أهل البيت عليهم السلام الأئمّة عليهم السلام ينفون علم الغيب عن أنفسهم ۱۲ سبتمبر ۲۰۱٥ ۷۲۱٥ مشاهدة وتحت هذا العنوان يكمل الدّكتور السّيد علاء الدين السّيد أمير محمّد القزويني بحثه حول موضوع علم الغيب, ويتوقّف هنا عند النّصوص الّتي رُوِيت عن أئمّة أهل البيت (ع) والّتي تنفي علمهم بالغيب فيقول: إضافةً إلى ما تقدّم من الآيات القرآنيّة والرّوايات النّاصّة على اختصاص علم الغيب بالله سبحانه, واستكمالاً لهذا المطلب نستعرض عدداً من الروايات المؤيّدة للآيات القرآنية وحكومة العقل الدّالّة على عدم علم الأئمّة بالغيب. هذه الرّوايات الواردة عن الأئمّة عليهم السلام تؤكّد نفيهم عن أنفسهم العلم بالغيب. في روايةٍ للشّيخ الكليني, عن سدير الصّيرفي أنّه قال: "كنت أنا وأبو بصير ويحيى البزاز وداود بن كثير في مجلس أبي عبد الله (ع), إذ خرج إلينا وهو مغضب, فلمّا أخذ مجلسه, قال: يا عجباً لأقوام يزعمون أنّا نعلم الغيب, ما يعلم الغيب إلا الله عزّ وجلّ". وقد جاء في تلك الرواية أنّ جارية أبي عبد الله(ع) قد اختفت عن ناظره وما استطاع أن يعلم أين مكانها. وقال سدير:"فلمّا أن قام من مجلسه, وصار في منزله, دخلتُ أنا, وأبو بصير, وميسر, وقلنا له: جُعِلنا فداك, سمعناك وأنت تقول كذا وكذا, ولا ننسبك إلى علم الغيب؟ إلى قوله: قال: أي الإمام: أفَمَنْ عِنده علم الكتاب كلّه, أَفْهَمُ, أم مَنْ عنده علم الكتاب بعضه؟ قلت: لا, مَن عِنده علم الكتاب كلّه, قال: فَأومَأ بيده إلى صدره, وقال: علم الكتاب والله كلّه عندنا, علم الكتاب والله كلّه عندنا". (الكليني: الكافي, ج1, ص257). ويمكننا أن نتحصّل من هذه الرّواية على أمورٍ مهمّة منها: نَفي الإمام(ع) عن نفسه علم الغيب, و تعجّبه ممّن يزعم أنّهم-الأئمّة- (عليهم السلام) يعلمون الغيب, وإثبات الغيب لله سبحانه وَحْدَهُ. إنّ أصحاب الإمام(ع) كانوا على يقين من أنّ علم الغيب ممّا استأثر به الله سبحانه لنفسه, وأمّا الأئمّة (عليهم السلام) فهم يعلمون بتعليم من الله, وذلك في قولهم: "نحن نعلم أنّك تعلم عِلماً كثيراً ولا ننسبك إلى علم الغيب", فَعِلمهم (عليهم السلام) كان محدوداً وإن كان كثيراً, وهذا ما يُوافق النّصوص القرآنيّة والرّوايات الكثيرة الّتي مرّ ذكرها, الدّالّة على ذلك. والدليل على ذلك ما رُوِيَ عن النّبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قوله: "إذا أتى علَيَّ يومٌ لا أزداد فيه علماً يُقرِّبني إلى الله فلا بارك الله لي في طلوع شمسه". (محمد جواد مغنية: التفسير المبين, ص417). كما أنّ المراد من قولهم (عليهم السلام): "عِلم الكتاب والله كلُّه عندنا", هو كلّ ما يتعلَق بأمور الدّين من الأحكام الشرعيّة, وبعبارة أخرى, يجب على الإمام أن يعلم علوم الدّين والشّريعة. يقول الشّيخ ناصر مكارم الشيرازي: "الإمام أعلم النّاس بالدّين, ونعتقد أيضاً أنّ الإمام يجب أن يحصل على علم ووعي كاملين بجميع أصول الإسلام وفروعه وأحكامه وقوانينه وتفسير القرآن المجيد, وهذا العلم ربّاني مأخوذ عن النّبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليستطيع أن يُصبح موضع ثقة تامّة من قِبَل الأمّة, ولِيمكن الاعتماد عليه في فهم حقائق الإسلام". ( ناصر مكارم الشيرازي: عقائدنا,ص82). ولهذا, "ترى الأئمّة (عليهم السلام) يُرجِعون ما يصدر عنهم من الأقوال إلى ما أخذوه عن آبائهم (عليهم السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم), عن الله تبارك وتعالى". (أبو القاسم الدّيباجي: الإمامة دراسة معاصرة, ص49). وأمّا ما يتعلّق بالأمور العامّة, مثل: علم الفيزياء والكيمياء, وعلم النّجوم والرياضيّات, وعلم الساعة وما تحمل الأرحام, وعلوم الصّنائع الحديثة, وعلم الذّرّة والاختراعات, ومعرفة الطّرق, وبحور الشِّعر, وقوانين النّحو واللغة والمنطق, وغير ذلك من العلوم الّتي لا توجد في كتاب الله سبحانه, فلا يشملها قوله (ع) "عِلْمُ الكتاب والله كلُّه عندنا", نعم, الثّابت من أنّ المراد من علم الكتاب, كلّ ما يتعلّق بالتّشريع, فعلمه عندهم, وأمّا ما يتعلّق بغير ذلك, فالكتاب الكريم لم يتعرّض إليه, كما لم يتعرّض لكثير من قصص الماضين بِنَصّ القرآن, فالاستدلال بعجز الرّواية استدلال باطل. نقل الكشّي عن حمدوية قال: حدَّثنا يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن ابن المغيرة قال: "كنت عند أبي الحسن (ع) أنا ويحيى بن عبد الله بن الحسن (ع) فقال يحيى: جُعِلتُ فداك إنّهم يزعمون أنّك تعلم الغيب؟ فقال: سبحان الله, ضع يدك على رأسي, فوالله ما بقيت في جسدي شعرة ولا في رأسي إلا قامت. قال: ثمّ قال: لا والله ما هي إلا رواية عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم). (أبو القاسم الخوئي: معجم رجال الحديث, بيروت, دار الزّهراء, 1983م, ج14,ص253). وممّا يؤكّد ذلك, الخبر المروي عن أبي عمرو عن حمدويّة قال: "حدّثنا يعقوب عن ابن أبي عمير عن شعيب عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله (ع) إنّهم يقولون, قال: وما يقولون؟ قلت: يقولون: تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشّجر ووزن ما في البحر وعدد التّراب, فرفع يده إلى السّماء وقال: سبحان الله سبحان الله لا والله ما يعلم هذا إلا الله". (أبو القاسم الخوئي: معجم رجال الحديث, بيروت, دار الزّهراء, 1983م, ج14, ص246,245). فقوله (ع), وما يقولون؟ يدلّ على عدم علمه (ع) بالغيب, بالإضافة إلى مضمون الرواية, وإلا لما صحّ منه الاستفهام. وروى الشّيخ الصفار, عن ضريس قال: "كنت مع أبي بصير عند أبي جعغر (ع) فقال له أبو بصير: بما يعلم عالمكم جُعِلت فداك؟ قال: يا أبا محمّد إنّ عالمنا لا يعلم الغيب, ولو وكَّل الله عالمنا إلى نفسه كان كبعضكم, ولكن يحدث إليه ساعة بعد ساعة". (محمد بن الحسن الصفار: بصائر الدرجات, ص306). وفي نهج البلاغة, أنّ امير المؤمنين (ع) كان يخبر عن ملاحم تحدث بالبصرة: "فقال له بعض أصحابه: لقد أُعطيتَ يا أمير المؤمنين علم الغيب_إلى قوله_ : "ليس هو بعلم غيب, وإنّما هو تعلّم من ذي علم, وإنّما علم الغيب علم السّاعة وما عدّده الله سبحانه.. فيعلم الله سبحانه ما في الأرحام.. ومن يكون في النّار حطباً أو في الجنان للنبيّين مرافقاً, فهذا علم الغيب الّذي لا يعلمه إلا الله.." (البحراني: شرح نهج البلاغة, ج1, ص83). كما وقد أورد الشّيخ جعفر السّبحاني: "فإنّ العلم بالغيب في الكتاب العزيز هو العلم النّابع من الذّات _أي من ذات العالم_ غير المُكتسَب من آخر, وهذا يختصّ بالله الواحد الأحد, وإليه يشير قوله سبحانه: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}. (جعفر السبحاني: الإيمان والكفر في الكتاب والسّنّة, قم, مؤسّسة الإمام الصّادق, 1416ه, ص114). إنّ ما قدّمه علماء الشّيعة في هذا الطّرح من روايات وأحاديث وآيات, هو موجز عن ما يتعلّق بعلم الأئمّة (عليهم السلام), وإنّهم يعلمون بتعليم من الله سبحانه, ولا يشاركونه بعلم الغيب الّذي استأثره لنفسه, وإنّ كلّ ما يخالف ذلك فهو ليس من عقيدة الشيعة, كما تقدّم تفصيلاً. شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط