مُصلحون ومجدّدون محنة الشهيد السيد محمد باقر الصدر ۱٦ سبتمبر ۲۰۱۳ ۱۱۰۷۹ مشاهدة من كتاب الشهيد الصدر: سنوات المحنة وأيام الحصار للشيخ محمد رضا نعماني، ط2، 1997م. - بلغه أنّ أحد أبناء المراجع قال لمدير أمن النجف: "ماذا تنتظرون من الصَّدر، هل تريدونه خمينيّاً ثانياً في العراق، لماذا لا تعدمونه .. " فقال رضوان الله عليه لمّا بلغه ذلك: "غفر الله لك يا فلان، إن قتلوني اليوم، قتلوكم غداً..." (ص127). بعد اغتيال الشهيد المطهّري على أيدي القوى المضادّة للثورة الإسلامية في إيران، قرّر السيد الشهيد إقامة مجلس الفاتحة عليه للاعتبارات التالية: يقول الشيخ النعماني: أولاً: لأنّ الشيخ الشهيد المطهّري يعتبر من رجالات الثورة الإسلامية، وأحد منظّري إيران الفكريين، لذا كان الواجب تكريم هذه الشخصية الكبيرة. وثانياً: كان موقف بعض المرجعيّات (الدينية) في العراق، من انتصار الثورة الإسلامية وإقامة حكومة إسلامية في إيران، موقفاً يتّسم بالضعف والخوف، فقد أحجم الجميع عن القيام بأيّ عمل تكريمي لهذه الشخصية الكبيرة، وكان مجلس الفاتحة اليتيم هو المجلس الذي أقامه الشهيد الصدر، بينما كانت بعض المرجعيّات في تلك الفترة تقيم مجالس الفاتحة والعزاء لمن كان يعتبر في مستواه العلمي والاجتماعي بمنزلة تلميذ من تلاميذ الشيخ المطهري، بل كانت- بعض الجهات- تتسابق لإقامة مثل هذه الأعمال الاجتماعيّة، وكان يُعتبر ذلك نوعاً من فرض الوجود العلمي على الميدان، والساحة الاجتماعية لهذه المرجعيّة أو تلك، بينما كان السيد الشهيد قد نأى بنفسه عن تلك المظاهر والأعراف. أحجم الجميع عن إقامة مجلس الفاتحة على روح الشهيد المطهري، وهذه حقيقة يعرفها الجميع، ومن المؤكّد لو أنّ المطهّري كان قد تُوفي في زمن الشاه المقبور لأُقيم له أكثر من مجلس، أمّا في زمن الإمام الخميني وفي ظلّ الثورة الإسلاميّة في إيران فلا يجرؤ على ذلك إلا الشهيد الصدر، لأنّ هذا المجلس لا يحقّق هدفاً اجتماعياً أو مصلحة ذاتيّة، كما هو الحال في الظروف الطبيعيّة، بل قد يسبّب مشاكل لا حدّ لها مع السلطة. (ص137). مجلة الأضواء وقد وجد علماء النجف الأشرف أنّ من الضروري أن يُطرح الإسلام كقوة فكريّة وسياسيّة أصيلة تنتمي إلى السماء وتمتدّ جذورها في الشعب المسلم. وَوُلدت من أجل ذلك أطروحة (جماعة العلماء) التي يمكن أن نقول بحقّ إنّ وجودها يرتبط بشكلٍ رئيسيّ بعقليّة السيّد الشهيد الصدر واهتمامات المرجعيّة الدينية وطموحاتها الكبيرة التي كانت تتمثّل بالمرحوم الإمام السيد محسن الحكيم. وقد باشرت جماعة العلماء- بالرغم من قوّة الأحداث وعدم توفّر الخبرة السياسية الكافية وتخلّف الوعي الإسلامي السياسي في الأمّة- عملها من أجل إرساء قواعد هذا الخطّ الأصيل، وذلك من خلال بعض المنشورات والاحتفالات الجماهيرية والاتصالات ببعض قطاعات الشباب وإصدارها لمجلّة الأضواء الإسلامية التي كانت تُشرف عليها لجنة توجيهية مكوّنة من شباب العلماء كان لها اتصال وثيق بالسيد الشهيد الصدر. بعد مضي أقلّ من عام تمكّنت جماعة العلماء من بناء قاعدة إسلامية شابة، ولذا قرّرت هذه الجماعة إصدار نشرة الأضواء الإسلامية كأداة للتعبير عن وجودها من ناحية، ولمواصلة السير في الطريق الذي رسمته من ناحية ثانية... وقد بعثت مجلّة "الأضواء" من خلال خطّها الفكريّ والسياسيّ ومن خلال ما رسمته من معالم الطريق الإسلامي وخطوطه العريضة وبالأخص الخطوط التي كانت ترسم ضمن موضوع (رسالتنا) الذي كان يكتبه السيد الشهيد الصدر باسم جماعة العلماء وبإذنها، طبعاً بعثت الروح الإسلامية في قطاعات واسعة من الجماهير... وسافرتُ إلى لبنان في سنة 1380 هـ حيث كانت طموحاتنا أن ننقل أفكارنا إلى ذلك البلد، وودّعت السيد الأستاذ الشهيد حيث كان في الكاظمية حينذاك بعد أن عشت معه أيّاماً، وكنت أراسله باستمرار في رسائل طويلة، وكان يجيبني بأخرى يتحدّث فيها عن عواطفه الفيّاضة وهمومه الإسلامية. وفي هذه الرسائل بدأ السيد الأستاذ الشهيد يحدّثني عن هجمة قاسية شرسة قام بها حزب البعث تستّرت ببعض أهل العلم (من المعمّمين)، فلقد كانت الواجهة في هذه الهجمة بعض مَنْ ينتسب إلى أهل العلم، ولكن كانت يد حزب البعث وراءها; إذ يطرح السيّد الأستاذ في بعض رسائله أنّ المحامي (حسين الصافي) الذي كان معمّماً من قبل، ومن عائلة علميّة، وله صلات شخصيّة وطيدة ببعض أهل العلم، ومسؤول حزب البعث العربي في النجف الأشرف كان وراء هذه الحملة، وتحدّث إلى بعض الأشخاص لإثارتهم.. (ص156). عقبات التصدّي للمرجعيّة أما المشاكل والعقبات التي واجهها السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه) بعد التصدّي (للمرجعية)، فلا تكاد تُحصى، لكثرتها وتنوّعها، وبعضها مصدره السلطة، والآخر مصدره المجتمع (النجف) الذي عاش فيه، وبعض الجهات في الحوزة. إن أهم معاناة كان يعيشها الشهيد الصدر (رحمه الله) هي عدم قدرة الحوزة على استيعابه، وفقدان الفهم الكافي له في مجتمعه. فكان يشعر بغربة قاتلة في ظلِّ تلك الأجواء التي جعلته بين الحين والآخر يتمنّى الموت. كان يقول حينما تتراكم عليه المشاكل الناشئة من هذا الوضع: "لقد بلغت من العمر ما بلغه أبي وأخي، فَلِمَ لا يعاجلني الموت ويريحني". وكان (رضوان الله عليه) صبوراً كتوماً، لا يشتكي، ولكن في بعض الأحيان كان الصبر يعيا أمام عِظَمِ المشاكل، فتصدر منه تلك الأنات واللوعات، والله يعلم إلى أيِّ مدى كان الهمُّ يتصاعد، فيضطر إلى الشكوى، بل أيُّ مشاكل كانت تلك التي لا يطيقها ذلك القلب الكبير. كان الشهيد الصدر (رضوان الله عليه) يسعى لإحداث تغيير في كيان الحوزة والمرجعية من الأساس، بما يلبّي الحاجات الحاضرة والمستقبلية، وبما ينسجم مع متطلّبات العصر والحياة، ويحقّق للمرجعيّة والحوزة الحماية الكاملة، والاستقرار الثابت (ص157). بعض المعمّمين والبعثيّين جبهة متراصّة ضدّ السيد الشهيد الصدر وكان (رحمه الله) حينما تبلغه الاتهامات والافتراءات التي تُوجّه إليه من قبل بعض الأطراف في الحوزة يقول: "إنّ السلطة ما استهدفتني من بين المراجع الآخرين إلا بسبب ظروفي وأوضاعي الخاصة، وإلا فإنّ هدفها أكبر وأشمل، إنّها استهدفت الوجود العام كلّه، المرجعيات كلّها، والحوزات كلّها بغض النظر عن فكرة الاتهامات الحزبية وما ذريعة الحزب إلا أداة لتضليل الناس". والغريب أنّ هؤلاء الذين كانوا يشكّلون جبهة متراصّة لحرب السيد الشهيد والقضاء عليه، والذين يعتبرون أنفسهم في طليعة المؤمنين الموالين لأهل البيت لم يرتدعوا حتّى بعد أن امتدّت يد العفالقة إلى شعائر الإمام الحسين عليه السلام، وقتل زوّاره وإبادتهم في كربلاء وفي الطريق إليها في انتفاضة صفر البطوليّة، لقد سكتوا جميعاً ولم يتّخذوا إلا موقف المتفرّج والدماء تُسفك والأشلاء تُطحن في أقبية مديريات الأمن حقداً وانتقاماً على أهل البيت وأنصارهم، وهم في كلِّ صباح ومساء يلعنون قتلة الحسين عليه السلام ومَن شايعهم إلى قيام يوم الدين، فما أغرب هذه المفارقة وما أبشعها. وأتذكّر أنّ أحد العلماء جاء إلى بيت السيد الشهيد، وكان يتكلّم بانفعال وعصبيّة ويحاسب السيد الشهيد على تصدّيه للمرجعيّة وطبعه للفتاوى الواضحة، وقد سجّل (رحمه الله) نتائج تلك المحادثات من خلال رسالة بعثها إلى أحد تلامذته. وأتذكّر أنّ رجلاً من المناطق الجنوبية في العراق جاء إلى النجف لزيارة أمير المؤمنين(ع)، فحدّث السيد الشهيد بما جرى له، فقال: كنت لا أعرف أين يقع منزلكم، وكانت رغبتي شديدة أن أزوركم وألتقي بكم، فوقفت في الصحن الشريف أنتظر مَن يدلّني، فمرّ بقربي أحد (المعمّمين)، فسألته عن منزلكم فقال لي: إن منزل السيد الصدر مطوّق من قبل سلطات الأمن، وسوف تُعتقل حال وصولك. ثم سأل آخر وآخر فكان الجواب واحداً، إلا أنّ أحد الطلبة الشباب دلّني على منزلكم، وأخبرني بأنّ الأمور طبيعية، وقال لي: لا تخف، وأتى بي إلى هنا، وأنا الآن أرى الأمور طبيعيّة، فلماذا يفعل هؤلاء هكذا. وكان في حيرة شديدة لا يعرف كيف يفسّر تلك الظاهرة! واعتمدت السلطة في حربها النفسيّة على أمرين: الأول: الاعتقالات التي تعرّض لها السيد، وكذلك أنصاره وأعوانه من بين المراجع والمرجعيّات التي كانت قائمة آنذاك في النجف الأشرف، فكان يُشاع بين الناس أنّ السلطة لم تكن لتعتقل الصدر لولا تورّطه بأمور خطيرة، وإلا فلماذا لا تعتقل المراجع الآخرين؟ الثاني: مقاطعتها (المرجعيّات) السيد الشهيد وهو أمر في غاية الأهمية، فكان يقال: إنّ السلطة لا تعترف بمرجعيّة الشهيد الصدر، وتعتبره عدوّها، بدليل أنّ فلان عضو مجلس قيادة الثورة مثلاً زار المرجع الفلاني، ولم يزر السيد الصدر، وهكذا.. (ص176-179). تقارير حوزوية للأمن البعثي ضدّ الشهيد الصدر يقول الشيخ النعماني: أخبرني السيد الشهيد ما يلي: "إنّ البرّاك أعطى للبكر انطباعاً حسناً عن السيد الشهيد، وإنّ البكر يَكُنُّ بالغ الاحترام للسيد الصدر، وأمثال هذه العبائر... ثم قال: أرى من صالحنا جميعاً أن نتّفق على أن لا نتدخّل في شؤونكم وأن لا تتدخّلوا في شؤوننا، ثمّ قال إنّني أستطيع أن أهمل جميع التقارير التي تُكتبُ عنكم وتُرفع إلينا من قبل مديرية أمن النجف وغيرها، ألا إنّني لا أستطيع أن أفعل شيئاً للتقارير التي تُرفع للقيادة مباشرة من قبل أشخاص في الحوزة نفسها، فأرجو أن لا يصدر منكم شيء يسبّب لي إحراجاً أمام القيادة"، وذكر للسيد الشهيد أسماء بعضهم، ونموذجاً من تقاريرهم (ص182). تأييد الثورة الإسلامية أمّا السيد الشهيد (رحمه الله) فقد كان يعتقد أنّ تأييد الثورة الإسلامية تكليف شرعي عينيٌّ، وهو جهاد، والجهاد يقتضي ويستلزم التضحية والفداء في معظم الأحيان، وكان يقول: "إنّ هؤلاء (المعمّمين) الذين يطلبون منّي أن أتريّث، وأن أتّخذ موقفاً من الثورة الإسلامية لا يثير السلطة الحاكمة في العراق حفاظاً على حياتي ومرجعيّتي لا يعرفون من الأمور إلا ظواهرها، إنّ الواجب على هذه المرجعيّة، وعلى النجف كلّها أن تتّخذ الموقف المناسب والمطلوب تجاه الثورة الإسلاميّة في إيران... ما هو هدف المرجعيّات على طول التاريخ؟ أليس هو إقامة حكم الله عزّ وجلّ على الأرض؟ وها هي مرجعيّة الإمام الخميني قد حقّقت ذلك، فهل من المنطقي أن أقف موقف المتفرّج، ولا أتّخذ الموقف الصحيح والمناسب حتّى لو كلّفني ذلك حياتي وكلّ ما أملك!؟" (ص248). تُهمٌ حوزوية ضدّ الإمام الخميني وقد نلحظ ذلك الاهتمام من خلال هذا المقطع من رسالة للسيد الشهيد، والتي ذكر فيها السيد الإمام الخميني، وصراعه المرير مع الشاه المقبور، ولأجل أن نعرف أهميّة ما كتبه يجب أن نشير إلى أجواء تلك الفترة وما عانى فيها الإمام الراحل من جفاء من قبل بعض المرجعيّات وأطراف كثيرة في الحوزة، فقد كان البعض يوجّه إليه ألواناً من التّهم والافتراءات الباطلة، وكانت أيضاً قوات الشاه المتستّرة تسند تلك الحملات الظالمة بكلّ ما تملك من طاقات وإمكانات، فكانت تبدو مرجعيّة السيد الإمام- وهي في النجف- غريبة ومعزولة عن الأمة. وأتذكّر أنّ أحدهم قال لي في تلك الفترة: لا يجوز لك أن تستلم مرتّبك الشهري من الإمام لأنّه شيوعي!! وهذا القائل يمثّل- بلا شكّ- نموذجاً من التيّار المعادي للسيّد الإمام. في مثل هذه الأجواء القاتمة كانت رؤية السيد الشهيد للإمام الراحل تختلف عن الآخرين، فهو يراه القائد الذي قطع لسان الشاه العميل لأميركا، وأنّ الإمام كما هو عدوّ للشرق الشيوعي، كذلك هو عدو للغرب الرأسمالي (ص255). عدم استثمار الحوزة دمه الزكيّ لم تكن الخيارات المتاحة له (رضوان الله عليه) كثيرة؛ وذلك لأنّ التجربة المرّة أثبتت أنّ الساحة تفتقر إلى القيادة الرشيدة التي ستستثمر دمه، وتواصل المسيرة بحكمة وشجاعة، وخاصّة ساحة المرجعيّة والحوزة التي لم تكن مهتمّة إلا بحياتها الروتينية وأعرافها وأوضاعها الخاصّة، وما تجربة الحجز إلا شاهد حيّ على صحّة تلك الرؤية، إذ لم يتحرّك أحد ممّن كان يُفترض أنّه سيتحرّك، وهكذا فليس متوقّعاً أن تستثمر المرجعيّة أو الحوزة دمه الزكي في حال استشهاده، فكان لا بدّ من عمل ما يكبّل (قيادة الثورة) من ناحية، والاستفادة من دم السيد الشهيد رحمه الله إلى أقصى حدّ في خدمة القضيّة الإسلاميّة من ناحية أخرى (ص308). شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط