الكلام السيد الكلام السيد 5 ۳۱ أغسطس ۲۰۱٥ ۱٦۲٦ مشاهدة الكلام السيد 5 لأنّها تنفع إنّ علينا دائماً أن ننتهز كلّ الفرص لنذكّر الناس من حولنا عندما يغفلون عن الله وينحرفون عن طريقه.. أن نذكّر أهلنا وأولادنا وجيراننا والناس الذين نلتقي معهم في العمل وفي كلّ المواقع، بالله وبواجباتهم تُجاه دينهم وأنفسهم وحياتهم. وأن نُشغل أنفسنا بالبحث عن أفضل الوسائل لهداية الناس وإرشادهم، وكيفية استقامتهم، وانطلاقهم في خطّ الله، فهذه مسؤولية كبرى نتحمّلها أمام الله. كلُّ ذلك من الله إنّ الله تعالى يريدنا أن نعيش التفكير بِنِعَمِه علينا، كي لا نغفل عنه، ونبقى على ارتباط به، فنحن غالباً ما نرتبط بالنّاس من خلال حاجاتنا، هذا يوظّفنا، وذاك يعطينا مالاً، وآخرُ يحلّ لنا مشكلة أو يعطينا لذّة، ولكنّ الله أعطانا وجودَنا كلّه، وحقّق لنا شروط هذا الوجود وحرّكه لمصلحتنا، وتدخّل في تفاصيل وجودنا، لذلك كيف للإنسان أن ينسى ربّه ويغفل عنه، فهو سبحانه الحاضر في وجوده من خلال كلّ شيء، فإذا نظر بعينيه فليعرف أنّه ينظر بعين الله، وإذا سمع فليعتبر أنّ السمع نعمة الله عليه، وإذا شمّ أو تذوّق أو فكّر فليتيقّن أنّ ذلك من الله. لا تكن صدىً للآخرين يوحي القرآن للإنسان سواءً كان فرداً أو جماعة: أيّها الإنسان، إنّ الله خلق لك عينين تنظر بهما، وأذنين تسمع بهما، ولساناً تنطق به، وعقلاً تفكّر به، وخلق لك إرادة تستطيع أن تؤكّدها، فاسمع كلّ ما ينطلق في حياتك من كلام، وانظر إلى كلّ مَن حولك وما حولك، ولكن فكّر في كلّ ذلك، ولا تكن صدىً للآخرين.. وارفض حياتك وشخصيّتك أن تكون كَمِثل الظلّ إلى الضوء، أو كَمِثل الصدى بالنسبة للصوت... لذلك، فالقرآن ينادي في الناس: إنّكم الحقيقة في وجودكم، فكونوا الحقيقة في انتمائكم، لا تكونوا ظلاًّ أو هامشاً للآخرين. مالِكُ أمرنا فكِّر أيّها الإنسان بالذي خلقك، وسخّر لك ما في السموات وما في الأرض، وأسبغ عليك نِعمه ظاهرةً وباطنةً، فكّر بمن يُملي حياتك وموتك، ويملك ضرّك ونفْعك، فهل هناك غير الله؟ فالله تعالى بيده حركة وجودنا كلّها، وهذا ما نقرأه في دعاء الإمام زين العابدين (ع)، حيث أُوصي نفسي وإخواني بقراءته في كلّ صباح ومساء: "أصبَحنا وأصبحتِ الأشياءُ كلُّها بجملتِها لك، سماؤُها وأرضُها وما بثَثْت في كلّ واحد منهما، ساكنُه ومُتحرّكُه، مُقيمُه وشاخصُه، وما عَلا في الهواء، وما كنَّ تحت الثرى، أصبحنا في قبضتِكَ، يحوينا ملكًك وسلطانًك، وتضمُّنا مشيّتُك، ونتصرّفُ عن أمرِك، ونتقلَّبُ في تدبيرِك، ليس من الأمرِ إلاّ ما قضيتَ، ولا من الخير إلاّ ما أعطيتَ"*. حاجتنا إلى العلم وإلى الإيمان نحتاج إلى عِلْم يملأ عقولَنا وينير الطريق أمامنا، وإلى إيمان ينطلق من إرادتنا ووجداننا ليملأ كلّ كياننا، فيكون كلُّ واحد مِنّا، مسلماً بكلّ وجوده وحياته وكيانه، بحيث إذا رآه الناس، رَأَوا الإسلام، تماماً كما نعرف عن رسول الله (ص) بأنّه كان الكتاب الناطق، والقرآن هو الكتاب الصامت، وكذلك ما نعرفه عن الإمام علي (ع) والأئمة (ع) من بعده، بأنّهم الكتاب الناطق، والقرآنُ هو الكتاب الصامت، لأنَّ سيرتهم وحياتهم مثّلت القرآن بكلّ معانيه، ولذلك، فإنْ نطقوا (ع) فكأنّ القرآن نطق من خلالهم، وإذا تحرّكوا، فكأنَّ القرآن تحرّك من خلالهم. روحيّة العطاء يريد الله تعالى للإنسان سواءً كان رجلاً أو امرأة أن يعيش روحيّة العطاء، وذلك بما تمثّله كلمة الصدقة من مفهوم العطاء قربةً إلى الله تعالى، فيقول الله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}[الحديد: 18] يحثّ الله الإنسان على أن يوظّف بعض القدرة المالية في أن يُنفق الآن، لأنّه قد يملك الفرصة في أن يتصدّق على الفقراء والمحرومين، ويقول له، بأنّ الصدقة عبادة، فأنت إذا أعطيت إنساناً فقيراً محروماً قربة إلى الله تعالى، فإنّ عطاءك هذا صلاة تصلّيها، فكما أنّ الصلاة تكون بالأذكار والحركات من ركوع وسجود، فإنّها تكون بالصدقات، وهذا هو الذي جعل علياً (ع) يتصدّق بخاتمه وهو في حال الركوع، لأنّه (ع) كان لا يرى فرقاً بين الصدقة والصلاة، فهو عندما يركع ويسجد بين يديّ الله، فإنّه في حالة صلاة، وعندما يتصدّق، فهو في حالة صلاةٍ أيضاً، فهناك صلاة الركوع، وصلاة الصدقة. حفظ الإيمان بالصدقة "سوسوا إيمانكم بالصدقة" أي احفظوا إيمانكم بالصدقة كي لا يضعف وينحرف ويضلّ عن الخطّ المستقيم. لذلك، فَبَذْلُ الصدقة فرصة، كلٌّ بحسب استطاعته، وإذا كان البذل إيثاراً، فهو فوق الفوق {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}[الحشر: 9] النموذج الأمثل في العطاء قد مدح اللهُ تعالى أهلَ البيت (ع) عليّاً وفاطمة والحسن والحسين، سلام الله عليهم، حيث قال سبحانه: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}[الإنسان: 8-10] وماذا كانت النتيجة لعطائهم وصدقتهم {فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً* وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً}[الإنسان: 11-12] ولو لم يكن للصدقة دورٌ في قرب الإنسان إلى الله، لَمَا تحدّث سبحانه عن هذه المكرُمة لعليّ (ع) عندما أراد أن يكلّف الناس بولايته: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}[الحديد: 18] والمراد بالزكاة، الصدقة، حيث كان عليّ (ع) راكعاً في الصلاة وجاءه سائل، فأخرج الإمام (ع) خاتمه من إصبعه وأعطاه إيّاه ثم أكمل صلاته، فنزلت الآية المباركة. وينظر تعالى إلى عباده بالرحمة نظر سبحانه إلى عباده بالرحمة، وعرف أنّهم قد يُخطئون من حيث لا يشعرون، أو يُذنبون من حيث لا يريدون، وقد يقعون تحت تأثير التيارات التي تضغط على مشاعرهم وأحاسيسهم، فقال لعباده: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ}[الزمر: 53] أوحى لرسوله(ص) أن يخاطب عباده، أنّكم عندما تُخطئون، حتّى لو امتدّ بكم الخطأ مسافة بعيدة، فإنّني أترك لكم فرصة أن تعودوا إلى الصواب، وعندما تُذنبون وتَعْصُون، فإنّي أترك لكم الفرصة أن تعودوا إلى التوبة، لذلك إذا عدتم إلى التوبة، وانفتحتم على الصواب، ورجعتم إليّ واستقمتم في طريقكم، فإنّ كلّ آثار الذنوب تُمحى عنكم، ولا يبقى في قلوبكم وواقعكم وماضيكم أيّ أثر، لأنّ "الإسلام يَجُبُّ ما قبله"*، يخرج الإنسان من الذنب بالتوبة كيوم ولدته أمّه، يكون بالذنب مبغوضاً عند الله، فيتحوّل بالتوبة محبوباً، والله يمنحه محبّته، ومحبّة الله هي السعادة كلّها التي تفيض على قلبه كلّ طمأنينة، وعلى حياته كلّ إشراق، وعلى شخصيّته كلّ لطف وقوّة، فأيّة سعادة أعظم من أن يكون الإنسان محبوباً من ربّه؟ حبّ الله الأساس أن نحبّ الله لأنّ كلّ محبوب يتساقط ويموت ونفقد الإحساس بحبّه، فلنتعلّم من عليّ (ع) كيفيّة حبِّ الله، وهو يطلب من الله أن يجعل كلّ أوقاته في الليل والنهار "بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة، وأعمالي عندك مقبولة، حتّى تكون أورادي وأعمالي كلّها وِرداً واحداً، وحالي في خدمتك سرمداً". إذاً، أهمّية دور التوبة أنّها تمنح الإنسان حبّ الله، وتلغي له كلّ التاريخ الشيطانيّ الأسود، وهذا ما قاله سبحانه: {وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ}[الشورى: 25]. ويقول أيضاً: {إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ}[البقرة : 222] وفي الحديث أيضاً عن الإمام الباقر (ع): "إنّ الله يحبّ من عباده المُفتَنَّ- الذي عاش الفتنة في حياته وسقط فيها- التوّاب"*. مَن هم أمام عَظَمَة الله؟ ما حجم هؤلاء الذين نُخلِص لهم ونطيعهم، ونخضع لهم ونعصي الله من أجلهم؟ ما حجمهم في نفوسنا ويقظتنا وحركة أعضائنا وامتداد عمرنا وبعثنا وحسابنا؟ هؤلاء ليس لهم شأن في كلّ ذلك، وإذا لم يكن لهم شأنٌ، فكيف نترك مَن كان الشأن والأمر والتدبير بيده؟ ونتّبع من هو مثلنا، وخاضعٌ لتدبيره سبحانه.. فلنفكّر بالقوّة الحنونة والحافظة لنا {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}[الأنعام: 16] لأنّ كلّ عباده خاضعون لإرادته، فلا إرادة لأحدٍ أمام إرادته، هو القاهر المهيمن المسيطر الذي تُلغى كلُّ الإرادات أمام إرادته، فكلّ الخلق فقراء إليه {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى}[الأنفال: 17] ففِعْلك ونصرك هو فعل الله ونصره {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}[الأنعام: 16] ولكنّ قهره المسيطر على عباده لا يدمّر حياتهم، بل هو قهرٌ من موقع القوّة المدبّرة {وَيُرْسِلُ عَلَيْكُم حَفَظَةً حتّى إِذَا جَاء أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ}[الأنعام: 61] يرسل علينا ملائكة يحفظوننا من كلّ ما في الليل والنهار، ويبقى الأجل حارساً لنا، وإذا لم يأتِ الأجل، فلو أنّ الدنيا أطبقت علينا لم تستطع أن تُلغيَ حياتنا.. ولكن عندما ينتهي الأجل يأتي المرافقون لِمَلَكِ الموت لقبض أرواحنا وتسليمنا له، وينفّذون التعليمات الإلهية بكلّ دقّة {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ}[الأنبياء: 27] ويعود الخلق إلى الله للوقوف بين يديه للحساب {ثُمَّ رُدُّواْ إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ}[الأنعام: 62]. تنظيم الوجود عندما ننظر في الكون ندرك أنّ الله نظّمه بطريقة لا يستطيع البشر منذ خلقهم، وإلى أن يرث الأرض ومَن عليها أن يغيّروا ذرّة واحدة في نظام الكون، لأنّه مركّز على أساس قدرته سبحانه وتعالى، وكلّ ما فعله البشر في الكون أنّهم اكتشفوا أسرار خلق الله فيها، واهتدوا إلى القوانين التي خلقها، وليس بمقدورهم أن يغيّروا أو يبدّلوا أيّ قانون من القوانين، وعلى هذا {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ} ترتاحون وتتخفّفون من أثقال النهار {أَفَلَا تُبْصِرُونَ}[القصص: 72] ألا تَرَون حركة الليل والنهار؟ {وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}[القصص: 73] وهذا التقسيم لليوم جعله متناسباً مع طبيعة حياتكم، ولولاه لما استمرّت بكم الحياة، لذلك عندما يأتيكم الليل والنهار، فكّروا بسرّ علاقتكم بهما في امتداد حياتكم، لتعيشوا الشكر العمليّ لله بطاعتكم له وسيركم على نهجه. ويبقى المتمرّدون في دائرة الملاحقة {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ}[القصص: 62] استدعوا كلّ من جعلتم منهم آلهة {وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً}[القصص: 75] أتينا بالشهود الذين يشهدون على الأمة ويتولّون قيادتها {فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ}[القصص : 75] لقد أنكرتم وجود الله والتوحيد، وكذّبتم رُسله وقلتم عن كلّ ذلك: {إِنْ هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}[الأنعام : 25] وها أنتم تقفون أمام الحقيقة، فما دليلكم على ما كنتم فيه؟ أقيموا الدليل، هل تمرّدتم من خلال قناعات ترتكز على دليل وبرهان، أم من خلال أهوائكم وشهواتكم؟ هذه هي الحقيقة أمامكم وما كان عندكم أباطيل. وهكذا، لا بدّ أن نعيش الحقيقة، والله تعالى هو الحقيقة {وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[القصص: 70]. فتح القلوب مثل فتح الآذان من الضروري أن نستوعب مسألة مهمّة جداً، وهي أن يتحرّك القرآن في كلّ مفردات حياتنا، فنفتح قلوبنا له قبل أن نفتح أسماعنا، لأنّ قيمة الأذُن أن تكون واعية، ولن تعيَ الأذن ما تسمع إلاّ إذا كان ما سمعته أخذ طريقه إلى القلب {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}[الحاقة: 12] والوعي ليس من حالات الأذن، بل هو من حالات العقل الذي يُعبّر عنه بالقلب، باعتبار أنّ هذه الأذن تمثّل طريقاً إلى العقل، فالإنسان عندما يسمع، ينبغي أن يسمع بطريقة واعية، لا أن يسمع كما هو حال الكثيرين يسمعون ولا يسمعون {وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا}[الأعراف: 179]. الصبر وما جزاء الصبر؟ {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}[الزمر: 10] الذي يقرّر ذلك، هو ربّك الذي خلقك وأنعم عليك، ورعاك في نومك ويقظتك في طفولتك وشبابك وكهولتك، ربّك يقول لك، لقد وعدتك بالأجر العظيم، وها أنت تجد ربّك أصدق مَن وعد، وأنا أعدك إذا صبرت، سأعطيك أجرك بغير حساب {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} [فصلت : 31] تَمَنَّ على الله كلّ ما تريد، اضبط أعصابك، انتصر على غرائزك، ثبّت نفسك في حالات الاهتزاز، ولذلك أطلب ما تشاء، لأنّك صبرت {سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ}[الرعد : 24]. بين نموذجين يبقى الخطاب لهؤلاء الذين ابتعدوا عن الخوف من الله وأصرّوا على التمرّد والمعصية، فأنتم الذين تكفرون وتضلّون وتنحرفون، أنتم تعبدون الطاغوت، سواء كان ملكاً أو رئيساً أو دولة أو خطّاً، أو شهوةً، وعبادتكم للطاغوت تضرّكم ولا تنفعكم {َالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ}[البقرة: 257] كلُّ مَنْ عدا الله فهو طاغوت، وكلّ شريعة غير شريعة الله، أو دولة غير دولة الله، أو قائد لا يتحرّك في خطّ الله فهو طاغوت.. ويبشّر الله تعالى مَن يواجهون الطاغوت بقوله سبحانه: {وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ}[الزمر: 17]. هؤلاء لهم كلّ ما يتمنّونه، وهنا يبرز معنى الوعي في حياتهم {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}[الحاقة: 12] ما يسمعونه يدخل إلى عقولهم وقلوبهم لأنّهم من {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}[الزمر: 18] هم أصحاب العقول، ومَن يملك عقله، يملك فكره وطريقه وقراره في كلّ شيء. أمّا الذين أغلقوا مسامع قلوبهم فلا يمكن الحديث معهم {أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النَّارِ}[الزمر : 19]. العقل المفتوح إنّ الإسلام يريد من الإنسان الداعية إلى الله، سواء كان رسولاً أو إماماً أو عالماً فقيهاً أو مبلّغاً، أن يعيش العقل المفتوح والقلب المفتوح، والكلمة الحلوة والأسلوب الطيّب والوجه المبتسم، والأجواء التي تحتضن الإنسان الآخر بكلّ المعاني الطيّبة ليحسّ بقيمة الأجواء الخيّرة قبل الحديث معه عن المعاني الرساليّة، ويريد الإسلام أيضاً من الإنسان الداعية ألاّ يتعقّد أو يسقط عندما يُسيء الكافرون إليه، وألاّ يتعقّد عندما يشتمه الضالّون، بل يعتبر أنّ ذلك جزءٌ من ضريبة الرسالة {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} بالطريقة الأحسن {السَّيِّئَةَ} التي يواجهك بها الآخرون {نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ}[المؤمنون : 96] نحن نعلم بما يصفون من الشِّرك والضلال، ومهمّتك أن تصبر على عنف الآخرين حتّى تقود مَن يبادرك بالعنف إلى أن يكون من عباد الله المخلصين، فتثأر بذلك من شيطانه وتهديه إلى طريق الرحمن، وهذا هو الثأر لله، وليس الثأر أن تقتله. المنحرفون عن خطّ الله ويصوّر لنا القرآن الكريم المنحرفين عن الخطّ يوم القيامة، كالضائعين الذي لا يفهمون من الأمور شيئاً، ويريد لنا أن نعرف ذلك حتّى لا نستغرق في تعظيم شخصيّاتهم، أو تنطلق كلماتنا في تمجيدهم، فلانٌ ناجح عظيم، وفلان صاحب منزلة وثروة، فننبهر بثرواتهم ومناصبهم. الله تعالى يعرّيهم أمامنا، بحيث لا نتصوّرهم إلاّ وهم ضائعون {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ}[المؤمنون: 112] كم سنةً عشتم في الأرض وامتدّت بكم الحياة؟ {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَل الْعَادِّينَ}[المؤمنون: 113] لا يهتدون إلى جواب، وكأنّهم يقولون، يا ربّ لقد عشنا العمر في غفلة، حتّى إنّنا لا نتوقّف أمام أيِّ سنة تمضي، أو أيّ مرحلة تمرّ. وهم عندما يقولون بأنّهم ما لبثوا يوماً أو بعض يوم، فلأنَّهم لم يعيشوا المسؤولية في حياتهم، ولم يُحسّوا بالزمن. ولذا يصوّرهم القرآن بأنّهم كانوا لا يحسّون بالزمن لأنّهم لم يتحسّسوا أنّ وجودهم في الحياة يمثّل المسؤولية {قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}[المؤمنون: 114] وهذا العمر مهما طال بكم هو مرحلة محدودة {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ*فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ*وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * وَقُل رَّبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ}[المؤمنون: 115-118]. وعي المؤمن الإنسان الواعي الذي يعي التصوّر الحقيقي عن الله، هو الذي يختزن في داخل نفسه عظمة الله من خلال دراسته لطبيعة الكون، وإذا اختزن في نفسه ذلك، تذكّر الله واتّقاه وانفتح عليه، وعندما تمتلئ نفسه بالله، فإنّها تفرغ من كلّ شيء غير الله سبحانه وتعالى. وهذا هو المعنى والأساس في قوّة إيمان المؤمن، والقاعدة في توازنه وتربية عقله وشخصيّته. ظُلُمات الوهم الذين لا يصلّون هم الذين يعيشون ظلمة العقل والروح والقلب والحياة، فهم في ظلماتٍ من أوهامهم وأنانيّتهم وكبريائهم وجحودهم، ولو نَفَذْتَ إلى داخلهم لرأيت أنّ هناك ظلمات فوقها ظلمات، لأنّهم لم يستضيئوا بنور الله، ولم يعيشوا إشراقة المحبّة لله والمعرفة به سبحانه، لهذا، من الصعب أن تجد صفاء الخير في مَن لا يصلّي، لأنّ الصفاء والنقاء لا يحصلان عند الإنسان إلاّ من خلال التوجّه إلى الله تعالى. فتح القلوب فلنتعلّم أن نفتح قلوبنا للمؤمنين بحيث نستشعر أنّ إيمانهم يمثّل القيمة العالية في واقعنا، لا أن ننساق وراء غرائزنا ونتحدّث بما لا يرضاه الله، فنفضّل الكافرين على المؤمنين، تماماً كما يقول البعض، المؤمنون ليس لهم دين، أخطأوا في كذا وفعلوا كذا، فيمكن أن يكون الكافرون أفضل منهم. بعض الناس يعيشون هذا المنطق غير السليم. والله تعالى يقول: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ*مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}[القلم: 35-36]. ربما كانت هذه المسألة غائبة عن أذهاننا ونحن ننال من بعضنا، ولذا، فإنّ إطلاق الاتّهامات وتحكيم الظنّ السيّئ والحكم بغير علم، أمرٌ لا يجوز من الناحية الشرعيّة، والله تعالى سيحاسب مَن يعيش هذه الذهنيّة. الوصيّة بالوالدين يوجّه القرآن الكريم الإنسان لرعاية والديه {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}[العنكبوت: 8] فأحسن لوالديك كما أَحْسَنا لك وَبِرَّهُما كما بَرّا بك، وأعطهما الحنان والعاطفة والرعاية كما أعطياك ذلك كلّه... ولكن هناك مسألة، وهي أنّ هناك فرقاً بين الإحسان وبين الطاعة، فالطاعة هي لله، فإذا أمرك والداك بطاعة الله فأطعهما بطاعة الله، أو أمراك بما لا معصية لله فيه، فلك أن تُحسن إليهما، وتقدّم لهما ما لا يجب عليك شخصيّاً وليس محرّماً، ولكن إذا أمراك بأن تعصيَ الله لتفعل محرّماً هنا ومحرّماً هناك، أو أن تعين مظلوماً وتؤيّده وتخذل مؤمناً وتحاربه، أو {وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} لتنطلق بالإشراك بالله، بحيث تطيع ظالماً أو كافراً بمعصية الله، أو تطيع طاغية في الإضرار بعباد الله {فَلَا تُطِعْهُمَا}[العنكبوت: 8] لأنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. وإنّك عندما تقول: يا رضا الله ورضا الوالدين، فبشرط أن يكون رضا الوالدين في رضا الله، أما إذا كان رضا الوالدين في معصية الله، فإنّ عليك أن تُغضب والديك، خصوصاً إذا كانا يتأذّيان من صلاتك وصومك وحجّك، لأنّ القضيّة هي أن يرضى الله، والأمر عندما يدور بين الوالدين وبين الله، فالله أولى أن يُرضى، لأنّه ربّنا وربّ والِدَيْنا. الجزاء الأدنى {يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}[الزخرف: 68] مَن هم عباده؟ {الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ}[الزخرف: 69] آمنوا بما أنزل الله على رسله ولم يفرّقوا بين أحد منهم، وسلّموا أمرهم إلى الله في كلّ ما أمرهم فلم يعترضوا {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ}[الزخرف : 70] ادخلوا الجنّة أيّها المؤمنون من الرجال والنساء، فلتدخل المرأة مع مَن ارتضته زوجاً لها، وليدخل الرجل مع زوجته، حيث تجدون الفرح الكبير وتتلقون السرور {يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}[الزخرف: 71] هناك السعادة كلّ السعادة، حيث لا تعب ولا مرض، بل الراحة والخلود في النعيم {تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}[الأعراف: 43] فأورثكم الله تعالى الجنّة بعملكم، ولا تُعطى الجنّة مجّاناً، بل للجنّة ثمنها وجهدها وتعبها، وعلى الإنسان الذي يطمح للوصول إلى الجنّة أن يكابد في خطّ الاستقامة ويعيش الحركة في طاعة الله {لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ}[الزخرف: 73] وهذه هي النتيجة التي يحصل عليها المؤمنون يإيمانهم، والعاملون بعملهم الصالح. دعهم فسيندمون يتوجّه الخطاب إلى رسول الله (ص) {فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حتّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ}[الزخرف: 83] قل- يا محمد- كلمتك وأبلغ رسالتك واعمل بكلّ ما لديك من جهدٍ في سبيل أن ينفتح لهم الطريق على الحقّ، وإذا لم يسيروا معك، اتركهم يخوضوا في أحاديثهم الباطلة ويلعبوا ويُلههم الأمل، حتّى يصلوا إلى يوم القيامة، وليس لهم رصيدٌ من عمل، ولا أساس من نجاة {وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ}[الزخرف: 84] إذا عشتم في الأرض فاعرفوا أنّ الله معكم يُهيمن عليكم، ويرحمكم ويرصدكم ويحاسبكم. وإذا عشتم في السماء فاعرفوا أنّ الله معكم أيضاً، لأنّه سبحانه لا يخلو منه مكان، فهو فوق المكان، ولا يخلو منه زمان، فهو فوق الزمان {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ} الذي خلق الأشياء ودبّرها بحكمته، فليس هناك شيءٌ إلاّ ولله فيه سرّ وقانون، وهو العليم الذي يعلم كلّ شيء في الظاهر والباطن {وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}[الزخرف : 85]. طريق الله... آمَنُ الطرق عندما تتعدّد اتّجاهات الناس في العبادة، فإنَّ حياتهم وأوضاعهم ترتبك، باعتبار أنَّ لكلِّ إله مشاريعه وقضاياه وأساليبه وأوامره ونواهيه، فأصحاب المال الذين يعتبرون أنفسهم آلهة، لهم خطط في الحياة ترتبط بتنمية أموالهم، وهكذا أصحاب السّلطة، لهم مشاريع خاصة ترتبط بسلطتهم، وكذلك أصحاب الشهوات وغيرهم. فإذا اتّخذ الإنسان أكثر من جهة يخضع لها وينجذب إليها، فإنّه سيصطدم بالرغبات والخطط المتناقضة، ولكنّه إذا آمن بالله وحدَه، فإنّه يستطيع توحيد أموره وقضاياه وتطلّعاته والطرق التي يسلكها، لتلتقيَ بأجمعها عند أوامر الله ونواهيه، فيكون همّه في الحياة أن يرضى الله عنه ولا يسخط عليه، فينطلق في صراط الله بكلِّ ثقة وصدق {وَأَنَّ هَـذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ}[الأنعام: 153] هناك طريق واحد، فإذا ما انحرف الإنسان عن هذا الطريق، واتَّبع الطرق الأخرى التي تتنوّع، فإنّه سيرتبك في كلِّ خطواته. علاقة الحبّ مع الله وعلى هذا كان الخطاب القرآني للناس {فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ}[الأعراف: 158] ومع الإيمان بالله، هناك الإيمان بالرسول، لأنّه يمثّل حركة الامتداد للإيمان بالله، فالرسول ينطلق من خلال أنّه يحمل رسالة إلينا، ودور الرسول يبرز في تأكيد إرادة الله فيما يريده لنا في طريقة عبادتنا له، وفي مأكلنا ومشربنا ولذائذنا وعلاقاتنا ومواقفنا، وفي رفضنا وتأييدنا، لنؤمن بالله على أساس الطاعة والسَّير في خطِّ رضاه. فدور النّبي ينطلق من إرشادنا إلى الطريق الذي نستطيع من خلاله أن نرتبط بالله، ولذا، فإنّ الإيمان بالرسالة هو من شؤون الإيمان بالله سبحانه. وقد جعل الله علامة حبّنا له سبحانه اتّباع رسوله، فقال سبحانه: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ}[آل عمران: 31] فحبّ الرسول وطاعته، هو حبٌّ وطاعةٌ لله سبحانه. نورٌ للعقول والقلوب وإضافة إلى الإيمان بالله والرسول، هنالك الإيمان بالقرآن {وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا}[التغابن: 8] وهو يمثّل نور المعرفة والإيمان والهدى والتقوى في كلِّ حركتنا في هذه الحياة، وقد قال الله تعالى: {قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ}[المائدة: 15] فالقرآن، هو النور الذي إذا استزدنا منه، أضاء لنا عقولنا وقلوبنا، وأضاء لنا مناطق الإحساس والشعور فينا، وكلّ دروبنا في الحياة. فالله تعالى أرسل رسوله بهذا القرآن ليطهِّر نفوسنا، ويعلّم عقولنا طريق الحق والهدى. وإذا انطلقنا في هذا الخطّ، أي إذا آمنّا بالله ورسوله وبالنور الذي أُنزل عليه (ص)، فإنَّ معنى ذلك أن ننفصل عن كلِّ شيء لا ينسجم مع هذا الإيمان. إيمانٌ بالكامل ينبغي للإنسان أن يؤكّد حركة وصدق إيمانه، فليس للمؤمن أن ينتميَ إلى الإسلام، وينتمي في الوقت ذاته إلى أيِّ تيّار أو حزب، أو اتّجاه يختلف عن الخطّ الذي يمثّله الإيمان والإسلام. والإنسان عندما تتعدّد انتماءاته، فإنّه يناقض نفسه، لأنّه ليس من الممكن الانتماء إلى شيئَيْن متناقضَيْن. وهناك من الناس مَن لا يعتبر انتماءه إلى الإسلام مسألة تتّصل بعقله وقلبه وحركته، بحيث يكون عقله عقلاً إسلامياً، وقلبه قلباً إسلامياً، وحركته حركة إسلاميّة، ولذا لا يمكن على الإطلاق أن يجمع الإنسان في قلبه إسلاماً وكفراً {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}[البقرة: 85] فليست هناك مساومة في هذا المجال على الإطلاق، إمّا إيمانٌ بالمطلق وجزاؤه الجنّة، وإمّا كفرٌ بالمطلق وعقابه جهنّم. إذاً {فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنزَلْنَا وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}[التغابن: 8] وكأنَّ الله تعالى يقول، عِشْ الإيمان الذي يتجسّد في حياتك، فكراً من وحي النور، وإيماناً من إشراقة الضياء بحيث يتحوّل إلى عمل، وسينظر الله إلى صدق إيمانك به وبالرسول وبالقرآن، لأنّه تعالى الخبير بكلِّ ما تعمل. عملٌ بثمن الكثيرون في حياتهم يعيشون الاسترخاء، ويضيِّعون أوقاتهم دون أن يستفيدوا منها في رضى الله سبحانه. وكثيرون هم الذين ليسوا مستعدّين للقيام بأيِّ عملٍ إسلاميّ إلا بثمنٍ، وإذا طُلِب منهم القيام به، فيسألون عن مردوده الشخصيّ عليهم، دون الالتفات إلى نَيْلِ الأجر من الله. وقد قال أمير المؤمنين علي (ع) في وصيّته لولدَيْه الحسن والحسين(ع): "قولا الحقّ واعملا للأجر". الفوز العظيم والخسران المبين فأيّ فوز أعظم من أن تتعب في هذه الدنيا، وتشقى وتتألّم في جنب الله، وبعد ذلك تنال الراحة الكبرى والخالدة، وهي نعيم الجنّة وخيراتها؟ هؤلاء هم المؤمنون، ولكن {وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}[التغابن: 10] يعيشون في الدنيا منعَّمين مرفَّهين، يصفِّق الناس ويهتفون لهم ويمجّدونهم، ويسيرون خلفهم، ولكن عندما يصلون إلى يوم القيامة {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ خَالِدِينَ فِيهَا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} فأين ذهبت الراحة والنِّعَم والأمجاد والهتافات؟ "ما خيرٌ بخيرٍ بعده النار وما شرّ بشرٍّ بعده الجنّة". الحصاد كما تزرع فإنّك تحصد، تزرع المشكلة، فتحصل على الآلام، تنحرف، فتهتزّ حياتك العامّة والخاصّة، تأكل طعاماً فاسداً، فإنَّك لا محالة تمرض، فكما أنّ هناك مرضاً جسديّاً، هناك مرض روحيّ واجتماعيّ وسياسيّ واقتصاديّ وأخلاقيّ {وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}[التغابن: 11] إذا ملأت قلبك بالإيمان بالله فإنّ قلبك سيُشرق، وإذا أشرقَ قلبُك بنور الإيمان، فستنفتح لك كلّ الطرق، وينطلق انطلاقة هادية، وعندها لا يحبّ قلبك إلا مَنْ أحبّ الله، ولا يبغض إلا مَن أبغض الله. وحدَهُ القاهر إفتحوا قلوبكم وعقولكم على الله، لا تنشغلوا بفلان وفلان، ولا تستغرقوا بعظمة هذه القوّة وجبروت تلك القوّة {اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ}[البقرة: 255] هو الإله وحدَه، وكلّ الموجودات مخلوقة وخاضعة له، استمدّت وجودها وقوّتها منه وحدَه، فأين أنتم من الله {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}[الأعراف: 194]، فالله وحدَه القادر والقاهر فوق عباده {وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}[آل عمران: 122]. عدم الاستغراق في العواطف مَنجاة من الهلكة ويأتي التحذير القرآني واضحاً للمؤمنين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}[التغابن: 14]. إنّ الله تعالى لا يحذِّرنا من أولادنا وأزواجنا على أنّهم أعداء لنا، بل يرمي التحذير إلى عدم الاستغراق فيهم، بحيث تدفعنا عواطفنا لأن نعمل ما يرضيهم ويُغضب الله.. فأن نحذر، أيّ أن لا نسلّم للولد في كلّ ما يريد ونذوب في عاطفتنا تجاهه، ونلبّي له ما يريد من دون أيّة دراسة لطلباته، هل هي في خطّ الله أم في خطّ الشيطان؟ وهكذا الأزواج مع الزوجات وبالعكس، فإذا طلبت هي أو طلب هو أمراً، ويريد الله عكسه، ونفّذ ما خالف أمر الله، فهذا سقوط فيما لا يرضاه الله، فليست العداوة والصداقة قضية كلمات ومشاعر وعواطف، هي قضيّة مبدأ.. فالصديق هو مَن يريد لك الخير، والعدوّ هو مَن يريد لك الشرّ، ابناً كان أو زوجاً وزوجة، أو أخاً وأباً، لذلك قال الله عن الشيطان: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً}[فاطر: 6]. مراقبة حركة القلب فالعدوّ الشيطاني قد يكون ولدك أو زوجك من حيث تريد أو لا تريد فيقودانك من خلال وسوسة الشيطان لهما إلى غضب الله. وعلى هذا، يطلب القرآن من الناس ألا يستغرقوا في عواطفهم لتُرضِيَ الزوجةُ زوجَها، وبالعكس، وليُرضيَ الأبُ ابنَه وبالعكس أيضاً.. العاطفة ضرورية، ولكن على الإنسان أن يعطيَ عاطفته شيئاً من الحذر، ولهذا نقول دائماً: أعطوا العاطفة جرعة من العقل، وأعطوا العقل جرعة من العاطفة حتّى يلين ويرقّ ولا يكون جامداً، فإذاً، الحذر أمر أساسي في العلاقة، ومعناه أن تراقب حركة العاطفة في قلبك وعلاقاتك ومواقفك وخطواتك في الحياة. لذلك {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ}[التغابن: 14]. الكلُّ مكشوف أمام الله في سرّه وعلانيته يحثّنا القرآن الكريم على الدوام أن نضع في عقولنا وقلوبنا الإحساس بالرقابة الإلهيّة، وألاّ نعتبر أنّ أسرارنا مُودَعةٌ في صندوق مقفل داخل صدورنا بحيث لا يستطيع أن يطّلع عليها أحد، فيقول سبحانه: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[البقرة: 284]. فإذا كنت تستطيع أن تُغلق صدرك عمّا في داخله عن النّاس، فهل تستطيع أن تُغلقه وتحجبه عن الله تعالى؟ الماكرون يجلسون في غرفة مغلقة يخطّطون ويرسمون المؤامرات ليُلصِقوا التهمة ببريء، وليدمّروا شخصيّةً رساليّة يطلقون حولها الإشاعات والأكاذيب، ويحسبون أن لا رقيب عليهم ولا حسيب، وينسون أنّ عين الله ترى ما يخططون وكيف يتحرّكون {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[المجادلة: 7]، فليس هناك شعورٌ بالأمان، وذاك الشاعر يقول: إذا ما خَلَوْتَ الدّهرَ يوماً فلا تَقُل خَلَوْتُ ولكن قُل عليَّ رقيبُ فالله تعالى هو الرقيب "وكنتَ أنت الرقيبَ عليَّ من ورائهم، والشاهدَ لِمَا خَفِيَ عَنهم" فإذا ربَّينا رقابة الله في نفوسنا، فسيمنعنا ذلك من استغلال خلّو المكان للقيام بالجريمة والإقدام على المعصية. ذِكر الله هذا الذِّكر الدائم لله تعالى هو الذي يربّي عقولنا على الحقّ وقلوبنا على الخير، هو الذي يربّي حياتنا على التقوى وطاعة الله، حتّى لا نسمح للشيطان أن يمرح في ساحات شهواتنا وملذّاتنا ومنازعاتنا وخلافاتنا. فالشيطان لا يقترب من مواقع الذاكرين الذين لا يعيشون الغفلة، ولا يخضعون لغرائزهم، ولا ينسحقون في حزبيّاتهم وعصبيّاتهم. تربية العقل بكلمات الله إذا كنتم بحاجة إلى الجنّة، فعليكم أن تحضّروا كلّ ما يفتح لكم أبواب الجنّة، وإذا كنتم تخافون من النار، فعليكم أن تبتعدوا عن كلّ ما يفتح لكم أبواب النار، تريدون الجنّة ولا تعملون لها، وتخافون النار وتعملون للدخول فيها، فأيّة جنّة هي التي تريدون، وأيّ نار هي التي تخافون؟ ولذا، علينا أن نربّي عقولنا بكلمات الله، وقلوبنا بإيحاءات كتاب الله، وحياتنا بشريعة الله. خير اللباس كما تهتمّ بلباسك وثيابك، كيف تفصّلها وتنظّفها، اهتمّ بلباس التقوى، إنّك تحتاج إلى اللباس الخارجي وعاطفتك تقيّة ومواقفك تتحرّك في مجال التقوى.. إنّك تحتاج إلى اللباس الخارجي ليَقيَكَ من البرد والحرّ، وبحاجة أكبر إلى لباس التقوى الذي يقيك من النار وغضب الجبّار {وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ} التي أنزلها على رسله {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}[الأعراف: 26] فيُخرجون أنفسهم من الغفلة والنسيان ويتذكّرون نِعم الله وما أمرهم به ونهاهم عنه. الحذر واليقظة ونداء آخر من الله {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 27] فانتبهوا يا بني آدم، كونوا واعين يقظين، لا تدعوا الشيطان يقدّم لكم زخارف الدنيا ويحسّن لكم معصية الله، ويقبّح لكم طاعة الله، لا تغفلوا عن أنفسكم، حاسبوها، واعرفوا كلّ ما يحيط بكم، لتعرفوا من الذي ينصحكم ومن الذي يغشّكم، ومن الذي يريد لكم أن تصلوا إلى الجنّة، أو الذي يريد أن يُوقِعكم في النّار. بين الذِّكر اللّساني وذِكْر القلب عندما يؤكّد القرآن الكريم على ذِكْر الله {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً}[الأحزاب: 41] فليس هو الذِّكر اللّساني والذِّكر القلبي فقط، بل هو أيضاً الذِّكر العملي، وذلك كما ورد عن الإمام الصادق (ع) فيما رُوِي عنه أنّه قال: "ليس سبحان الله والحمدلله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولكن أن تذكر الله عند كلّ حرام فتتركه، وأن تذكر الله عند كلّ واجب فتفعله". فالمقصود بالذكر هو الذي يجعلك تشعر بأنّ الله مسيطر على كلّ كيانك، هو الذِّكر الذي يهزّ عقلك ليفتح قلبك، ويركّز جوارحك، ويمهّد دربك، ويحدّد لك هدفك، لتكون بكلّك مع الله سبحانه وتعالى. فلا يبقى إلاّ حبّ الله يريد الله سبحانه من الإنسان أن يبدأ صباحه بالتسبيح، ويبدأ مساءه بالتسبيح {وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً}[الأحزاب: 42] فالتسبيح هو استشعارك لعظمة الله، وبذلك تكون ساعات يومك حركة في الإحساس بعظمة الله، بحيث تفقد الإحساس بعظمة غيره، ولا يبقى في قلبك إلا حبّ الله {وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ}[البقرة: 165] على أساس ما يتّصف به سبحانه من صفات العظمة التي يمتلئ بها العقل، ويخشع لها القلب، وتنحني لها الإرادة. صلاة الله على العبد الصالح {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً}[الأحزاب : 43]. فالله يصلّي على رسوله (ص) لأنّه بلّغ الرسالة وأخلص في تبليغها، ولأنّه عبدُه الذي عبدَه وأطاعه، كما لم يعبده ويُطعه أحد، ولأنّه جاهد في سبيل الله، كما لم يجاهد في سبيله أحد، فإذا كنت المؤمن الذي يذكر الله فيطيعه، ويسبّح لله فيخضع له، فإنّ الله يصلّي عليك، وصلاة الله عليك، هي غفرانه لك ورضوانه عليك وارتفاع درجتك عنده في الدنيا والآخرة. إشراق القلب والعقل بمقدار ما تكون مؤمناً، بمقدار ما تكون مشرق العقل والقلب والروح بالله، فالله سبحانه وتعالى أراد للمؤمنين أن يتحرّكوا في خطّ الإيمان من أجل أن يعيشوا في نورٍ من إيمانهم، نور يشرق في الدنيا، فيدلّهم على الطريق الواضح، ونور يشرق في الآخرة فيهديهم إلى طريق الجنّة. تنزيه الله لا بدّ للإنسان المؤمن عندما يذكر اسم ربّه، ألا يذكره وقلبه غافلٌ، أو يذكره سبحانه كما يذكرُ أيّ اسم من الأسماء، وذلك ليعرف مقام ربّه ولينزّهه عن كلّ صفة من صفات المخلوق، فلا يحاول أن يساويَ بينَه سبحانَه وبين أيّ مخلوق آخرَ ممّن يعيش معه في أيّ صفةٍ من الصفات، فإذا ذكر العلم، عليه أن يعرف أنّ ربّه الأعلم، وإذا ذُكِرت القدرة، فإنّ الله تعالى هو الأقدر، وإذا ذُكر أيُّ شيء، فالله سبحانه يمثّل أعلى الدرجات في كلّ شيء، بحيث لا يساويه شيء مهما كانت عظمته، لأنّ كلّ شيء يستمدّ وجوده من الله، وإذا كانت الأشياء تستمدّ وجودها من الله، وتستمدّ عظمتها وقوّتها وغناها منه سبحانه، فكيف يمكن للإنسان أن يساويَ بين الله وبينها؟ كلمات الله مَن عاش في قلبه الخوف من الله وحسِب حساب المصير، وفكّر بيوم القيامة. وإذا سمع كلمة الله أولاً وثانياً، وكانت الغفلة تحيط بعقله وقلبه، فسوف تفتح كلمات الله ثغرةً هنا في عقله، وثغرةً هناك في قلبه، وثغرةً هنالك في شعوره، وستنفتح نفسه كلّها على الله تعالى. عبد لله أن يكون الإنسان عبداً لله، معناه أن يعيش الخضوع له سبحانه في عقله وقلبه وأحاسيسه ومشاعره وفي كلّ حركته في الحياة، ولا يقدّم رِجلاً ولا يؤخّر أخرى إلا بعد أن يعرف أنّ في ذلك لله رضى. ونقرأ في دعاء الإمام زين العابدين (ع) فيما طلبه ربّه: "واجعل همسات قلوبنا وحركات أعضائنا ولمحات أعيننا ولهجات ألسنتنا في موجبات ثوابك". بحيث لا يخضع عقل وقلب الإنسان إلاّ لله، فلا يكون له فكرٌ إلا الفكر الذي يرضاه ربّه، ولا يحرّك عاطفته وأعضاءه في كلّ أوضاعه وعلاقاته إلاّ بما يرى رضى الله في ذلك. العبودية لله أساس الحرّية كُن الحرّ أمام الناس، وكُن العبد لله وحدَه، فإنّ عبوديّتك لله هي أساس حريّتك، لأنّ عبوديّتك لله تنطلق من طبيعة وجودك، ووجودك ملكٌ لله، وإذا كنت مملوكاً لله، فإنّك بذلك عبدٌ له سبحانَه، لأنَّ السيد يملك عبده، أمّا الآخرون فهم مثلك، حتّى لو كان في أعلى الدرجات {إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}[الأعراف: 194] فإذا كان الخلق أمثالكم فلماذا تخضعون لهم وتعبدونهم، وتدعون لهم من دون الله؟ عباد الرحمن من هم عباد الرحمن؟ هم الذي يجسّدون في حياتهم الأخلاق التي يريد الله للناس أن يتخلّقوا بها، ويقوموا بالأعمال التي يحثّ الله على القيام بها، وحتّى أحلامهم التي يحلمون بها، فهي أحلامٌ مغسولةٌ برضا ومحبّة الله، فلا يعيشون الأماني، إلاّ إذا عبّرت عن معنى الإيمان في عقولهم، فلا يتمنّون أمنية فيها حرام أو معصية لله سبحانه. خطوات المتواضعين {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً}[الفرقان: 63] هؤلاء الذين إذا ساروا على الأرض، فإنّ الأرض لا تشكو من خطواتهم، لأنّها خطوات المتواضعين الذي لا يكون سيرهم على الأرض استعراضاً يعبّرون فيه عن انتفاخ شخصيّاتهم استكباراً وعلوّاً حيث يعيشون في ذلك الورم ولا يعيشون الصحّة، على طريقة قول المتنبّي وهو يشير إلى بعض الناس: أُعِيذُها نَظَراتٍ مِنْكَ صادقةً أَنْ تَحْسَبَ الشَّحْمَ فيمن شَحْمُهُ وَرَمُ بعض الناس يشعر أن جسده مملوء بالشحم، ولكنّه ليس شحماً، بل هو ورمٌ وانتفاخ، وكثيرون الذي يستعرضون أنفسهم وهم يسيرون أو يجلسون أو يتحدّثون، حيث ينتفخون بشخصياتهم ويضربون الأرض بأقدامهم، هؤلاء يمثّلون ورم الشخصية وليس صحّة الشخصية وسلامتها. إجعل من نفسك سيّد نفسك نقول لمن يحاول الآخرون إسقاطه من خلال إثارته، لا تجعل أعصابك بيد الآخرين، اجعل نفسك سيّد أعصابك، حرّكها عندما تشاء وأوقف حركتها عندما تشاء، وذلك عندما تعرف أنّ الخير في إيقافها أو في حركتها، ولذلك حدّثنا الله تعالى بقوله: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}[الأعراف: 199] وفي آيةٍ أخرى يقول سبحانه: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ}[القصص : 5] فكن الإنسان الذي يعطي السلام للجاهلين لا من موقع ضعف، ولكن من موقع القوّة وموقع انفتاحك على الخير لتردعهم وتردّهم، وهذا ما قاله أمير المؤمنين عليّ (ع): "عاتب أخاك بالإحسان إليه". لا تتحدّث معه بالكلام الكثير، ابعث له هدّية، إدفعْ شرّه بالإنعام عليه "إحصد الشرّ من صدر غيرك بقلعه من صدرك". ومن الطبيعي أن تدرس ظروف مواجهتك للجاهل، لأنّ الموقف في بعض الأحيان قد يحتاج إلى عملية جراحية تنقذ هذا الجاهل من أن يتحوّل إلى مجرم، كما قال الإمام زين العابدين: "وأما حقّ من ساءك فأن تعفوَ عنه، فإن رأيتَ أنّ العفو يضرّه انتصرت". انتصرت لنفسك، لأنّك بذلك تعاقبه على أساس أنّك تحميه من نفسه، لأنّه إذا استسلم لعفو الناس عنه، فإنّه سيزداد إجراماً يعود بالضرر عليه وعلى المجتمع. لتكن آمالك بحجم الكون إذا واجهك الحرمان، فافتقرت، فتيقّن بأنّ الله الذي رزقك في الماضي سيرزقك في المستقبل، فكما أعطاك في مرحلتك السّابقة سيعطيك في مرحلتك الحالية أو اللاّحقة، فلماذا اليأس؟ {يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللّهِ}[يوسف: 87] فتحسّسوا أحلامكم وقضاياكم وتمنّياتكم، ولا تيأسوا، وخصوصاً نقولها للشباب لأنّ الشباب قليل التجربة، فإذا اصطدم بالمشكلة اختنق فيها، وصار يتصوّر أنّ الحياة إنّما تعيش داخل هذه المشكلة... لماذا تحسبون أنفسكم في قمقم تجربة صغيرة محدودة؟ تطلّعوا إلى السماء في سَعَتها، وإلى الأرض في امتدادها، وإلى الحياة في تجدّدها، لماذا تفرضون أنّ مشكلتكم هي وحدَها المشكلة المعقّدة، ادرسوا ظروف الآخرين ومشاكلهم، فستصغر أمامكم مشاكلكم وظروفكم. لذا، لا تيأسوا ولا تقنطوا من روح الله، وعندما تحاصَرون بالمشاكل افتحوا قلوبكم لله، فالله القادر والعالم بكلّ شيء، والذي وسعت رحمته كلّ شيء، سيعطيكم من رحمته وحنانه، ويفتح الآفاق أمامكم واسعة. محبّة الله أحبّوا الله الذي عنده مفاتيح الغيب، وهو الذي أعطى كلّ ذي علم علماً. قبل أن تحبّوا الأقوياء، أحبّوا الله، لأنّ القوّة والعزة لله جميعاً.. إنّكم عندما تسجدون وتقومون لله في الليل والنهار، ستجدون عنده كلّ حنان الرحمة، وكلّ ما يشدّكم إلى الحياة، وما يجعل قلوبكم مملوءة بالدنيا والآخرة، حيث السعادة كلّ السعادة في لحظة مناجاة تنفتح فيها قلوبكم على الله، حيث السعادة كلّ السعادة في كلمات المحبّة والصدق مع الله، تشعرون فيها بمحبّته. وما قيمة أن يحبّنا الناس كلّهم إذا أبغَضَنا ربُّنا، أو ما قيمة أن يبغضنا الناس كلّهم ويحبّنا ربُّنا؟ فحبّه هو الحبّ.. بعيداً عن الرسميّات علينا أن نحبّ الله ونصادقه ونعيش معه لا على الطريقة الرسمية التي يطلب فيها بعض الناس منكم أن تجلسوا مع الله كما تجلسون مع سلطان.. وأقول لكم عندما تجلسون مع الله، اجلسوا بعفويّتكم، تحدّثوا مع الله وأنتم جالسون، وأنتم نائمون وفي كلّ حالاتكم. اشعروا بسقوط كلّ الحواجز عندما تجلسون بين يديه سبحانه، لأنّه الرحمن الرحيم... لنرتفع إلى الله بعقولنا مشكلتنا أنّنا نستغرق في استجلاء عظمة الناس من حولنا، ونبتعد عن عظمة الله في نفوسنا، وبذلك ننحني بقلوبنا وعقولنا وإراداتنا أمام بشر مثلنا فنجعلها أقلّ شأناً منه، والله تعالى يقول: {ِإنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ}[الأعراف: 194]. فلماذا تؤهّلونهم وتعظّمونهم وتسقطون أمامهم؟ فإذا عشتم عظمة الله في أنفسكم، وجدتم أنفسكم، ووجدتم عزّتها وحرّيتها وقوّتها، وقلتم للنفس، ها نحن أناسٌ كما هؤلاء، نحن مخلوقون لله، كما هم مخلوقون، نحن عبادٌ لله كما هم، وإذا جعلنا الله أضعف منهم الآن، فقد يجعلنا غداً أقوى منهم، وإذا جعلنا بعيدين عن الملك والقوّة والسلطة الآن، فقد يُصَيِّر غداً كلّ ذلك لنا. ولهذا يقول سبحانه وتعالى: {وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}[آل عمران: 140]. الحبُّ والبغض في الله الملك والعزّ والحياة والموت والرِّزق وكلّ نظام الكون بيد الله تعالى، فأين تبتعدون وإلى مَنْ تذهبون؟ ولأنّ كلّ ذلك بيده، في ليلكم ونهاركم وحركة واقعكم الذي تعيشون فيه، كونوا مع الله سبحانه، وإذا كنتم معه فلا بدّ أن تكونوا مع أولياء الله. لأنّه لا يمكن للإنسان أن يكون مع الله ومع أعدائه في الوقت ذاته. لذا، إذا كان مع الله، فموقعه مع أوليائه، وإذا كان موقفه مع أعدائه، فأحبّهم وأحبّوه وأعطاهم الولاية، يجب عليه أن يعيد النظر في إيمانه، لأنّه كلّما اقترب بقلبه من أعداء الله، كلّما فقد شيئاً من إيمانه، لأنّ من علامة الإيمان التولّي والتبرّي، أن نواليَ أولياء الله ونعاديَ أعداءه.. وفي كلمة للإمام الصادق وهو يفسّر قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ}[الحجرات: 7] قال (ع): "وهل الدين إلاّ الحبّ". الحذَر.. الحذَر قيمة الحذر أنّه يدفعنا للتفكير بالنتائج، وبالخطّ الذي يختزن النتائج الجيدة والسيئة، لأنّ الشيطان لغّم أوضاعنا وعقولنا وقلوبنا وأعصابنا، وهذا ما يستوجب أن نسير في حقول الألغام بكلّ وعي وصبر حتّى لا نقع في شراك الشيطان وننسى ربّ العالمين الذي يهدينا إذا سرنا في طريق الهداية، وقد أخذ على نفسه ذلك {وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ}[البقرة: 207]. فليس ظالماً ينتقم منّا إذا حَذِرْنَاه وتُبنا إليه، فهو تعالى يرأف بنا ويرحمنا.. ونبقى في رحلة الحياة مع الله نعظّمه ونفتح قلوبنا له، لنقف يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون بين يديه على طاعته وتقواه. حيث لا ينفع الندم لقد كانت عيونك مغطّاة بسحر المال والشهوات، أما الآن، فإنّك ترى الأمور جيّداً، فأين المال والبنون، وما الذي بقي لك؟ فأولادك الذين أفنيت عمرك في سبيل رعايتهم وتأمين مستقبلهم، وأهملت حقوق الله وحقوق الناس بسببهم، لن يشيّعوك إلاّ إلى القبر. ومالُك الذي أسهرت عيونك في جمعه، وأتعبت بدنك في الحصول عليه، وقطعت الفيافي والبحار والصحارى، وجمعته من حِلٍّ وحرام، لن يردّ لك الجميل إلاّ بثمن الكفن والقبر. وعملُك سيخاطبك بالقول: لقد كنت بغيضاً إليّ، فلا صلاة ولا صيام ولا حجّ، وما أنفعُك؟ {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللّهُ نَفْسَه}[آل عمران: 30]. بين حبّ الله وحبّ الزعماء إذا رفع الله محبّته عن إنسان، فما يكون مصيره؟ وماذا لدينا غير رحمة الله؟ وُلدنا ووُجدنا برحمته، ونتقلّب ونموت في رحمته، ونُبعث ونُحشر بين يديه برحمته، فإذا أزال سبحانه عنّا رحمته، فأين نكون؟ ومَن الذي يرعانا بعد ذلك من دون الله؟ لذلك قبل أن نفكّر بمحبّة الزعماء والوجهاء لنا، يجب أن نعمل للحصول على محبّة الله. وعندما يحبّنا الله، فإنّ قلوبنا وأرواحنا تنتعش بهذا الحبّ، ونشعر بالسكينة والطمأنينة والأمن والفرح الروحيّ، ومن هنا، ما قيمة أن يحبّنا الناس، ويبغضنا الله، وما قيمة محبّة الله وبُغْض الناس لنا؟ "ماذا فَقَد من وجدك" الذي وجد الله لم يفقد شيئاً على الإطلاق، "وماذا وَجَد من فَقَدَك" ماذا تنفع الدنيا كلّها إنساناً فقد علاقته بربّه وبرحمته وعطفه؟ المصير الأسود {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}[القصص : 78] مَن أنت حتّى تتضخّم شخصيّتك، وهل تحسب أنّ شيئاً من المال سيُكسبك الخلود لتخرج من ولاية الله وتدخل في ولاية نفسك؟ إقرأ التاريخ، أين آباؤك وأجدادك، أين الجبابرة والأكاسرة، والأباطرة؟ أين مَن امتلكوا الدنيا، أين كلّ هؤلاء؟ {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ} هم إلى النار فوراً؟، فكتاب أعمالهم لا يتضمّن أيّة نقطة بيضاء، فكلّ حروفه وصفحاته ملوّنة بالسواد. قيمة الصبر المال يأتي ويذهب، ويجيء الموت، وبعد الموت جهنّم.. فماذا يفعل المال لصاحبه؟ أمّا مَن آمن بالله وارتبط به وعمل صالحاً، فإنّه ينال ثواب الله الذي لا يعادله أيّ مال، لأنّه استقام على خطّ الله، راقبه ولم يراقب الناس، خاف منه سبحانه ولم يخف من غيره، توكّل عليه وحدَهُ، ولم يتوكّل على الناس، وأحبّ الله ولم يحبَّ أحداً في معصية الله.. هذا ما واجهوهم به: إفهموا القضايا، واحسبوا حساب النتائج، فلا ترتبطوا بظواهر الأمور، ولكن ارتبطوا ببواطنها {وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ}[القصص: 80] الذين يصبرون على طاعة الله ويصبرون على معصيته، هؤلاء يهذّبون شهواتهم وعواطفهم ويضغطون على مواقع الانحراف في ذاتهم.. فالدنيا تتطلّب صبراً، والصبر هو القيمة الكبرى التي يقول عنها أمير المؤمنين عليّ (ع): "واعلَمْ أَنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإيمانِ بمنزلةِ الرأس مِنَ الجسدِ، فكما لا خيرَ في جَسَدٍ لا رأسَ مَعَهُ، لا خَيْرَ في إيمانٍ لا صبْرَ مَعَهُ"*. هي رسائل إلى الله قد ورد عن أمير المؤمنين عليّ (ع) أنّه قال: "مَن لم يحسب كلامه من عمله كَثُرت خطاياه". فإذا لم تركّز على كلماتك فإنّ أخطاءك تكثر، ولذا، فإنّ عليّاً (ع) يعطي للإنسان إيحاءً بطبيعة حركة الكلمات في موقفه من الله تعالى، فقد رأى إنساناً يتكلّم كثيراً، قال له: "يا هذا، إنّك تملي على كاتبيك" وفي رواية على حافظيك، "كتاباً إلى ربّك" فكلماتك هي عبارةٌ عن رسائلَ ترسلها إلى ربّك، فأنت عندما تشتم، فذلك، رسالةٌ منك إلى الله، وهكذا عندما تفحش في القول، أو تشهد شهادة زور، أو تؤيّد إنساناً يريد الله منك أن ترفضه، وترفض إنساناً يريد الله منك أن تؤيّده وتقف معه.. إنّ هذه رسائل يوميّة تكتبها إلى الله {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}[ق: 18] فالكلمات التي تطلقها، هي تقارير يوميّة يقدّمها الملكان عنك إلى الله سبحانه. ليس من حالات فراغ في الإسلام إنّ الإسلام لا يمثّل أيّة حالة من حالات الفراغ التي يقف أمامها حائراً لا يدري ماذا يصنع، ليستعير من هنا ومن هناك الأحكام والقوانين والحلول التي تمثّل الطريقة التي يملأ بها الفراغ. وعلى هذا الأساس فإنّ من المفروض أن يستجيب الإسلام في كلّ عصر لكلّ علامات الاستفهام التي يطرحها العصر فيما يستجدّ فيه من قضايا ومن أوضاع، لأنّه إذا لم يستطع أن يستجيب لهذه الحاجات أو يستجيب لعلامات الاستفهام فإنّ معنى ذلك أنّه لا يصلح للحياة. عنصر الثبات في معنى الثبات هناك شيء يمكن أن يبلى ويتغيّر وبذلك يمكنك أن تتحدّث عن قديمه وجديده، وهناك شيء ثابت لا يستطيع الزمن أن يتدخّل في عناصره باعتبار أنّه يختزن في داخله كلّ عناصر الثبات. في الدائرة الأولى: يمكنك أن تتحدّث عن الحلول التي تقدّم للمشاكل المتحرّكة في نطاق زمني معيّن أو في نطاق ظرف معيّن. وفي الدائرة الثانية: يمكنك أن تتحدّث عن الحقيقة التي تلامس موضوعاً يمتدّ في عمق واقع الحياة. ليس الله بعيداً عن أحلامك وآمالك عندما طرح الإسلام فكرة الإيمان بالله وفكرة الغيب الذي لا يبتعد عن واقع الإنسان واعتبر أنّ الحياة ليست نهاية المطاف وأنّ دور الإنسان في الحياة ليس هو دور الذي يبحث عن السعادة من خلال الواقع الحسّي في الحياة ويفكّر في الشقاء من خلال ذلك، بل اعتبر الحياة ساحة من ساحات المسؤولية وقال للإنسان إنّ المسألة في قضيّة السعادة والشقاء هو أن تعيش في داخلك الإحساس بالثقة بالله سبحانه وتعالى والإحساس بالطمأنينة من جهة أنّك تتحرّك في حياة يحكمها الله، وأنّ الله ليس إلهاً بعيداً عنك وعن أحلامك وعن آمالك وآلامك، فيمكنك أن تتحدّث إليه في كلّ وقت وإذا كنت تعيش الحياة في مسؤولياتك الصعبة لتواجه بعض التعب وتواجه بعض المشاكل، فإنّ الله أعدّ لك الآخرة- إذا كنت منسجماً مع خطّه- النعيم والسعادة والرضوان، وما إلى ذلك من الأمور. قابلٌ للحلّ إنّ الإسلام قد استطاع أن يتعامل مع العمق الإنسانيّ بكلّ أحاسيسه التي تجعل منه إنساناً يملك الثقة الكبيرة بوجوده في كلّ قضايا الحياة ويملك الثقة بمصيره حتّى بعد الموت، ويبعد عنه اليأس باعتبار أنّ إيمانه بالله القادر على كلّ شيء يمنع أن يكون هناك شيء لا يمكنه حلّه، ولذلك فإنّ هذه الخطوط العامة للفكر الإسلامي يمكن أن نقول إنّها على أساس إنسانيّة الإنسان التي لا يختلف فيها زمنٌ عن زمن. اكتشاف أسرار الله إنّ الإسلام الذي يختزن في داخله الدعوة إلى تطوير الواقع على أساس اعتبار العقل مسؤولية الإنسان العاقل واعتبار الحواس مسؤولية الإنسان الذي يملكها ليستخدمها في خطّ التجربة، يمكن له أن يقول للإنسان: إنّني أريدك أن تدخل في كلّ يوم جديد في مواقع جديدة فيما تكشفه من أسرار الله في الكون. التقاء الجانبين وبذلك لا يبتعد الجانب العلمي عن الجانب الإيماني بل يعتبر العلم حركة متقدّمة في خطّ الإيمان تغني عمق الإيمان كما تغني تجربته، وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام يدعو الإنسان دائماً إلى أن يتجدّد، ويدعو العقل دائماً إلى أن يتحرّك، ويدعو التجربة دائماً إلى أن تدخل في كلّ الواقع. جاء الدين لخدمة الإنسان هذا سؤال يحتاج إلى أن تطوف بكلّ المفردات الإسلامية في العقيدة، وفي التشريع وفي حركة الحياة وفي المنهج ولذلك فإنّني لا أعتبر من الواقع أن أجيب عنه بشكلٍ تفصيليّ ولكنّي أستطيع أن أقول إنّني أفهم الإسلام الذي أنزله الله سبحانه وتعالى ليكون في خدمة الإنسان من خلال أن يحقّق للإنسان التوازن في حركته في الحياة من أجل أن يكون ذلك مدخلاً للتوازن في طريقه إلى الله سبحانه وتعالى وفي طريقه إلى رضوان الله سبحانه وتعالى وعلى ضوء ذلك فإنّنا نجد أنّ الله سبحانه وتعالى جعل هناك عنواناً كبيراً في القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}[الإسراء: 70]. وفي قوله: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً}[البقرة: 30]. ومن هنا فإنّ الإسلام جاء من أجل أن يُكرّم الإنسان وبهذا نستطيع أن نجعل هذا عُنواناً كبيراً يحكم على كلّ الأحكام الإسلامية فكلّ حكم لا يُكرَّم الإنسان في إنسانيته ليس من الإسلام، وكلّ حكم ينطلق من قاعدة إسلامية اجتهادية يتحرّك في خطّ الكرامة الإنسانيّة يمكن أن يكون هو حكم الإنسان وعندما نريد أن نتحدّث عن كرامة الإنسان فإنّنا نتحدّث عن حركة هذه الكرامة في دائرة عبوديته لله سبحانه وتعالى وإنّني أعتقد أنّ الكلمة التي تختصر الإسلام كلّه هو قوله سبحانه وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}[فصلت: 30]. الانطلاق في خطّ التوحيد أن تنطلق من خطّ التوحيد ليقودك خطّ توحيد الله إلى وحدة خطّ السير في الحياة لتجد في طريقك الرسول وهو يدعوك إلى الله ولتجد في طريقك الشريعة وهي تنظّم لك خطّ السير ولتجد في نهاية طريقك المعاد الذي يجعلك تقف من جديد أمام الله لتقول له يا ربّ أنا هو الإنسان الذي بدأ من خلالك وسار في الطريق إليك ووصل إليك أنا عبدك فافعل بي ما تشاء فليس لي إلا ما تشاء. بين الحضارة والمدنية أمّا العناصر التي تتكوّن منها الحضارة، فهي عناصر الفكر الذي يتقاطع مع العقل ومع العلم ومع العاطفة والحركة التي تقوم على أساس تنظيم طبيعة العلاقات بين الإنسان وبين كلّ العناصر الأخرى الموجودة في الكون. وإذا أردنا أن ندخل في مسألة الفرق بين الحضارة والمدنية فإنّنا نرى أنّ مفهوم المدنية ربّما يكون أخصّ من مفهوم الحضارة، لأنّ الحضارة تشمل كلّ الحالات الإنسانية بما فيها الحالات التي تنطلق في أجواء الإنسان الذي يتميّز ببعض الموروثات أو المكوّنات البدائية. وأمّا المدنيّة فهي التي تمثّل النهج السلوكي في حياة الإنسان من خلال المجتمع الذي يتميّز بطريقة معينة في تكوين البنية الاجتماعية وفي تكوين النظام الذي يحكم الناس بشكلٍ متقدّم يبتعد بهم عن حالة البداوة. خضوع الحركة الحضارية للحركة الداخلية للإنسان إنّنا عندما نلاحظ أنّ الإنسان هو مخلوق متحرّك دائماً يمكن أن تغيّره اللّمسة ويمكن أن تغيّره الكلمة ويمكن أن تغيّره المؤثرات الصحية والاجتماعية والسياسية والكونية وما إلى ذلك، فإذاً من الممكن للمجتمع الإنساني وحتى المجتمع الإسلامي أن ينقلب على ذاته، لكن لا من موقع الإسلام وإنّما من موقع انحسار الإسلام عن نفسه عندما تأتي المؤثّرات اللاإسلامية في وضع ضاغط قويّ بحيث تقلب الإنسان رأساً على عقب وهذا ما أكّده الإسلام في القرآن الكريم في قوله تعالى على مستوى القاعدة العامة: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حتّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ}[الرعد: 11]. ممّا يعني أنّ الإنسان خاضع في حركته الحضارية سلباً أو إيجاباً لحركته الداخلية التي تنعكس على الواقع. الحركة في خطّ الفكر لاكتشاف المجهول إنّ الإسلام الذي قال للإنسان فكِّر قبل أن تُقدم، وقال له عندما تؤمن حاول أن تظلّ في فكر دائم متحرّك يركّز الإيمان أو يعيد النظر في بعض مواقع الشكّ فيه عندما يحدث الشك.. إنّ الإسلام الذي يعتبر العقل رسولاً من الداخل ويقول عن الرسول إنّه عقل من الخارج. إنّ الإسلام الذي يؤمن بالشكّ المنهجي عندما يبدأ من نقطة الشكّ في المعرفة {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}[سبأ: 24] إنّ الإسلام الذي يريد أن يوحيَ للإنسان أنّ عليك أن لا تتقبَّل شيئاً إلاّ ببرهان ولا تتنازل عن شيء إلا ببرهان. {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}[البقرة: 111]. {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ}[آل عمران: 66] الإسلام الذي يقول: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً}[طه : 114] {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}[الزمر: 9] إنّ الإسلام الذي يعتبر أنّ مشكلة الإنسان في كلّ انحرافه العقلي وفي كلّ انحرافه العملي هو أنّه لا يحرّك وسائل المعرفة عنده: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا}[الأعراف: 179] إنّ ذلك كلَّه يمثّل في المفهوم الإسلامي أنَّ عليك أَنْ تتحرّك دائماً في خطّ الفكر ليكتشف كلّ مجهول، بشرط أن تكون منسجماً مع عناصر الفكر التي يمكن أن تنتج فكراً سليماً مبدعاً. عندما يفرض الإبداع نفسه عندما تسير إلى أيّ فكر من الأفكار فإنّ الإسلام يقول لك لا تكتفِ بفكرك، حاول أن تضمَّ فكرك إلى فكر الآخرين لتحاور الآخرين في الفكر المضاد ولتنطلق معهم حتّى تعطيَ فكرك ثباتاً من خلال طرد كلّ الأفكار الأخرى التي تتحرّك معها في خطّ الحوار. وعندما تنحرف عن خطّ الإيمان فإنّ الإسلام لا يضطهدك في ذلك ما دمت في مرحلة الشكّ، فقد ورد عندنا في بعض أحاديث الأئمة من أهل البيت (ع)، ولعله الإمام جعفر الصادق(ع) أنّ شخصاً قال له: رجل شَكَّ في الله قال: كافر، قال رجل شكّ في رسول الله؟ قال: كافر، ثم قال: إنّما يكفر إذا جحد، باعتبار أنّ الجحود على أساس حالة الشكّ يُعتبر حالة غير طبيعية، وهكذا يقول: "لو أنّ الناس إذا جهلوا وقفوا ولم يجحدوا لم يكفروا"... إنّ معنى ذلك أنّ الإسلام يعطي الفكر حرّيته ويريده أن ينطلق في خطّ هذه الحرية ليتحرّك في كلّ الآفاق، مما يمكّن الإبداع أن يفرض نفسه على نتائج الفكر. من الإبداعات الإبداع إنّما ينطلق من خلال وجود غنى ثقافي وفكري في داخل شخصيّتك، ووجود حرّية لك في أن تنطلق في كلّ الآفاق. في هذه الدائرة يمكن للإسلام أن يحرّك الإبداع فيما هو الفكر العام. أمّا في الدوائر الأخرى الموجودة في داخل الأطر الإسلامية، فإنّ الإسلام لا يمنع من الإبداع فليس هناك مشكلة إسلامية فكرية بين الإبداع في حركة العلم التي تقوم على اكتشاف الكون كلّه، أو اكتشاف كثير من أسرار الكون. هناك إمكانية إبداع فيما هو الجانب الثقافي الأدبي، هناك إمكانية للإبداع فيما هو الجانب الفني، هناك إمكانية للإبداع في كثير من تفاصيل الحياة، ثم هناك نقطة لا بدّ أن تُلاحظ أنّ الإسلام يريد للإنسان أن يحترم عقله فلا يؤمن بشيء حتّى تكون له حُجّة عليه، فإذا حصل هناك حالة من الظنّ أو حالة من الوهم، فإنّ الإسلام يقول لك إنّك تستطيع أن تثير ظنونك أمامك ولكنّك لا تستطيع أن تجعلها عقيدة لك ما دمت لا تملك النسبة المئوية الكاملة في هذا الاتجاه. بين الإبداع وبين العقدة هناك حالة أخرى في موضوع الإبداع وهي حالة الذين يعيشون عقدة الإبداع ويعيشون عقدة التجديد، فهم لا يتحرّكون بعفوية ولكنّهم يتكفّلون التحرّك نحو ما يعتبرونه إبداعاً ونحو ما يعتبرونه تجديداً ونحو ما يعتبرونه تمرّداً، هناك وضع يعتبر التمرّد حالة متطوّرة في الإنسان بقطع النظر عن مضمون الشيء الذي يتمرّد عليه. هناك بعض الناس يتحرّكون من عقدة الإبداع من دون أن تكون لديهم مكوّنات حركة هذا الإبداع، إنّ لدينا كثيراً من الناس الذين يعملون على أن يواجهوا الفكر الدينيّ أو كثيراً من الأفكار الأخرى بشكلٍ غير متوازن، فيحاولون أن يحطّموا كلّ قداسة هذا الفكر وأن يسخروا منه، ويشوّهوا صورته على أساس أنّنا لا بدّ أن نهدم كلّ شيء لنصنع الإنسان الجديد. إنّنا ننظر إلى هؤلاء كحالة مرضية تنطلق من عقدة الرغبة في الإبداع والتغيير والانطلاق في التمرّد بدلاً من أن تنطلق من الحالة الإنسانية التي تنفتح على الفكر ليأخذ حرّيته في الانطلاق ليلتقيَ بالإبداع بشكلٍ طبيعيّ عندما ينفتح على آفاقه وعندما تتوفّر لديه عناصره. حضارة ومصادرة عندما نريد أن نتابع الواقع العالمي الذي نعيش فيه في مرحلتنا الحاضرة فإنّنا لا نستطيع أن ننكر أنّ هناك حضارة تتمثّل في هذا التقدّم الهائل على مستوى العلم وهذا التطوّر في حركة الثقافة على المستوى العالمي، ولكنّنا نتصوّر أنّ هذه الحضارة التي يغلب عليها الطابع المادي لا تتحرّك من خلال المنطلقات التي انطلقت منها، فنحن نجد مثلاً أنّ الرأسمالية التي تنطلق من القاعدة الليبرالية في الواقع السياسي ومسألة الحرية في الواقع الأخلاقي على مستوى العلاقات بدأت تعيش نوعاً من أنواع الضغط الهائل الذي يصادر مسألة الحرّية لدى الشعوب من خلال الداخل. حتّى الشعوب التي تتحرّك في أجواء هذه الحضارة وذلك من أجل تطويق هذه الشعوب بوسائل معيّنة في حركة الإعلام وفي حركة السياسة وفي حركة القضايا التي تُثار أمام هذا الشعب أو ذاك حتّى ينشغل بها عن الأمور الأساسية التي تمثّل خطّ حرّيته المنفتح. إنّنا نعتقد أنّ الاستعمار قد يكون انطلق من الذهنيّة الرأسماليّة. قد بدأ يطوّق كثيراً من مواقع هذه الحرية الموجودة في داخل الخطّ الرأسمالي عندما شعر بأنّها تمثّل الخطر على كثير من مواقعه فيما تحاول بعض الأوضاع الطبقيّة وبعض مواقع الثروة في العالم أن تحيط الواقع بحصار يخضع لمصالحها الخاص بعيداً عن مصالح الشعب، فالأزمة الحضارية فيما هو المجتمع الرأسمالي هي أزمة الالتفاف على القضايا التي أنتجتها الرأسمالية فيما هي مسألة الحرية بالشكل الذي يمكن للإنسان أن يمارس فكره أو يمارس مواقعه من موقع حرّ متقدّم. غياب الواقع الحضاري الإسلامي نحن نعيش مشكلة إسلاميّة حضاريّة كأعمق ما تكون والسبب في ذلك هو أنّ الإنسان المسلم أصبح يعيش الجانب الإسلاميّ في حياته الفكريّة والشعوريّة في نطاق العنصر الغيبيّ بحيث أصبحت المسألة الإسلاميّة عنده حالة غيبيّة. أمّا المسائل التي تتّصل بالفكر الإسلاميّ أو تتّصل بالفقه الإسلاميّ أو تتّصل بالأخلاق الإسلاميّة أو تتّصل بالمنهج الإسلاميّ في الحياة. أمّا هذه كلّها فقد لا نجد لها بُعداً كبيراً في حياة المجتمعات الإسلاميّة وإن كنّا نجد بعضها في بعض الدوائر الصغيرة هنا وفي بعض الدوائر الإسلاميّة هناك، لهذا فإنّنا لا نتصوّر أنّ هناك واقعاً حضاريّاً إسلاميّاً بالمعنى الدقيق الذي يتحوّل إلى حالة إنسانيّة عامة فيما عدا بعض الأجواء السطحية التي يتحرّك فيها المسلمون. هي أزمة إنّني أتصوّر أنّنا لا نعيش حضارة إسلامية لأنّنا أصبحنا نبتعد عن الشخصيّة الإسلاميّة إلاّ في بعض المواقع التي تمثّل فيها الشخصيّة الإسلاميّة شخصيّة طائفية تقترب من الشخصيّة القوميّة. عند ذلك يمكن أن يتحدّث الناس عن انتمائهم ولكن في نطاق الشكل وفي نطاق الحالة الشعوريّة بعيداً عن المضمون وبعيداً عن الحالة الفكرية. إنّنا نعاني أزمة من أخطر الأزمات فنحن نعيش بقايا الحضارة الإسلاميّة في مفرداتها السطحيّة، أمّا أن يكون عندنا الآن حضارة إسلاميّة فهذا ما نفتقده في أكثر مواقعه في العالم الإسلامي. أسباب للانكفاء عن الساحة إنّنا نتصوّر أنّ التخلّف والتبعية للاستعمار هما المسؤولان عن ابتعاد المسلمين عن أن يصنعوا حضارتهم الإسلامية من موقع الفكر الإسلامي الذي لا يمكن أن يعيش إلا في نطاق مجتمع يحكمه أو في نطاق مجتمع يتحرّك ذاتياً في الإسلام حتّى لو كان تحت السيطرة غير الإسلامية، ولذلك فإنّ ابتعاد المسلمين عن الفكر الإسلامي الذي يوحّدهم من خلال عناصره التي تتدخّل في كلّ مفردات حياتهم، وفي كلّ أساليب الحركة في حياتهم هي النتيجة لحالة التخلّف والجهل ولحالة الخضوع للسيطرة الاستعمارية التي تدخّلت لتخلق الثغرات التي ينفذ منها الكفر في الواقع الإسلامي. ارتكاز على العقل والعلم عندما ندرس الإسلام ككلّ فإنّنا نجد فيه ديناً منفتحاً على الله من جهة، ومنفتحاً على الحياة من خلال الله، ومنفتحاً على الإنسان من خلال انفتاحه على الله والحياة. ونحن لا نجد أنَّ هذه النوافذ التي ينفتح الإسلام فيها على الله وعلى الحياة وعلى الإنسان يمكن أن تصطدم ببعضها البعض فالله يريد الإنسان عبداً له وحرّاً أمام الكون وأمام الإنسان الآخر. والله يريد للإنسان أن يتعامل مع الحياة ومع الكون كمسؤول عن إدارة الكون والحياة. ويريد للإنسان أن يتعامل مع أخيه الإنسان على أساس أن يحبّ له ما يحبّ لنفسه. وبذلك فإنّ الحضارة الإسلاميّة ترتكز على العقل وعلى العلم اللذين ينفتحان على الإيمان. كما ترتكز على حركة الإنسان من أجل بناء الحياة بشكل أفضل لارتفاع الإنسان إلى مستوى أفضل. عدم القدرة على إلغاء الذهنية الإسلامية هناك نقطة وهي أنّ العالم الإسلامي لا يزال- بالرغم من الجانب التقليدي في انتمائه للإسلام- يعيش نوعاً من أنواع التحرّك الإسلامي على مستوى الأحكام الشرعية الفردية وبعض الأحكام الشرعية الاجتماعية. فنحن نلاحظ عندما نطوف في العالم الإسلامي كلّه أنّ هناك لوناً من ألوان الذهنية الإسلامية التي تحاول أن تجد لدى الإنسان المسلم في كلّ قضية يعيشها حكماً شرعياً، بحيث إنّ الاستعمار لم يستطع بالرغم من كلّ وسائله التي حاول من خلالها أن يبعد المسلمين عن إسلامهم وأن ينزع الذهنية الإسلامية التي تتحرّك بطريقة شعورية تارة، وبطريقة لا شعورية تارة أخرى في أنّ في الإسلام جواباً عن كلّ سؤال. حتّى الذين يقولون إنّ الإسلام لا يتدخّل في السياسة عندما يبتلون في أيِّ وضع سياسي في حياتهم فإنّهم يبادرون إلى سؤال علماء الإسلام عن الحكم الشرعي في هذا. في مواجهة مشاريع الإلغاء إنّ الإسلام يشتمل على عنصرين: العنصر العبادي والعنصر المدني، ممّا يجعل منه مشروعاً يتحدّى المشاريع المطروحة في العالم، باعتبار أنّه يمثّل التوازن فيما يحتاجه الإنسان في جانب المادة والروح بينما لا تمثّل التيارات التي تحكم العالم هذا التوازن بل يحتاج الإنسان إلى أن يكون رأسمالياً في علاقاته الاقتصادية وليبرالياً في علاقاته السياسية ومسيحياً في علاقاته العبادية، بحيث يشعر الإنسان بالتجزئة بين خطوط ثلاثة في حياته., لكنّ الإنسان المسلم لا يشعر بوجود أيّ تجزئة؛ فهو مسلم يتحرّك الإسلام في علاقاته العبادية، وهو مسلم يتحرّك الإسلام في علاقاته الاقتصادية، وهو مسلم يتحرّك الإسلام في علاقاته السياسية، وهناك تداخل بين هذه العوامل في كلّ العناصر التي تحرّكها، وهناك تداخل بين هذه العوامل في كلّ العناصر التي تحركها، فالصلاة يمكن أن تكون حالة عبادية ويمكن أن تكون حركة في تصحيح الخطّ الاقتصادي باعتبار كونه مصداقاً للفحشاء والمنكر في الجانب المنحرف، ويمكن أن تتحرّك في الخطّ السياسي من خلال بعض مداليل الكلمات الموجودة فيها، ومن خلال الجانب التربوي الذي تخطّط فيه للاستقامة التي تمنع من الانحراف. تخطيط لكلّ المواقع إنّ مسألة أن تغيّر الواقع هي مسألة أن تغيّر الإنسان ومسألة أن تغيّر الإنسان هي أن تدخل في عملية متحرّكة دائماً تخاطب فيها عقل الإنسان ثم تخاطب عاطفته ثم تخاطب غرائزه ثم تخاطب مصالحه، وكثيراً ما يتحرّك العقل معك لتهزمك العاطفة، وقد تتحرّك العاطفة معك لتهزمك الغريزة، وقد تتحرّك الغريزة معك ولكن لتهزمك المطامع والحاجات المحيطة بك. لذلك لا بدّ لك أن تخطّط لكلّ هذه المواقع. تعبٌ لامتلاك القوة إنّ علينا دائماً أن نُتعب الإنسان: أن تتعب فكره في مسألة الصراع، أن تتعب عاطفته ومشاعره وأحاسيسه بحيث يشعر بالضغط في هذا المجال. إنّك عندما تحوّل الإنسان إلى إنسان قَلِقٍ من أجل الإسلام فإنّك تستطيع أن تصنع الكثيرين ممن يشعرون بأنّهم يملكون القوة الروحية التي يقفون فيها في موقف الإنسان العالمي، لا إنسان القرية ولا إنسان المحلّة ولا إنسان العائلة. توازن إنّ هناك توازناً بين حرية الفرد وحرية المجموع، وإنّ هناك توازناً بين حرية الغريزة وحرية العقل، وإنّ هناك توازناً في مسألة الحرية العامة والخاصة. وهكذا ننطلق لنجعل التوازن هو الأساس في حركة الحضارة في الإنسان. ونستطيع أن نلخّص المسألة أنّ الإسلام يضع الله سبحانه وتعالى في قِمّة المشروع الحضاري كما يضع الإنسان في حركة المشروع الحضاري، ولهذا نستطيع أن نلخّص هذه المسألة في آية واحدة. {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا}[فصلت: 30]. الله هو إله الكون، وهو المركز الذي تتوجّه إليه كلّ الكائنات. وهناك الاستقامة التي تمثّل حركة الإنسان في موقع إنسانيّته على الخطّ الذي يريده له الله أن يتحرّك فيه. معنى الزمن الزمن في مفهوم الإسلام يمثّل الخيط الذي تتجسّد فيه حركة الحياة. الزمن يعني الحركة في الحياة التي تختزن في داخلها إمكانات كلّ النشاط الإنساني. وعندما نفكّر في ذلك فإنّنا نقترب من فكرة أنّ الإسلام ينظر إلى الزمن كعنصر حيّ مسؤول فيما هو تفاعل الإنسان مع الزمن إذا صحّ التعبير، بحيث إنّه لا بدّ للإنسان من أن يملأ الزمن، بكلّ ما يمكن أن يجعل منه عنصراً حيّاً فيما هي الفكرة التي يبدعها الإنسان في الزمن الذي هو العمر، وفيما هي الحركة التي يبدعها الإنسان فيما هو العمر، وفي كلّ الأجواء التي تكون طبيعة المشاعر والأحاسيس وتطلعات الروح التي يعيشها. حيويّة الزمن نلاحظ أنّ النظرية الإسلامية بالنسبة للزمن تحاول أن تجعل من الزمن شيئاً يحسّ ويعقل ويحاكم ويرفض أو يتقبّل. فأنت أمام الزمن الذي يمرّ فيك فتشعر أنّ الزمن يتحوّل إلى روح حيّة تلاحقك وإلى عين تحدّق بك وتلحق كلّ خطواتك. وهذا ما نستوحيه من كلمات الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) في حديث عن الزمن في نطاق اليوم "اللهم وهذا يوم حادث جديد وهو علينا شاهد عتيد إن أحسنّا ودّعنا بحمد وإن أسأنا فارقنا بذنب" فأنت تتصوّر هنا أنّ هذا اليوم الجديد الذي جاء ودخلت فيه يمثّل شاهداً يراقبك ويتطلّع إليك ثم يمثّل بعد ذلك عنصراً حيّاً كما لو كان إنساناً واعياً يرصد خطواتك، فإن كانت خطوات خير فإنّه يودّعك بحمد وإن كانت خطوات شرّ فإنّه ينصرف عنك ويتركك لنفسك ويفارقك بذنب. حركة الزمن تصاعديّاً نلاحظ في هذا المجال أنّ الإسلام عندما ينظر إلى الزمن وهو يتحرّك في الاتّجاه التصاعدي في عمر الإنسان فإنّه يفكّر بأنّ الزمن لا بدّ أن يتحرّك في خطّ تصاعدي من تطوّر الطاقة الإنسانية إلى الأعلى وإلى الأفضل: "اللّهم واجعلْه أيمنَ يومٍ عَهِدْناه وأفضل صاحبٍ صَحِبناه وخير وقت ظللنا فيه". "اللهم اجعل مستقبل أمري خيراً من ماضيه وخير أعمالي خواتيمها وخير أيامي يوم ألقاك". "من استوى يوماه فهو مغبون". لا بدّ لك أن تعطيَ الزمن وهو يتحرّك أو تتحرّك معه معنى يجعله الزمن الأفضل فيما يختزنه من طاقتك الخيّرة، ثم عندما ينظر الإسلام إلى الزمن الفارغ فإنّه ينظر إليه نظرة سلبية. فالإنسان الذي يجعل الزمن بعيداً عن حركة الحياة التي يمكن أن تغني المستقبل باعتباره مظهراً للزمن في الخطّ التصاعدي هذا إنسان لا يرضى الله عنه. البطّالون هم أناس يبغضهم الله. الزمن والطاقة الحيوية نجد في الأحاديث التي تقول: "للمؤمن ثلاث ساعات: ساعة يناجي فيها ربَّهُ وساعة يَرُمُّ فيها معاشه، وساعةٌ يُخَلّي بينَ نفسِه وبين لذّتها في غير محرم فإنّها عون على تينك الساعتين". فالزمن في هذا المقام عندما تفرغه من حركتك في العبادة فإنّك لا بدّ أن تملأه بلهوٍ يمكن أن يجدّد نشاطك ويجدّد حيويتك، لتستعين من خلال هذا الشيء الذي تملأ الزمن فيه على ساعة العبادة وعلى ساعة المعاش. إنّ معنى ذلك أنّ الزمن يمثّل في نظر الإسلام طاقة حيّة متحرّكة مسؤولة، لأنّه يلخّص عمر الإنسان وبذلك يكون مسؤولاً من خلال أنّ الإنسان مسؤول في كلّ حركة عمره. عدم الجمود أمام زمن مضى في نظرة الإسلام إلى الزمن في مواقعه فإنّ الإسلام يعتبر أنّ الزمن الماضي لا يمثّل محطّة تقف أمامها لتحدّق بها في حالة انفعاليّة ولتعيش الأسف عليها، أو لتلاحق أحداثها وحركتها بشكلٍ جامد. بل إنّ الإسلام يقول لك إنّ الزمن الماضي يمثّل عمرَ الآخرين أو يمثّل بعض عمرك وقد مضى عمر الآخرين ولست مسؤولاً عنه، فلماذا تتوقّف أمامه؟ وقد مضى عمرك وتحدّدت مسؤوليّتك فيه، فلماذا تتجمّد أمامه؟ لا تتجمّد أمام الماضي إلاّ لتأخذ منه ما يمكن أن يبقى للحياة، ثمّ اتركه تماماً، خذ منه ما بقي للحياة دفعة واحدة، أو خذ منه ما يبقى للحياة دفعات، رافق الماضي بمقدار ما تأخذ منه للحاضر والمستقبل ممّا فيه من عناصرَ حيّة يمكن أن تبقى لك. ومن خلال ذلك عندما يكون الماضي ماضي الآخرين {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}[البقرة: 134]. الماضي والحاضر عندما تكون المسألة مسألة ماضيك فإنّ عليك أن تستفيد من أخطائك لكي تتفاداها وتستفيد من نجاحاتك لتكثر منها. وفي موقفك من ربّك بالنسبة للماضي عليك أن تستغفر من ذنوبك لتطلب من الله أن يغفر لك ذلك، فإذا تبت واستغفرت وأخذت الدرس منها، فلا تبقى لك بالماضي أية علاقة. أما الحاضر فهو مسؤوليّتك، التي لا بدّ لك من أن تتحرّك من خلالها في داخله لتجمّع كلّ العناصر الحيّة التي تنتج مضمون هذه المسؤولية وتحرّكها في الاتجاه الذي يرضاه الله ويريده والذي يمثّله معنى وجودك في الحياة، ولذلك فإنّ عليك أن تأخذ كلّ الحاضر وتعتصره. وبهذا نجد أنّ الحكمة التي تقول: "لا تؤجّل عمل اليوم إلى الغد" إنّ عليك أن لا تترك الزمن يذهب ولك فيه عمل بدون هذا العمل. حاول أن تعتصر الزمن كلّه فلا تُبقي منه شيئاً تستطيع أن تستفيد منه من دون أن تستفيد منه، إنّه مسؤوليّتك!! وبذلك فإنّ الحاضر بالنسبة إلينا في المفهوم الإسلامي يمثّل حركة الإنسان التي تلاحق كلّ إمكاناته لتضعها في خدمة كلّ مسؤوليّاته حتّى يعيش الإنسان لحظته بكلّ عمق هذه اللّحظة. عدم التفكير بالضباب إنّك عندما تفكّر في المستقبل عليك أن لا تفكّر في الضباب، وعليك أن لا تفكّر في الخيال، بل حاول أن تواجه المسألة بقدر كبير من الوضوح. فالمستقبل الذي يمثّل نتائج المسؤولية لا بدّ أن تهيّء له من خلال كلّ حياتك ما يمكن أن يشكّل غنىً، فمثلاً نلاحظ أنّ الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}[الحشر: 18] عندما يكون المستقبل مستقبل النتائج، وعندما يكون المستقبل مستقبل المصير، فإنّ عليك دائماً أن تكون في عمليّة ملاحقة لكلّ جهدك الماضي، ولكلّ جهدك في الحاضر، الذي تستطيع من خلاله، أن تركّز قواعد المستقبل فيما هي مسألة المصير، وفيما هي مسألة النتائج الكبيرة. وبهذا فإنّ الإسلام ينظر إلى الزمن كخطّ واحد يتكامل فيه المستقبل مع الحاضر، ويتكامل فيه الحاضر مع المستقبل ليمثّل الوحدة التي تمثّل عمر الإنسان في وجوده الخاص، أو عمر الإنسان في وجود النوع الإنساني، ليكون ذلك رحلة في الطريق إلى الله في كلّ ما يريده الله للحياة، وفي كلّ ما يريده الله للإنسان، وفي كلّ ما يريده الله للدار الآخرة، وللسموّ في مواقع الروح، وبهذا يتحوّل الزمن إلى شيء حيّ وشيء فاعل فاعلية الحياة. إنّها مشكلة الجهل مشكلة الكفر هي مشكلة الجهل ومشكلة الشِّرك هي مشكلة الجهل، وعندما لا يكون الجهل عذراً لمن يستطيع أن يكفر ويتعلّم، فإنّ الله لا يعتبر الكافر معذوراً في كفره ولا يعتبر المشرك معذوراً في شركه، وهكذا نجد أنّ الله اعتبر العلم مسؤولية العالِم، فقد حمّل العالِم مسؤولية أن يعلّم الآخرين كما حمّل الجاهل مسؤولية أن يتعلّم. من خلال هذه المفردات السريعة في حركة العلم في ساحة الإطلالة الإسلامية على حياة الإنسان وعلى واقع الحياة في إطار العلم نستطيع أن ننفتح على المسألة الحضارة فيما هو التخطيط الإسلامي للحضارة على مستوى النظرية الإسلامية في حركة الحياة. انطلاقاً من العلم نحن نجد أنّ الإسلام يريد للإنسان أن ينطلق من موقع العلم في نظرته إلى الحياة وأن ينطلق من موقع العلم في حركته وفي مسؤوليته تُجاه الحياة، وأن ينطلق من العلم في مواجهته لكلّ القضايا الغامضة في الحياة. وبذلك فإنّنا نعتبر أنّ الإسلام يبني حضارته على أساس العلم من حيث يمثّل العلم من مسؤولية شاملة تنطلق بالإنسان من معرفته نفسه ومعرفته لِمَا حوله ومعرفته لربّه ومعرفته لمسؤوليّته عن كلّ واقع الحياة. حالةٌ في العقل الإيمان، حالة في عقلك، وتعبير في لسانك، وحركة في جوارحك، أو في حياتك، وعندما تنطلق بالعمل في ميزان القيمة فإنّنا نجد أنّ القيمة في الإسلام إنما هي بالعمل في ميزان القيمة فإنّنا نجد أنّ القيمة في الإسلام إنّما هي للعمل فأنت كإنسان تساوي عملك، حتّى العلم الذي هو قيمة في العقل لا يعتبره الإسلام قيمة روحية أو ثقافية، إلاّ إذا استطعت أن تحوّله إلى عمل، فالعلم الذي يتّصل بالعمل ولا يحرّك الحياة ولا يتّصل بمسؤولية الحياة هو علم أجوف، لا يضرّ من جهله، ولا ينفع من علمه. العمل والسؤال إنّ الإنسان في المفهوم الإسلامي يمثّل المخلوق الذي يتّصل العمل بكلّ موقع من مواقع وجوده بحيث يمثّل العمل، مسؤوليّة كلّ طاقة من طاقاته، بحيث إنّك ستُسأل عمّا عملت في عمرك، وعمّا عملت في شبابك، وعمّا عملت في علمك، وعمّا عملت في مالك، وعمّا عملت في كلّ ما يحيط بك ليكون العمل هو حركة المسؤوليّة في كلّ حياة وهذا ما نؤكّده فيما نستوحيه من التأكيد في القرآن الكريم على العمل كأساس لسلامة المصير، إذا كان العمل إيجابياً وعلى العمل كأساس لابتعاد المصير عن خطّ السلامة إذا كان سلبياً. {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ}[الزلزلة: 7-8]. وقد نجد الإلحاح على اعتبار العمل هو القيمة الأساسية في مفهوم الإسلام في أنّه هو النداء الإلهي الذي يُوجّه إلى الناس. {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}[التوبة: 105]. تَحمُّل المسؤولية أنت لا بدّ لك أن تعمل وتراقب الله في عملك ولا بدّ لك أن تعمل وتتحمّل مسؤوليتك أمام الرسول في عملك ولا بدّ لك أن تعمل وتتحمّل مسؤولية عملك فيما يتّصل بحياة الناس، لهذا في الإسلام، طاقتك مسؤوليّتك فيما تحرّكها في خطّ العمل وطاقتك ليست فقط مسؤوليتك بل هي مسؤوليّتك في نطاقك الاجتماعي كجزء من المجتمع بحيث إذا بدّدت طاقتك وجمّدتها ومنعتها من أن تتفجّر فيما ينفع الناس فأنت تكون قد سرقت طاقة الناس وطاقة المجتمع، لأنّ المجتمع ليس شيئاً معلّقاً في الهواء، بل هو أنت والآخرون. مجتمع العمل هكذا يمكننا أن نعتبر المجتمع الإسلامي هو مجتمع العمل على كلّ صعيد في المجال العبادي الذي يقوم فيه الإنسان بمسؤوليّته في التعبير عن عبوديّته لله وفي المجال الحياتي في كلّ المفردات التي تتّصل ببناء الحياة فيما تحتاجه على الأساس الذي يرضاه الله في بناء الإنسان من الناحية العملية على القواعد التي ركّزها الله . العمق الحضاري والعمل إنَّ العمق الحضاري فيما هو العمل يختصر في الإسلام كلّ مواقع الإسلام في العقيدة وفي الشريعة وفي المنهج وفي حركة الحياة وتلك هي القيمة الحضارية التي قد لا نتصوّر أنّ هناك حضارة تمنح العمل هذا العمق الذي يمتزج فيه الجانب الروحي بالجانب المادي وتلتقي فيه الدنيا والآخرة ويتوازن في طبيعته من حيث إيحاءاته ونتائجه وامتداده في ميزان الدنيا والآخرة "إعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً" حتّى لا تفكّر في لحظة عدم يمكن أن تطرأ على وجودك لتنهيَ مشاريعك ولذلك فكِّر في مشاريع الحياة على أساس أنّها مشاريع الخلود وعلى أساس أنّك الخالد الذي يعطي كلّ وجوده لكلّ مشاريعه ويظلّ وجوده ممتدّاً ينتج في كلّ يوم عملاً ويحقّق في كلّ يوم مشروعاً. صلاةٌ في كلّ المواقع إنّك عندما تعمل في خدمة الحياة وفي خدمة الإنسان منطلقاً من مسؤوليّتك أمام الله في بناء الحياة وفي بناء الإنسان فأنت تعبد الله في عملك. عملك في الحقل صلاة وعملك في المصنع صلاة، وعملك في كلّ موقع من مواقع الإنتاج الذي يتصل بفكر الناس ويتّصل بحياة الناس صلاة كما لو كنت تسبّح وتهلّل وتكبّر لأنّ الله جعل العبادة في كلّ عمل تأتي به متقرّباً إلى الله ومنطلقاً من خلال مسؤوليّتك أمامه أيّة قيمة حضارية هي أن ينفذ الروح إلى قلب المادّة لتتحوّل المادّة إلى روح تحقّق للإنسان وجوده المادّي ولكن في آفاق رائعة من حركة الروح في مواقعها النورانيّة. الأرض عنوانٌ للحرية إنّ الهدف من تعارف هذه الشعوب والقبائل هو ما يحدّده الإسلام من خلال كلّ ما يطرحه من فكر ومن شريعة وما إلى ذلك، وهكذا بالنسبة إلى الأرض التي حمّلنا الإسلام مسؤوليتها بحسب ما تعطي من عناوين التجربة الإنسانيّة، فنحن مسؤولون على أن نحرّر الأرض كلّها التي يسكنها المسلمون أو المستضعفون الذين يتحمّل المسلمون مسؤوليّتهم.. والأرض قد تكون عنواناً للحرّية، وقد تكون عنواناً للعزّة وقد تكون عنواناً للكثير من القضايا. ولهذا نجد أنّ هناك كلمة للإمام علي(ع) يقول فيها: "اتّقوا الله في عباده وبلاده فإنّهم مسؤولون حتّى عن البقاع والبهائم". الإسلام والقوميّات إنّ الإسلام يقول للقوميّات بأنّ في إمكان كلّ قوميّة أن تحافظ على لغتها وعاداتها وتقاليدها التي لا تتنافى مع العادات والتقاليد الإسلامية وأن تحافظ على علاقاتها الإنسانية بالطريقة التي لا تُسيء إلى المنهج الإسلامي في العلاقات. عليها أن تجعل الإسلام هو الفكر الذي تنطلق منه في قاعدتها الفكرية وأن تجعل الإسلام هو المنهج الذي تتحرّك من خلاله في كلّ حياتها العامة وأن تجعل الإسلام هو الشريعة التي تحكم كلّ مفردات حياتها. وبذلك فإنّ القومية موقع من مواقع العمل الإسلامي والتجربة الإسلامية كما هي موقع للعمل العلماني والتجربة العلمانية إذا صحّ التعبير. روحٌ حواريّة منفتحة على الجميع إنّنا نؤمن بالحوار مع كلّ الناس بل نحن نؤكّد ضرورة الحوار كأسلوب من أساليب الوصول إلى قناعات الناس وفي إيمانهم بالحقيقة الإسلامية ولذلك فنحن في الوقت الذي نختلف معهم فيما يبتني على هذه الأسس الفكرية نشعر بالحاجة إلى الدخول في حوار فكريٍّ منفتح على كلّ آفاق الماركسيّة مقارناً بكلّ آفاق الفكر الإسلامي لقد علّمنا القرآن الذي خاض الحوار بشكل متنوّع لينفتح مع الملحدين ومع المشركين الذين يختلف معهم في الأسس العقيديّة في هذا المجال. لهذا ليس عندنا مشكلة في الحوار مع التيار الماركسي نحن ندعو إليه ونعمل من أجل الوصول إليه ونقدّم الاقتراحات لأن تكون هناك جلسات فكرية مفتوحة بيننا وبين الماركسيين، وهكذا بالنسبة إلى التيّار القومي، نعتقد أنّه من الضروري أن تكون هناك لقاءات مفتوحة على المستوى الفكري بين التيّار القومي والتيّار الإسلامي، حتّى يمكن أن نتعرّف ما هي مجالات اللقاءات بين التيّارات، على مستوى الفكر وعلى مستوى الواقع، وما هي مجالات الافتراق بينهما. على هذا الأساس، إنّ مسألة الحوار في الإسلام مفتوحة على كلّ التيّارات، سواء كانت من التيّارات التي نلتقي معها في بعض المواقف، أو التيارات التي لا نلتقي معها في الأسس. وعلى ضوء هذا لا مشكلة لنا من هذه الجهات. الهدف من الحوار الهدف من الحوار هو الوصول إلى تحويل الآخرين الذين يختلفون معنا في الفكر، إلى أن يقتنعوا بفكرنا، وإلى أن ينفتحوا على مسألة الإيمان بالإسلام. وإذا لم يتحقّق هذا الهدف، أو كانت هناك حواجز نفسيّة، سياسية أو موضوعية أخرى، لا تحقّق مثل هذا الهدف، فإنّنا نعمل على أساس أن يكون الحوار وسيلة لإيصال فكرنا إلى الآخرين، لأنّنا نشعر أنّ علينا إيصال فكرنا إلى الآخرين، ولو لم يقتنعوا به في المرحلة الحاضرة، لأنّ ذلك يحقّق هدفاً سريعاً في هذه المرحلة، وهو أن يتعرّفوا إلى أنّ الفكر الإسلامي ليس فكراً خرافيّاً، وليس فكراً منطلقاً من حالات عاطفية، أو انفعالية، بل هو فكر يرتكز على العقل، ويتحرّك على الأسس المنطقية، ويواجه الحياة من خلال وعي طبيعة الحياة وحركتها في كلّ مواقعها ومجالاتها. وهدفٌ آخر الهدف الثاني في هذا المجال، هو أنّنا نعتقد أنّك عندما تزرع فكرك في عقل أيّ إنسان ممكن أن يعيش في مرحلة معيّنة فيزحف هذا الفكر إلى وجدانه وإلى مشاعره وفي الظروف التي يمكن أن تحقّق لهذا الإنسان أجواء الإيمان وأجواء القناعة وهذا ما لاحظناه في كثير من الحالات أنّ هناك أناساً لم يقتنعوا بفكر معيّن عندما طرح عليهم هذا الفكر ولكنّهم اقتنعوا به بعد وقت طويل بعدما وجدوا أنّ هذا الفكر مزروع في وجدانهم وكانت هناك أجواء جديدة فرضت نفسها على طريقتهم في التفكير وأزالت الحواجز التي تمنعهم من الإيمان بهذا الفكر أو ذاك. اعترافٌ بالخصوصيّة إنّ الإسلام يعترف بأيّ خصوصية إنسانيّة، بشرط أن لا تكون هذه الخصوصيّة مغلقة عن الخصوصيّات الأخرى، لأنّه يريد لكلّ الخصوصيّات أن تتجمّع أمام المسألة الإنسانيّة التي تنفتح على الإسلام بِسِعته وشموله، فالخصوصيّة القوميّة كخصوصيّة العائلة، كخصوصيّة الذات، هي مواقع إنسانيّة، ولكن كلّ موقع ينفتح على الموقع الآخر حتّى تنفتح كلّ المواقع في النهاية على الجانب الإنساني من الإنسان، الذي ينفتح على رسالة الله باعتبار أنّها نزلت للناس كافة. التراث والحقيقة التراث الذي يمثّل الحقيقة المعصومة من كلام الله ورسوله، باعتبار أنّه الحقّ لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، ولكن فهمنا لكلام الله ولكلام رسوله، يمكن أن يتنوّع بحسب الاجتهادات، ولذلك، فإنّنا لا نعتبر أنّ الفهم الاجتهادي للقرآن والسنّة يمثّل الحقيقة النهائية فيمكننا ممارسة الاجتهاد من جديد في فهم الكتاب والسُّنة فقد نتّفق مع الاجتهادات المطروحة لدى كثير من العلماء وقد لا نتّفق. التراث والبحث عن الحقيقة هناك تراث ينطلق من أفكار علماء المسلمين وفلاسفتهم، فنحن لا نعتبر أنّنا ملزمون بالتقيّد به على أساس أنّه يمثّل الحقيقة الإسلامية، بل لا بدّ لنا من أن ندرسه دراسة جديدة، حتّى نعرف أنّه يمثّل الحقيقة الخالدة التي يمكن أن تُغني المستقبل، أو أنّها تمثّل حالة فكريّة محكومة بالظروف الموضوعيّة التي أحاطت بها، إنّنا لا ننظر إلى التراث نظرة مقدّسة، بل ننظر إليه نظرة فكريّة حرّة، نحن نؤمن بالتراث الذي يمثّل النصّ المعصوم، على أساس أنّنا لا نناقش سلامة النصّ، ولكنّنا نتحرّك بحرّية في فهمه على أساس القواعد العلميّة في فهم النصّ، فيما عدا ذلك، فإنّنا نشعر بحرّية واسعة في هذا المجال، في نطاق الاجتهاد المرتكز على القواعد الأساسية، ثم نعمل على تأصيل الشخصية الإسلاميّة في الخطوط الإسلامية الأصيلة، ونقف ضدّ كلّ مسخ ثقافيّ يشوّه المعنى العميق للفكر الإسلامي، وللنهج الإسلامي في التشريع وفي الحياة. المجتمع المثقّف إنّ مسألة أن يكون المجتمع المسلم مجتمعاً مثقفاً، هي مسألة أن يكون مجتمعاً فاعلاً، منفتحاً ومؤثّراً وقادراً على تركيز كلّ أطروحاته من موقع قوي فاعل. لأنّ المجتمع المسلم الجاهل، أو الذي لا يملك مقداراً كافياً من الثقافة، سيتحوّل إلى مجتمع يكون خطراً على ثقافته الذاتية من خلال أنّه لا يملك المعرفة الواسعة لقواعدها وركائزها وامتداداتها، كما أنّه يشكّل موقف ضعف في حركة الصراع فيما بين الثقافة الإسلامية والثقافات الأخرى، لأنّه لا يملك أن يضعها في مركز القوّة التي تستطيع من خلالها أن تسجّل انتصاراتها في حركة الصراع، ممّا يشكّل هزيمة للثقافة الإسلامية أو للمواقع الإسلامية التي تعتمد على الجانب الثقافي من جهة، وقد يشكّل ضعفاً داخليّاً للمسلمين من جهة أخرى. لهذا فإنّنا نعتبر مسألة الثقافة في كلّ خطواتها التصاعدية، هي مسألة الأساس للمشروع الحضاريّ الإسلاميّ في درجته العالية. الحرّية أو الجمود؟ هل من الضروري، أو من المناسب، أن تكون هناك ثقافة خاصّة في الرؤية الإسلامية للمفاهيم العامة، وللمناهج والأساليب الحركيّة في الدعوة والحركة، بحيث تفرض على أتباعها، أن يلتزموا الدقّة في ذلك، على أساس أنّ للحركة (الإسلامية) فكراً إسلاميّاً خاصّاً، يحدّد للإنسان شرعيّة الانتماء، من خلال التزامه بمفردات هذا الفكر، ليكون الشخص الذي يبتعد عن الخطوط العامة، أو التفصيلية، بعيداً عن خطّ الاستقامة والإخلاص للحركة؟ أو أنّ المسألة تفرض إعطاء المنتمين، حرّية الانفتاح على الثقافة الإسلاميّة من بابها الواسع الذي ينطلق في الإنسان المسلم، ليطّلع على كلّ ما يستطيع الوصول إليه، من النتاج العلميّ للفكر الإسلامي، في قواعده ومتفرّعاته ومناهجه العلميّة، ليختار لنفسه ما يقتنع به من ذلك، وليصنع شخصيّته الإسلامية على هذا الأساس، حتّى يكون انتماؤه للحركة، منطلقاً من خلال رؤيته الثقافية لأبعادها وأوضاعها وقيادتها، من دون تقيّد بالأفكار التي يلتزمها القائمون عليها، لأنّهم لا يمثّلون أيّة سلطة، على فرض التزاماتهم الفكرية على الناس من حولهم. وهذا هو الفرق بين العقلية الحزبية، التي تريد أن تضع الناس في قالب فكريّ جامد لا يسمح لهم بحرية التفكير المستقلّ، وبين العقلية المنفتحة على الإسلام كلّه، التي تتحرّك في الهواء الطلق، الذي يتيح لها الحرية في اختيار الخطّ الإسلامي، الذي تقتنع به من خلال تأمّلاتها الفكرية، على المستوى الذاتي والموضوعي، أمام التنوّع الاجتهادي، الذي يتمثّل في اختلاف المفكّرين الإسلاميين، في اجتهاداتهم المتنوّعة في فهم النصوص والقواعد الإسلامية. خَنْقُ الحريات إنّ الثقافة الحزبية المغلقة، تمثّل حالة تجميدٍ للفكر الإسلامي في الإنسان، لأنّها تدخل في نطاق علبةٍ مقفلةٍ، لا تسمح للنور أن ينفذ إليها، ولا للهواء أن يتحرّك فيها، فتقول له، إنّ عليك أن لا تفكّر لنفسك، لأنّ الحركة (الإسلامية) تفكّر لك، وإنّ عليك أن تبتعد عن الخروج عن الثقافة الخاصة التي يلتزمها التنظيم الحزبي، لأنّ ذلك يمثّل الانحراف عن الخطّ السليم، وتمرّداً على الالتزام الحزبي، فيما ألزمت به نفسك من خلال الانتماء السياسي، ممّا قد يصل بالموقف إلى مستوى الخيانة، عندما تتعرّض سلامة الحركة للخطر، من خلال الاهتزاز الذي يُربك السّاحة من أكثر من جانب. إنّ هذا الأسلوب في التعاطي مع المحازبين، يُوحي إليهم بالقصور الفكريّ، وبالحصار الروحيّ، وباليأس من الوصول إلى حالةٍ إبداعيّةٍ في اكتشاف الجديد، أو في تغيير المفاهيم السائدة، لأنّ الطليعة- وحدها- هي المؤهّلة للتفكير وللتخطيط وللتجديد، وبذلك تتحوّل العقلية الحزبية، في دائرة الثقافة الخارجية الموجّهة، ببّغاوات تقلّد القيادة في كلماتها، من دون أن تتحرّك لاستيحاء المضمون في فكر جديد. لا أحد يلغي أحداً إذا كانت الثقافة، مُوجِبة لتغيير ذهنيّة الإنسان الحركيّ، إلى ما يخالف المرتكزات التي يقوم عليها الفكر الحركي، فإنّ ذلك لا يؤدّي إلى إخراج هذا الإنسان من الحركة، أو اضطهاده من قِبل قيادتها، تماماً، كما لو كان قد قام بجريمة تمرّد على الخطّ، أو انحرافٍ عن الالتزام، بل إنّ القضية تُطرح في دائرة الصعيد الحركي، على أساس أنّ رأيه لا يُلزِم الحركة، ولا يفرض عليها تغيير مسارها، كما لا يفرض على الحركيّين الآخرين ذلك، فليس له أن يلزمها بما لا تلتزم به، لأنّها لم تقتنع به، بل كلّ ما هناك أن يتحرّك نحو إقناع الآخرين برأيه، فإذا اقتنعوا به فقد وصل إلى ما يريده عندما يتحوّل الخطّ، وإذا لم يقتنعوا به، فإنّ عليه أن يبقى في خطّ المعارضة لتأكيد فكره، بالوسائل الشرعية في المنهج القرآني، الذي وضعه الله لحركة الخلاف الفكري، مع التزامه بالخطّ العام للحركة الإسلامية، من دون أي لون من ألوان الإثارة الانفعالية، التي تثير الفوضى وتؤدّي إلى الإرباك والاهتزاز. الإسلام وحركيّته إنّ الثقافة الموجّهة لا تلغي حرّية حركة الفكر، بل هي تعبيرٌ عن وحدة الحركة في وحدة الفكر، مع إبقاء النوافذ على كلّ الفكر الآخر الذي يرصد الخطأ والصواب، ليستطيع تغيير القاعدة الفكرية للحركة، من خلال تغيير الذهنية التي أدّت إلى الالتزام الخاص، من خلال القناعة الخاصة. إنّ الحركة الإسلامية، تدعو إلى النقد كما تدعو إلى الالتزام، وتنادي بالمراقبة، كما تنادي بالانضباط، ولا تدّعي العصمة لنفسها إذا لم تكن قيادتها معصومة، ولا عصمة لأحدٍ في كلّ قيادات الحركة الإسلامية المعاصرة. وعلى ضوء هذا، فإنّ الفكر الإسلامي، يبقى متحرّكاً في ساحة التغيّرات الاجتهادية أو الموضوعية، من خلال كلّ عناصر التغيير، لتبقى الحركة الإسلامية في حالة تقدّم وتطوّر، في البحث عن الحقيقة، التي قد يلفّها الضباب، لتشرق عليها الشمس بعد ذلك، وفي خطّ الإخلاص لله ولرسوله، الذي يفرض الإخلاص للإنسان وللحياة. انسجام الحزبيّة مع المرجعيّة إذا كانت المرجعية لا تستوعب الجماهير، في حركة تنظيمية فاعلة، ولا تعمل على تربية القيادات السياسية والاقتصادية للمجتمع، فإنّ من الممكن العمل، على التأكيد على الدور الأساسي في حركتها، وذلك بإيجاد الانسجام بينها وبين الصيغ الأخرى المطروحة في الساحة، بحيث تمنحها الرعاية والتوجيه والعناية، التي تخفّف الكثير من سلبيّاتها، وتحقّق لها الكثير من الإيجابيّات. وفي ضوء ذلك، نحبّ للعاملين، أن لا يعيشوا التشنّج إزاء بعضهم البعض، فيما يختلفون فيه من صيغ العمل، بالمستوى الذي يصل إلى حدّ التراشق والاتهامات وإثارة علامات الاستفهام، والشك من دون أساسٍ أو مبرّر، وإغلاق باب الحوار، في تفاصيل القضايا المُختلَف عليها.. فإنّ مثل هذه الروح، لا تعبّر عن روح إسلامية، لأنّ معنى أن يكون الإنسان مسلماً، أن يعيش أخلاقية الإسلام في العمل، وفي أسلوبه، وفي علاقاته وأوضاعه الجزئية والكلّية. وبذلك فقط، يمكن أن نصل إلى المستوى الإسلامي الحقّ، في الفكر والممارسة والحركة، وذلك بتعميق الشخصيّة الإسلاميّة، المنطلِقة من خوف الله وتقواه، فإنّ ذلك هو السبيل للنصر وللنجاح، وللوصول إلى الهدف الكبير. بين الإيمان والإسلام لا يكون الخارجون عن أي حزب أو تنظيم، خارجين عن الإسلام، لأنّ الإسلام- في المفهوم الشرعي- يتمثّل في الالتزام بالشهادتين والنطق بهما، والاستعداد للتحرّك في الحياة العامة من موقع الانتماء الإسلامي، بل كلّ ما هنالك أنّ الحزبيّين، قد يَرَوْن صورة الآلام في وعيهم الفكري السياسي، أكثر عمقاً وامتداداً في التفاصيل الكثيرة المتّصلة بشؤون الحياة، بخلاف غيرهم، الذين قد يحملون بعض المفاهيم المنحرفة، أو يغفلون عن بعض المواقع الأصيلة للفكر الإسلامي، أو عن بعض الخطوط الشرعيّة للحكم الإسلامي الشرعي، أو ما إلى ذلك، ممّا يجعلهم بحاجة إلى إكمال هذا النقص، بالوعي والممارسة، والتحرّك في اتّجاه الخطّ المستقيم، وقد تحدّث الإسلام بهذه الطريقة، عندما فصل بين المسلمين وبين المؤمنين وذلك في قوله تعالى: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}[الحجرات: 14]. فهناك مسلمون لم يدخل الإيمان في قلوبهم، وهناك مسلمون يعيشون هذا الإيمان في داخل كيانهم. الإسلام أو لا شيء إنّ الله يريد منّا أن نأخذ الدين كلّه، فلا يجوز لنا أن نأخذ بعض الكتاب ونهمل بعضاً، باعتبار أنّ ذلك يمثّل لوناً من ألوان التجزئة أو الانحراف، ممّا يسيء إلى خطّ التوازن العقيدي في خطّ الحركة، وإلى الطهارة الفكرية الإسلامية التي تدفع المسلم إلى عدم الأخذ بأيِّ نوع من أنواع المجاملة للآخرين، أو الخضوع للمؤثّرات الخارجية الضاغطة على الموقف، لا سيّما إذا كانت تتمثّل في الانفتاح على الكافرين، أو المستكبرين، أو توثيق العلاقات معهم في الدائرة السياسية أو الاقتصادية أو الثقافية.. ممّا يؤدّي إلى الانحراف عن خطّ الاستقامة الفكرية والعملية. السعي إلى التغيير إنّ المسألة التي تحكم الحركة السياسية للإسلاميّين، هي إيمانهم بأنّ نجاح تجربة إسلامية يعني إمكانات نجاحها في موقعٍ آخر، وإنّ قدرتهم على إسقاط معادلة الأمر الواقع في مرحلة يحمل في داخله الدليل على قدرتهم على إسقاطها في مرحلة أخرى، ممّا يعني واقعية حركتهم، ومّما يوحي إليهم بالحاجة الدائمة إلى تنمية قوّتهم وتجديد وسائلهم العمليّة، ومراقبة الواقع من حولهم، لاكتشاف نقاط ضعفه، وبالانحناء مؤقّتاً للعاصفة المجنونة ريثما تمرّ، ليواصلوا السَّير من جديد في الاتّجاه السليم. إنّنا ضدّ الاستسلام للأمر الواقع المحكوم للظروف الموضوعية الطارئة، التي لا تملك القدرة على الثبات في عمق الحياة.. فلا بدّ لنا أن نعمل على تدميره وتغييره لمصلحة القضايا الإسلامية الكبرى، من الحرية والعزة والعدالة، ولمصلحة حكم الإسلام نفسه.. وذلك في تخطيط واقعيّ دقيق متحرّك، يضع في حساباته الهزائم المرحلية كما يضع في حساباته الانتصارات.. ويفكّر دائماً بالغيب الذي لا يمثّل القاعدة التي تحكم حركة الإنسان، ولكنّه قد يطلّ على الواقع المضغوط ليخفّف من حدّته، ويضعف من قوّته {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}[الحج : 40]. وحدة المصالح العامة للمسلمين من الضروري أن يلتفت العاملون، إلى الحقيقة الإسلامية الفكرية، التي تنظر إلى خصوصيّات المسلمين الإقليمية والقومية نظرةً واقعيّةً، فتجعل لها متنفّساً طبيعياً في المشاعر الذاتية للإنسان، فلا تمنعه من التعبير عن ذلك بالفعل أو بالقول، تلبيةً لحاجته الخاصة، ولا تعتبر ذلك شيئاً بعيداً عن مصداقيّته العميقة بين المسلمين، في علاقاتهم ومصالحهم وآلامهم وأمالهم ومواقفهم العملية، في الالتزام بالقضايا الإسلامية الكبيرة، والدفاع عنها، والتضحية في سبيلها، ولو كان ذلك على حساب التزاماتهم المحدودة في المصالح الضيّقة، ليكون الموقف الفكريّ والعمليّ، متمثّلاً في وحدة المصالح العامة للمسلمين في العالم، بعيداً عن كلّ الآفاق المحدودة المهيمنة على الواقع. الحفاظ على الأصالة لا بدّ للإسلاميّين، من التحرّك بالكثير من الوعي والمرونة والانفتاح، على كلّ السّاحة، لدراسة كلّ مواقع اللّقاء والخلاف، مقارنة بدراسة المفهوم الإسلامي للقضايا العامة، في داخل الساحة الإسلاميّة وخارجها، لأنّ الأفق الضيّق والعزلة عن الواقع، لا يستطيعان أن يحقّقا أيّ ربحٍ للحركة الإسلامية في أيّ مجال، بل يسهّلان للآخرين عزلها عن مواقع التأثير ومصادر القرار. وإذا كان البعض يرى بأنّ من الضروري المحافظة على نقاء الذهنيّة الفكرية للإنسان المسلم، حتّى لا تختلط عنده المفاهيم، لتدخل عليها مفاهيم الانحراف، فإنّنا نؤكّد ذلك، ولكنّنا نؤكّد إلى جانب ذلك، أنّ هناك أكثر من أسلوب للحفاظ على الأصالة، مع التحرّك في خطّ المرونة، بالواقعية الحركيّة للإسلام، وبالانفتاح على المواقع الأخرى غير الإسلاميّة، للحصول على كثير من إيجابيّاتها السياسية، لمصلحة الواقع الإسلامي، وللتحرّك نحو النفاذ إلى عمقها، الذي سوف يجد في الإسلام الكثير من الأمور، التي يعمل الأعداء على تشويه الصورة من خلالها، ممّا لا أساس له في حركة الواقع. الإسلام الشامل إنّ الدعوة إلى الإسلام، ليست حركة في الموقع الفكري للإنسان، بل هي حركة في الموقع العملي، الذي يتولّى التثقيف بالممارسة، كما يتولّى ذلك بتحريك الفكرة بالخطاب والتوجيه، وقد يكون من الضروري، أن تتحرّك مفردات العمل الإسلامي، الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، لتأخذ مضمونها الإسلامي، وصفتها الإسلامية، ليكون هناك نموّ متطوّر للشخصية الإسلامية، التي تفتح عقلَه وروحَه وحركتَه على الإسلام، كدينٍ يحتوي كلّ الحياة من حوله، وليحدث في ساحة الواقع اقتناع، بأنّ الإسلام يطرح فكره في كلّ قضية، وحلّه في كلّ مشكلة، وموقفه الحاسم في كلّ صراع، كأسلوب من أساليب تعبئة الجانب التصوّري للذهنيّة العامة بالإسلام، الفكر والحركة، والمنهج والحياة، بدلاً من الإسلام الطقوس والتقاليد، والأفكار الغيبيّة القائمة، والأخلاقيّات المثاليّة، الباحثة عن قاعدة في الواقع. الأكثريّة والأقليّة في القرآن ربّما يطرح بعض الناس، أنّ الإسلام يرفض رأي الأكثرية، ويرى أنّه يمثّل الباطل، ممّا يجعله بعيداً عن موضوع القيمة الإيجابيّة ليكون في موقع القيمة السلبيّة. ويعتمد هؤلاء على الآيات القرآنية، التي أكّدت على المعنى السلبيّ للواقع التاريخي، الذي تحرّكت فيه الأكثرية في مواجهة دعوات الأنبياء ورسالات الخير والصلاح.. بالمستوى الذي قد يؤدّي إلى تحقيق الانطباع، الذي قد يتحوّل فيه إلى النظرة، التي تجعل منه حالة إنسانيّة سلبيّة، بحيث أنّ الظاهرة الإنسانيّة الغالبة، هي الظاهرة المنحرفة لا المستقيمة، والشريرة لا الخيِّرة، لتكون القاعدة هي الانحراف، فتكون الاستقامة استنثاء. نلاحظ، أنّ القرآن يؤكّد على أنّ الأكثرية تتحرّك في دائرة الجهل، لا في دائرة العلم، وفي دائرة اللاّعقل، لا في أجواء العقل، وأنّها لا تملك السمع الواعي والإيمان العميق والعدالة الأخلاقيّة السلوكيّة، ولا تتعاطف إيجابياً مع الحقّ، بل وتتحرّك مع الباطل في عاطفتها، ولا تشكر المُنْعِم على نعمته، وتندفع في طريقة الضلال لتضلّ الناس بغير علم، ممّا قد يوحي إلينا بالتحفّظ من كلّ أكثرية في أيّ موقف من المواقف الفكريّة. رفض الاستسلام والنهوض من جديد إنّ ما نريد التأكيد عليه، هو الابتعاد عن الاستسلام لحالة الإحباط، التي يمكن أن تحلّ بالعاملين في الحركة الإسلامية من خلال تحوّلهم إلى أقلّية، وذلك بابتعاد الأكثرية عنهم، ليعيشوا في المجتمع فيما يشبه حالة العزلة السياسية والاجتماعية، ليشير إليهم البعض من الناس كما لو كانوا جماعة منبوذة في الحياة. أمّا الأساس فيما نريد التأكيد عليه، فهو أن يدرس هؤلاء طبيعة العوامل الواقعية للعزلة الشعبية التي حوّلتهم إلى أقلّية، ليَرَوْا- من خلال الدراسة المعمّقة- أنّ السبب لم يكن منطلقاً من ضعفٍ ذاتيّ في المضمون الفكريّ الذي يحملونه، وفي الخطّ الإسلامي الذي ينتمون إليه، ومن عدم قدرتهم على الانطلاق والامتداد، بل كان منطلقاً من بعض الظروف الخارجية، فيما تحمله الحياة من متغيّرات على موازين القوّة والضعف، التي لا تملك ثباتاً في أيّ موقع من المواقع، فقد يصير الضعيف قويّاً، وقد يتحوّل القويّ إلى ضعيف، على هدى السُّنة الإلهيّة. وعلى ضوء ذلك، فإنّهم يعتبرون المسألة أمراً طبيعياً في نطاق النظرة الواقعية، غير البعيدة عن النظرية الرساليّة، فلا تسقطهم الهزيمة، ولا تحبط عزائمهم الأوضاع القلقة، بل يبادرون إلى تنمية عوامل القوّة في كيانهم، واكتشاف عوامل الضعف في مواقع عدوّهم، ومتابعة المتغيّرات فيما تتغيّر فيه الرياح السياسية والاجتماعية، وفيما تتنوّع فيه الظروف الجديدة، ليتعاملوا معها بالطريقة الواقعية، التي ترصد ذلك كلّه لتوظّفه في إيجاد واقع جديد، يحوّل الأقلّية إلى أكثريّة، عندما يدخل الناس في دين الله أفواجاً، وقد نلمح هذه الإيحاءات الروحية التي تؤكّد على استيحاء القوّة دائماً أمام الأكثريّة الساحقة، التي قد لا تترك للمؤمنين في بادئ الأمر أيّة قدرة على الأخذ بالموقف المتوازن المتماسك، عند الاستغراق في النظرة المادية للأشياء، ليكون الانفتاح على الله في الشعور الواعي بالقوّة المطلقة، التي تتمثّل في الألوهية الشاملة، ليتحوّل الناس كلّهم في نظر المؤمن، إلى لونٍ من القوّة التي لا تملك الثبات أمام قوّة الله، الذي لا يحتاج المؤمن معه إلى الاستناد إلى أيّة قوة أخرى. المجتمع الصالح {وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}[العصر]. هذا هو الطريق، طريق المجتمع الصالح الذي يريد أن يؤكّد عبوديّته، ويريد أن يؤكّد حرّيته أمام كلّ قوّة غير الله. هذا هو المجتمع الصالح الذي يتحرّك من خلال نداء "حيّ على الفلاح" ليحصل على الفلاح من موقع إيمانه، ويحصل على الفلاح من موقع عمله الصالح، ويحصل على الفلاح من موقع هذا التواصي بالحقّ الذي يوصي فيه كلُّ فرد الآخرَ بأن يحافظ على الحقّ، أن يحرص على دعم الحقّ، وأن يتحرّك في سبيل الحقّ، الحقّ في العقيدة، بأن يُوصِيَ بعضنا الآخر، بأن تكون عقيدتنا عقيدة الإسلام، لا نتبنّى غيرها، الحق في خطّ السير بأن يكون خطّنا خطّ الإسلام! خطّ الأنبياء، خطّ الله، فلا نسير في خطٍّ غيره، الحقّ في السياسة فلا تتحرّك في أيِّ اتّجاه إلاّ إذا عرفنا أنّه الاتّجاه الذي يتناسب مع مبادئنا ويتناسب مع إيماننا، ويتناسب مع معنى عبوديّتنا لله، ومع معنى حرّيتنا أمام غير الله، هذا التواصي بالحقّ الذي يقوّي كلّ إنسان فيه الآخر، والذي يشعر فيه كلّ إنسان أنّه مسؤول عن الإنسان الآخر. عظمة الصبر التواصي بالصبر عندما يدفعك الحقّ، وموقفك مع الحقّ، إلى أن تدفع الضريبة من دمك، وأن تدفع الضريبة من راحتك، ومن مالك، ومن حياتك، بعض الناس يضعفون أمام دفع ضريبة المسؤولية، فيتساقطون، قد يبيعون مواقفهم، وقد يسقطون أمام المواقف الصعبة، وقد يضعفون أمام الكلمات الحقّة، وهنا دور المؤمنين تُجاه بعضهم، لا أن يُجَبِّن أحدُنا الآخر، ولكن أن يقوّيَ بعضنا بعضاً، وعندما تكون المأساة ويُسقِط الناسُ المأساة، لا بدّ لنا أن نتعامل مع المأساة تعامل الباكين الواعين عليها، وتعامل الناس الذين يعملون على أن يكتشفوا الذين صنعوا المأساة فيواجهونهم، هناك بكاء يريد الإنسان من خلاله أن ينعزل عن الساحة وهناك بكاء يريد الإنسان من خلاله أن يثير الساحة، إنّنا نبكي على الحسين (ع) لا لنضعف وإنّما نبكي لتتجسّم المأساة في نفوسنا، لنمنع في كلّ عصر أيَّ يزيدٍ من أن يكرّر مأساة الحسين (ع) نبكي لا لنضعف، بل لنقوى، نبكي كي لا ننسى الماساة، لأنّ الإنسان إذا نسيَ المأساة، فإنّه سوف يصافح الذين يصنعون المأساة. نستعيد مآسينا لا لنبكيَ، بل لكي لا ننسى المجرمين الذين صنعوا كلّ هذه المآسي، وكي لا يتحوّل المجرمون عندنا إلى محرِّرين وإلى مصلِحين. في مواجهة الظلم والانحراف لقد أصبح العمل الإسلامي الهادف يكلّف صاحبه كثيراً ويحمّله مشقّةً وتعباً، ويقوده إلى التضحية لكي يقف أمامها وجهاً لوجه.. ولهذا، فإنّ على العامل أن يشعر أنّ العمل في سبيل الله ليس نزهةً يتنزّه فيها، فليس العمل في سبيل الله مسجداً تجلس فيه وتصلّي وتنطلق بعيداًعن ساحات الحياة، وليس عبادةً ساذجةً، يتعبّد فيها إلى الله فتحشره في زاوية من زوايا الحياة الضيّقة.. بل هو، في مفهومه الأصيل، أن تقف في ساحة الحياة لتنظر كلّ انحرافاتها لتقف ضدّها وقفة صدقٍ وتعمل على إزالتها... ثم لتواجه كلّ أنواع الظلم ونماذجه وأساليبه فتشعر أنّ عليك أن تقف ضدّه في كلّ أشكاله وألوانه من غير فرق بين الظلم الصغير والظلم الكبير، فيما يتمثّل في النشاط الفرديّ في علاقات الأفراد ببعضهم البعض على الصعيد الفردي وفيما يتمثّل في علاقات الجماعات مع بعضها على الصعيد الاجتماعي، وفيما يتمثّل في أوضاع الحكم والحاكمين في علاقة الحكم بالشعب، وعلاقة الحاكمين ببعضهم، وعلاقة الدول ببعضها.. لأنّ الظلم خطيئة ومعصية وانحراف عن خطّ الله في الزوايا الضيّقة، وفي السّاحات المفتوحة في الحياة.. فإنّ الله لا يحبّ الظالمين. إنّ العمل في سبيل الله يعني أن تقف ضدّ التيار أن يتحمّل كلّ اندفاعات التيار، في كلّ ما يمثّله التيار من قوّة. على الإنسان الذي يعمل في سبيل الله، أن لا يتألّم كثيراً لأيّة ضربة تُوجّه إليه ولأيّة مشكلة تعيش في حياته، ولأيِّ وضع ضاغطٍ عليه، فإنّ عليه أن يتحمّل كلّ الضغوط بصلابة ولا ينحني أمامها بضعفٍ واهتزاز.. ولا بدّ أن يواجه كلّ العقبات التي تنتصب أمامه في الطريق... فيحاول أن يقتحمها بقوّة وعزم وصبر وتصميم.. الإنسان الرسالي إنّ الذي يريد أن يدعو إلى الله ويعمل في سبيله لا بدّ له من الوقوف مع الإنسان المستضَعف والأمّة المستضعَفة... فيتحسّس آلام الناس المستضعفين، ويعيش قضاياهم، ولا يحاول أن يركب الموجة من خلالهم ليصل إلى مطمع أو مطمح ذاتيّ بل يعمل على أن يخدمهم بكلّ صمت، ويعيش معهم بكلّ إخلاص من موقع المسؤولية الإسلامية الإنسانية، لا من موقع الإحسان الفوقي الذي يتطلّع فيه الإنسان إلى الآخرين من فوق... فإنّ الله أراد للمؤمنين الدعاة، من خلال النبي(ص)، أن يعيشوا مع البسطاء الذين يعبدون الله بوعيٍ وبساطة، ويعيشون حالة الاستضعاف في الحياة. مع الناس الذين يعيشون في الحياة من أجل أن يحصلوا على كرامة الحياة... الذين يجاهدون من أجل أن يحقّقوا لأنفسهم العزّة والاحترام في العالم الذي يسيطر عليه المستكبرون.. مع هؤلاء يريد الله للإنسان المؤمن الداعية أن يعيش ويتحرّك ويندمج في حركة العمل الهادف، لأنّ هؤلاء هم جنود الرسالة. جنود الله الذين يشعرون أنّهم لا يفقدون شيئاً فيما يجاهدون وفيما يواجهون من تحدّيات لأنّهم لا يملكون شيئاً، فهم يعيشون الاستكبار، في نقطة الصفر في جميع الحياة، بل يشعرون أنّهم مع الرسالة يحصلون على كلّ شيء، ومع كلّ نصر وعزّة. العبادة في العمل علينا أن نرفض كلّ ألوان الظلم والاضطهاد، الرفض الذي ينطلق كلّ يوم خطوة ويربح جولةً على اسم الله، وفي رحابه فيشعر أنّه يقاتل كما يصلّي وأنّه كما أنّه يمارس عبادةً وأنّه يتحرّك كما لو أنّه يحجّ.. فتكون كلّ علاقات سياستنا وكلّ تحرّكاتها، من خلال اعتبار الحياة مسجداً، نعيش فيه السياسة كما الصلاة في المسجد، تتحوّل السياسة إلى صلاة نتقرّب فيها إلى الله، كما هي الصلاة، تكبّر فيها لله وحدَه، ترفض الطغاة والظالمين، وترفض كلّ العلاقات التي تحاول أن تجمّد حركات الشعوب وانطلاقتهم. القاعدة الصلبة أيّها الأحبّة، إذا كان لكم شغلٌ في مستقبلكم فَقِفوا على أرض مشتركة من أجل حماية المستقبل، وإذا كان لكم شغلٌ في دينكم، فَقِفوا على مبادىء مشتركة من هذا الدين، من أجل حماية هذا الدين، وإذا كان لكم شغل في أولادكم، عيشوا أحلام أولادكم المستقبلية لتحفظوا مستقبلهم من خلال حفظ الحاضر لنقف على المبادئ المشتركة ونفتح قلوبنا على الله ولنترك مِن حولنا كلّ مَن لا يؤمن بالله ولا الإخلاص له، لنكشف المنافقين والكاذبين، نكشف نفاقهم وكذبهم، حتّى إذا جاءني الكاذب والمنافق بإشاعة تثير الفتنة مع أخي أو ابن ديني قلت له: أخذت العلم بما قلتَ وسأفتّش عمّا قلتَ، عند ذلك لن يستطيع الكذب عليك مرّة أخرى لأنّه يعرف أنّ لديك قاعدة تنطلق منها لكشف الزيف. المؤمن الواعي يريد الله أن يفتح عيون المؤمنين على الواقع الذي يعيشون فيه سواء الذين يتعاملون معه اجتماعياً وسياسياً واقتصادياً من أجل أن يعلّمنا أنّ الظواهر لا تكفي للحكم على الأشخاص بل أن ننظر إلى العمق، أن لا نأخذ الواقع ببساطة بل هنالك الكثير من المزيّفين الذي يدخلون على خطّ الرسالات ليستفيدوا من الجوّ الذي تعطيه، والثقة التي حملها صاحبها لدى الناس. لهذا أيّها الأحبّة، علينا أن لا نعطيَ ثقتنا لأحدٍ إلا بعد أن ندرسه جيّداً، ندرس فكره، ماضيه وحاضره، ومن يصادق، ومقدار صدقه مع الشعارات التي يطرحها، وهل يتحمّل مسؤولية الناس من حوله في حياتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، حتّى لا نُخدع في قضايانا لا سيّما تلك التي تهمّ المصير. إنّ الله يريد أن يقول للمؤمنين: ليس معنى أن تكون مؤمناً أن تكون ساذجاً، تخدع بالكلمات التي يريد الآخرون فيها اللعب على عاطفة الإيمان لديك، وعلى المشاعر التي تحملها، ولكن معنى الإيمان أن تشعر بمسؤوليتك فيمن تحبّ وفيمن تكره، وفيمن تؤيّد. من خلال صوت الله ينبغي أن نتحرّك بعينَين مفتوحتَين، وبعقلٍ مفتوح لأنّ الكثيرين منّا لا يستعملون عيونهم وإنّما يحكمون من خلال آذانهم، وهم يغمضون أعينهم عن مشاهدة الحقيقة. وآخرون ينظرون بعين واحدة، ليعطوا من يرضون عنه كلّ شيء، ولا ينظرون إلى الجانب الأسود من حياته، أو ينظرون بعين واحدة إلى مَن يعاديه ليتركوا العين الأخرى مغمضة لا ترى إيجابيات هذا الإنسان. فالله خلق لك عينين من أجل أن تنظر بهما إلى الصورة كاملة، لا أن تنظر جانباً منها مُغفلِاً الجانب الآخر، فللأشياء جانبان خير وشرّ، وللناس حسنات وسيّئات فلا تغمض عينك لترى الجانب الحسن لمن تحبّه، وترى الجانب السيّىء لمن تبغضه، بل اعمل على أن تكون عادلاً في الحياة، فلا تجعل البغض والحبّ يعميانك عن الإخلاص للعدالة التي هي هدف كلّ الرسالات، ولأجلها جاءت. توحّدوا ولا تفرّقوا أيّها الأحبّة، لعلّ كلّ واحد منكم يتحرّك مع شخص، ونحن لا نزال عُبّاد الأشخاص ولعلّ كلّ واحد منكم يتحرّك مع إطار، ولكن فكّروا، مصلحتكم واحدة وانتصاركم واحد، إذا انتصر فريق منكم فإنّ الجميع منتصرون، وإذا انكسر فريق منكم عن الحقّ فإنّ الجميع منكسرون، لا تنشغلوا بأن تكسروا بعضكم البعض، لا تنشغلوا في أن تحاربوا بعضكم البعض، لا تنشغلوا في أن تهزموا بعضكم البعض، فكّروا أن تهزموا الاستعمار، وأن تهزموا الهيمنة، ثم بعد ذلك فكّروا في نصرة بعضكم البعض، حرام عليكم أن تثيروا الحساسيّات الضيّقة. إنّهم يراهنون على أن يَرجُم بعضُنا البعض الآخر، وعلى أن يهدم بعضنا البعض الآخر، كلُّ مسؤول صغير أو كبير يقول لكم قاتلوا إخوانكم وسبّوا إخوانكم، وأثيروا إخوانكم، اعصوه أو أبعِدوه عن السّاحة، لأنّه يقول قولاً، ويقول الله غيره، إنّه يقول لكم: قاتلوا إخوانكم، والله يقول لكم: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}[الحجرات: 10]، إنّه يقول لكم تفرّقوا عن بعضكم البعض، والله يقول: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ}[آل عمران: 103]، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كلّ مسؤول كبيراً كان أم صغيراً يريد أن يجعلكم كتفاً لطموحاته وأطماعه، أبعدوه عن أكتافكم، وأبعدوه عن حياتكم، طاعة الله فوق كلّ طاعة، القرآن أمامنا، رسول الله(ص) أمامنا، عليّ(ع) أمامنا، الأئمّة أئمّتنا، وكلّهم يقولون لنا تحابّوا في الله، وتباغضوا في الله، إذا أردت أن تعرف نفسك فانظر إلى قلبك، فإن كان قلبك يحبّ أولياء الله، ويعادي أعداء الله، ففيك خير، والله يحبّك، وإذا كان قلبك يعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله فليس فيك خير. المسلم حقّاً علينا أن نعيش التحسّس بمسؤوليتنا في كلّ حياتنا العملية، فننطلق من خلال روحية الإسلام وأخلاقه، لنعيش روحيّته وأخلاقه. لأنّ الإسلام في نفس كلّ واحد منّا ليس مجرّد ركعات نؤدّيها، أو صوم نقوم به، ولكنّه يمثّل الروحية التي تجعل الإنسان يلتقي بالله في كلّ غاياته وأعماله، وينفتح بقلبه على كلّ عباد الله في كلّ مواقفه وممارساته، وذلك من موقع الرحمة والمحبّة، لأنّ الله سبحانه هو الرحيم ويحبّ القلب الرحيم والإنسان الرحيم، ويريد للإنسان أن يعيش مع أخيه الإنسان من موقع المحبّ، سواء أكان كافراً أم مسلماً... فمحبّتك للإنسان الكافر، هي أن تتمنّى له الهداية والسير في الطريق المستقيم تماماً كما كان رسول الله (ص) ينفتح على الكفار من قومه، لا ينفتح على كفرهم ليبرّره، ولكنه ينفتح على روحيّتهم ليدعوَ الله تعالى أن يهديَهم سواء السبيل. علينا أيضاً أن ننفتح على إخواننا المسلمين، كلّ المسلمين، فلا نحمل في قلوبنا غشّاً وحقداً أو عداوة لهم. إذا همَمْتَ بأمرٍ فتدبّر عاقبته إنّ على الإنسان المسلم أن يعيش انفتاح الحياة، لا يغلق قلبه على أحد، يفتح قلبه لكلّ خير ووحدة ولقاء بين المسلمين... فالخلاف والنزاع والشِّقاق لا يمكن أن يؤدّيَ إلى نتيجة، إنّه يأكل من ديننا وحياتنا ومواقفنا ومستقبلنا... قد تشعر أنّك تنفّس عن عقدة عندما تتّبع الأساليب السلبيّة من الشتم والاتّهام بلا معنى لأخيك المؤمن أو المسلم ولكن فكّر بالنتائج.. إنّ النتائج لن تكون خيراً، فالشرّ لا يُنتج إلاّ الشرّ، والعنف لا يُنتج إلا العنف. إنّ شخصية الإنسان المسلم ينبغي أن تكون شخصية الإنسان المفكّر، المتأمِّل، الواعي، شخصية الإنسان الذي يحاول فهم الأمور من خلال بواطنها، لا من خلال ظواهرها. أن نكون الواعين في موقع المسؤولية إنّ التقوى هي مراقبة الله في كلّ شيء، وليس مراقبة الله فقط في خمرٍ لا تشربه، أو طعامٍ محرّم لا تأكله، أو شهوةٍ حسّية محرّمة لا تقوم بها، إنّما تقوى الله في كلّ شيء، لا سيّما في القضايا المصيرية التي يمكن لها أن تُحرِق الناس، أو تُطفئ النار في الناس. ... وعلينا، مسؤولين وغير مسؤولين، أن نراقب الله في كلماتنا... فكلّنا يعيش انفعالات ويحمل آلاماً، مَن منّا لا يحمل ألماً تُجاه أيّ عمل سلبيّ من أخيه.. مَن منّا لا يحمل في نفسه انفعالاً تُجاه وضع سيّىء يصدر عن أخيه، سواء كان فرداً أو مجتمعاً.. ولكن علينا أن لا نجعل حياتنا مجرّد مظهر لشفاء غيظ أو بلوغ لذّة. حتّى الكلمات التي تريد أن تقولها فيما إذا كنت في مقام إحقاق الحقّ أو في مقام إزهاق الباطل. عليك أن تختارها وتنقّيها انتقاءً، لأنّ الكلمات، هي تماماً مثل عود الكبريت إذا كان يحمل في داخله أساساً للاحتراق، فإنّه سيحرق الحياة في كلّ ما حوله. إنّ مسؤوليتنا أمام الجماهير، أن نعطيَها الحقّ دون أن نحرّك فيها عامل الإثارة، وأن ننكر الباطل، كلّ الباطل دون أن نخلق من خلال ذلك مشكلة، لا سيّما إذا كانت الجماهير تعيش الانفعال الغرائزي، أو تحاول أن تنفّس عن غيظها بكلّ أسلوب. تعلّموا كيف تتكلّمون، وكيف تتناقشون.. فالسّاحة مملوءة بكلّ ما يُشعل.. وبكلّ ما يهدم، وبكلّ ما يثير ونحن في غنًى عن كلّ ما يُشعل ويهدم ويثير... علينا أن نواجه المسؤولية في حياتنا على أساس ما يريدنا الله أن نواجهه وننطلق به. التنبّه للقضايا الكبرى عندما نختلف في قضايا كثيرة، وتزدحم علينا المشاكل من جهات متعدّدة، علينا أن لا نندفع إلى المشاكل دفعةً واحدة، إذ ليس بالمستطاع حلّها جميعاً في آن واحد، ولكن علينا أن نختار المشكلة الكبرى لنقف أمامها ونحلّها، لنعود بعدها إلى المشاكل الصغيرة عندما يكون هناك عدوّ يريد أن يقضيَ على حياتك، ويكون هناك إنسان آخر يريد أن يزعج حياتك، فإنّ عليك أن تصفّيَ حسابك أوّلاً مع العدو الذي يريد أن يُنهيَ حياتك قبل أن تتحرّك مع العدوّ الذي يزعج حياتك. علينا أن نهتمّ بكبار الأمور لا بصغارها، وهذا ما يجعلنا دائماً نركّز على القول: بأنّ الحروب الداخلية لا تستطيع أن تحلّ مشكلة، والمشكلة الرئيسية التي يمكن أن نواجهها بحلّ، هي الحروب التي تواجه الذين يريدون أن يصادروا حرّيتنا ومصيرنا ومستقبلنا. نحن نعرف أنّ هناك كثيراً من القضايا التي تغريك بهذه الحرب أو تلك، ولكن إذا كنت تواجه قضية تحاول أن تقتلع وجودك من جذوره، جمّد تلك الحروب لتنطلق إلى الحروب الكبيرة. شجاعة الموقف أيّها الإنسان.. عندما تكون مسؤولاً وتشعر بعمق مسؤوليتك، فعليك أن تحمل همّ هذه المسؤولية بكلّ تفاصيل حياتك، لا أن تقوم بدروك المحدود ثم تمضي لتقول: ما همّني رضيَ الناس أم لم يرضوا عنّي.. ما همّني إذا أخطأت أو أصبت.. لا تكن من الناس الذين يحاولون الدفاع عن أخطائهم، لتكن عندنا شجاعة الاعتراف بالخطأ عندما نُخطىء، وشجاعة التواضع أمام الصواب عندما نصيب. لأنّ الأمّة التي تحاول تقديس أخطائها ستظلّ تعيش الأخطاء التي ستتراكم في رؤوس قياداتها وفي ساحات حربها وسلمها، وعندها ستقضي عليه هذه الأخطاء، ستُدمّر كلّ طموحاتها وخططها. علينا أن لا نشعر أبداً بأنّ الاعتراف بالخطأ يمكن أن يؤدّيَ إلى الانتقاص من ذواتنا، بل على العكس، الاعتراف بالخطأ هو السبيل إلى تلافيه وتجاوزه إلى الصواب. إنّ علينا أن نواجه أخطاءنا بمسؤولية، فنصحّح الأخطاء من خلال هذه المسؤولية. تواضع الحقيقة في الحوار مع الآخرين عندما نلتقي بالآخرين الذين لا ينتمون إلى ما ننتمي إليه، إنّ القرآن الكريم في الوقت الذي يقف ليناقش فكرهم وليناقش بعض ما يعتبره انحرافاً عن الخطّ مع ذلك لا يريد القرآن أن يعقّدها وأن يجعل الخلاف عقدةً تُثير فينا المعاني الحاقدة والمعاني التي تثير العداوة بل أرادنا القرآن أن نأخذ الأجواء الروحية والإيجابيات لنستطيع أن نقترب حتّى يدفعنا القرب لأن نتجاور، أن نتواضع للناس ونتواضع للحقيقة، وإذا عاش الإنسان التواضع للناس احترم الناس الذين يتّفقون معه والذين يختلفون معه وإذا عاش التواضع للحقيقة لن يتعصّب لفكر قد يثبت أنّه ليس الحقيقة وإنّما يلاحق الحقيقة كيف تتحرّك وكيف تكون وهذا ما كنّا نقوله دائماً من موقع القرآن الذي يعلّمنا كيف يكون التعايش. * بحار الأنوار: ج: 97، ص:207، رواية: 5، باب: 1. * شرح نهج البلاغة: ج:20، باب: 412، ص:10. * الكافي: ج2، ص:435، رواية: 9. * بحار الأنوار ج78 ص 75 رواية 45 باب: 16. شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط