مقالات جريئة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء ورفضه لكسر ضلع السيدة الزهراء عليها السلام ۲٦ أكتوبر ۲۰۱۳ ٤۳۳۰ مشاهدة من كتاب (جنّة المأوى) للإمام الأكبر الشيخ محمّد الحسين آل كاشف الغطاء، دار الأضواء- بيروت، 1988م، ص133، وما يليها.. اقتطعنا أخي القارئ هذا النص: "طفحت واستفاضت كتب الشيعة من صدر الإسلام القرن الأول: مثل كتاب سُليم بن قيس، ومن بعده إلى القرن الحادي عشر وما بعده، بل وإلى يومنا كلُّ كتب الشيعة التي عنيت بأحوال الأئمّة، وأبيهم الآية الكبرى، وأمّهم الصدّيقة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين، وكلّ من ترجم لهم، وألّف كتاباً فيهم، أطبقت كلمتهم تقريباً أو تحقيقاً في ذِكر مصائب تلك البضعة الطاهرة: إنّها بعد رحلة أبيها المصطفى ضرب الظالمون وجهها، ولطموا خدَّها، حتّى احمرّت عينها، وتناثر قِرْطُها، وعُصرت بالباب حتّى كُسِرَ ضلعها، وأسقطت جنينها، وماتت وفي عضدها كالدملج. ثمّ أخذ شعراء أهل البيت سلام الله عليهم هذه القضايا والرزايا، ونظّموها في أشعارهم ومراثيهم، وأرسلوها إرسال المسلّمات: من الكميت، والسيّد الحِمْيَري، ودِعْبل الخزاعي، والنميري، والسلامي، وديك الجنّ، ومن بعدهم، ومن قبلهم إلى هذا العصر. وتوسّع أعاظم شعراء الشيعة في القرن الثالث عشر والرابع عشر الذي نحن فيه، كالخطيّ، والكعبيّ، والكوّازين، وآل السيّد مهدي الحليّين، وغيرهم ممن يعسر تعدادهم، ويفوت الحصر جمع آحادهم. وكلّ تلك الفجائع والفظائع، وإن كانت في غاية الفظاعة والشناعة، ومن موجبات الوحشة والدهشة، ولكن يمكن للعقل أن يجوزها وللأذهان والوجدان أن يستسيغها، وللأفكار أن تقبلها وتهضمها، ولاسيّما وأنَّ القوم قد اقترفوا في قضيّة الخلافة، وغصب المنصب الإلهي من أهله، ما يُعدّ أعظم وأفظع. ولكن قضية ضرب الزّهراء ولطم خدّها ممّا لا يكاد يقبله وجداني ويتقبّله عقلي، ويقتنع به مشاعري، لا لأنّ القوم يتحرّجون ويتورّعون من هذه الجرأة العظيمة، بل لأنَّ السجايا العربية والتقاليد الجاهليّة التي ركّزتها الشريعة الإسلامية، وزادتها تأييداً وتأكيداً تمنع بشدّة أن تُضرب المرأة، أو تُمدّ إليها يدُ سوء، حتّى أنّ في بعض كلمات أمير المؤمنين عليه السلام ما معناه أنَّ الرجل كان في الجاهلية إذا ضرب المرأة يبقى ذلك عاراً في أعقابه ونسله. ويدلّك على تركّز هذه الركيزة، بل الغريزة في المسلمين، وأنّها لم تفلت من أيديهم، وإن فلت منهم الإسلام: أنّ ابن زياد وهو من تعرف في الجرأة على الله وانتهاك حرماته، لمّا فضحته الحوراء زينب عليها السلام، وأفلجته وصيّرته أحقر من نملة، وأقذر من قملة، وقالت له: "ثكلتك أمّك يا ابنَ مرجانه" فاستشاط غَضَباً من ذكر أمّه التي يُعرف أنّها من ذوات الأعلام، وهَمَّ أن يضربها، فقال له عمرو بن حريث وهو من رؤوس الخوارج وضروسه، إنّها امرأة، والمرأة لا تُؤخذ بشيء من منطقها، فإذا كان ابن مرجانه امتنع من ضرب العقيلة خوف العار والشنار، وكلّه عارٌ وشنارٌ وبؤرة عهَّار مع بُعْدِ العهد من النبيّ محمد، فكيف لا يمتنع أصحاب النبي مع قُرب العهد به من ضرب عزيزته، وكيف يقتحمون هذه العقبة الكؤود، ولو كانوا أعتى وأعدى من عاد وثمود، ولو فعلوا أو همّوا أن يفعلوا، ما كان في المهاجرين والأنصار مثل عمرو بن حريث فيمنعهم من مدِّ اليد الأثيمة، وارتكاب تلك الجريمة، ولا يُقاس هذا بما ارتكبوه واقترفوه في حقّ بعلها سلام الله عليه من العظائم، حتّى قادوه كالفحل المخشوش، فإنّ الرجال قد تنال من الرجال ما لا تناله من النساء. كيف والزهراء سلام الله عليها شابة بنت ثماني عشرة سنة، لم تبلغ مبالغ النساء، وإذا كان في ضرب المرأة عار وشناعة، فضرب الفتاة أشنع وأفظع. ويزيدك يقيناً بما أقول، إنّها ولها المجد والشرف، ما ذكَرَتْ ولا أشارَتْ إلى ذلك في شيءٍ من خطبها ومقالاتها المتضمّنة لتظلّمها من القوم وسوء صنيعهم معها، مثل خطبتها الطويلة الباهرة التي ألقتها في المسجد على المهاجرين والأنصار، وكلماتها مع أمير المؤمنين ألقتها بعد رجوعها من المسجد، وكانت ثائرة متأثّرة أشدّ التأثر حتّى خرجت عن حدود الآداب التي لم تخرج من حظيرتها مدّة عمرها فقالت له: يا بن أبي طالب افترست الذئاب، وافترشت التراب، إلى أن قالت: هذا ابن أبي فلانة يبتزّني نِحْلةَ أبي، وبُلغة ابني، لقد أجهد في كلامي وألفيته الألدّ في خصامي.. ولم تقل إنّه أو صاحبه، ضربني أو مُدّت يدُه إليّ، وكذلك في كلماتها مع نساء المهاجرين والأنصار بعد سؤالهن كيف أصبحت يا بنت رسول الله؟ فقالت: "أصبحت والله عائفة لدنياكن، قالية لرجالكن.." ولا إشارة فيها إلى شيء من ضربة أو لطمة، وإنما تشكو أعظم صدمة، وهي غَصْبُ فدك، وأعظم منها الخلافة، وتقديم من أخّر الله وتأخير من قدّم الله، وكلّ شكواها كانت تنحصر في هذين الأمرين، وكذلك كلام أمير المؤمنين بعد دفنها وتهيّج أشجانه وبلابل صدره لفراقها، ذلك الفراق المؤلم حيث توجّه إلى قبر النبي قائلاً: "السلام عليك يا رسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك.." إلى آخر كلماته التي ينصدع لها الصخر الأصمّ لو وعاها، وليس فيه إشارة إلى الضرب واللطم، ولكنّه الظلم الفظيع والامتهان الذريع، ولو كان شيء من ذلك لأشار إليه سلام الله عليه، لأنّ الأمر يقتضي ذكره، ولا يُقْبَل سترُه، ودعوى أنّها أخفته عنه ساقطة لأنّ ضربة الوجه ولطمة العين لا يمكن إخفاؤها. وأمَّا قضيّة قنفذ، وأنَّ الرجل لم يصادر أمواله، كما صنع مع سائر ولاته وأمرائه وقول الإمام (عليه السلام) إنّه شكر له ضربته فلا أمنع من أنّه ضربها بسوطه من وراء الرداء، وإنّما الذي استبعده أو أمنعه هو لطمة الوجه، وقنفذ ليس ممّن يخشى العار لو ضربها من وراء الثياب أو على عضدها، وبالجملة فإنّ وجه فاطمة الزهراء هو وجه الله المصون الذي لا يُهان ولا يهون، ويغشى نورُه العيون، فسلام الله عليك يا أمَّ الأئمّة الأطهار ما أظلمَ الليلُ وأضاءَ النهار، وجعلنا الله من شيعتك الأبرار، وحشرنا معك ومع أبيك وبنيك في دار القرار. شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط