الكلام السيد الكلام السيد 4 ۳۱ أغسطس ۲۰۱٥ ۲۱٥۳ مشاهدة الكلام السيد4 المهمّة الرساليّة إنّ من أولى مهمّاتنا الرساليّة العادية أن نحافظ على استمرار الوجود الإسلامي في الحياة، أو إبقائه كقوة فاعلة حيّة قويّة في التاريخ الحضاريّ للإنسان، ورسالة إلهيّة تشير إلى القيم الروحيّة في أعالي القمم، من أجل أن يبلغها الإنسان. صرف الوقت في الجدل العقيم إنّ علينا أن لا ننتظر لنصرف الوقت في الجدل العقيم الذي لا يُجدي ولا يعطي شيئاً، لأنّ الترف الفكري الذي يبحث عن الإطار المشرق للفكرة، والثوب المزخرف البرّاق للكلمة، قد لا يكون له محل في مرحلتنا الحاضرة التي جعلت وجودنا في قمة الصراع وفي قلب التحدّي؛ ولذا فلا بدّ لنا من أن نقرّر العمل-كمبدأ- ثم ندخل في بحث التفاصيل، لأنّ الوقت لم يعد يحتمل التريّث والانتظار، فكلّ دقيقة تمضي وكلّ لحظة تمرّ، تزيد في حساب الخسائر وتؤخّر قضية الربح في المستقبل. لسنا من رواد السرعة، وأنصار الحماسة، ولسنا من أعداء الحذر في الخُطى والتفكير في العواقب. 8 الكلام السيد ولكنّنا نعتقد أنّ قضية العمل-كمبدأ- لا تحتمل الجدل والمناقشة، ونحسب أنّ الإفساح في المجال للمجادلات العقيمة التي لا تنتهي، لا يجدينا شيئاً إلاّ زيادة تأخير في الانطلاق نحو الهدف. الإيمان بالعمل الإيمان بالعمل مبدأٌ لا يحتمل الجدل والمناقشة، ولا يدع مجالاً للأخذ والردّ، ولكن ذلك لا يمنعنا من بحث التفاصيل، وإثارة علامات الاستفهام حولها، كيف نعمل، وما هو نوع العمل، وما هي وسائله وغاياته، وما قيمته وعواقبه؟؟ فقد يكون ذلك كفيلاً بإيجاد جوٍّ جدّي للفكرة، تسيطر عليه روحيّة الإيمان بالعمل وضرورة تركيزه على أساس متين. وتبقى الخُطى متقدّمة قصة التجربة في واقع الدعوات الدينيّة والاجتماعية، مليئة بقصص الاستشهاد والبطولة، وهي تتلقّى الاضطهاد والعسف والتنكيل من قبل أعدائها وتواجه الصدمة تلو الصدمة، من أولئك الذين تحاول جاهدة أن ترفعهم إلى المستوى اللائق بهم في الحياة، وتنقذهم من واقعهم المظلم. ويتلقّى روادها الضربات المتلاحقة، ويسقط الشهداء في الطريق... ولكنّ الخطى تتقدّم وتتقدّم، وأخيراً تصل القافلة الصامدة إلى الهدف حيث القمة تظلّ شامخة في زهو الانتصار، لتجد الحياة وقد استسلمت لدعوتها، واستكانت لنظامها وتوجيهها، ولتلمح الفكرة تستوعب الحياة بكلّ ما فيها من مجالات الفكر والعمل. 9 الكلام السيد الطموح... والحياة الكريمة في حياة كلّ منّا ألف قصة وقصة، عن تجاربه الشخصية، وهو يشقّ طريقه في الحياة ويركّز أقدامه فيها من أجل أن يكسب قوّته ويحفظ عزّة نفسه وكرامته ويغذّي طموحه بالآمال الكبار والأحلام الجميلة فلا يجد أمامه- في أغلب الأحيان- إلاّ أبواباً مغلقة في وجهه، وأناساً لا يحترمون فيه كرامة الإنسان، وعقبات تتحدّى فيه طبيعة التحدّي والمقاومة؛ فيتعثّر طموحه في كلّ منعطف وتتساقط أحلامه على أشواك الطريق، فلا ييأس ولا يتراجع، وإنّما يجابه المصاعب بقوة، ويواجه العثرات بصبر، ويقابل اليأس والتشاؤم بالأمل، ويظل يتقدّم.. وتبدأ الحياة، بعد ذلك، لتفتح له ذراعيها فيجد عندها الطموح والحياة الكريمة العزيزة. ... هي للصابرين تلك هي طبيعة الحياة، وتلك هي سنّة الله فيها، فهي لا تعطي قيادتها ولا تعطي كنوزها وأسرارها إلاّ للصامدين الصابرين الذين يقابلون المأساة وهم يبتسمون ويصطدمون بالأهوال وهم يترنّمون.. الفرج الإلهي الإيمان بالله من أقوى العوامل التي تساعد الإنسان على الاستمرار في التجربة حتى النهاية، لأنّه يفتح له أبواب الأمل والتفاؤل في كلّ تجربة وفي كلّ موقف، كنتيجة طبيعية للعقيدة الإلهية التي توحي للإنسان أنّ بعد العُسر يسراً، وأنّ بعد الضيق فَرَجاً، وأنّ الله قادر على 10 الكلام السيد أن يغيّر الأمور من حالٍ إلى حال، وأنّ على المؤمنين أن لا يقنطوا من رحمة الله ولا ييأسوا من رَوْحِه، فإنّه ﴿لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾]يوسف : 87 [ وهكذا تشارك العقيدة في فتح أبواب الأمل أمام العاملين، لتساعدهم من الناحية النفسية والفكرية على أن يعاودوا التجربة من جديد كلما أخفقت، ويسارعوا إلى تجديدها كلما فشلت، حتى يأتي النصر من عند الله استجابة لوعده في قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾]محمد : 7[. كي لا تكون شعارات زائفة قد يكون من الخير لنا أن نعرف أنّ أي اتجاه للتقارب بين أي جهة وأخرى لن يكون واقعياً وعملياً إلاّ إذا كان كلّ من الطرفين ذا شخصية مستقلة، لا تغلبها نوازع الضعف ولا تتقاذفها رياح الهوى. أما إذا كان أحدهما ضعيفاً لا يملك إلاّ أن يبتسم ويجامل، من دون أن يعرف ما حوله من أحداث وحركات.. وكان الطرف الآخر قوياً يُتقن استغلال الظروف واستخدام المناسبات واقتناص الفرص، فإنّ القضية تصبح-حينئذ- عملية خداع واحتيال في ثوب من الشعارات الزائفة. ... قبل الإقدام على العمل عندما نريد أن نعمل، لا بدّ لنا من أن نعي طبيعة الموقف قبل أن نتقدّم، ولن يكون ذلك، إلاّ إذا كنّا نملك عمق الفكرة، وسعة الأفق وذكاء الحس، وأصالة التجربة وقوة الشخصية. 11 الكلام السيد حتى يكون العمر تجربة في سبيل الله إنّ علينا أن نجرّب ونحن ندعو، ونجرّب ونحن نعمل... ونجرّب ونحن نفكّر.. ونجرّب ونحن نضع الخطط وننفّذ المشاريع... ونجرّب حتى لا يبقى هناك مجال للتجربة.. حتى يكون العمر كلّه تجربة في سبيل الله.. وفي سبيل دينه وشريعته.. وهو سبحانه، وليّ النصر والتوفيق والسداد، وهو حسبنا ونعم الوكيل. شهوات الأبناء والأحفاد ربما نستطيع، في محاولة ثانية، لفهم القضية.. أن نجد في «الفردية » عاملاً مهمّاً في المشكلة، فقد وجدنا بعض المشاريع، تمثّل فيما تمثّل، في أكثر الأحيان فرداً أو أفراداً معدودين، يتولّون بدورهم مهمّة قيادة «المشروع » ومباشرة كلّ ما يتعلّق به من الأعمال والتصرّفات، في الوقت الذي لا يملك فيه هذا الفرد وهؤلاء الأفراد، الطاقات الحيّة التي تستوعب كلّ جهاته ونواحيه.. الأمر الذي يجعل القضية عُرضةً للتسيّب والفوضى والارتباك.. ويمهّد لاعتبار القضية إرثاً شخصيّاً يتوارثه الأبناء والأحفاد، بما تهيّئه لهم الفرديّة من السيطرة والإشراف التام على المشروع. وقد لا نعدم في كثير من الأحيان... الصوت الذي يقول: إنّ من العدالة والإنصاف والوفاء، لجهود القائمين على هذه المشاريع، أن نجعل لأبنائهم وأقربائهم )حصّة معيّنة( في الإشراف والإنتاج... كأنّ القضية تعيش في مستوى الاعتبارات الشخصيّة التي تجعل لكلّ عمل ثمناً 12 الكلام السيد مادّياً... وهكذا رأينا كيف تهاوى كثير من هذه المشاريع على مذبح شهوات الأبناء والأحفاد. نحو تربية جيل إسلامي قد يحتاج الطلاب-في وسائل الإيضاح- إلى استخدام بعض الأمثلة التي يحاول «المعلم » من خلالها تقريب الفكرة إلى أذهانهم... فنحاول التقاط هذه الأمثلة مما لدينا من الأحاديث النبوية، والآيات القرآنية التي تجمع إلى جانب شرح الفكرة المقصودة توجيه الفكرة إلى الخطّ القرآني الأصيل.. أو من بين الأمثلة التي تشير إلى جانب من جوانب العقيدة والشريعة. أما إذا كان الدرس نظريّة اجتماعيّة، أو نفسيّة، أو تربويّة، فتتلخّص المحاولة في عرض بعض النظريات الإسلامية في الموضوع... سواء منها النظريّات التي تحمل مضموناً قرآنيّاً أو نبويّاً، أو النظريات التي استنتجها بعض المفكّرين الإسلاميين مما استفاده من واقع المفاهيم الإسلامية... لئلا يبقى الطالب غريباً عن مشاركة المفاهيم الإسلامية لتطوّر الحياة ونموّها. اختيار المعلم قد يكون من غير المألوف... أن نعمد إلى استخدام المعلّمين والمربّين من دون النظر إلى شخصيّاتهم الدينيّة، ومدى ارتباطهم بالتعاليم الدينيّة وبُعدهم عنها، لأنّ للمعلم أكبر الأثر في الوصول بالتوجيه إلى هدفه... لأن شخصيّته- كموجّه- تجعل منه المثل الأعلى للطلاب، ولا سيّما 13 الكلام السيد في السنين الأولى.. الأمر الذي يجعلهم يقلّدونه في كلّ أفعاله وأقواله، كَمَثَلٍ مقدّس، يُحتذى ويُتّبع. وعلى ضوء ذلك، فلا بدّ لنا من اختيار الأساتذة الذين تتمثّل فيهم الكفاءة الدينيّة إلى جانب الكفاءة العلمية، والتشديد على التزامهم الديني فكرياً وعملياً. رسالية الهدف إنّ علينا أن نضع نصب أعيننا دائماً... أنّ هذا المشروع، أو ذاك، إنّما انطلق باسم الدين، وبأموال دينيّة في أغلب الأحيان، فلا يجوز، بحال من الأحوال، أن نحوّله إلى مشروع اجتماعي مجرّد أو علمانيّ صرف، لأنّنا سوف نفقد الغاية من وجوده، وهي إنشاء جيل مؤمن بالله وبرسالته، متعلّم مثقف يجري ويعمل في سبيل استمرار الوجود الرساليّ لدينه وعقيدته. وإلاّ... فلنحاول أن نكشف عن الوجه الواقعيّ الصحيح للمشروع، ولنجنّب أنفسنا وواقعنا من الزيف، حذراً من أن نعيش حياتنا دائماً وراء البرقع التي قد تكشف كثيراً عما تحتها. وفي نهاية المطاف.. نحسب أنّ الإنسان الذي يؤمن برسالته وبقضيّته لا يمكن أن يخجل منها في أي حالة من الحالات.. فلنكن صريحين برسالتنا، جريئين في العمل على تركيزها في واقعنا فكرة وعملاً وحياة... لنكون في مستوى القمة من وجودنا.. مستوى أصحاب الرسالات الذين 14 الكلام السيد يعيشون لرسالتهم، ويجاهدون في سبيلها، ويفنون من أجلها، ﴿... وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾]التوبة: 105 [. المقياس الصحيح قال الإمام الصادق)ع(: «كلّ شيء مردّه إلى كتاب الله والسُنّة، وكلّ حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف .» أطلق الإمام الصادق)ع( هذه الكلمة في بعض أحاديثه، ليضع بها الحدّ الفاصل بين الحقيقة الإسلاميّة الأصيلة، وبين الزيف الخادع المزخرف، وليجعل منها المقياس الصحيح الذي نقيس به صحيح الحديث من كاذبه، وباطل الأمور من حقها لئلا تتلافقنا الأهواء وتلعب بنا الرياح. تحذير من الكذابين كان الإمام الصادق )ع( يتحدث بهذا الحديث في معرض التحذير من أولئك الوُضّاع المرتزقة الذين ابتُلي بهم الإسلام في كثير من فتراته، فدسُّوا ما شاءت لهم أغراضهم في ثنايا الأحاديث التي تتناول شؤون الإسلام عقائد وأحكاماً... حتى عادت الأحاديث تَرِكةً مثقلة بالدسِّ والتحريف اللذين نلتقي فيهما بالكثير الكثير من المفاهيم الغريبة عن روح الإسلام وحقائقه الأساسية العظيمة.. 15 الكلام السيد الميزان حاول أن يرشدنا إلى الميزان الذي نميّز به الحق من الباطل، والمقياس الصحيح الذي نرجع إليه كلما التقينا بالشبهات في طريقنا. فكان كتاب الله هو هذا الميزان والمقياس الذي نرجع إليه ونأخذ به. فهو الحقيقة التي لم يلحقها الزيف ولم يعلق بها الباطل. فهي خالدة بأصالتها ونقائها، لم يعلق عليها غبار الشك، ولم يعرض لها ضباب الزيف. ومن هنا كانت مفاهيمه التي يدعو إليها، وتشريعاته التي يطلقها، وخططه العامة في الحياة، والنفس والاجتماع والنظام الكوني بوجه عام... هي الحقائق الأولى والأخيرة لهذا الدين.. وهي الصورة الوضيئة لواقعه وحقيقته. استيعابٌ شامل للحياة كتاب الله يستوعب كلّ ما في هذه الحياة من ظواهر وحوادث وحالات... فليست هناك ظاهرة إلا وللكتاب تفسير لها، ولا حادثة إلاّ وللقرآن حديث عنها، ولا حالة إلاّ وللوحي سبيل إليها... ومتى كانت القضية في هذا الشمول وهذا الاستيعاب... فإنّ باستطاعتها أن تحدّد نظرتنا إلى كلّ الأشياء والحوادث التي نعيشها في حياتنا اليومية والتي تطرأ عليها في جميع نواحيها العامة والخاصة. فكلّ تشريع مخالف لكتاب الله هو زخرف... لأنه لا يستمدّ وحيه من مصلحة الإنسان الحقيقية، لأنّه لا يفهم واقع الإنسان، ولا يعرف جميع 16 الكلام السيد حاجاته الروحيّة والماديّة، وإنّما ينظر إلى بعض الجوانب دون بعض... ومن هنا يظلّ دائماً بحاجة إلى التحوير والتبديل تبعاً للحالات الطارئة التي لم يكن المشرّع قد راعاها عند تشريعه. ... هي ضلال كل دعوة أو فكرة تخالف كتاب الله وتختلف معه في قليل أو كثير هي زخرف... لأنّها لا تلتقي مع دعوة الله التي تتّصل بالواقع الروحيّ والماديّ للإنسان. ومن هنا، فإنّ علينا أن نرفض بكلّ قوة وبكلِّ إصرار... كلّ دعوة لا تقوم على أساسِ من قيم الإسلام، لأنها تخالف كتاب الله الذي يقول: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾]فصلت : 33 [. أما الأعمال التي نقوم بها في حياتنا فيجب علينا أن نعرضها على كتاب الله، لنعرف مدى موافقتها للقرآن ومخالفتها له، لنرفض ما يخالفه ونسير على ما يوافقه. تحذير إنّ على المسلمين-أينما كانوا- أن يلتقوا بالكتاب الكريم الخالد في جميع أطوار حياتهم وشؤونها وأن يحدّدوا موقفهم من المبادىء-أياً كانت- تبعاً للمفاهيم والتشريعات التي قرّرها كتاب الله من دون أن ينخدعوا بالشعارات الكاذبة والمفاهيم القلقة الحائرة المطّاطة. كما 17 الكلام السيد أنّ عليهم أن يعيشوا المفاهيم القرآنية بوعي وعمق، وأن لا يتركوا أيَّ مجال للدسّ والتحريف والتضليل، بل عليهم أن يكونوا دائماً في حذر من الأحابيل والأضاليل التي يحاول أعداء الله جاهدين، أن يحرّفوا بها الإسلام ويُبعدوه عن هدفه. قيمة الكلمة ما نهدف إليه، ونلحّ على أن يكون، هو أن نحترم الكلمة؛ أن نحترم كلمتنا عندما تنطلق من الفم، أو يرعف بها القلم. ذلك لأنّ الكلمة، هي حياة الأمة وتاريخها، هي المقياس الدقيق لتقدّمها الحضاريّ والحياتيّ بما تمثّله من ذهنيّة الأمّة وقابليتها. ومن هنا، كانت اللغة، بمفرداتها ومتنوّعاتها، ميزاناً يزن به العلماء عظمة الأمة وشخصيّتها، من الناحية العلميّة والنفسيّة والروحيّة والثقافيّة والاجتماعيّة، لأنّها تعبّر تعبيراً صادقاً عن هذه المعاني. نوعيّة الكلمة الكلمة التي تسيء إلى الغير محرّمة لأنّها شريرة. والكلمة التي تخالف الواقع محرّمة لأنها تشوّه الحقيقة وتزيّف الواقع. والكلمة التي تولّد الشحناء والبغضاء بين صفوف المجتمع الواحد، وتتحامل على الآخرين محرّمة، لأنّها تحطّم العلاقات الإنسانيّة والإخوانيّة وتُسيء إلى طبيعة الحياة. والكلمة التي تؤيّد الظلم والطغيان وتتزلّف إلى الجائر محرّمة لأنّها تشارك في هدم العدل وإقامة الظلم. 18 الكلام السيد بين الكلمتين لقد كانت الكلمة الطيّبة الحانية الموجّهة رسالةَ السماء إلى الأرض، حملها الأنبياء من عهد آدم )ع(، فرسموا بها الطريق للبشريّة نحو السعادة والسلام. وكانت الكلمة المخادعة المخاتلة الجبانة تصنع مأساة القيم في التاريخ... هذه الكلمة التي انطلقت لتؤيّد الحكم الجائر، شاركت مشاركة فعّالة في إيقاف عجلة الإسلام عن أن تتقدّم وتدور. صفقة خاسرة لهؤلاء الذين يرون الكلمة سلعة تعرض في المزاد، وسلّماً يصعد بهم إلى درجات الجاه، وشبكة يصطادون بها السذج من الناس. إنّنا نريد أن نقول لهم: إنّهم حينما يضعون الكلمة بهذه المنزلة، لا يسيئون إلى إنسانيتهم وضمائرهم فحسب... وإنّما يسيئون إلى أمّتهم، بما تُحدثه كلماتهم من ترويج لفكرة باطلة أو تأييد لإنسان منحرف، أو تفريق لصف واحد، أو خدمة لاستعمار واستغلال. إنّنا نريد أن نقول لهم: اتركوا هذا الأسلوب في الحياة. فإنّ تلك السلعة تكون صفقة خاسرة عندما يعي الإنسان قيمة الكلمة فلا يبقى لها مجال في سوق المزاد... وإنّ ذلك السُلَّم سوف ينكسر ويهوي بصاحبه إلى المدى السحيق، عندما يصبح للحقيقة أثرها في تقييم الرجال. وأنّ تلك الشبكة ستتمزّق وترجع إلى صاحبها خاوية، عندما يعي مجتمعنا ذاته في إطاره الإسلامي النقّي فلا يبقى مجال لخداعه. 19 الكلام السيد التقليد الأجوف عندما تتحوّل الأمة إلى مجرّد «حارسة » لحرم العادات والتقاليد الموروثة، فمعنى ذلك أنّها تدنو من النهاية، وتبدأ السير في طريق التلاشي والانهيار. لأنّ التقاليد والعادات، وإن كانت ذات صلة وثيقة بحياة الأمم وتاريخها بما ترمز إليه-في ذاتها- من قضايا دينيّة واجتماعيّة وغيرها، إلاّ أنّها فقدت هذه الصلة، عندما أصبحت مجرّد عادات وتقاليد لا تعني ولا تمثّل شيئاً، حتى في نظر أولئك الذين يبنون حياتهم عليها من دون أن يؤمنوا بفائدة منها أو منفعة. وليس ذلك إلاّ لأنّها فقدت الحرارة التي تمدّها بالحياة بسبب ما تراكم عليها من ضباب العصور المظلمة وجليدها، الذي جمّد كلّ ما في داخلها من حيويّة وإشراق. مسؤوليّة المؤلّف على المؤلّف، الذي يعيش مسؤوليّة الكلمة، أن لا يستسلم لشهوة الكتابة في كلّ شيء يخطر على باله، وفي كلّ فكرة تتحرّك أمامه، بل لا بدّ له من أن يدرس طبيعة الفكرة بعمق ويتعرّف ما تحمله من قضايا الحق والباطل، وما تتركه من تأثيرات سلبيّة أو إيجابيّة في حياة الأفراد والمجتمعات؛ فيملك أعصابه ومشاعره عندما يريد أن يكتب، ليكون للفكرة هدوء العقل، وليعيش الأسلوب هدوء الفكرة ويحافظ على صفة 20 الكلام السيد الحذر عندما يختار موضوعه، أو الطريقة التي يعالج بها ذلك الموضوع، فقد يكون لنوعيّة الموضوع وطريقة معالجته أثرٌ كبير في الهدف الذي يهدف إليه الكاتب من خير أو شرّ. إرضاءً للغرائز في المجال الدينيّ أو المذهبيّ، أصبحنا نشاهد كثيراً من الكتب التي تجمع الغثّ والسمين، والصحيح والفاسد، والحقَّ والباطل من أجل إرضاء الغرائز الدينيّة والمذهبيّة في المدح والقدح والتحليل والتحريم، من خلال أسماء تاريخيّة عُرِف أصحابها بالكذب والغلوّ بشهادة علماء الحديث، أو من خلال أسماء معاصرة لم تُعرف بالعلم والتحقيق بل عُرفت بالجهل الكبير بالمادة التي تكتب بها وتؤلّف، وإن كانت تملك أسماء كبيرة في مجالات أخرى من العبادة والزهادة وغيرها مما يمنح الإنسان مركزاً اجتماعياً يبرّر فيه لنفسه وللناس أن يقبلوا منه كلّ شيء على أساس مقدّس ساذج. وقد استطاعت هذه الفوضى في التأليف وفي النشر أن تربك الأجيال الطالعة، التي لا تملك الاختصاص في الثقافة الإسلامية، وتضعها في موقع الحيرة بين ما تأخذه وبين ما ترفضه، وتسلّحها إلى أن تواجه الازدواجية بين أفكار التخلّف وأفكار التقدّم في ما تقرؤه في هذا الكتاب أو في ذاك، مما جعل القضية تتحوّل إلى عقدة تهيء للرفض المطلق للفكرة من الأساس لدى الكثيرين من هؤلاء. 21 الكلام السيد مخاوف إنّ ثقافتنا وتاريخنا وعقائدنا أصبحت تحت رحمة فئة لا تشعر بمسؤوليّتها التاريخيّة والدينيّة تجاه ثقافة الأمّة وعقائدها وتاريخها، وذلك نذير بأنّنا بدأنا ننحدر في منزلق خطر لا نأمن فيه على مستقبلنا من جميع نواحيه من أن ينهار ويصبح عُرضةً للتسيّب والضياع. دعوة أن يملك المسلم شخصيّته في عملية حركة وارتقاء، أن يتحرّك الإسلام في داخل حياتنا وخارجها كقوّة فكرية قائدة، أن يطبع الحياة بطابعه الروحي، كدين يستوعب الحياة في داخله، أن تنطلق كلمة )لا( تعبيراً عن رفض كلّ ما هو غير إسلامي، وكلمة )نعم( تعبيراً عن تأييد كلّ عمل إسلامي خيّر؛ ذلك هو ما ندعو إليه في ما ندعو، ونهدف إلى الوصول إليه في ما نهدف. بين البناء وبين الإصلاح قد يقول قائل: إنّ مهمتنا ليست مهمة بناء وتكوين، بل هي مهمة إثارة وتوعية، لأنّ الشخصية الإسلامية موجودة في داخل الإنسان المسلم، ولكنَّها قد تفقد الحركة والتأثير في حياته. وإذا كانت مهمّتنا هي الإثارة وإعطاء الحركة لهذه الشخصية فربما تكون المشكلة أقلّ تعقيداً وصعوبة، لأنّ مهمّة البناء تتعلّق بالأسس والجذور وتنطلق من عملية خلق إنسان جديد. 22 الكلام السيد أما مهمّة الإثارة فلا تتعلّق إلاّ بالسطوح وتنقيتها مما علق بها من طفيليات وأدران، لتنطلق في عملية إصلاح لهذا الإنسان. أما تعليقنا على هذا القول فلا ينطلق من إنكار نوعية المهمّة وطبيعة القضية التي نعيشها، بل نحاول مناقشة طبيعة الحكم الذي أطلق عليها. فما يدرينا أن تكون عملية الإثارة والإصلاح أقل صعوبة وتعقيداً من عملية البناء، ولا سيما إذا اتصلت الطفيليات بالأسس وتعلّقت بالجذور؟ بل نستطيع القول إنّ عملية الإصلاح أشدّ- بمراتب- من عملية البناء، لأنّها تتطلّب الدقّة والحذر في العمل، لئلاً يتأثر البعض على حساب البعض الآخر. أهداف خيّرة الإنسان المسلم ليس فاتحاً تسيطر عليه شهوة الحكم والسيطرة، وليس تاجراً يعيش في ميزان الأرباح والخسائر، فهو لا يستهدف من خلال حركة إسلامه أن يحكم الحياة للحكم ذاته، وإلاّ لانحرف عن خطّه الإسلامي الواضح الذي يحارب في الإنسان كلّ شهوة للحكم، وكلّ رغبة في السلطان لمجرّد العلوّ والرفعة، كما نجده ماثلاً في الحقيقة القرآنية الحاسمة التي انطلقت لتقول بكلّ قوّة، في الآية الكريمة: ﴿ تلِْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي ا رْألَْضِ وَ فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾]القصص: 83 [. بل كلّ ما يستهدفه إنساننا المسلم في كلِّ ذلك، هو الوصول إلى أهداف 23 الكلام السيد الإسلام في العمل وغاياته في الصراع، من بناء الإسلام في نفس الإنسان وإشاعة العدالة لكلّ كائن حي، كما يتمثّل ذلك في الكلمة الخالدة التي قالها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب )ع(، وأطلقها من كلّ قلبه، لتقول لأولئك الذين ظنّوا حبه للسلطة في صراعه المرير، الذي خاضه ضدّ القوى التي حاولت أن تنحرف بالإسلام عن طريقه وتوجّهه إلى غير وجهته: «لولا حضور الحاضر وقيام الحجّة بوجود الناصر وما أخذ الله على العلماء من أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز .» مسؤوليّة الداعية إنّ على المسلم إذا أخلص لرسالته ووعى أهدافها، أن يدرك مسؤوليّته أمام الله تعالى في ما يهدف وفي ما يعمل، فلا يحاول الانحراف عن إرادة الله تعالى في وسائله كما لا يحاول الانحراف عنها في غاياته، فإنّ الله تعالى «لا يُطاع من حيث يُعصى » في أيّة حالة من الحالات. كما أنّ عليه أن يدرك أيضاً- إذا أراد العمل في سبيل الله- أنَّ أية خطوة يخطوها في هذا السبيل، وأيّة كلمة يتكلّم بها في هذا المجال، تعتبر حجّة على رسالته، أو لرسالته، فليفكّر طويلاً، وليحذر قبل أن يضع قدمه في بداية الطريق. 24 الكلام السيد مسؤوليّة الجميع على كلّ واحد منا كمسلمين مهمّة حمل رسالة الإسلام إلى العالم، فقد قال النبي )ص(: «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته »، وبهذا لم تنحصر المسؤوليّة بفئة دون فئة، ولا بفرد دون فرد، ولكنّها تختلف حسب اختلاف إمكانيّات الأشخاص وقدرتهم وتلتقي في هدف واحد هو تجسيد الأهداف الإسلاميّة في الحياة والسير نحو المجتمع الإسلامي الأفضل، وذلك بأن يقوم كلّ واحد منّا، بحسب اختصاصه بمسؤوليّته اتجاه الإسلام. ... إنّها مسؤوليّة شاملة إنّ التاجر في متجره، والعامل في مصنعه، والفلاح في أرضه، والمثقف في مجتمعه، والمعلم في مدرسته، وكلّ إنسان في حياتنا يستطيع أن يقوم بمسؤوليّته اتجاه الإسلام، إذا حاول أن يُخضع عمله ونشاطه لتعاليم الإسلام وأحكامه، ويجعل منه صورة صادقة للمثل الأعلى الذي يريده الإسلام للإنسان في الأرض. إنّه سيكون دعاية حيّة للإسلام لأنّه يمثّل كيف يكون السلوك الصحيح للإنسان المسلم في الحياة. القول الفصل قولوها صريحة لكلّ مَنْ أراد منكم السير وراءه: إنّنا مسلمون، نعتقد بالله ربّاً وبمحمد )ص( نبيّاً وبعليّ وأولاده الأئمة الميامين )ع( قادة وهداة، وبالإسلام رسالة تستوعب كلّ مجالات الحياة. قولوها صريحة: 25 الكلام السيد إنّ لنا من إسلامنا المنار الهادي إلى ظلمات الحياة ومشاكلها. وأخيراً، قولوها صريحة لهؤلاء الذين يشرّعون لنا الدساتير والقوانين، ويوجّهون مناهج التربية والتعليم ويسيطرون على مقدّرات الثقافة في مجتمعنا، قولوها كلمة صريحة: إنّنا كأمّة مسلمة لا نقبل بغير الإسلام قانوناً وشريعة لحياتنا ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾]المائدة : 50 [ ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾]المائدة : 44 [، وقولوها إننّا لا نقبل بغير منهج الإسلام وأسلوبه في التربية والثقافة أسلوباً ومنهجاً لثقافتنا ومعارفنا، لا تقفوا بل تابعوا أقوالكم بالعمل، ولا تتراجعوا لأنّكم تطالبون بقضية تتعلّق بعقيدة الأمّة وشريعتها، وأخيراً تذكّروا وعد الله لكم بالنصر في قوله تعالى: ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾]محمد : 7[. الأنصار المخلصون إنّ الإسلام ينتظرنا لنعمل، والمسؤوليّة تدعونا لنتقدّم برسالتنا إلى العالم انطلاقاً من واقعنا إلى الواقع الإنسانيّ العام. فلنعمل بإخلاص ووعي من أجل أن يوجد الإسلام في الحياة كقوّة فكريّة واجتماعيّة قائدة، ولنمارس مسؤوليّتنا أمام العالم-كمسلمين- يعيشون رسالتهم من أجل أن يعيش الإنسان في سلام مع خالقه ومع نفسه ومع مجتمعه. وهناك فقط نستطيع أن نقف أمام التيارات الكافرة بقوة ونكافحها بوعي، ليبقى الموقف للإسلام وحده دون أن يكون هناك مجال للأحزاب 26 الكلام السيد التي ترتكز على قاعدة غير إسلامية، وهناك فقط نستطيع أن نقول إنّنا مخلصون لديننا وواعون لأهدافنا، وإننا في سبيل صنع تاريخ جديد، وهناك فقط نستطيع أن نُعتبر جنوداً أمناء للحسين )ع( وأنصاراً مخلصين لثورته، ونكون صادقين حين نردّد مع ذكراه الكلمة المعروفة «يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزاً عظيماً .» طبيعة الدين الدين-عند أهله- تشريعٌ سماويٌّ صادرٌ من قِبَل الله على لسان رسوله )ص(، ومتى كان التشريع من الله سبحانه فيجب على العباد الأخذ به، والعمل بمقتضياته، لأنّ ذلك هو معنى العبوديّة لله والخضوع له. وليس العمل وفق هذا التشريع، والسير وراءه مجرّد استسلام أجوف، لا يحمل في داخله إلاّ الظلام والفراغ، وإنّما هو الاستسلام الواعي للقوة المدبّرة الحكيمة الرحيمة، التي يؤمن الإنسان بأنّها لا توجّهه إلاّ إلى ما فيه صلاحه، ولا تمنعه إلاّ ما يفسد عليه حياته وإنسانيّته، وإن لم يدرك جهة الصلاح والفساد عند العمل، نظراً إلى ضيق أفقه وحدودية مداركه. هذا بالإضافة إلى ما ننتظره في الطاعة من سعادة في الدار الآخرة في رحمة من الله ورضوانه. ومتى كانت تلك نظرةَ المتديّن للدين، وعقيدته به، فمن الطبيعي أن لا يجد في نفسه أيَّ تساؤل وأيَّ اعتراض، في ما يتعلّق بما يصادفه من تشريعات لا يفهم وجه الحكمة والمصلحة فيها، فإنّها صادرة ممن 27 الكلام السيد يستحيل في حقّه الخطأ والغفلة: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً﴾]الإسراء : 43 [. بين التشريع الإسلامي والتشريع الوضعي إنّنا لا نريد للتشريع الإسلامي أن يعيش أجواء التشريعات الوضعيّة الأخرى أو يخضع لركائزها الفكريّة من منطلقه الفكري، بل نريد له أن يعيش ضمن أجوائه التي جعلها الله له، وينطلق من الركائز التي ارتكز عليها في بنيانه الفكري. ولن نستطيع أن نحافظ على هذا الخط إذا حاولنا دراسة الإسلام من خلال تعليق الآخرين عليه، ودراستهم له، بل المنهج السليم هو محاولة فهمه في إطاره الإسلامي العام بدون التفات إلى تلك الشبهات أو النقود، إلا بقدر ما يتعلّق بإلقاء الضوء على تلك الدراسة، ليتسنّى لنا فهم الإسلام فهماً لا يخضع لمؤثّرات خارجية بعيدة عنه بل يسير مع طبيعة البحث الواعي الخالص لذاته. الفهم المعاصر إنّنا ندرك أنّ المسلم الواعي لا يحتاج في الإيمان بالإسلام والعمل بمقتضياته، إلى التحليل والتفسير، فحسبه أن يدرك أنّه دينٌ صادرٌ من قبل الله ليؤمن به، ويجري وفق تعاليمه. إنّنا ندرك ذلك، ولكنّنا ندرك إلى جانبه أنّ الجيل الحاضر أصبح يتطلّب، مع ذلك-الدراسة الحديثة للإسلام التي تعتمد على تحليل تشريعاته 28 الكلام السيد وتفسيرها بأسلوب يتّصل بالحياة، ليتعرّف- من خلال ذلك- على عظمة الإسلام وطبيعة حلوله، ليتمكّن من مواجهة التحدّي الذي يواجهه- كمسلم- من قبل التيارات والمذاهب الحديثة التي غزت العالم باسم معالجة مشاكله. وعلى ضوء هذا لا بدّ لنا، استجابةً لهذه الحاجة الملحّة- أن ندرس الإسلام دراسة جديدة تنبع من داخله لا من خارجه، وتعتمد على البناء والتركيز لا على مجرّد الهدم لما بناه الآخرون، فإنّ عملية الهدم في الجانب الآخر قد تشغلنا عن عملية البناء في هذا الجانب. إنّ البناء يركّز الأساس على قاعدة صلبة لا تنفع معها معاول الهدم والتخريب مهما عملت وكثرت... وهنا لا يملك الآخرون إلا أن يتضاءلوا ويتلاشوا أمام عظمة التشريع الإسلامي وقاعدته المتينة. تاريخنا إنّ تاريخنا-ككلّ تاريخ- كان حصيلة أدوار مختلفة من حياة الأمّة بين ارتفاع وانخفاض، فهو الصورة التي تنعكس عليها الحياة بما فيها من ارتباكات، فإذا أردنا أن نفهمه على أساس واقعيّ، فيجب علينا تعريته عن كلّ لون من ألوان الخيال والدعاية والزهو، وملاحظته كمادة خام لدراسة عمليّة واقعيّة عميقة. وشيءٌ آخر يلزمنا ملاحظته عند دراستنا لهذا التاريخ، هو أنّ كثيراً من القضايا والملابسات، التي حدثت في الصدر الأول في الإسلام 29 الكلام السيد والانقسامات التي ابتُلي بها المسلمون، أثّرت على سير هذا التاريخ في صدر الرسالة، لأنّ تلك القضايا خلقت عندنا كثيراً من المؤرّخين والمرتزقة، الذي كانوا يعيشون على موائد الملوك، ليخلقوا لهم المآثر والفضائل والأحاديث، ويصوّروها بصورة جذّابة تلفت الأنظار في أيِّ موضوع شاؤوا وأرادوا، حسب الحاجة السياسيّة والشخصيّة. المقياس الصحيح دأب كثير من الباحثين ولا سيما المستشرقين منهم على اعتبار كثير من التصرّفات، التي تقوم بها الجماعات التي تدين بالإسلام، ممثِّلةً لوجهة النظر الإسلامية، مهما كان لون تلك التصرّفات ومهما كان نوعها. وهذا خطأ، فإنّ الجماعات الإسلامية والمسؤولين المسلمين- الذين عاشوا في التاريخ الإسلامي- ليسوا إلا أناساً كبقية الناس، لهم أخلاقهم الخاصة، ولهم طباعهم وأذواقهم المعيّنة، ولهم أخطاؤهم البشرية كبقية البشر، وليست تصرّفاتهم إلا كتصرفات بقيّة إخوانهم من بني الإنسان، وليس لها علاقة بالإسلام إلا بمقدار قربها من مبادئ الإسلام ومفاهيمه. ولهذا فإنّنا لا نستطيع اعتبار أيِّ تصرّف من تصرّفات المسلمين، مسؤولين كانوا أو غير مسؤولين، مرتبطاً بالإسلام إلا بعد مقارنته بالمفاهيم والمبادئ الإسلامية، لنعلم مدى موافقته لها. إنّ مبادئ الإسلام ومفاهيمه هي المقياس الصحيح الذي نقيس به تصرّفات المسلمين، لا العكس... 30 الكلام السيد قراءة واعية للتاريخ علينا أن نقرأ تاريخنا من جديد قراءة واعية، تحاول أن تدرسه وتفلسفه وتتعرّف على جذوره الأصيلة ومعطياته الخصبة. هذه هي القضية التي تواجهنا في طريقنا نحو العمل في بناء الحاضر الإسلامي، وتلحّ علينا بقوّة وإصرار، لأنّها تتّصل بالمرحلة الأوليّة من مراحل العمل والبناء، وهي مرحلة الإعداد والتكوين، إعداد الخطط التي يسير عليها العمل، وتكوين الأسس والمبادئ العامة التي يرتكز عليها البناء. التمزّق والتدهور الحضاري إنّ المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، تتمثّل في التمزّق الداخلي والخارجي، الذي يعيشه المسلمون في ظلّ واقعهم العملي المنهار المتمثّل في تخلّفهم الحضاري عن الركب العالمي، الأمر الذي جعلهم في عزلة تامة عن الإسهام في عملية صنع التاريخ الحاضر. كيف نفهم التاريخ إنّما نحاول فهم هذا التاريخ من حيث هو تجربة عملية للدين، وبالتالي حفظ هذا التاريخ من الفهم المزوّر، والمنهج الخاطئ الذي وقع فيه الكثيرون من القارئين والدارسين له، والابتعاد به عن طبيعة «السرد الحرفي » إلى الطريقة التي تجعل منه «معنى » يتحرّك في داخل حياتنا ليحرّك الحياة من حولنا. علينا أن نحاول ذلك ونبدأ الدرب، بسرعة وحذر، لنجنّب جيلنا الإسلامي 31 الكلام السيد الطالع الانحرافات التاريخية، وأخطاء المناهج المتعدّدة التي تدرس هذا التاريخ. في معنى الإسلام الإسلام: الذي يلعن الظلم والظالمين ويصرخ بهم مهدّداً ومتوعّداً ويدعو إلى محاربتهم ومقاطعتهم ويلعن من يتعاون معهم. الإسلام: الذي يعتبر الأمّة مسؤولة عن تولّي الظالمين الحكم، لأنّها تقدّم لهم الطاعة والمعونة على إدارة شؤون الدولة، مما يسهّل لهم مهمة التحكّم في رقاب العباد ومقدّراتهم. وإلاّ فما عسى أن يفعل فرد أو جماعة أمام إرادة الملايين من أبناء الأمة الذين قاموا بمقاطعته فقط، فلا يلبث حكمه أن ينهار ويتلاشى، ليفسح في المجال أمام حكم عادل يعمل للمصلحة الإسلامية العليا، قبل كلّ شيء. الإسلام: الذي يحدّد للحاكمين صلاحياتهم ومسؤوليّاتهم ويجعل للأمة الرقابة الواعية عليهم، فلا يستطيعون الانحراف عن الطريق المستقيم، وإلا كان لهم بالمرصاد يحاسبهم على ما عملوه من صغيرة وكبيرة. الإسلام: الذي يقدّم العدالة الاجتماعية بأروع صورها للناس متمثّلة في مساواة الحاكم للمحكوم أمام القانون العادل. تنقية التراث إنّنا بحاجة ماسة إلى تنقية تراثنا الإسلامي الخالد من الطفيليّات التي نشأت في أحضان الدسّ والتحريف، وإلى التشدّد في محاكمة هذا 32 الكلام السيد التراث في كلِّ ناحية من النواحي، سواء ما يتعلّق منها بالنواحي العقائديّة أو العمليّة أو التربويّة وغيرها، نظراً إلى أنّ التهاون والتساهل في ذك يعرّض المصلحة الإسلامية العليا للخطر، ويعرّض الإسلام للتشويه، من قبل المغفلين والساذجين والمغرضين، الذين يهمّهم قبل كلّ شيء أن يضرب الحديث على الوتر الحسّاس ولا يهمّ بعد ذلك إن كان الحديث صادقاً أو كاذباً، أو كان مضرّاً بالإسلام أو غير مضرّ. الصورة الأصيلة لا بد لنا من التوفر على دراسة الإسلام دراسة مستفيضة شاملة، ترتكز على أسس واقعية على ضوء من نصوص القرآن والسنة الصحيحة، لكي نعرضه ونقدّمه للمجتمع بجوهره وحقيقته، في صفاء ونقاء، وفي صراحة عملية لا تعرف اللف والدوران، فنتفادى بذلك مواطن الضعف، التي قد تقتضينا التخلّي عن كثير من مفاهيمنا الأصيلة، من أجل إرضاء بعض التيارات والاتجاهات التي تعيش في حياتنا الحاضرة، والتملّق لها بشتى أنواع الملق على حساب الإسلام، طمعاً في الحصول على صفة «التقدّمية .» الفراغ العقائدي من مشاكلنا الرئيسية، التي نعيشها بمرارة وألم، ونعانيها في وعي ويقظة مشكلة الفراغ العقائدي. ونعني بهذا الفراغ الذي يشيع في حياتنا العامة كمسلمين، فراغ الإنسان 33 الكلام السيد المسلم من الإيمان بإسلامه كعقيدة تملأ جوانب نفسه وتسيطر على وجوده، ونظام يدفعه إلى العمل والكفاح في سبيل احتلال مركزه القياديّ في حياتنا العمليّة بشتى مراحلها وألوانها. إنّه لا يعي إسلامه إلاّ على شكل صُوَرٍ مبهمة مطموسة الألوان، وكلّيات لا يعرف كيف تُطبّق، وأين تُطبّق، وأين تنطبق؟... الأمر الذي سهّل مهمّة أعداء الإسلام في الوصول إلى هدفهم في عزل الإسلام عن المركز القيادي في حياة العالم الإنساني، فتمّ لهم ما أرادوا بسبب هذا الفراغ والضياع، اللذين عانتهما الشخصيّة الإسلاميّة مدّة غير قليلة من الزمن. مسؤوليّة المصلحين نعرض هذا أمام المصلحين الدينيين الذين يعون بدقّة المرحلة التي نمرّ بها، لننبّه إلى خطر هذا السكوت وهذا الإهمال على الإسلام؛ نظراً إلى أنّ بقاء هذه الأمور على قدسيّتها في نفوس العامة من الناس، وتأثيرها على مجرى حياتهم العملية، يوجب تشويه الإسلام في النفوس. كما أنّ عقدة الخوف من العامة قد تجرّنا إلى مزالق خطرة في ميدان الفكر والعقيدة، لأنها لا تصدر في معارضتها عن وعي واتزان، وإنّما تصدر عن عاطفة بدائية، وعن خوفهم في تغيير الحالة التي درجوا عليها، والتفكير الذي عاشوا في أفقه. وإذا نظرنا إلى التاريخ، وجدنا العامة قد شاركت مشاركة فعّالة في عرقلة الكثير من المشاريع الإصلاحية التي قام بها المصلحون الدينيون. فقد 34 الكلام السيد وقفت أمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب )ع( عندما كان يحاول إزالة بعض الزوائد التي علقت بالإسلام، نتيجة بعض المؤثّرات وبعض الظروف ومنعته من تنفيذ خطّته الإصلاحية التي لو قُدّر لها أن تنفذ لوفّرت علينا الكثير من الجهد الفكري، الذي لا زلنا نبذله في تنقية ما علق بالإسلام وما شاب أحكامه من شوائب. ولم يكن الوقوف أمام معارضتها- في ذلك الوقت- أمراً عملياً بالنظر لما أحاط به من مشاكل داخلية وخارجية. مشاكل متنوّعة هناك المشاكل الاجتماعيّة التي غزت حياتنا فلوّنت جوانبها بألوان بعيدة كلّ البعد عن تاريخها وعقيدتها. وهنا كانت الانحلالية والفوضوية والتهرّب من المسؤوليّة وغيرها، سمة واضحة من سمات كثير من المجتمعات التي تعيش في بلاد الإسلام، مما جعل النظرة العامة التي تُؤخذ عن واقع المسلمين، تمثّل التأخّر والانحطاط في المجال الحضاري والاجتماعي. وهناك- إلى جانب ذلك- المشكلة السياسية، التي نشأت عن ضعف المسلمين وتأخرهم وانحطاطهم وضياع الكيان الواحد، الأمر الذي أدّى إلى سيطرة الكافر المستعمر على بلادهم وعلى مقدّراتها، حتى باتت المشاكل الاقتصادية والثقافية وغيرها أمراً طبيعياً مألوفاً في هذه البلاد. 35 الكلام السيد رسالة شاملة هكذا اكتشف المسلمون الأولون في عقيدتهم، التي اعتنقوها بوحي الفطرة الهادية التي أيقظها النبي )ص( في نفوسهم، فبدّد عنها ضباب العصور المظلمة- أنها ليست مجرّد عقيدة توحيها الفطرة ويهدي إليها الوجدان. وإنّما هي رسالة شاملة تنظّم علاقات الإنسان بالله وبالمجتمع وبالحياة بشكل عام. الارتقاء إلى مستوى الرسالة وهكذا اكتشفوا أنّهم أصحاب رسالة، وليسوا مجرّد أتباع عقيدة، فارتفعوا إلى مستواها. فكانت التضحية التي لا تقف عند حدّ، وإنّما تبذل وتبذل حتى لا يبقى بعد ذلك مجال للبذل ولا موضع للفداء، وكان الجهاد الصامد الذي يندفع لبناء كيان الإنسان الخيّر في الأرض، بدلاً من الإنسان الشرير، ولذا فهو لا يستهدف قتل الإنسان الكافر وإنما يحاول تحطيم فكرة الشرّ في نفسه، وكانت الانطلاقة الروحية التي تتسامح وتتسامح، حتى لا يبقى هناك منطلق للتسامح ولا مورد للتساهل، وكانت الروح الكبيرة الواسعة، التي تواجه العالم وتتحدّى قسوته وعنفه وظلامه بروحية حرة قوية متسامحة، لا تأخذ عليه قسوته عليها، لأنّها تدرك جهله لرسالتها، ومدى مسؤوليّتها تجاه إنقاذه من جهله، وتدرك- إلى جانب ذلك- مدى ما يفعله الجهل ويصنعه بأصحابه، ولا تحقد عليه لأنّها تحسّ بعمق الظلمة التي يتخبّط بها. 36 الكلام السيد تحدّي الخرافات والأساطير هكذا استطاعوا أن يقفوا أمام العالم بقوة لا حدّ لها فتحدّوا أصنامه وأعرافه وتقاليده السخيفة وأساطيره العمياء وظلماته الروحيّة والفكريّة، بفضل الروح الرساليّة الحرّة التي اكتشفوها في أنفسهم. وبين هذه القوة التي لا تقف عند حدّ، وبين هذه الصفات التي تشيع في أجواء الصراع ومجالاته روحَ الطمأنينة والطُّهر والصفاء، برزت رسالة الإسلام-في برهة وجيزة- كأقوى ما تكون الرسالات، حانية كأحنى ما تكون الحياة. بين عصرين والحاجة إلى الإسلام هنا نجد أنفسنا وجهاً لوجه مع تجربة المسلمين الأولين في دعوتهم إلى الإسلام، فإنّ القضية هي القضية، وبذلك يكون الموقف هو الموقف، فقد نلاحظ، في ما يبدو لنا، وجود التقاء كبير بين طبيعة الفترة التي عاشها المسلمون في بداية الدعوة، وبين طبيعة الفترة التي نعيشها الآن. فقد كان الإنسان يعيش في تيه من العقائد والخرافات والأساطير والأوهام، اختلط فيه الحقّ بالباطل، والعقيدة بالخرافة، والحقيقة بالأسطورة، واليقين بالوهم؛ ومن هنا كانت الحياة التي يعيشها صورةً لهذا التيه ولهذه الحياة التي يتخبّط فيها، فلا دليل يأخذ بيده إلى الطريق الواضح والصراط المستقيم، ولا هدىً يهتدي به إلى الحقيقة الأصلية العارية، ولا نور يستنير به في هذا التيه المظلم، وهكذا يعيش الإنسان 37 الكلام السيد في عصرنا هذا-مع الاحتفاظ بالفارق بين طبيعة العصرين- يعيش القلق والتمزّق والحيرة والتيه، بين هذا الركام الهائل من اتجاهاته المتضاربة، وتياراته المختلفة، وعقائده المتباينة التي يختلط فيها الحقد بالصراع، والقوة بالفكر، فلا يهتدي إلى روحيّة تبعث في نفسه روح الطمأنينة، ولا يستكين إلى مادّية تثير في نفسه عاصفة الرغبة. وهكذا تلتقي الفترتان في حاجتهما إلى الإسلام، وهكذا نلتقي بالمسلمين الأولين في أصالة التجربة التي عاشوها وعمقها، للوقوف -كما وقفوا- أمام هذه القوى الهائلة التي تواجهنا في طريق الدعوة، مع ضعف في القوى وقوة في الإيمان. بعض للتاريخ من جديد إنّنا بحاجة إلى أن تقوم بعمل جريء في تبديل المحتوى الفكري لحفلاتنا الدينيّة التي تعقد احتفاءً بذكرى أبطالنا، أبطال الإسلام الذين صنعوا لنا التاريخ العظيم وشقّوا لنا الطريق، لنضع نحن من جديد تاريخ الإنسانية، ولنبني صرح الحضارة التي انطلقت بالأمس منّا هادرة، فانطلقت معها دنيا العلوم والمعارف والاختراع. ولكنّها اليوم بحاجة إلى الدم الجديد، الدم الذي يعيد حيويتها بعد أن لوّثها أعداء الإنسان. إنّها بحاجة إلى روحيّة الإسلام وحيويّته لتجنّب العالم ويلات الحرب، حرب الإبادة والدمار، وتقوده إلى حيث الطُّمأنينة والسلام. إنّ الاحتفال بذكرى هؤلاء الأبطال هو بعث لتاريخهم من جديد، وتفجير 38 الكلام السيد الروحيّة والفكريّة الكامنة في آثارهم وسيرهم، في سبيل ربط الماضي بالحاضر، في وحدة روحيّة وثقافيّة مبدعة. ليست مستحيلة كلمة أخيرة، نوجّهها للقائمين على الحفلات الدينيّة ممن يعون المرحلة التاريخية التي نمرّ بها-كمسلمين- إنّنا نريد أن تكون حفلاتنا مدارس تثقيفية لشعبنا المسلم، ليعي فيها إسلامه بعمق، لِتُنقذه من سطحيّة فهمه لإسلامه ولموقف إسلامه من الحياة، حذراً من أن تُستغلّ هذه السطحيّة، كما استُغلّت، من قِبَل أعداء الإسلام في إبعاد المسلمين عن إسلامهم. إنّها مسؤوليّة ولكنها لن تثقل على نفوس المخلصين. الرحمة.. صفة الرسالة بدأت البشرية تستقبل وحي الله وروحانية الإيمان في طمأنينة وسعادة، وتهلل للنبي الجديد، وهو يدعو للمحبّة وينادي بالتسامح ويبشّر بالصفح والمغفرة ويهتف بالرحمة كصفة حية لرسالته، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾]الأنبياء : 107 [. وإذا بالرحمة تغزو القلوب فتلهب بالعاطفة والمحبة والحنان، وترفرف على الحياة فتحوّلها إلى كتلة حيّة من المشاعر والأحاسيس الفيّاضة بالطهر، النابضة بالإيمان. وتمتدّ إلى كلّ خلية من خلايا الكون، وإلى كلّ مجال من مجالات الإنسان. وإذا بالرحمة تغدو نظاماً وشريعة تحنو على الإنسان، فتخطُّ له درب الحياة بعيداً عن الأشواك، بعيداً عن 39 الكلام السيد الفوضى والانحراف، ليقترب من إنسانيّته ويبتعد بها رويداً رويداً عن طبيعة الحيوان فيه. وتحوّلت الرحمة في إطار ذلك كلّه إلى مبدأ للحياة، وخطة للعمل، وشريعة للإنسان. فلم تعد مجرّد معنى يمثّل جانب الإحساس الطيّب في ضمير الإنسان، وإنّما أصبحت الروح التي تمتدّ في الجذور البعيدة في قضيته. هكذا انطلقت الرحمة لترسم درب القوة، بعد أن كانت تسير في اتجاه الضعف البشري. بين الجانب المادي والجانب الروحي فلو نظرنا إلى الإنسان من جانبه المادّي وأغفلنا جانبه الروحيّ، لانحرفنا بحياته عن الاتجاه السويّ. ولو نظرنا إليه من جانبه الروحيّ، لابتعدنا عن حقيقة واقعه، لأنّ الإنسان، كما قلنا، ليس جسداً منفصلاً ولا روحاً منفصلة، وإنّما هو كيان امتزجت فيه الروح بالجسد والتقى فيه جانب الحيوان والملاك. ﴿إذِْ قَالَ رَبُّكَ للِْمَلَائكَِةِ إنِِّي خَالقٌِ بَشَراً مِن طيِنٍ* فَإذَِا سَوَّيْتهُُ وَنَفَخْتُ فيِهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾]ص: 71 - 72 [. تلك هي حقيقة الإنسان في مفهوم الإسلام )قبضة من طين ونفخة من روح(. وبذلك بدأ ليحقق التوازن بين هذين الجانبين، فلا يطلب من الإنسان أن يكون ملاكاً يحتقر كلّ نوازغ الجسد فيه، كما لم يرضَ له أن 40 الكلام السيد يكون حيواناً يستجيب لغرائزه وميولة استجابة عمياء، وإنّما أراد له أن يكون إنساناً يتّجه إلى الحياة بجسده كما يتّجه إليها بروحه، ويمزج بين الروح والجسد في كلّ ما يعمل وفي كلّ ما ينتج. إنّه لا يريد للإنسان أن يرفض الدنيا رفضاً باتاً ويخنق في داخل نفسه كلَّ نوازع الجسد، ويُشلّها في عمليّة حبس قهريّ، وإنّما أراد منه أن يجعل الدنيا رحلة في طريق الله ومزرعةَ الآخرة، ومنطلقاً للاتصال بالله... «ليس منّا مَنْ ترك دنياه لآخرته ومَنْ ترك آخرته لدنياه .» ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾]القصص: 77 [. هدفٌ سامٍ وهكذا لم يحتقر الإسلام الدنيا وإنّما وجّه الإنسان إلى أن يجعل لها هدفاً يصلها بالله ويربطها بروحه، ولهذا وحده كانت الأخلاق التي أمر بها الإسلام لا تمثّل أيّ جانب للسلبيّة في حياة الإنسان، وإنّما تتّجه به اتجاهاً إيجابياً، لا ينحرف به في جانب الضعف ولا يطغى به في جانب القوة. فالصبر لا يمثّل الاستكانة للظلم والخضوع له، وإنّما يمثّل ضبط النفس وكبح جماحها، قبل اتّخاذ أيِّ موقف من المواقف؛ والتوكّل لا يمثّل الاتّكالية والتواكل في الحياة، وإنّما يمثّل الاعتماد والاستناد إليه في ما يعمله الإنسان وفي ما يقوم به من مشاريع. 41 الكلام السيد والدفع بالتي هي أحسن ودفع السيئة بالحسنة، لا يمثّل ضعف الإنسان بقدر ما يمثّل إعانة المسيء على التراجع عن إساءته بتذكيره بالجانب الخيّر من الحياة، وإرجاعه إلى فطرته الأصلية. حيث الجميع في ظلال الله لقد جاء النبي الأعظم )ص( أساساً للحياة في دعوته، وقاعدة للسلوك وميزاناً للعمل. فبذلك يستطيع الإنسان أن يحكم نفسه ويضبطها ويوجّهها إلى طريق الخير والسعادة والفلاح، لأنه يوجد في داخل الإنسان رقابة ضميريّة تعصمه من الزلل، وتنقذه من الانهيار، وتوقظ فيه الشعور بالمسؤوليّة تُجاه نِعَم الله وآلائه عليه، وتوحي له بقيمة الحياة إذا اتصلت بالله، وبعظمتها إذا اتجهت في سبيله، وتجعله يشعر بضرورة إشاعة المعاني الخيّرة والقيم الخالدة في داخل الحياة، من أجل أن يكون العباد كلّهم في نعمة وسعادة عندما يعيشون في ظلال الله. الحاجة إلى الإيمان استطاع النبي )ص( بهذا الإيمان الواثق العميق بالله، الذي يجد عظمة الله في نفس الإنسان، حتى ليصغر كلّ شيء إزاءه، استطاع أن يدفع الإنسانية إلى الأمام ويرتفع بها إلى أعلى ذروة، فلم تمضِ إلاّ سنوات قلائل، حتى كانت الحضارة الإسلامية تملأ شرق الأرض وغربها، وانطلقت قوافل العلم تُوجّه الإنسان إلى أسرار الكون وعجائب الخليقة في حريّة واسعة، لتدلّه على عظمة الله. وهكذا يلتقي الحاضر بالماضي في حاجته إلى 42 الكلام السيد الإيمان كسبيل من سبل الاستقرار المادي والروحي للإنسان. وهكذا يستطيع الإنسان أن يستمتع بحياته في ما أحلّه الله له من دون أن يخشى تأنيباً من ضمير أو عقاباً من الله. وانطلقت شريعة الله، تخطّط وتوجّه في هذا الطريق، طريق التوازن في الإنسان من جانبه الماديّ ومن جانبه الروحيّ. انهيارٌ للقيم لقد انهارت الإنسانية في داخل الإنسان، بانهيار الروح الدينيّة في أعماقه، فليس هناك عنده قاعدة للروح أو منطلق للإيمان، أو اطمئنان للحق... وإنّما هو القلق والضياع والشك القاتل المدمّر والحيرة التي تأكل حياته وتخنق حيويّة الطُّمأنينة في داخله. لقد بدأ إنساننا يهرب من نفسه، ليدفن حياته في مهاوي الفراغ ويهرب من واقعه، ليُغرِق ذاتَه في بحار اللذة. وتحوّل الهروب عنده إلى عقدة، تأخذ عليه كلّ كيانه وكلّ مشاعره وعواطفه. وأصبح الظمأ في حياته مشكلة، فما زال يعبّ من الينبوع ليملأ جوفه ولكنه لا يرتوي، فالظمأ قاتل والطريق حائر في مجاهل التيه. اختلال الموازين واختلطت مفاهيم الحياة في ذهنه، حتى لم يعد يميّز شيئاً؛ فالجريمة مظهر من مظاهر البطولة، والانحراف أسلوب من أساليب الفن، والانحلال والعربدة جانب حيٌّ من جوانب تأكيد الحرية في حياة الإنسان الذي 43 الكلام السيد يريد ممارسة إرادة الوجود في سلوكه الفردي، والهجوم على المقدّسات والتجديف على الدين شكلٌ من أشكال التحرّر الفكري والتقدّم الذهني. وحده الإيمان هو الحلّ لقد تعقّدت الحيرة في داخل الإنسان، وضاقت الطريق في عينيه، وأطبق الضباب على آفاقه، فمضى يحطّم كلّ ما حوله باحثاً عن منفذ للنور، ومنطلق جديد للحياة... وما زال يبحث ويتلفّت باحثاً عن حلّ وما زالت الرمال تخفي معالم الطريق وتطمس آثاره. ذلك هو بعض من واقع الإنسان الذي يمثّل إنسان المأساة في يأسه وتمرّده، في كفره وإيمانه، في ضلاله وهداه. كان الإيمان بالله الذي يمثّل ضمير هذا الإنسان ووجدانه، القوة العاصمة له من الانحراف، والرقابة الرادعة له عن الانهيار في مهاوي الجريمة، والنور الذي يفتح له أبواب الأمل عندما تعصف به عواصف اليأس، والمنطلق الخيّر الذي يهديه إلى سبيل الخير عندما تثور في غرائزه دواعي الشرّ. كان الإيمان بالله- في حياة الإنسان- يمثّل شاطىء الأمان الذي يرتاح إليه، ويستريح في ظلاله ويلجأ إليه عندما تضرى رياح الزمن. محاولة إبعاد الجيل عن الدين لقد أُريد لهذا الجيل أن يبتعد عن الله وينحرف عن الدين. وقد تضافرت عوامل عديدة من تهيئة الأجواء الملائمة لهذا الانحراف. وهكذا نجحت 44 الكلام السيد الخطّة المرسومة، ووصلت إلى هدفها المنشود، فعزلت الجيل عن الدين، وعزلت الدين عن المدرسة، فلم يعد الدين يمثّل في منهاج المدرسة أيَّ معنى من المعاني التي توحي بالتقدير والاحترام. وبهذا أُغلقت النافذة الكبرى التي يطلّ منها الإنسان المثقّف على الدين... وهي نافذة المعرفة الدينيّة التي تهيء للإنسان أن يفهم واقع الدين عقيدةً وفلسفة وأخلاقاً وشريعة. لقد أُريد للإنسان أن لا ينفتح على المعاني الحية التي يمثّلها الدين، فلم تعطِ للدين أيَّ حرية في الدفاع عن نفسه وتوضيح دوره القيادي في الحياة داخل المدرسة، لأنّ البرنامج لا يتّسع له، في الوقت الذي تملك فيه بقية الأفكار كلّ الحرية في عرض مفاهيمها وأفكارها. وكان الله في عون بقية البرامج. وهكذا، شارك ذلك كلُّه في إيجاد جيل بعيد عن الله لا يعرف الدين إلاّ من خلال الصفة التقليدية التي تلحق كلّ إنسان بدين أبيه، مما ساعد على تعميق الفكرة التي أُريد لها أن تمثّل تفاهة دور الدين في حياة الإنسان، كما ساعد على أن يتقبّل الشباب كلّ دعوة مضادّة للدين وكلّ تزييف لحقيقته، وهيّأ الجو الملائم لنجاح عمليات استغلال الدين كواجهة من واجهات الدعاية السياسية. مسؤوليّتنا الدينيّة والآن.. نحن أمام مسؤوليّتنا الدينيّة وجهاً لوجه. فما الذي أعددناه للعمل الديني؟ أو بالأحرى ما هي الوسائل الكفيلة 45 الكلام السيد بإعادة الدين إلى واقع الحياة، ليشيع فيها المحبة والاستقرار والطُّمأنينة ويجمع فيها القلوب على تقوى من الله، وتقديسٍ لشرائعه وتعاليمه، ويوحّد أخاه الإنسان ويحبّ فيه الإنسان لإخوانه ما يحب لنفسه؟ ربما كان من بين تلك الوسائل، أن نعمل بإخلاص وقوّة في سبيل أن يحتلّ الدين مركزه الأساس في داخل المدرسة، من أجل إيجاد الجيل المثقّف المؤمن الذي يحمل رسالة العلم بيد، ورسالة الإيمان بالله وبرسله بيد أخرى، ويفهم الدين ينبوعاً للمحبّة، ومنطلقاً للخدمة العامة، ورمزاً للسلام الروحيّ والماديّ في حياة الإنسان، وميثاقاً إنسانياً للعمل من أجل إقامة العدل في الأرض، كمظهر من مظاهر ارتباط الأرض بالسماء. وبذلك يستطيع تحطيم الفكرة المشوّهة التي اعتبرت الدين هرباً من الحياة وابتعاداً وتجميداً لطاقاتها المبدعة. ولن نعدم المناهج التي تستطيع استيعاب هذه المعاني، في إطار مناهج التربية والتاريخ والاجتماع والأدب. ومن جهة أخرى، يجب علينا أن نثير في أنفسنا الشعور بالمسؤوليّة تجاه فلذات أكبادنا، فنحاول تعهّد نموّهم الروحيّ بالتربية الدينيّة داخل البيت، كما نعمل في الوقت نفسه على إيجاد النوادي الثقافية التي توجّه الجيل نحو الثقافة الدينيّة المنفتحة على واقع الحياة، وتهيئة المكتبات العامة التي تساعد على إثارة مثل هذه الأجواء بما تقدّمه للجيل من زاد ثقافي ديني واعٍ يفتح عينيه على واقع الدين بدون لفّ ودوران. 46 الكلام السيد الإيمان الواعي إنّنا لا ندعو هنا- إلى الإيمان الأعمى الذي لا يعرف هدفه، ولا يهتدي طريقه، وإنّما ندعو إلى الإيمان الواعي الذي يرتكز على أساس من ثقافة وعلم وفكر، فقد ذمّ القرآن الكريم التقليد الأعمى في ما حكاه عن المشركين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾]البقرة : 170 [ إنّنا ندعو هنا إلى أن لا يكفر الإنسان بالشيء لمجرّد أنّه يجهله أو يشكُّ فيه، بل لا بدَّ له أن يبقى في حالة بحث وترقّب وانتظار للحقيقة، وهو يسعى إليها في هدوء وحذر. وقد قال الإمام جعفر الصادق)ع( وهو يتحدّث عن ذلك: «... لو أنّ العباد إذا جهلوا وقفوا، ولم يجحدوا ولم يكفروا، إنّما يكفرون إذا جحدوا .» إنّ الإسلام يريد أن يجعل الإنسان حياته رحلة فكريّةً في الكون الفسيح من أجل أن يهتدي ويعرف ويكتشف على أساس من وعي ويقظة. إنّنا نريد من شبابنا وجيلنا أن يدرسوا الدين ويقرأوه، ليعرفوه ويناقشوه، ليطّلعوا على ما فيه من حلول لمشاكلهم وتحليل لقضاياهم وتقدّم لحياتهم. إنّنا نريد لهم أن يفهموا أنّ استغلال الفكرة من قِبَل تجّار السياسة أو تجّار 47 الكلام السيد الدين، لا يعني أنّ الفكرة تستجيب لطبيعة الاستغلال. فليست هناك فكرة خيّرة في التاريخ الإنساني لم تكن موضعاً للاستغلال، ولكن المعاني الخيّرة تبقى في أصالتها نقيّة ناصعة، ويموت الاستغلال ويتكشّف الواقع السيء.. وفي خاتمة المطاف إنّنا نريد لهم أن يعيشوا قضايا العقيدة والفكر في هدوء العقل واتزانه ولا يجعلوها عُرضةً للحماسة والاندفاع الأعمى، لأنّ الحماسة لا يمكن أن تساعد على فهم الفكرة ومناقشتها، وبذلك يُخلصون لأنفسهم ولقضيتهم ويعرفون جيداً عمق المأساة التي يعيشها الدين في واقعنا المعاصر، عندما يُحارَب من قبل أناس يجهلون ما فيه من خير وصلاح ومحبة. الشعاع السمح إنّنا نعتبر الإيمان بالله يمثّل الضمانة الوحيدة التي يمكن أن تحفظ للإنسان إنسانيّته، وتصون له مُثُلَه وقِيمَه، لأنّه هو الذي جعل للأخلاق معنى، ويحمي الحياة من صفة العبث، ولهذا ركّزت الأديان السماويّة على فكرة الإيمان بالله، كحقيقة تفرضها الفطرة ويركّزها الوجدان ويوحي بها الشعور المستقيم. ومن هنا كانت تتسامح في أيّة خطيئة ما عدا خطيئة الكفر بالله والإشراك به. ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾]النساء: .]48 48 الكلام السيد ذلك لأنّ الإنسان الملحد الكافر لا يمكن أن يرتفع عن طبيعة الحيوان فيه، لأنّه لا يملك الينبوع الذي يثير فيه يقظة الضمير وطهارة الوجدان. إنّ الإنسان الذي لم يستطع أن يُبصر الشعاع السمح، وهو يفيض من روح الله على هذا الوجود،لا يمكن أن يعيش معاني الرحمة والمحبة والتسامح والمغفرة، ولذا فلا يمكن أن يتسلّم قيادة البشرية، لأنه لا يستطيع أن يقودها إلى الجانب الخيّر من الحياة. بين الدين والمتديّنين مشكلتنا الدينيّة في هذا العصر هي أنّنا متديّنون لا نفهم الدين، وإنّنا نحاول ممارسة بعض شكليّاته بنحوٍ آليّ من دون أن تترك في حياتنا أيَّ أثر. ونحن متديّنون ولكننا نسير وراء الظالمين الذي يستغلون خيراتنا ويمتصون دماءنا ويخرّبون أمننا وسلامتنا، بما يثيرونه في حياتنا من فُرقة وخلاف يفصل الأخ عن أخيه، والأب عن ولده، والزوجة عن زوجها، من دون أن نحصل على أيِّ شيء سوى ما يحصل عليه الإنسان الذي يحصد الشوك بيديه. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾]هود .]113 : فنحن متديّنون ولكننا نتبع كلّ خطط الكفر وخطواته التي تتلوّن وتتنوّع حسب اختلاف الظروف، والله سبحانه يقول: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ 49 الكلام السيد وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾]الفرقان : 52 [. ونحن متديّنون... ولكنّنا نحمل في قلوبنا الحقد والضغينة والشحناء لإخواننا في الإيمان، والله سبحانه يقول: ﴿وَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا﴾]الحشر: 10 [. ونحن متديّنون.. ولكننا نمارس الغيبة والنميمة والكذب والفحشاء والزنا وشرب الخمر والغش والخداع... وكلّ أساليب الشرّ والانحراف. وبعد ذلك... ماذا بقي لنا من الدين؟ وماذا عندنا من الإيمان؟ إنّ الدين ليس مجرد فكرة معلّقة في الهواء، أو صفة عائلية تلصق بالإنسان، كما يلصق به نسبه. إنّ الدين عقيدة تخطّط وتوجّه، وفكر ينير ويهدي، وسلوك يُثار وينفعل ويستجيب لنداء الله. مأساة الدين في هذا العصر أنّه أصبح مجالاً للاستغلال والاتجار من قِبَل تجّار السياسة، فقد تحوّلت الشعارات الدينيّة التي تمثّل كلَّ ما في الحياة من قيم خيّرة، لقد تحوّلت بفعل الألاعيب السياسية إلى لافتات تحاول استغلال عاطفة الجماهير وسذاجة معرفتها الدينيّة، وبدأ الكثيرون من تجّار السياسة يتستّرون وراءه لإخفاء أهدافهم ومصالحهم وأطماعهم الشخصية التي يختبئ في داخلها الكفر والاستغلال من الشرق والغرب. عامل تجديد لقوّة الحياة إنّ الدعاء حاجة ذاتية طبيعية للإنسان المؤمن بالله، يُحسّ بها في داخله تماماً كما يحسّ بلذعة الجوع عند حاجته إلى الطعام، وحرارة العطش 50 الكلام السيد عند حاجته إلى الماء، فهو جوع الإنسان للحنان وللسلام الذي يملأ قلبه بالحياة وروحه بالنور. فهناك حالات يشعر الإنسان فيها- أمام قسوة الحياة وضغط المشاكل وتراكم الأزمات الداخليّة والخارجيّة- أنّه بحاجة إلى التعبير عن الآلام التي تمزّق ذاته، والمشاعر التي تجيش في نفسه، من دون أن يجرح كبرياءه أو يهدر كرامته. وهنا يأتي دور الدعاء الذي يسمح لإنسان أن يتنفس بكرامة ومحبة وللروح أن تنطلق بعزة وحنان، فيفتح قلب الإنسان على ربّه، وينطلق بروحه إلى الله حيث السلام والطمأنينة، والحياة الوادعة الرضيّة المطمئنة التي تجعل الإنسان يغفو على هدهدات الأمل، عبر لفتات الرحمة، ونبضات الرضوان. إنّ الإنسان يتحوّل- آنذاك- إلى طفلٍ في روحه؛ يعيش طفولة الروح بكلّ بساطتها وصفائها وعفويتها، عندما يجلس بين يدي الله في إيمان محبّب وديع واثق بالفوز، مطمئن للفرج. إنّه يبكي ويشكو ويتألم، ويطلب ويستعطف، ويلحّ في الطلب والاستعطاف، ويمارس شتى الأساليب التي تمثّل مظهر الضعف في الإنسان. ولكنّه- مع ذلك- يبقى يحسّ بلذة هذا الضعف الذي يربطه بمصدر القوة المطلقة، ليستمدّ منه القوة على مواجهة عقبات الحياة. إنّه ضعف المخلوق أمام خالقه، الضعف الوحيد الذي يشعر معه 51 الكلام السيد الضعيف بالاعتزاز، والزهو بضعفه عندما يقف أمام القوي. وهكذا كان الدعاء، عامل تجديد لقوة الحياة في الإنسان، لئلا يختنق بين قسوة مشاكله وضغط كبريائه، فيتحول إلى إنسان منهار. تحمّل المسؤوليّة الشعور بالمسؤوليّة تجاه الجانب السلبي من تصرّفات الإنسان، تماماً كما هو الجانب الإيجابي منه. وقد نلمح ذلك واضحاً في بعض فقرات دعاء الإمام زين العابدين في الاعتذار عن تبعات العباد والتقصير في حقوقهم: «اللّهمَّ إنّي أعتذرُ إليكَ منْ مظلومٍ ظُلِمَ بحضرتي فَلمْ أنصرْهُ، ومِنْ معروفٍ أُسديَ إليَّ فلمْ أشكْرهُ، ومِنْ مسيءٍ اعتذرَ إليَّ فلمْ أعذرْهُ، ومِنْ ذِي فاقةٍ سألني فلمْ أؤثرْهُ، ومِنْ حقِّ ذي حقٍّ لزمني لمؤمنٍ فلمْ أوفِّرْهُ، ومِنْ عيب مؤمنٍ ظهرَ لي فلمْ أستْرهُ، ومِنْ كُلِّ إِثْمٍ عَرَضَ لي فَلَمْ أَهْجُرْهُ، أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ يا إِلهِي مِنْهُنَّ اَعْتِذارَ نَدامَةٍ يَكُونُ واعِظاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ أَشْباهِهِنَّ .» إنّنا نجد من خلال هذه الفقرات، في الموقف السلبي تجاه حالات الظلم والحرمان والمعروف ونحوها، خطيئة ينبغي للإنسان أن يعتذر منها- كما يعتذر من سائر خطاياه- لأنَّ الموقف السلبيّ يتحوّل إلى موقف إيجابي لمصلحة الظالم ضدّ مصلحة المظلوم، ويؤدّي إلى زهد أهل المعروف بالمعروف، وإلى غير ذلك من الحالات التي لا يجوز للإنسان أن يقف فيها موقف الحياد أو اللامبالاة في أيِّ مظهر من مظاهر الحياة التي لا تتمثّل في معركة الصراع بين الخير والشرّ. 52 الكلام السيد استمداد العون الإلهي الاستعانة بالله على محاربة غريزة الظلم والاعتداء على الآخرين، بالروح نفسها التي يطلب فيها الاستعانة به على دفع ظلامة الآخرين. وقد نلمح ذلك في فقرات متفرقة من الصحيفة السجادية: «اللهمَّ فكما كرهتَ لي أنْ أَظْلِم فَقِني من أن أُظلم .» «اللهم اكسر شهوتي عن كلّ مأثم، وأزوِ حرصي عن كلّ محرّم، وامنعني عن أذى كلّ مؤمن ومؤمنة، ومسلم ومسلمة .» «ولا أُظلمنَّ وأنت مطيقٌ للدفع عني، ولا أَظلمنَّ وأنت القادر على القبض مني .» إنه يستجدي قدرة الله على نفسه، ويستعطفها أن تحمي الآخرين من نزوات قوّته ومن نزعات أنانيّته. إنّه يبلغ قمّة السموّ الإنساني عندما يرفض الظلم من نفسه كما يرفضه من الآخرين، انسجاماً مع الفكرة التي ترفض الظلم كمبدأ من دون النظر إلى طبيعة الظالم أو شخصيّة المظلوم، ومع الفكرة الدينيّة التي تقول: «أحبب لأخيك ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لها، فلا تَظلم كما لا تحبّ أن تُظلم .» مواجهة العقد التركيز على حقيقة إنسانية ترى الظلم نتيجة طبيعية لعقدة ضعف، تتحكم في الظالم فتدفعه إلى التنفيس بالانتقام من المظلوم. الأمر الذي يجرّد الظالم من وَهْمِ العظمة الذي يحاول أن يحيط به نفسه، ليغطي عوامل 53 الكلام السيد الضعف داخل نفسه. وقد نلمح ذلك في دعاء ليلة الجمعة. «وَقَدْ عَلمِْتُ أنََّهُ ليَسَْ فيِ حُكْمِكَ ظُلْمٌ وَلا فيِ نَقِمَتكَِ عَجَلَةٌ، وَإنَِّما يَعْجَلُ مَنْ يَخافُ الفَوْتَ، وَإِنِّما يَحْتاجُ إِلى الظُّلْمِ الضَّعِيفُ، وَقَدْ تَعالَيْتَ يا إِلهِي عَنْ ذلِكَ عُلُوّاً كَبِيراً .» فالله لا يظلم لأنه قويّ. أمّا الآخرون فإنّهم يظلمون لأنّهم يخافون الناس ويخافون الحق، فيبادرون إلى البغي والاعتداء لتغطية هذا الضعف والتمويه على الباطل. روحيّة العطاء الارتفاع بالأخلاق إلى المستوى الذي يجعلها تنطلق من داخل الإنسان عفوياً، كما هو النور من الشمس، والماء من الينبوع، من دون مقابل، لئلا تتحوّل المسألة إلى مبادلة تجارية. أن يشعر الإنسان بالجذور الأصيلة للخير تمتدّ في داخل نفسه، وتدفعه للخير من أجل الخير من دون تفكير في حساب الربح والخسارة على المستوى المادي، انسجاماً مع الفكرة الإسلامية التي تقول: «صِلْ مَنْ قطعك، واعفُ عمّن ظلمك، وأعطِ من حرمك ». وهذا ما نراه في دعاء مكارم الأخلاق: «وَسَدِّدْنِي لأنْ أعَارِضَ مَنْ غَشَّنِي بِالنُّصْحِ، وَأَجْزِيَ مَنْ هَجَرَنِي بِالْبِرِّ وَاُثِيبَ مَنْ حَرَمَنِي بِالْبَذْلِ وَاُكَافِيَ مَنْ قَطَعَنِي بِالصِّلَةِ واُخَالِفَ مَنِ اغْتَابَنِي إلَى حُسْنِ الذِّكْرِ، وَأَنْ أَشْكرَ الْحَسَنَةَ وَاُغْضِي عَنِ السَّيِّئَةِ .» 54 الكلام السيد الاندماج الروحي الإيحاء بضرورة الاندماج الروحي بالطبقات المحرومة من الفقراء والمساكين، والتعاطف معهم كخُلُق ذاتيّ، تنطلق فيه الممارسة من محبة النفس الذاتية لا من طبيعة الواجب المفروض من أعلى. ثم الانسجام معهم بالسيطرة الدائمة الواعية على الانفعالات النفسية، التي تحدث للإنسان من خلال اصطدامه بإطارهم الضيّق الذي يجعلهم يفقدون الكثير من أصول اللياقة واللباقة تبعاً لقسوة ظروفهم وخشونة واقعهم. وهذا ما تعبّر عنه هذه الفقرة من أدعية الصحيفة السجادية: «اللهمّ حَبّب إليّ صحبة الفقراء، وأعنّي على صحبتهم بحسن الصبر... .» محاربة الكسل الإيحاء الذاتي للمؤمن بأنّ البيئة التي يسودها الكسل، وتنتشر فيها البطالة تُبعده عن الله، كما تُبعده عن الحياة الجادة الهادفة، الأمر الذي ينبغي له معه أن يرفض تلك البيئة، ويتحوّل إلى بيئة أخرى يسودها العمل والجدّ والاجتهاد، كما نجده في دعاء شهر رمضان في معرض تعداد الأسباب التي تُبعد عن الله: «أو لعلّك رأيتني أَلَفُ مجالس البطالين فبيني وبينهم خليتني... .» 55 الكلام السيد مكارم الأخلاق التركيز على تغيير الانحراف في أخلاق الإنسان، سواء أكان الانحراف في داخل النية، فيتمثّل التغيير في تحوّلها إلى نيّات طيّبة، أم كان في طبيعة الكلمة فيتمثّل في تحويلها إلى كلمات خيّرة، أم في طبيعة العلاقات الإنسانية التي ترتكز على الرغبة والرهبة، فيتمثّل في تغييرها إلى علاقات ترتكز على أساس الكفاءة الذاتية والقيمة الواقعية. وسنجد كلّ ذلك متمثِّلاً في دعاء مكارم الأخلاق: «أللَّهُمَّ اجْعَلْ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِي رَوْعِي مِنَ التَّمَنِّي وَالتَّظَنِّي وَالْحَسَدِ ذِكْراً لِعَظَمَتِكَ، وَتَفَكُّراً فِي قُدْرَتِكَ، وَتَدْبِيراً عَلَى عَدُوِّكَ، وَمَا أَجْرَى عَلَى لِسَانِي مِنْ لَفْظَةِ فُحْش أَوْ هجْر أَوْ شَتْمِ عِرْض أَوْ شَهَادَةِ بَاطِل أو اغْتِيَابِ مُؤْمِن غَائِبِ أَوْ سَبِّ حَاضِر، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ نُطْقاً بِالْحَمْدِ لَكَ وَإغْرَاقاً فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ، وَذَهَاباً فِي تَمْجيدِكَ وَشُكْراً لِنِعْمَتِكَ وَاعْتِرَافاً بِإحْسَانِكَ وَإحْصَاءً لِمِنَنِكَ... .» «اللهمّ وَصُنْ وَجْهِي بِالْيَسَارِ، وَلاَ تَبْتَذِلْ جَاهِي بِالاقْتارِ فَأَسْتَرْزِقَ أَهْلَ رِزْقِكَ، وَأَسْتَعْطِيَ شِرَارَ خَلْقِكَ، فَأفْتَتِنَ بِحَمْدِ مَنْ أَعْطَانِي، وَاُبْتَلَى بِذَمِّ مَنْ مَنَعَنِي وَأَنْتَ مِنْ دُونِهِمْ وَلِيُّ الاعْطَاءِ وَالْمَنْعِ .» التوازن الذاتي الإلحاح في مراقبة النوازع الداخلية في النفس، لإبقائها على طبيعة التوازن الذاتي وعدم السماح بطغيان العوامل الخارجية التي تتمثّل في 56 الكلام السيد المدح الذي يُكال للإنسان من دون حساب، وللجاه الذي يحصل عليه أو العزة التي ينالها نتيجة أعماله وأخلاقه: «اللهمّ لا تَرْفَعْنِي فِيْ النَّاسِ دَرَجَةً إلاّ حَطَطْتَنِي عِنْدَ نَفْسِي مِثْلَهَا، وَلا تُحْدِثْ لِي عِزّاً ظَاهِرَاً إلاّ أَحْدَثْتَ لِي ذِلَّةً بَاطِنَةً عِنْدَ نَفْسِي بِقَدَرِهَا .» خطّ الاستقامة الإصرار على المحافظة على الحق مع الأولياء والأعداء، وعدم الانجراف مع تيار العاطفة، في إخضاع السلوك للعواطف والأغراض الشخصيّة والنزعات الطارئة: «اللهمّ وَارْزُقْنِي التَّحَفُّظَ مِن الْخَطَايَا، وَالاحْتِرَاسَ مِنَ الزَّلَلِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فِي حَالِ الرِّضَا وَالْغَضَبِ، حَتَّى أكُونَ بِمَا يَرِدُ عَلَيَّ مِنْهُمَا بِمَنْزِلَة سَوَاء، عَامِلاً بِطَاعَتِكَ مُؤْثِراً لِرِضَاكَ عَلَى مَا سِوَاهُمَا فِي الأَوْلِياءِ وَالأعْدَاءِ حَتّى يَأْمَنَ عَدُوِّي مِنْ ظُلْمِي وَجَوْرِي، وَيَيْأَسَ وَلِيِّي مِنْ مَيْلِي وَانْحِطَاطِ هَوَايَ .» وبعد.. فهذه نماذج من الأدعية الإسلامية التي لم يحاول منشئوها أن يجعلوا الإنسان يبتعد بها عن حياته، بل حاولوا أن يشدّدوا معها على صلته بالحياة، ويُرشدوه إلى المجالات التي يستطيع أن ينتبه فيها إلى مواضع الخطأ فيصلحها، وإلى مواطن الانحراف فيصححها، وإلى زيغ النيات فيخلّصها من الشوائب. الأمر الذي يجعلنا نستوحي منها الفكرة التي تقول: إنّ الإسلام يريد من المسلم أن لا يصرف بوجهه عن حياته 57 الكلام السيد حتى وهو بين يدي الله، بل يريد منه أن يندمج بالحياة بكلّ قوّة، يجسّد كلّ إرادات الله وكلّ تعاليمه التي تغدو الأرض معها جنّة مصغّرة، نتعلّم فيها كيف نمارس نعيم الله في الدنيا، قبل أن نعيش معه في الآخرة. حب الإسلام إنَّ مشكلتنا هي أنّنا نحسبُ حسابَ أنفسنا في علاقاتنا ببعضنا ولا نُدخل الله في حساباتنا، فعندما تواجهني بغيظٍ لا أصبر حتى أُغيظَك، وتشتمني فأشتُمك وتسيءُ إليَّ فأُسيءُ إليك. فليكن عندنا الصدرُ الواسع الذي يقترب إلى الله بالصبر ليحصل على أجر الصابرين، ويتقرّب إلى الله بالعفو كما فعل وقال الإمام زين العابدين )ع(: «اللهمَّ إنّك أنزلت في كتابك العفو، وأمرْتنا أن نعفوَ عمّن ظلمنا، وقد ظلمنا أنفسنا، فاعفُ عنّا، فإنّك أَوْلى بذلك منّا .» فلن نكون أكرم منك يا ربّ، فلقد عفونا عمّن أساؤوا إلينا وإذا لم تعفُ عنا فمعنى ذلك أنّنا أكرم منك ولا يكون ذلك، فأنتَ ربّ الكرم وأكرم الأكرمين. فلنتعلّم، أيّها الأحبّة، كيف نصبر على كلمات السلبيّين، ولنتعلّم كيف نعفو عمّن أساء إلينا، لنتعلّم كيف نعيش العقل المفتوح الذي يفكّر بالأمور بانفتاح، ولا يستعجل ردّ الفعل، يعيشُ القلب المفتوح الذي يمتصّ كلّ الإساءات بكلِّ معاني الخير فيه، يعيشُ الموقفَ المفتوح الذي يدرس كلّ الظروف الموضوعية ليعرف هل أنَّ عاقبةَ تصرّفه خيرٌ أم شرّ؟ 58 الكلام السيد ويبقى ذلك هو درس الإمام زين العابدين )ع( الذي يقول: «أحبّونا حبَّ الإسلام »، لا حبَّ الذات بعيداً عن الإسلام، وإنَّ علينا أن ننطلق مع أهل البيت )ع( حيث ما يجسّدونه من الإسلام، حتى يكون الإسلام هو الذي يربطنا بهم وهو الذي يربطنا بالحياة وبالإنسان كلّه، لأنّ الإنسان إذا كان منتمياً إلى دين الله فلا بدّ أن تكون كلُّ علاقاته منطلقةً من خطوط هذا الدّين، وعلينا كذلك أن نُحبَّ في الله وأن نُبغضَ في الله. العمل ثم العمل ينادي الله تعالى فينا باستعجال العمل، وأن تتحرّك في حياتك العملية في خطّ المسؤوليّة على أساس أنّ عمرك في كلّ يوم هو فرصتك التي قد تكون الأخيرة.. ومن هنا فإنّ الله قد فتح لك أبواب المغفرة من خلال العمل الصالح. وفتح لك أبواب جنّته من خلال الانفتاح على مسؤوليّاتك العامّة والخاصّة، فلا تؤجّل عمل اليوم إلى غدٍ... لا تقلْ في غدِ أتوب لعلّ ال )غدَ( يأتي وأنتَ تحت التّرابِ. حاوِلوا أن تعيشوا حركة السّباق مع الزمن.. وليس من الضّروري أيّها الإنسان أن تعيش السّباق مع الآخرين، وإنّما تعتبر عمرك مسؤوليّتك.. وهو رأسُ المال الذي تتاجر فيه ربّك.. وكن واعياً لكلّ دقيقة كيف تملؤها بذكر الله وفي العمل في سبيله. 59 الكلام السيد التقوى العملية لقد جعل الله للجنّة ثمناً.. فهي للصابرين وللعاملين في سبيله... وللمجتهدين... كما أنّها لا تُعطى مجّاناً.. وقد قال الإمام علي )ع( متحدِّثاً مع أصحابه: «أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه وتكونوا أعزَّ أوليائه عنده، هيهات لا يُخدع الله عن جنّته ولا تُنال مرضاته إلاّ بطاعته .» إنّ المتّقين هم الذين حاسبوا أنفسهم ووقفوا في خطّ الانضباط أمام أمره ونهيه، عاملين على التوازن في حياتهم بين مسؤوليّات الدّنيا ومسؤوليّات الآخرة، فلم تلغِ آخرتهم دنياهم كما لم تلْغِ دنياهم آخرتهم، وهم الذين أطاعوا الله في كلّ ما أَمَرَهم وما نهاهم. بقاء الرسالة أيّها الأحبّة، لقد دعا رسولُ الله )ص( إلى الله، وبشّر أنذر، وجاهد ثم ذهب إلى ربّه، ونزل القرآن قبل ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ﴾]آل عمران : 144 [ ، فإذا مات الرسول فلن تموت الرّسالة، ولا بدّ لكم أن تبقوا في خطّ الرسالة وفي دربها وفي حركتها وفي همومها واهتماماتها. ليكن الواحد مسلماً بحجم الإسلام إنّ الإسلام هو مسؤوليّتنا التي نحياها عقلاً وقلباً ومنهجاً وحركةً وتحدّياً وردّاً للتحدّي... وأن يكون كلّ واحد منّا مسلماً في حجم الإسلام 60 الكلام السيد بحيث يعيشُ همّ الإسلام في نفسه، لينمّي نفسه إسلامياً، وهمّ الإسلام في عائلته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾]التحريم: 6[، وأن ننمّي الإسلام في واقعنا كلّه لنملأ الحياة إسلاماً، وأن تكون حياتُنا إسلامية، وأن يكون أمننا إسلامياً، وأن تكون علاقاتنا مع الآخرين إسلامية، وأن نكون إسلاماً يتجسّد. مع الخير كلّه كان كلّ واحد من أهل البيت )ع( كتاب الله النّاطق، والله يريدُ من كلّ واحدٍ منّا أن يكون قرآناً يتجسّد في عقله وفي عاطفته وفي أخلاقه وفي قِيَمِه ولو بنسبة 20 %. أيّها الأحبّة، إنَّ مرحلتنا التاريخية التي نعيشها في مواجهة إسرائيل وفي مواجهة الاستكبار العالمي وكلِّ تيارات النّفاق والضّلال والفسق والفجور وفي مواجهة كلّ تيّارات الجهل والتخلّف التي يروح الناس فيها ويغدون، إنّ مرحلتنا هذه صعبةٌ جداً وقاسية جداً، فالمعركة واسعةٌ سَعَة العالم، والتحدّيات كبيرة في مدى الزّمن. فعلينا أن نعيش حالة طوارئ ثقافيّة وسياسيّة وأمنيّة واقتصاديّة حتّى نُثبتَ للعالَم أنّنا لسنا الضّعفاء الذين تأتي كلّ أمّة لتستضعفهم، لسنا الأذلاّء الذين يأتي كلُّ طاغية ليستغلّهم، وأن تكون لنا العزّة من خلال كلّ روحيّتنا، لكي تكون لنا الحياة من خلال كلّ مواقفنا وإرادتنا وصلابتنا، وأن نكون الأمّة- التي قال الله تعالى عنها: ﴿إنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ 61 الكلام السيد وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾]التوبة: .]111 لنكن مع الحقّ كلّه... مع الله... مع العدل كلّه.. مع الخير كلّه.. ونبقى عبادَ الله المؤمنين الذين لا يسبقونه بالقول وهم بأمْره يعملون. والذين ينطلقون في الدّنيا ليؤكّدوا رسالة الله، وينطلقون في الآخرة لينالوا رضوان الله ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾]المطففين: 26 [. كلمة الله إنَّ الله –سبحانه وتعالى- يريد أن يركّز في وجدان الإنسان أنّ كلّ حياته في دورها الإيجابيّ تختصرها )الكلمة الطيّبة( كما أنّ كلّ حياته في دورها السلبيّ تختصرها )الكلمة الخبيثة( فالإنسان الذي يعيش العقل كما يريده الله، ويعيش القلب كما يحبّه الله، ويعيش الحركة كما يرضاها الله، هو )كلمةُ الله( المتجسّدة في إنسانه، ونحن نؤمن أنّ الله سبحانه وتعالى أعطى عيسى )ع( صفة أنّه كلمته، لأنّه انطلق من إرادة الله التي يُعبّر عنها: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾]يس: 82 [. ولكنّنا قد نستوحي من )كلمة الله( أنّ )عيسى( في كلّ روحيّته وبكلّ انفتاحه على الرّسالة في واقع الإنسان وبكلّ جهده وجهاده، وبكلّ الحبّ الذي أعطاه للإنسان وللحياة كلّها، جسّد الكلمة التي يحبّها الله من حيث تَجَسُّدِها في الإنسان. 62 الكلام السيد الكلمة القرآنية نستطيع -أيّها الأحبّة- أن نستوحي من كلّ القرآن أنّ الله أراده أن يغدو كلَّ حياة النّاس، ولعلّ القِمّة في هذا التجسّد القرآني في الإنسان، يتمثّل في النبي محمد )ص( والأئمّةِ الهداة من أهل بيته لاعتبار أنّهم القرآن الناطق، فقد تحوّلوا إلى كلمة، وتحوّلت الكلمة فيهم إلى عقلٍ وروحٍ وحركةٍ وحياةٍ، وهذا ما يريده الله منّا بأن تتحوّل الكلمة القرآنية عندنا عقلاً نفكّر به في خطّ القرآن، وقلباً نتحسّسه في عواطفنا في عاطفة القرآن، وحركةً نعيشها في حركة القرآن، وأن لا تكون الكلمة حروفاً، بل إنساناً، بكلّ ما تعنيه إنسانيّته التي تتحرّك من خلال معاني الكلمات القرآنيّة، وهذه هي قمّة هدف التّربية في الإسلام، بأن نحوّل القرآن إلى شيءٍ نعيشه ونحسّه ونتمثّله ونتحرّك فيه. كلمةٌ طيّبة تغني الحياة الكلمة الطيّبة ليست محدودة في جانب معيّن، فهي كلمةٌ طيبةٌ لأنّها تُغْني الحياة وتعطيها حركيّتها وحيويّتها، وهي كلمةٌ طيّبةٌ للإنسان لأنّها تجعل عقله طيّباً ينفتح بكلّ الطّيب الذي يتحرّك به الفكر فتشعرُ بطيب الفكر في عقله، وتجعل القلب طيّباً، فإذا بالقلب كلّه محبّة وخير وانفتاح، وتجعل الحركة طيّبة فإذا بها تنطلق لتعطي فاكهة فكريّة هنا، وثمرة روحيّة هناك ومشروعاً للحياة هنالك. فالكلمة الطيّبة تمثّل كلّ إيجابيّات الحياة وكلّ إنسانيّة الإنسان، ولهذا 63 الكلام السيد شبّهها الله تعالى في عطائها وحيويتها وفي امتدادها وفي عمقها بالشجرة الطيّبة: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً﴾]إبراهيم: 24 [، أتريد أن تعرف ما هي الكلمة الطيّبة في الواقع؟ أنظرْ إلى الشجرة الطيّبة، فإذا بها تمتدّ جذورها في أعماق الأرض حتى تكاد تنفتحُ على الأرض بكلّ عروقها، وإذا بها- أيضاً- تمتدُّ في السماء حتى تبلغ إلى أبعدَ ما يمكن أن تبلغه أغصان الشجر. الكلمة الطيبة ليس لها موسم إنّ عطاء الكلمة الطيّبة ليس له موسم معيّن، ففي الربيع تعطيك الثمرَ، وفي الصيف تعطيك وفي الشتاء وفي الخريف... هذه هي الكلمة الطيّبة في صورتها المادّية الحسّية، فهي عندما تكون صِدْقاً، حقاً، وعندما تكون عَدْلاً، علماً، وعندما تكون خيراً، فهي تؤتي أُكُلَها كلّ حين، فالخير لا فصل له، فكلّ الفصول فصولًه، والحقّ لا موسم له، فكلّ المواسم مواسمُه، وهكذا العدل وكلّ القيم الروحية: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلمَِةً طَيِّبَةً﴾ في عمقها، وفي امتدادها، وفي عطائها ﴿كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء*تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾]إبراهيم .]25-24 : والله تعالى لا يأذن إلاّ بالمحبّة: ﴿وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ﴾]إبراهيم: 25 [، فالله يضرب المثل بالشيء الحسّي لننتقل منه إلى الشيء المعنويّ: ﴿ عَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾. فيا أيّها الإنسان فكّر، وحرّك فكرَكَ وعقلَكَ، وحاول أن 64 الكلام السيد تأخذ شيئاً من شيء، وحاول أن تستنتج، ولا تَجْمَد على ما عندك بل طوّره بالانتقال من )الحسّي( إلى )المعنويّ( ومن )المعنويّ( إلى معنوّي آخر. الكلمات الطيبة خالدة أيّها الناس، أنظروا إلى الكلمات الطيّبة كيف امتدّت وقد مات الرّسل ومات الأولياء، ويبقى القرآن أمدَ الدّهر، يمتدّ فكراً وقيمةً وحركةً وحيويّةً، وانظروا إلى الكلمات الخبيثة، كيف ذهبت مع الرّياح، فيما الذي يبقى هو الله وتبقى كلماته، ويبقى ويظلّ الإنسان يحلّق في الكلمات الطيّبة التي ترتفع إلى الله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾]فاطر: 10 [، فهل لنا أن نأخذ بالكلم الطيّب في حياتنا الفرديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة حتى ينطلق الكلم الطيّب ليُغني حياتنا؟ أيّها الأحبّة، فكّروا فيما يخلد، ولا تفكّروا فيما يموت... ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾]الكهف: 46 [ تلهون بها لحظة أو لحظتين ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ في أعمالكم، و﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ في مشاريعكم.. و﴿الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ في كلّ الحبّ الذي تعطونه، وفي كلّ الحقّ الذي تثبّتونه، وفي كلّ الباطل الذي تهدّمونه ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً﴾]الكهف : 46 [، ويبقى الأمل عند الله للعاملين- الصالحات- يخضرّ في حياتهم، وينطلقون للخُضرة اليانعة في الجنّة التي أعدّها الله للمتّقين في أُخراهم. 65 الكلام السيد الكلمة الخبيثة أما الشجرة الخبيثة ﴿وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ﴾]إبراهيم : 26 [، فليس لها جذورٌ، وإذا لم يكن لها جذور في أعماق الأرض، فكيف تكون لها فروع في أعالي الفضاء؟ فالشجرة تمتدّ في الفضاء بمقدار امتدادها في الأرض، فإذا كانت تعيش على السّطح. ولا علاقة لها بالعمق، فإنّها ستموت أمام أيّة عاصفة، والكلمات الخبيثة هي كذلك، فكلمة )الكذب( وكلمة )الغيبة( وكلمة )النّميمة( وكلمة )الباطل( وكلمة )الظلم( وكلُّ كلمة لا تتعمّق في حياة الإنسان ولا ترتفع إلى الله، فهي قد تترك تأثيراً بين وقتٍ وآخر، لكنها لا تستطيع أن تصل إلى مستوى الخلود. الإيمان عزّة إنّ هناك فرقاً بين أن )تخاف( وبين أن )تحذر( فالخوف يُسقطك والحذر يفتح عينيك على ما في الدّرب وعلى ما حولك ومَنْ حولك. لذلك –أيّها الأحبّة- أن تكون مؤمناً، يساوي أن تكون عزيزاً، وقد قال الإمام جعفر الصادق )ع(: «إنّ الله فوّض إلى المؤمن أمره كلّه، ولم يفوّض إليه أن يكون ذليلاً »، فالمؤمن يكون عزيزاً ولا يكون ذليلاً، وقال: «إنّ المؤمن أعزّ من الجبل، الجبل يستقل منه بالمعاول والمؤمن لا يُستقلُّ شيءٌ من دينه »، فليس لك أن تُذلّ نفسك لفرد أو لجماعة أو لدولة أو لمحور أو لأيّ شيء، فربّما يضغطون على جسدك، ولكن تبقى لك 66 الكلام السيد حرّية عقلك، بأن تفكر بحرّية، وتبقى حرّية قلبك أن ينبض بحرّية، وحرّية قرارك بأن ينطلق بحرّية، وحرّية موقفك، فالإنسان ليس جسداً يمكن أن يضغط عليه الآخرون ليسقطوه، ولكنه عقل وإرادة وقلب وموقف وقرار، فحاذِروا أن يكون عقلكم ضعيفاً أمام عقول الآخرين، وأن يكون قلبكم ساقطاً أمام قلوب الآخرين، وأن تكون مواقفكم وقراراتكم ومواقعكم محكومة للآخرين، فإنّك عندما تكون المؤمن فأنتَ العزيز. وقد أكمل الإمام الصادق )ع( كلمته بالقول: «إنّ المؤمن أعزّ من الجبل » انظر إلى الجبل في قوّته وصلابته وامتداده في أعماق الأرض وفي شموخه في الفضاء، كيف هو الصّلب القويّ الذي تأتي الرياح ولا تهزّ منه شيئاً، ومع ذلك ف «المؤمن أعزّ من الجبل، الجبل يستقلُّ منه بالمعاول - أيّ يُقتطع منه بالمعاول فتنزل منه حجارة هنا وحجارة هناك- والمؤمن لا يُستقلُّ شيء من دينه » يبقى دينُه في عقلِه وقلبِه وحركتِه وعلاقتِه وموقفِه وموقعِه، ولن يستطيع الآخرون أن يُسقِطوا منه شيئاً، بل يبقى مع الله عندما يشعر بالضعف: «اللهم إني أسألك إيماناً لا أجل له دون لقائك، أَحْيِني ما أَحْيَيْتَني عليه، وتوفَّني إذا توفّيتني عليه، وابعثني إذا بعثني عليه ». إنّ دين المؤمن يبقى حيّاً في عقله متجذّراً في كيانه، متحرّكاً في حياته. وإنّ دينه ينطلق ليحدّد له قراراته وقناعاته الثقافيّة، ومواقفه السياسيّة والاجتماعيّة، وعلاقته الإنسانيّة. 67 الكلام السيد درس العزّة كونوا الأعزّاء في عقولكم، حتى يكون عقلكم عقلاً عزيزاً لا يسقط، وكونوا الأعزّاء في قلوبكم، حتى تكون قلوبكم عزيزةً لا تُستعبد، وكونوا الأعزّاء في واقعكم حتى يكون واقعكم حيّاً صلباً لا مجال فيه للضّعف، فإذا جاءكم الضّعف فحاولوا أن تستعيذوا بالله حتى تستمدّوا القوّة منه في كلِّ مواقفكم، وفي كلِّ مواقعكم فهو الذي يعطيكم العزّة والغنيّ والرّفعة ولن يفعل ذلك غيره، كما قال الإمام زين العابدين )ع(: «فكم قد رأيتُ يا إلهي من أناسٍ طلبوا العزّ من غيرك فذلّوا وراموا الثروة من سواك فافتقروا، وحاولوا الارتفاع فاتضعوا ». وهكذا جاء في الحديث: «من أراد عزّاً بلا عشيرة، وغِنى بلا مال، وهيبةً بلا سلطان، فلينتقل من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته .» خيانة الأمة كلّ من يثير الخلافات بين المسلمين لحساب أجهزة خفيّة تريد الإضرار بالإسلام وبالمسلمين يخون أمّته.. وكلّ من يشغل النّاس عن قضاياهم المصيرية يخون أمّته، ومن خان أمّته فلا يجوز لأحد أن يدافع عنه. مَنْ أنا ومن الآخرون أمام رسول الله )ص( الذي يخاطبه الله بقوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً﴾]النساء: 105 [ أي لا تكن للخائنين مدافعاً، ﴿ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّاناً 68 الكلام السيد أَثِيماً﴾]النساء : 107 [. ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾]الحج: 38 [، فكيف نحبّ من لا يحبّه الله!؟ معرفة قياس الأشخاص أيّها الأحبّة: من السَّهل علينا أن نصلّي لأنّنا اعتدنا الصلاة منذ طفولتنا، ومن السّهل علينا أن نصوم، وأن نذهب للحجّ والحجّ «سياحة »، ولكن مِنَ الصّعب علينا أن نكون الصّادقين في موقفٍ يكون الكذب فيه هو الرّبح، وأن نكون الأمناء في موقف تكون الخيانة فيه هي الدنيا، ولقد قُلتها مراراً بأنّ مشكلتنا في علاقاتنا بأئمتنا هي أنّها دائماً علاقةُ عينٍ تدمع في الوَفيات، وأكفٌّ تصفّق في المواليد، فيما يريد الأئمة )ع( أن نبكي على كلّ نقاط الضعف فينا لنحوّلها إلى نقاط قوّة، وأن نبكي كلّ هزائمنا لنحوّلها إلى انتصارات، وأن نبكي كلّ الذلّ لنحوّله إلى عزّة.. وأن نبكي كلّ العبودية التي تُفرَض علينا لنحوّلها إلى حرّية.. وأن نعرف كيف نقيس الأشخاص. طريقة معرفة الرجال يقول الإمام زين العابدين )ع( عن الإنسان: «لا تنظروا إلى طول ركوعه وسجوده، فلعلّها عادة اعتادها، ولكن اختبروه بصدق الحديث وأداء الأمانة » فلربّما يقضي الإنسان ليله في العبادة ونهاره في الصيام ولكنّه يكذب ويكذب، ويخون ويخون، فأيّة صلاة هي هذه؟ والصلاة، كما يريدها الله، تنهى عن الفحشاء والمنكر. فعن النبي )ص( أنّه قال: «من 69 الكلام السيد لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزْدَد من الله إلاّ بعداً » وأيّ صيام هو هذا؟ والصيام- كما أراده الله-حركة في التقوى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾]البقرة: 183 [. الصدق... الصدق أيّها الأحبّة، إنّنا بحاجة إلى صدقٍ في الفكر وصدقٍ في العاطفة، وصدقٍ في الحركة وفي الموقف والموقع... صدقٍ مع الله ومع الّنفس ومع الله، والتزامٍ بالأمانة مع الله ومع الناس ﴿إِنَّا عَرَضْنَا ا مْألََانَةَ﴾ المسؤوليّة ﴿عَلَى السَّمَاوَاتِ وَا رْألَْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا ا نْإلِسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾]الأحزاب: 72 [، حملها ولم يتحمّل مسؤوليّتها فظلم نفسه، وجهل ما يقبل عليه من نتائج فضاعت المسؤوليّة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾]الأنفال : 27 [ وستعرفون نتائج ذلك في الدنيا والآخرة. المسؤوليّة... عنوانٌ كبيرٌ «المسؤوليّة » عنوانٌ كبير يمثّل حركيّة الإنسان في كلّ مواقع حياته: أمام نفسه، وأمام الله، وأمام الناس، لأنّ الإنسان عندما يريد أن ينطلق في حياته ليفعل أو ليتحرّر، ليؤّيد أو ليرفض، ليتحرّك أو يسكن، لا بدّ من أن يوجّه لنفسه سؤالاً لماذا ذلك كلّه، لماذا أنطلق في هذا الاتجاه ولا أنطلق في غيره؟ لماذا الصّدق لا الكذب، لماذا الأمانة لا الخيانة، لماذا كلّ ذلك؟ 70 الكلام السيد عندما يعيش الإنسان في وعيه للكون، وفي وعيه لربّه الذي خَلَقَه وخلق الكون كلّه فإنّ عليه أن يعرف موقع ربّه منه، ومقام ربّه، وموقفه من ربّه. هل أنّ الله خلق النّاس وتركهم يتحرّكون كما يريدون، يضرّون أنفسهم أو ينفعونها، يسيئون إلى بعضهم أو يحسنون، هل أطلق الله الإنسان في هذا الكون ليعيش الفوضى في غرائزه في كلّ أوضاعه؟ لقد قال الله سبحانه وتعالى للإنسان، لقد خلقتُك لتكون خليفتي في الأرض ولتمارس دور الخلافة من خلال ما أعطيتُك من طاقات في عقلِك وفي قلبِك وفي كلِّ حركتِك. أنتَ خليفتي في الأرض لتعمر الأرض ولتجعلها ساحة يسودها الخير والمحبّة والسلام. ولتجعلها موقعاً من مواقع الطّاعة. فالخلافة عن الله لا بدّ لها من برنامج، وقد وضع الله البرنامج للإنسان في إيحاءات عقله بما يحكم به عقله، وفي وحيه الذي أنزله على رسوله. فأنتَ أيّها الإنسان، أمام الله عبدٌ بكلّك.. ليست لك حرّية أمام ربّك.. لأنه ﴿الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ*فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ﴾]الانفطار: 7- 8[، فإنّك لا تملك نفسك لأنك لم تخلق نفسك. ولا يملكك أحد لأنّه لم يشارك في خلقِك، حتى أبواك وهما- من الناحية الطبيعية- وسيلة خلق الله لك، لا يملكانك. والعبودية، بعد ذلك، تفرض الطاعة، والطاعة تتحرّك في خطّ المسؤوليّة، فأنتَ مسؤولٌ عن كلِّ شيء في حياتك الفرديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة. مسؤولٌ عن نفسك وعن الناس من حولك بحجم ما تتّصل مسؤوليّتك بحياتهم. 71 الكلام السيد ومسؤولٌ عن الحياة: كيف تعطيها من عقلك وقلبك وطاقتك، ومسؤولٌ عن الأرض التي تسكن عليها. مسؤوليّتنا إزاء الرسالة إنّ مسؤوليّتك عن الرّسالة والرّسول هي أن تكون مع الرّسول في رسالته، وأن تتحمّل مسؤوليّتها في الدّعوة، وأن تتحمّل مسؤوليّتها بالنّصرة، وأن تتحمّل مسؤوليّتها بأن تعيش في كيانك، وهكذا تنطلق في مسؤوليّتك لتُوالي من والى الله ولتُعادي مَنْ عادى الله، فقلبك يتحرّك في دائرة مسؤوليّتك كما هو عقلك، وكما هي حياتك، فليس قلبُك، والحالُ هذه، حرّاً في أن يحبّ من يشاء ويكرهُ مَنْ يشاء، بل لا بدّ أن يتحرّك حبّك في خطّ فكرك، وأن يتحرّك بُغْضُك في خطّ فكرك. إنّ الله لا يريد للإنسان أن يعيش ازدواجية الشخصية بين فكرٍ ينطلقُ مع الحقّ وقلبٍ يتحرّك مع الباطل، وحركة تنطلق هنا وهناك لتأخذ حقّاً من هنا وباطلاً من هناك، إنّ الله يحشرك بكلّ شخصيّتك ويريدك أن تكون مسلماً عقلاً وقلباً وحركةً في الحياة. المسؤوليّة الفرديّة والاجتماعيّة وهكذا هي مسؤوليّتك عن نفسك في حياتك الفرديّة... أن تصوغ نفسك على الإيمان، وعلى التّقوى، وأن تفتح عقلك ليفكّر بحرّية ومسؤوليّة ولتفتح قلبك ليتحسّس بحرّية وبمسؤوليّة... وأن تحمي حياتَك، فليس لك أن تقتل نفسك لأنّك لا تملك حياتك.. بل مسؤوليّتك أن تحميها 72 الكلام السيد من الخطر ومن الضّرر، وأن تحميها من كلّ ما يذلّها ومن كلّ ما يسقطها، ومن كلّ ما يستعبدها: «لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرّاً .» كما إنّ عليك أن تنطلق في حياتك الاجتماعيّة لتشعر بنفسك جزءاً من مجتمع، ولا بدّ لك أن تتحمّل مسؤوليّتك عن مجتمعك من خلال مسؤوليّة الجزء عن الكلّ. وأنْ تحمي مجتمعك من كلّ ما يُسقطه، ومن كلّ ما يُفسده، ومن كلّ ما يُمزّقه. فليس لك أن تتكلّم في المجتمع بمزاجك، ولكن عليك أن تدرس مجتمعك وكلمتك فلعلّها تمثّل ناراً تحرق الكثير من الهشيم الاجتماعيّ، وبذلك تحرق المجتمع كلّه، ولذلك فلا بدّ للإنسان عندما يحرّك كلماته في المجتمع، وعندما يحرّك خطواته في المجتمع، وعندما يحرّك علاقاته في المجتمع، أن يحرّكها بطريقة مسؤولة، يلحظ فيها علاقة ذلك كلّه بسلامة المجتمع وباستقراره في كلّ جوانبه. المسؤوليّة السياسيّة ننطلق- أيّها الأحبّة- لنواجه مسؤوليّتنا السياسيّة في كلّ مواقع السياسة في العالم، وفي كلّ خطوطها التي تتّصل بكلِّ مواقعِ حياتنا.. وبكلّ قضايا المصير.. وبكلّ قضايا الثّروة في أرضنا، وبكلّ قضايا التحدّي والصّراع في ساحاتنا، فعليكَ أن تكون الإنسان المسؤول بحجم طاقاتك... وأن لا تعيش فرديّتك في نطاق القضايا الكبرى.. عِشْ فرديتك في غذائك.. وفي شرابك.. وفي ملبسك وشهواتك الخاصّة بشرط أن تكون من 73 الكلام السيد حلال، ولكن إذا انطلقت فرديّتك لتكون حاجة للمجتمع فاترك فرديّتك وكن الإنسان- المجتمع الذي يحتضن المجتمع في عقله ليفكّر عقله اجتماعيّاً، والذي يعيش المجتمع في قلبه ليتعاطف اجتماعيّاً... فيحاسب نفسه في كلّ كلمة وفي كلّ موقف، وفي كلّ عمل، وليحاسب نفسه أمام ربّه حتى يستطيع أن يُحضّر لكلّ سؤال- في خطّ المسؤوليّة- جواباً، لا تحضّر دفاعاتك بعد أن تعمل العمل، ولكن حضّر دفاعاتك قبل أن تبدأ العمل، وأن لا تقدّم رِجْلاً ولا تؤخّر أخرى حتى تعلم قبل أن تقدّمها، أو تؤخّرها، أنّ في ذلك لله رضىً. فالقضية، كلّ القضية- أيّها الأحبّة- فيما نتكلّم وفيما نعمل وفيما نؤيّد ونرفض، وفيما ننشئ من علاقات ونتّخذ من مواقف، هي هل يُرضي الله ذلك أو يُسخطُه؟ كن حرّاً أمام الناس كلّهم... وكن حرّاً أمام الكون كلّه.. ولكن إيّاك أن تتحسّس حرّيتك أمام ربّك لتقول أنا حرّ أمام ما يفرض ربي عليّ ﴿وَمَا كَانَ لمُِؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنةٍَ إذَِا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولهُُ أمَْرا أنَ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾]الأحزاب: 36 [، وقال رسول الله )ص( وعلينا أن نتأسّى به في كلّ مواقع الحياة وصراعاتها وضغوطاتها وكلّ مشاكلها واتّهاماتها: «إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي .» ولنختم بما قاله ذلك العارف: فليتَك تحلو وال ��ح ��ي ��اةُ م ��ري ��رةٌ وليتَك تَرضَى والأن ���امُ غِضَابُ 74 الكلام السيد وليتَ ال ��ذي بيني وبينَكَ عامِرٌ وبيني وبين العالَمينَ خَ ��رَابُ اقتلاع بذرة الظّلم إنّ الله تعالى يريد للإنسان أن يقتلع بذرة الظّلم من داخل نفسه، بحيث لا يفكّر في ظلم أحدٍ، تماماً كما لا يسمح في أن يظلمه أحد، أن لا يظلمك الناس، وأن لا تظلم الناس وهذا ما عبّر عنه الإمام علي بن الحسين زين العابدين )ع( في دعائه: «اللهم ولا أظلمنّ وأنت مطيق للدّفع عني ولا أظلمنّ وأنت القادر على القبض عليّ .» إنّه يستنفر قدرة الله على نفسه ليتدخّل سبحانه بقوّته ليقهره حتى لا يظلم النّاس. وفي دعاء آخر يتحدّث عن هذه المسألة على مستوى الشعور والإحساس: «اللهمّ فكما كرهتَ لي مِنْ أنْ أظلِمَ فَقِني من أنْ أُظلم .» وهكذا نفهم أنّ القيمة في الإسلام تتحرّك من دائرتك لتدخل دائرة الآخرين، كما تتحرّك من دائرة الآخرين لتدخل في دائرتك، فإذا كنت تكره شيئاً لنفسك فاكرهه لغيرك، وإذا كنت تحبّ شيئاً لنفسك فأحبّه لغيرك، وذلك هو ميزان القيمة في نفسك. بناء إنسانيّةٍ غير ظالمة وفي هذا الاتجاه لا بدّ لنا من أن نبني إنسانيّتنا على أساس أن لا نعيش الظّلم في أنفسنا ولا نعيشه في علاقاتنا بالآخرين، ولا في علاقاتنا بالبيئة التي فيها مخلوقات تريد أن تعيش وتريد أن تحسّ بالراحة وقد خلقها 75 الكلام السيد الله من أجل أن تكمل للحياة نظامها وحيويتها وغناها في كلّ الأمور، ولذلك فأنتَ لست حرّاً في أن تلوّث الهواء، ولست حرّاً في أن تلوّث الماء، ولست حرّاً في أن تلوّث الأرض بما يرهق الإنسان والحيوان والنبات وما إلى ذلك، لأنّ لكلّ شيء من هؤلاء حقّاً عليك فلا تظلم الأشياء حقّها. ملاحقة الذات وفي هذا الاتجاه، أيضاً، لا بدّ للإنسان أن يلاحق نفسه ويحاسبها في كلّ حركةٍ من حركات إنسانيّته في الواقع. وابدأ من تفكيرك فقد تظلم الناس في تفكيرك إذا حقّقت في فكرك انطباعاً سيّئاً عن إنسانٍ آخر دون أن تستجمع لنفسك كلّ العناصر التي تبرّر لك انطباعاتك عنه، لأنّ تشكيل الانطباعات عن الآخرين يعتمد على تجميع العناصر التي تؤكّد هذا الانطباع أو ذاك لأنّه حُكْم على الشخص في داخل نفسك. فعندما تفكّر مثلاً، بأنّ فلاناً شريرٌ، وأنّ فلاناً فاسقٌ، وأنّ فلاناً منحرف، وأنّ فلاناً عميل، اسأل نفسك لماذا هذا الانطباع؟ هل رأيتَ منه ما يؤكّد فسقه؟ هل رأيتَ منه ما يؤكّد عمالته؟ هل رأيتَ منه ما يؤكّد انحرافه؟ إنّك تقول أحياناً: «لقد سمعت » وممّن؟ يا تُرى، سَمِعْتَ، وعلى أي أساس سمعت؟ وكيف سمعت؟ ولقد اختصر الله تعالى المسألة كلّها في قوله: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾]الإسراء : .]36 76 الكلام السيد فإذا اقتربتَ من الواقع وأردتَ أن تُعلن انطباعك للنّاس في أنْ تحدّثهم عن فسق فلان، وعن انحراف فلان، وعن عمالة فلان فإنّ القضية قد لا تصل إلى مستوى الجريمة ما دامت في داخل نفسك، لكنّها إذا انطلقت على لسانك وفي سلوكك، فإنّها تمثّل تشويه صورة إنسان، وتدمير موقع إنسان، وذلك يمثّل جريمة كبيرة عند الله ورسوله، لأنّك لا يجوز لك أن تكسر مؤمناً «ومن كسر مؤمناً فعليه جَبْره » لذلك، فلا بدّ للإنسان أن يكون دقيقاً. الظّلم الاجتماعيّ إنَّ في كل الواقع الاجتماعيّ الذي أنت جزءٌ منه، للمجتمع عليك حقوق بأن لا تسيء إلى وحدته، وإلى نظامه وإلى روحيّته وإلى إيمانه، وإلى كلّ مواقع قوّته. ولك على المجتمع حقّ أن لا يفعل ذلك معك. وَتَبْعاً لذلك، فعندما نعيش في جوّ اجتماعيّ، فإنّ على الإنسان أن يعرف أنّه لا يملك المجتمع ليكون حرّاً في تصرّفاته معه، ولا يملكه المجتمع ليقهره في ذاتيّته. فعلى المجتمع أن يحترم فرديّتك في نطاقها، وعليك أن تحترم مجتمعيّته في نطاقها... وفي السّياق نفسه، عندما تريد أن تتحرّك في القضايا الحيويّة والقضايا المصيريّة للأمّة، فلا تظلم أمّتك في خيانة مصيرها وخيانة قضاياها الحيويّة، ولا تظلم أرضك لتسلّط عليها بخيانتك وبتجسّسك- محتلاًّ أو غيرَه- لا تظلم الإنسان كلّه لتمكّن المستكبرين منه، وبعد ذلك ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾]هود: 113 [، فمعنى أن 77 الكلام السيد تركنوا إليهم... وأن تستسلموا لهم... وأن تساعدوهم.. وأن تؤيّدوهم في كلّ المجالات... الدّخولُ إلى النّار... لأنّك تظلم نفسك بأن تورّطها في ما يُثقل مصيرَها وفيما يُبْعِدُها عن الله ويعرّضُها للنار ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾]النحل : 118 [. آفات الظلم فلنقتلع الظلم من كلّ عقولنا، ومن كلّ قلوبنا، ومن كلّ مشاعرنا، ومن كلّ حركاتنا، في أيدينا وأرجلنا، لأنّ أيدينا وأرجلنا سوف تتكلّم: ﴿الْيَوْمَ نَخْتمُِ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُناَ أَيْدِيهِمْ﴾]يس : 65 [، كيف ضَربَتْ ضعيفاً، كيف قتلتْ... كيف جرحتْ.. كيف أعانت خائناً... كيف أعانت على بريء... كيف كتبتْ هذه الوثيقة أو تلك مزوّرةً ومشوّهة... ﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ كيف سارت إلى مواقع معصية الله ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.. ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا﴾]فصلت: 21 [ والعذاب لكم.. ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا﴾]النساء: 56 [، ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾]فصلت: 21 [، ﴿وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَ أَبْصَارُكُمْ وَ جُلُودُكُمْ﴾]فصلت: 22 [. الصمود بوجه البلاء لا بدّ لنا أن لا نسقط أمام البلاء، فليس من الضروريّ أن يكون البلاء عقوبةً لك، فقد يكون خدمةً أو نعمةً، لأنّ الإنسان إذا لم يدخل التجربة 78 الكلام السيد الّصعبة فسوف يبقى هشّاً لا يملك عزماً ولا إرادة، فكلّما جرّبت أكثر وكلّما عانيت أكثر، وكلّما اقتحمت الصعوبات أكثر، قويت أكثر. والشباب بالخصوص يعرفون في مجال الرياضة، أنّ أحدهم إذا أراد أن يربّي عضلات حديديّة بدلاً من العضلات اللبنية ليفوز في السّباق، فكم يتألّم من التدريبات العنيفة القاسية، ولكنه بعد أن ينتهي من التمارين يشعر بقوّة جديدة، فكلّما عشت جهداً جديداً اكتسبت قوّة جديدة، فالنّاس الذين لا يعيشون التجربة والمعاناة ولا يواجهون التحدّيات ولا يتألّمون، هم الضّعفاء الذين لا حول لهم ولا قوّة، وهم الذين يسقطون أمام أيّة هبّة ريح، حتى لو كانت ريحاً هادئة، لأنّهم لا يملكون التماسك. هذه هي المسألة التي ينبغي أن نواجهها، فعلينا أن نفهم أنّ الله يبتلينا لا ليعاقبنا، ولكنّه يبتلينا ليقوّينا ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾]النمل: 40 [. فلقد أعطاني الله المال والقوّة والحياة حتى يختبرني هل أشكر فأوجّه ما أعطاني في سبيل ما يحبّ أو في سبيل ما لا يحبّ؟ وعلى هذا الأساس، لا بدّ لكلّ الشعوب المستضعفة والمقهورة من أن تعتبر المشاكل التي تمرّ بها سواء من خلال الهزّات السياسيّة أو الاقتصاديّة أو الأمنيّة، أن يعتبروها موقع تجربة جديداً للصبر وللصمود وللمواجهة بما يجعلهم يتماسكون للوصول إلى النتائج الكبرى بعد وقتٍ طويل، لأنّ النتائج الكبيرة كالحرّية والعدالة والقوة والاستقلال والسيادة لها عُمْر حمْلٍ، كما هو عُمْر الحمل عند المرأة، فإذا لم يكمل الجنين التسعة أشهر يكون خديجاً )أي غير مكتمل النموّ( وبعض الأهداف تحتاج إلى 79 الكلام السيد عشرين سنة أو خمسين سنة أو مائة سنة بحيث ينقل هذا الجيل المرحلة إلى الجيل الذي يليه، ذلك أنّنا نصنع مرحلة ونتقدّم خطوات ليأتي الجيل الجديد حتى يتابع من حيث انتهينا، وهكذا. ولذلك، فإنّ مسألة اليأس مرفوضة، فهو خُلُقُ الضعفاءِ والناسِ الذين يعيشون الحياة في دائرة مغلقة وزاوية محدودة، وهي مرفوضة خصوصاً عند الإنسان المؤمن حيث لا بدّ أن يخضرّ الأمل في قلبه حتى لو كان كلّ ما حوله جَدْباً... الأمل الأخضر وكثيراً ما كنت أقول للشباب الذين هجّروا وشرّدوا وعاشوا أقسى الظروف.. خاصَّة وأنّ أكبر مشاكلنا في الشرق هي مشكلة المشرّدين الذين لا يجدون في بلادهم مأوى وينتشرون في أنحاء العالم، كنت أقول: إنّ علينا أن لا نسقط، ونقول: لا جدوى، فالله سبحانه يعلّمنا التفاؤل إذ يقول على لسان «يعقوب »: ﴿يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيأْسَُوا مِن رَّوْحِ اللّهِ إنَِّهُ لا يَيأْسَُ مِن رَّوْحِ اللّهِ إلِا القَْوْمُ الكَْافرُِونَ﴾]يوسف: 87 [ فلقد قيل إنّه افتقده ثماني عشرة سنة ولم يفقد الأمل. ولذا، فإنّ علينا أن نفهم بأنّ إيماننا ليس فقط في الصلاة والصوم وإنّما من خلال تعميق العلاقة بالله حيث لو وقفت الدنيا برمّتها أمامنا لشعرنا بالقوّة. 80 الكلام السيد رياضات مطلوبة وعلى هذا الأساس، فإنّ علينا أن نمارس رياضة روحيّة وثقافيّة وسياسيّة واجتماعيّة، وكلّ ذلك بحاجة إلى تدريب ومعاناة وجهاد أصغر في مواجهة العدوّ، وجهاد أكبر في مواجهة الشيطان وفي مواجهة النفس الأمارة بالسوء، فالمعركة مفتوحة مع الشيطان ليخرجنا كما أخرج أبوينا من الجنة، فمنذ أن خلق الله الإنسان والشيطان، والمعركة مفتوحة مع أولياء الشيطان. ﴿فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾]النساء : 76 [، فقد يستعرض الشيطان عضلاته لكنّه ضعيف. فلا بدّ من تدريب دائمٍ وشاقّ حتى ننجح في الامتحان الذي ليس فيه غش وإنّما هو امتحان تدفع فيه من دمك وعرقك وإرادتك وتعبك ومعاناتك وهو امتحان لا يقوم غيرك بأدائه. النقد الذاتي أكّد )رضوان الله عليه( أنّ النقد هو واحد من أساليب تصحيح المسار، لذا يقول: من القضايا التي يؤكّدها الإسلام على مستوى حياة الإنسان الفرديّة وعلى مستوى حياته الاجتماعيّة، في خطّ الدنيا وفي خطّ الآخرة، هي قضيّة النّقد الذاتي سواء كان ذلك نقد الإنسان لنفسه أو نقد الإنسان لغيره، لأنّ قضيّة الإنسان هي قضيّة فكره وعاطفته وحركته. وقد يخطىء الإنسان فيها وقد يصيب، وقد يخطىء الناس فيها وقد 81 الكلام السيد يصيبون، ولعلّ من مميّزات الإسلام أنّه لا يحمّل الإنسان مسؤوليّة نفسه فقط، ولكنّه يحمّله مسؤوليّة كلّ السلبيات الاجتماعيّة بالمستوى الذي يستطيع فيه أن يخفّف منها أو يزيلها. هذا هو الخطّ العام، وهو أن تكون معنيّاً بنقد نفسك وبنقد الناس من حولك، وهذا ما اختصره القرآن الكريم في الجانب المتّصل بحياة الإنسان الفرديّة سواءً منها ما يتّصل بالدنيا أو بالآخرة، وذلك هو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾]الحشر: 18 [. الإحساس بالسعادة عن هذا الإحساس يقول )رضوان الله عليه(: أيّها الأحبّة، هناك بعض المشاعر والأحاسيس وبعض الألطاف الإلهيّة إذا عاشها الإنسان روحاً وعقلاً وقلباً وحركةً فإنّه يشعر بالسّعادة التي ليس فوقها سعادة، تماماً كما هي الجنّة فيها ما لا عينٌ رأت ولا أُذُنٌ سمعت ولا خطر على قلب بشر، فَمِنْ أين يأتي حبّ الله للإنسان؟ فليس بين الله وبين أحدٍ من عباده قرابة؟ فالله يحبّ العباد من خلال ما يعيشونه من روحانيّة الفكر، ومن استقامة السّلوك، ومن سعة الأفق، ومن كلّ هذه النّبضات في قلوبهم وفي مشاعرهم التي تتحوّل إلى إحساس بالإنسان الذي هو خلق الله، وليحصلوا على حبّ الله من خلال حبّهم للخلق لأنّهم عيال الله، فأحبّهم إليه أنفعهم لعياله. 82 الكلام السيد الإتّباع فإذا كنتَ الإنسان الذي لا ينفتح على عيال الله، ولا يساعد عيال الله، ولا يهدي عيال الله، ولا يرفع مستوى عيال الله، فكيف تريد أن يحبّك الله. ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾]آل عمران: 31 [. فالإتباع هو أن تتّبع رسول الله إيماناً، وشريعة ومنهجاً وحركةً وحرباً وسلماً وفي كلّ شيء، فإذا اتّبعت رسول الله فهناك حبّ الله. وعليٌّ )ع( كنموذج راقٍ أحبّ الله وأحبّه الله، لأنّه انفتح على الله بالمعرفة واتّسعت المعرفة عنده وانطلقت في الآفاق، حتى قال: «لو كُشف لي الغطاء ما ازددتُ يقيناً ». وعاش عليّ الحبّ لله حتى كأنّه لا يحسّ لذعات النار عندما يفكّر فيها- وهو البعيد عنها كلّ البعد لأنّه المعصوم- ولكنّه يحسّ بلذعات فراق الله من خلال جهنّم، ولا يحسّ بضغط حرّ النار ولهيبها وآلامها، ولكنّه يحسّ بضغط فقدان النّظر إلى كرامة الله، وهذا ما كان يقوله في دعائه: «فهبني يا إلهي وسيدي ومولاي وربّي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك » كيف يصبر الحبيب على فراق حبيبه؟ «وهبني يا إلهي صبرت على حرّ نارك » تلذعني، تُشعلني، تؤلمني، «فكيف أصبر عن النظر إلى كرامتك .» فهذا هو الحبّ، فأن تحبّ الله يعني أن تنفتح على كلّ مواقع رضا الله، وأن تحبّه يعني أن تحبّ أولياءه، وأن تحبّه هو أن تتبرّأ من أعداء الله 83 الكلام السيد بحيث يكون عقلك عقل الإنسان منفتح على الله، وقلبك قلب إنسان ينبض بالله، وحركتك حركة إنسان يتحرّك في طريق الله. الإنسان والزمن والتطوّر للسيّد )رضوان الله عليه( نظرة حول هذه المسألة فيقول فيها: هل الحياة في أرضها وفي زمانها وفي جبالها وفي سهولها وأنهارها وبحارها تتحمّل عنصر التطوّر الذي يعطي خطّاً للفكر جديداً، أو يعطي حركة في الجانب العمليّ جديداً؟ كذلك الأرض هي الأرض مهما تتنوّع في شكلها مما يصنع الإنسان فيها، والجبال هي الجبال والبحار والأنهار والسهولة كما هي. فمن الذي صنع هذا التطوّر؟ إنّ الإنسان هو صانع هذا التطوّر من خلال أنّ هناك فكراً لمفكّر فرض نفسه على الذهنيّة العامّة بفعل القوّة التي يملكها أو فعل العناصر التي أحاطت بهذا الفكر، فجعلت الناس يفكّرون بهذه الطريقة. فالمسألة هي هل أنّ الحياة تطوّرت بطبيعتها أو أنّ الزمان تطوّر بطبيعته؟ أو أنّ هناك فكراً فرض نفسه على الواقع؟ وهل معنى ذلك أنّ الإسلام ينحني لفكرٍ آخر؟ إنّ معنى انحناء الإسلام لهذا التطوّر هو أنّ الإسلام ينحني للفكر الذي حرّك هذا النوع من التطوّر، وليس من الطبيعيّ أن تفرض على أيّ فكر سواءاً كان إلهياً أو بشرياً، أن يخضع لفكر آخر، لأنّ للإسلام وجهة نظر في هذا الفكر الذي أطلق حرّية الإنسان بشكٍل شامل 84 الكلام السيد أو أطلق حرّية المرأة أو أطلق كثيراً من الحرّيات، وكثيراً من الأفكار الاقتصاديّة أو الاجتماعيّة. إنّه يقول لنا تعالوا يا من فرضتم أنفسكم بفعل القوة التي تملكونها أو بفعل القوة التي انضمّت إليكم فإنّني أعتبر أنّ هذا التطوّر عملية تراجعية في حياة الإنسان فتعالوا نتحاور ﴿قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾]البقرة : 111 [. بين التجربة والواقع كان يحرض )رض( في توجيه الناس أن يعيشوا الإيمان العمليّ بعيداً عن الإيمان التجريدي، لذا يقول: إنّ الإنسان عندما يعيش مع الإيمان في عالم التجريد البعيد عن الواقع كالذين يعيشون الإيمان في عالم الفلسفة، فإنّه يغرق في الكثير من حالات الريب والشكّ لأنّه قد يضيّع، في هذا الجو، الدرب إلى الله، ولكن الإنسان عندما يلتقي بالله في كلّ ما حوله ومن حوله ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ﴾]فصلت: 53 [، وعندما يعيش مع الله إذا تألّم وإذا تلذّذ وإذا فرح وإذا حزن، وعندما يعيش حاجاته ومشاكله في اللجوء إلى الله والاستعانة به، وعندما يتحدّث مع ربّه ويتعبّد له ويُناجيه، عند ذلك يزداد في كلّ نظرة إلى أيّة ظاهرة كونيّة، وفي أيّة تسبيحة وتحميدة وتكبيرة وتهليلة، معرفة بربّه. 85 الكلام السيد حاجات الأمة الأساسية من واجب الأمّة إذا عاشت حاجاتها الحيوية، سواء كانت صحّية تحتاج إلى مَنْ يتخصّص بالطبّ، أو تربوية تحتاج إلى من يتخصّص في التعليم، أو عمرانيّة تحتاج إلى من يتخصّص في الهندسة وفي العمران، أو حاجات جهاديّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة، ولم تكن هناك قدرةٌ في تلبية الإمكانات الماليّة، على الأمّة، في هذه الحال، أن تدفع من مالها على نحو الوجوب الكفائيّ، بل حتّى من غير الحقوق الشرعيّة، للمجاهدين وللمتخصّصين في كلّ الشؤون التي تبني للمجتمع نظامه وللأمّة حضارتها. لذلك فإنّ الجهاد بالمال ليس مجرّد حالة تقتصر على الحقوق الشرعيّة، بل تتّصل بكلّ الحاجات النظاميّة التي يحتاج إليها نظام المجتمع، وعلى المجتمع أن يُعطي من طاقته الماليّة ما يلبّي هذه الحاجة، وقد التزم بعض فقهائنا بالقول بوجوب دفع الأمّة من مالِها للمتخصّصين في الطبّ والهندسة والعمران، وكلّ القضايا التي تحتاجها في نظامها إذا كانت غير قادرة على ذلك، وعلى هؤلاء-في مقابل ذلك- أن يعطوا الأمة من جهدهم ما أعطتهم من جهدها. الجهاد بالعِلم إنّ من شُعَبِ الجهاد بالنفس هو الجهاد بالعِلْم، بأن تُقدّم علمك وخبرتك للنّاس، وليس المراد بذلك العلم الدينيّ فقط، بل كلّ علم يحتاجه النّاس، لأنّك إذا لم تُعطِ عِلْمك للمجتمع فسوف يحتاج إلى الآخرين. 86 الكلام السيد وأنتَ تعرف أنّ أية دولة من الدول لا تعطيك خبرة إلاّ إذا أعطيتها شيئاً من عزّتك وحرّيتك وكرامتك، فهناك-مثلاً- معاهدات ثقافيّة وأخرى تربويّة وثالثة اجتماعيّة لا توقّع إلاّ في مقابل شروك سياسيّة، وفي ذلك يقول الإمام أمير المؤمنين )ع( فيما يُنسب إليه «احتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغنِ عمّن شئت تكن نظيره، وأحسِنْ إلى من شئت تكن أميره .» فالحاجة هي أساس الذلّ، فبمقدار ما تملك حاجاتك تملك حرّيتك وعزّتك وتقرير مصيرك بنفسك... لذلك نقول لكلّ شبابنا في كلّ الأمة الإسلامية: خذوا بكلّ أسباب العلم، فقد يكون واجباً أن ترتقوا في درجات العلم، لأنّ الصراع الآن ليس صراع البندقية فقط، بل حتى صراع البندقية والمدفع والصاروخ وغيرها من الأسلحة يحتاج إلى علم، وإذا لم يكن لديك علمٌ فإنّك لا تستطيع أن تطوّر هذه الأسلحة فضلاً عن أن تُنتجها، فنحن نحتاج إلى أمّة تنتج سلاحها وإلى أمّة تنتج غذاءها، وإلى أمّة تنتج ما يلبّي حاجاتها حتى تستطيع أن تكون الأمّة التي يحتاجها الآخرون، ولا تحتاج الآخرين في القضايا الحيويّة، وبطبيعة الحال، فإنّنا لا يمكن أن لا نحتاج إلى أحد، لكن في الأمور الحيويّة علينا أن نعمل وِفقاً لسياسة الاكتفاء الذاتيّ والثقافيّ والعلميّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ. 87 الكلام السيد مفهوم «الأمّة » و »المجتمع » يوضّح )رضوان الله عليه( هذا المفهوم فيقول: يعيش العالم اليوم الصّراع في العلم، فلذاك نقول، في كثيرٍ من الحالات، إنّ الإنسان الذي يصرف وقته بدون أن يعلّم ويتعلّم هو إنسانٌ يخون نفسه ويخون أمّته، وهذه نقطة مهمّة تحتاج إلى أن نفهمها جيّداً، فلدينا مفاهيم «أمّة » و »مجتمع » ولكن هل خلق الله شيئاً اسمه الأمّة أو المجتمع؟ إنّه لم يخلق شيئاً مميّزاً اسمه المجتمع، فمن هو يا ترى المجتمع؟ إنّه أنا وأنت والآخرون، ومن هي الأمّة: إنها أنا وأنت، وهذا الشعب وذاك، إذاً فطاقات الأمّة موزّعة في طاقات أفرادها، وقوّة المجتمع موزّعة في قوى أفراده، إنّه عقليّ وعقلك وعقل الآخر، هذه هي طاقة الأمّة التي تجتمع لتتكامل وتتداخل وتتحرّك وتتوازن، وعند ذلك يمكن أن نقول بأنّ تلك هي طاقة الأمّة. لذلك ففي عقلِ كلّ واحد منّا شيءٌ من عقل الأمّة، وفي طاقة أيّ واحد منّا شيء من طاقات الأمّة، وفي موقع كلّ منّا موقع للأمّة، فمن حجب عن الأمّة طاقته وحجب عنها علمه وجهده وجاهه وموقعه، فهو سارقٌ للأمّة خائنٌ لها، إنّه يسرق طاقتها ويرميها في الفراغ. الراحة حرام إنّ الله لا يريدنا أن نكون البطّالين، بل يريدنا أن نكون العاملين المتعلّمين المعلّمين، فهذا هو لون من ألوان الجهاد، وهو بحسب عطائه، كما في 88 الكلام السيد الأحاديث، قد يكون أفضل من جهاد المجاهدين بالدّم «مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء » صحيح «أنّ الجود بالنّفس أقصى غاية الجود » لكنّ دمّ الشهيد يمكن أن يركّز وضعاً في نطاق معيّن، أمّا مداد العالم إذا كتب ما يحتاجه الناس فإنّه يحرّر عقل الأمّة في مدى مئات السنين، من دون أن نقلّل من قيمة دم الشهداء لأنّهم هم الذين قد يعطون الفرصة للعالم أن يُعلّم وأن يتعلّم، لكن امتداد النتائج الإيجابية من مداد العلماء أكثر من النتائج الإيجابية من دماء الشهداء بحسب حركة امتداد هذه أو تلك. فيا، أيّها الشباب، لا تعيشوا الفراغ، فأمّتكم تحتاجكم في أن تتعلّموا جيداً في أعلى درجات العلم، وتحتاجكم أن تعلّموا جيداً، وأن تخدموها بعلمكم جيّداً، ولقد قلت فيما سبق إنّنا في عصر، الراحة فيه حرام إلاّ تلك التي تحتاجها من أجل تجديد نشاطك، أمّا الراحة الاسترخاء فهي التي تذهب فيها الساعات والساعات سدى وأنت عاطل تضحك وتلهو، وبذلك تقتل عمرك من دون أن يعطي عمرك شيئاً لحياتك وحياة النّاس. فيا أيّها الشباب، عليكم أن تعصروا كلّ دقيقة حتى تستنفروا كلّ ما فيها من طاقة لتنتجوا حياةً جديدة وعقلاً جديداً وروحاً جديدة. صدق الإيمان عندما يلازم الصدق الإيمان، فإنّ المؤمن يبدع، يقول السيد )رض(: أن تكون صادقاً في إيمانك، يعني أن يتحرّك إيمانك كمثل النور في عقلك وقلبك فلا ظلمة فيه، وأن يتحرّك إيمانك قويّاً بحركتك في الحياة، 89 الكلام السيد ليكون إيمانك الإيمان المسؤول الذي يراقب سبيل الله أين هو لينفتح عليه وليتحرّك فيه وليحميه مِنْ كلّ مَنْ يريد إسقاطه أو اهتزازه أو أيّ شيء من هذه القبيل. أيها الأحبّة: هذا هو مفهوم الإيمان الذي يريدنا الله أن نأخذ به ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ أي أنّهم هم هؤلاء وليسوا غير هؤلاء، فلا بدّ أن ندرس إيماننا، كما ندرس الفقر بالدمّ والحيويّة، حتى نعطيه فيتامينات فكريّة وروحيّة وعمليّة وقد لا نجدها عند الصيادلة ولكننا نجدها عند «الصيدلي » الأكبر محمد رسول الله )ص( والأئمة الهداة من أهل بيته )ع( ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾]التوبة: 105 [. الصلاة مدرسة داخلية يبدأ بالآية الكريمة ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾]المؤمنون : 2[، وقصّة الصّلاة، أيّها الأحبّة، كما قدّمها الله لنا هي أنّها مدرسةٌ داخليّةٌ تخاطب عقلَ الإنسان وقلبه ومشاعره وأحاسيسه لتصنع منه شيئاً في الدّاخل ينظّم للإنسان خطّ السّير في الاتّجاه المستقيم في الخارج. ومن هنا كانت الصّلاة في القرآن شيئاً يتحرّك مع الإيمان حتى كأنّه يمثّل عمقه ويمثّل أصالته، وكأن الإنسان الذي لا صلاة له هو إنسان لا إيمان له، لأنّ الإيمان إذا كفَّ عن أن يجعلك تعيش عبوديّتك لربّك في ممارساتك العضويّة والروحيّة فإنّه يبقى مجرّد شيء ليس فيه روحٌ وليس فيه حياة تماماً كما لو أنّ الإيمان معادلة فكريّة ترقد في زاوية العقل ولا تلامس 90 الكلام السيد الرّوح ولا تعيش في الشّعور والفكر. وإنّما تكون إيماناً إذا نَزَلَت إلى القلب وإلى الإحساس وإلى الشّعور، بحيث يهتزّ القلب معها كما نقرأ في الآية الكريمة التي تقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾]الأنفال: 2[ اهتزّوا واهتزّت قلوبهم جرّاء إحساسهم بعظمة ربّهم. الممارسة اليومية للإيمان والصّلاة، أيّها الأحبّة، تمثّل الممارسة اليوميّة للإيمان، فالإنسان إذا لم يمارس إيمانه يجمد ويموت روحيّاً، في حين أنّ الممارسة التي يشارك فيها العقل والقلب، واللسان والحركة تجعل الإيمان يعيش معك بكلّك وبذلك يتأصّل في وجودك، وهذا ما تعطيه الصلاة في دلالاتها... فعندما تبدأ صلاتك بتكبيرة الإحرام «الله أكبر » فإنّ الأكبر يختزن في داخله النّظر إلى الأصغر، ولذلك فإنّ الصلاة تحمل لك معنى إيحائياً أنّ كلّ ما عداه أصغر، فإذا كان ما دونه الأصغر فكيف يمكن لك أن تهمل الأكبر في وحيه، الأكبر في عَظَمته والأكبر في نِعَمه، كيف يمكن أن تهمله لتسقط أمام الأصغر... وعندما تنفتح بكَ كلمة «الله أكبر » في الآفاق فإنّك ستأخذ منها روحاً في معنى الرّوح لتتصوّر الله سبحانه وتعالى في كلّ صفاته التي لا يقترب منها أحد، ولتعيش الله سبحانه وتعالى في كلّ صفاته التي لا يقترب منها أحد، ولتعيش الله سبحانه وتعالى في أسرار قدرته التي لا يمكن أن يدنو 91 الكلام السيد منها أحد، ولتتصوّر الله في نِعَمِه التي لا يمكن أن يعطيها أحدٌ غيره، فهو الأكبر في الصّفات، وهو الأكبر في الخلق والقدرة، وهو الأكبر في النِّعم التي ينعمها على الإنسان. وعندما تعيش ما يعيشه الناس من قوىً يمكن لها أن تُسقط نفسك، ويمكن لها أن تسقط موقفك، عند ذلك تلتفت إلى الله سبحانه وتعالى لتقول «الله أكبر » وإنّ الآخرين مهما بلغوا من قوة ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾]البقرة: 165 [، ﴿فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً﴾]النساء : 139 [، وبذلك تحفظ لك هذه الكلمة بمعناها الرّحب والخصب توازنك أمام الكبار، لأنّك عندما تلتفت إليهم وتدخل في مقارنة بينهم وبين الله فإنّك تتصوّرهم صغاراً وبذلك تتوازن حركتك في الحياة، وعندما تتوازن تفكّر، وعندما تفكّر تخطّط، وعندما تخطّط تتحرّك. من موانع التفكير إنّ مشكلة الذين يخافون هي أنّ الخوف يمنعهم من أن يفكّروا، لأنّ الخوف يطبق على كلّ عقولهم فلا تملك عقولهم أن تتوازن وتستقرّ، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى وهو يحدّثنا عن الخوف ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ﴾، فالشّيطان هو الذي يخلق في نفوسكم الخوف وهو الذي يسقطكم من خلال هذا الخوف، يسقط فكركم كما يسقط حياتكم ومواقفكم ﴿فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾]آل عمران: 175 [، وحده الله هو الذي يجعلك تتوازن في عقلك عندما تشعر بأنّ نور الله يشرق في عقلك، فأنتَ 92 الكلام السيد عندما تخافه فإنّك تتحمّل المسؤوليّة، إنّك تخافه فتفكّر فيما لا يغضبه عليك، ذلك أنّ التفكير الحقّ هو الذي يجعلك تبذل جهدك في أن يكون حقّاً حتى لا يغضب الله عليك، وتفتح عاطفتك لتكون عاطفة الحقّ حتى لا يغضب الله عليك، وتفتح حياتك لتسير في طريق الحقّ حتى لا يغضب الله عليك. وفي المحصلة فإنّ الله هو الذي يحرّرك من كلِّ خوف آخر وهو الذي يؤمنك من كلِّ ما تخافه في الدّنيا والآخرة، لذلك فإنّ هذه الكلمة يمكن أن تعطي الكثير كلّ ما اتّسعت آفاقك وامتدّت معها. التوازن بين الحاجات والمصالح قيمة الإسلام أنهّ جاء في تشريعاته كلّها ومفاهيمه كلّها من أجل أن يعمّق للإنسان إنسانيّته وأن يحقّق له التوازن بين حاجاته وبين مصالحه حتى لا تطغى عليه حاجته لتُسقط مصالحه الحقيقيّة، ولهذا رَأَيْنا كيف أنّ الإسلام يفتح للإنسان أبواب الحياة، فليس هناك أفقٌ مغلقٌ على الإنسان بحيث لا يمكن أن يقتحمه. ففي العلم اقتحم كلّ باب من أبوابه فليس هناك علم محرم. ونعني بالعلم كلّ حقل معرفيّ من شأنه أن يفتح للإنسان آفاقاً جديدة بما فيه مصلحته وبناؤه إنسانيّاً.. وفي التجربة انطلق لتكتشف الحقيقة من خلال التّجربة لأنّ بعض الحقائق لا تستطيع أن تكتشفها بالتأمّل. وهكذا الحال في الناحيّة السلوكيّة، فلقد أراد الله للإنسان أن يعيش مع الإنسان الآخر بسلام، فالأصل السّلام في حياة النّاس مع بعضهم البعض، والحرب إنما تنطلق ضدّ الذين يفرضون 93 الكلام السيد الحرب على الإنسان ويريدون أن يصنعوا له المأساة، ولذلك فإنّ الحرب في الإسلام وقائيّة تارة ودفاعيّة تارة أخرى. وهكذا أيضاً أراد الله للإنسان أن يحرّك أخلاقه في خطّ السلوك لتكون له خصائصه الفرديّة التي تحمي له شخصيّته فيما يعيشه من عناصره الذاتيّة، كما أنّها تحفظ له خصائصه الاجتماعيّة كجزء من المجتمع فيما يُراد لعناصره الاجتماعيّة أن تحمي نفسها من خلال ذلك. ولا بدّ للإنسان المسلم إذا أراد أن يعيش إسلامه كما أراد الله له ذلك، أن يجمع في شخصيّته العناصر الفكريّة التي ترتكز عليها العقيدة، والمفاهيميّة التي يرتكز عليها التصوّر، والحركيّة التي يرتكز عليها السلوك. مفهوما القناعة والطمع يتحدّث عن مفهوم القناعة فيقول: ربما يبدو لبعض الناس أنّ القناعة تعني القبول بالأمر الواقع، فإذا أراد الإنسان أن يكون قنوعاً فعليه أن لا يفكّر بتطوير أوضاعه إلى الأفضل، أو تطوير إمكاناته إلى الأقوى، أو تطوير حياته إلى الأرحب، بل عليه من وجهة نظر هؤلاء أن يظلّ راكداً في نطاق واقعه، مستسلماً لكلّ ما يفرضه عليه الواقع من فقر وذلّ وجهل وما إلى ذلك. وربّما يفكّر بعض الناس أنّ القناعة ضدّ الطّموح، وأنّ على الإنسان أن لا يكون طموحاً، وأن لا يفكّر في تطوير واقعه وتغييره. فيما يرى البعض الآخر أنّ على الإنسان أن يكون قنوعاً في الواقع السياسيّ، بأنْ 94 الكلام السيد يقبل الاستسلام لحكم الظالمين والمستكبرين. وكذا الحال في الواقع الاجتماعيّ عندما يواجه الإنسان قضايا التخلّف في الواقع، فإنّ عليه- حسب هذه النظرة- أن يقبل بذلك. وأنّ على المجتمع أن يقنع بما تركه الآباء والأجداد من عادات وتقاليد غدت مقدّسة من باب التقديس الخطأ والجهل والتخلّف ليس إلاّ. ولكنّ هذا المفهوم مفهومٌ خاطئ، فالله أراد للإنسان أن يكون طموحاً، وأن يظلّ في حركة تصاعديّة بحيث إذا كان في درجةٍ ما فعليه أن يعمل لينطلق إلى درجة أعلى، ولذلك ففي الدعاء )اللهم اجعل مستقبل أمري خيراً من ماضيه(. في واقع الإنسان الإيجابي كلّه. وفي الأذان نقول )حيّ على خير العمل( وخير العمل هو أفضله، وإذا كان مفسّراً بالصلاة فإنّ الصلاة نموذج ومصداق لخير العمل، ولكن الفكرة هي أن ينطلق الإنسان ليبحث عن العمل الأفضل والأحسن.. لذلك لا بدّ للإنسان من أن يكون طموحاً فإذا استطاع أن يوسّع في رزقه فإنّ الله سبحانه وتعالى يشجّعه على ذلك، وقد اعتُبر العمل في سبيل تحصيل الرّزق من الحلال والتوسعة على العيال، والتعطّف على الجار، والقيام بالمسؤوليّات الاجتماعيّة الإسلامية، عبادةً، ففي الحديث الشريف «العبادة سبعون جزءاً أفضلها طلب الحلال .» وقد جاء أحدهم إلى إمام من أئمة أهل البيت )ع( وأحسبه الإمام الصادق )ع( قال له: إنّني هممت أن أدع السوق، قال: «إذاً يقل عقلك ولا ينتفع منك بشيء ». أي إنّك بذلك تفقد غنىً في التجربة، لأنّ التجارة 95 الكلام السيد ليس مجرّد عما تحصل منه على رزق ولكنّها تجربة تحصل من خلالها على خبرةٍ وعقلٍ اجتماعيّ واقتصاديّ من خلال حركتك مع الناس في تعقيدات التجارة كلّها. وهكذا الحال في كلّ جهدٍ يقومُ به الإنسان، وكلّ طاقة يفجّرها مما يحتاجها الناس ويرتفع بها مستوى الحياة فهي مسؤوليّة الإنسان، وربما يصل الأمر إلى حدّ الوجوب، عندما تكون الحاجة في مستوى القضايا الكبرى والحاجات الملحّة للمجتمع. فالإسلام لا يقول لك كُن قنوعاً ولا تكن طموحاً، بل كُنْ طموحاً في كلّ شيء ولكن ليكن طموحك في خطّ طاقاتك وإمكاناتك، فعليك أن تطوّر أوضاعك وطاقاتك وطموحاتك في حجم إمكاناتك، وحاول أن تجعل إمكاناتك تتحرّك بطريقة أو بأخرى لتوسّع حياتك وحياة الآخرين. الجانب السلبي )الطمع( أما الجانب السلبيّ، فالقناعة هي ضدّ الطمع بمعنى أن تتحرّك لتطمح إلى أن تأخذ مالاً من دون جهد، فقد تمرُّ بك ظروف معيّنة تجعل رزقك محدوداً، فالإسلام هنا يقول لك حاول أن يكون لك غِنى النفس فلا تلتفت إلى الآخرين لتجعل حاجاتك عندهم بحيث تسقط نفسك وموقعك وموقفك من أجل تلك الحاجات، بل حاول أن تعمل وتعمل لتلبّي حاجاتك من خلال جهدك، وحتى إذا كانت حاجاتك مرتبطة بالآخرين فحاول أن تشاركهم في تحصيل حاجاتك، لا أن تنحني أمامهم بذلّة. 96 الكلام السيد بل اعمل معهم لأنّك بالعمل تعطي وتأخذ وهذا لا يناقض القناعة، أما أن لا تعمل وتمدّ يديك إلى الآخرين وتجلس بطّالاً في البيت وتتطلّع إلى ما رزق الله الآخرين من رزق، فهذا ما يرفضه الإسلام، وقد جاءت آيتان في القرآن تحذّران من ذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَ تَمُدَّنَّ عَيْنيَْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾]طه: 131 [. وفي قوله تعالى: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ﴾]التوبة: 55 [. أي لا تتطلّع إلى الآخرين فيما أعطاهم الله سواء كان العطاء بلاء منه واختباراً أو لسببٍ آخر. فلا تمدّن عينيك إلى ذلك، بل مدّها إلى طاقاتك وجهدك وظروفك والوسائل التي تملكها. صحبة الفقراء ثم ينطلق الإمام في اتجاه آخر وهو أنّ الإنسان عادة يحبّ صحبة الأغنياء ولا يحبّ صحبة الفقراء. وهذا ما نلاحظه في أغلب الطبقات الاجتماعيّة التي تملك نوعاً من أنواع الجاه أو المال أو السلطة وغير ذلك، فالفقراء هم الفئة المنبوذة والمستغلّة في المجتمع التي يعمل المجتمع الطاغي المستكبر على أساس أن يعتصر طاقاتهم ثم يتركهم من دون طاقةٍ ولا يفكّرون بأيّ ضمان لحياتهم ولا أيّة وسائل إنسانيّة تحفظ كرامتهم، بل يترفّع بنفسه ويعتبر أنّ من إنزال قدره والإقلال من شأنه أن يصاحب الفقراء.. وربّما يحدّثك هذا الإنسان الذي يرفض صحبة الفقراء بأنّ لديهم مشاكل 97 الكلام السيد كما كان المشركون يقولون للنبي )ص( إنّه يخرج منهم ما يشبه الصّنان )العرق( وأنّ ثيابهم رثّة أو وسخة. فكانوا يطلبون من النبي )ص( أن يبعدهم عن مجلسه، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى عدّة آيات في هذا المجال فالموقف هو هذا: لماذا تصاحب الفقراء والمتخلّفين الوسخين الذي لا يعرفون آداب اللياقة ولا يتكلّمون كلاماً حضاريّاً بل يستخدمون الكلمات الخشنة. فالإمام السجاد )ع( يعالج النقطتين معاً، فيقول: «اللهم حبّب إليّ صحبة الفقراء ». لأنّهم الفئة الإنسانيّة التي هي أقرب إلى الأصالة وإلى الفطرة الإنسانيّة لأنّهم لا يزالون يعيشون معنى القيم في كلّ ما يتحرّكون فيه، ولا يزال الفقراء كما يصفهم القرآن ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾]الحشر: 9[. ولا يزالون يعيشون الوفاء في علاقاتهم ببعضهم البعض ويعتبرون للصّداقة معنى ويتحرّكون على أساس أنّ هناك قِيَماً تشدّهم إلى بعضهم البعض. ومن هنا نفهم معنى قول الإمام )ع(: «حبّب إليّ صحبة الفقراء »، لأنّهم يختزنون من هذه القيم الطيّبة، وإذا كانت هناك مشاكل تسبّبها صحبة الفقراء من جهة وما يعيشونه من نقاط الضّعف السلوكيّة أو الاجتماعيّة، فالإمام يقول: «وأعنّي على صحبتهم بحسن الصبر ». أي اجعلني أصبر على ما يبدو منهم ولا تجعلني أبتعد عنهم نتيجة ذلك، فقد تكون هناك بعض السلبيّات في صحبتهم ولكن الإيجابيّات الإنسانيّة التي أغتني بها في صحبتهم هي أكثر من هذه السلبيّات. 98 الكلام السيد مشكلة الحياديين وفي كلمة لرسول الله )ص( يحمّل فيها الأمّة كلّها مسؤوليّة ضعفها عندما تنتهك حقوقها، ويحمّل الأمّة التي تقف على الحياد بين الظالم وبين المظلوم وبين الضّعفاء وبين الأقوياء وبين المستكبِرين وبين المستضعَفين المسؤوليّة، يقول أمير المؤمنين )ع( «إنّي سمعتُ رسول الله )ص( يقول في غير موطن- أي أنّه يؤكد ذلك مراراً لخطورته- لن تقدّس أمة لا يُؤخذ للضعيف فيها حقّه من القويّ غير متعتع ». أيّ بشكلٍ كامل.. فالأمّة كلّها مسؤولة، ونفهم من هذا أنّ الأمّة بحسب سعتها في كلّ أفرادها تنطلق لتقف مع الضّعفاء في أَخْذِ حقوقهم من الأقوياء. وهذا في القضايا العامّة والكبرى التي تتّصل بالأمور الحيويّة والمصيريّة للأمّة، أو قد تُطلق الأمّة على جماعة من النّاس، أو بلدٍ معيّن أو قرية معيّنة أو عائلة معيّنة. فالأمّة التي لا يتحرّك أفرادها ليأخذوا للضعيف حقّه من القويّ من غير مهادنة ولا مجاملة ولا تقصير أمّة غير مقدّسة، أي أنّها أمّة لا تسير في خطّ القداسة الإسلامية التي تمثّل الخط المستقيم الذي يريده الله ورسوله. وهذا أمرٌ نحتاجه في واقعنا الذي نعيشه الآن عندما تتعرّض الأمّة في مواقعها كلّها لضغوط المستكبرين، فيقف المستكبرون ليصادروا حقوق الأمّة وليضطهدوا المستضعَفين في حقوقهم الاقتصاديّة والسياسيّة 99 الكلام السيد والأمنيّة وما إلى ذلك. وهكذا نجد أنّ الأقوياء في العائلة أو في القرية أو المدينة أو الوطن يأخذون حرّيتهم في اضطهاد الضّعفاء في حقوقهم، من دون أن يقف الناس ليدافعوا عن الضّعفاء ليسترجعوا حقوقهم، لأنّ المشكلة في الناس هم الأكثرية الصامتة، فهذه التي تملك مواقع القوّة في المجتمع هي التي تصمت ولا تُنْكر ولا تأمُر بالمعروف، وفي القول المأثور «إنّ السّاكت عن الحقّ شيطان أخرس .» وقد ورد في حديث الإمام علي )ع( عن بعض الناس أنّهم «خذلوا الحقّ ولم ينصروا الباطل ». ويعني الحياديين الذين وقفوا على التلّ فلم يحاربوا مع الباطل ولم يحاربوا مع الحقّ، في حين لا حيادية بين الحقّ وبين الباطل، وقد كانت آخر وصايا علي )ع( لولديه )ع( «كونا للظالِمِ خصْماً وللمظلومِ عَوْناً ». وهذا هو خطّ الإسلام المستقيم. ويبقى حديث رسول الله )ص( يغنينا فكراً وحركة ومجتمعاً وسياسة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾]الحشر: 7[. ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾]الأحزاب : 21 [. محاسبة القيادات كما أنّ علينا- أيّها الأحبّة- أن نتعلّم كيف نحاسب القيادات على أعمالها كلّها، فالقائد لا يملك نفسه في أيّ موقع من مواقع القيادة سواءً كانت القيادة دينيّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة أو أمنيّة، فالقيادة مسؤوليّة أمام الناس 100 الكلام السيد الذين تقودهم بعد أن تكون مسؤولة أمام الله تعالى، ومن حقِّ الناس أن يسألوها عن تصرّفاتها ومواقفها كلّها، فهي –أي القيادة- ليست امتيازاً شخصيّاً للقائد ولا تشريفاً له ولا موقعاً اجتماعيّاً ينفتح به ولكنّها مسؤوليّةً أمام النّاس، وعليه أن يقدّم حسابه للنّاس. ونتعلّم ذلك، من الآيات والأحاديث التي تريدنا أن نتحدّث بصراحة مع القيادة أيّة قيادة صغيرة كانت أو كبيرة، والله تعالى يحدّثنا كيف أنّ بعض القيادات تخدع الناس في البداية فإذا وصلت إلى ما تريد من خلال التفاف الناس حولها نسيت ذلك كلّه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فيِ الأرَْضِ ليُِفْسِدَ فيِهَِا وَيُهْلكَِ الْحَرْثَ وَالنسَّْلَ وَاللّهُ لا يُحِبُّ الفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ﴾]البقرة: 204 - 206 [. إنّ منطق أحدهم إذا آخذتهم بشيء يقول: من أنتم حتى تقولوا لي اتّقِ الله فأنا الذي أعظ الناس فكيف تعظونني؟! إنّ كثيراً من القادة يرى نفسه فوق أن يُوعَظ وأعظم من أن يُنصَح أو يُناقَش أو يُحاوَر، لأنّه يعتبر أنّ كلمته هي الكلمة العليا التي لا كلمة فوقها ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾]البقرة: 206 [. الضلال المثقّف أيّها الأحبّة: وُلِدَ النبي )ص( في مرحلة كان الضّلال فيها يغْمرُ الواقع كلّه، ونحن الآن نعيش في عصر ينفتح فيه الضّلال المثقّف والكفر 101 الكلام السيد المثقّف والاستكبار المثقّف على الواقع ليحارب الإسلام والمسلمين في ثقافتهم. لذلك نحتاج إلى إيمان مثقّف وحركة مثقّفة ووعيٍ مثقّف، ونحتاج إلى أن نواجه الثقافة بثقافة والقوّة بقوّة والخطّة بخطّة. فكم نحن في العدد؟ نحن نمثّل الآن أكثر من خُمْس العالم كمسلمين، ولكنّ اليهود الذين لا يزيد عددهم عن العشرين مليون في العالم استطاعوا أن يهزموا المليار ونيّف مسلم، لأنّهم استنفروا قوّتهم كلّها فأصبح الكيان الصهيوني قضية كلّ يهودي. أمّا المسلمون فقد ابتعدوا عن كلّ معنى فلسطين، وعندما بدأ الزمن يتقدّم في مداه في التأريخ ويتأخّر في مداه في القضايا أصبحت القضية ليست في أن )نحرّر( فلسطين بل كيف )نتحرّر( من فلسطين. ولذلك نجد أنّ الكثيرين من هؤلاء الذين يجلسون على قلب العالم الإسلامي ويجثمون على صدر الأمّة الإسلامية ممن وظّفهم المستكبرون من أجل أن يحرسوا مصالحهم، يلهثون ويلهثون حتى يأتي شخصٌ صهيوني ليتحدّث بطريقة دبلوماسيّة ويذبحنا بطريقة حضاريّة، فالمشكلة بين رئيسٍ صهيونيّ يذهب وآخر يأتي، هي أنّ ذاك يذبحنا على الطريقة البدْويّة وهذا يذبحنا على الطريقة العصريّة. ولقد كان اليهود في زمن الرسول )ص( ﴿بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾]الحشر: 14 [. وكان المسلمون في ذلك الزّمن مصداقاً للآية ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ﴾]الفتح: 29 [. 102 الكلام السيد وانقلبت الصّورة اليوم فأصبحنا تحسبُنا جميعاً وقلوبنا شتّى وأقطارنا شتّى وأحزابنا شتّى ومذاهبنا شتى وأهواؤنا شتّى وإلى آخر القائمة من هذه ال )شتّى(.. بينما اليهود أصبحوا أشدّاء علينا رُحَماء بينهم، والله يجري النّصر والهزيمة على حسب سننه، لأنّه تعالى أقام الكون على سنن في نظام الكون وفي الإنسان. لِنُولَد كأمّة أيّها الأحبّة: أصبحنا نفكّر كأفراد ولا نفكّر كأمّة، ونعمل على أن يقول كلّ واحد منّا اللهم استر عليّ وعلى عيالي ومالنا والدخول بين السلاطين.. والله تعالى يقول: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾]آل عمران : 104 [. ويقول ﴿وَاصْبرِْ عَلىَ مَا أصََابكََ إنَِّ ذَلكَِ مِنْ عَزْمِ ا مْألُُورِ﴾]لقمان: 17 [. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾]الزمر: 10 [. ونحن بحاجة إلى أن نصبر على كثيرٍ من البلاء السياسيّ والاقتصاديّ والأمنيّ والاجتماعيّ.. أن نصبر صبر العاملين الذي يخططون ويحاولون أن ينفّذوا الخطة على مراحل.. القوم يخطّطون وعلينا أن نخطّط... والقوم يفكّرون وعلينا أن نفكّر وأن نعيش كأمّة تهتمّ بقضاياها كلّها.. «من سمع رجلاً ينادي يا للمسلمين فلم يُجِبْه فليس بمسلم، ومن أصبح لا يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم .» 103 الكلام السيد شذرات أخلاقية وعلى صعيد الأخلاق، قال رسول الله )ص( في رواية الصّادق )ع(: «أفضلكم أحسنكم أخلاقاً ». أي الذي يتميّز بالأخلاق كأفضل ما تكون «الموطّؤن أكنافاً ». أيّ الذين لا يستعلون على الناس، وهم المتواضعون الذي يخفِضون جناح الذلّ من الرّحمة لإخوانهم «الذين يألفون ويؤلفون وتوطّأ رحالهم ». أي تنزل منازلهم للضّيافة أو لطلب الحاجة، فيرحّبون بضيوفهم وقاصديهم بالخُلُق والبشاشة بحيث يشعرون بأنّهم أصحاب البيوت لا ضيوفها. وعن أبي عبد الله )ع( قال رسول الله )ص(: «يا بني عبد المطلب إنّكم لن تَسَعوا النّاس بأموالكم فأَلْقُوهُم بِطلاقةِ الوجه وحُسْن البِشر .» ونختم هذه الباقة العطرة من الأحاديث الشريفة بقولِ الرسول )ص( المرويّ عن الإمام الصادق )ع(: «قال رسول الله )ص( لرجل أتاه ألا أدلّك على أمر يدخلك الله به الجنّة؟ » ومن منّا لا يشتهي ذلك «قال: بلى يا رسول الله، قال أَنِلْ مما أنالك الله ». أيّ أعطِ مما أعطاك الله، فإذا كان لديك مال فأعطِ الناس من مالك ممّن يحتاج إلى هذا المال. «قال: فإن كنتُ أحوج ممن أنيله؟ ». أيّ لا مال لي فهل تغلق عنّي أبواب الجنّة «قال: فانصر المظلوم ». فإنْ لم يكن لك مال فقد تكون لديك قوّة، سواء كانت قوّة جاه أو قوّة عضلات أو قوّة سلاح توظّفها في نصرة المظلوم أيّاً كان فرداً أو جماعة «قال: فإن كنت أضعف ممن أنصره؟ قال: فاصنع 104 الكلام السيد للأخرق ». أيّ الأحمق الذي لا يستطيع أن يتعرّف على طبيعة الأمور ولا يقدر أن يدبّر أمر نفسه، أي أَشِرْ عليه وقدّم له النّصح والتعليم والخبرة. «قال: فإن كنت أخرق ممّن أصنع له؟ قال: فأَصْمِتْ لسانك ». أي إعْقِلْهُ والجُمْهُ إذا دعاكَ إلى الشرّ، واجعله ناطقاً إذا دعاك إلى الخير. «أما يسرُّك أن تكون فيك خصلةٌ من هذه الخصال تجرّك إلى الجنة .» وعلى ضوء هذا-أيّها الأحبّة- فباب الجنّة مفتوح والطُّرُق إلى الله بعددِ أنفاس الخلائق، ونحن في مرحلة الهدنة، فعلينا أنْ نجلس لنتأمّل ونفكّر وندرس الأمور بوعيٍ وبعمقٍ، فالحياة تسير بنا «ومن كان مطيّته الليل والنهار فإنّه يُسار به وإن كان واقفاً .» فنحن نأكل شيئاً من عمرنا في كلِّ يوم، وقد بقِيَتْ لكلّ منا بقيّة من عمر، وإنّنا مسؤولون-في غضون ذلك- عن الإسلام وعن الخطّ الأصيل فيه، وعن أن نفهم الإسلام ونعمل به وندعو له، ومسؤولون عن المسلمين أن نعيش الاهتمام بكلّ أمورهم، وأن نعاونهم ونساعدهم فيما هم فيه. طموحات بحجم الرسالة إنّ علينا أن نكون في حجم الأمّة القويّة من أجل أن نجمع هذه الأعداد الكثيرة حتى نستطيع أن نكون كما كان رسول الله )ص( ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾]سبأ: 28 [. وليكن طموحنا أن نُؤَسْلِمَ العالم، والعالم مفتوحٌ للإسلام بشرط أن تكون عقولنا مفتوحةً للإسلام، وأن لا تحمل التخلّف والخرافة أو أن تتحرّك على أساس أن تجمّد 105 الكلام السيد تفكيرها، وأن لا نكون مع الذين يصادرون الفكر ويقمعون حرّية الإنسان الذي يفكّر، بل علينا أن ننفتح على الله، وأن تكون لنا آذان نسمع بها ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾]الزمر: 18 [. وأن تكون لنا عيون نُبصر بها وعقول نفكّر بها ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بهِِ عِلْمٌ إنَِّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً﴾]الإسراء : 36 [. صِدْقُ التشيّع إنّ هذا الحديث يؤكّد أنّ الصادق في تشيّعه لا بدّ أن يكون متحرّكاً في القيم الإسلامية كلّها، لأنّ التشيّع ليس شيئاً غير الإسلام، فأهل البيت )ع( لم يفتحوا حساباً خاصّاً بهم وليست لديهم دفاتر وسجلاّت خاصة بهم، فليس لهم سوى سجلاّت الله، وحساباتهم هي حساباته سبحانه وتعالى، وخطُّ الولاية مرتبطٌ بخطّ الطّاعة والعمل، فينبغي أن لا تنفتح الأذهان على ما يتحدّث به الكثير من النّاس في السّطح من أنّ عليك أن تحبَّ عليّاً )ع( وتأخذ مفتاح الجنّة حتى لو قتلتَ وزنيتَ وسرقتَ وكنت مع الظّالم والظّالمين، في حين أنّ آيات القرآن لا تفرّق، في ذلك، بين إنسانٍ وإنسان آخر. أهل الصبر وعن أبي عبد الله الصادق )ع( قال: «إذا كان يوم القيامة يقوم عنق من الناس » أي جماعة «فيأتون باب الجنّة فيضربونه فيُقال لهم: من أنتم، فيقولون: نحن أهل الصبر، فيُقال لهم: على ما صبرتُم؟ فيقولون كنّا 106 الكلام السيد نصبر على طاعة الله ». فإذا أوحت نفوسنا الأمّارة بالسّوء إلينا بأنّ الإقبال على طاعة الله قد يحرمنا من الرّاحة فإنّنا نصبّر نفوسنا على ذلك، «فيقول الله عزّ وجلّ صدقوا، أدخلوهم الجنّة »، وهو قول الله عزّ وجلّ ﴿إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾]الزمر : 10 [. ومن هنا، فقد اعتبر أمير المؤمنين )ع( الصبر بمنزلة الرأس من الجسد حينما قال «وعليكم بالصّبر فإنّ الصّبر من الإيمان كالرّأس من الجسد, ولا خير في جسدٍ لا رأسَ معه, ولا في إيمانٍ لا صبر معه ». لأنّ الصّبر هو الذي يثبّت أقدامك في حالات الزّلزال وهو الذي يركّز إيمانك إزاء التحدّيات. وعن أبي جعفر قال: “كان أمير المؤمنين )ع( يقول: لا يقلّ عملٌ مع تقوى وكيف يقلّ ما يُتقبّل”. أي أنّك إذا كنت تقيّاً بحيث تعيش خوف الله ومحبّته في قلبه وتتحرّك في طاعة الله، وكان عملك قليلاً فإنّ الله يجعله كثيراً بتقواك، والعمل الذي يقبله الله لا يمكن أن يكون قليلاً بل هو كثير من خلال نتائجه التي يحصل عليها المتّقي من الله. خواطر الأخلاق الفاسدة )عفّة النفس( بالنسبة للتمنّيات غير الأخلاقية، أو الأفكار غير الأخلاقية فلا بدّ للإنسان إذا طرأت عليه أن يتعامل معها بالطريقة التي يعمّق فيها القيمة الأخلاقية، فمثلاً، بالنسبة للعفّة سواء كانت أمام شهوة الإنسان فيما يُحرّم عليه أو عفّة اليد من أن يسرق أو يخون الأمانة، أو غيرها، فلا بدّ للإنسان أن يربّي 107 الكلام السيد العفّة في نفسه بالتّفكير بالسلبيّات التي يمكن أن تحدث فيما لو اندفع فيما يتمنّاه هنا أو هناك على مستوى الدّنيا والآخرة. وهذا ما يجمعه شيء واحد وهو أن نسهر على قلوبنا وعقولنا بحيث يحاول أحدُنا أن يربّي قلبه وعقله وإحساسه وشعوره لأنّ ما في الخارج ينطلق ممّا في الداخل-فإذا كان داخلك ثابتاً مستقرّاً واعياً عاقلاً منفتحاً على الحقيقة فإنّ حركتك في الخارج كلّها سوف تكون بهذا الاتجاه وعلى هذا المستوى. وهذا ما يؤكّده الله في مستوى القاعدة ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾]الرعد : 11 [. فلا بدّ أن تغيّر ما في نفسك من القلق والحيرة والأحلام غير الواقعيّة وغير الشرعيّة لتغيّر واقعك. حاجتنا إلى الهدوء لهذا فلا بدّ لنا أن نجلس مع أنفسنا، إنّ مشكلتنا هي أنّنا نجلس مع الآخرين أكثر ممّا نجلس مع أنفسنا حتى أنّ البعض منّا يخاف الجلوس مع نفسه لأنّه يستوحش من ذلك. ونضرب على ذلك مثلاً، فقد يحصل وأنت تسير في السيّارة والطّريق طويلٌ وفرصة التّفكير حينئذ جيّدة. لكنّك تفتح المذياع أو المسجّلة على أيِّ شيء، فالمهمّ أن لا تصمت أو تخلد إلى الهدوء الذي يقودك إلى التّفكير أو محاسبة النّفس، فإذا لم يكن لديك من تتكلّم معه فإنّك لا تتكلّم مع نفسك، بل تحاول أن تسمع كلاماً يُشغلك عن هذا الهدوء الذي تعيشه. 108 الكلام السيد فما أحوجنا إزاء هذا الضّجيج: ضجيج الواقع وضجيج السّياسة وضجيج الاقتصاد، أن نمنح أنفسنا فترةً من الهدوء لنفهم أنفسنا جيّداً، فإذا لم تفهم نفسك فيما تعتقده وفيما تحبّ وتبغض، وفيما هو خطُّك في الحياة وأهدافك فيها، فمن الصّعب أن تجيب على الأسئلة الحيويّة والمهمّة التي تُطرح عليك لأنّك لا تعرف النّفس وما يطوف به الشيطان عليها حتى تجعل المنطقة الداخلية منطقة رحمانيّة بحيث لا يكون في عقلك إلاّ الله من خلال الحقّ ولا في قلبك إلاّ الله، ولا في حركتك في الحياة إلاّ الله.. فالله أوّلاً والله أخيراً. وهذا ما يحتاج إلى معاناةٍ ووعيٍ يتحرّك في الإنسان، ونسأل الله أن يُعيننا على أنفسنا بما يعين به الصّالحين على أنفسهم. المعرفة بالزّمان لا بدّ للإنسان أن يعرف عصره وأهل عصره، كيف يفكّرون وكيف يتحرّكون وكيف يركّزون علاقاتهم وكيف يفهمون الحرب والسِّلْم والوعي والتخلّف. فالإنسان الذي يعيش عصره وهو لا يفهمه هو إنسانٌ يعيش العمى العقليّ والعمى الروحيّ والعمى الحركيّ في حياته. ولعلّ مشكلة الكثير من العلماء والمصلحين، وهم المخلصون لعملهم ولرسالتهم أنّهم يعيشون خارج عصرهم، بين من يعيش في زمن ما قبل الألف عام، ويقرأ الكتب التي أُلّفت آنذاك مما يمثّل تجربة العالم أو المفكّر في ذلك المجتمع، ولكنّه لا يدرس الواقع الذي يعيشه مجتمعه الآن. ونحن نعرف أنّ الذهنية لغة، فكما أنّك لا تستطيع أن تكلّم من يعرف 109 الكلام السيد العربيّة ___________بالإنجليزيّة لا يمكن أيضاً أن تكلّم من يعيش ذهنيّة القرون الوسطى في طريقة تفكيره ومواجهته للأشياء بذهنيّة معاصرة، والعكس صحيح. لذلك جاء التأكيد في أكثر من حديثٍ على أن يكون العاقل عارفاً بأهل زمانه، والرّبط بالعقل يوحي بأنّ من العقل ذلك، لأنّ العقل يريد منك أن تندمج في مجتمعك وتحقّق رسالتك فيه، وأن تدخل فكرك إلى عقول المجتمع الذي يعيش معك، وأن تتحرّك معهم للتّكامل معهم. عصرُ كفرٍ وانحرافٍ وقد يقول الناس إنّ هذا العصرَ هو عصْرُ كفرٍ وفسادٍ وانحرافٍ فعلينا أن نرفضه، ولكنّنا نقول لأنّه عصْرَ كفرٍ وفسادٍ وانحراف فلا بدّ لنا أن نفهمه حتى ننقله من الكفر إلى الإيمان، ومن الفساد إلى الصّلاح، ومن الانحراف إلى الاستقامة. وهل جاء الأنبياء )ع( في عصر خير كلّه؟ أمّ أنّ كلّ نبيّ جاء إلى مجتمعه وحيداً وكان المجتمع ضدّه ولكنه بدأ بالواحد والاثنين والثلاثة إلى أن دخل الناس في دين الله أفواجاً. فإذا كنتَ صاحب قضيّة ورسالة فلا بدّ لك أن تدرس عصرك. وأقول لكم ناصحاً، إقرأوا 75 % في كتاب الواقع و 25 % في الكتب المسطورة، لأنّك لن تستفيد ممّا في الكتب إلاّ إذا فهمتَ الواقع، ولهذا حدّثنا الله تعالى عن أنّ النبي )ص( وكلّ نبيّ جاء بالكتاب والحكمة. فالكتاب هو خطّ النظريّة، والحكمة هي خطّ التطبيق، فعليكم إذاً أن تحرّكوا الكتاب في مواقع الناس بأن تدرسوا عقولهم لتدخلوا فيها. 110 الكلام السيد فكما أنّنا نريد مهندساً يشقُّ الطرقات، نريد كذلك مهندساً يشقُّ الطريق إلى العقول. فما يمكن الوصول إليه في مسافة كيلومترين قد يتسبّب في حوادث مؤسفة كثيرة، لكنّ الهندسة قد تجعل المسافة ثلاثين كيلومتراً لكنّها محفوفة بالأمن والسّلامة. وعلى ضوءِ ذلك فنحن نحتاج إلى أن نشقَّ الطريق إلى عقول الناس فيما نقوله وما نتّبعه من الأساليب وأن ندرس خلفيّاتهم: ما هي نقاط ضعفهم وما هي نقاط قوّتهم، وعلى هذا الأساس يتمُّ البناء ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾]الإسراء: .]53 وَعَوْداً إلى حديث الإمام الصادق )ع( قال: “في كلمة آل داود: على العاقل أن يكون عارفاً بأهل زمانه مُقْبِلاً على شأنه”، واعياً لمسؤوليّاته وحياته ومدبّراً لأموره، وأن لا يعيش اللامبالاة فيما يتّصل بحياته ومسؤوليّاته بل يكون مقبلاً، واعياً ومنفتحاً على كلّ مفردة من مفردات حياته بحيث لا يصدر منه شيء إلاّ وقد فكّر فيه وانفتح عليه “حافظاً للسانه” بحيث يملك لسانه بشكلٍ دقيق كيما ينظّم للسان كلماته حتى تتحرّك ضمن النّظام العام. كيف نُريح قلوب وعقول النّاس أيّها الأحبّة: لتكن أخلاقيّتنا الإسلاميّة هي الوسيلة الفضلى لأن نريح قلوب النّاس وعقولهم وحياتهم، وعلينا أن نكون أمّ الولد كما في قصّة سليمان )ع( حيث جاءته امرأتان تختلفان في ولدٍ أيّهما أمّه. فقال 111 الكلام السيد سليمان تعالوا نقسّم الولد بينكما نِصفيْن فنعطي هذه نصفاً وتلك نصفاً، وهنا هرعت الأمّ الحقيقيّة فقالت: أعطِها ولدي لِيَسْلَم، فقال لها: أنتِ أمُّ الولد... فلنكن أمّ الولد في معنى الإسلام، فالأعداء يتربّصون بالإسلام الدوائر ويريدون أن يسقطوا الإسلام في نفوس المسلمين، ويتربّصون بالمسلمين الدوائر ليصادروا اقتصادهم ليكون على هامش اقتصادهم، وليصادروا سياستهم لتكون على هامش سياستهم، وليصادروا أمنهم ليكون على هامش أمنهم... يريدوننا أن نكون مجرّد هامش لا أكثر. فلتفتحوا- أيّها الأحبّة- قلوبكم للحبّ كما قال السيد المسيح )ع( والرّسالات واحدة “أحبّوا أعداءكم”. وليس المراد أن تحبّوا ما هم فيه من حقدٍ وبغضاء ولكن أحبّوا إنسانيّتهم تفتحوها على الحقّ... وعلينا –أيّها الأحبّة- أن نكون شيعة علي )ع( في الخطّ لا في الكلمة فهو القائل “لأسالمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن بها جورٌ إلاّ عليّ خاصة”. فهل نبدأ التجربة؟ فلننظّف ألسنتنا من السّباب كلّه، ونزرع بدلاً منه ورود الحوار كلّها، والموضوعيّة كلّها، واحترام الإنسان كلّه، واحترام المؤمنين لبعضهم البعض، فنحن مُتْعَبون في بيوتنا مُتْعَبون في قُرانا وفي مُدُنِنا وأوطاننا وأمّتنا، فلماذا نعمل على أن نزيد تعبنا بهذه الأساليب؟ لنحاول أن نفتح قلوبنا للحبّ.. ولنقتدِ بكلمة عليّ )ع( “إحصدْ الشرّ من صدر غيرك بِقَلْعه من صدرك”. وعلينا أن نصبر على تعقيداتنا وعصبيّاتنا مُهْتدين بقوله عزّ وجلّ ﴿وَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ السَّيِّئَةُ﴾]فصلت : 34 [. والحسنة أسلوب الرّفق والسيّئة أسلوب العنف ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ 112 الكلام السيد أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِ الَّذِينَ صَبَرُوا﴾]فصلت: 34 - 35 [. والصّبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾]فصلت: 35 [. من الوعي وسعة الأفق ورساليّة الخطّ والحياة. ثقافة السير في الخطّ المستقيم يقول السيّد عن أهمّية أن يعرف الإنسان كيف يضع خطواته على الطريق مستشهداً بقول الإمام الصادق )ع(: “سمعتُ أبا عبد الله )ع( يقول: العالم على غير بصيرة، كالسّائر على غير الطّريق، لا يزيده سرعة السّير إلاّ بعداً عن الطريق”. فعندما تبدأ خطّ السير فعليك أن تعرف الطريق الذي تسير فيه والهدف الذي تسعى إليه، لأنّك عندما لا تعيش ثقافة المسيرة في بداياتها ونهاياتها وخطوطها فقد يُخيّل إليك أنّك تسير في الطريق الذي يصل بك إلى الهدف، وإذا بك تسير في الطريق الذي يصل بك إلى ما هو ضدّ الهدف. ولذلك فقد تكتشف وأنتَ في نهاية الطريق أنّك ابتعدت عن الطريق أكثر، بعدما كنت أقرب إليه في البدايات، ولكن عندما تنطلق تلك البدايات في خطّ الانحراف فإنّك تبتعد عن الطريق كثيراً، ولو وقفت لاستطعت أن تهتدي أكثر. العمل بغير علم إفساد وفي الحديث عن أبي عبد الله الصادق )ع( عن رسول الله )ص( قال: قال رسول الله )ص(: “مَنْ عَمِل على غير علمٍ كان ما يفسد أكثر ممّا 113 الكلام السيد يصلح”. لأنّك عندما تتحرّك في خطّ العمل فإنّك ترمي إلى تغيير الواقع، وعندما تُغيّر الواقع على أساس الخطأ والجهل، فإنّ معنى ذلك هو أنّك تخلق مشكلة للواقع أكثر من المشكلة التي كانت فيه قبل أن تبدأ العمل. وهذه مسألة، أيّها الأحبّة، عشناها ولا نزال نعيشها في المسيرة الإسلامية كلّها، حيث نواجه من لا يُبَلْورون الفكرة قبل البدء بالعمل ولا يتعمّقون في خطوطها وطبيعتها وإيحاءاتها، الأمر الذي يؤدّي إلى الوقوع في كثير من الأخطاء والتسبّب في العديد من الأضرار والمفاسد. في خطّ العمل الإسلامي وعندما نتحرّك في خطّ العمل الإسلامي فإنّ علينا أن نعرف الإسلام، فلا يكفي أن ننفتح على الإسلام بطريقة ضبابيّة، أو أن ننادي بالإسلام من دون أن نعرف الخطوط الأصيلة له، ومن دون أن نعرف المفردات المنهجيّة للإسلام، ومن دون أن نعرف الحلول التي يقدّمها الإسلام إلى العالم. فأن تعمل للإسلام قيادة في موقع ثقافيّ، أو قيادة في موقع سياسيّ، أو قيادة في موقع اجتماعيّ، لا بدّ أن يكون لديك وعي الإسلام ولن يكون لديك مثل هذا الوعي إلاّ إذا كان لديك وعي القرآن، فمن لا يقرأون القرآن علماً وثقافة وروحاً وحركةً وليسوا مؤهّلين أن يكونوا في أيّ موقعٍ قياديّ للإسلام، لأنّ القرآن هو النّور الذي يضيء الطّريق. ولعلّ مشكلتنا –أيّها الأحبّة- فيما نأخذ به من مواقع الثقافة والعلم، هي أنّ القرآن يعيش على هامش ثقافتنا الحوزويّة، وأنّ الكثيرين ممّن 114 الكلام السيد ينفتحون على الفقه عِلماً لا ينفتحون على القرآن عِلماً، ولذلك فإنّهم قد يتصوّرون الانحراف استقامة والاستقامة انحرافاً، وقد يتصوّرون الضّلال هدىً والهدى ضلالة. فلن نعرف الإسلام إلاّ إذا قرأنا رسول الله )ص( بكلّه، وقرأنا عليّاً وأبناءه الطّاهرين بكلّهم. بأنْ نقرأهم فيما يعيشونه مع الله وفيما قدّموه للأمّة من فكرٍ وهدى، وفي مسيرتهم من مناهج في الحياة. وأن لا نقرأهم في الشهود فقط ولا نقرأهم في الغيب فقط وإنْ كانت لديهم مساحة كبرى في الغيب، بل أن نقرأهم في هذا وذاك، لأنّ مشكلة الكثيرين هي أنّهم عاشوا مع الأنبياء والأولياء في الغيب ففقدوا معرفتهم للأنبياء وللنبوّات في عالم الشّهود، فضاع الغيب منهم عندما ضاع الشّهود ذلك لأنّ الغيب مرتبطٌ بالشّهود كما أنّ الشّهود منفتحٌ على الغيب. فلنتأمل في الكلمة النبويّة “من عمل على غير علم”. علمٍ في كلّ مفردات الموقع الذي تمثّله، وكلّ خطوط الدّرب الذي تسير فيه، وكلّ ساحات الصّراع التي تدخل فيها.. وكلِّ الآفاق التي تتحرّك فيها. لأنّ لكلّ ساحة عِلمها، ولأنّ لكلّ طريق عِلمه، ولأنّ لكلّ موقع عِلمه. أيّها الأحبّة، إنّ الإسلام مُثقَلٌ بكلّ الجراحات التي أثخنّاه بها، وإنّ الإسلام يعيش أكثر من مشكلة كنّا -نحن المنتمين إليه- السّبب فيها، فلنوفّر على الإسلام الكثير من جهلنا، ولنقرأ قبل أن نبدأ الخطوة الأولى، ولنعرف نهايات الأمور قبل أن ننطلق في بداياتها، لأنّ السّاحة واسعةٌ واسعةٌ، والتحدّي كبيرٌ كبير، والمرحلة صعبةٌ صعبة على مستوى الثّقافة والسياسة والأمن والاجتماع. 115 الكلام السيد أيّها الأحبّة: إنّ الواقع الذي يعيشه الإسلامُ هو واقع ينادي “هل من ناصر ينصرني!”!! ... ناصر يعرف كيف ينصر الإسلام لا أن يخذل الإسلام باسم الانتصار له. المفرّقون وهكذا أيّها الأحبّة، أراد الله لنا أن نتعرّف على هذه النماذج التي توجد في كلّ زمانٍ ومكان لنعرف كيف نستطيع أن نَحْذَرَ منهم ونبتعدَ عنهم. وهذا ممّا قد نعيشه في أكثر من نموذج، فنجد مثلاً أنّ الله أراد للأمّة أن تكون أمّة واحدة ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾]الأنبياء: 92 [. ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾]آل عمران: 103 [. ولكنّنا نجد أنّ هناك الكثير من العلماء والفقهاء من يعملون من أجل تمزيق وحدة الأمّة فيثيرون بين وقتٍ وآخر ما يمزّقون به هذه الوحدة فيشغلون الأمّة بالخلافات والمنازعات التي تبعدهم عن صفاء الإسلام ومواجهة التحدّيات الكبرى التي تُوجّه إلى الإسلام وإلى المسلمين كالتحدّيات السياسيّة والثقافيّة والاجتماعيّة. وهناك في العالم الإسلاميّ أيضاً من يعمل من أجل تأييد الظّلم والظّالمين والانحراف والمنحرفين، كأولئك الذين يتحرّكون مع الاستكبار العالميّ ومع الاستكبار الصهيونيّ والاستكبار المحلّي من أجل أن يدعموا المستكبرين مستغلّين ما يملكونه من علم يعطيهم الثّقة في نفوس النّاس فيستغلّهم المستكبرون في الإيقاع بالمستضعَفين. 116 الكلام السيد وهناك من العلماء من يُربِكون الواقع الإسلاميّ ويمزّقون وِحْدَتَه من خلال أحكامٍ غير عادلة وتصرّفات غير مسؤولة تنطلق من منطلق العقدة والحقد بما يثير العصبيّات الإسلاميّة، فبدلاً من أن يعمل هؤلاء على توحيد الصفّ ورأْبِ الصّدع وتقريب المسافات يعملون على تعميق الهوة وإثارة الحزازات والتّنفيس عن العقد بما يثير في السّاحة غباراً كثيفاً قد تتعذّر معه الرؤيا أحياناً. وإنّ مِنْ هؤلاء مَنْ يحرّكون التخلّف في نفوس الناس ويعملون على ركوب الموجات العاطفية التي ترتكز على التخلّف وعلى الجهل، ويعملون على إرضاء النّاس بأيّ شكلٍ كان، فيبتعدون على خطوط العِلم الصّحيحة من أجل أن يحصلوا على موقعٍ هنا ومركزٍ هناك... فاحذروهم على دينكم لأنّ علينا أن نأخذ العلم ممّن يعيش العلم نوراً في عقله ونوراً في قلبه ونوراً في حياته، فأولئك هم الذين يهدوننا إلى الله ويقرّبوننا إليه. التحدّيات الراهنة والإسلام أيها الأحبّة، لا سيّما في هذه المرحلة يواجه حرباً عالميّة على المستوى السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ والأمنيّ بحيث أنّ أعداء الله يحيطون به من كلّ جانب ويعملون على إضعافه في نفوس المسلمين.. فيا أيّها المسلمون... كلّكم مسؤولون عن الإسلام، وإذا كان بعض الفقهاء يقول إنّ الدّعوة إلى الإسلام واجب كفائيّ وإذا قام البعض سقطت عن الكلّ، فأنا أقول لكم: إنّها واجب عينيّ على كلّ مسلمٍ ومسلمة، لأنّ 117 الكلام السيد مستوى الحرب الثقافيّة والأخلاقيّة والسياسيّة والاقتصاديّة بلغ من القوّة بحيث لو أنّ المسلمين بأجمعهم وقفوا لما استطاعوا أن يقوموا بما يواجه مثل هذا التحدّي، فكيف إذا لم يقم به إلاّ القليل القليل. فبعض الناس يقولون إنّ الإسلام مهمّة المشايخ، والبعض يقول إنّ الواجب عليَّ أن أجلس في بيتي وإذا سألني الناس أجبت وإذا لم يسألني أحد فلا يجب عليّ ذلك، وكلّ إنسان يقول: أنا مشغولٌ بعملي.. فيما كان المسلمون حتى التّجار منهم يسافرون إلى أقاصي الأرض، وكان كلّ واحد يحمل في نفسه همّ إسلامه ليبلّغه إلى الشّعوب التي يذهب إليها كما يحمل همّ تجارته. تعلّموا دينكم فيا أيّها الأحبّة: تعلّموا دينكم... افرضوا على كلّ العلماء والمثقّفين أن يعلّموكم... إسألوهم حتى تتعلّموا كلّ ما يدور في ذهنكم، ولا تتركوا شيئاً في عقولكم يبحث عن حقيقة إلاّ وتسألون عنه فلا تخافوا من السّؤال، لأنّ من واجب أهل العلم أن يجيبوا على كلّ سؤال يعرفونه وأن يدرسوا ما لا يعرفونه ليجيبوا عنه، خاصة وأنّ الساحة مملوءة بالشّبهات والإشكالات والتحدّيات. الحربُ كبيرةٌ واسعة... ودينُ الله يستصرخكم، وقد ورد في الحديث عن الإمام جعفر الصادق )ع( “لوددتُ أنّ السّياط على رؤوسِ شيعتي لكي يتفقّهوا في الدّين” وورد أيضاً “أفٍ لشخص لا يفرّغ نفسه لدينه ليتعلّمه” 118 الكلام السيد فقد تقولون بأنّنا مشغولون، ولكن قولوا لي كم ساعة تجلسون إلى التلفاز لمشاهدة فيلم أجنبيّ، وكم من السّاعات تصرفونها في سهرات الشّتاء في كلام لا يسمن ولا يُغني من جوع.. اجعلوا ساعة من الأربع والعشرين ساعة تتعلّمون فيها دينكم في العقيدة والشريعة والخطّ، لتكونوا جميعاً دعاةً إلى الله، ألا تقرأون في دعاء الافتتاح “اللهم إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام وأهله وتذلّ بها النّفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدّعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك؟” وذلك بأن يكون كلّ مسلم داعية إلى الله وأن يصنع كلّ مسلم نفسه في ثقافته وتجربته وحركته مشروع قائد ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾]آل عمران : 104 [. الراحة حرام قلتها مراراً: “الراحة حرام” إلاّ بمقدار ما يمسك عليكم حياتكم، وما عدا ذلك يحرم لا سيما على أهل العلم أن يكون لهم وقت فراغ للّهو والعبث وأن يبتعدوا عن المسؤوليّة، ولو كان بإمكاننا أن ندخل إلى بيوت النّاس لندعوهم إلى الله فلنفعل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾]التحريم: 6[ فعلى الأقل أنذرْ عشيرتك الأقربين... ألا تحبّون أولادكم وبناتكم وزوجاتكم... فلو قيل لك أنّ ابنك أو ابنتك أو زوجتك تحترق في النار.. فكيف تكون مشاعرك حينها؟ كيف والنّار نار الله ﴿وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ يَعْصُونَ اللَّهَ 119 الكلام السيد مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾]التحريم : 6[. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أرَْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى الناَّسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾]الحج : 1- 2[. نسأله تبارك وتعالى أن يعيننا بما يعين به الصّالحين على أنفسهم، وأن يسلك بنا مسلك الصالحين وأن يوفّقنا بما يجب علينا من مسؤوليّات والحمدلله ربّ العالمين. 120 الكلام السيد 121 الكلام السيد المهمّة الرساليّة............................... 7 صرف الوقت في الجدل العقيم............... 7 الإيمان بالعمل ............................... 8 وتبقى الخُطى متقدّمة......................... 8 الطموح... والحياة الكريمة................... 9 ... هي للصابرين............................. 9 الفرج الإلهي................................. 9 كي لا تكون شعارات زائفة .................. 10 ... قبل الإقدام على العمل .................. 10 حتى يكون العمر تجربة في سبيل الله........ 11 شهوات الأبناء والأحفاد..................... 11 نحو تربية جيل إسلامي...................... 12 اختيار المعلم................................ 12 رسالية الهدف............................... 13 المقياس الصحيح........................... 14 تحذير من الكذابين.......................... 14 الميزان...................................... 15 استيعابٌ شامل للحياة....................... 15 ... هي ضلال ............................... 16 تحذير ...................................... 16 قيمة الكلمة.................................. 17 نوعيّة الكلمة ................................ 17 بين الكلمتين ................................ 18 صفقة خاسرة................................ 18 التقليد الأجوف ............................. 19 مسؤوليّة المؤلّف............................ 19 إرضاءً للغرائز ............................... 20 مخاوف..................................... 21 دعوة ........................................ 21 بين البناء وبين الإصلاح..................... 21 أهداف خيّرة................................. 22 مسؤوليّة الداعية............................. 23 مسؤوليّة الجميع............................. 24 ... إنّها مسؤوليّة شاملة ...................... 24 القول الفصل................................ 24 الأنصار المخلصون......................... 25 طبيعة الدين ................................. 26 بين التشريع الإسلامي والتشريع الوضعي.... 27 المحتويات 122 الكلام السيد الفهم المعاصر .............................. 27 تاريخنا...................................... 28 المقياس الصحيح........................... 29 قراءة واعية للتاريخ.......................... 30 التمزّق والتدهور الحضاري ................. 30 كيف نفهم التاريخ........................... 30 في معنى الإسلام............................ 31 تنقية التراث ................................. 31 الصورة الأصيلة............................. 32 الفراغ العقائدي ............................. 32 مسؤوليّة المصلحين......................... 33 مشاكل متنوّعة............................... 34 رسالة شاملة................................. 35 الارتقاء إلى مستوى الرسالة ................. 35 تحدّي الخرافات والأساطير................. 36 بين عصرين والحاجة إلى الإسلام........... 36 بعض للتاريخ من جديد...................... 37 ليست مستحيلة.............................. 38 الرحمة.. صفة الرسالة....................... 38 بين الجانب المادي والجانب الروحي....... 39 هدفٌ سامٍ................................... 40 حيث الجميع في ظلال الله.................. 41 الحاجة إلى الإيمان.......................... 41 انهيارٌ للقيم.................................. 42 اختلال الموازين ............................ 42 وحده الإيمان هو الحلّ...................... 43 محاولة إبعاد الجيل عن الدين ............... 43 مسؤوليّتنا الدينيّة ............................ 44 الإيمان الواعي .............................. 46 الشعاع السمح............................... 47 بين الدين والمتديّنين ........................ 48 عامل تجديد لقوّة الحياة..................... 49 تحمّل المسؤوليّة............................ 51 استمداد العون الإلهي ....................... 52 مواجهة العقد................................ 52 روحيّة العطاء................................ 53 الاندماج الروحي............................ 54 محاربة الكسل .............................. 54 مكارم الأخلاق.............................. 55 التوازن الذاتي............................... 55 خطّ الاستقامة............................... 56 حب الإسلام................................ 57 العمل ثم العمل ............................. 58 التقوى العملية............................... 59 بقاء الرسالة.................................. 59 ليكن الواحد مسلماً بحجم الإسلام.......... 59 مع الخير كلّه ................................ 60 كلمة الله .................................... 61 الكلمة القرآنية............................... 62 كلمةٌ طيّبة تغني الحياة ....................... 62 123 الكلام السيد الكلمة الطيبة ليس لها موسم................. 63 الكلمات الطيبة خالدة....................... 64 الكلمة الخبيثة............................... 65 الإيمان عزّة.................................. 65 درس العزّة.................................. 67 خيانة الأمة .................................. 67 معرفة قياس الأشخاص..................... 68 طريقة معرفة الرجال......................... 68 الصدق... الصدق........................... 69 المسؤوليّة... عنوانٌ كبيرٌ .................... 69 مسؤوليّتنا إزاء الرسالة....................... 71 المسؤوليّة الفرديّة والاجتماعيّة.............. 71 المسؤوليّة السياسيّة ......................... 72 اقتلاع بذرة الظّلم............................ 74 بناء إنسانيّةٍ غير ظالمة........................ 74 ملاحقة الذات............................... 75 الظّلم الاجتماعيّ............................ 76 آفات الظلم.................................. 77 الصمود بوجه البلاء ......................... 77 الأمل الأخضر............................... 79 رياضات مطلوبة............................. 80 النقد الذاتي.................................. 80 الإحساس بالسعادة.......................... 81 الإتّباع....................................... 82 الإنسان والزمن والتطوّر..................... 83 بين التجربة والواقع.......................... 84 حاجات الأمة الأساسية...................... 85 الجهاد بالعِلم................................ 85 مفهوم «الأمّة » و »المجتمع 87..................» الراحة حرام................................. 87 صدق الإيمان ............................... 88 الصلاة مدرسة داخلية ....................... 89 الممارسة اليومية للإيمان.................... 90 من موانع التفكير ............................ 91 التوازن بين الحاجات والمصالح ............ 92 مفهوما القناعة والطمع ...................... 93 الجانب السلبي )الطمع(..................... 95 صحبة الفقراء ............................... 96 مشكلة الحياديين............................ 98 محاسبة القيادات............................ 99 الضلال المثقّف........................... 100 لِنُولَد كأمّة................................. 102 شذرات أخلاقية........................... 103 طموحات بحجم الرسالة.................. 104 صِدْقُ التشيّع.............................. 105 أهل الصبر................................. 105 خواطر الأخلاق الفاسدة )عفّة النفس(..... 106 حاجتنا إلى الهدوء......................... 107 المعرفة بالزّمان............................ 108 عصرُ كفرٍ وانحرافٍ........................ 109 124 الكلام السيد كيف نُريح قلوب وعقول النّاس............ 110 ثقافة السير في الخطّ المستقيم............. 112 العمل بغير علم إفساد ..................... 112 في خطّ العمل الإسلامي .................. 113 المفرّقون.................................. 115 التحدّيات الراهنة.......................... 116 تعلّموا دينكم.............................. 117 الراحة حرام............................... 118__ شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط