الروايات المعارضة لما تقدم والمحرِّمة لارتزاق القاضي من بيت المال، وهي صحيحة ابن سنان قال: "سئل أبو عبد الله(ع) عن قاضٍ بين فريقين يأخذ على القضاء الرزق من السلطان؟ قال(ع) ذلك السحت"( ). ولكن لا يبعد أن يكون المراد ــ بمناسبة الحكم والموضوع ــ قضاة الجور الذين يُعيّنهم السلطان الجائر مع عدم كفاءتهم لذلك، وهؤلاء لا يجوز لهم الارتزاق من بيت المال كما هو واضح. 4- نقض حكم الحاكم المشهور بين الفقهاء أنه بعد انتهاء المحاكمة وصدور الحكم فليس للمحكوم عليه المطالبة بتجديد المحاكمة واستئنافها عند حاكم آخر أو عند نفس الحاكم الأول، ولا يجوز للحاكم الآخر نقض حكم الأول، وأفاد السيد الأستاذ(قده) أن هذا مما لا خلاف ولا إشكال فيه، فإنّ حكم الحاكم نافذ على الجميع سواء في ذلك الحاكم الآخر وغيره( ). واستثنى الفقهاء من ذلك ما لو كان الحاكم الأول فاقداً للشرائط أو كان حكمه مخالفاً لما ثبت قطعاً من الكتاب أو السنة( )، ووقع الخلاف في جوازه برضى الطرفين( )، وتحقيق المسألة يتم ضمن فروع: حرمة نقض حكم القاضي: الفرع الأول: لا إشكال ــ من حيث المبدأ ــ في نفوذ حكم القاضي ولزوم ترتيب الآثار عليه من الجميع بما في ذلك الحاكم الآخر، ولا يجوز نقضه ورده وعدم الالتزام به، لما دل على حرمة الرد عليه وأنّ الراد عليه راد على الله وهو على حد الشرك بالله( )، ولأن فتـح بـاب الـرد عـليه ونقض حكمه ينـافـي أصل تشريع القضاء الذي شرع من أجل فض النزاع وفصل الخصومات. استئناف الحكم: الفرع الثاني: هل يجوز للمحكوم عليه أو للمتحاكمين معاً رفع النزاع إلى حاكم آخر بعد صدور الحكم من الأول وانتهاء المرافعة والمحاكمة؟ وبعبارة أخرى هل يجوز استئناف الحكم عند حاكم آخر؟ المعروف بينهم أن ذلك غير جائز فلا تسمع الدعوى بعد صدور الحكم فيها، بل يمكن القول أنه لا مقتضي لسماعها لانتهاء الخصومة بصدور الحكم الأول، أضف لذلك أن هذا رد على الحاكم وهو غير جائز، كما أن فتح هذا الباب ينافي حكمة تشريع القضاء كما أسلفنا. ولكن ثمة وجهة نظر أخرى يمكننا طرحها في هذا المجال وهي أنه ما دام الدافع وراء لجوز أحد المتخاصمين إلى استئناف الحكم عند حاكم آخر هو وجود معطيات جديدة له، أو لاعتقاده باستناد واعتماد القاضي الأول على مقدمات خاطئة في حكمه ولم يمكن تنبيهه عليها، أو لوجود خلل في إدارة العملية القضائية ففي مثل ذلك لا يصدق على المستأنف أنه راد لحكم القاضي الأول، لأن الظاهر من الرد المنهي عنه في الروايات هو رفض الحكم من أساسه إما لاعتقاده بعدم شرعيته وحجيته رغم كونه صادراً وفق الموازين الشرعية، وإما لتنكره ورفضه الانصياع له عصياناً وتعنتاً، أما لو كان استئنافه لا ينطلق من ذلك، بل لجهة توفر معطيات جديدة أو لاعتقاده بخطأ مستند القاضي الأول فلا يكون الاستئناف والحال هذه مشمولاً للنهي عن الرد، وعليه فمن غير البعيد الالتزام بجواز الاستئناف عند حاكم آخر ليدرس المسألة من جديد ويصدر الحكم الحاسم في المسألة، وعلى هذا جرت القوانين الوضعية في تشريع مسألة الاستئناف، والظاهر أن الغرض من محكمة الاستئناف ليس أن تكون ملجأٌ لأولئك الذين يرفضون حكم القاضي لعدم انسجامه مع مصالحهم وأهوائهم أو لشكهم في مشروعية القانون الذي يستند إليه، بل لتكون احتياطاً للواقع وحرصاً على تحقيق العدالة لجهة أن القاضي قد يخطئ لعدم عصمته، فيعطى المحكوم عليه فرصة أخرى لتدريس قضيته بشكل أعمق ويدقق في الحكم مرة ثانية بمراجعة شاملة لحيثيات الدعوى بغية الوصول إلى الواقع، وحالة كهذه لا تشملها الإطلاقات الناهية عن رد حكم الحاكم، لأن هذه الإطلاقات افترضت أن الراد على الحاكم راد على الأئمة(ع) والراد عليهم راد على الله، ومن الواضح أن المستأنف الذي يملك معطيات جديدة تسلط الضوء على الدعوى أو تبيّن خطأ المستند الذي اعتمده الحاكم الأول لا يعتبر راداً على الأئمة أو الله سبحانه. ولا تشمله المطلقات لأنها ليست في مقام البيان من هذه الجهة، وإنما هي منصرفة إلى الرافض للقانون والقضاء تعنتاً أو اعتقاداً. بل ربما يقال إنّ الاستئناف يُعتبر وسيلة احتياطية معرفية لمعرفة الحكم الشرعي الواقعي في المسألة التطبيقية لأن القاضي الذي يستأنف الحكم عنده يقضي ــ على الفرض ــ بما ورد في الكتاب والسنة الذي جرى عليه الأئمة(ع) على صعيد النظرية والتطبيق. واستناداً إلى ذلك فلا يبعد القول بمشروعية إنشاء وجعل محكمة استئناف في الدولة الإسلامية في طول محكمة البداية( )، احتياطاً للعدالة وحرصاً على بلوغ الحق بملاحظة ما يستجد بعد الحكم البدوي أن ينكشف من ظروف أو قرائن كانت خافية أو غامضة على الحاكم الأول. نظر الثاني في حكم الأول: الفرع الثالث: هل يجب على القاضي الثاني أن ينظر في القضية التي قد بتّ فيها حاكم آخر أو أن ذلك جائز لكنه غير متعين عليه أو أن ذلك محرم؟ فهذا الفرع ينظر إلى تكليف القاضي بينما الفرع السابق كان ينظر إلى تكليف المتحاكمين. قال المحقق في الشرائع: "ليس على الحاكم تتبّع حكم من كان قبله، لكن لو زعم المحكوم عليه أنّ الأوّل حكم عليه بالجور لزمه النظر فيه"( ). والأقرب أنه لا يجب على الثاني النظر في صحة حكم الأول أو عدم صحته، بل يجوز له إمضاؤه من غير فحص عن صوابه وعدم صوابه عند ثبوت أهلية القاضي الأول واستجماعه للشرائط، وذلك استناداً إلى أصالة الصحة وعموم ما دل على نفوذ حكم القاضي المستجمع للشرائط بلا فحص عن مستند حكمه ومقدمات قضائه، نعم يجوز له النظر في الدعوى من جديد لو رغب في ذلك لأنّ مجرد النظر لا يعتبر رداً للحكم السابق، بل ربما وجب عليه ذلك بعد تحقق صحته وصوابيته، وذلك لأن عدم إمضائه له قد يعد رداً ورفضاً لحكمه. ولكن لو تبيّن له عدم صحته فهل يجوز له نقضه؟ هذا ما نتعرض له في الفرع الآتي. وما استقربناه في هذا الفرع موافقٌ مع مختار السيد(قده) في ملحقات العروة قال(قده): "إذا حكم حاكم بحكم في قضية ثم ترافعا إلى غيره، لا يجب عليه البحث عن صحة حكمه وعدمها، نعم يجوز له ذلك، وحينئذٍ فإن تبيّن كونه صواباً أو لم يتبيّن خطؤه يجوز له إمضاؤه مع كونه أهلاً عنده، بل قد يجب، كما أنه يجوز له إمضاؤه من غير فحص عن صحته وعدمها مع فرض كونه أهلاً، ولا يجوز له نقضه إلاّ..."( ). ثم إنه لا فرق في جواز إمضاء حكم الحاكم بين أن يكون حياً أو ميتاً، ولا بين بقائه على الأهلية أو فقده لها بعد الحكم، كأن يصبح فاسقاً أو مجنوناً، لأن المعتبر في صحة الحكم ونفوذه استجماعه للشرائط حال الحكم ولا يضر زوالها بعد صدوره. نعم يشترط في جواز الإمضاء من الحاكم الثاني علمه بصدور الحكم من الحاكم الأول، إما من خلال حضوره في مجلس الحكم، وإمّا بأن ينقل ذلك له بخبرٍ متواتر أو محفوفٍ بقرائن توجب القطع، ولا يكفي الظن بصدور الحكم منه حتى لو كان برؤيته صورة حكمه بخطه بل ولو كتب إليه أنه حكم بكذا إلا لم يحصل من ذلك العلم( )، واستدل لعدم كفاية الظن بأصالة عدم حجية الظن وخبر طلحة والسكوني: "أنّ عليّاً كان لا يجيز كتاب قاض إلى قاض في حدّ ولا غيره حتى وليت بنو أمية فأجازوا بالبيّنات"( ). ويبقى الكلام في حكم ما لو قامت عند البينّة على ما حكم به الأول، وكذا لو أخبره الثقة الواحد بذلك، ذكر السيد اليزدي( ) أنه في حال قيام البينة، فللعلماء ثلاثة أقوال: الكفاية مطلقاً، وعدمها مطلقاً، والتفصيل بين ما إذا أشهدها على حكمه وبين غيره فيكفي في الأول دون الثاني، وأما لو أخبره الثقة الواحد بحكمه فاختار(قده) عدم كفايته لعدم حجية خبر الواحد في الموضوعات. والصحيح ــ بنظرنا ــ الكفاية في الموردين أما عند قيام البيّنة فلأن أدلة حجية البيّنة عامة وشاملة لمثل المورد، وأما عند قيام خبر الواحد الثقة على ذلك فلأن المختار لنا حجية خبر الثقة في الموضوعات كما في الأحكام. موارد جواز النقض: الفرع الرابع: في جواز نقض حكم القاضي في بعض الصور والحالات. اتفق فقهاء السنة والشيعة على جواز نقض حكم القاضي في بعض الحالات، كما لو علم بمخالفته للواقع أو للضرورة الفقهية أو ثبت كون القاضي غير مستجمع لشرائط القضاء. قال في ملحقات العروة: "ولا يجوز له نقضه إلا إذا علم علماً قطعياً بمخالفته للواقع بأن كان مخالفاً للإجماع المعتبر أو الخبر المتواتر، أو إذا تبيّن تقصيره في الاجتهاد، ففي غير هاتين الصورتين لا يجوز له نقضه وإن كان مخالفاً لرأيه، بل وإن كان مخالفاً لدليل قطعي نظري، كإجماع استنباطي أو خبر محفوف بقرائن وإمارات قد توجب القطع مع احتمال عدم حصوله للحاكم الأول، فإن مقتضى إطلاق عدم جواز رد حكم الحاكم عدم جواز نقضه حينئذٍ..."( ). وأما فقهاء المذاهب الأربعة فذهبوا أيضاً إلى "أن الحكم إذا كان معتمداً على دليل قطعي من نص أو إجماع أو قياس جلي فلا ينقض؛ لأن نقضه إهمال للدليل القطعي، وهو غير جائز أصلاً، وأما إذا خالف الحكم دليلاً قطعياً، فينقض بالاتفاق بين العلماء، سواء من قبل القاضي نفسه، أو من قاضٍ آخر، لمخالفته الدليل. فإن كان الحكم في غير الأمور القطعية، وإنما في مجال الاجتهادات أو الأدلة الظنية، فلا يُنقض ــ بحسب نظام القضاة الفردي ــ حتى لا تضطرب الأحكام الشرعية أو تنعدم الثقة بأحكام القضاة، وتبقى الخصومات على حالها بدون فصل زماناً طويلاً، أما في أسلوب تعدد المحاكم، فإن الخصمين يعلمان سلفاً أن الحكم لم يكتسب الدرجة القطعية، وإنما يجوز استئنافه ونقضه، فلم تعد هناك خشية من اضطراب الأحكام؛ لأن الحكم لم يكتمل بعد..."( ). أقول: الظاهر صحة ما قيل من جواز نقض حكم الحاكم من قبل حاكم آخر فيما لو تبيّن له بالقطع مخالفته للواقع، بأن كان مخالفاً لنص الكتاب أو للتواتر أو لإجماع محقق كاشف عن قول المعصوم، أو تبيّن أن الحاكم الأول غير واجد للشرائط، والوجه في ذلك واضح وهو أن الحكم الأول والحال هذه غير معتبر شرعاً فلا يكون نقضه وإبطاله رداً للحكم الشرعي، بل يمكن القول ــ وخلافاً للسيد اليزدي(قده) ــ أنه لو حصل له القطع مطلقاً ولو من خبر محفوف بالقرائن والإمارات المفيدة للقطع أو من إجماع استنباطي أو أي دليل نظري آخر فيجوز له نقض حكم الأول، استناداً إلى نفس ما دل على جواز نقضه في الصورة الأولى أعني عند قيام إجماع محقق أو خبر متواتر على خلافه، وهو أن نقض الحكم والحال هذه لا يصدق عليه عنوان الرد عليه، لفرض القطع بخطئه وعدم مطابقة حكمه للواقع، مع قطع النظر عن منشأ القطع في الصورتين. والحاصل: أنا لا نجد فارقاً بين حالتي القطع، وإطلاقات عدة جواز رد حكم الحاكم إن تمت فهي جارية في الصورتين وإن لم تتمّ ــ وهو الأقرب ــ فهي غير تامة في الصورتين، نعم لو تمت الحجة عند الثاني لكنها لم تكن قطعية فلا يجوز له نقض حكم الحاكم الأول. لأنه لا يقطع بخطئه وبطلان حكمه وبالتالي لا يجوز له رده ونقضه. رأي السيد الخوئي: ولكن في المقابل فإن للسيد الأستاذ وجهة نظر أخرى وحاصلها: أن المستفاد من الروايات أن حكم الحاكم إذا صدر وفق الميزان الصحيح فهو معتبر مطلقاً، وأن حجيته ليست مجعولة على نحو الطريقية والإمارية وإنما له موضوعية تامة في فصل الخصومات والنزاعات، وعليه فلا مناص من الالتزام بعدم جواز نقضه مطلقاً سواءً علمنا بعدم مطابقته للواقع أو الخطأ في طريقه ــ وجداناً أو تعبداً ــ أم لم نعلم به، فلا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية، فلا يجوز للمتخاصمين إعادة الدعوى عند ذلك الحاكم أو غيره من الحكام، وأضف إلى ذلك أنه لو جاز نقض حكم الحاكم عند العلم بمخالفته للواقع أو الخطأ في الطريق للزم من ذلك عدم نفوذه ــ غالباً ــ وبقاء التخاصم فيها إلى الأبد وذلك لعلم كل من المترافعين ــ غالباً ــ بعدم صدق الآخر أو عدم مطابقة بينته للواقع( ). وبعبارة أخرى: إذا كان إهمال تشريع القضاء ـــ كنظام لفصل الخصومات وحل النزاعات ــ يستلزم الهرج والمرج واختلال النظام العام للمجتمع وشيوع الفساد وضياع الحقوق، فإن القول بجواز نقض حكم الحاكم ومحاولة التنصل منه يدفع المجتمع في الاتجاه نفسه ويقود إلى ما يقود إليه عدم تشريع القضاء من مفاسد ويكون تشريعه حينئذٍ لغواً. وعلى ضوء ذلك يتضح أن القضاء يختلف عن الفتوى اختلافاً جوهرياً لأنّ الأخيرة تلحظ بما هي طريق إلى الواقع، ولهذا لو فرضنا أن المكلف قلّد مجتهداً وعمل بفتواه ثم قلّد من يرى فساد رأي الأول لزمه الإعادة أو القضاء، لانكشاف بطلان عمله، وأما القضاء فبما أنه ملحوظ على نحو الموضوعية فلا يجوز للقاضي الثاني نقض حكم الأول حتى لو حصل له العلم بخلافه من حجة معتبرة أو أحرزنا عدم مطابقته للواقع من دليل نظري أو قرائن معينة، لكن هذا لا يعني أن حكم الحاكم مغيرٌ للواقع عما هو عليه بل الواقع باقٍ على حاله، ولذا لا يجوز لمن حكم له بشيء أن يأخذه إذا علم أن الواقع خلاف ذلك. مناقشة القول بالموضوعية: هذا ولكننا نرى أن ما استدل به لإثبات موضوعية حكم القاضي لا ينهض بذلك، أما الأخبار ــ والظاهر أنه يقصد بها صحيحة أبي خديجة ومقبولة عمر بن حنظلة وغيرهما مما هو ظاهر أو نصٌ في حرمة رد حكم القاضي ــ فإنها ناظرة إلى ضرورة قبول حكم الحاكم الجامع للشرائط الملتزم بنهج أهل البيت(ع) في قبال الحاكم الجائر الذي لا يجوز التحاكم عنده، ولا إطلاق لها لحالة العلم بخطأ الحكم، لأنها ليست في مقام البيان من هذه الجهة ليتمسك به، هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن للتشكيك في صدق الرد عليه عند العلم بخطئه مجالاً كبيراً، إذ الرد عليه بمقتضى دلالة الأخبار إنما يتحقق عند عدم الالتزام بحكمه بما هو حكم الله ورسوله لا عند عدم الالتزام به باعتبار خطئه، ولذا لا يصدق الرد في صورة ما إذا أحرزنا خطأه بدليل قطعي لا يقبل الخلاف. وأما ما ذكر في تقريب الموضوعية من أنه لو جاز نقض حكم القاضي عند العلم بخطئه لصار تشريعه لغواً فيرده: بأن ذلك إنما يتحقق لو جاز نقض حكم الحاكم مطلقاً، لا في موارد قيام الحجة على الخلاف، ويكفي في تحقق الغرض الملحوظ في تشريع القضاء ــ وهو فصل الخصومة ــ تحققه في موارد عدم وجود حجة على الخطأ أو البطلان، أما رده عند قيام الحجة على خطئه لدى الحاكم الثاني فلا يؤدي إلى اختلال النظام وانتشار الفوضى، وليس الكلام في العلم بخطئه لدى المتخاصمين( )، ليقال: بأن المحكوم عليه ــ غالباً ــ يعلم بخطأ القاضي في حكمه، وإنما الكلام في تبين خطأه لدى القاضي الآخر، فإذن القول بأن القضاء شرِّع لفصل الخصومة صحيح، لكن لا على أساس أن يكون الملحوظ الحكم بما هو حكم، بل بما هو كاشف عن الواقع من خلال ما يتوفر للقاضي من معطيات، فإذا قادته المعطيات إلى حكم وجب الالتزام به ما لم ينكشف خلافه، فحجيته مشروطة بعدم انكشاف الخلاف بيقين أو بحجة معتبرة، شأنه في ذلك شأن الإمارة، فالقول أن حكم الحاكم حجة بما هو حكم حتى لو ثبت خلافه للحاكم نفسه أو لحاكم آخر ليس في محله. ومضافاً إلى ما ذكرناه من عدم قيام دليل معتبر على موضوعية حكم القاضي، فإن في الأخبار شواهد على الطريقية، لأن الكثير من أخبار القضاء دلت على أن دور الحاكم هو القضاء وفق القانون الإسلامي وأن عليه أن يتحرّى الواقع ليحكم به وأن حكمه لا يبدّل الواقع كما في الخبر المروي بسند صحيح عن رسول الله(ص): "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ وَبَعْضُكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَيُّمَا رَجُلٍ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْئاً فَإِنَّمَا قَطَعْتُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ"( ). فهذا وأمثاله من الأخبار تؤيد كاشفية الحكم وطريقيته( )، وعلاوة على ذلك فإنّ رفع الأمر إلى حاكم آخر قد يكون في مصلحة الاحتياط للعدالة والتأكيد على وصول صاحب الحق إلى حق بشكلٍ مؤكد وذلك عندما تبرز معطيات جديدة في مجريات الدعوى أو في العناصر الاجتهادية للبيّنات، مما يستدعي ملاحظتها، وهذا ما جرى عليه القضاء المدني في استئناف الحكم الصادر عن محكمة البداية، ولعلّ تحديد الرجوع إلى محكمة استئناف أو تمييزٍ يبعد القضية عن اللوازم السلبية التي ذكرها السيد الأستاذ(قده) في الرجوع إلى حاكم آخر، باعتباره يمثل الضوابط القضائية التي تضبط حركة الاعتراض. حكم الحاكم لا يغيّر الواقع: ذكرنا أن حكم الحاكم لا يغير الواقع، فلو حكم له به فهذا الحكم لا يجعل الباطل حقاً والحق باطلاً، فلا يجوز للمحكوم له ترتيب الأثر على الحكم، لما روي عن النبي(ص) في صحيحة هشام: "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ وَبَعْضُكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَيُّمَا رَجُلٍ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْئاً فَإِنَّمَا قَطَعْتُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ"( )، لكن ذلك لا يعني بطلان حكم القاضي، بل هو صحيح مع أهليته والتزامه القوانين الشرعية في قضائه وعدم تقصيره في الفحص والنظر والاستيثاق من الحجج والبينات، لكن رغم صحته فلا يجوز لمن حكم له إن كان يعلم بعدم استحقاقه أن يرتّب الأثر على الحكم، ولا يجوز أيضاً لغيره ممن يعلم عدم استحقاق المحكوم له أن يشتريه أو يستأجره منه. إلاّ أن نفاذ الحكم المذكور وصحته موقوف على عدم نقضه من قبل حاكم آخر حيث يجوز له النقض، فلو أن الخصم المحكوم عليه العالم بخطأ القاضي رفع الأمر إلى حاكم آخر ونظر في الدعوى وحصل له القطع بخطأ الأول وأن حكمه مخالف للصواب والواقع، كان له نقض حكم الأول كما تقدم، وبالتالي يجوز لصاحب الحق أن يسترجع حقه، أما لو لم تكتمل المعطيات والقرائن المفيدة للعلم لدى الثاني لينقض حكم الأول فهل يحق للمحكوم عليه العالم بحقانية مطلبه وخطأ القاضي أن يبادر بنفسه إلى استرجاع حقه وانتزاعه من يد المحكوم له؟ الظاهر جواز ذلك فيما لو انحصر استنقاذ حقه بذلك، تمسكاً بحديث نفي الضرر لو أريد منعه، وقد تقدم أنه لو انحصر استنقاذ حقه بالترافع إلى القاضي الجائر جاز ذلك، ففي المقام يكون الحكم بالجواز أولى. وربما فرّق بعضهم بين أن يكون الحكم مستنداً إلى يمين المحكوم له فيلزم المحكوم عليه ترتيب الأثر على الحكم، وبين أن يكون مستنداً إلى البيّنة فلا يجب عليه ترتيب الأثر عليه بل يجوز له استرداد حقه بأي طريق كان ما دام يعلم أن لا حق لخصمه فيما تداعيا عليه. ومستند هذا التفصيل أخبار: منها: خبر النخعي: "في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده، قال(ع): إن استحلفه فليس له أن يأخذ شيئاً، وإن تركه ولم يستحلفه، فهو على حقه"( ). ومنها: خبر عبد الله بن وضاح وفيه: "ولولا انك رضيت بيمينه فحلفته لأمرتك ان تأخذ من تحت يدك ولكنك رضيت بيمينه فقد مضت اليمين بما فيها"( ). إلى أن هذين الخبرين لا يصلحان للاستدلال لضعفهما سنداً. إن قلت: حتى لو صحا سنداً فإنهما معارضان بخبر سليمان بن خالد وفيه: "سألت أبا عبد الله(ع) عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه وحلف، ثم وقع له عندي مال آخذه لمكان مالي الذي أخذه، وأجحده وأحلف عليه كما صنع؟ قال: إن خانك فلا تخنه، لأن ماله وديعة عندك فلا تجوز خيانته"( ). قلت: إن لا يصلح للمعارضة لاختلاف مورده عن مورد الخبرين، فهو ينهى عن المقاصة في الوديعة بأن يأخذ وديعة الآخر ويجحدها معاملة له بالمثل، بينما الخبران واردان في استنقاذ الإنسان لماله من يد جاحده، ولو سلمت المعارضة فيتساقطان والمرجع حينئذٍ أصالة تسلط الإنسان على ما له سواء حكم الحاكم به لغيره أم لا. لكن صحيح سليمان معارض في مورده بما رواه ابن مسكان عن أبي بكر قال: "قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني وحلف عليها، أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقّي؟ قال: نعم..."( ) وتحقيق هذه المسألة موكول إلى محله. نقض الحكم بالفتوى وعكسه: ذهب الفقهاء إلى أنه كما لا يجوز نقض الحكم بالحكم إلا في مورد العلم بمخالفته للواقع أو تبيّن تقصيره في الاجتهاد، كذلك لا يجوز أن ينقض الحكم بالفتوى إلا في الصورتين المذكورتين. وقد تقدم منا أن موارد جواز النقض أوسع من الموردين المذكورين فراجع. وفي المقابل فإن الفتوى ــ خلافاً للحكم ــ يجوز نقضها بالفتوى وبالحكم معاً، ومثال الأول: ــ أعني نقض الفتوى بالفتوى ــ ما إذا مات المجتهد أو تغيّر رأيه فإنه يجب عليه وعلى مقلديه العمل بالفتوى الثانية فيما يأتي من أفعال. ومثال الثاني: ــ أعني نقض الفتوى بالحكم ــ إذا كان مذهبه اجتهاداً أو تقليداُ نجاسة الغسالة أو عرق الجنب من حرام، واشترى مايعاً ملاقياً للغسالة أو عرق الجنب من حرام فتنازع مع البايع في صحة البيع وعدمها وترافعا إلى مجتهد كان مذهبه عدم النجاسة وصحة البيع، فحكم بصحته، كان حكمه نافذاً ولزم المشتري العمل به بمقتضى الطهارة ويبني عليها فتنتقض فتواه بالنجاسة بهذا الحكم في خصوص ما تنازعا فيه دون سائر الموارد والوقائع يبقى على رأيه بالنجاسة( ). الحكم على طبق حكم قاضٍ آخر: ذهب النراقي في المستند( ) إلى أنه يجوز للقاضي أن يحكم على طبق حكم حاكم آخر من دون أن يبحث عنه ويتبين عن صحته، على اعتبار أن هذا الحكم هو حكم الله ولا يجوز له رده، فهناك ملازمة بين جواز إمضائه وحرمة رده وبين جواز الحكم بمقتضاه. لكن الصحيح ــ وفاقاً للسيد اليزدي(قده)( ) ــ لا يجوز له أن يحكم على طبقه من غير أن يبحث عنه ويتعرف على دليله وحيثياته وما يحيط به من ملابسات، وكون الحكم صادراً عن حاكم مستجمع للشرائط ومتوفر على أهلية القضاء لا يجوّز ولا يبرر له الحكم على طبقه، بل غايته حرمة رده وجواز إمضائه، ودعوى الملازمة بين الأمرين غريبة، إذ حرمة الرد يكفي فيها صدوره عن قاضٍ مستجمع للشرائط مع عدم العلم بخطئه، وأما الحكم على وفقه فلا يكفي فيه ذلك إذ ربما انتهى نظره في القضية إلى خلاف ما انتهى إليه نظر الأول لو أعاد درسها. لا سيما أن حكم الحاكم الأول لا يصلح أن يكون مستنداً شرعياً فقهياً لإصدار الحكم على طبقه كرأي خاص للقاضي الثاني. إمضاء حكم المقصِّر في الاجتهاد أو غير المؤهل: لو قصر القاضي في الاجتهاد ولم يبذل ما يلزم من الجهد والوسع في البحث والتقصي في الأدلة والبراهين، فاستعجل الحكم استناداً إلى ما كوّنه من انطباعات متسرعة وبدوية فهل يجوز لغيره من القضاة إمضاء حكمه لو علم بمطابقته ــ اتفاقاً ــ للقواعد المعتبرة في القضاء؟ ونفس التساؤل يأتي في الحكم الصادر من القاضي غير المؤهل للقضاء لكن صادف كونه مطابقاً للقواعد فهل يجوز إمضاؤه؟ اختار بعض الفقهاء عدم الجواز في الموردين( ). وربما كان الوجه في عدم جواز إمضائه أنه يصدق عليه حينئذٍ أنه إمضاء لحكم الطاغوت، لجهة أن حكم الطاغوت هو كل حكم لا يلتقي مع البرنامج الإسلامي للقضاء ولا يصدر ممن أهل لذلك، وإمضاء حكم الطاغوت غير جائز بنص الكتاب، على أنه لو كان غير أهل للقضاء فيكون حكمه لاغياً وكلا حكمٍ، فلا معنى لإمضائه. ولكن الحكم على طبقه من خلال تمامية القواعد عنده جائز لا على أساس الإمضاء بل على أساس الرأي الاجتهادي الذي يتبناه من خلال مصادره الصحيحة. مخالفة الحكم لخبر معتبر: قال في ملحقات العروة: "إذا استفرغ الحاكم وسعه في الاجتهاد ولم يكن مقصّراً في الفحص عن الدليل وكان هناك خبر معتبر بلا معارض أو دليل ظني آخر وكان بحيث لو عثر حين الحكم عليه لحكم على طبقه لكنه لم يعثر عليه فحكم بخلافه، فالظاهر نفوذ حكمه مع عدم العلم بكونه خلاف الواقع وإن كان مخالفاً لذلك الخبر أو الدليل الظني، فلا يجوز له ولا لغيره نقضه لأنّ ما أدّى إليه اجتهاده مع فرض عدم تقصيره حجة شرعية وحكمه حكم الله تعالى"( ). لكنك عرفت أنّ من الممكن أن يقال: أن مثل هذا الحكم لا دليل عليه حرمة نقضه مع قيام الدليل المعتبر على خلافه من خبر صحيح أو نحوه دون مجرد الظن، وذلك لأن ما استدل به على حرمة نقضه كقوله(ع): "فإذا حكم بحكمنا فلم يُقبل منه، فإنّما استُخفّ بحكم الله، وعلينا ردَّ"( )، يشك في كونه شاملاً بعمومه لمثل المورد الذي انكشف فيه خطأ الحكم بحجة شرعية معتبرة، لكونه ظاهراً ــ كما أسلفنا ــ في النهي عن رد حكم الحاكم من حيث أنه لد لحكم الله وتمرد عليه، ومع قيام الدليل المعتبر على الخلاف فلن يكون رد ذلك الحكم رداً لحكم الله، وعليه فنحن نتحفظ على القول بعدم جواز رد الحكم عند قيام حجة شرعية على خلافه ولو كانت من قبيل خبر الثقة الذي لا معارض له، سواء بالنسبة للقاضي نفسه أو غيره من القضاة. انكشاف خطأ الحكم بعد تنفيذه: ذكرنا فيما سبق أنه لو تبيّن خطأ الحاكم في حكمه انتقض، لانكشاف أنه ليس حكم الله في القضية، فإن كان لك قبل العمل بالحكم وتنفيذه فلا إشكال في عدم ترتب أثر عليه وإلغاء مفاعليه ومستلزماته، لأن بطلان الحكم يعطّل آثاره الوضعية ويلغيها، وأمّا إذ كان انكشاف خطئه بعد تنفيذه فلا يخلو الحال: من كون القاضي غير مقصّر في الاجتهاد أو أنه مقصّر في ذلك، وعلى التقديرين إما أن يكون الحكم في قطع وقتل أو في مال. فإذا لم يكن مقصراً في الاجتهاد ولم يدّخر وسعاً في البحث والنظر في دراسة القضية وتمحيص أدلتها، فتارة يكون الحكم في قتل أو قطع وأخرى في مال، فإن كان الحكم في قتل أو قطع كما لو حكم القاضي على شخص بالقصاص لقيام البيّنة عنده على كونه قاتلاً، أو حكم بقطع يده لثبوت إقدامه على السرقة ثم بعد تنفيذ الحكم بالقتل أو القطع انكشف خطأ الحكم، فهنا لا شك في براءة ذمة الحاكم من أي أثر وضعي ما دام غير مقصّر في الاجتهاد، بل بذل غاية الوسع المطلوب في الاستقصاء والنظر في الحجج واستنطاق الشهود، والوجه في عدم تحمّله المسؤولية الجزائية في هذه الصورة أنه لا يصدق عليه أنه قاتل عمداً أو آمر بالقتل كذلك، وكذا بالنسبة للقطع لأنه استند على حجة معتبرة قامت لديه، نعم تجب الدية في مثل المقام لأنه لا يبطل دم امرئ مسلم كما في الصحيح( )، وهل الدية من مال القاضي أو من بيت المسلمين؟ الأظهر هو الثاني لخبر الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين(ع): "أنّ ما أخطأت القضاة في دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين"( ) وضعف سنده منجبر بعمل الأصحاب، إذ عملهم به يوجب الاطمئنان والوثوق به نوعاً، سيّما مع موافقته للاعتبار إذ بيت مال المسلمين معدّ في الأصل لتحقيق مصالح المسلمين، وما يترتب على عمل القضاة من الآثار المالية جزء من هذه المصالح، وقد يكون وجهه أننا لو حملنا القضاة ما يترتب على ما يقعون فيه من أخطأ غير متعمدة من آثارٍ مادية لامتنع الأكثر عن التصدي لممارسة القضاء خوفاً من تبعاته. ويضاف إلى ذلك: أن القاضي عندما يصدر الحكم الذي توصل إليه نظره واجتهاده فهو إنما يقوم بواجبه الديني ومهمته الشرعية، ولا يتحرك بشكل شخصي أو ذاتي، فلا بد والحال هذه أن تتكفل الشريعة التي أمرته بالقضاء وكلّفته بتحمل أعبائه بحمايته وتحمل ما يترتب على خطئه غير المقصود من نتائج وآثار مادية، وهذا أمر عقلائي جرى عليه العقلاء في مثل موردنا. نعم لو كان المحكوم له عالماً بفساد دعواه وبطلان الحكم وأن الآخر لا يستحق القتل أو القطع ومع ذلك أقدم على الدعوى وسار بها إلى منتهاها، كان عليه القصاص لأنه السبب في القتل أو القطع والسبب هنا أقوى من المباشر، وإن شئت قلت: إن القتل يُنسب إليه، ولذا من حق أولياء المقتول القصاص منه. وأما لو كان الحكم في مال فإن المال موجوداً استرد، وإن كان تالفاً فإن كان المحكوم له قد أخذه وأتلفه كان ضامناً لعوضه، لأن من أتلف مال غير فهو له ضامن، وإما إن لم يمكن أخذه لعدم كونه مما يرجع إليه فيه، فإن كان عالماً بفساد دعواه فكذلك يكون ضامناً لكونه السبب في إتلافه، وإن لم يكن عالماً بفساد دعواه قيل: الضمان على بيت المال استناداً إلى الخبر السابق "ما أخطأت القضاة..." واستشكل فيه السيد اليزدي( ) بلحاظ أن الخبر وارد في القتل والقطع فيقتصر فيه على مورده، ثم استقرب عدم الضمان مطلقاً، لا على المحكوم له لعدم ثبوت يده عليه، ولا على الحاكم لكونه مأذوناً شرعاً بالحكم والمفروض عدم جوره وعدم تقصيره، ثم احتمل ضمانه لصحيح عبد الرحمن بن الحجاج قال: "كان أبو عبد الله(ع) قاعداً في حلقة ربيعة الرأي، فجاء أعرابي، فسأل ربيعة الرأي عن مسألة، فأجابه، فلما سكت قال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة ولم يرد عليه شيئاً، فأعاد المسألة عليه، فأجابه بمثل ذلك، فقال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال أبو عبد الله(ع): هو في عنقه، قال: أو لم يقل: وكل مفتٍ ضامن؟!"( )، لكنه ضعّف هذا الاحتمال لأن المراد من الضمان في الصحيحة الإثم على تقدير التقصير أو عدم الأهلية، أو ضمان العوض إذا كان سبباً لإتلافه بفتواه مع كونه مقصّراً أو غير أهل( ). والأقرب هو الضمان من بيت المال لأنه هو الذي يتلافى به ــ بحسب ما وضع له في برنامجه العام ــ كل ما يترتب على ما يقوم به القضاة من أخطاء في أمور الناس، ولا خصوصية للقتل أو القطع في خبر الأصبغ المتقدم الذي اعتبر أن خطأ الحاكم في بيت المال، بل ربما يحتمل أن الحديث جارٍ على مقتضى القاعدة لا على سبيل التعبد والله العالم. هذا كله في صورة عدم كون القاضي مقصراً في اجتهاده، أما لو قصّر أو جار أو كان فاقداً لبعض شروط الأهلية وكانت الدعوى في قتل أو قطع فهنا صورتان: الأولى: أن يكون المحكوم له ظالماً في دعواه عالماً بفسادها ويكون هو المباشر للقتل أو القطع، فالقصاص عليه، لأنه مباشر والمباشر أقوى من السبب، وأما لو كان المباشر غيره بتسبيبٍ منه تخيّر المحكوم عليه أو وليه بين القصاص منه أو من الحاكم. الثانية: أن لا يكون المدعي ظالماً في دعواه فالقصاص على الحاكم نفسه هذا كله إذا كان الحكم في قتل أو قطع أما لو كان في مال وكان تالفاً ضمن الحاكم إلا إذا كان المحكوم له ظالماً في دعواه فيتخير المحكوم عليه بين الرجوع على الحاكم أو المحكوم له( ). دعوى المحكوم عليه فقد الشروط: لو ادعى المحكوم عليه بعد تمام المرافعة والحكم عدم أهلية الحاكم لفقد شرط من الشروط كالعلم أو العدالة، أو ادعى خطأه في الحكم أو تقصيره في مقدماته أو جوره وظلمه أو ادعى فسق الشهود فهل تسمع دعواه؟ قيل: لا تسمع إلا إذا كان له بيّنة وقيل لا تسمع مطلقاً، وقيل تسمع كذلك( ) وأقرب الأقوال ثالثها أي تسمع دعواه مطلقاً، بمقتضى عموم قوله(ع): "البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر"( ). واحتج( ) للقول الأول والثاني: بأن الحاكم أمين فيكون حكمه حكمه، ولأنه لا يمكن إفساح المجال أمام هذه الدعاوى لأنها تسقط موقع القاضي في النفوس ويؤدي فتح هذا الباب إلى التشكيك والطعن في الحكام وتعريض مكانتهم للاهتزاز. وهو ما قد يوجب اختلال عمل القضاة. ويلاحظ عليه: بأن القول بكونه أمين الإمام فيكون حكمه حكمه صحيح في الجملة، لكنه لا يقتضي سد باب الاعتراض عليه، وإلا لانسد باب الاعتراض عليه مطلقاً حتى مع القطع بخطئه، مضافاً إلى أن إدعاء عدم أهلية القاضي يستبطن إدعاء أنه ليس أمين الإمام في حكمه فيكون التمسك بما دل على كونه أمين الله للحكم بصحة قضائه تمسّكاً بالعام في الشبهة المصداقية. وأما دعوى أن مجرد الطعن عليه بعدم الأهلية يوجب اختلال نظام القضاء وتعطل دوره فهي غير صحيحة، لأن ذلك إنّما يلزم لو فتح باب الطعن عليه من غير ضوابط، وأذن للناس برفض حكمه بدون شروط، أما لو قلنا بصحة ذلك فيما لو أقام المدعي بينة أو شواهد تعزز مدعاه فلا يترتب عليه فساد نظام القضاء وفوات الغرض منه، بل يمكن القول بأن فتح باب الاعتراض على القضاة ضمن ضوابط محددة والسماح بالطعن في أحكامهم ضمن تلك الضوابط يوجب الثقة بالقضاء ويجعل العملية القضائية أكثر اتزاناً، ويجعل القضاة أشد حرصاً على سلامة العملية وأكثر تشدداً في ملاحظة الحجج والبراهين، وبذلك ترتفع مكانتهم في النفوس ويترسخ الاطمئنان بكفاءتهم. فاتضح أن القول بجواز سماع دعوى الطعن في الحكم مع البيّنة هو الصحيح، لكن يبقى في هذه الحالة تحديد المدعي من المدعى عليه، وقد أفاد السيد اليزدي(قده)( ) أنه في دعوى عدم الأهلية يكون المدعي هو المحكوم له، فعليه إثبات الأهلية وإقامة البيّنة على ذلك، نعم لو كان المحكوم عليه هو الذي اختار القاضي ليكون الترافع عنده أو رجع إليه باختياره ورضاه يكون هو المدعي، لحمل فعله على الصحة وكون الحاكم أهلاً، وأما في دعوى خطأ القاضي أو جوره أو فسق الشهود فيكون المدعي هو المحكوم عليه فيكون الإثبات عليه. ولو ادعى على الحاكم ليغرّمه كما لو ادعى أنه دفع مالاً إلى غريمه بناءً على حكم الحاكم وهو غير أهل للحكم فيطالب الحاكم بإثبات أهليته العملية والسلوكية، إلا إذا كان المدعي مختاراً في الرجوع إليه. لزوم إحضار الخصم: لو طلب الخصم من القاضي إحضار خصمه للمرافعة، قيل لزمه ذلك، ووجب عليه إحضاره بأية طريقة ممكنة ومشروعة، بأن يكتب إليه أو يرسل من يحضره ويأتي به، ولو امتنع جاز له الاستعانة عليه بأعوان السلطان، وادعي عدم الخلاف في ذلك، بل الإجماع كما في المسالك( )، وأنه مذهب الأصحاب كما في الكفاية( )، ولم يفرق القائلون بذلك بين أن يكون الطلب قبل تحرير الدعوى أو بعدها، إذا كان الخصم حاضراً في بلد القاضي ولم يكن له عذر في عدم الحضور، وإذا كان غائباً أو يملك عذراً يُبرّر غيابه، لم يلزمْهُ إلاَّ إذا كان الطلب بعد تحرير الدعوى، لتحقق المشقة في الحضور على الغائب دون الحاضر. وذكروا أنه لو اختفى نوديّ على باب داره أنه إن لم يحضر لثلاثة أيام سُمِّر بابه وختم عليه، وإن كان له عذر مانع من الحضور كالمرض والخوف من العدو أو نحوهما بعث القاضي إليه من يحكم بينهما، أو يكلفه القاضي بنصب وكيل عنه للمرافعة، وكذا لو كان الخصم امرأة مستورة غير مبرزة، أما المبرزة فهي كالرجال. ثم إن مقتضى إطلاقهم عدمُ الفرق في لزوم الإحضار بين أن يكون الخصم الغائب وضيعاً أو شريفاً، لكن ألحَقَ بعضهم الشريف بالغائب في اختصاص وجوب إحضاره إذا كان الطلب بعد تحرير الدعوى، وبعضهم ألحقه بالمعذور. واعتبر السيد اليزدي(قده)( ) بعد نقله لهذا الكلام أن لا دليل يعتد به على لزوم الإحضار وما ذكر من تفرعاته إلا دعوى توقف الحكم على ذلك، أو أن ترك الإحضار يوجب تضييع الحقوق، ثم قال: وهما كما ترى، سيّما إذا كان قبل تحرير الدعوى وتحقق كونها مسموعة فإنه إيذاء للمدعى عليه، سيما ذا كان من أرباب الشرف، بل ما ذكروه منافٍ ــ بنظره ــ لما حكموا به من جواز الحكم على الغائب عن البلد أو عن مجلس الحكم، ولأجل ذلك استشكل جماعة في الحكم المذكور من رأس واستقرب آخرون تخيير الحاكم وترك الأمور لتقديره، ولهذا قوى(قده) عدم وجوب الإحضار مطلقاً حتى بعد تحرير الدعوى، وعدم وجوب حضوره بناءً على جواز الحكم على الغائب عن البلد بل على الحاضر فيه إذا أسقط حق حضوره. ونلاحظ على ذلك: أن طبيعة العملية القضائية تقتضي في الأعم الأغلب حضور الخصم إلى مجلس الحكم لأن كثيراً من مجريات الأمور وخفايا الدعوى تتضح بحضوره واستنطاقه، كما أن فهم القاضي للقرائن المحيطة بالدعوى تتوقف على حضور الخصمين فيلزم إحضارهما لأن القاضي ملزم ببذل الجهد للوصول إلى الواقع والحكم به، وحيث يحتمل احتمالاً معتداً به أن غيابهما يؤثر سلباً على فرص إصابة الحق وإدراك الواقع فيلزمه إحضارهما. وإنكار أن حضورهما في مجلس الحكم له تأثير على فهم طبيعة المشكلة بشكل أوضح خلاف ما هو مشاهد بالعيان. ثم إن التفريق بين الشريف وغيره لا يتناسب مع روح الإسلام ومبادئه وقيمه( )، وتجربة القضاء الإسلامي تشهد بخلافه إذ لم يكن هناك فرق في مجالس القضاء بين وضيع وشريف وبين رعية وسلطان وقد كان خليفة المسلمين يحضر ــ كخصم ــ مع أحد رعاياه في مجلس الحكم( ). فما ذهب إليه المشهور من وجوب إحضار الخصم إلى مجلس الحكم ووجوب حضوره لو أمر به القاضي هو الأقرب إلى الصواب، نعم في المواد التي لا تتوفر فيها إمكانية الحضور يمكن للقاضي الحكم فيها على الغائب كما سيأتي. *** 5- الحكم في موارد التهمة ذكر الفقهاء( ) أن حكم الحاكم لا ينفذ في المواضع التي يكون فيها طرفاً في الدعوى ولو بأن يوكل غيره في المرافعة عنه، ثم يترافعان إليه، بل يلزم الرجوع إلى حاكم آخر، للإجماع على عدم نفوذ حكم القاضي لنفسه، ولانصراف أخبار نفوذ الحاكم عن صورة ما لو كان طرفاً في الدعوى، وهذا المقدار من الكلام صحيح ولكن قد وقع البحث في بعض التفريعات المرتبطة بذلك، كما لو كان القاضي وكيلاً أو ولياً أو شريكاً أو حكم على من لا تقبل شهادته عليه. حكم الحاكم لو كان وكيلاً: لو أجرى القاضي عقداً من نكاح أو بيع بوكالة عن غيره ثم حصل نزاع بين الموكّل وغيره في أمر يتعلق بالعقد فهل يمكنهما الرجوع إلى الحاكم الذي كان وكيلاً في إجراء العقد وهل ينفذ حكمه في حقهما؟ ذهب السيد اليزدي(قده)( ) إلى القول بالنفوذ مفترضاً أن كونه وكيلاً في إجراء العقد لا يضر، لأن الوكالة سابقة على الرجوع إليه وحين الحكم ليس وكيلاً، وكذلك لو تصرف بعنوان ولايته وحصل الخلاف، كما لو باع مال مجنون كان جنونه بعد بلوغه ورشده وباع والد المجنون نفس المتاع من شخص آخر حيث أن هذه المسألة محل خلاف في أن ولايته للحاكم أو للأب، فإذا تنازع المشتريان وترافعا إلى الحاكم نفذ حكمه لمن اشترى منه، لأنه حينئذٍ ليس طرفاً للمنازعة. وهكذا يمكن أن يقال بنفوذ حكمه لو لم يكن طرفاً في الدعوى حتى لو كان الحق راجعاً إليه، كما لو نذر شخص داره للحاكم أو أوصى بها له وحصل نزاع بين الناذر وبين شخص آخر فإنه لا مانع من نفوذ حكمه حتى لو كان في مصلحة الناذر، لأنه ليس طرفاً في الدعوى وإن كان الحق فيها يعود إليه. وهكذا يمكن أن يقال بنفوذ حكمه لو لم يكن طرفاً في الدعوى حتى لو كان الحق راجعاً إليه، كما لو نذر شخص داره للحاكم أو أوصى بها له وحصل نزاع بين الناذر وبين شخص آخر فإنه لا مانع من نفوذ حكمه حتى لو كان في مصلحة الناذر، لأنه ليس طرفاً في الدعوى وإن كان الحق فيها يعود إليه. ولكن قد يلاحظ على ذلك كله: أما في صورة ما لو كان وكيلاً أو ولياً فلأن علاقته بالقضية باعتبار أنه هو الذي قام بالعقد أو النكاح أو غير ذلك، قد تجعل من طرفاً عرفاً أو بنظر الخصم، لأن الوكيل بمنزلة الموكل والولي بمنزلة المولى عليه، فكأنه بالحكم يجرّ النار إلى قرصه، فيكون في موضع التهمة، الأمر الذي قد يجعله في موقع الشاهد الذي يشهد بالموضوع، مما قد يرجّح ابتعاده عن موقع الحكم ليكون شاهداً عليه لدى حاكم آخر، وقد تفرض مسألة الثقة بالقضاء والقاضي ذلك، كما أن مجرى القضاء لدى العقلاء يفرض على القاضي أن يكون بعيداً عن الموضوع الذي يقع فيه التقاضي حتى لو لم يكن طرفاً مباشراً وشخصياً فيه، بل يكفي في المنع عندهم أن تكون له علاقة به بحيث يقف في مواجهة الطرف الآخر لإبطال دعواه، كل ذلك قد يبعث على الشك القوي في شمول عمومات نفوذ حكم الحاكم للمقام، وبكلمة واحدة: إن سلامة النظرة إلى القضاء تفرض ابتعاد القاضي عن القضاء في كل أمر يتصل به حتى على نحو الوكالة والولاية. وأما صورة ما لو كان الحق راجعاً إليه فالإشكال في نفوذ قضائه فيها يكون أوضح لأن التهمة فيها أكثر وروداً واحتمالاً. عدم نفوذ حكمه على من لا تقبل شهادته له أو عليه: ذهب جماعة من الفقهاء إلى أنه لا ينفذ حكم القاضي على من لا تقبل شهادته عليه كحكم الولد على والده أو العبد على مولاه، أو حكمه على خصمه، وكذا لا ينفذ حكمه لمن لا تقبل شهادته له كحكمه لمن يجر بحكمه له نفعاً( ). قال في الشرائع: "كلّ من لا تقبل شهادته، لا ينفذ حكمه، كالولد على الوالد، والعبد على مولاه، والخصم على خصمه، ويجوز حكم الأب على ولده وله، والأخ على أخيه وله، كما تجوز شهادته"( ). وما يمكن الاستدلال به على ذلك: 1- الإجماع، لكنه غير معلوم كما ذكر السيد في ملحقات العروة( )، مضافاً إلى احتمال استناد المجمعين إلى ما يأتي من وجوه. 2- القياس على الشهادة، ويرده: أن القياس ليس من مذهبنا. إلا إذا كان ملاك الحكم في الأصل مقطوعاً به مع وجوده في الفرع وهذا غير محرز في المقام. 3- أن الحكم شهادة وزيادة فإذا لم تجز الشهادة في الموارد السابقة فلا يجوز الحكم بطريق أولى. ويلاحظ عليه: أن الحكم يختلف اختلافاً جذرياً عن الشهادة، إذ الشهادة تنطلق في الحقيقة من واقع حسي، بينما ينطلق الحكم من واقع اجتهادي في الغالب ومن دراسةٍ لحيثيات القضية ونظرٍ في ملابساتها وظروفها. ولهذا فدعوى أن الحكم شهادة وزيادة غير تامة ولا دقيقة، وهي على أحسن الأحوال قياس مع الفارق. فتبيّن أن لا دليل يمنع من نفوذ حكم القاضي لمن لا تقبل شهادته عليه أو له، فيرجع إلى المطلقات الدالة على نفوذ حكمه في هذه المواضع وغيرها. وربما لاحظ الذين قالوا بعدم نفوذ حكمه استناداً إلى أن الحكم شهادة وزيادة أن القضاء ــ كالشهادة ــ يرتبط بحقوق الناس فلا يجوز أن يعرّض لما يمكن أن يدفع به نحو الانحراف ويقوده إلى الفساد، والقاضي شأنه شأن الشاهد وغيره من الناس معرّض للسقوط بتأثير العاطفة والهوى والمصلحة وما تفرضه عليه علاقاته وروابطه من تساهل وتسامح أو تعاطف ونفور، بل إن تعرضه لهذه المخاطر والإغراءات أشد من تعرض الشاهد لها، ولذا من الطبيعي أن يكون في التشريع ثمة أحكام وضوابط تكفل للقضاء استقامته وتجعل القاضي في مأمن عن السقوط ومنأى عن الانحراف، ما يمهد الطريق أمام العملية القضائية لتبليغ غايتها المنشودة. وإذا كان الشارع تشدد في موضوع الشهادة فمنع من قبولها في مواضع التهمة التي يتوقع سقوط الشاهد فيها وانحرافه عن الحق، احتياطاً منه لحقوق الناس، فيكون منعه من الحكم في هذه المواقع بطريقة أولى. وقضية عدم قبول الشهادة في مواضع التهمة أو عند مظنة الانحراف ليست أمراً غيبياً معقّداً ليصعب معه إدراك العلة من تشريعه ويمنع بالتالي قياس الحكم عليه، بل العلة فيه من الأمور الواضحة التي لا لبس فيها ولا غموض، لأن المسألة عقلائية قبل أن تكون شرعية، والعقلاء يجزمون بأن المقصد الذي يرمي إليه تشريع المنع من قبول الشهادة في الموارد السابقة هو الاحتراز عن أن تؤثر العوامل المحيطة بالشاهد في شهادته فتؤدي إلى تضييع الحقوق التي حرص الشرع على حمياتها، فإذا كان ذلك هو الدافع إلى رد الشهادة في مواضع التهمة فينبغي أن يكون الحكم كذلك بالأولوية لارتباطه بحقوق الناس بشكل آكد وأشد. ولكن في المقابل قد يلاحظ على ذلك بأن هذا الكلام يؤدي عملياً إلى محاصرة القاضي وعزله عن واقعه الاجتماعي الذي تربط به ــ كغيره ــ مصالح وروابط عاطفية أو مادية ما يجعل موارد التهمة غير منضبطة وهو ما يؤدي إلى تعطيل القضاء من الناحية العملية، والشارع لم يغفل عما قد تحدثه الميول والعواطف من تأثير على شخصية القاضي وهو ما قد يؤدى به إلى الانحراف، ولهذا وضع ضوابط للقاضي تحميه من تأثير العواطف السلبي وسنَّ للعملية القضائية قواعد وسنناً تضمن للعمل القضائي الاستقامة والسلامة، وبمراعاة مواصفات القاضي وأهمها العدالة، وقواعد العملية القضائية يصبح تأثير الجانب الذاتي في حكم القاضي ضئيلاً لجهة أنه ملزم بالخضوع لتلك القواعد ولا ينفذ حكمه عند الخروج عليها أو عند فقده الشروط المعتبرة. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن هناك فارقاً بين الشهادة والحكم غير ما ذكر سابقاً وهو أن خروج الحاكم على ضوابط الحكم أو فقده للشروط المعتبرة في القاضي ينكشف أمره بسرعة لأنه محط الأنظار، بخلاف الشاهد فإنه ليس بهذه المثابة، ولذا فميله في الشهادة قد لا ينكشف ولذا يكون من الضروري اتخاذ الإجراءات الاحترازية ومنها رفض شهادته في مواضع التهمة، هذا مضافاً إلى أن الشهادة أمر ذاتيٌّ محص يقوم في جوهره على ما يظهر للشاهد فيمكن للجوانب الذاتية أن تترك تأثيرها عليه من دون أن يكون هناك ضوابط وقواعد تكفل حمايته من الانحراف وراء ميوله، كما هو الحال في القضاء الذي يكون لقواعده وضوابطه دور كبير في منع القاضي من الانجرار وراء العواطف والميول. ولكن ربما كان من الأفضل ابتعاد القاضي عن ممارسة العملية القضائية في أمثال هذه الموارد التي قد توجه إليه فيها أصابع الاتهام، كما لو كان الحكم لمصلحة ولده أو زوجته لأن ذلك قد يسيء إلى قداسة القضاء ويثير الشبهات حول الحاكم وحكمه. وقد يرد على ما ذكر من الفرق بين الشهادة والحكم بأن عدالة الشاهد قد تكون ضمانة لعدم انحرافه كما هي القواعد القضائية بالإضافة إلى عدالة الحاكم هي الضمانة لعدم انحرافه إلى حد كبير، سيما أن القاضي إذا خضع لهواه فقد يوجّه المعطيات الإثباتية إلى غير جهة الحق بطريقة ذكية لا تنكشف بسهولة ولذلك فإن الاحتياط يقضي أن يتولى أمر القضاء في هذه الموارد غيره والله العالم. موقف القانون الوضعي: ما ذكرناه من عقلائية المسألة وتعارف عدم قبول الحكم أو الشهادة في مواضع التهمة يؤكده جري القانون الوضعي على ذلك فإنه ينص على مبدأ رد القاضي وعدم قبول حكمه في بعض الموارد مع تفريقه بين رد القاضي وتنحيته وبين طلب نقل الدعوى، وفيما يلي نعرض لبعض موجبات وأسباب الرد بحسب القانون المدني. أسباب التنحي أو الرد: إن الأسباب التي تبرز تنحي القاضي ورده عن الحكم ترتد جميعها إلى قيام ظروف يُمكن أن تخرج القاضي عن موضوعيته إذا نظر بالدعوى، وتلك الأسباب هي التالية: - إذا كان له أو لزوجه أو لخطيبه مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في الدعوى ولو بعد انحلال عقد الزواج أو الخطبة. إذا كان بينه وبين أحد الخصوم أو وكيله بالخصومة أو ممثله الشرعي قرابة أو مصاهرة من عمود النسب أو الحاشية لغاية الدرجة الرابعة ولو بعد انحلال الزواج الذي نتجت عنه المصاهرة. - إذا كانت له صلة قرابة أو مصاهرة لغاية الدرجة الرابعة بأحد أعضاء مجلس إدارة الشركة المختصمة أو بأحد مديريها وكانت لهذا العضو مصلحة شخصية بالدعوى. - إذا كان، أو سبق أن كان، وكيلاً لأحد الخصوم أو ممثلاً قانونياً له أو كان أحد الخصوم قد اختاره محكماً في قضية سابقة. - إذا كان قد سبق له، أو لأحد أقاربه أو أصهاره لغاية الدرجة الرابعة، أن نظر بالدعوى كقاضٍ أو كخبير أو كمحكم، أو كان قد أدى شهادة فيها، وتستثنى من ذلك الحالة التي ينظر فيها لقاضي بالدعوى بمعرض الاعتراض أو اعتراض الغير أو إعادة المحاكمة. - إذا كان قد أبدى رأياً في الدعوى بالذات، ولو كان ذلك قبل تعيينه في القضاء. ولكن لا يصح إثبات هذا الأمر إلا بدليل خطي أو بإقرار القاضي. - إذا كانت بينه وبين أحد الخصوم عداوة أو مودة، ولكن القاضي لا يستهدف للرد بسبب التحقير الذي يوجهه له أحد الخصوم. - إذا كان الخصوم دائناً أو خادماً له. وتبرر الأسباب المتقدمة طلب رد القاضي من أحد الخصوم كما تجيز للقاضي أن يعرض تنحيه من تلقاء نفسه( ). *** الفصل الثالث معنى المدعي والمنكر 1- تحديد المدعي 2- شروط سماع الدعوى 3- الدعوى على المجهول والغائب 1- تحديد المدعي لما كانت كل دعوى تشمل على مدعٍ ومنكر فلا بدّ من تحديدهما ليعرف القاضي عند إرادته للدعوى ممن يطلب البيّنة وممن يطلب اليمين، ولذا درج الفقهاء على تحديد شخصية كل من المدعي والمنكر لكن لا من خلال تحديد المعنى اللغوي للكلمة لأنه واضح، فالمدعي هو من يطلب شيئاً من غيره، والمنكر من ينفي ذلك، بل من خلال تحديد المعنى الاصطلاحي وقد ذكر في هذا الصدد عدة تعاريف: التعريف الأول: إن المدعي من لو تُرك أو من لو سكت يسكت عنه( ) وهذا بخلاف المنكر، فإنه لو ترك لا يُترك أو سكت فلا يُسكت عنه، والسر في ذلك هو أن المدعي باعتبار أنه يطلب حقاً أو شيئاً من غيره لو انصرف عن المطالبة به فيترك وشأنه، وأما المنكر فلا يترك ما لم يثبت بطلان الدعوى ويدحض حجة الآخر. وهذا التعريف ناظر إلى الصورة الاعتيادية، فلا ينافي ذلك أنه في بعض الصّور قد لا يترك المدعي لو ترك، وذلك فيما لو تحوّل إلى منكر، كما لو ادعى زيد اشتغال ذمة عمر له بدين معين، وأقرّ عمرو به لكنه ادعى الوفاء، وأنكره زيد، فهنا ينقلب المدعي منكراً والمنكر مدعياً، وبعبارة أخرى: تنحل القضية إلى دعويين: في الأولى منهما يكون زيد مدعياً وعمرو منكراً. وفي الثانية ينعكس الأمر، وقد كان زيد يُترك لو ترك في الدعوى الأولى، ولكنه بعد توجه الدعوى الثانية لا يترك لأنه صار منكراً بعد أن كان مدعياً. التعريف الثاني: إن المدعي هو من كان قوله مخالفاً للأصل، والمنكر هو من كان قوله موافقاً للأصل، وليس المقصود بالأصل هنا خصوص الأصل العملي، بل هو شامل لمطلق الحجة الشرعية من الإمارات المعتبرة كاليد ونحوها، فلو ادعى شخص اشتغال ذمة الآخر له بدين وأنكره الآخر، فدعوى الدين مخالفة للأصل أعني به استصحاب براءة ذمة الثاني من الدين، لأن اشتغال الذمة حادث مسبوق بالعدم، وعند الشك فيه يستصحب عدمه، وباعتبار أن قول الأول لا يتوافق مع الأصل يكون مدعياً وقول الثاني يتوافق مع الأصل فيكون منكراً. ولو ادعى الأول ملكية مال موجود في يد شخص، وأنكر الثاني فقول الأول مخالف للأصل، بخلاف قول الثاني، ونقصد بالأصل هنا قاعدة اليد، فإن اليد أمارة الملكية، ولذا فقول الأول خلاف الحجة الشرعية فيكون مدعياً، بينما قول الثاني معتضد بالحجة الشرعية وهي قاعدة اليد فيكون منكراً، وفي هذا المثال يمكننا أن نقول: أن قول الأول مخالف للأصل العملي أيضاً كما هو مخالف لقاعدة اليد ونقصد بالأصل استصحاب عدم ملكيته للمال لأن الملكية حادث مسبوق بالعدم. وهذا التعريف يلتقي بالأول ويتساوى معه في المصاديق. التعريف الثالث: إن المدعي من يكون في مقام إثبات قضية على غيره، بينما المنكر لا يكون في هذا الوارد وإنما هو في مقام رد ودفع ما إدعاء الآخر عليه. وهذا التعريف أيضاً يتوافق مع سابقيه من حيث المصاديق، لأن من يُثبت قضية على غيره فقوله خلاف الأصل وهو يترك له لو ترك. التعريف الرابع: إن المرجع في تحديد كل من المدعي والمنكر هو العرف، أي ليس لهما تعريف اصطلاحي محدد، بل هما من العناوين التي يكون المرجع في تحديدها إلى العرف. وهذا التعريف أيضاً يساوق التعاريف السابقة في المصاديق، لأن العرف يطلقون لفظ المدعي على مَنْ لو ترك تُرك، أو من كان قوله مخالفاً للأصل، أو من كان في مقام إثبات قضية على غيره. التعريف الخامس: إن المدعي من يكون قوله مخالفاً للأصل أو الظاهر. إلا أن هذا التعريف ليس فيه شيء جديد لأنه ما المراد بالظاهر؟ إن أريد به ظاهر الحال المعتبر شرعاً كاليد ونحوهما، ممّا اعتبره الشارع حجة في إثبات الواقع، فيكون مرجعه إلى التعريف الثاني المتقدم الذي فسرنا الأصل فيه تفسيراً شاملاً للظاهر المعتبر شرعاً، وإن أريد به ظاهر الحال الذي لا يعتبره العقلاء والشرع حجة في إثبات الواقع، فهذا لا قيمة له ولا يصح تحديد معنى المدعي والمنكر على أساسه، لأن الظهور الذي لم يعتبره الشارع حجة لا يترتب عليه أثر شرعي فيكون موافقة قول الشخص له أو مخالفته له على حدٍ سواء، وإن أريد بالظاهر ما يقابل الخفي، بحيث لو نظر القاضي في الدعوى لوجد أنها خفية ولا ظهور ولا وضوح فيها، فهذا لا يصلح أن يكون ضابطاً في المقام، لأن ما يستظهره قاضٍ قد يخفى على آخر بسبب اختلاف ثقافة القضاة، وهذا يستدعي أن يكون الشخص مدعياً ند قاضٍ ومنكراً عند آخر في نفس الدعوى، وهذا ما لا يمكن الالتزام به، لأن المسألة تصبح فاقدة للضابط الذي لا بد أن يسير عليه كل القضاة، وإنما تتبع مزاج القاضي وثقافته في معرفة الواقع والقرائن المحتفة بالقضية، ومدى قدرة المتخاصمين البيانية في طرح الدعوى وتصويرها، ومنه اتضح أنه لا وجه لتعريف المدعي بأنه: من يدعي خلاف الظاهر. التعريف السادس: أن المدعي من يُطلب منه البيّنة بخلاف المنكر فإنه يطالب باليمين، وضعف هذا التعريف من جهتين: الأولى: أن الكلام في تحديد المدعي يجري بعينه في تحديد من يُطالب بالبينة، فمن هو المطالب بها؟ إن قيل: هو المدعي لزم الدور وإن قيل شيء آخر فما هو؟ وبعبارة أخرى: إن من أحكام الدعوى في القضاء الإسلامي أن البيّنة على المدعي واليمين على من أنكر، فنحن بحاجة لتحديد المدعي في رتبة سابقة لنطالبه بالبينة وتحديد المنكر ليطلب منه اليمين، فلا يصح تحديد المدعي بأنه من يطالب بالبيّنة لأن الكلام هو في تعيين المطالب بالبيّنة. الثانية: أنه قد يصدق المدعي على شخص ولا يطالب بالبين، وإنما يقدّم قوله للدليل، كما في الودعي إذا ادعى الرد أو التلف، فإنه لا يطالب بالبينة وإنما يقدّم قوله لما دلّ على أن الودعي أمين والأمين يصدّق ولا يضمن( )، وكذلك قد يقبل قول المدعي بدون بيّنة كما في صورة رد اليمين من قبل المنكر عليه حيث يكتفى منه بالحلف فقط، وقد يكتفى منه بالشاهد واليمين، هذا ما أفاده السيد اليزدي(قده)( ). وعند التأمل في ملاحظيته نجد أن ملاحظته الأولى صحيحة، ولكن الثانية لا تخلو من إشكال، لأن القول بأن المدعي هو من يطالب بالبيّنة والمنكر من يطالب باليمين، ناظر إلى الحالة الطبيعية الاعتيادية للدعوى، أما قبول قول المدعي بدليل خاصٍ أو باليمين المردودة فهي حالات طارئة لا تنافي القاعدة وهي مطالبته بالبيّنة، بل إن قبول قوله باليمين المردودة لا يصح جعله استثناءً من القاعدة، لأنه في هذه الصورة هو مطالب بداية بالبيّنة الشرعية، وبسبب عدم توفرها لديه يُطلب اليمين من غريمه، فإذا ردّها على المدعي وحلف فيصدّق ويحكم له. تحقيق الحال في التعريف: اتضح مما سبق أن هذه التعريفات رغم اختلافها في التعبيرات والألفاظ، إلا أنها بحسب المصاديق متساوقة، وإن الغرض من ذكرها ليس بيان المعنى اللغوي والعرفي للفظ المدعي والمنكر، لأنه واضح وإنما الغرض بيان المصاديق. وأما ما قد يقال: بأنه ما دام لم يثبت للفظ المدعي حقيقة شرعية أو مجاز شرعي، بخلاف ما عليه الحال في لفظ الصلاة أو الصوم أو الزكاة ونحوها، فلا معنى للخوض في تعريفه، لأن التعريف إنما يلجأ إليه إذا كانت هناك حقيقة شرعية أو مجاز شرعي استعمل اللفظ فيه ويراد معرفته. فجوابه: ما عرفته من أنا لسنا بصدد تعريف لفظ المدعي وبيان مفهومه، وإنما في مقام معرفة المصاديق، أما المفهوم فإنه أمر عرفي لغوي يرجع فيه إلى اللغة والعرف العام، ومن المعلوم أن معنى لفظ المدعي في اللغة مغاير للتعريفات المتقدمة، فليس هو بمعنى "من لو ترك تُرك" أو "من كان قوله مخالفاً للأصل"... وكذا فالعرف لا يفهم من لفظ المدعي هذه المعاني وإنما هو لغة "مشتق من الدعاء أو الدعوة بمعنى الطلب وهي تختلف بحسب المتعلق فيقال: دعى زيداً أي طلبه، ودعى له أي طلب أمراً خيراً له، ودعى عليه أي طلب سوءاً عليه، ودعى منه أي طلب منه، وأدّعي: أي أُخبر بمطلب كما إذا قال السماء فوقنا، وادّعى عليه أي طلب منه شيئاً على ضرره"( ) ونحوه ما عليه العرف. اختلاف صدق المدعي والمنكر: قد يختلف صدق المدعي والمنكر بحسب اختلاف مصب الدعوى أو الهدف منها، فيكون الشخص مدعياً بلحاظ معين ومنكراً بلحاظ آخر، مثلاً: لو اتفق الطرفان على أن زيداً ملّك عمراً الكتاب، ولكن اختلفا في أنه ملّكه على نحو البيع أو على نحو الهبة فهنا يتصور في مصب الدعوى عدة صور: الصورة الأولى: أن يكون نظرهما منصباً على تحديد نوعية العقد الواقع فحسب وأنه البيع أو الهبة، فالبائع مثلاً يدعي الهبة، والمشتري يدعي البيع، من دون أن يكون لمدعي الهبة غرض مادي كاسترجاع الكتاب، وكذا مدعي البيع، ولا يضر أن يكون لمدعي الهبة غرض معنوي كإشعار الآخر بنحو من المنة ونحوها، وفي هذه الصورة يكون الطرفان متداعيين، أي أحدهما يدعي البيع وينكر الهبة والثاني يدعي الهبة وينكر البيع، فيطبق عليهما حينئذٍ حكم التداعي وهو التحالف. الصورة الثانية: أن يكون نظرهما منصباً على استحقاق الثمن وعدمه، فمدعي البيع يهدف إلى المطالبة بالثمن، ومدعي الهبة ينفي استحقاق الآخر للثمن. وفي هذه الصورة لا بدّ من التفصيل بنظر السيد اليزدي لأنه "بناءً على جريان قاعدة احترام المال وأنه لا يذهب عبثاً، يكون المدعي من يقول بالهبة، وبناءً على عدم ثبوتها وجريان أصالة البراءة عن الشغل بالعوض يكون المدعي من يقول بالبيع"( ). والصحيح عندنا أن قاعدة احترام المال بمعنى أنه لا يذهب عبثاً غير تامة ولا دليل علها، وغاية ما ثبت بالدليل هو قاعدة احترام مال الآخر، وأنه من الناحية التكليفية لا يجوز التعدي على ماله وأخذه بغير وجه حق أو إتلافه، ومن الناحية الوضعية يكون ماله مضموناً على الآخر بأسباب الضمان، ومن الواضح أن هذه القاعدة لا تثبت أن القول في المقام هو قول مدعي البيع، وأما قاعدة احترام المال بمعنى أنه لو انتقل من شخص لآخر يكون مضموناً عليه بالعوض، فهذا لا دليل شرعي عليه ولا أساس عقلائي له، وعلى ضوء ذلك فلا يكون القول قول مدعي البيع مع يمينه لأنه لا وجود لأصلٍ أو قاعدة تعضد قوله، بل القول قول مدعي الهبة لأنّ الأصل معه، وذلك لأن مدعي البيع يدعي اشتغال ذمة الآخر له بالعوض، وذاك ينكر اشتغال ذمته، والأصل براءة ذمته من الاشتغال، لأنه حادث مسبوق بالعدم فيستصحب، وبعبارة أخرى: إن من يقول بالبيع يكون مدعياً ومن يقول بالهبة يكون منكراً. الصورة الثالثة: أن يكون نظرهما إلى استرداد الكتاب وعدمه، فمدعي الهبة يهدف إلى استرداد الكتاب لأن عقد الهبة جائز فمن حقه الرجوع، ومدعي البيع يدعي اللزوم، فليس للآخر استرجاع العين منه، لأن البيع عقد لازم. وفي هذه الصورة فإن الأصل مع مدعي اللزوم فهو منكر والآخر مدعي، وبيانه: أن المتنازعين متفقان على ملكية الطرف الآخر للكتاب إما بسبب البيع أو الهبة، ولكنهما يختلفان في لزوم الملكية أو تزلزلها فإذا رجع مدعي الهبة في هبته فيشك في ارتفاع ملكية الطرف الآخر فيستصحب بقاؤها. الصورة الرابعة: أن يكون نظرهما إلى ضمان العين وعدمه، كما لو فرض فساد المعاملة وتلفت العين، فلو كانت المعاملة هي البيع لكانت العين مضمونة على من تلفت تحت يده، لأن ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، وأما لو كانت المعاملة هي الهبة فلا تكون العين مضمونة لأن ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده. وفي هذه الصورة يقال: "أن المدعي من يقول بالبيع، لأنه يدعى الضمان بمقتضى قاعدة ما يضمن، والأصل البراءة عن العوض، نعم: لو قلنا بجواز التمسك بالعموم في الشبهات المصداقية مطلقاً أو في موردٍ يكون العام مقتضياً كما في اليد المقتضية للضمان، يكون المدعي من يقول بالهبة، لأن مقتضى عموم على اليد الضمان، وهو مقدم على أصل البراءة"( ). 2- شروط سماع الدعوى ذكر الفقهاء عدة شروط لسماع الدعوى: الكمال الشرط الأول: الكمال الأول: رواية حمزة بن حمران عن أبي جعفر(ع) ــ في حديث ــ أنه قال: "الجارية إذا تزوّجت ودخل بها ولها تسع سنين ذهب عنها اليتم، ودفع إليها مالها، وجاز أمرها في الشراء والبيع، قال: والغلام لا يجوز أمره في الشراء والبيع، ولا يخرج من اليتم، حتى يبلغ خمس عشرة، أو يحتلم أو يشعر أو ينبت قبل ذلك"( )، دلّت عبارة "لا يجوز أمره حتى يحتلم أو يبلغ..." أنه لا يقبل قوله ولا يسمع في الدعاوى. الثاني: أن الصبي والمجنون مسلوبا العبارة. الثالث: أن المتبادر من الأدلة هو العاقل البالغ، قوله(ع) "إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان"( ) موجه للبالغين أو أن ذلك هو المنصرف منه. الرابع: الإجماع كما عن المستند وغيره( ). الخامس: أصالة عدم ترتب آثار الدعوى من وجوب السماع وقبول البيّنة والإقرار وسقوطها بالحلف ونحو ذلك، فمقتضى الأصل عدم وجوب سماع الدعوى ولا ترتيب آثارها. ولكن هذه الأدلة غير تامة. أما الأول: فالرواية مختصة بالبيع والشراء ولا تشمل كل ما يتعلق بالصبي من شؤون، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنها ناظرة إلى عدم جواز أمره في تصرفاته الناقلة كالبيع والشراء، لا إلى عدم جوازه في مقام تحصيل حقه من الآخرين وإثبات أنه له حقاً عليهم. وأمّا الثاني: فلا دليل على مسلوبية عبارة الصبي والمجنون مطلقاً، فلو أن صبياً مميزاً شارف على البلوغ أنشأ صيغة عقد البيع نيابة عن المالك وبتوكيل منه، فلا يكون مسلوب العبارة، لأنه أنشأ العقد قاصداً إلى مضمونه ولا دليل على أن قصده وإنشاءه كعدمه. وأما الثالث: فالانصراف إنما يصح دعواه في صورة ما لو كان اللفظ ظاهراً ظهوراً ثانوياً في المنصرف إليه، بسبب كثرة الاستعمال لا كثرة الوجود أو أكملية أحد الفردين، وفي المقام فالتبادر غير واضح والانصراف على فرضه ليس ناشئاً من كثرة الاستعمال. وأما الرابع: فالإجماع على فرض تحققه ليس إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن قوم المعصوم أو فعله أو تقريره، لاحتمال إسناد المجمعين إلى الأدلة السابقة أو إلى الأصل العملي. وأما الخامس: فلأنّه لا مجال للرجوع إلى أصالة عدم وجوب سماع الدعوى أو البينة والإقرار، مع وجود عمومات الحكم بالعدل والقسط ونحوها مما يقتضي وجوب السماع. نعم لا إشكال في عدم وجوب سماع دعوى الصبي والمجنون فيما يوجب تصرفاً مالياً أو نحوه مما هما ممنوعان منه، كما لو ادعى أحدهما بيع ماله أو هبته أو نقله بأي ناقل آخر ففي هذه الصورة لا يجب سماع دعواه، لأن الصبي محجور عليه شرعاً في أمثال هذه التصرفات وممنوع منها، فلا تسمع دعواه فيها وكذا الحال في المجنون، وبعبارة أخرى: إن الصبي في هذه الحالات غير مسلط على ما يدعيه فتكون دعواه باطلة وغير مقبولة، كما لا تقبل دعوى البالغ فيما هو ممنوع منه، وهذا هو القدر المتيقن من الأدلة السابقة. وأما دعواه في التصرفات غير الممنوعة، كما لو ادعى على شخص أنه جنى عليه أو سرق سيارته أو ثوبه فلا دليل على عدم سماعها، بل إن إطلاقات وعمومات وجوب الحكم بالعدل والقسط تقتضي وجوب سماعها، سيّما إذا كان الخصم ممن يخاف فراره أو كان بصدد السفر أو عابر سبيل ونحوه، مما يخشى معه من ضياع حق الصبي إذا لم تسمع دعواه أو تقبل بينته. نعم قد يقال: إن يمينه لا تقبل في هذه الصورة وكذا إقراره ولا يستطيع تحليف الخصم، باعتبار أن الحلف والتحليف والإقرار مما قام الدليل على اختصاصها بالبالغ أو انصراف أدلتها عن الصبي والمجنون، ولا محذور في التفكيك بين آثار الدعوى، بأن تقبل بيّنة الصبي المدعي ولا يقبل منه الحلف أو التحليف أو الإقرار، وذلك لمساعدة الدليل على التفكيك، سيّما بملاحظة أن هذه الآثار ليست من اللوازم العقلية حتى يستحيل انفكاكها عن الدعوى أو عن بعضها البعض، لكن منع الصبي من الحلف أو التحليف لا يمنع من قيام وليّه به إن كان، وإلاّ تولاه الحاكم الشرعي، كما أنه لو ربح الصبي أو المجنون الدعوى فلا يجوز أن يدفع إليه المال لكونه محجراً عليه كما ذكرنا. الشرط الثاني: الرشد فلا تسمع الدعوى من السفيه كما عن الأردبيلي وغيره( ). واستدل على شرطية الرشد بالإجماع كما ادعاه في المعتمد( )، وأن السفيه محجور عليه. لكن الإجماع لو سُلّم فهو محتمل المدركية لأن من المحتمل إستناد المجمعين إما إلى دعوى الحجر عليه أو إلى أصالة عدم وجوب سماع الدعوى على القاضي، وأما الحجر على السفيه فهو لا يقتضي عدم سماع دعواه مطلقاً، لأنه ممنوع من التصرفات المالية التي تكون في غير صالح الغرماء دون سائر التصرفات التي لا ربط لها بالمال كدعوى القذف والجناية والنكاح فهذه وأمثالها لا مانع من سماع دعواه فيها والظاهر أن مقصود المجمعين المنع من هذه التصرفات، لأن مسألة السفه تستلزم تقييد سلطته على أمواله، وأما فيما عدا ذلك فهو بالغ ويملك شخصية قانونية كاملة في كل القضايا المتصلة بحياته وعلاقاته الاجتماعية، ومن اللازم على الحاكم سماع دعواه فيها بمقتضى عمومات الحكم بالحق، مضافاً إلى أن حكمة القضاء في عدم ضياع حق أحد تساعد على ذلك، فكثيراً ما يُعتدى على السفيه في ماله أو جسده أو عرضه، فإذا لم تسمع دعواه في ذلك فسوف يضيع حقه، مع أنّ القضاء مُشرّع لرفع المظالم. بل يمكن القول إن دعواه ليست مرفوضة في القضايا المالية على إطلاقها بل في خصوص القضايا المالية التي يستقل بإنشائها، فلو ادعى أنّ تصرفه المالي كان بإذن الحاكم الشرعي أو وكيله المنصوب لذلك فلا مانع من سماع الدعوى حينئذٍ، إلا إذا أحرز القاضي كذبه. والحاصل: أن مسألة الرشد كمسألة البلوغ تندرجان في سلك واحد، أي أن الدعوى في المسألتين لا تقبل ولا يلزم سماعها إذا كان مضمونها باطلاً في نفسه، كما لو ثبت للقاضي أن هذا الصغير باع بدون إذن وليه، أو أن السفيه باع من دون مواقفة الحاكم الشرعي أو نائبه في هذا الشأن، وأما فيما عدا ذلك فاللازم على القاضي بمقتضى العمومات والإطلاقات المشار إليها سماع الدعوى والتحقق من صدقيتها وشرعيتها. الشرط الثالث: كون الإدعاء لنفسه أو لمن له الولاية عليه بأن يكون وكيلاً أو وصياً أو ولياً أو حاكماً، أو كونه متعلق حقه من رهانة أو أمانة أو إعارة أو التقاط أو نحو ذلك، فلو ادعى على الغير دعوى مالية دون أن يكون له صفة تتصل بالدعوى من قريب أو بعيد فلا تقبل دعواه، وهذا أمر جرت عليه سيرة العقلاء، ولذا يعمد الناس في أيامنا إلى توكيل شخص يتولى المرافعة إذا لم يتمكن صاحب العلاقة من الحضور بنفسه ولا تقبل المحاكم الوضعية دعوى من لم يكن أصيلاً ولا وكيلاً، لأن العقلاء يرون أن القضاء شرّع لأجل فض النزاعات والخصومات الحاصلة بين الناس ممن يكون لأحدهم حق على الآخر ويكون له تعلق بالدعوى بشكل من الأشكال، وهذه السيرة العقلائية تكون بمثابة القرينة المتصلة التي تمنع من انعقاد الإطلاق فيما دلّ على لزوم الحكم بالقسط والعدل ولزوم الفصل بين المتنازعين، كمقبولة عمر بن حنظلة( ) وغيرها. ولو شك في لزوم سماع القاضي دعوى الأجنبي فالأصل يقتضي العدم. وما ذكرناه من السيرة العقلائية هو دليل هذا الشرط ولسنا بحاجة في مقام الاستدلال عليه إلى التثبت بدعوى انصراف العمومات الدالة على وجوب الفصل بين المتخاصمين والحكم بالحق عن صورة ما إذا كان المدعي أجنبياً عن الدعوى، لأن دعوى الانصراف هذه قد تمنع لو قطعنا النظر عن القرينة المذكورة. الدعاوى الحسبية: لكن قد يستثنى من ذلك الدعاوي الحسبية، فهذه قد تقبل ممن لا علاقة له بالدعوى بشكل مباشر، كما لو ادعى شخص ديناً على ميت له أطفال صغار، وهناك شخص ثالث يعلم أن الميت قد أوفى المدعي دينه قبل موته، فيحق للثالث رفع دعوى بكذب مدعي الدين، وهكذا لو ادعى شخص على صديقه أو جاره الغائبين وهو يعلم براءتهما ونحو ذلك، وتكثر في أيامنا الدعاوى الحسبية في دولة مصر، وتمتد هذه الدعاوى إلى طلب انفساخ عقد النكاح، كما في قضية الكاتب نصر حامد أبو زيد الذي ادعي عليه بالارتداد وطلب من المحكمة الفصل بينه وبين زوجته. والوجه في هذا الاستثناء هو أن القضايا الحسبية هي مما يتصل بحفظ أموال ونفوس الآخرين ممن لا يملكون الدفاع عن أنفسهم وإثبات حقوقهم، أو بحفظ الحدود الشرعية التي يُعلم أن الشارع لا يرضى بإهمالها أو تجاوزها، ولذا يُكلّف بها الحاكم الشرعي، وعنده فقده يكلف بها عدول المؤمنين، وهذا ما يجعل للمحتسب صفة شرعية تخوّله إقامة الدعوى، سيما في المورد الذي يخشى فيه من عدم إمكان تحصيل الحق بعد ذلك، والعمومات شاملة لذلك وما ذكر من القرينة ودعوى الانصراف لا يجريان في المقام. إثبات الوكالة أولاً: ولو أن شخصاً أقام الدعوى بزعم أنه وكيل أو ولي فهل يشترط في سماع دعواه إثبات الوكالة والولاية أولاً أو لا يشترط ذلك؟ ربما يقال بعدم الاشتراط، لأنه لم يقم الدعوى كأجنبي بل كوكيل أو ولي فلا موجب لرفضها، ولكن الأقوى الاشتراط، لأن العمومات ــ كما عرفنا ــ ناظرة إلى من كان له تعلق بالدعوى دون الأجنبي، وكون مدعي الوكالة أو الولاية ممن له تعلق بالدعوى مشكوك، فالتمسك بالعام فيه هو من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وعليه لو شك القاضي في وجوب الاستماع إليه فأصالة البراءة تقتضي عدم الوجوب. ولو فرضنا أن المدعي ترافع بعنوان كونه وكيلاً أو ولياً، وأثبت ما يدعيه، فحكم له القاضي، ثم تبيّن أنه لم يكن ولياً ولا وكيلاً، فيمكن القول ببطلان الحكم وعدم ترتب آثاره على هذه الدعوى، لكونها تبرعية وهي مما لا يصح المرافعة فيها. إثبات الرهن هل يستلزم إثبات الملك: إذا ادعى أن المال الذي بيده لزيد، لكنه أثبت بالشهود أنه رهن عنده فحكم القاضي له وأبقاه في يده، فهل يثبت بذلك ملكية زيد للمال؟ يقول السيد اليزدي: فيه وجهان أوجههما الثبوت لعدم عدّها بالنسبة إليه تبرعية( ). وتوضيحه: أما وجه عدم ثبوت الملكية بمجرد ثبوت كونه رهناً، فهو أن يقال: أن الدعوى قامت على أنه رهن وعلى ذلك شهد الشهود وبه حكم الحاكم، أما الملكية فلم تكن مصباً ولا تلعق بها حكم الحاكم فلا وجه لثبوتها. وأما وجه الثبوت وهو الأقوى فهو: أن الشهادة بالرهينة والحكم بها يستلزم كونه ملكاً لزيد ولا مجال لتفكيك بينهما، بل إن الحكم بكونه رهناً مع عدم كونه ملكاً لزيد متنافيان عرفاً، لأن الرهينة متوقفة على الملكية، فإن ثبتت الأولى الثانية قهراً، ويمكن أن يستدل لذلك أيضاً بأن مدعي الرهن مقرٌ بأن المال لزيد وإقرار العقلاء على أنفسهم جائز. إن قلت: أن الملكية لا تثبت لأن دعواها تبرعية ولا علاقة للمدعي بها. قلت: إن مدعي الرهن له تعلق بالدعوى وليس أجنبياً عنها فلا تكون دعواه تبرعية، فلا مانع من قبولها، وإثبات دعوى الرهينة ملازم لثبوت الملكية كما عرفت، وبعبارة أخرى: إن المدعي لم يدع ملكية زيد ابتداءً ليقال: إنه أجنبي ودعواه تبرعية، وإنما ادعى أن هذا المال رهن عنده، ودعوى الرهينة بعد إثباتها تكشف عن الملكية. إن قلت: إن ثبوت الرهن لا يكشف عن ملكية زيد ولا يلازمها، لأن من الممكن أن يكون المال مسروقاً وشهود الرهن غير مطّلعين على حقيقة الأمر وأن المال ليس ملكاً لزيد. قلت: الكلام إنما هو على فرض صحة الرهن، وفي صوره ما لو كان المال مسروقاً فلا تثبت الملكية ولا الرهينة. الشرط الرابع: "أن يكون ما يدعيه أمراً ممكناً، فلا تسمع دعوى المحال عقلًا أو عادة أو شرعاً"( ). والوجه في هذا الشرط واضح، إذ لا معنى لسماع الدعوى إذا كان مضمونها مستحيلاً عقلاً أو عادة، وهذا من القضايا التي دليلها معها بل لا يتصوّر صدور هذه الدعاوى من العقلاء، ونحن نعجب من الفقهاء رضوان الله عليهم كيف يتعبون أنفسهم في مثل هذه البحوث الافتراضية التجريدية التي لا تتحقق على أرض الواقع! وكذا الحال لو كان مضمون الدعوى باطلاً شرعاً كما لو ادعى أن زيداً مطلوبٌ له بثمن خمر أو خنزير مع كونهما مسلمين، فإن الدعوى بهذه الأشياء ــ بناءً على إلغاء الشارع لماليتها ــ غير مسموعة. الشرط الخامس: أن يكون ما يدعيه لازماً بحيث يمكن إلزام المنكر به على فرض ثبوته، فلا تسمع الدعوى إذا كان أمراً جائزاً يمكن للمدعى عليه الرجوع فيه، فلو ادعى هبةً أو وقفاً لم تسمع إلا مع دعوى الإقباض، لأن مضمون هذه الدعوى مما لا يمكن إلزام المدعى عليه به، واستدل على هذا الشرط: أولاً: بأن إنكار المدعى عليه فيما لا يلزم رجوع، ولذا لا يمكن إلزامه بالدعوى. وفيه: أن الرجوع أمر إنشائي متوقف على قصده له، ومجرد إنكاره للهبة أو الوقف لا يعدّ إنشاءً للرجوع، بل إن البعض رغم إنكاره للهبة أو الوقف ينفي رجوعه فيهما على تقدير صدورهما عنه، لأن الرجوع غير لائق بشأنه، ولذا قد يقول للمدعي: أثبتْ أني وهبتك المال وأنا مستعد لتسليمه لك. ثانياً: إن من لوازم الدعوى أن يتمكن القاضي من إلزام المدعى عليه بمضمونها، ومع الجواز لا يمكن إلزامه بذلك. وفيه: إن قبول الدعوى لدى العقلاء لا يحتاج إلى أكثر من ترتب الأثر عليها، بحيث يتوفر غرض عقلائي يدعو إلى إقامتها، سواء كان هذا الغرض مادياً أو معنوياً، والأثر العقلائي متوفر في المقام وهو إثبات أصل الهبة أو الوقف ولو لم ينتفع المدعي مادياً بسبب رفض المدعى عليه الإقباض، على أن بعض الأشخاص ــ كما ذكرنا ــ يرفضون الرجوع فيما وهبوه أو أوقفوه ولكنهم يطالبون الآخر بإثبات ما ينفونه من الهبة أو الوقف، فلو أثبت ذلك فلن يترددوا في إقباضه. وعليه فالقول بأنه لا بد أن يكون مضمون الدعوى مما يمكن أن يلزم به المدعى عليه، هو قول لا يعضده الدليل، بل قد أورد عليه بالحل والنقض: أما حلاً: فباعتبار أن أصل الملك شيء ولزومه شيء آخر ولكل منهما آثاره الخاصة به فيمكن دعوى أحدهما دون الآخر. وأما نقضاً: فلأن لازم عدم سماع الدعوى في مقامنا عدم سماعها في البيع في زمن الخيار، فلو ادعى المشتري أن الآخر باعه حيواناً ولم يمضِ بعدُ ثلاثة أيام وهي مدة الخيار فاللازم عدم سماع دعواه، لأن من حق البائع فسخ البيع في زمن الخيار، وكذلك الحال في خيار المجلس، فلو ادعى عليه البيع وهما لا يزالان في المجلس فاللازم عدم سماع هذه الدعوى أيضاً، مع أنه لا قائل بذلك من الفقهاء. رأي صاحب الجواهر في اللزوم: هذا ولصاحب الجواهر( ) رأي مختلف في تفسير اللزوم، فهو يرى أن المراد به ليس ما يقابل الجواز وثبوت حق الفسخ، بل استحقاق العين بعد إثبات الدعوى لا مجرد أن يكون مهيئاً لاستحقاقها، وعليه فلو ادعى الهبة عليه قبل القبض، فلا تقبل دعواه، لأنه حتى لو أثبتها فهو لا يستحق عليه العين الموهوبة، وكذلك الحال في الوقف قبل القبض، وأما لو ادعى على الأجنبي الهبة مع الإقباض وأنكر الآخر، فإن أقام المدعي البينة فيستحق المال بمجرد إثبات دعواه، ويمكن للحاكم إلزام المنكر بدفع المال له إن لم يكن المال بيده وإن كان من حق المنكر بعد ذلك الرجوع في الهبة لأن هبة الأجنبي غير لازمة، لكنّ هذا الرجوع لا ينافي استحقاق الآخر قبل الرجوع، وتظمر الثمرة في الانتفاعات الواقعة على العين قبل الرجوع وهكذا الحال في الوقف قبل القبض فكل دعوى من هذا القبيل تكون مقبولة. وبناءً على ما ذكر، فالنقض المتقدم بالبيع في زمن الخيار لا يرد على صاحب الجواهر، لأن إثبات المدعي للبيع في زمن الخيار لا يجعله مستحقاً للمبيع بل يجعله مهيئاً للاستحقاق. أقول: اللزوم بهذا المعنى لا دليل عليه أيضاً، فليس من شرط سماع الدعوى أن تكون بحيث لو ثبتت لاستحق المدعي العين بعد الإثبات، لأن القضاء شرّع لرفع الخصومات وقد يتخاصم الطرفان في أمرٍ لا يكون له أثر مادي على تقدير ثبوت المدعى به بل له أثر معنوي اجتماعي، كما لو تنازعا في حصول البيع الباطل وعدمه، فأحدهما يثبت حصوله والآخر ينفي ذلك، فدعوى البيع الباطل لا أثر لها من الناحية المادية، ولكن قد يفرض وجود غرض عقلائي لهذه الدعوى كأن يكون المبيع من الأمور الثمينة المرتبطة بتاريخ عائلة المتنازعين مما يحتفظ به الناس كإرث عائلي، فأراد مدعي البيع الفاسد على الآخر أن يثبت بدعواه استهانة البائع بتراث العائلة وتقاليدها ويحول دون تجرؤه مرة أخرى على مثل هذا الاستخفاف. الشرط السادس: أن يكون ما يدعيه مما يصح تملكه، فلو ادعى عليه خمراً أو خنزيراً أو نحوهما فلا تقبل دعواه، لعدم المالية لهذه الأشياء شرعاً كما ثبت في محله. ولكن هذا الشرط يمكن إرجاعه إلى الممتنع شرعاً ممّا تقدم الحديث عنه في الشرط الرابع، على أنه لا يتم على إطلاقه وذلك لأنه لو كان غرض مدعي الخمر أو الخنزير على الغير إثبات ملكيته لهما، فهذا مما لا يصغى إليه، لعدم المالية لهما شرعاً كما قلنا، وأما لو كان غرضه من ذلك إثبات حق الاختصاص له فيهما سيّما إذا قلنا بصدد تحويل الخمر إلى خل مثلاً، فلا مانع حينئذٍ من قبول دعواه لوجود المقتضي لذلك وهو العمومات، وفقد المانع. وكذا الحال لو كان غرضه من الدعوى غرضاً معنوياً أو شرعياً، كما لو قصد إثبات فسق الطرف الآخر وسقوط عدالته بسبب تجارته بما هو محرم شرعاً، فهذه الدعوى لا مانع من قبولها لاندراجها ضمن الدعاوي الحسبية التي تقدم الحديث عن قبولها وعدم كونها تبرعية. وكذا تقبل دعواه اشتغال ذمة الآخر له بثمن الخمر أو الخنزير قبل أن يسلما، فإن المسلم يستحق على الكافر أو من كان كافراً حين المعاملة ثمن الخمر والخنزير ما دام أن المعاملة أجريت قبل الإسلام، وهذا ما دلت عليه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر(ع) قال: الله بن الحسن، عن جده علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجلين نصرانيين باع أحدهما خمراً أو خنزيراً إلى أجل فأسلما قبل أن يقبضا الثمن هل يحل له ثمنه بعد الإسلام؟ قال: إنما له الثمن فلا بأس أن يأخذه( ). الشرط السابع: أن يكون المدعى به معلوماً بالجنس والنوع والوصف والقدر، نسب هذا الشرط إلى الشيخ وأبي الصلاح وابن حمزة وابن زهرة وابن إدريس والعلامة في التحرير والتذكرة والشهيد في الدروس( )، وذهب جماعة آخرون منهم المحقق في النافع، والعلامة في القواعد والإرشاد وولده فخر المحققين في الإيضاح والشهيد الثاني( ) وغيرهم بل نسب إل الأكثر إلى عدم اعتبار هذا الشرط. والتحقيق أن مضمون الدعوى تارة يكون مجهولاً جهالة مطلقة مع تردده بين ما له قيمة وما ليس له قيمة، كما لو قال: لي عنده شيء مردد بين أن يكون قبضة تراب أو قبضة فضة، ففي هذه الصورة لا تقبل الدعوى لعدم وجود قدر متيقن يمكن أن يلزم به المدعى عليه، بل قد يقال: إن هذه الدعوى عبثية لأنه لا يمكن إقامة البينة عليها ولو أقيمت فإنها لا تفضي إلى نتيجة، ولكن قد يجاب على ذلك بأن إثباتها ممكن، بأن يشهد الشهود أنه أعطاه ظرفاً يحتوي على شيء غير معلوم، وتارة أخرى يكون متعلقها مجهولاً جهالة نسبية كما لو قال: لي عنده فرس أو ثوب من دون أن يحدد فصيلة الفرس ولونه وعمره ولا طبيعة الثوب وجنسه ولونه وقيمته، وفي هذه الصورة قيل بأن الدعوى لا تسمع، لعدم الفائدة منها حتى لو أثبتها المدعي، لأن المدعى به لا بد أن يكون محدد التفاصيل لِيُلزم الآخر به، ولكن الأقوى سماع الدعوى في هذه الصورة، لعمومات الحكم بالقسط والعدل، ودعوى عدم الفائدة ممنوعة، لأنه لو أثبت المدعي حقه بالبينة أو الإقرار، فيطالب المدعى عليه بتفسيره وتعيينه، ويقبل منه مسمى المدعى ويحلف على نفي الزائد العلم به إن ادعي عليه العلم، وإن أصرّ على جهالته بالأمر، فيلزم بالقدر المتيقن، وهو أقل الأفراد بحسب الوصف والقيمة. وأضف إلى ذلك أنه لو لم تسمع الدعوى بالمجهول، فاللازم عدم سماع الإقرار بالمجهول أو الوصية بالمجهول مع أنه لا ريب عندهم في سماع الوصية والإقرار به. إن قيل: هناك فرق بين المقامين، فالمقِّر ولو بالمجهول لا يترك لو ترك، لأنه قد ألزم نفسه واعترف بحق للآخر عليه، ولذا يكون ملزماً بتفسير إقراره وتعيينه بموجب قانون إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، وأما الدعوى بالمجهول فلا تُحْدِث حقاً للمدعي على الغير، ولذا يترك لو ترك، وعليه فقبول الإقرار بالمجهول لا يلازم قبول الدعوى به. كفاية الإجمال في سماع الدعوى: هل يشترط في سماع الدعوى أن يبيّن سبب استحقاقه للمدعى به؟ فلو ادعى مالاً على آخر فهل يلزمه تحديد سبب استحقاقه للمال من دين أو ثمن مبيعٍ أو نتيجة إتلاف أو يد أو غير ذلك؟ أو لا يشترط شيء من ذلك، وإنا يكفيه إثبات أصل المال دون كيفية استحقاقه؟ ربما مال بعضهم إلى ضرورة معرفة سبب الاستحقاق، لكن السيد اليزدي وجماعة يرون أن ذلك ليس ضرورياً بل يكفيه الإطلاق بأن يقول: لي عليه مالٌ دون أن يحدد سبب الاستحقاق لأنه لا دليل على ذلك. نعم اشترط بعضهم ضرورة التحديد في دعوى القتل ببيان أنه عن عمد أو خطأ، بالمباشرة أو التسبب، وكونه قاتلاً وحده أو بالاشتراك مع غيره، وادعى في المبسوط( ) الاتفاق على ذلك، معللاً له بأن أمر القتل شديد وفائته لا يستدرك. ولكن الأقوى عدم ضرورة الاشتراط، وكفاية الإجمال في سماع الدعوى وإن كان يلزم الحاكم متابعة التفاصيل ومعرفة كل الملابسات التي قد تحيط بالدعوى، ليرفع غموضها ويأتي حكمه مصيباً للواقع، فإن لم يتمكن من رفع الغموض أغلق ملف القضية أو جمّدها، حذراً من الحسم فيما لا يستدرك فائته. وقد يقال: أن مقتضى النصوص الدالة على أنه لا يبطل دم امرئ مسلم، ثبوت الدية في كلي القتل بعد ثبوته، ففي صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد الله(ع): "أنه قال في رجل كان جالساً مع قوم فمات وهو معهم أو رجل وجد في قبيلة أو على باب دار قوم فادعى عليهم؟ فقال: ليس عليهم شيء ولا يُبطلّ دمه"( )، وفي صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله(ع) نحو لكنه قال: "لا يطل دمه ولكن يعقل"( )، لكن ثبوت الدية مطلقاً محل إشكال، لأن القتل ربما كان دفاعاً عن النفس، فيكون دم المقتول هدراً، وتمام الكلام في محله. دعوى الإقرار: واستشكل بعضهم في قبول دعوى الإقرار ولو كان بالمعلوم، كما لو ادعى على شخص أنه أقرّ له بألف دينار وأقام البينة على ذلك، ووجه الإشكال: أن الحاكم لا بد أن يحكم بالواقع، والإقرار ليس طريقاً إلى الواقع وإنما يؤخذ به في الظاهر من باب إلزام العاقل بما ألزم به نفسه، لكن هذا يتأتى فيما لو أقر بنفسه لا ما إذا ادعي عليه الإقرار. وفيه: أن ثبوت الحق ظاهراً ومن خلال البينة التي تشهد بإقراره كافٍ في لزوم سماع الدعوى، لأن المهم أن يتوفر لدى القاضي حجة شرعية على الإقرار، سواء كانت ظاهرية أو واقعية، وهذا ينبغي أن يكون واضحاً ولا وجه للاستشكال فيه، وعلي فلو ثبت إقراره لدى الحكام بواسطة اعترافه شخصياً أو لقيام البينة على ذلك، كفى ذلك للحكم وسماع الدعوى. الشرط الثامن: أن تكون الدعوى صريحة في استحقاق المدعي وإلا فلا تسمع، لعدم الفائدة منها، ويمثلّون لذلك بما لو قال: هذه الأمة التي عندك وليدة أمتي، أو الشاة التي عندك ابنة شاتي، فهذه الدعاوي لا تقبل، لعدم كونها صريحة في استحقاقه للشاة أو الأمة، لأن من الممكن أن تكون ابنة أمته أو شاته لكنها ملك للآخر بشراء أو هبة أو نحو ذلك، فلا تقبل إلاّ إذا ضمّ إليها ما يؤكد بقاءها على ملكه كأن يقول: هذه ابنة أمتي وهي الآن لي، ويذكرون مثالاً آخر لذلك وهو أن يقول: هذه ابنة أمتي وهي الآن لي، ويذكرون مثالاً آخر لذلك وهو أن يقول: هذا التمر من نخلي فإنها لا تقبل لعدم صراحتها، إذ من المحتمل أن يكون التمر مع كونه من نخلة قد انتقل إلى غيره بناقل شرعي، وهكذا الحال لو قال: هذه الأمة تولدت من أمتي في ملكي لاحتمال كونها لغيرن وإن تولدت من مملوكته في ملكه، فلا تكون صريحة إلا مع الضميمة المذكورة. قد يقال: إن مقتضى تبعية الولد لأمه كونه مملوكاً لمالك الأم، فاللازم قبول دعواه بمقتضى قاعدة التبعية. والجواب: إن قاعدة التبعية تقضي بذلك إن لم يكن هناك حجة على خلافها، والحجة على الخلاف موجودة، وهي قاعدة اليد الكاشفة عن مملوكية الولد لمن هو تحت يده، هذا أولاً. وثانياً: إن قاعدة التبعية لا تجعل الدعوى المذكورة صريحة، ولذا لو أقر من بيده الأمة أنها بنت مملوكة فلان فلا يكون ذلك إقرار بأنها لفلان. وقد فرّق القوم بين الأمثلة المتقدمة حيث حكموا فيها بعدم قبول الدعوى لعدم صراحتها، وبين ما لو قال: هذا الغزل من قطني أو هذا الدقيق من حنطتي فقالوا بقبول هذه الدعوى كما يقبل إقراره لو قال: هذا الغزل من قطن فلان وهذا الدقيق من حنطة فلان( ). المناقشة: هذا ولكن أصل الشرط الثامن محل إشكال وكذا التفرقة المذكورة بين الأمثلة. أم أصل الشرط وهو الصراحة في الاستحقاق فإن دليله غير تام، إذ يكفي في تحقق الفائدة أن يكون الكلام ظاهراً في الاستحقاق بلا حاجة للصراحة، فإن العقلاء يتعاملون في مقام التفاهم أو تسجيل الحقوق على بعضهم البعض بالظواهر، ولا يشترطون أن تكون الكلمات على مستوى الصراحة التي لا تحتمل الخلاف ولو احتمالاً ضعيفاً، ولذلك يأخذون بالإقرارات ويلزمون أصحابها بها مع وجود احتمال موهون على الخلاف، وما ذلك إلاّ لظهورها في المعنى، ولا ريب أنه إذا ادعى شخص على آخر في مقام المخاصمة قائلاً: هذه الأمة بنت أمتي، وهذه السخلة بنت شاتي فإن أهل العرف يستظهرون من كلامه دعوى ملكية الأمة أو السخلة، نعم لو لم يكن كلامه هذا في مقام التخاصم، فقد لا يستظهرون منه ذلك، إذ من المحتمل جداً أن يكون بصدد بيان الحقيقة الخارجية لغرض الدعاية وبيان أن إماءه يلدن إماءً جميلات مثلهن، أو أن شياهه يلدن شياهاً جيدة ومرغوبة ونحو ذلك من الأغراض، وبما أن مفروض الكلام أن هذه الدعوى طرحت في مقام التخاصم، فلا مناص من قبولها لظهورها عرفاً في إرادة الاستحقاق، وعليه لا نبقى بحاجة للضميمة المذكورة. نعم ما ذكروه من عدم السماع يمكن الموافقة عليه فيما لو قال: هذه دعواه لا أزيد عليها، فإن هذا التعبير يجعل احتمال أن لا يكون في صد بيان ملكية الأمة والسخلة وارداً جداً، أما لو قال: أتمم الدعوى بعد توفر البينة عندي، فلا وجه لعدم سماعها وكذا لو أطلق فاللازم السماع أيضاً. وأما التفرقة بين مثال الأمة والشاة من جهة، ومثال الغزل والدقيق من جهة أخرى، فهي غير تامة أيضاً، لأنا لو سلمنا أصل شرطية الصراحة فأي فرقٍ بين أن يقول هذه ابنة أمتي أو شاتي؟! أو يقول: هذا الغزل من قطني والدقيق من حنطتي؟! فإن الصراحة لو اشترطناها منتفية في المثالين، ولو اكتفينا بالظهور فهو متوفر في المثالين أيضاً. كفاية دعوى الملزوم في إثبات اللازم: لو ادعت امرأة زوجيتها لرجل فهل تقبل هذه الدعوى ولو لم تضم إليها دعوى شيء من حقوق الزوجية كالمطالبة بالنفقة أو المساكنة والمضاجعة؟ الظاهر كفاية دعوى الزوجية ولو لم تضم إليه شيئاً آخر، لأن هذه الدعوى تتضمن دعوى لوازمها، وكذلك لو ادعى رجل زوجية امرأة فتسمع دعواه بلا حاجة إلى المطالبة بحقوقه عليها، لأن هذه الحقوق هي من لوازم الزوجية. ولو ادعى أن فلاناً غصب داره أو اشترى منه ضيعته أو اقترض ماله، فهل تسمع وإن لم يضم إليها دعوى استحقاق رد الغضب أو أداء الثمن أو عوض ما اقترض؟ ذكر النراقي في المستند( ) أنها لا تقبل بدون الضميمة المذكورة. قال(قده): وكذا لو ادعى أنّه اشترى ضيعتي، أو غصب داري، أو اقترض مني عشرة، لم تسمع ما لم يقيدها بما يصرّح باستحقاقه الآن، لجواز أن يكون اشترى وأدى الثمن، أو غصب ورد، أو ابتاع بعده، أو أقرض وأدّاه، فمجرد تلك الدعاوى لا توجب دعوى حق". ولا وجه لما ذكره، والظاهر قبوله، لعين ما قلناه في دعوى الزوجية، من أن دعوى أمر في مقام المخاصمة تتضمن دعوى لوازمه، والغريب أن المحقق النراقي الذي لم يكتف هنا بهذه الدعوى إلا مع الضميمة، اكتفى بها في الزوجية بدونها. الإدعاء على الشاهد علمه بفسق نفسه: لو ادعى المحكوم عليه على الشاهد أنه يعلم بفسق فلا تسمع هذه الدعوى لعدم الفائدة منها، وذلك لأن المناط هو ثبوت عدالته عند الحاكم، وهذا بخلاف ما لو ادعى فسق الشاهد فإنها تقبل وتدخل في دعاوى جرح الشهود. ويمكن أن يقال أن مرجع دعواه على الشاهد علمه بفسق نفسه هي اتهامه له بالفسق فتدخل في دعوى جرح الشهود فتقبل، وهذا غير بعيد، فإن المتفاهم العرفي من قول المحكوم عليه "أن الشاهد يعلم بفسق نفسه" اتهامه بالفسق وأنه عالم بفسق نفسه كما أنه ــ أي المحكوم عليه ــ عالم بذلك. ولو أقرّ الشاهدة بفسق نفسه، فلا يكون عليه شيء من طرف شهادته كما يرى السيد اليزدي(قده)( ). والأقرب أن على الحاكم أن يأخذ هذا الاعتراف بعين الاعتبار ويراعيه في إصدار الحكم. الشرط التاسع: أن يكون للمدعي طرف أو خصم يكون بينهما منازعة ومخاصمة فعلاً فلو لم يكن له خصم وأراد إثبات حقه واستصدار حكم له بذلك، ليحول دون قيام نزاع محتمل أو دعوى محتملة ضده في المستقبل فلا يجب على القاضي سماع دعواه، ويمثّل السّيد اليزدي لذلك بما إذا كان هناك وقف على كيفية خاصة صحيحة عند بعض الفقهاء دون بعض، فأراد المدعي استصدار حكم ممن يقول بصحته دفاً لإدعاء بعض البطون اللاحقة وسعيهم في إبطال الوقف، وكذا لو كان له شريك وليس بينهما منازعة فعليّة، لكنه يخشى من جحوده في المستقبل، فأراد إثبات حقه عند الحاكم وإصدار حكم له بذلك، ليكون مستنداً في يده، أو يد ذريته على تقدير موته. ففي هذين المثالين ونحوهما قيل( ): أنه لا يجب على القاضي الاستماع إليه ولا الحكم على طبق بيّنته، ولو حكم فلا قيمة لحكمه ولا تترتب عليه آثار الحكم من وجوب العمل به وحرمة نقضه. واستدل لذلك: بأن المتبادر من أدلة وجوب السماع وترتيب آثار الحكم صورة وجود المنازعة فعلاً. لكن بعض الفقهاء( ) فصّلوا بين وجوب السماع، ووجوب العمل وترتيب آثار الحكم، فقالوا: إنه لا يجب السماع، لأن ظاهر الأدلة وجود منازعة فعلية، وهي غير موجودة في المقام. ولكن لو أن القاضي استمع إليه وأصدر حكماً استناداً إلى حجة شرعية من بيّنة أو إقرار، فيجب العمل على طبق هذا الحكم، ويحرم نقضه، لأن ما دل على ذلك لا قصور فيه للشمول للمقام. ودعوى انصراف هذه الأدلة إلى صورة وجود منازعة فعلية ممنوعة، ومما يؤيد ذلك أنه لا إشكال عندهم في صحة الحكم بالهلال وحرمة نقضه ــ لو قيل بنفوذ حكم الحاكم في الموضوعات ــ مع أنه لا خصومة في البين، وكذا الحال في حكمه في الحدود التي لا خصومة فيها، وقد اختار في الجواهر القول بالتفصيل، وقال مفرّعاً على ذلك: "وعليه فإذا أنشأ الحكم بصحة تزويج المرتضعة معه عشر رضعات مثلاً لم يكن لهما بعد ذلك الخصومة من هذه الجهة"( ). الشرط العاشر: الجزم بالدعوى على المشهور، فلا تسمع الدعوى الظنية والوهميّة فلو قدّمها بعنوان أنه يحتمل ثبوت حق له على زيد من دون أن يكون جازماً بذلك، فلا تقبل، كما نقل ذلك عن ابن زهرة والكيدري والمحقق في الشرائع ونسب إلى المشهور، وعن جماعة آخرين عدم الاشتراط مطلقاً، فتسمع ولو كانت احتمالية، وعن بعضهم تخصيص السماع بصورة التهمة، وعن بعضهم بصورة الظن، وعن آخرين السماع فيما يخفى ويعسر الإطلاع عليه، كالقتل والسرقة ونحوهما، دون ما لا يخفى، وعن صاحب المعتمد تخصيص السماع بصورة احتمال الإقرار أو وجود البيّنة أو إدعاء المدعي أحدهما فإن إدعاء المدعي أحدهما فإن تحقق، وإلاّ سقطت، كما أنها تسقط مع عدم احتمال شيء منهما من الأول( ). أدلة القائلين بالجزم: استدل للقول باشتراط الجزم في سماع الدعوى بعدة وجوه: الأول: أصالة عدم وجوب السماع. وفيه: أنه مع وجود العمومات الآتية فلا مجال للرجوع إلى الأصل العملي. الثاني: أن المتبادر والمنصرف بحسب الفهم العرفي من عنوان "الدعوى" أو "المدعي" أو "المدعى عليه" الوارد في الروايات كقوله(ع): "البينة على المدعي" هو صورة الجزم، فعندما يقال: ادعى فلان على فلان فإنه يفهم منه أنه جازم بثبوت حق له عليه، أما لو لم يكن جازماً فيقال: اتهم فلان فلاناً. ويرده أولاً: منع الانصراف لأن العرف لا يمانع من إطلاق لفظ الدعوى ولو في صورة الاتهام غير الجازم ولذا يقال: قدّم فلان دعوى على فلان متهماً له دون أن يكون جازماً. وثانياً: لو سلمنا بالتبادر المذكور فيما اشتمل على عنوان "الدعوى" من النصوص، فلدينا من النصوص عناوين أخرى لا تختص بصورة الجزم، كعنوان المخاصمة والمنازعة ونحوهما، ففي مقبولة عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبدالله(ع) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث، فتحاكما إلى السلطان وإلى القضاة، أيحلّ ذلك"( ). فقد أخذ في المقبولة عنوان المنازعة، وهو لا يختص بصورة الجزم بل يتسع لكل ما يكون موجباً للنزاع والخصومة، وبما أن القضاء شرع لإنهاء التخاصم والنزاع كما يفهم العقلاء، وكما هو مستفاد من النصوص( )، فيكون ذلك مبرراً كافياً للحكم بلزوم الاستماع إلى الدعوى. وعليه لا حاجة للتمسك بقوله(ع): "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"( ) فإن الاستدلال به لا يتم، لأخذ عنوان المدعي والمدعى عليه فيه، وقد مرّ دعوى اختصاصها بصورة الجزم، وهكذا لا حاجة للتمسك بقوله(ع): "استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، فإن لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدعي..."( ) فإن هذه الرواية مع قطع النظر عن إرسالها قد أخذ فيها أيضاً عنوان المدعي والمدعى عليه. الثالث: إن سماع الدعوى مع عدم كونها جزمية، فيه ضرر على المدعى عليه، من حيث إلزامه بالإقرار أو الحلف وإن رفضهما فالتعزيز. ويرده أولاً: منع الضرر، بملاحظة أن طبيعة القضاء تقتضي ذلك، سيما إذا منعنا التعزير وقلنا: إن فرض الإقرار أو الحلف لا يسوّغ تعزيره بل غايته يحكم عليه بنكوله. ثانياً: لو سلّمنا بأن السماع يمثل ضرراً على المدعى عليه، فإن عدم السماع يمثل أيضاً ضرراً على المدعي، ولا مرجح لضرر ذاك على هذا. الرابع: إن لازم السماع، القضاء بالنكول أو بيمين المدعي في صورة عدم توفر الإقرار والبينة، وكلاهما مشكل، لأنه لو تمّ الحكم على أساس النكول أو اليمين المردودة، فإنّ المدعي يكون قد أخذ ما لا يعلم بثبوت حق له فيه مع إنكار الآخر، وهو غير جائز، كما أن المدعي لا يمكنه الحلف إذا رد المنكر اليمين عليه، وذلك لعدم جواز الحلف بدون علم، هذا مضافاً إلى أن رفض المدعى عليه لليمين، قد يكون تعظيماً لله سبحانه، لا لأجل ثبوت الحق للآخر عليه. ويرد عليه أولاً: أنه لو ثبت أن للحاكم أن يقضي على المنكر بنكوله، فلا يمنع من ذلك عدم جزم المدعي بحقه، ولا يضر بذلك مجرد احتمال أن يكون ترك المدعى عليه لليمين تعظيماً لله، لأن القاضي يحكم بالظاهر، فكما لو قامت عنده البيّنة كوسيلة من الوسائل الظاهرية يجوز له أن يحكم على طبقها، ولا يمنع من ذلك عدم جزم المدعي بثبوت الحق له، كذلك لو ثبت له جواز الحكم بالنكول وأنه وسيلة ظاهرية، فيجوز اعتمادها في القضاء ولا يمنع من الحكم على طبقها مجرد عدم جزم المدعي بحقه. ثانياً: لوز سلمنا الاعتراض المذكور، فغاية ما يقتضيه عدم جواز حلف المدعي لو ردت اليمين عليه، لعدم علمه بثبوت حق له، وكذا يثبت عدم جواز الحكم بالنكول، وهذا لا يستلزم عدم سماع الدعوى رأساً، فبإمكان القاضي إدارة الدعوى ويطلب البيّنة من المدعي، ومع عدمها فاليمين من المنكر، فإذا سمت ولم يجب بشيء، فبإمكانه إيقاف الدعوى، دون القضاء بالنكول أو رد اليمين على المدعي، وهذا لا محذور فيه فما أكثر الدعاوى التي لا يترتب عليها جميع الآثار وتصل إلى طريق مسدود. والحاصل: أنه لا دليل على اشتراط الجزم في سماع الدعوى، بل الصحيح جواز سماعها في كل موارد التهمة، أو التي يتعارف فيها الخصومة وإن لم تكن جزمية، ولا يكفي الاحتمال مع عدم التهمة أو الخصومة، ويشهد لذلك أمور: أدلة عدم اشتراط الجزم: الأول: النصوص التي أخذت عنوان الاتهام، كخبر بكر بن حبيب، قلت لأبي عبد الله(ع): أعطيت جبة إلى القصّار فذهبت بزعمه، قال(ع): "إن اتهمته فاستحلفه، وإن لم تتهمه فليس عليه شيء"( ). وخبره الآخر عنه(ع) أيضاً: "لا يضمن القصّار إلاّ ما جنت يده وإن اتهمته أحلفت"( ). وفي الصحيح عن عبد الله بن مسكان، عن أبي بصير عنه(ع) أيضاً "لا يضمن الصائغ ولا القصار ولا الحائك إلا أن يكونوا متهمين فيجيثون بالبينة فيخوف ويستحلف لعله يستخرج منه شيء"( ). فالمستفاد من هذه النصوص وأمثالها كفاية الاتهام في رفع القضية إلى الحاكم لاستحلاف المنكر، لأن الاستحلاف من شؤون القاضي ولا يتولاه المدعي نفسه، والاتهام يتلاءم مع الجزم بثبوت الحق كما يتلاءم مع عدم الجزم، وقوله(ع) في الرواية الأخيرة: "فيخوف بالبيّنة ويستحلف لعله يستخرج منه شيء" يشير بوضوح إلى جواز استعمال بعض أدوات الضغط النفسي عليه، بهدف سحب الاعتراف منه. إن قلت: هذه الروايات واردة في صورة ما إذا كانت يد المتهم على العين، واليد بطبيعتها تقتضي الضمان إن لم تكن أمانية، وموردنا هو صورة الاتهام ولو لم يكن له يد على العين. قلت: إن ظاهر هذه الروايات أن الأساس في رفع القضية إلى الحاكم ليستحلف المنكر، هو الاتهام، وكون المورد فيه اقتضاء الضمان، لا يمنع بنظر العرف من إلغاء الخصوصية واستظهار ما ذكرناه منها، فقوله(ع): "يستحلف لعله يستخرج منه شيئاً يؤكد أن الغرض من استحلافه هو احتمال اعتراقه بحق الآخر، وهذا الغرض موجود في الصورتين، أعني صورة ما إذا كانت يده على العين وصورة ما إذا لم تكن عليها. الثاني: إن طبيعة القضاء تقضي بسماع الدعوى الاتهامية ولو لم تكن جزمية، لأن القضاء وضع وشرّع لرفع التخاصم والتنازع، والتنازع متحقق في صورة عدم الحزم بثبوت الحق، بصورة مساوية إن لم نقل أكثر من صورة الجزم، شريطة أن يكون الاحتمال مقبولاً لدى العقلاء لا موهوماً، وعندما ندقق في الدعاوى والشكاوى التي يتقدم بها الناس، نجد أن الكثير منها ينطلق من خلال الاتهام، كما في دعاوى القتل والسرقة والخيانة الزوجية. وإننا نلاحظ أن نظام القضاء الإسلامي في عناوينه العامة نظام عقلائي، حتى أن قضية مطالبة المدعي بالبينة والمنكر باليمين، كانت موجودة قبل الإسلام، والإسلام أقرّها، كما أننا نلاحظ أن بناء العقلاء جارٍ على تقبل الدعاوى الاتهامية ولو لم تكن جزميّة، ولذا تراهم يلجأون إل القضاء لرفع الدعاوى مع أنه لا يملكون حجة على الآخر سوى بعض الوثائق والقرائن الظنية، وإن قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}(البقرة:213) يشير إلى أن الاختلاف والتنازع وجد مع الإنسان، فمنذ كان التنوع الإنساني، كان الاختلاف وكانت مسألة الحكم والقضاء. وإذا كانت مسألة القضاء عقلائية في أسسها فلا بدّ أن يُحمل ما جاء في الشرع على وفق ذلك، وبما أن الناس يرفعون الدعوى في حالة الاتهام الظني كما يرفعونها في حالة الاتهام الجزمي، فيمكن أن يقال: بأن الشرع جارٍ على ذلك أيضاً، أو على الأقل أنه أمضى ذلك، وإلا لكان عليه الردع والتنبيه على اختلاف طريقته عن طريقة العقلاء. هل يُقضى بالنكول في المقام: ويتفرع على ما تتقدّم أنه لو قيل بسماع الدعوى في صورة التهمة أو مطلقاً، فإن ثبتت الدعوى بالإقرار أو البينة فلا مشكلة، وإلاّ فإن حلف المدعى عليه سقطت الدعوى، بلا إشكال أيضاً، وإن لم يحلف فلا يمكنه رد اليمين على المدعي، لأنه غير قادر على الحلف، بسبب كونه غير جازم بثبوت حق له، كما أن الأخبار( ) التي تخيّر المدعى عليه بين الحلف أو الرد، واردة في صورة إمكان الحلف من المدعي، ففي خبر القاسم بن سليمان عن عبيد بن زرارة عن أبي عبد الله(ع) "في الرجل يُدعى عليه الحق ولا بينة للمدعي؟ قال: يستحلف أو يرد اليمين على صاحب الحق، فإن لم يفعل فلا حق له"( ). فظاهر هذه الرواية صورة ما إذا كان المدعي جازماً بأن له حقاً على المنكر. وحينئذٍ ماذا يكون الموقف عند عدم البيّنة للمدعي ورفض المنكر الحلف؟ والجواب: أنه إذا لنا أن نكول المدعى عليه وامتناعه عن الحلف، كافٍ للحكم لصالح المدعي، ولا حاجة إلى رد اليمين، فالأمر واضح، فيحكم على المنكر بنكوله، وإن قلنا بعدم كفاية النكول، بل لا بدّ من ردّ اليمين على المدعي، فحينئذٍ قد يقال: بتجميد الدعوى، لعدم تمكن المدعي من الحلف حسب الفرض لكونه غير جازم، ولكن السيّد اليزدي(قده)( ) ذهب إلى القول بعدم تجميد الدعوى والقضاء على المنكر بنكوله في خصوص المقام، وإن لم نقل بذلك في سائر المقامات وذلك لوجهين: أحدهما: التمسك بالأخبار المتقدمة "إن اتهمته أحلفته"، فإن ظاهرها ثبوت الحق مع عدم اليمين، ولكن السيد اليزدي في التعدي عن مورد هذه الأخبار، وهو اليد المقتضية للضمان، إلى مقامنا الذي لا يختص باليد، يقول: "نعم لو قلنا بشمول الأخبار المذكورة لجميع أفراد التهمة من غير اختصاص بمواردها مما فيها اليد المقتضية للضمان، أمكن دعوى الإلزام بالحق مع النكول، وإن لم نقل بالقضاء به في سائر المقامات، لان الظاهر من الأخبار المذكورة ثبوت الحق مع عدم اليمين، لكن الإشكال في التعدي عن موردها". ويمكن أن يقال تعليقاً على كلام السيد(قده): بأن مورد الروايات المذكورة هو اليد التي لا تقتضي الضمان، لا اليد الضمانية، فإن يد الحائك والقصّار يد أمانة، وليست عادية، لأن القضاء يأخذ الثوب بإذن المالك، وكذا الحائك فهو أمين، والأمين لا يضمن إلا مع التعدي، فتضمينه يحتاج إلى دليل، ومع عدمه، نرجع إلى مقتضى القاعدة، وهي أن الأمين لا يضمن حتى لو أبى الحلف. ودعوى أن ظاهر الأخبار هو الحكم بضمانه ما لم يحلف، مدفوعة، بل الأمر ينبغي أن يكون على العكس أي عدم تضمينه ما لم يثبت تعديه وتقصيره. ثانيهما: أنه بعد صدق عنوان الدعوى والمخاصمة والمنازعة في صورة التهمة، وبعد عدم شمول أخبار رد اليمين على المدعي للمقام، وانصرافها إلى صورة إمكان الحلف، فيكون مقتضى عمومات وجوب الحكم والفصل بين المتخاصمين على أساس موازين القضاء وهي الأخذ بالبينة أو اليمين، كما هو مستفاد من قوله(ع): "إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان"( ) لزوم اليمين على المنكر فإن رفض ألزم بالحق، بل يمكن القول أن مقتضى قوله(ع): "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"( ) هو الحكم بالنكول، لأن مقتضاه أن الفاصل عند عم البينة هو اليمين وجوداً وعدماً، فإن حلف برئ وإلاّ ألزم الحق، خرج عن ذلك صورة ما إذا أمكن رد اليمين، والمخرج لهذه الصورة هو الأخبار، كخبر عبيدة بن زرارة المتقدم( ). ويلاحظ على كلامه: أن ظاهر قوله(ع) ): "إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان" أن القاضي لا بدّ أن يعتمد على حجة وهي الأيمان والبيّنات، فإذا لم يتوفر للمدعي بيّنة ولا حلف المنكر، فلا يستفاد من النص أن الحاكم يقضي على المنكر بنكوله، بل من الممكن أن يكون الموقف هو إيقاف الدعوى وتجميدها. ودعوى: أن النبي(ص) حدّد بقوله: "إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان" مسار الدعوى ونهايتها، فالمدعي مطالب بالبيّنة والمنكر باليمين، فإن لم يُقم ذاك البينة حلف، المنكر، فإن لم يحلف، يقضي بنكوله، خلاف المتفاهم العرفي من الحديث، وأما قوله: "البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه"فهو غير ظاهر في تحديد مسار الدعوى وحصرها بالبينة واليمين، بحيث أنه مع عدمها يحكم على المنكر بنكوله، سيّما أن المنكر قد يتجنب الحلف تورعاً لشبهة عنده أو تعظيماً وإجلالاً لله سبحانه وتعالى، وإنما هو بصدد بيان من هو المطالب بالبينة ومن هو المطالب باليمين ليس إلاّ. إبراز الدعوى بصورة الجزم: لو قلنا بشرطية الجزم في سماع الدعوى، فهل يمكن للمدعي غير الجازم أن يحتال لقبول دعواه، فيبرزها بصورة جازمة أم أن ذلك غير جائز؟ الظاهر أنه لا يجوز له ذلك، لأنه كذب وغش للحكام الشرعي وكلاهما محرم. ولو انعكس الأمر، بأن كان جازماً ولكنه أبرز دعواه بصورة الظن أو التهمة ــ لو قلنا بقبولها فيهما كما اخترناه ــ لغرض معين، كما لو كان يهدف إلى التهرب من حلف اليمين المردودة، لأنه لو قدّم الدعوى بصورة جازمة فقد يُلزم باليمين المردودة، بخلاف ما لو كان ظاناً فهل يجوز له ذلك؟ استشكل السيد اليزدي في جواز ذلك( )، ولعله لما ذكرنا في توجيه الصورة الأولى، من أن ذلك كذب، لأنه يدعي بالظن فيما هو جازم فيه، وغش للحاكم. والأقرب الجواز لو أبرز الدعوى بصورة الاتهام، فإن الاتهام أعم من أن يكون جازماً أو غير جازماً، نعم لو أبرزها بصورة الظن، فالإشكال مستحكم. الشرط الحادي عشر: تعيين المدعى عليه، فلو ادعى على أجد الشخصين أو الأشخاص المحصورين بأن قال: "لي كذا على زيداً، وعلى عمرو" أو قال: "قتل ابني أحدُ هذين" لم تسمع دعواه على قول( )، نظراً إلى خلو الدعوى المذكورة من الفائدة، لأن إقامة البينة على أن أحدهما مديون لا أثر لها، وكذا لو أقرّا على وجه الترديد بأن قالا: نعم واحد منا مديون، لكن لا نعرفه بعينه. والأصل يقتضي براءة كل منهما، ولا يمنع من جريان الأصل عِلْمنا الإجمالي باشتغال ذمة أحدهما، فإنه غير منجز، لأنه ليس علماً بالتكلف على كل حال، فحاله حال ما لو عَلم بجنابة نفسه أو جنابة شخص آخر. ولكن ذهب جمع من الفقهاء إلى السماع منهم المحقق في قصاص الشرائع( ) وتبعه جماعة منهم العلامة في القواعد والسيد اليزدي في محلقات العروة( ) وغيره في غيرها( ). والأقرب هو السماح لوجود المقتضي وفقد المانع، أما المقتضي فهو عمومات وجوب الفصل بين المتنازعين بعد صدق الدعوى والمنازعة والمخاصمة، وأما المانع المتصوَّر فهو عدم الفائدة كما قيل ولكن يرده: أولاً: إن حصول الفائدة متوقع من خلال إدارة القاضي ولباقته في تحريك الدعوى، وتحقيقاته وضغوطه النفسية التي قد يمارسها على المدعى عليهما أو عليهم، لو جوزنا له ممارسة الضغوطات كما يستفاد من بعض أقضية أمير المؤمنين(ع)( ) وكل ذلك قد يساعد في ظهور الحق أو انتزاع اعتراف معين يقود إلى إيصال الحقوق لأصحابها، كما أن من الممكن جداً أن تثبت براءة أحدهما بعد إقامة البينة والحكم على طبقها، فيتعين الحق في ذمة الآخر. ثانياً: إن التمسك بأصالة براءة ذمة كل منهما قد يمنع، لاستلزامه الضرر على الدائن، وعليه فاللازم إما توزيع الدين عليهما، فيدفع كل منهما النصف، أو يقرع بينهما على ما أفاده السيد اليزدي( ). وتوضيحه: إن إجراء أصالة براءة ذمة كل منهما مستلزم للضرر على المدعي وضياع حقه، وإجراء البراءة مع استلزامها الضرر ممنوع، لأن حديث الرفع الدال على البراءة، وارد مورد الامتنان، فيتقيّد إجراؤها بصورة وجود المنّة على جميع المكلفين، إذا لم تجر البراءة لاستلزامها خلاف الامتنان على المدعي، فنكون أمام حلين: إما أن يقسّط الدين عليهما، وذلك بمقتضى قاعدة العدل والإنصاف وهي قاعدة عقلائية على ما يقال، وموردها هو دوران أمر المال بين شخصين أو أشخاص محصورين، بحيث لا تكون الموافقة القطعية ممكنة، فيقسّط المال بينهم بالسوية، وقد طبّقها الفقهاء على الودعي إذا ما أودع شخص درهماً وأودعه آخر درهمين واختلطت الدراهم، ثم تلف أحدها، فقالوا يقسّط التالف على الاثنين، وإن لم يؤخذ بقاعدة العدل والإنصاف لعدم تماميتها، فيؤخذ بالقرعة، لأنها لكل أمر مشكل أو مجهول. ولنا على كلامه(قده) عدة ملاحظات: الأولى: إن إجراء أصالة البراءة ممنوع، لا لاستلزامه الضرر على المدعي، بل هو ممنوع في رتبة أسبق من ذلك وهي أنه مع توفر العمومات لا مجال للأصل العملي. الثانية: إن إجراء أصالة البراءة من كل واحد من المدعى عليهما على حدة، ليس مخالفاً للامتنان، ولا يؤدي إلى تضييع حق المدعي، نعم إجراؤهما معاً للبراءة مخالف للامتنان، إلاّ أن المفروض أن كلاً منهما يجري الأصل بإزاء نفسه ولا علاقة له بالأصل الذي يجريه الآخر، وهذا بحد ذاته لا يؤدي إلى ضياع حق المدعي، إلاّ أن يقال: أن الكلام بلحاظ المجتهد الذي يفتي بإجراء الأصلين، فإنه يعمل أن ذلك يؤدي إلى ضياع الحق. الثالثة: إن قاعدة العدل والإنصاف ــ لو تمت ــ لا إطلاق لها لجميع الموارد ليمكن التمسك بها في المقام. وعليه فالأقرب الرجوع إلى القرعة واستخراج المديون منهما بها لأنها لكل أمر مشكل. دعوى القتل على أحد شخصين: عرفت أن المحقق(قده) اختار سماع الدعوى مع الترديد في المدعى عليه قال(قده) في قصاص الشرائع: "ولو قال: قتله أحدُ هذين سمع إذ لا ضرر في إحلافهما ولو أقام بينة سمعت لإثبات اللوث"( ). وعلق السيد اليزدي على كلامه قائلاً: "ولا يخفى أن لازم جواز إحلافهما جواز ترتيب أثره وهو الإلزام بالحق مع النكول منهما أو من أحدهما، وإلا لزم لغوية حق الاستحلاف، لأنه على هذا لكل منهما الامتناع عن الحلف، والمفروض عدم شيء عليهما حينئذٍ، والرد على المدعي أيضا لا ينفع إذا حلف على الترديد"( ). أقول: إنما يقضي بنكولها أو يقرع بينهما إذا كان الأمر دائراً بينهما ولم يحتمل أن يكون الحق على ثالث وإلا فلا وجه لذلك، والظاهر أن فرض الكلام هو صورة دوران الأمر بينهما. الترديد في صاحب الحق: عرفنا أن الأقوى سماع الدعوى مع الترديد في المدعى عليه، فهل الأمر كذلك مع الترديد في مَنْ له الحق؟ فلو ادعى اثنان أن لأحدهما على واحد مبلغاً معيناً فهل نسمع دعواهما؟ والجواب: أنها تُسمع والفائدة المرجوة من سماعها هي إمكان التوصل إلى من له الحق منهما من خلال إدارة العملية القضائية، أو يوكلا شخصاً ثالثاً ينوب عنهما في المرافعة فإذا ربحا الدعوى فيوزع المال بينهما منصافة أخذاً بقاعدة العدل والإنصاف، وإن لم نأخذ بها فيكون المرجع هو القرعة. * * * 3- الدعوى على المجهول والغائب الدعوى على المجهول: قال السيد في ملحقات العروة: "إذا ادعى على جماعة غير محصورين لا تسمع لعدم الفائدة"( ). أقول: لو ادعى على أهل مدينة ــ مثلاً ــ بقتل والده أو ولده فلا تسمع دعواه لأنه لا يمكن المصير فيها إلى نتيجة. إن قيل: بالإمكان رفع الدعوى ضد مجهول كما يحصل في المحاكم المدنية. قلت: إن الدعوى ضد مجهول إن أريد منها تسجيل المدعي حقه في الإدعاء على اعتبار أن القوانين المدنية تشترط مدة معينة لرفع الدعوى وإلاّ بطلت، فهذا لا حاجة لنا به لأنه في قانون القضاء الإسلامي لا يموت ولا يبطل حق الإنسان في الإدعاء بمرور الزمن، فبإمكان صاحب الحق رفع الدعوى ولو بعد مضي مدة زمنية من وقوع سبب الدعوى سيما عندما لا تكون المعطيات والأدلة متوفرة لديه لإثبات دعواه، وإن أريد من رفعها إجراء التحقيقات اللازمة لكشف مرتكب الجريمة، فالظاهر أنه لا دليل على أن القاضي يلزم بإجراء التحقيقات في قضية لا يوجد فيها متهم معين أو عدة متهمين محصورين، ولذا نرى أن القوانين الوضعية توكل أمر التحقيقات إلى السلطات الأمنية لا إلى الجهاز القضائي. الدعوى على الغائب: هل تسمع الدعوى على الغائب عن البلد أم لا؟ وهل يفرّق بين ما لو كان حضوره متيسراً أو كان متعسراً، وما هو الحكم لو كان غائباً عن مجلس المرافعة لكنه حاضر في البلد؟ هذه الأسئلة وغيرها نجيب عليها في الجهات التالية: الجهة الأولى: في تحديد الأصل ومقتضى القاعدة في المسألة مع قطع النظر عن الروايات الخاصة الواردة في المقام. ربما يقال كما عن المحقق الأشتياني( ): إن الأصل عدم قبول الدعوى على الغائب، لأن طبيعة القضاء، تفرض حضور طرفي الدعوى في مجلس القضاء، ليتمكن القاضي من إدارة العملية القضائية، فيطلب البيّنة من المدعي واليمين من المنكر، ويستفسر منهما عن التفاصيل التي قد يكون لها دور في إصدار الحكم، وفي حال غياب المدعى عليه، فلا مجال لإدارة العملية بشكل تام، وأما عمومات الحكم بالقسط والحق فهي منصرفة عن صورة غياب المدعى عليه، لأن موردها ما إذا أمكن للقاضي إدارة الدعوى بين المتخاصمين. ولكن قد يقال رداً على ذلك: بأن الأصل يقتضي سماع الدعوى على الغائب لأنّا من جهة نمنع الانصراف المذكور، ومن جهة أخرى فإن الاستفسار من المدعى عليه أو حضوره مجلس القضاء ليس أساساً في العملية القضائية، ولذا أجمعوا على جوز الدعوى على الميت مع أنه لا مجال للاستفسار منه مطلقاً، وإنما أساس القضاء هو الحكم بالحق والعدل بين الناس فيما اختلفوا فيه وإيصال كل ذي حق إلى حقه، وقد تمس الحاجة لإثبات الإنسان حقه على الغائب كما يثبته على الميت، فلو منعنا من ذلك، لكان فيه ضرر كبير على أصحاب الحقوق وخشيةٌ من ضياع حقوقهم، مع أن وظيفة القضاء حفظها، وهذا يحتّم سماع الدعوى على الغائب، مع بقائه على حجته لو عاد، ليقدم ما لديه من معطيات أو حجج أو طعون في بينة الآخر. الجهة الثانية: في بيان مفاد النصوص الخاصة، وهي على طائفتين: الطائفة الأولى: ما دل على قبول الدعوى على الغائب وهي عدة أخبار: 1- أهمها صحيحة جميل بن دراج عن جماعة من أصحابنا عنهما(ع): "قالا: الغائب يقضى عليه إذا قامت عليه البينة ويباع ماله، ويقضى عنه دينه وهو غائب، ويكون الغائب على حجته إذا قدم، قال: ولا يدفع المال إلى الذي أقام البيّنة إلاّ بكفلاء"( ). ودلالتها على سماع الدعوى عليه واضحة، وفي طريق آخر للرواية أورده في التهذيب أضاف قيداً وهو قوله: "إلاّ أن يكون ملياً"( ) أي أن اشتراط الكفلاء هو في صورة ما لو كان المدعي فقيراً، أمّا لو كان غنياً فلا حاجة لهم. وأما سندها ففيه مشكلتان: الأولى: مشكلة الإضمار والثانية: مشكلة الإرسال، ولكن بالإمكان التخلص من كلتا المشكلتين، أمّا مشكلة الإضمار فلأن الظاهر كون المراد بمضير التثنية في قوله "عنهما": الإمامين الباقر والصادق(ع) لأنه المعروف، ويشهد له أنه في الطريق الآخر رويت عن أبي جعفر الباقر(ع). وأما مشكلة الإرسال فباعتبار أن جميل بن دراج رواه عن جماعو من أصحابنا بدون تسميتهم ولذا عبر السيّد اليزدي عنها بالمراسلة( )، لكن السيد الخوئي(قده) عبّر عنها بالصحيحة( )، وربما يكون الوجه في ذلك أن عبارة "جماعة من أصحابنا" أو عبارة "عدة من أصحابنا" تختلف جذرياً عن عبارة "عن رجل"، لأنها تكشف عن بلوغ المسألة حداً من الوضوح لا تحتاج معه إلى ذكر أسمائهم أو ــ على الأقل ــ لأن "الجماعة أو العدة من أصحابنا" يبعد جداً كونهم من غير الثقاة( ) ولهذا فالقول بصحة الرواية غير بعيد، سيّما مع عمل المشهور بها. 2- ومن روايات هذه الطائفة صحيحة زرارة عن أبي جعفر(ع) قال: كان علي(ع) يقول: "لا يحبس في السجن إلاّ ثلاثة: الغاصب، ومن أكل مال يتيم ظلماً ومن ائتمن على أمانة فذهب بها، وإن وجد له شيئاً باعه غائباً كان أو شاهداً"( ). وتقريب الاستدلال: أن الإمام(ع) أذن ببيع مال الخائن في الأمانة ولو كان غائباً، وهي تفيد أنه لو ثبتت الخيانة لدى الحاكم فله أن يبيع ماله، غائباً كان أو شاهداً. ولكن يرد عليه: أن الرواية ليست ظاهرة في مورد القضاء، ولذا لا تصلح إلا للتأييد. 3- ومن روايات هذه الطائفة أيضاً ما جاء في رواية أبي خديجة "في رجل دفع إليه رجلان شراءاً لهما من رجل، فقالا: لا تردّ الكتاب على واحد منا دون صاحبه، فغاب أحدهما أو توارى في بيته وجاء الذي باع منهما فأنكر الشراء ــ يعني القبالة ــ فجاء الآخر إلى العدل فقال له: اخرج الشراء حتى نعرضه على البينة فإن صاحبي قد أنكر البيع مني ومن صاحبي، وصاحبي غائب فلعله قد جلس في بيته يريد الفساد عليّـ فهل يجب على العدل أن يعرض الشراء على البيّنة حتى يشهدوا لهذا أم لا يجوز له ذلك حتى يجتمعا؟ فوّقع(ع): إذا كان في ذلك صلاح أمر القوم فلا بأس به إن شاء الله"( ). بيان: المراد بالفقيه في سند الحديث الإمام الصادق(ع) كما يظهر من صدره، والشراء في قوله "دفع إليه رجلان شراءاً لهما" يراد به: كتاب أو وثيقة البيع، والعدل يراد به: المؤتمن على الوثيقة. وتقريب الاستدلال بها: أن الإمام(ع) أذن للبيّنة برؤية الوثيقة حتى يشهدوا، مع أن الطرف المتهم بالوقوف وراء إنكار البائع للبيع هو شريك المدعي وهو غائب أو متوارٍ عن الأنظار. ولكن الرواية ليست ظاهرة أن الشهادة لأجل القضاء، كما أنّ طرف الخصومة بحسب ظاهرها هو البائع المنكر للبيع وهو ليس غائباً حسب مفروض الرواية، غايته أن المدعي يتهم شريكه الغائب أو المتواري عن الأنظار أن يكون وراء إنكار البائع، وهذا لا يجعل الشريك مدعى عليه، هذا مضافاً إلى أن الرواية قضية في واقعة فلا تصلح للتعميم. وكيف كان فصحيحة جميل كافية للقول بمشروعية الحكم على الغائب، ويضاف ذلك بعض الروايات العامية التي استدل بها السيد اليزدي(قده) وهي: 4- خبر أبي موسى الأشعري "كان النبي(ص) إذا حضر عنده خصمان فتواعدا الموعد فوفى أحدهما ولم يفِ الآخر قضى للذي وفي على الذي لم يف، أي مع البينة"( ). دل على جريان سيرة النبي(ص) على القضاء على الغائب. 5- ما روي عنه(ع): "أنه قال لهند زوجة أبي سفيان ــ بعدما ادّعت أن أبا سفيان رجل شحيح وأنه لا يعطيها ما يكفيها وولدها ــ "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف"( ). بدعوى أن النبي(ص) حكم على أبي سفيان مع كونه غائباً. ولكن أورد( ) على الاستدلال بالرواية الأخيرة: أن النبي(ص) لم يكن في مقام الحكم والقضاء بل في مقام بيان الحكم الشرعي، مضافاً إلى أن أبا سفيان لم يُعلم أنه كان غائباً عن البلد. الطائفة الثانية: ما دل على عدم صحة الحكم على الغائب وهو ما رواه في قرب الإسناد عن جعفر عن أبيه عن علي(ع): "لا يقضى على غائب"( ). وقد جمع الحر العاملي( ) والسيد اليزدي( ) بين الطائفتين بحمل الثانية على الحكم والقضاء الجازم والمبرم، فهي نفت أن يقضى على الغائب قضاءً باتاً لا يبقى معه مجال لاستئناف الحكم حتى لو عاد من غيبته، بينما الأولى سمحت بالقضاء الذي يُبقي الغائب على حجته، فلا تعارض بينهما. ولكن هذا الجمع ــ بنظرنا ــ غير تام لأنه جمع تبرعي لا شاهد عليه، والظاهر أن العرف ينظر إلى الطائفتين نظرة المتعارضين، وكيف يمكن الجمع العرفي بين قوله(ع) في الصحيحة "الغائب يقضى عليه" وقوله(ع) في رواية قرب الإسناد "لا يقضى على غائب"؟! ولكن رغم ذلك لا مجال للأخذ برواية قرب الإسناد، لضعفها سنداً ومخالفتها للمشهور، ولو سلم استقرار التعارض بين الطائفتين فيكون المرجع بعد التساقط هو القاعدة العامة والأصل المتقدم، وهو يقتضي جواز الحكم على الغائب كما أسفلنا. الجهة الثالثة: على القول المختار من جواز القضاء على الغائب، فلا يفرّق بين ما لو كان مكان سفره قريباً أو بعيداً على المشهور، لإطلاق صحيحة جميل، قيل ولا فرق أيضاً بين ما لو تيسر حضوره مجلس القضاء أو تعسر، كما لا فرق بين ما لو أمكن إعلامه بالدعوى وعدمه لإطلاق الصحيحة أيضاً. لكن ذلك مشكل، والأقرب تقييد الحكم على الغائب بما إذا لم يمكن إعلامه ولا حضوره، وإلاّ إذا أمكن أحدهما فلا يصح الحكم عليه، بل ينتظر حضوره أو حضور وكيله، والوجه في ذلك أنه بعد تسليم الإطلاق في الرواية إلا أن مناسبة الحكم والموضوع تقتضي عدم كونه مراداً، لأن العرف يفهم من الغيبة ــ في مثل المقام ــ التي تبرر الحكم وعدم الانتظار هي الغيبة التي لا يمكن معها الحضور أو توكيل شخص ويكون في تأجيل الحكم ضرر على صاحب الحق، وأما إذا أمكن إعلامه لينصّب وكيلاً أو يحضر بنفسه ــ سيّما في أيامنا هذه التي سهّلت فيها التقنيات والوسائل الحديثة كل صعب وقرّبت كل بعيد ــ فلا يُعدّ غائباً بل هو بمثابة الحاضر، وأن قوله(ع): "يكون الغائب على حجته إذا قدم" يوحي بأن غيبته تمثل انقطاعاً عن مركز القضاء، كما أن طبيعة القضاء وأسسه العقلائية تشهد بذلك أيضاً وتقضي بأن يُدعى الطرفان أو من ينوب عنهما إلى الحضور في مجلس القضاء، لينظر الحاكم في القضية ويستمع إليهما ويلاحظ ما يملكان من حجيج. وربما يضاف إلى ذلك أن الصحيحة منصرفة عما إذا أمكن إعلام الغائب ليحضر أو ينصب وكيلاً، ولذا قال السيد اليزدي(قده): "لكنه مشكل والقدر المتيقن ما إذا لم يمكن إعلامه إذ لعله يريد أن ينصب وكيلاً عنه أو أن يحضر بنفسه"( ). الجهة الرابعة: لو كان المدعى عليه حاضراً في البلد غائباً عن مجلس القضاء، فظاهر المشهور جواز الحكم عليه إذا تعذر عليه الحضور. ولكن استشكل السيد اليزدي في جواز الحكم عليه بدون إعلامه( )، فمثلاً لو كان المدعى عليه سجيناً في البلد أو مريضاً يتعذر عليه الحضور فجوّز المشهور الحكم عليه بدون إعلامه لكن السيد استشكل في ذلك، وإشكاله في محله، والأقوى عدم جواز القضاء عليه، لأن الظاهر من عنوان الغائب الوارد في صحيحة جميل بن دراج هو الغائب عن البلد لا الغائب عن خصوص مجلس القضاء، ويشهد له أيضاً قول في نفس الصحيحة "يباع ما له ويقضى عنه دينه وهو غائب ويكون الغائب على حجته إذا قدم" هذا أولاً. وثانياً: إنه قد ذكرنا أنه لا يجوز القضاء على الشخص بدون إعلامه وهو ما يفهم من أدلة القضاء وأساليبه، وعليه ديدن العقلاء في أقضيتهم. ومجرد تعذر الحضور عليه لا يبرر عدم دعوته، لأن بإمكانه نصب وكيل أو إرسال إقرار، بل يمكن تأجيل الدعوى إلى حين خروجه من السجن أو شفائه من المرض إن لم تكن المدة طويلة ومستلزمة للإضرار بالمدعي. وثالثاً: إن المدعي لو كان غائباً عن البلد فلا بد من إعلامه كما تقدم فبطريق أولى يجب إعلامه لو كان حاضراً فيه. نعم لو أُعلم ولكن امتنع عن الحضور أو تعيين وكيل ينوب عنه من دون عذر له في ذلك، جاز الحكم عليه حذراً من ضياع الحقوق، كما أنه لو كان يمكنه الحضور ولم يكن ممتنعاً، لا ينبغي الإشكال في عدم جواز الحكم عليه غيابياً، وأمّا صورة الشك بحيث لم يعلم أن غيابه كان امتناعاً أو لعذر ففيها خلاف فعن جماعة جواز الحكم عليه بل ربما نسب إلى المشهور( )، وعن الشيخ عدم جوازه ومال إليه الأردبيلي وقواه السيد اليزدي( )، وهو في محله لأن دليل القضاء على الغائب لا يشمله، وأدلة القضاء العامة ناظرة إلى صورة حضور الطرفين أو إمكان حضورهما في مجلس القضاء، وإمكان الحضور في المقام وارد، ولو بعد زوال العذر المحتمل، خرج عن ذلك صورة إحراز امتناعه عن الحضور لا لعذر، وبقي الباقون ومنه صورة الشك. قال السيد في ملحقات العروة: "ولو كان المدعى عليه حاضراً في مجلس المرافعة لا يجوز الحكم عليه بعد قيام البيّنة بدون إعلامه"( ). ويتصور ذلك فيما لو كان المدعى عليه حاضراً في مجلس القضاء لكنه غافل عمّا يجري فيه، أو كان نائماً أو لا يسمع جيداً، أو كان في غرفة غير غرفة القاضي، ففي هذه الحالة ليس للحاكم الاستعجال في إصدار الحكم قبل إعلامه بالوقائع، ليدلي بدلوه إن كان لديه حجة أو كلام يقول أو معطيات جديدة قد تغيّر مجريات القضية. الجهة الخامسة: ذهب بعض الفقهاء إلى أن الحكم على الغائب مشروط بجحوده للحق، فما لم يدع المدعي جحوده فلا تسمع دعواه عليه لكن السيد اختار في الملحقات( ) سماعها عليه بدون فرق بين أن يدعي جحوده أو لا يدعي ذلك. ويمكن تأييد رأيه بأنه لو كان من شرط سماع الدعوى إحراز جحود المدعى عليه فلا معنى لما يقال من أن جواب المنكر إما إقرار أو إنكار، فإن معنى ذلك أن القاضي إنما يدير الدعوى ويسأل المدعى عليه ليتضح له إقراره أو جحوده، وهذا وإن كان مورده الدعوى على الحاضر، إلا أنه لم يثبت الفرق بين الحاضر والغائب من هذه الجهة ليكون سماع الدعوى على الغائب منوطاً بجحوده، فالأقرب قبول دعواه وإن لم يدع جحود المدعى عليه بل اكتفى بالقول أنه لا يعلم جحوده من عدمه. نعم لو كان المدعي معترفاً بإقرار المدعى عليه بحقه، فقد يقال بعدم سماع دعواه، بناءً على ما تقدم في الشرط التاسع من اشتراط المخاصمة والمنازعة في سماع الدعوى، ومع إقراره باعتراف المدعى عليه الغائب للحق لا يصدق النزاع والتخاصم، ولكن السيد اليزدي(قده) رفض هذا الكلام وأصر على سماع دعواه في هذه الصورة تمسكاً بعمومات الحكم والقسط والعدل والقضاء بالبينات والأيمان( ). ولكن يرد عليه: أن إطلاقات الحكم بالقسط والعدل كقوله: {فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى}(ص:26) أو قوله: {خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ}(ص:22) أو قوله: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}(المائدة: 42) واردة في مقام عدم جواز الحكم بالباطل، وليست في مقام بيان موازين القضاء وتفاصيله ليتمسك بإطلاقها لنفي هذا القيد أو ذاك، والقرينة على ذلك هي سياق الآيات، فالآية الأولى ذُيِّلت بقوله: {وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} والثانية بقوله: {وَلَا تُشْطِطْ} والثالثة بقوله: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} كما أن الآية الثانية مختصة بصورة المخاصمة، وهكذا الحال في سائر الآيات التي قد يتمسك بها. وأمّا قوله(ع): "إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان" فهو أيضاً ليس في مقام البيان من جهة موارد سماع الدعوى، بل في مقام تحديد أدوات الفصل بين المتقاضيين، على أن نفس ارتكاز كون القضاء لحل الخصومات كافٍ لاختزان كلمة "أقضي" ــ لدى العرف ــ معنى النزاع والمخاصمة. الجهة السادسة: هل يشترط في الحكم على الغائب ضم اليمين إلى بينة المد\عي أو يكتفى منه بالبيّنة؟ ذهب المشهور( ) إلى عدم كفاية البينة بل يضم إليها اليمين، وخالفهم السيد اليزدي( ) فاكتفى بالبينة كما في غير الغائب. والظاهر أن مستند المشهور في ذلك هو إلحاق الغائب بالميت، حيث ورد في النص الخاص( ) ضرورة ض اليمين إلى البينة لتسمع الدعوى على الميت، ووجه الإلحاق هو إلغاء الخصوصية عن الميت أو تنقيح المناط. وربما يكون السر في عدم الاكتفاء بالبينة في الدعوى على الميت هو أن البيّنة تثبت للمدعي حقاً، ولكنها لا تنفي احتمال أن يكون الميت قد سدد له الحق قبل موته بدون إطلاع البينة، فيكون دوره اليمين هو نفي وصول الحق إليه، ونفس المناط موجود في الدعوى على الغائب فإنه بحكم غيبته لا لسان له أيضاً ليطعن في البيّنة أو يثبت عكس ما قالته. ولكن يمكن الإيراد على المشهور بأن إلحاق الغائب بالميت محض قياس، مع وجود الفارق البيّن بين المقامين، لأنه في الدعوى على الميت لا سبيل لمعرفة الحقيقة كاملة لأن الميت لا لسان له مطلقاً، فلا يمكن الجزم باشتغال ذمته وعدم تسديده للمال إلا من خلال إحلاف المدعي، وأما في الدعوى على الغائب فيمكن جلاء الحقيقة بعد عودته لأن باقٍ على حجته، وعلى هذا الأساس فإلغاء الخصوصية عن الميت محل تأمل وكذا تنقيح المناط. الجهة السابعة: لو توفرت شروط الدعوى على الغائب وسمعها القاضي وحكم عليه، فلا يُسلّم مال الغائب إلى المدعي إلا بكفلاء لما جاء في صحيحة جميل بن دراج المتقدمة "ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلاّ بكفلاء" وظاهر الفقهاء الاكتفاء بكفيل واحد مع أن ظاهر الخبر هو تعدد الكفلاء ولزوم الثلاثة لأنه أقل الجمع ولكن لا قائل بالتعدد. وهل شرط الكفيل مطلق أم في خصوص ما لو كان المدعي فقيراً؟ قال السيد اليزدي(قده): "... لكن بكفيلٍ إلاّ إذا كان المدعي ملياً كما هو مقتاضى الجمع بين الخبرين"( ). وفيه: أنه لم يثبت أنهما خبران بل هما ــ ظاهراً ــ خبر واحد لجميل روي عنه بطريقين، وحيث أن الطريق الذي اشتمل على الزيادة مجهول فلا يمكن الإفتاء على أساسه. ولذا فالأقوى ما ذكره السيد(قده) بعد ذلك بقوله: "ولا يبعد أن يكون المناط حصول الاطمئنان بعدم الضرر على المدعى عليه لو حضر وأثبت الخلاف"( ). الجهة الثامنة: إن الحكم الصادر على الغائب وإن كان نافذاً إلا أن الغائب يبقى على حجته، فيمكنه بعد عودته الطعن في الحكم، إما بأن يقدّم جرحاً في الشهود أو يقدم اعتراضاً على عدم صلاحية القاضي للقضاء، أو يقدم بيّنة معارضة لبينة المدعي لو كان ذلك يقبل منه. والمستند لذلك قوله(ع): "والغائب على حجته" الذي يستفاد منه أن بإمكان الغائب إعادة المرافعة من جديد، وهذا لا يشكّل نقضاً للحكم الأول ليقال بأنه لا يجوز نقض حكم الحاكم، لأن الحكم الأول ليس حاسماً بالمطلق بل نفوذه الدائم معلق على عدم مجيء الغائب بحجة مقبولة، وبه يتضح أن الحكم على الغائب يختلف عن الحكم على الحاضر، فالحكم على الحاضر يعتبر حاسماً ولا يجوز نقضه ولا إعادة المرافعة فيه مطلقاً على المشهور إلاّ من جهة عدم صلاحية الحاكم، وأما الحكم على الغائب فإن نفوذه منوط بعدم مجيء الغائب بحجة معاكسة. الجهة التاسعة: لا ريب أن الدعوى على الغائب لو كانت في حقوق الناس فإنها تقبل لما مرّ من الدليل، وأمّا لو كانت في حقوق الله سبحانه كما لو ادعي عليه فعل ما يوجب الحد من الزنا أو اللواط، فهل تسمع أم لا؟ والجواب: أنه لو قيل بأن الأصل ومقتضى القاعدة عدم جواز القضاء على الغائب ــ كما اختاره المحقق الأشتياني ــ فلا تسمع الدعوى عليه، لأن ما دلّ على جواز القضاء على الغائب مختص بحقوق الناس كما يظهر من قوله(ع) في صحيحة جميل المتقدمة: "ويباع ماله ويقضى عنه دينه... ولا يدفع المال إلى الذي أقام البيّنة إلا بكفلاء" فإن قضاء دينه ودفع المال إلى المدعي مع طلب الكفالة، يشهد لكون القضية من حقوق الناس. ولا أقل من الشك في شمول الصحيحة لحقوق الله تعالى فيرجع إلى مقتضى القاعدة. وأمّا لو قيل ــ كما قلنا ــ أن مقتضى الأصل قبل الدعوى على الغائب، لإطلاق بعض الأدلة ومنع انصرافها إلى خصوص الحاضر، سيّما إذا كان الغائب ممّن لا يمكن الوصول إليه أو يتعذر إبلاغه أو تمنّع من الحضور وكان في تأخير الحكم احتمال ضياع حق المدعي، فهنا قد يقال: لا مانع من سماع الدعوى عليه في حقوق الله لأنه لا فرق بينها وبين حقوق الناس بعد وجود الإطلاقات. ولكن يمكن التعليق على ذلك بوجود الفارق بين المقامين، وهو أن حقوق الله ــ كالحدود ــ مبنيّة على التخفيف( )، وهي مورد لقاعدة "الحدود تدرأ بالشبهات" المتفق عليها والواردة على لسان رسول الله(ص): "ادرأوا الحدود بالشبهات"( )، ومن أعظم الشبهات الحكم بقتل أو رجم أو جلد الغائب، مع أنه قد يملك حجة تبرر ما فعله أو تكذّبه، أو على الأقل يكون له تفسير معيّن يجعل المسألة في إطار الشبهة. نعم لو كانت الجناية أو الحد المدعى على الغائب مما اشترك فيها حق الناس وحق الله كما في السرقة، فإن فيها حقاً للناس وهو ضمان السارق للمال المسروق، وحقاً لله تعالى وهو قطع يد السارق، فهنا لا بدّ من التفصيل بقبول الدعوى فيما يعود إلى حقوق الناس، وعدم قبولها فيما يعود إلى حقوق الله تعالى، والدليل على هذا التفصيل يتضح مما تقدم، هذا ولكن المحقق في الشرائع( ) تردد في القطع، والوجه في تردده هذا، أنّ القطع يعتبر حداً من حدود الله وقد مرّ عدم صحة الحكم في حدود الله على الغائب هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه لو قُبلت الدعوى في الضمان وأمكن الحكم باشتغال ذمة الغائب، فاللازم سماعها في القطع، لأن الضمان والقطع معلولان لعلة واحدة وهي السرقة، فإذا ثبتت العلة وهي السرقة فلا بدّ أن يثبت كلا معلوليها، ولا يمكن التفرقة بينهما، والحكم بثبوت الضمان دون القطع. وأجيب على ذلك: أولاً: أنا لا نوافق على أن السرقة علة تامة للقطع، بل هي جزء العلة، والجزء الآخر لها عدم وجود شبهة، أو ثبوت السرقة بحضور المدعى عليه، بخلاف الضمان فإن السرقة علته الكاملة، والشاهد على ذلك هو الدليل الدال على عدم قبول الدعوى على الغائب في حقوق الله. وثانياً: إن العلل الشرعية معرّفات وليست عللاً حقيقية، والقول بأنه إذا وجدت العلة لا بدّ أن توجد لكل معاليلها إنما يتم في العلل التكوينية، فالنار ــ مثلاً ــ علة للحرارة والاحتراق، فإذا وجدت النار وجد معلولاها، ولكن العلل الشرعية ليست كذلك، لأنها ليست عللاً حقيقية وإنما مجرد معرفات، وتسميتها علة لمجرد المشابهة، وعليه فلا محذور في القول أنه إذا حصلت السرقة فيترتب عليها الضمان دون القطع. ولكن السيد اليزدي(قده) أورد على ذلك بأن العلل الشرعية بعد جعلها من قبل الشارع تصبح كالعلل العقلية( ). وفيه: أنه في العلل التكوينية يستحيل التفكيك بين المعاليل بأن يلتزم بثبوت بعضها دون بعض، لكن في الأمور الشرعية الاعتبارية لا مانع من التبعيض بعد قيام الدليل عليه، وفي مقامنا ثبت جعل الشارع السرقة علة للضمان وأما جعلها علة للقطع فغير ثابت بل ثبت عكسه كما تقدم. * * * الفصل الرابع وسائل الإثبات القضائي 1- حكم القاضي بعلمه 1- حكم القاضي بعلمه تحرير الأقوال في المسألة: اختلف الفقهاء في جواز أن يحكم القاضي بعلمه كما لو اطلع على شخص وهو متلبس بالزنا، أو يشرب الخمر، أو طلّق الزوج امرأته بحضوره، أو حضر عقد بيع أو إيجار، أو شهد جريمة قتل أو سرقة أو ما شابه ذلك. ومن الواضح أنه لا بدّ أن يستثنى عن محل النزاع علم القاضي الناشئ من وسائل الإثبات الشرعية كالبينة أو الإقرار أو اليمين، فلا نقاش لأحدٍ في قبول حكمه بعلمه في هذه الصورة وإلاّ لتسلسل الأمر واحتاجت البينة مثلاً إلى بيّنة عليها... والظاهر أيضاً الاتفاق على استثناء العلم الحاصل من طرق غير اعتيادية فلا يصح الاعتماد عليه في القضاء كالعلم بالإلهام والكشف والرؤيا أو استناداً إلى علم الرمل والسحر والتنجيم وما شاكل ذلك مما لا مجال للتحقق من صحته وواقعيته، أو لكونه لا يورث اطمئناناً ولا هو من الطرق العقلائية بل هو على أبعد التقادير علم شخصي لا يمكن تبريره وتعميمه. وعلى كل حال فالمشهور بين علمائنا جواز حكم القاضي بعلمه ونفوذ حكمه ووجوب الالتزام به من المتخاصمين سواء تعلق بحق الله أم بحق الناس وادعى جماعة الإجماع عليه كالمرتضى في الانتصار( ) والشيخ في الخلاف( ) وابن زهرة في الغنية( ) وهو مذهب ابن إدريس في حدود السرائر( )، بالرغم من أن فخر المحققين( ) نسب إليه القول بالتفصيل بين حقوق الله وحقوق الناس وتبعه في نسبة ذلك إليه ابن فهد في المهذب( ) والشهيد في المسالك وسيأتي، واختاره الكيدري( ) والمحقق الحلي( )، والعلامة في غير واحد من كتبه( ) والفخر( ) والشهيدين( ) وصاحب الرياض( ) وصاحب الجواهر( )، وهو ظاهر الفاضل الهندي( ). وإليك بعض كلماتهم في هذا الأمر: "ومما ظن انفراد الإمامية به، وأهل الظاهر يوافقوننا فيه، القول بأن للإمام والحكام من قبله أن يحكموا بعلمهم في جميع الحقوق والحدود من غير استثناء...". وقال الشيخ في الخلاف: "للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الأحكام، سواء كان من حقوق الله، أو من حقوق الآدميين دليلنا إجماع الفرقة وأخبارهم". وقال ابن زهرة: "ويجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في جميع الأشياء... بدليل إجماع الطائفة". وقال ابن إدريس: "... فعلم الحاكم بما يقتضي تنفيذ الحكم كافٍ في صحته ومغنٍ عن إقرار وبينة ويمين، فالصحيح من أقوال طائفتنا وذوي التحصيل من فقهاء عصابتنا، لا يفرقون بين الحدود، وبين غيرها من الأحكام في أن للحاكم النائب من قبل الإمام أن يحكم فيها بعلمه"، وقال في مكان آخر: "عندنا للحاكم أن يقضي بعلمه في جميع الأشياء". ومع توافق هاتين العبارتين في اختيار الجواز مطلقاً، يُستغرب مما نسبه إليه الفخر وتبعه عليه ابن فهد نصاحب المسالك، من القول بالتفصيل بين حقوق الله وحقوق الناس، مع أن العلامة لم يذكر في المختلف قائلاً بالتفصيل سوى ابن حمزة( ). وقال العلامة في القواعد: "الإمام يقضي بعلمه مطلقاً، وكذا غيره يقضي في حقوق الناس، وكذا في حق الله على الأصح" وقريب منه ما ذكره في المختلف مؤكداً به صحة مذهب صاحب الانتصار. وقال الفخر مبيّناً مذهبه ومختاره في هذه المسألة: "والأصح القول بالجواز مطلقاً عندي وعند والدي". واستقرب في الدروس الجواز مطلقاً فقال: "وغيره [الإمام] يقضي في حقوق الناس، وفي حقوق الله قولان، أقربهما القضاء". وقال في المسالك: "وأصح الأقوال: جواز القضاء بعلمه مطلقاً" وعبارات من اختار هذا الرأي من الفقهاء تكاد تتطابق ولا داعي للاستطراد في ذكرها، فما ذكر منها فيه كفاية. وممن اختار في المسألة التفصيل بين حقوق الناس وحقوق الله ابن حمزة في الوسيلة( ) قال في آخر فصل سماع البينات من كتاب القضاء: "ويجوز للحاكم المأمون الحكم بعلمه في حقوق الناس وللإمام في جميع الحقوق". وهو الظاهر من مجموع كلام الشيخ في المبسوط( ) حيث قال: "وأما إقامته بعلمه فقد ثبت عندنا أنّ للحاكم أن يحكم بعلمه فيما عدا الحدود، وفي أصحابنا من قال: وكذلك الحدود". وقال في النهاية( ): "وإذا شاهد الإمام من يزني أو يشرب الخمر كان عليه أن يقيم الحد عليه ولا ينتظر مع مشاهدته قيام البيّنة ولا الإقرار، وليس ذلك لغيره، بل هو مخصوص به، وغيره وإن شاهد يحتاج أن تقوم له بيّنة أو إقرار". وهو ظاهر إطلاق عبارة أبي الصلاح في الكافي( ) قال: "وعلم القاضي بما يقتضي تنفيذ الحكم كافٍ في صحته ومغنٍ عن إقرار وبينة ويمين". ونسب السيد المرتضى في الانتصار إلى ابن الجنيد القول بعدم جواز استناداً القاضي إلى علمه مطلقاً قال ما نصه: "فإن قيل: كيف تستجيزون إدعاء الإجماع من الإمامية في هذه المسألة وأبو علي ابن الجنيد يصرّح بالخلاف فيها، ويذهب إلى أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بعلمه في شيء من الحقوق ولا الحدود..." ( ). ولكن الشهيد في المسالك( ) نقل عن ابن الجنيد في كتابه الأحمدي القول بالتفصيل بين حقوق الله فيجوز، وحقوق الناس فلا يجوز وإليك كلام ابن الجنيد كما نقل الشهيد الثاني عن كتابه الأحمدي: "ويحكم الحاكم فيما كان من حدود الله عزّ وجلّ ولا يحكم فيما كان من حقوق الناس إلاّ بالإقرار والبيّنة". ثم قال في المسالك بعد نقل ما ذكره السيد المرتضى من مذهب ابن الجنيد ما نصه: "فلعل ابن الجنيد ذكر ذلك في كتاب آخر وهذا القول الذي نقلناه عنه من كتابه لم يذكره الأصحاب عنه، وإنما نقلوا عنه القول بأن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء من الحقوق ولا الحدود". موقف فقهاء الجمهور من علم القاضي: نقل عن الشافعي قولان في حقوق الناس، الأول: يقضي فيه بعلمه، وبه قال أبو يوسف، واختاره المزني. صرَّح بذلك الشافعي في الأم وفي الرسالة، ونسبه إليه الربيع( ). والثاني: أنه لا يقضي بعلمه ــ في حقول الناس ــ بحال، وإليه ذهب مالك والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأحمد. ومن التابعين شريح القاضي، والشعبي( ). فأما حقوق الله، فإنها تبنى على القولين: فإذا قال: لا يقضي بعلمه في حقوق الناس، ففي حقوق الله أولى أن لا يقضي. وإذا قال يقضي في حقوق الناس، ففي حقوق الله على قولين. ولا فرق في ذلك بين أن يعلم ذلك بعد التولية في موضع ولايته، أو قبل التولية في غير موضع ولايته( ). وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أنه إن علم بذلك بعد التولية في موضع ولايته جاز حكمه في حقوق الناس، وإن علم به قبل التولية أو بعد التولية في غير موضع ولايته، لم يقضِ به. فأما في حقوق الله تعالى فلا يقضي فيها عندهم بعلمه بحال( ). والظاهر من الجمهور تغليب المذهب القانوني في الإثبات، وعدم اعتدادهم بوسيلة لم تتأكد مشروعيتها بوضوح، ولم يقرر الشرع جواز الاعتماد عليها، أو لم يُقِم لها وزناً وقيمة في المنازعات، وإيجابُهم على القاضي الالتزام بالحدود الشرعية لوسائل الإثبات ولكيفية تقديرها. فجاء دور القاضي عندهم سلبياً إلى أقسى حدود. ولقد عبّر ابن القيم عن هذا الجمود على الأدلة في الإثبات، والتزامهم طرقاً محددة لا يلجأون إلى غيرها، ولا يعولون على سواها، وتقييدهم عمل القاضي وحكمه بحدود هذه الوسائل والطرق والأدلة، وأعلن عدم قناعته بمثل هذا الجمود، ونادى بضرورة أن يكون الإثبات حراً يستغل فيه القاضي ما وجد أنه نافع من الأدلة والوسائل والطرق، التي تساعده في تكوين قناعته وفي إصدار حكمه. قال مبيناً أن مقصد الشارع من تشريع القضاء هو الحق، منوهاً بكفاية ما يقود إليه ويظهره من الأدلة والوسائل بغض النظر عن طبيعتها: "إن الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه وشواهد له، ولا يردُّ حقاً متى ظهر بدليله أبداً، فيضيِّع حقوق الله وعباده ويعطلها، ولا يقف ظهور الحق على أمرٍ معين لا فائدة في تخصيصه مع مساواة غيره له في ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحاً لا يمكن جحده ودفعه، كترجيح شاهد الحال على مجرد البينة في صورة من على رأسه عمامة، وبيده عمامة، وآخر خلفه مكشوف الرأس يعدو إثره، ولا عادة له بكشف رأسه، فبينة الحال هنا، ودلالته هنا تفيد ظهور صدق المدعى أضعاف ما يفيد مجرد البينة عند كل أحد. فالشارع لا يهمل مثل هذه البينة والدلالة، ويضيِّع حقاً يعلم كل أحد ظهوره وحجته. بل لمّا ظَنّ هذا من ظنه ضيَّعوا طريق الحكم، فضاع كثير من الحقوق بتوقف ثبوتها عندهم على طريق معين، وصار الظالم الفاجر ممكَّناً من ظلمه وفجوره، فيفعل ما يريد، ويقول يقوم على بذلك شاهدان اثنان، فضاعت حقوق كثيرة لله ولعباده". وقال في الطرق الحكمية: "فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ثم ينفى ما هو أظهر منها، وأقوى دلالة وأبين إشارة، فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها بموجبها، بل قد بيَّن سبحانه وتعالى، بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق ستخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست بمخالفة له"( ). ويظهر من كلا نصيَّه جواز أن يعمل القاضي بعلمه القطعي إذ لا بينة ولا إقرار، بل مع وجودهما كذلك، لكونه أظهر منهما في الكشف عن الحق، وفي إظهار العدل وبلوغ الحقيقة. موقف القانون من علم القاضي: هذا وترتبط حجية علم القاضي في القانون بمبدأين: الأول: تغليب الحقيقة القضائية على الحقيقة الواقعية لضمان العدالة من جهة والاستقرار من جهة أخرى. والثاني: مبدأ حيادية القاضي وتأكيد دور الخصوم الإيجابي وحقهم في الإثبات ومنع القاضي من القضاء بعلمه وإن لم يكن فرعاً لحيادية القاضي، لكنه نتيجة حتمية للقول بدور الخصوم الإيجابي في الدعوى وحقهم في مناقشة الأدلة. والمبدأ الأول قائم في الأساس على فكرة أن الحقيقة القضائية قد تبتعد عن الحقيقة الواقعية بل قد تعارضها، والسبب هو أن الحقيقية القضائية لا تثبت إلا من طريق قضائي رسمه القانون. وقد يكون القاضي من أشد الموقنين بالحقيقة الواقعية وقد يعرفها بنفسه معرفة لا يتطرق إليها شك ولكن يتقدم أمامه الطريق القانوني لإثباتها فلا يجد بداً من إهدارها إذا أراد أن يعمل وفق ما يمليه عليه سبيل القانون في الإثبات فتتعارض الحقيقة القضائية مع الحقيقة الواقعية. والسبب الذي دفع بالقانون إلى مثل هذا التمسك بالحقيقة القضائية، هو الموازنة بين اعتبار العدالة في ذاتها، الذي يدفعه إلى تلمس الحقيقة الواقعية بكل السبل لتتفق معاً الحقيقة القضائية، واعتبار استقرار التعامل الذي يدفعه إلى الالتزام بطرق محددة في القضاء، وبوسائل واضحة في الإثبات، ليأمن جوره إذا مال إلى الجور، وليحد من تحكمه. فلا يختلف حينها القضاة فيما يأخذون به من أدلة، ويستندون إليه من وسائل. ومن خلال الموازنة بين هذين الاعتبارين نشأت مذاهب ثلاثة في الإثبات( ): مذهب يقدم اعتبار العدالة ولو لزم من ذلك التضحية بمبدأ استقرار العامل، ويسمى بالمذهب الحر، ولا يرسم القانون في هذا المذهب طرقاً محددة لإثبات يقيَّد القاضي بها، وهو يفسح المجال للخصوم ليقدموا الأدلة التي يريدون، والتي يعتقدون بإمكان إقناع القاضي بواسطتها، ويترك الفرصة للقاضي، ليكوِّن اعتقاده من أي طريق شاء. ويقرِّب هذا المذهب كما هو واضح بين الحقيقة القضائية والحقيقة الواقعية، وثمة شرائع لا زالت تأخذ به بشكل كبير. وقد يكون ترك الحرية للقاضي في تعيين طرق الإثبات وتحديد قيمتها سلبياً إن لم يؤمن جوره وتحكمه، فإذا جار أو تحكم في تعيين طرق الإثبات ابتعدت الحقيقة القضائية عن الحقيقة الواقعية. والمذهب الثاني: هو مذهب يتمسك باستقرار العامل على حساب مبدأ العدالة، فيقيد وسائل الإثبات تقييداً قانونيّاً كأشد ما يكون التقييد ليستقر العامل، ويسمى بالمذهب المقيِّد، وهو يلزم كلاً من الخصوم والقاضي بطرق محددة للإثبات، ويجعل لكل طريق قيمة لا يتجاوزها. وهو بالتالي يباعد بين الحقيقة الواقعية والحقيقة القضائية، إذ قد تكون الحقيقة الواقعية واضحة جداً ولكنها لا تصبح حقيقة قانونية إلا إذا أمكن إثباتها بالطرق التي حدَّدها القانون( ). والمذهب الثالث: مذهب وسط، يزن بين الاعتبارين السابقين، ويقيد بكل منهما، ولا يضحي بأحدهما لحساب الآخر، ويسمى بالمذهب المختلط، وهو يجمع بين الإثبات المطلق والإثبات المقيد، وهو يلجأ إلى الأول في المسائل الجنائية، ويترك فيها الحرية للقاضي يتلمس الأدلة والحجج ويوازن بينها، ثم يشكل قناعته على ضوء دراسته. ويلجأ إلى الثاني ــ الإثبات المقيد ــ في المسائل التجارية، لكن في حدود ضيقة، لكنها يتقيد تقيداً تاماً بوسائل الإثبات القانوني في المسائل المدنية. لقد أخذ القانون المصري بهذا المذهب مقتفياً بذلك أثر القانون الفرنسي، والأدلة في هذا المذهب لا تتمتع بقوة إثبات كبيرة، فهي فيه حجج ظنية، وهو يجعل دائماً من الحقيقة القضائية احتمالاً راجحاً، وليست حقيقة واقعية، بالرغم مما يحدثه هذا المذهب من تقارب بين الحقيقتين( ). والقاضي في المذهب الأول ينشط في توجيه الخصوم، واستكمال ما نقص في الأدلة من جوانب، واستيضاح ما كان مبهماً منها. وهو في المذهب المقيد سلبي محض، يتلقى أدلة الإثبات كما تعرض عليه، دون تدخل من جانبه، وهو يقرر الأدلة طبقاً للقيم التي أعطها إياها القانون، وليس له إذا ما رأى دليلاً ناقصاً أن يطلب تتميمه، وهو في المذهب المختلط يتخذ موقفاً وسطتً بين السلب والإيجاب، فيباع له أن يحرك الدعوى بما يراه مناسباً، وأن يوجه الخصوم، وأن يستكمل الأدلة الناقصة، ويستوضح ما كان مبهماً من وقائع الدعوى. لكنه يبقى مع ذلك ملزماً بما حدَّده القانون من طرائق الحكم والقضاء، وبما منحه للأدلة من قيمة( ). أما المبدأ الثاني( ): وهو حق الخصوم في مناقشة الأدلة التي تقدّم في الدعوى، فلا جدال في أن أي دليل يقدم في الدعوى يحق للخصوم مناقشته ــ مهما يكن القدر الذي يعطى للقاضي من الحرية في الإثبات ــ كما أن من حق أي واحد من الخصوم أن يدلي برأيه فيه، ويفنده أو يؤيده، وما لا يعرض على الخصوم من الأدلة لا يجوز الأخذ به، ولا الاعتماد عليه والاستناد إليه( ). ويترتب على حق الخصوم في مناقشة الأدلة التي تقدم في الدعوى أنه لا يجوز للقاضي أن يقضي بعلمه، ذلك أن علم القاضي هنا يكون دليلاً في القضية، ولما كان للخصوم حق مناقشة هذا الدليل، اقتضى الأمر أن ينزل القاضي منزلة الخصوم، فيكون خصماً وحكماً، وهو غير جائز، أو لأنه يخشى لو أتى القاضي بأدلة من عنده لم يتقدم بها الخصوم، أن يعدّل من طلبات المدعي أو أن يحوّر فيها، وليست هذه مهمة القاضي. ويرتبط منع القاضي كما هو واضح هنا من القضاء بعلمه، لا بضرورة أن يكون موقفه محايداً، ولا بالمقدار الممنوح له من الحرية، إذ حياده وإعطاؤه قدراً قليلاً من الحرية في التصرف في الدعوة المعروضة أمامه لا يتعارض ضرورة مع القضاء بعلمه، بل يرجع إلى ما يقرره القانون من حق الخصم في مناقشة الأدلة، ودورهم الإيجابي في الإثبات. نعم استثنى القانون من ذلك حالة ما لو أتى القاضي بأدلة من عنده، ورضي الخصوم بمناقشتها، ونزلوا عن حقهم في الاعتراض، إذ رضاهم بذلك بمثابة اتفاق بينهم وهو جائز. ومنع القاضي من القضاء بعلمه، لا يقتضي عدم جواز أن يستعين في قضائه بما هو معروف بين الناس، ولا يكون علمه خاصاً به مقصوراً عليه، كالمعلومات التاريخية والجغرافية والعلمية الثابتة. مقتضى الأصل في المسألة: قبل تفصيل أدلة الأقوال لا بد من تحقيق ما هو مقتضى الأصل في المسألة، ليكون المرجع في الحالات التي يشك في شمول الدليل لها، فضلاً عما إذا كان قاصراً عن الشمول أو مجملاً. والأصل هنا: أن الناس مسلطون على أنفسهم وأموالهم ولا سلطنة لأحد على الآخر، وهو يقتضي عدم نفوذ حكم القاضي لأن فيه تضييقاً وتحديداً من هذه السلطة. وقد يقال: إن من الثابت عقلاً أنّ للعلم حجية ذاتية وأنه طريق تكويني إلى الواقع، وإذا كان كذلك فلا مجال للتشكيك في نفوذ حكم الحاكم المستند إليه، لأن مرجع ذلك إلى التشكيك في حجية العلم وهو مما لا ينبغي التفوّه به. والجواب: أن للعلم حجتين: الحجية الواقعية، والحجية القضائية، والحجية الواقعية تتصل بتكليف العالِم نفسه فإذا تعلق علمه بأمر يكون منجزاً له وعليه ترتيب آثار العلم، فلو علم أن فلانة هي زوجة فلان فلا يجوز له أن يتزوجها وإن كان فلان ينكر زوجيتها، ولو علم أن الكتاب ليس ملكاً لزيد فيجوز له أن يشتريه منه ولو كان في يد غيره، أما الحجية القضائية فتتصل بأطراف الدعوى بمعنى أن يكون العلم حجة في مقام القضاء ونافذاً بحق الطرفين المتنازعين ويلزمان بترتيب الآثار، وما قيل عن الحجية الذاتية للعلم والتي لا تحتاج إلى جعل يتم في الحجية الواقعية، وأما الحجية القضائية له فهي ليست عقلية وذاتية بل بحاجة إلى إثبات وجعل من الشارع، والأصل عدمها لأن علم الشخص لا يكون حجة على الآخر وإنما هو حجة على نفس العالم، كما لو كان القاضي عالماً بفسق فلان فلا ينفذ علمه هذا على من يعتقد بعدالته، فمجرد حجية العلم في حق القاضي لا تقتضي حجيته على الآخرين. والحاصل: أنه في كل الموارد التي لم يقم فيها دليل على نفوذ حكم القاضي فالأصل يقتضي عدم النفوذ. أدلة القول بالنفوذ: استدل للمشهور القائلين بجواز حكم الحاكم بعلمه بعدة أدلة فإن تمت أو تمّ بعضها فلا بد من رفع اليد عما هو مقتضى الأصل من عدم النفوذ. الدليل الأول: الكتاب: ويمكن الاستدلال منه بعدة وجوه: الوجه الأول: ما ذكره في الجواهر( ) من أن أدلة الحدود توجب على الحاكم إجراء الحد على المرتكب الواقعي للذنب الذي يوجب الحد، لأنها منصبة على عنوان الفاعل كالسارق {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}(المائدة:38) أو الزاني {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ}(النور:2) فمتى ما علم الحاكم بتحقق الوصف والعنوان فقد علم بضرورة تطبيق الحد ولو لم تقم بينة، فللحاكم إذن أن يعمل بعلمه في الحدود، فيعمل به في غيرها بطريق أولى. ولقد قرر المرتضى هذا الدليل في الانتصار بعبارة قريبة من هذه فقال: والذي يدل على صحة ما ذهبنا إليه، زائداً على الإجماع المركب قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا}(النور:2) وقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا}(المائدة:38) فمن علمه الإمام سارقاً أو زانياً قبل القضاء، فواجب عليه أن يقضي بما أوجبته الآية من الحد( ). وذكره السيد الطبطبائي في الرياض بقوله: "ومنها عموم الأدلة الدالة على الحكم مع وجود الوصف المعلّق عليه كقوله سبحانه: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا...}، و {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ...} والخطاب للحكّام، فإذا علموا بالوصف عملوا به، وهو أقوى من الحكم، وإذا ثبت ذلك في الحدود ففي غيرها أولى..." ( ) ثم اعتبره أقوى الأدلة. ويرد عليه: أن هذه الآيات في مقام تشريع الحدود وبيان العقوبة المقدرة من الشارع فيها كالجلد أو القطع، وليست في مقام بيان وسائل ثبوت هذه الحدود، أضف لذلك أنها أخص من المدعى لأنها واردة في خصوص حقوق الله وكلامنا أعم من ذلك ولا يمكن إلغاء الخصوصية أو التعدي عنها إلى حقوق الناس بقياس الأولوية، والوجه في ذلك أن من الممكن جداً أن يكون علم القاضي حجة في حقوق الله دون حقوق الناس ويحتمل العكس أيضاً. الوجه الثاني: الاستدلال بالآيات الداعية إلى الحكم بالحق وما أنزل الله، كما في قوله تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً}(النساء:105) وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}(المائدة:105) وقوله سبحانه: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} {الظَّالِمُونَ} {الْفَاسِقُونَ}(المائدة:44-45-47) وتقريب الاستدلال: أن القاضي إذا اطّلع على أن فلاناً غاصب لمال غيره ــ مثلاً ــ أو أنه زانٍ فإن حكم عليه بمقتضى علمه يكون قد حكم بالحق وبما أنزل الله، وإلا إن لم يحكم بالضمان أو الجلد وحكم على وفق البينة أو اليمين النافية للسرقة والزنا، فيكون حاكماً بغير ما أنزل الله. ويرد عليه: أننا عندما ندقق في الآيات وسياقها القرآني نجد أنها في صدد بيان لزوم القضاء الحق وما أنزل الله عندها يثبت للقاضي أن هذا حق أو مما أنزل الله، وذلك في مقابل حكم الجاهلية {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ}(المائدة:50) وفي مقابل الحكم بالأهواء {وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ}(المائدة:48) وليست في صدد تحديد الطرق التي تشخّص أن هذا الحكم هو حكم الله أو حكم الجاهلية والأهواء وسياقها يشهد بما نقول، فإن قوله: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}(المائدة:44) وارد في سياق قوله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}(المائدة:47). فتلخص: أن غاية ما تدل عليه هذه الآيات لزوم اعتبار ما أنزل الله من الحق هو الأساس في أحكام الحاكمين إذا ثبت لديهم الموضوع، أما بماذا يثبت فهذا ما لا تتعرض له الآيات. وأما ما قد يقال: من أننا نتمسك بإطلاقها لإثبات نظرها إلى الموضوع. فيرده: أن هذا يتم لو كانت واردة في مقام الحكم بالحق من باب المرافعة والقضاء ولكنها ــ كما ذكرنا ــ ليست في هذا الصدد بل سياقها هو سياق الحكم بما أنزل الله في مقابل الحكم بالأهواء أو حكم الجاهلية ولذا ذكر فيها القرآن والإنجيل والتوراة والنبيون. الوجه الثالث: ما استدل به في الجواهر( ) من الآيات الدالة على لزوم الحكم بالعدل والقسط، كقوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ}(ص:26) وقوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}(النساء:85) وقوله تعالى: {وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ}(المائدة:42) وتقريب الاستدلال: أنها دلت على أن الواجب على القاضي هو الحكم بالعدل أو القسط بأي طريق من الطرق وأية وسيلة من الوسائل، فالحاكم الذي ينكشف له الحق من خلال علمه يجب عليه ــ بمقتضى عموم الآيات ــ أن يحكم به بغض النظر عما أوجب له حصول العلم. واعترض المحقق العراقي( ) على الاستدلال بهذه الآيات وبالآيات المذكورة في الوجه السابق بقوله: "إذ التمسك بها فرع كون المراد من الحكم والحق والقسط والعدل هو الحكم والحق وأخويه في نفس الواقعة، ولازمه حينئذ كون القضاء من آثار نفس الواقع لا من آثار الحجة عليه، ولكن لا يخفى أن مثل هذا المعنى ينافي ما في قوله: "رجل قضى بالحق وهو لا يعلم"( ) إذ الظاهر منه عدم جواز مثل هذا القضاء لا وضعاً ولا تكليفاً، فالأمر يدور بين رفع اليد عن العمومات، بحمل الحق والقسط والعدل والحكم على القسط في مقام الفصل أو بحمل الرواية الأخيرة على بيان إثبات العقوبة على هذا القاضي من جهة تجريه، بلا اقتضاء مثل ذلك نفي نفوذ قضائه وإن كان خلاف سوق الرواية، مع الدوران بين هذه الاحتمالات لا يبعد ترجيح الاحتمال الأول، ولا أقل من تساويهما المسقط للبقية عن الحجية على المدعى، لأن مثل هذه العمومات ــ بناءً على هذا الاحتمال ــ غير صالحة لإثبات الصغرى من أن الفصل بالحق في هذا المقام بأي شيء يتحقق، بل لا بد من إحراز ذلك من الخارج كما هو ظاهر". وحاصل كلامه: أن الاستدلال بعموم الآيات إنما يتم إذا افترضنا أن المراد بالحق والعدل فيها الحق والعدل الواقعي الذي تعلّق علم القاضي به، لا الحق والعدل بحسب مقاييس القضاء من البيّنة والإقرار واليمين، وعلم القاضي لا يعلم دخوله في هذه المقاييس، وإرادة المعنى الأول من الآيات غير محرز، بل إن ثمة شاهداً في الأخبار على إرادة المعنى الثاني وهو قوله(ع): في خبر البرقي "ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النار" بتقريب أنه لو كان المراد من الحق والعدل اللذين أمر القاضي في الآيات بوجوب التزامها الحق والعدل الواقعيين لكان القاضي الذي يحكم بالحق وهو لا يعلم مصيباً ولكان قضاؤه صحيحاً ولترتب عليه آثاره ولم يكن هناك وجه لعقابه إلا من باب التجري، فتحمل جملة "فهو في النار" على عقاب التجري وهو خلاف الظاهر، وعليه فيكون الاحتمال الثاني متعيناً، ولا أقل من تساوي الاحتمالين لو غضّينا النظر عن القرينة المذكورة، ومع عدم ترجيح أحدهما على الآخر تسقط الآيات عن الاستدلال بسبب الإجمال. ويمكن المناقشة في كلام المحقق العراقي بوجوه: أولاً: أن المتبادر من الحق والعدل الوارد في الآيات هو الحق الواقعي والعدل الواقعي، فحمله على الحق والعدل بحسب مقاييس القضاء حمل للفظ على خلاف ظاهره بدون قرينة على ذلك، بل القرينة على الخلاف، لأن عالم العدل بما يعنيه من إعطاء كل ذي حق حقه وعالم الحق بما يعنيه من الثبات هو عالم المضمون والواقع لا مجرد الشكل والظاهر حتى لو كان مخالفاً للواقع. ثانياً: إن خبر البرقي الذي جعله (قده) قرينة على إرادة الحق والعدل بحسب مقاييس القضاء لا الحق والعدل الواقعيين من الآيات، ضعيف السند لا يعوّل عليه، ومع غض النظر عن ذلك فهو لا يقتضي عدم موضوعية الواقع للحكم حتى لو قيل بأن المراد بالحق فيه الحق وفق مقاييس القضاء، إذ من الممكن أن يكون مقيداً لإطلاقات الأدلة بالعلم فيصبح الواقع جزء الموضوع والعلم جزؤه الآخر. ثالثاً: إن التأمل في فقرات خبر البرقي يكشف بوضوح أن المراد من لفظ العلم فيه العلم بما أنزل الله تعالى في الواقعة لا العلم بمقاييس القضاء، فلقد جاء في الخبر عن أبي عبد الله(ع) أنه قال: "القضاة أربعة، ثلاثة في النار وواحد في الجنة، رجل قضى بجور وهو يعلم فهو في النار، ورجل قضى بجور وهو لا يعلم فهو في النار، ورجل قضى بالحق وهو لا يعلم فهو في النارـ ورجل قضى بالحق وهو يعلم فهو في الجنة"( ). فإن القضاء بالجور المفروض في الفقرتين الأوليين لا معنى له إلاّ أن يكون ما اختاره وأنشأه من الواقعة جوراً وتضييعاً للحق ومخالفاً لما أنزل الله، ووحدة السياق قرينة على أن المراد بالحق في الفقرتين أيضاً هو أن يكون ما أنشأه واختاره في نفس الواقعة عين ما أنزله الله تعالى فيها، فحمل الحق المذكور في الحديث على الحق في كيفية فصل الخصومة وفق مقاييس القضاء خلاف الظاهر جداً، بل يقرب أن يكون خلاف صريح الحديث. فالرواية بنفسها ظاهرة في اشتراط أن يكون القضاء بما أنزل الله تعالى، وجعله حكماً للواقعة وأن يكون القاضي على علم به. فتلخص: أن ما سجّله المحقق العراقي من اعتراض على دلالة الآيات غير تام، والأقرب بنظرنا في رد الاستدلال بها أن يقال: أنها ليست واردة في مقام بيان طرق الإثبات القضائي أو كل خصوصيات القضاء، بل هي واردة في مقام بيان أن القاعدة التي يلزم على القاضي اعتمادها هي الحكم بما أنزل الله أو الحكم بالعدل والقسط مقابل الحكم بالأهواء والظلم والباطل... وهذا ما استفدناه من سياق تلك الآيات. ومع غض الطرف عن كل ذلك والتسليم بدلالة الآيات على حجية الحكم بمقتضى علم القاضي استناداً إلى كون المراد بالحق والعدل فيها الواقعيين، فإن أقصى ما تدل عليه حجية علم القاضي في حق نفسه، ولا تثبت حجيته بحق الآخرين ــ كما هو المطلوب ــ ذلك أن البينة أو اليمين حجة تعبدية لا وجدانية وهي تُثبت المدعى عند الشك، فلو حكم القاضي وفقها فقد قامت الحجة وانتهت الخصومة، وليس لشخص آخر يشك في مطابقة الحكم للواقع أن ينظر في الدعوى مرة أخرى ويطالب بنقض الحكم السابق، أمّا العلم فحجيته خاصة بالعالم، والشخص الذي يشك في مطابقة الحكم بناءً على علم القاضي للواقع فإنه يشك في موضوع الحكم وهو الواقع، وليس ثمة حجة تثبت له الواقع تعبداً بحسب الفرض، فمن حقه إذن أن ينظر في الدعوى مرة أخرى بناءً على الشك في مطابقة حكم الحاكم للواقع وعدم تمامية موضوع حكمه، فصح القول أن العلم ليس ميزاناً كما البيّنة واليمين. نعم لو قام إجماع على الملازمة بين جواز قضاء القاضي بعلمه ولزومه وضعاً في حق غيره ثبت نفوذه وأمكن القول بعدم سماع الدعوى من جديد وعدم جواز رد الحكم لكن دون إثبات الإجماع في المورد خرط القتاد. الدليل الثاني: ما ذكره في الجواهر( ) من التمسك بالأولوية ببيان: أن العلم أقوى من البينة، فإن البيّنة مع كونها طريق ظني حجة شرعاً، فاللازم أن يكون علم القاضي أولى بالحجية، فإن حجية البينة هي من جهة كاشفيتها عن الواقع، وكاشفية العلم عنه أقوى كما لا يخفى. وفيه: لو سلمنا أن حجية البينة من جهة القضاء من باب كاشفيتها الصرفة من دون أن يكون لها أية موضوعية فيمكن القول: إن مجرد كون العلم أقوى في الكاشفية من البينة لا يستلزم كون العلم حجة قضائية، لاحتمال أن يكون للقضاء خصوصية تجعل البينة أرجح بنظر الشارع من علم القاضي وهذه الخصوصية هي شدة الاحتياط للعدالة، باعتبار أن احتمال الخطأ في البينة أقل من احتمال خطأ القاضي في مصادره ولو كانت علميّة، فإن علم القاضي إن كان حدسياً فاحتمال الخطأ فيه أقوى من احتماله في الشهادة لكونها حسية، وإن كان حسياً فإنه يمثل شهادة واحدة ويقابلها شهادتان، واحتمال الخطأ في الشهادة الواحة أعلى منه في الشهادتين. وعليه لا بد أن نحدد المناط في الحجية فهل هو درجة الانكشاف المستفاد من الوسيلة القضائية أو هو قوة الكشف عن الواقع؟ فلو كان المناط هو الأول فالأولوية المدعاة صحيحة لأن درجة الانكشاف لدى القاضي في العلم أقوى منها في البينة، أمّا لو كان المناط هو الثاني فلا مجال للأولوية لأن كشف علم القاضي عن الواقع ليس أقوى من كشف البينة عنه. الدليل الثالث: ما ذكره في الجواهر أيضاً( ) من أن لازم عدم قضاء القاضي بعلمه، فسقه أو إيقاف الحكم وهما معاً باطلان، وتوضيحه: أنه لو طلّق الرجل زوجته ثلاثاً بحضور القاضي ثم جحد كان القول قوله مع يمينه، فإن حكم القاضي بغير علمه فاستحلفه وسلّم إليه المرأة فقد فسق لأنه حكم بزوجية يعلم بطلانها وسمح بممارسة الزنا، وإن لم يحكم بشيء لزم إيقاف الحكم لا لموجب، ولذا فلا مفرّ من الحكم بمقتضى علمه. ويرد عليه: أن بالإمكان اختيار كل واحدة من الصورتين من دون أن يلزم محذور. أما الصورة الأولى: وهي حكمه بغير علمه فلا محذور فيها، لأن الحاكم إنما يفسق إذا لم يستند إلى رخصة شرعية في حكمه فلو ثبت له أن علمه ليس حجة وأن عليه أن يحكم على طبق البينة واليمين فحكم وفق ذلك، فلا يكون فاسقاًن لاعتماده على الحجة الشرعية، بل إنه يفسق لو حكم في هذه الحالة على وفق علمه مع عدم ثبوت حجيته الشرعية له في مقام القضاء. إلا أن يقال: إن الاعتماد على موازين القضاء من البينة واليمين إنما يصح إذا لم يثبت مخالفتها للواقع لأنها حجج وأمارات ظاهرية، وحجية الإمارات هي في ظرف احتمال صدقها وأما لو علم بكذبها أو عدم مطابقتها للواقع فلا وجه لحجيتها، ولكن غاية ما يستفاد من ذلك أنه لا يجوز له أن يحكم بما هو مخالف لعلمه، لا أن له أن يحكم بعلمه وبالتالي إذا لم يحكم به يكون فاسقاً. وأما الصورة الثانية: وهي إيقاف القضاء فهذا لا محذور فيه ما دام لا يؤدي إلى انسداد باب القضاء وضياع الحقوق وشيوع الفوضى واختلال النظام، وهو لا يؤدي إلى ذلك لأن بالإمكان رفع القضية إلى قاضٍ آخر لينظر فيها. ونوقش في هذا الدليل أيضاً: بأن الفسق تارة يفرض في أصل الحكم وأخرى في التنفيذ، فإن فرض في أصل الحكم كان مصادرة على المطلوب إن كان العلم غير داخل في مقاييس الحكم، وكان يجب الحكم وفق البينات والأيمان، لأنه لا فسق في ذلك، وإن فرض الفسق في التنفيذ فنظير هذا الإشكال وارد بالنسبة للمحكوم عليه، حتى عندما يحكم الحاكم بعلمه أو بالبينة عند عدم العلم لو نفذه المحكوم عليه على نفسه، كما لو حكم الحاكم بعلمه أو ببيّنة على امرأة بأنها زوجة لفلان وهي تعلم خطأ أو خطأ البينة، فلو نفذت الحكم ومكّنت من نفسها فقد وقعت ــ حسب علمها ــ بالزنا، إلا إذا قلنا بأن حكم القاضي يرفع الحرمة واقعاً وأنه كما للقاضي حق القضاء فكذا له حق الإلزام على المحكوم عليه الالتزام ولو كان يعلم يقيناً بخطأ الحكم وهو غير مسلم، بل ممنوع. الدليل الرابع: أن القول بعدم جواز حكم القاضي بعلمه يستلزم عدم وجوب إنكار المنكر وعدم وجوب إظهار الحق مع إمكانه، وهذا معلوم البطلان شرعاً، وتوضيح ذلك: أن القاضي الذي يعلم ببطلان زوجية فلان لفلانة لكون الطلاق الثالث قد تمّ بحضوره ــ مثلاً ــ لا يجوز له أن يحكم بالزوجية آخذاً بالبينة أو اليمين، بل عليه أن يحكم ببطلان الزوجية إنكاراً للمنكر وإظهاراً للحق. قال في الجواهر في تقرير هذا الدليل: "واستلزامه ــ أي استلزام عدم حكم القاضي بعلمه ــ أيضاً عدم وجوب إنكار المنكر وعدم وجوب إظهار الحق مع إمكانه، أو الحكم بعلمه، والأول معلوم البطلان فتعيّن الثاني، وذلك لأنه إذ علم بطلان قول أحد الخصمين فإن لم يجب عليه منعه من الباطل لزم الأول وإلاّ ثبت المطلوب"( ). ويرد عليه أولاً: أن علم القاضي بصدور المنكر من الشخص كمعاشرة المطلقة يفرض عليه باعتباره مكلفاً بالشريعة أن ينهاه عنه ويوبخه على ارتكابه تماماً كما يفعل أي مكلف آخر، وأمّا أن يصدر حكماً عليه بترك مساكنتها وبطلان العلاقة بينهما فهذا ما لا يستفاد من أدلة النهي عن المنكر، وإلا لو جاز للحاكم ذلك من باب النهي عن المنكر لجاز لكل مكلفٍ إصدار مثل هذا الحكم من هذا الباب وهو كما ترى. وبعبارة أخرى: إن مجرد الإنكار وإظهار الحق باللسان يتحقق بنصح الشخص وحثه على ترك المنكر والتنازل للحق أما الإنكار عليه باليد وإجباره على التخلي عن الباطل ــ بحسب علم القاضي واعتقاده ــ فإن دلّ الدليل عليه قلنا بدلالته التزاماً على نفوذ قضاء القاضي بعلمه ولكن لا وجود لهذا الدليل. وثانياً: إن إنكار المنكر وتغييره لا بد أن يكون بالطرق المشروعة فلو كان ارتداع الفاسق عن المنكر لا يتم إلا بتشريده أو سجنه أو هدم بيته أو إتلاف ماله أو قتله أو ضرب زوجته فلا يجوز ارتكاب هذه الأمور باعتبارها من أساليب تغيير المنكر، فلا بد من إثبات مشروعية الوسيلة من الخارج قبل اعتمادها في تغيير المنكر، ومن الواضح أن مشروعية قضاء القاضي بعلمه كوسيلة من وسائل تغيير المنكر هي أول الكلام. ثالثاً: إن غاية ما تدل عليه أدلة النهي عن المنكر ــ لو سلمنا شمولها للمقام ــ هي أنه يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه بحق الملتفت والمتوجه لكون ما يمارسه منكراً أما لو كان جاهلاً لذلك ولم يكن المورد من الموارد التي يُعلم بأ، الشارع لا يرضى بارتكابها ولو من الجاهل كما في قضايا الدماء والأعراض والأموال فإنه لا يجب نهيه عن المنكر لأن من شروط النهي عنه معرفة الفاعل بالموضوع والحكم، فلو كان جاهلاً بالموضوع فلا يجب تنبهيه وإعلامه إلا في الموارد المذكورة، ولو كان جاهلاً بالحكم فيلزم على العالم تعليمه إياه ليس إلاّ. الدليل الخامس: الأخبار الخاصة وهي عديدة. 1- ما رواه الكليني(قده) عن علي بن محمد عن محمّد بن أحمد المحمودي عن أبيه عن يونس عن الحسين بن خالد عن أبي عبد الله(ع) قال: سمعته يقول: "الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحد ولا يحتاج إلى بينة مع نظره، لأنه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق فالواجب عليه أن يزجره وينهاه ويمضي ويدعه، قال: فقلت: كيف ذاك؟ قال: لأن الحق إذا كان لله فالواجب على الإمام إقامته وإذا كان للناس فهو للناس"( ). وتقرير الاستدلال: إن الرواية دلت على أن للقاضي أن يحكم بعلمه في حقوق الله ويتعدى منها إلى حقوق الناس بالأولوية، بدعوى أنّ حقوق الله مبنيّة على المسامحة والعفو بخلاف حقوق الناس فإذا جاز الحكم بالعلم في حقوق الله جاز في حقوق الناس بطريق أولى. ولا بد من ملاحظة سند الرواية ودلالتها. أما سندها ففيه عدة عقبات: الأولى: اشتراك علي بن محمد الذي روى عن الكليني بين عدة أشخاص وهم: علي بن محمد بن بندار، وعلي بن محمد بن عبد الله، وعلي بن محمد بن عبد الله القمي، فهل أن هؤلاء يمثلّون شخصاً واحداً اختلفت ألقابه ونسبته أم أنهم يمثلون أكثر من شخص؟ استظهر سيدنا الأستاذ وحدة العناوين الثلاثة، وحيث أن ابن بندار ثقة فلا تبقى لدينا مشكلة في العناوين الثلاثة( ). الثانية: عدم ثبوت وثاقة المحمودي ووالده، ولكن قد تستفاد وثاقة المحمودي من التوقيع المروي عن الإمام العسكري الذي ينقله الكشي عن بعض الثقات، وفيه يأمر الإمام(ع) إسحاق بن إسماعيل أن يبلّغ إبراهيم بن عبدة هذا الكتاب: واقرأه على المحمودي عافاه الله فما أحمدنا له لطاعته"( )، وهذا التوقيع الذي شهد الكشي بوثاقة ناقله بدل على وثاقة المحمودي وجلالة قدره وعلو مقامه. وأما والده فعبد ثبوت وثاقة المحمودي نفسه تستفاد وثاقة والده من خلال ما نقله الكشي عن محمد بن مسعود عن المحمودي أن أبا جعفر(ع) كتب إليه بعد وفاة أبيه: "قد مضى أبوك رضي الله عنه وعنك، وهو عندنا على حالة محمودة، ولن تبعد من تلك الحال"( ) وهذا التوقيع يدل على وثاقة الوالد والولد. الثالثة: عدم ثبوت وثاقة الحسين بن خالد، إلا أن يقال: أن بالإمكان توثيقه سواء أريد به الحسين بن خالد الصيرفي، أو الحسين بن أبي العلاء الخفاف، أما إن أريد به الثاني فلان عبارة النجاشي فيه وفي أخويه علي وعبد الحميد "وكان الحسين أوجههم" تدل على وثاقة إذا ما ضمّت إلى ما قاله أيضاً في ترجمة أخيه عبد الحميد أنه ثقة( ) وأما إن أريد به الأول فيمكن توثيقه برواية بعض الثلاثة عنه( )، ولكنا لم نقبل بكبرى وثاقة مشايخ الثلاثة، ولهذا فالرواية لا تخلو من خدشة في سندها، إلاّ إذا استظهر أن المراد بالحسين بن اخالد فيها الخفاف بقرينة أنه من أصحاب الصادق(ع) الذي نقلت الرواية عنه وأما الصيرفي فهو من أصحاب الكاظم(ع). الأولى: إن المقصود بالإمام فيها هو المعصوم كما استظهر بعض( ) من قوله: "لأنه أمين الله في خلقه" ولا عموم في الرواية يشمل الإمام(ع) وغيره، وحجية قوله(ع) يحتمل أن تكون من آثار كونه أمين الله لا من آثار كونه قاضياً بين المسلمين مما يعني صعوبة التعدي عنه إلى غيره، ولعله لهذا جعل صاحب الجواهر الرواية دليلاً على نفوذ علم المعصوم. هذا ولكن يمكن القول: أنه شاع في الروايات التعبير بالإمام عن الحاكم الذي يلي أمور الناس ويكون في موقع المسؤولية( )، على أن الإمام(ع) في مقام بيان القاعدة العامة لا في مقام بيان حكم نفسه والمعصومين من ولده، سيّما أنه ليس مبسوط اليد لإقامة الحدود حتى يقع السؤال عن فعله وحكمه(ع)، وأما التعليل بأنه "أمين الله في خلقه" فهو تعليل ينسجم مع وظيفة النبي أو الإمام(ع) وكذا القاضي والحاكم لأن الله سبحانه أراد من كل هؤلاء أن يكونوا المؤتمنين على تطبيق أحكام الله في خلقه وإدارة شؤونهم ونظم أمورهم. الثانية: أنه ما الوجه في التفرقة بين الزنا والسرقة حيث سمح للقاضي بإقامة الحد على الزاني دون السارق فيقتصر على زجره ونهيه فقط؟! هذا مع أن حد السرقة من حقوق الله تعالى كحد الزنا، فالواجب على الإمام إقامته، وبما أنه لا وجه مفهوم لهذه التفرقة، ما يعني وجود اضطراب في الرواية وهذا يبعث على التشكيك في حجيتها. إلا أن يقال: إن الفارق بينها أن الزنا ليس فيه سوى حق الله وهو الجلد أما السرقة ففيها حقان: حق الناس وهو ضمان المال المسروق، وحق الله وهو القطع وحيث أن حق الناس وهو الضمان موقوف على مطالبة الناس فكذلك الحق الآخر وهو القطع لأنهما متلازمان بسبب كونهما معلولين لعلة واحدة وهي السرقة، فإما أن يثبتا معاً أو ينتفيا معاً، فإذا دلّ الدليل على انتفاء أحدهما فيتبعه الآخر في الانتفاء. ولكن قد مرّ عدم تمامية هذا الكلام وأنه تام في خصوص العلل العقلية والتكوينية دون العلل الشرعية لكونها مجرد معرّفات. الثالثة: أن الرواية ليست واردة في مقام نفوذ حكم القاضي بعلمه بل إنها تحدد للحاكم كيفية إدارة مسؤولياته في تنفيذ القوانين، فعليه كحاكم ــ فيما يرتبط بحقوق الله ــ أن يقيم الحد على من يتجاوز حدود الله، وأمّا فيما يرتبط بحقوق الناس فيترك لأصحاب الحقوق أن يطالبوا بحقوقهم، فإذا ترك الأمر للناس وقدّموا الدعوى فهل يحكم بعلمه أو بالبيّنة؟ هذا ما لا تتعرض له الرواية، وعليه فيكون الخبر دليلاً على التفصيل لا على النفوذ مطلقاً، ودعوى لنفوذ بالأولوية فيما يرتبط بحقوق الناس غير واضحة لأن من الممكن أن ينفذ حكمه في حقوق الله لأنه لا يُطَالب بها في الدنيا فيكون الحاكم هو المؤتمن على تطبيقها، بخلاف حقوق الناس فإن أصحابها يمكنهم المطالبة بها ولذا لا نيفذ حكمه بدون المطالبة. وعلى أي حال فالخبر لا يمكن التعويل عليه بعد الخدشة في سنده ودلالاته، ولعله الذي استشكل السيد اليزدي في الاستدلال به( ). 2- صحيحة عبد الرحمن بن الحجّاج قال: دخل الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل على أبي جعفر(ع) فسألاه عن شاهد ويمين؟ فقال: قضى به رسول الله(ص) وقضى به علي(ع) عندكم بالكوفة فقالا: هذا خلاف القرآن فقال: وأين وجدتموه خلاف القرآن؟ فقالا: إن الله تبارك وتعالى يقول: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}(الطلاق:2) فقال لهما أبو جعفر(ع): "فقوله {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} هو أن لا تقبلوا شهادة واحد ويميناً، ثم قال: إن علياً(ع) كان قاعداً في مسجد الكوفة فمرّ به عبد الله بن قفل التميمي ومعه درع طلحة فقال علي(ع): هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقال له عبد الله بن قفل: فاجعلْ بيني وبينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين فجعل بينه وبينه شريحاً فقال علي(ع) هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقال له شريح: هذا شاهد واحد فلا أقضي بشهادة شاهد حتى يكون معه آخر، فدعا قنبراً فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال شريح: هذا مملوك، ولا أقضي بشهادة مملوك، قال: فغضب علي(ع) وقال: خذوها فإن هذا قضى بجورٍ ثلاث مرات، قال فتحوّل شريح وقال: لا أقضي بين اثنين حتى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرّات؟ فقال له ويلك ــ أو ويحك ــ إني لمّا أخبرتك أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقلت: هات على ما تقول بيّنة وقد قال رسول الله(ص) حيث ما وُجد غلول أخذ بغير بينة فقلتُ: رجل لم يسمع الحديث فهذه واحدة، ثم أتيتك بالحسن فشهد فقلتَ: هذا واحد ولا أقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر وقد قضى رسول الله(ص) بشهادة واحد ويمين، فهذه ثنتان، ثم أتيتك بقنبر فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقلت: هذا مملوك، ولا أقضي بشهادة مملوك وما بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلاً، ثم قال: ويلك ــ أو ويحك ــ إن إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا"( ). ومحل الشاهد قوله(ع) في ذلك الحديث: "ويلك ــ أو ويحك ــ إن إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا" فإنه دال على قبول شهادة الإمام وقبول قوله وحصول العلم بصحته من دون حاجة إلى مطالبته بالبينة، وهذا يدل بالملازمة على جواز أن يقضي الإمام بعلمه. ويرد عليه: أولاً: إن ظاهر الصحيحة أن المراد بالإمام هو المعصوم ولا يتعدى منه إلى غيره الخصوصية له ولعله لذلك أوردها صاحب الجواهر( ) ضمن أدلى نفوذ قضاء المعصوم بعلمه ولم يوردها في أدلة حجية علم القاضي. إن قلت: سلّمنا اختصاص الرواية بالمعصوم، ولكن بأدلة الولاية العامة على نصب الفقيه نائباً وحجة من قبل الإمام له ما للإمام، يمكن تسرية حكمها إلى الفقيه. قلت: إن قوله(ع) "إن إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا" يدل على أن المعصوم مؤتمن على أصل الدين وتبليغ الشريعة فكيف لا يؤتمن على ما هو أقل خطراً من ذلك، وهذا يعطي خصوصية للمعصوم يصعب إلغاؤها حتى بملاحظة أدلة الولاية العامة، أي أن هذا الدليل يصلح لتقييد إطلاقات الولاية العامة. مضافاً إلى أن أدلة الولاية ناظرة إلى الأمور التنفيذية المتعلقة بإدارة شؤون الناس ونظم أمورهم وليست ناظرة إلى عالم الحجج بحيث يستفاد منها أ، كل ما كان حجة بالنسبة للإمام فهو حجة بالنسبة لنائبه أيضاً. هذا فضلاً عن أن أدلة الولاية ــ بنظرنا ــ غير تامة وإنما تثبت ولاية الفقيه من باب حفظ النظام فلو توقف حفظه على تولي الفقيه لزمام الحكم كان له الولاية بهذه الحدود، ومن الواضح أن حكم القاضي بعلمه ليس مما يتوقف عليه حفظ النظام. وثانياً: إن الصحيحة تدل على وجود حجة أخرى غير البينة في خصوص الغلول أي السرقة من الغنيمة، وهذه الحجة هي شهادة الثقة الصادق بأن هذا غلول وعلى القاضي أن يحكم استناداً إلى قوله ولو لم ينضم إليه شاهد آخر، وهذا ما جعل أمير المؤمنين(ع) يستنكر على شريح ويخطّأ÷ في عدم أخذ بشهادته في أن الدرع غلول مع أن رسول الله(ص) قال: "حيث ما وجد غلول أخذ بغير بيّنة" وعليه فالرواية أجنبية عن مسألة قضاء القاضي بعلمه. وثالثاً: وناقش بعضهم في دلالة الرواية بأن من المحتمل أن يراد منه أن عدم قبول الإمام(ع) وهو المؤتمن على المسلمين يوهن مقام الإمامة، فإن إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا، فهنا أمر زائد على مجرد العلم بصدق المدعي وهو أنه لو لم تقبل دعواه لأوجب ذلك وهن مقام الإمامة وهذا هو الباعث على لزوم قبول دعواه، فلا دلالة فيه على جواز اعتماد القاضي على علمه في سائر الموارد( ). وفيه: إن حفظ مقام الإمامة من الوهن لو كان يقتضي قبول قوله بدون بيّنة لكان من المناسب حفظاً لذلك المقام أن لا يرفع أمير المؤمنين الدعوى إلى قاضيه شريح من الأساس، ويأخذ الدرع من الرجل من دون تحاكم عند أحد. وقد يكون الأولى رد علم هذا الحديث إلى أهله لأن من المستبعد رفض الإمام علي(ع) لطلب شريح منه البينة التي هي الأساس في القضاء للمدعي بقطع النظر عن مكانته ومقامه. 3- ما رواه الصدوق في الفقيه بسنده إلى قضايا أمير المؤمنين(ع) قال: "جاء أعرابيّ إلى النبيّ(ص) فادّعى عليه سبعين درهما ثمن ناقة باعها منه، فقال(ص): قد أوفيتك، فقال: اجعل بيننا وبينك رجلاً يحكم بيننا، فأقبل رجلٍ من قريش، فقال رسول اللَّه(ص): احكم بيننا، فقال للأعرابي: ما تدّعي على رسول اللَّه(ص)!؟ فقال: سبعين درهما ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول اللَّه(ص)؟ فقال: قد أوفيته، فقال للأعرابي: ما تقول؟ فقال: لم يوفني، فقال لرسول اللَّه(ص): ألك بيّنة على أنك قد أوفيته؟ قال: لا، فقال للأعرابي: أتحلف أنك لم تستوفِ حقك وتأخذه؟ فقال: نعم، فقال رسول اللَّه(ص): لأتحاكمنّ مع هذا إلى رجل يحكم بيننا بحكم اللَّه عزّ و جلّ، فأتي رسول اللَّه(ص) عليّ بن أبي طالب(ع) ومعه الأعرابي، فقال عليّ(ع): ما لك يا رسول اللَّه!؟ قال: يا أبا الحسن: احكمْ بيني وبين هذا الأعرابي، فقال عليٌّ(ع): يا أعرابي ما تدّعى على رسول اللَّه(ص)؟ قال: سبعين درهماً ثمن ناقة بعتها منه، فقال: ما تقول يا رسول اللَّه(ص)؟ قال: قد أوفيته ثمنها، فقال: يا أعرابي أصدق رسول اللَّه(ص) فيما قال؟ قال الأعرابي: لا، ما أوفاني شيئاً، فأخرج عليّ(ع) سيفه فضرب عنقه، فقال رسول اللَّه(ص): لم فعلت ذلك يا علي؟ فقال: يا رسول اللَّه نحن نصدّقك على أمر اللَّه ونهيه، وعلى أمر الجنّة والنار، والثواب والعقاب، ووحي اللَّه عزّ وجلّ، ولا نصدّقك في ثمن ناقة هذا الأعرابي، وإنّي قتلته، لأنّه كذّبك لمّا قلتُ له: أصدق رسول اللَّه(ص)، فيما قال فقال: لا، ما أوفاني شيئاً، فقال رسول اللَّه(ص): أصبت يا عليّ، فلا تعد إلى مثلها، ثمّ التفت(ص) إلى القرشي وكان قد تبعه، فقال(ص): هذا حكم اللَّه لا ما حكمت به". ورواه في الأمالي بإسناده إلى الصادق نحوه( ). وأورده في الفقيه قضية أخرى شبيهة بهذه القضية( ). وتقريب الاستدلال: أن أمير المؤمنين(ع) قضى بعلمه فقتل الأعرابي تصديقاً لرسول الله(ص) ولم يطلب منه البينة على إبقاء الثمن، وقد اعتبر(ص) أن حكم الإمام هو حكم الله عندما قال للقرشي: هذا حكم الله لا ما حكمت به. هذا ولكن القضية الثانية ضعيفة السند وأما الأولى فسندها في الأمالي ضعيف أيضاً بصالح بن عقبة، وأما في الفقيه فهو تام( ). وأما دلالاته فيمكن أن يُسجّل عليها عدة ملاحظات: الأولى: أن مورده الإمام المعصوم ويصعب التعدي عنه ولو بمعونة أدلة الولاية العامة كما أسلفنا في مناقشة الخبر السابق. الثانية: إن محل الكلام هو في علم القاضي المستند إلى مشاهداته الحسيّة أو نحوها من مصادر العلم المتعارفة، وليس في العلم المستفاد من قاعدة عقائدية كما فيما نحن فيه، فإن رسول الله هو المدعي لإيفاء الثمن، ودعواه ــ بلا ريب ــ حق وصدق عند كل مسلم يؤمن برسالته ولو لم يكن علياً(ع) فكيف لو كان هو، وذلك لأنه(ص) الصادق المصدق الذي لا ينطق عن الهوى، ما يعني أن دعوى الأعرابي عليه بديهية البطلان وغير مقبولة من الأساس، فتكون الرواية خارجة عن محل الكلام. الثالثة: أنه ربما يتساءل القارئ عن السبب في قتل أمير المؤمنين(ع) للأعرابي مع أنه لم يكذب رسول الله في رسالته ليوجب ذلك ارتداده ــ لو كان مسلماً ــ وهدر دمه، وإما كذّبه(ص) في ثمن الناقة وهذا أمر لا يوجب الكفر بل يوجب الفسق والخروج عن مقتضى الإيمان برسالته وعصمته وقد يكون جاهلاً بعصمة النبي(ص) عن الكذب في مثل هذه الأمور وربما كان يتصور نسيان النبي(ص) لذلك ولا يؤمن بنفي السهو عنه، فلا يستحق القتل، وهذا ما يبعث على التشكيك في الرواية لأن أمير المؤمنين(ع) لا يصدر عنه إلاّ ما يوافق أمر الله ورسوله، ويعزز هذا الشك قول النبي(ص) لعلي(ع): "فلا تعد لمثلها" ومع ذلك عاد لمثلها ــ كما تفرض الروايات ــ وقتل أعرابياً آخر لتعدد القضيتين كما هو ظاهرهما وكما هو صريح الشيخ الصدوق والسيد المرتضى( ). ثم إذا كان ما فعله هو حكم الله فلماذا ينهاه عن العود لمثلها؟! لا سيّما أن هذا الفعل لو حصل فإنه يترك تأثيراً سلبياً على الواقع الإسلامي من خلال المنافقين الذي قد يستغلون مثل هذه القضية لإثارة المشاكل ضده(ص). ثم كيف يرفض النبي(ص) الأخذ بمنهج القضاء في الإسلام القائم على أساس أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، ويعدل إلى محاكمة جديدة عند أمير المؤمنين(ع) مع أنه(ص) أولى الناس بالالتزام بهذا المنهج( ). إن علامات الاستفهام هذه التي يمكن إثارتها بوجه الرواية لا نجد لها جواباً مقنعاً، ولذا يكون الأولى رد علم هذا الخبر إلى أهله والله العالم. الرابعة: ناقش المحقق العراقي في صحة الاستدلال بالقول: "إذ قد عرفت عدم الملازمة بين جواز الفصل بعلم الإمام الذي هو حجة في حق كل أحد، وعلم غيره الذي لا حجية له في حق غيره، مع إمكان منع كون فعله(ع) بعنوان فصل الخصومة بل من الممكن كونه بعنوان ترتيب ما للواقع من الأثر من جهة قيام الحجة عليه، وليس مطلق ترتيب الأثر على طبق الحجة حكماً ما لم يقصد به فصل الخصومة، كيف والحاكم بل وغيره يرتّب الأثر على طبق اليد والاستصحاب، مع أنهما ليسا ميزان فصل أصلاً"( ). وأورد عليه: بأن الخبر صريح في أن ما حكم به علي(ع) هو حكم الله تعالى، ولقد أرشد النبي(ص) القرشي إلى هذا المعنى، هذا فضلاً عن أ،ّ علياً(ع) بيّن وجه حكمه بدليل يوجب العلم له ولغيره من المؤمنين، وهو أن رسول الله(ص) صادق، فالعلم حاصل بما يقوله، وهذا لا يتميّز فيه الإمام(ع) عن أي مؤمن آخر( ). 5- خبر عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبد الله(ع) قال: أتي عمر بامرأة تزوّجها شيخ فلما أن واقعها مات على بطنها فجاءت بولد فادعى بنوه أنها فجرت وتشاهدوا عليها، فأمر بها عمر أن ترجم، فمرّ بها علي(ع) فقالت: يا ابن عمّ رسول الله إن لي حجّة، قال: هاتي حجتك فدفعت إليه كتاباً فقرأه فقال: هذه المرأة تعلمكم بيوم تزوّجها ويوم واقعها وكيف ان جماعه لها ردوا المرأة، فلما أن كان من الغد دعا بصبيان أتراب ودعا بالصبي معهم، فقال لهم: العبوا حتّى إذا ألهاهم اللعب، قال لهم: اجلسوا حتى إذا تمكنوا صاح بهم، فقام الصبيان وقام الغلام فاتكأ على راحتيه فدعا به علياً(ع) وورّثه من أبيه وجلد إخوته المفترين حداً حداً: فقال له عمر: كيف صنعت؟ قال(ع): عرفت ضعف الشيخ في اتكاء الغلام على راحتيه"( ). هذا ولكن هذا الحديث ضعيف سنداً، أضف إلى ذلك أن دلالته غير تامة: أولاً: أنه قد يقال بأن مورده هو المعصوم لا من جهة اعتماد الإمام على اتكاء الولد في الحكم بأنه ابن الشيخ ليقال( ): أن هذا اعتماد على طريقة عامة شاهدها الآخرون ولم يكن طريقاً خاصاً يحتمل فيه الخطأ أو الكذب بالنسبة لغير المعصوم ولا يحتمل ذلك بالنسبة للمعصوم، بل من جهة احتمال أنه(ع) لما اطلّع على الورقة استطاع أن يتعرف صدق ما فيها من خلال ما أعطا الله من علم وموهبة وإلهام مما لا يتوفر لغيره، إلا أن يقال: أن مضمون الورقة لم يكن سرياً ليحتمل ذلك بل إنه(ع) أوضح ما تضمنته الورقة فقال بعد قراءتها "هذه المرأة تعلمكم بيوم تزوّجها ويوم واقعها وكيف ان جماعه لها" وهذا أمر يشترك كل الناس في فهمه. ثانياً: إن اتكاء الولد بعد اللعب والتعب لا يورث العلم في كونه ابناً للشيخ لأنه من ناحية علميّة لم يثبت أن ابن الشيخ يكون ضعيفاً، بل ما أكثر ما يلد الشيوخ أولاداً أقوياء وما أكثر ما يلد الشباب أولاداً ضعفاء كما هو مشاهد بالعيان، ولهذا فلا بدّ من افتراض أن الإمام علم بواقع الأمر من طريق غير اعتيادي يختص به ولم يرد(ع) الإفصاح عنه، أو يُردّ علم الخبر إلى أهله( ). 6- صحيح سليمان بن خالد عن أبي عبد الله(ع) قال: في كتاب علي(ع) أنّ نبياً من الأنبياء شكا إلى ربه، فقال: يا رب كيف أقضي فيما لم أرَ ولم أشهد؟ قال: فأوحى الله إليه: "أحكم بينهم بكتابي وأضفهم إلى اسمي فحِّلفهم به وقال: هذا لمن لم تقم له بينة"( ). وتقريب الاستدلال أن النبي المذكور طلب من ربه أن يعرِّفه كيف يقضي فيما لم يره ولم يشهده من القضايا، ما يعني أن حكم ما شهده منها واضح عنده ومرتكز لديه وليس هو إلاّ أني قضي بعلمه فيها، وقد أمضاه الله على هذا الارتكاز. وكون الحادثة وقعت في شريعة سابقة لا يضر بعد نقل الإمام الصادق(ع) لها الظاهر في التعليم ووجودها في كتاب علي(ع) المشتمل على الأحكام والفرائض الظاهر في إقرارها من قبل شريعتنا سيما إذا كان قوله في آخرها "هذا لمن لم تقم له بينة" من كلام الإمام الصادق(ع). ويلاحظ على هذا الاستدلال: إن هذا النبي شكى من أن الدعاوى التي يطرحها الناس عليه لا يملك علماً بها ليعرف طبيعتها بل هي ــ غالباً ــ مما يعتمد فيها على ما يقدمه الناس أمامه من معطيات فهو يسأل عن السبيل إلى الوصول إلى الحقائق الواقعية ليحكم على ضوئها، فليس المرتكز في ذهن النبي وضوح كيفية الحكم فيما شهد ورأى ولكنه متحير في كيفية الحكم فيما لم يره ويسأل عنه. وقد أعلمه الله أن القضاء لا بد أن ينطلق على ضوء كتابه ووفق الموازين الظاهرية وهي اليمين والبيّنة عند عدمه. ولو أصر أحد على دلالة الرواية على وجود الارتكاز المذكور فنقول له: سلّمنا لكن ليس في الرواية ظهور واضح على إمضاء الارتكاز المذكور بل غايته الإشعار. 7- ما رواه محمد بن الحسن بإسناده عن عاصم بن حميد عن محمد بن قيس عن أبي جعفر(ع) قال: "كان لرجل على عهد علي(ع) جاريتان فولدتا جميعا في ليلة واحدة، فولدت إحداهما ابناً والأخرى بنتاً، فعمدت صاحبة البنت، فوضعت بنتها في المهد الذي فيه الابن وأخذت ابنها، فقالت صاحبة البنت: الابن ابني، وقالت صاحبة الابن: الابن ابني، فتحاكما إلى أمير المؤمنين(ع)، فأمر أن يوزن لبنهما، وقال: "أيتهما كانت أثقل لبنا فالابن لها"( ). وتقريب الاستدلال: أن الإمام(ع) حكم في هذا المورد بحسب ما يملكه من علم في خصائص الأشياء وهو ليس من قبيل العلم الخاص الذي يختص به الإمام المعصوم لأن المسألة من المسائل الحسيّة التي يمكن لكل أحد أن يتعرف عليها بالتجربة. ويلاحظ على ذلك أن الحديث ليس واضح الصحة من ناحية السند( ). أضف إلى ذلك أن التقارير العلميّة وشهادات أهل الخبرة تنفي أن يكون لجنس الولد أثر على أوصاف اللبن لناحية الخفة والثقل أو اللون أو الدسومة، نعم ذلك تابع لبنية المرأة الجسدية ونوعية غذائها. الدليل السادس: الإجماع: فقد ادعي الإجماع على نفوذ حكم القاضي بعلمه، ونسبت دعواه إلى كل م الشيخ والسيد ابن زهرة وظاهر السرائر( ). ويلاحظ على ذلك: أولاً: إن الإجماع غير ثابت لوجود المخالف في المسألة إما مطلقاً كابن الجنيد أو في خصوص حقوق الله كابن حمزة في الوسيلة وظاهر الشيخ في المبسوط كما تقدم. ثانياً لو سلم الإجماع فلا قيمة له لأنه محتمل المدركية وذلك لأن المسألة من المسائل الاستدلالية كما رأينا فلا يجوز تعبدية الإجماع وكشفه عن رأي المعصوم. وحاصل الكلام: أن كل ما ذكر من أدلة لإثبات نفوذ حكم القاضي بعلمه غير تامة ولا تثبت أمام النقد، والصواب ما ذكره صاحب الجواهر الذي قال: "وليس في شيء من الأدلة المذكورة ــ عدا الإجماع منها ــ دلالة على ذلك"( ) والإجماع لا يمكن الركون إليه لما عرفت من مدركيته، وحيث أن الأصل يقتضي عدم نفوذ حكمه بعلمه ــ كما تقدم ــ فلا حاجة بنا لإقامة الدليل على عدم النفوذ، ولكن مع ذلك يمكن أن تذكر بعض الأدلة في هذا الصدد فلا بد من ملاحظتها. أدلة عدم النفوذ: وما يمكن أن يذكر لعدم نفوذ القضاء استناداً إلى علم القاضي عدة وجوه: الوجه الأول: صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد الله(ع) قال: قال رسول الله(ص): "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ وَبَعْضُكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَيُّمَا رَجُلٍ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْئاً فَإِنَّمَا قَطَعْتُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ"( ). ورواه الصدوق في معاني الأخبار مرفوعاً إلى رسول الله نحوه. وفي التفسير المنسوب للإمام العسكري(ع): قال: كان رسول الله(ص) يحكم بين الناس بالبينات والايمان في الدعاوي، فكثرت المطالبات والمظالم، فقال: "أيها الناس إنما أنا بشر، وأنتم تختصمون، ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشئ فلا يأخذنّه، فإنما أقطع له قطعة من النار"( ). ويبدو أن هذا المضمون مروي عند السنة والشيعة ومتسالم عليه عند الفريقين( ). وتقرير الاستدلال: أن الصحيحة بمقتضى الحصر دلت على عدم مشروعية القضاء بغير البيّنة واليمين بما في ذلك علم القاضي، فالقضاء المشروع هو المستمد من بينة المدعي ويمين المنكر، وليس علم القاضي من وسائل الإثبات القضائية، بل إن هذه الوسائل ترتبط بالمتقاضيين فالبينة من المدعى واليمين من المنكر، والقاضي يمثل أذناً تسمع وعقلاً يستنتج، وحكمه على ضوء البينة واليمين لا يغيّر الواقع لأنه يحكم على أساس ما يقدم له من حجج وربما كان بعضهم أفطن وألحن بحجته من الآخر فحكمه لا يغيّر الواقع ويجعل المبطل محقاً والمحق مبطلاً. وقد أشكل على هذا الاستدلال بعدة إشكالات: الأول: أن الحصر الوارد فيه ليس حصراً حقيقياً بل هو من جهة الغلبة باعتبار أن الغالب هو القضاء بالبينة واليمين. وفيه: أنه خلاف ظاهر الحديث، فإنه ظاهر في الانحصار إثباتاً ونفياً. وأوهن من ذلك دعوى أن كلمة "إنما" لم يثبت دلالتها على الحصر فإنه خلاف المتبادر والمنساق منها. الثاني: أن الحصر الوارد فيه إضافي بمعنى أنه(ص) يقضي بالبيّنات والأيمان في مقابل الواقع الذي قد يعلم به من طريق الغيب ووحي الله، فالحصر ناظر إلى نفي الحكم بهذا الطريق لا إلى الحكم بالحجج الأخرى بما فيها العلم، وبعبارة أخرى: أن النبي(ص) يريد القول: أني أحكم بالظاهر لا بالواقع ولذا عقّب بأن قضاءه لا يوجب تغيير الواقع بتحريم الحلال أو تحليل الحرام لأنه يستند في أحكامه إلى نفس ما يستند إلى غيره من القضاة. ويلاحظ عليه: أولاً: أنه خلاف الظاهر فإن مفاد الحصر نفي اعتماده على مطلق الحجج والوسائل الأخرى سواء كانت ظاهرية أو واقعية. وثانياً: لو كان المقصود بالحديث أني أقضي بالظاهر دون الواقع فلازمه عدم الحكم بالعلم لأن العلم عند صاحبه كاشف تام عن الواقع فتأمل. الثالث: أن الحصر الوارد في الرواية غير مراد جزماً، والوجه في ذلك أنه ثبت شرعاً أنّ للقاضي أنْ يحكم استناداً إلى الإقرار أو الشاهد واليمين مع أن ذلك لا يندرج تحت عنوان البيّنة. ويلاحظ عليه: أولاً: أن عنوان البينة لا يراد به خصوص شهادة العدلين، فإن هذا مصطلح فقهي متأخر ولا يمثّل حقيقة شرعية ليحمل ما ورد في النصوص عليها، وإنما المراد بالبينة مطلق الحجج الشرعية ومن الواضح أن الإقرار قد ثبتت حجيته شرعاً لما دل على أن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، بل قد ورد في بعض النصوص إطلاق كلمة الشهادة على الإقرار كما في رواية المدائني عن أبي عبد الله(ع): "لا أقبل شهادة إلاّ على نفسه"( )، والبينة هي الشهادة كما هو واضح، وأما الشاهد واليمين فهي أيضاً حجة شرعية لما ثبت في محله، وقد مرّ في الحديث عن أمير المؤمنين تأنيبه لشريح لعدم قضائه بالشاهد واليمين مع أن النبي قبل بالقضاء بهما، بل إن عنوان الشاهد واليمين يدخل تحت عنوان القضاء بالبيّنات والأيمان بشكل مباشر كما هو واضح. إن قلت: إن أريد بالبينات مطلق الحجج فلا بد أن يدخل العلم فيها لأنه الحجة الأساس. قلت: ظاهر الحديث أن المراد بالبينات هي الحجج التي يقدمها المتخاصمان أمام القاضي، لا ما تكون حجته منشؤها ومصدرها نفس القاضي، ويشهد لذلك قوله وبعضكم ألحق بحجته من بعض... إلخ. ثانياً: لو سلّمنا أن الإقرار أو الشاهد واليمين خارجان عن عنوان البينة، لكن حيث قام الدليل على حجيتهما فلا بد أن نرفع اليد عن ظهور الرواية بالحصر بمقدار ما دل الدليل عليه، وعلم القاضي لم يقم دليل على جواز الاستناد إليه فيبقى الحصر حجة في نفيه. الرابع: إن هذا الحديث معارض بما دلّ على نفوذ حكم القاضي بعلمه من الآيات أو الروايات المتقدمة. وفيه: أن الأدلة المذكورة ثبت عدم تماميتها وأنها ليست في مقام البيان من جهة بيان موازين القضاء، بل إنها بصدد بيان لزوم الحكم بشرع الله مقابل شرح الجاهلية أو إتباع الأهواء. وأضف إلى ذلك أنه لو سلمنا بدلالة تلك الآيات والروايات فإنها مطلقة وهذا الحديث أضيق دائرة منها فيتقدم عليها ويقيدها. الخامس: أشكل بعض المعاصرين( ) بأن الحديث لو دلّ على عدم نفوذ علم القاضي فإنما يدل على عدم نفوذه في القضاء المعتمد على الحدس لا الحس "وذلك وضوح أن البينة واليمين إنما ينفعان القاضي بواسطة علمه الحسي بهما ــ على أشد تقدير ــ لا يبقى للكلام ظهوراً في إلغاء العلم الحسي للقاضي، فإن كون علم رسول الله(ص) الحسي نافذاً عن تعلقه بالبينة واليمين وغير نافذ عند تعلقه بالواقع ــ بينما الثاني أقرب إلى الواقع الأول ــ مستبعد إلى حدٍ لا ينعقد للحديث ظهور في ذلك. ويرد عليه: أن ما ذكره خلاف الظاهر، فإن الرواية دلت على أن الوسيلة التي تدار بها العملية القضائية منحصرة بالبينة واليمين، وما سوى ذلك كالعلم فليس بحجة من دون فرق بين كونه علماً حسياً أو حدسياً، وكون القاضي يعتمد على الحس عندما يأخذ بالبينة واليمين لا يخدش من إطلاق الرواية في نفي الاعتماد على كل ما ليس بينة أو يميناً ولو كان حسياً. وبذلك يتضح أن صحيحة هشام تامة الدلالة على عدم نفوذ حكم القاضي بعلمه وهي متقدمة على إطلاقات الحكم بالقسط والعدل والحق بالتقييد لو سلمنا بدلالة تلك المطلقات. ونظير صحيحة هشام في الدلالة على الحصر ما رواه الكليني عن علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس عمّن رواه قال: "استخراج الحقوق بأربعة وجوه: شهادة رجلين عدلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، فإن لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدعي، فإن لم يكن شاهد فاليمين على المدعى عليه، فإن لم يحلف ردّ اليمين على المدعي فهو واجب عليه أن يحلف ويأخذ حقهـ فإن أبى أن يحلف فلا شيء له"( ). فإنها ظاهرة في حصر الوسائل التي تدار بها العملية القضائية وتثبت بها الحقوق بأربع: 1- شهادة رجلين عادلين، 2- شهادة رجل وامرأتين، 3- شاهد ويمين، 4- يمين المدعى عليه. وهي منسجمة في مضمونها مع كثير من الروايات التي تتحدث عن القضاء بهذه الوسائل وإن بعض تلك الروايات غير ظاهر في الحصر كما هو الحال في هذه الرواية والرواية السابقة لهشام وبعض الإشكالات التي أوردت على صحيحة هشام يمكن إيرادها على هذه الرواية، والجواب هو الجواب. إلا أن مشكلة هذه الرواية في سندها من جهتي الإضمار والإرسال، ولئن أمكن التغلب على مشكلة الإضمار باستبعاد أن يروي يونس وهو المعروف بجلالة قدره وولائه للأئمة(ع) وراية تشمل على حكم شرعي من غير طريق الأئمة(ع)، فإن مشكلة الإرسال يصعب التغلب عليها. ومن جملة الروايات الحاصرة رواية الحسين بن ضمرة عن أبيه عن جده قال: قال أمير المؤمنين(ع): "أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة أو يمين قاطعة، أو سنة ماضية من أئمة الهدى"( ). فهي ظاهرة في انحصار مستند الأحكام في هذه الثلاثة، وليس العلم الشخصي واحداً منها، وعليه فلا يصح الاعتماد عليه والركون إليه. ولكن يمكن أن يورد عليها مضافاً إلى ضعف السند، بـأن إفادتها للانحصار لا تدل على عدم حجية العلم إذ يمكن أن يقال بأن استناد القاضي إلى علمه مصداق للسنة الماضية من أئمة الهدى الذين هم أمناء الله على خلقه. الوجه الثاني: معتبرة داود بن فرقد قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: إن أصحاب رسول الله(ص) قالوا لسعد بن عبادة: "أرأيت لو وجدت على بطن امرأتك رجلاً ما كنت صانعاً به؟ قال: كنت أضربه بالسيف، قال: فخرج رسول(ص) فقال: ماذا يا سعد؟ فقال سعد: قالوا: لو وجدت على بطن امرأتك رجلاً ما كنت صانعاً به؟ فقلت: أضربه بالسيف، فقال(ص): يا سعد فكيف بالأربعة شهود؟ فقال: يا رسول الله بعد رأي عيني وعلم الله أنه قد فعل؟ قال(ص): إي والله بعد رأي عينك وعلم الله أنه (أنه) قد فعل، إنّ (لأنّ) الله تعالى قد جعل لكل شيء حدّاً وجعل لمن تعدّى ذلك الحدّ حدّاً"( ). وتقريب الاستدلال: أن الرواية دلت على أن إقامة حد الزنا لا يمكن الاعتماد فيه إلاّ على الشهود الأربعة ولا يكتفي بعلم الزوج ومعاينته ذلك. إن قلت: الرواية خارجة عن محل كلامنا لأن موردها علم الزوج وكلامنا في علم القاضي، ومن المحتمل أن لا يكتفي الشارع بمشاهدة الزوج ويكلفه بإحضار أربعة شهود وذلك سداً لباب التهمة، لكنه يكتفي بعلم القاضي لانتفاء التهمة بالنسبة إليه. قلت: لو أن الرواية اقتصرت على إنكار أن يتصرف الزوج بنفسه فيقتل الزاني اعتماداً على رأي عينه، لقبلنا احتمال اختصاصها بالزوج ولكنها لم تقتصر على ذلك، بل عللت عدم جواز تصرف الزوج استناداً إلى علمه بقاعدة عامة تشمل الزوج والقاضي على السواء، وهي قوله: "لأنّ الله تعالى قد جعل لكل شيء حدّاً وجعل لمن تعدّى ذلك الحدّ حدّاً". ومن الواضح أن حدود الله لا يجوز تجاوزها لأحد من الناس قاضياً كان أو غيره، وظاهر الحديث أن الحد الذي لا يسمح الله لأحد بتجاوزه هو الشهود الأربعة ولا يحتمل أن يكون علم القاضي أحد الحدود الإلهية. هذه والروايات الواردة في باب الحدود والدالة على أن الحد لا يقام إلاّ بالبينة كثيرة، تعضد معتبرة ابن فرقد المتقدمة إلا أنها كمعتبرة ابن فرقد واردة في حقوق الله سبحانه ويصعب التعدي عنها إلى حقوق الناس. الوجه الثالث: ما ورد من طرق أهل السنة عن ابن عباس قال: إن رسول الله(ص) لاعن بين العجلاني وامرأته، قال: وكانت حبلى، فقال زوجها: والله ما قربتها منذ عفرنا، قال: وكان زوجها خمش الساقين والذراعين، أصهب الشهر، وكان الذي رميت به ابن السمحاء، قال: فولدت غلاماً أسود أكحل جعداً أعبل الذراعين، قال: فقال ابن شداد بن الهاد لابن عباس: أهي المرأة التي قال النبي(ص) لو كنت راجماً بغير بينة لرجمها؟ قال: لا تلك امرأة قد أعلنت الإسلام" أو "كانت تظهر السوء في الإسلام"( ). فإن ظاهر قوله(ص): "لو كنت راجماً بغير بينة لرجمتها" أنه(ص) كان عالماً بارتكابها الزنا لكنه لا يريد رجمها لعدم توفر البينة على بغيها، ويعزز ما قلناه من علمه ببغيها ما ورد في بعض المصادر من أنها كانت تظهر السوء أو الشر في الإسلام بمعنى أنها كانت معلنة ذلك وهو مما حصل منه العلم عادة بالزنا. وهذا الحديث مع الغض عن سنده فإنه مختص بحقوق الله وقد عرفت صعوبة التعدي عنها إلى حقوق الناس. وأمّا المناقشة في دلالته بأن أعمال تلك المرأة لم تكن موجبة للعلم بفجورها بل غاية ما تفيده الظن قوياً وهو لا يعتد به في غير القضاء فكيف يعتد به في القضاء فيردها: بأن الظاهر من "لو" الامتناعية وكون المرأة معروفة بالمنكر أنه لم يكن توقفه(ص) عن رجمها بسبب عدم توفر العلم بفجورها وإلاّ لبرّر عدم الرجم بذلك، بل كان توقفه لعدم توفر البينة التي هي الأساس في القضاء. نعم يمكن أن تذكر مناقشة أخرى في هذا الحديث وهي أن عدم رجمه(ص) لتلك المرأة ليس لعدم حجية علم القاضي، بل لخصوصية في باب الاتهام بالفاحشة وهي أن هناك قاعدة إسلامية تقول: أنه لا بدّ من توفر أربعة شهود لإقامة حد الزنا ولا يكتفي بالثلاثة ــ فضلاً عن الاثنان والواحد ــ حتى لو أفاد قولهم العلم، بل لو ادعى أقل من أربعة أشخاص الزنا على آخر فيحدوا جميعاً حد القذف، ومن الواضح أن القاضي يعتبر شاهداً واحد ولذا لا يسمع قوله. الوجه الرابع: إن اعتماد القاضي على الأيمان والبينات وغير ذلك مما ثبت حجيته شرعاً في إدارة العملية القضائية إن ذلك سيكفل أن يكون حيادياً تجاه الواقعة التي ينظر فيها وتجاه المتخاصمين فينأى بحكمه عن أن يتأثر سلباً بميوله الشخصية وبعاداته ومزاجه وعواطفه الخاصة وهذا ما يضمن للحكم نزاهته واستقامته، بينما لو أفسح الشرع للقاضي أن يعتمد على علمه الشخصي فإن ذلك سيؤدي في الأعم الأغلب إلى فساد نظام القضاء وسقوط القضاة في مهاوي الانحراف وسوف ينجر ذلك إلى ضياع الحقوق، ويتحوّل القاضي إلى طرف يتخذ صفة الخصم في الدعاوى، والخطورة في ذلك أن المدعى عليه لا يتمكن من مناقشة القاضي والاعتراض عليه، ولا يظهر له وجه صحة حكمه أو فساده لأن منشأه حسب الفرض ليس بينة ولا يميناً ولا إقراراً بل ربما كان انطباعاً شخصياً وحالة وجدانية لدى القاضي يصعب التحقق من قيمتها لعدم وضوح أسبابها في أحيان كثيرة، وهذا بخلاف البينة أو اليمين وغيرها من الوسائل العقلائية فإنه يمكن الاعتراض عليها وبيان وجه الوهن فيها والتحقق من صدقيتها وموضوعيتها لأنها محددة ومشخصة لدى جميع الأطراف. وإن الحياة العقلائية والمحاكم الوضعية جارية على إبعاد القاضي عن أن يكون شاهداً أو خصماً أو الاعتماد عليه، حرصاً على نزاهة العملية القضائية. ونوقش ذلك: بأن تشريع الاعتماد على البينة واليمين والإقرار ليس إلا من جهة كونها طرقاً كاشفة عن الواقع، فالملحوظ فيها إذن جهة طريقيتها وكاشفيتها ولا إشكال أن علم القاضي من أي طريق حصل أقوى في كاشفيته من تلك الطرق، فلو جاز الاعتماد على البيّنة والحكم استناداً إليها جاز بناء الحكم على العلم بطريق أولى وهو ما أشار له صاحب الجواهر( ) في عبارته المتقدمة من أن العلم أقوى من البينة. ولكن قد ذكرنا فيما سبق أن ثمة خلطاً في هذا الكلام ينشأ من عدم ملاحظة الفرق بين حكم هذا العلم بالنسبة لمن قام عنده وهو القاضي وبين حكمه بالنسبة لمن يراد لهم الالتزام به هم المتخاصمان، فمثل هذا العلم حجة على من قام عنده لأنه بقيامه ينفي احتمال الخلاف لكن لا يحرز كونه حجة في حق الغير، وليس ثمة ما يدل على وجوب الالتزام بمقتضاه وترتيب الآثار عليه. ولقد فطن بعض العلماء المعاصرين إلى هذا الخلط وأشار لذلك بقوله: "وألاحظ أن في هذا الدليل ضعفاً مادياً لأن المقارنة لم تقم فيه بين البيّنة وعلم الحاكم، بالإضافة إلى صلب الواقع، وإنما لوحظ مدى تأثير كل منهما في نفس الحاكم، وكانت النتيجة حينئذٍ أن العلم أقوى من البينة، لأن اليقين أشد من الظن. وكان من حق المقارنة أن يلاحظ الأقرب منهما إلى الحقيقة المطلوب مبدئيا الأخذ بها في كل مخاصمة، ولا يفضل علم الحاكم في هذا الطور من المقايسة على البينة، لأن الحاكم قد يخطأ كما أن البينة قد تخطأ، فهما في شرع الواقع سواء كلاهما مظنة للزلل والاشتباه"( ). الوجه الخامس: إن القاضي موضع تهمة وشك، فلا بدّ أن يقدِّم أمام حكمه ما يكون كافياً لتبريره ودفع التهمة عنه ولا يتحقق ذلك إلا باعتماده على البينات والأيمان ونحوها من الأدلة مما ثبت شرعاً صحة الاعتماد عليه. وردّ: بأن التهمة كما يمكن أن تحقق في مثل العلم الشخصي للقاضي فكذلك في البينة أو اليمين، على أن مجرد كون القاضي موضع تهمة لا يكفي لعدم نفوذ حكمه بعلمه ما دام مستجمعاً لمواصفات ولشرائط القضاء. وقد يشكل ذلك بأن النقض بالبينة واليمين لا يصح، للفرق بينهما وبين العلم، فالعلم يمثل حالة شخصية لدى القاضي فلا مجال للناس من الاطلاع على سببه أو مناقشته، بينما البينة صادرة من الشاهدين أمام القاضي والطرف الآخر مما يمكن مناقشتها أو الاطلاع على مرجعيتها فلا تبقى مجالاً للتهمة في الحكم المرتكز عليها، كما أن كون التهمة لا تضر في نفوذ حكمه غير تام على إطلاقه كما تقدم في البحوث السابقة. حجية العلم المستمد من المعطيات القضائية: وهكذا تبيّن أن الأقرب ــ بنظرنا ــ أن القاضي لا يجوز له الحكم بعلمه الشخصي، لعدم الدليل على ذلك بل الدليل على الخلاف، خلافاً للمشهور من فقائنا الذين أفتوا بالجواز نعم خالف في ذلك ابن الجنيد وبعض المعاصرين( )، وعليه فيكون المنهج الذي يلزم القاضي باتباعه والسير عليه في إدارة العملية القضائية هو الاعتماد على الحجج والبيّنات مما ثبت إمضاء الشارع له من خلال السنّة القولية والعملية، وقد ذكرنا أن المراد بالبيانات مطلق الحجج والإمارات العقلائية وليس خصوص شهادة العدلين، وعلى هذا الأساس فيمكن أن نفرّق بين العلم الشخصي المستند على آراء القاضي وانطباعاته الشخصية أو مشاهداته الخاصة وبين العلم المستمد من حركة العملية القضائية وأجواء التحقيق مع المدعي والمدعى عليه والشهود وما يكتنف الواقعة المتنازع فيها من قرائن موضوعية وشواهد عقلائية لا تنطلق من ذات القاضي ومشاهداته وانطباعاته الخاصة، بل تنطلق من خارج ذلك وتساعد على حصول اليقين أو الاطمئنان والاقتناع لدى القاضي ولدى كل إنسان سوي تعرض عليه هذه الشواهد وتكون مما يمكن تبريره من قبل القاضي وتبعده عن التهمة تحافظ على حياديته وتسمح للمتخاصمين بمناقشتها، فإن الأول ليس حجة لما ذكرناه وأما الثاني فهو حجة لأنه من جملة الحجج والبينات العقلائية وهذا ما يمكن أن يستفاد من أقضية أمير المؤمنين(ع) المتعددة حيث كان يمارس القضاء بطريقة مختلفة عن الطريقة الرسمية المألوفة وذلك باعتماد ما يحصِّل له العلم والاطمئنان من وسائل كتفرقة الشهود مقدمة لسحب الاعتراف منهم، أو الاعتماد على بعض القرائن والمعطيات العلمية الثابتة في علوم أخرى، وقد تقدمت الإشارة إلى بعض هذه الأقضية وإن كانت لم تتم سنداً كلاً أو جلاً( ). الحل المناسب: وإذا كان القاضي ممنوع من القضاء بمقتضى علمه الشخصي وانطباعاته الخاصة فهل يجوز له أن يقضي بما يخالف علمه لو توفرت له المعطيات على ذلك؟ وبعبارة أوضح: لو أن البيّنة شهدت بإدانة زيد أو تجريمه مثلاً، لكن القاضي مقتنع ببراءته بمقتضى علمه الشخصي، فحيث أن علمه ليس حجة شرعاً فلا يجوز له أن يحكم ببراءته، ولكن هل يجوز له أن يقضي بخلاف علمه ويدينه استناداً إلى البيّنة؟ ذكرنا فيما سبق أن الحكم بخلاف علمه مشكل لأن البينة أو اليمين وكذا الإقرار حجج وإمارات ظاهرة وحجية الإمارة هي في ظرف احتمال صدقها، وأما لو علم بكذبها فلا وجه لحجيتها. وعليه فربما يكون الحل المتعين للمشكلة أن يبتعد القاضي عن الحكم في المسألة لحاكم آخر ويتحول إلى شاهد على الدعوى بلحاظ علمه لا سيما إذا كان مستنداً إلى الحس، لأن حكمه على خلاف علمه غير جائز لما عرفت من عدم الدليل عليه فيكون حكماً بالباطل، أمّا حكمه بعلمه فهو غير جائز أيضاً لعدم انسجامه مع طبيعة البرنامج المجعول للقضاء، فإن المستفاد من الأدلة المتقدمة أن على القاضي أن يستند في حكمه إلى وسائل الإثبات الصادرة من الآخرين لا من ذاتياته فلا يجلس للقضاء فيما يملك علمه ذاتياً بل لا بد أن يفسح المجال لغيره من القضاة ليكون دوره دور الشاهد، تماماً كما لو كان هو صاحب الدعوى فإنه يُلزم برفع الدعوى إلى غيره من القضاة ويتحاكم عنده ولا يجوز له بإجماع الفقهاء أن ينظر فيها ويحكم بعلمه ولو كان مطلعاً على كل تفاصيل المسألة وعالماً بوجه الحق فيها أكثر مما يعرفه الآخرون، وقد مرّ معنا استشكال الفقهاء في نظر القاضي في الدعوى التي يكون أحد المتخاصمين فيها شريكاً له، وإنما ترفع القضية إلى قاضٍ آخر، وعليه فليكن ما نحن فيه من هذا القليل. ومنع القاضي من الحكم في مثل هذه الموارد ومنها ما نحن فيه وجيه جداً، فهو يمثِّل احتياطاً للعدالة لأن القاضي مهما كان مستقيماً لكنه ليس معصوماً فهو قد يسقط تحت تأثير مصالحه الخاصة أو أهوائه وانطباعاته الشخصية فيكون من المنطقي جداً وضع برنامج واضح يلزم القضاة بالتقيد به ويمنعون من تجاوزه ولذا وجدنا أن الشارع احتياطاً للعدالة لم يكتف بشاهد عدل واحد فيكون علم القاضي بمثابة الشاهد الواحد لدى الشارع. * * * شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط