أهل البيت عليهم السلام ولادة المهدي (عج) حقيقة واقعية ۰٥ أغسطس ۲۰۱٦ ۳٦٥٦ مشاهدة الشيخ حسين الراضي بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ الصف/8. يحاول البعض أن يطمس كثيراً من الحقائق ويشوهها بل يحاول أن يطفئ نور الله الذي تنورت السماوات والأرض بنوره بل كل شيء في الوجود قائم به ومستضيء بنوره قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ...﴾ النــور/35. إن ولادة الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن العسكري بن الإمام علي الهادي عليهم السلام من الحقائق الثابتة التي لا يمكن للمنصف المحقق أن ينكرها، ولا يمكن أن ينكر ولادته إلا من كان على قلبه غشاوة. أما ولادته (عج) فبالرغم من الملابسات الأمنية والسياسية التي كانت تحيط بولادته من قبل السلطة آن ذاك فلم يكن غيره من مشاهير الأمة أكثر وضوحاً ولا أقوى أدلة على ولادتهم منه فقد اعتادت الأمة على سلوك منهجية معينة في إثبات تلك الشخصيات وهي منهجية عرفية اتفق عليها العقلاء وذلك: 1- اعتراف الأبوين بمولودهما. 2- اعتراف علماء النسب في مشجراتهم وكتبهم المعدة لذلك. 3- اعتراف علماء الرجال والتراجم بتلك الشخصية سواء كان في ترجمة مستقلة أو ضمن ترجمت أخرى. 4- اعتراف شخصيات موثقة بولادته. 5- اعتراف شخصيات موثقة معاصرة له برؤيته ومشاهدته. 6- اعتراف أطراف أخرى مناوئة له في الفكر والعقيدة بوجوده وولادته. 7- آثاره الدالة عليه من مؤلفات أو خطب وأجوبة ثبتت لديه من طريق صحيح. هذه الأمور كلها حصلت للإمام المهدي (عج) وزيادة وذلك: 1- فقد اعترف الإمام العسكري (ع) بهذا المولود في أكثر من رواية بلغت 21 رواية منها ما عن الشيخ الصدوق قال - حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور رضي الله عنه قال: حدثنا الحسين بن محمد ابن عامر، عن معلى بن محمد البصري [1] قال: خرج عن أبي محمد (ع) حين قتل الزبيري: "هذا جزاء من افترى على الله تبارك وتعالى في أوليائه، زعم أنه يقتلني وليس لي عقب، فكيف رأى قدرة الله عز وجل "وولد له ولد وسماه "محمد" سنة ست وخمسين ومائتين. [2] 2- واعترف علماء النسب بولادته وأنه الخلف لأبيه منهم ابن عنبة المتوفى 828 هـ في كتابه عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 348 تحقيق اللواء جمل الليل. قال في نسب الإمام العسكري (ع) (الإمام أبو محمد [الحسن] العسكري كان من الزهد والعلم على أمر عظيم وهو والد الإمام صلوات الله عليه ثاني عشر الأئمة عند الإمامية وهو القائم المنتظر عندهم من أم ولد اسمها نرجس). 3- وأما علماء السير والتراجم من الشيعة فكل من ترجم وتحدث عن الإمام العسكري (ع) تحدث أن ولده الوحيد الذي خلفه هو الإمام المنتظر (عج). 4- نقل الفضل بن شاذان في كتاب (الغيبة) عن محمد بن علي بن حمزة بن الحسين بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه قال سمعت أبا محمد (ع) يقول: (قد ولد ولي الله، وحجته على عباده، وخليفتي من بعدي مختوناً ليلة النصف من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين عند طلوع الفجر...). وهذه الرواية صحيحة السند بعد إثبات نسبة الكتاب فإن الفضل وثقه النجاشي وغيره وهو من المعاصرين للإمام الهادي والعسكري وتوفي بعد ولادة المهدي وقبل وفاة العسكري. ومحمد بن علي بن حمزة وثقه النجاشي، وكانت أم الإمام المهدي (عج) في داره بعد وفاة الإمام العسكري (ع). السفراء الأربعة (260- 329هـ) لا شك أن السفراء الأربعة للإمام المهدي (عج) كانوا على اتصال وثيق به ويشاهدونه ويجتمعون معه وهم موضع ثقته ومكان سره ومستودع أسراره فيما يرجع للأمة وهم: السفير الأول: أبو عمرو عثمان بن سعيد العَمْري السمان يتخفى في اتصاله بالشيعة والإمام المهدي ببيعه للسمن، من وكلاء الأئمة الهادي والعسكري والحجة عليهم السلام وثقتهم المعتمد خدم الإمام الهادي (ع) وله من العمر 11 سنة. وخدم الإمام العسكري طيلة إمامته. وقد وثقه الإمام الهادي والإمام العسكري عليهما السلام. توفي بعد وفاة الإمام العسكري بسنوات قليلة لعلها سنة 264 أو 265 هـ وهو مدفون في بغداد بجانب الرصافة قرب نهر دجلة بالجانب الغربي في سوق الميدان قبلة المسجد المعروف قديما (مسجد الدرب). خدم الإمام الحجة قرابة 5 سنين. مشاهدة العمري للحجة (عج) نقل مشاهدته للإمام الحجة (عج) الشيخ الكليني في كتابه الكافي في بَابٌ فِي تَسْمِيَةِ مَنْ رَآهُ (عج). بسند صحيح قال: مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ اجْتَمَعْتُ أَنَا وَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو رَحِمَهُ اللَّهُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ فَغَمَزَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ أَنْ أَسْأَلَهُ عَنِ الْخَلَفِ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَمْرٍو إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ شَيْءٍ وَ مَا أَنَا بِشَاكٍّ فِيمَا أُرِيدُ أَن أَسْأَلَكَ عَنْهُ، فَإِنَّ اعْتِقَادِي وَدِينِي أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ إِلَّا إِذَا كَانَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِأَرْبَعِينَ يَوْماً فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ رُفِعَتِ الْحُجَّةُ وَأُغْلِقَ بَابُ التَّوْبَةِ فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً فَأُولَئِكَ أَشْرَارٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَهُمُ الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ الْقِيَامَةُ وَلَكِنِّي أَحْبَبْتُ أَنْ أَزْدَادَ يَقِيناً وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ (ع) سَأَلَ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُرِيَهُ ﴿كَيْفَ يُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. وَقَدْ أَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ (ع) قَالَ سَأَلْتُهُ وَقُلْتُ مَنْ أُعَامِلُ أَوْ عَمَّنْ آخُذُ وَقَوْلَ مَنْ أَقْبَلُ. فَقَالَ لَهُ: (الْعَمْرِيُّ ثِقَتِي فَمَا أَدَّى إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّي وَمَا قَالَ لَكَ عَنِّي فَعَنِّي يَقُولُ فَاسْمَعْ لَهُ وَأَطِعْ فَإِنَّهُ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ). وَأَخْبَرَنِي أَبُو عَلِيٍّ أَنَّهُ سَأَلَ أَبَا مُحَمَّدٍ (ع) عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ. فَقَالَ لَهُ: (الْعَمْرِيُّ وَابْنُهُ ثِقَتَانِ فَمَا أَدَّيَا إِلَيْكَ عَنِّي فَعَنِّي يُؤَدِّيَانِ وَمَا قَالَا لَكَ فَعَنِّي يَقُولَانِ فَاسْمَعْ لَهُمَا وَأَطِعْهُمَا فَإِنَّهُمَا الثِّقَتَانِ الْمَأْمُونَانِ) فَهَذَا قَوْلُ إِمَامَيْنِ قَدْ مَضَيَا فِيكَ. قَالَ : فَخَرَّ أَبُو عَمْرٍو سَاجِداً وَبَكَى ثُمَّ قَالَ سَلْ حَاجَتَكَ. فَقُلْتُ لَهُ: أَنْتَ رَأَيْتَ الْخَلَفَ مِنْ بَعْدِ أَبِي مُحَمَّدٍ (ع)؟ فَقَالَ إِي وَاللَّهِ وَرَقَبَتُهُ مِثْلُ ذَا وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ. فَقُلْتُ لَهُ: فَبَقِيَتْ وَاحِدَةٌ. فَقَالَ لِي هَاتِ. قُلْتُ: فَالِاسْمُ. قَالَ: مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ أَنْ تَسْأَلُوا عَنْ ذَلِكَ وَلَا أَقُولُ هَذَا مِنْ عِنْدِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أُحَلِّلَ وَلَا أُحَرِّمَ وَلَكِنْ عَنْهُ (ع) فَإِنَّ الْأَمْرَ عِنْدَ السُّلْطَانِ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ مَضَى وَلَمْ يُخَلِّفْ وَلَداً وَقَسَّمَ مِيرَاثَهُ وَأَخَذَهُ مَنْ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَهُوَ ذَا عِيَالُهُ يَجُولُونَ لَيْسَ أَحَدٌ يَجْسُرُ أَنْ يَتَعَرَّفَ إِلَيْهِمْ أَوْ يُنِيلَهُمْ شَيْئاً وَإِذَا وَقَعَ الِاسْمُ وَقَعَ الطَّلَبُ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَمْسِكُوا عَنْ ذَلِكَ. قَالَ الْكُلَيْنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَحَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ذَهَبَ عَنِّي اسْمُهُ أَنَّ أَبَا عَمْرٍو سَأَلَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مِثْلِ هَذَا فَأَجَابَ بِمِثْلِ هَذَا. [3] في هذه الرواية عدة فوائد: 1- أن عبدالله بن جعفر الحميري أحد الثقات سأل العمري عن رؤيته للحجة المنتظر. 2- أن سؤال الحميري لم يكن عن شك في وجود الحجة (عج) لوجود قاعدة ضرورة الحجة بل للاطمئنان كما في قصة إبراهيم الخليل مع الله. 3- أن هذه الصحيحة تبيح للإنسان أن يسأل حتى في الأمور الواضحة المسلّم بها عند الطرفين كما في قضية الإمام المهدي (عج) وهذا لا يوجب الشك والريب في السائل أو المناقش أو إخراجه من الدين أو المذهب من قبل أشخاص وضعوا لأنفسهم القيمومة على الآخرين بحجة التشكيك في ثوابت المذهب. 4- توثيق العمري وابنه. 5- أجاب العمري على سؤال الحميري أنه قد شاهده. 6- سأل الحميري العمري عن الاسم للإمام المهدي (عج) فامتنع عن جوابه لوجود الطلب والبحث عن الإمام (عج) ويبدو أن هذا في الغيبة الصغرى دون الغيبة الكبرى. 7- الحاصل: أن عثمان بن سعيد العمري الثقة قد شاهد الإمام الحجة (عج). السفير الثاني: أبو جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري المعروف بالخلاني المتوفى في جمادى الأولى سنة 305 أو 304هـ وكان يبيع الخل كما كان والده يبيع السمن. كان يتولى هذا الأمر قرابة 50 سنة وكان وكيلا عن الإمام العسكري والإمام الحجة عليهما السلام في حياة والده. وهو مدفون في بغداد في مكان تعرف بالخلاني أي باسمه واسم مرقده. مشاهدته للحجة (عج) روى الشيخ الصدوق في الفقيه بسنده الصحيح: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عُثْمَانَ الْعَمْرِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقُلْتُ لَهُ: رَأَيْتَ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَآخِرُ عَهْدِي بِهِ عِنْدَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ وَهُوَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ وَرَأَيْتُهُ صلوات الله عليه مُتَعَلِّقاً بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فِي الْمُسْتَجَارِ وَهُوَ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ انْتَقِمْ لِي مِنْ أَعْدَائِكَ) [4] ويبدو أن الإمام الحجة (عج) يحضر الحج في كل سنة كبقية الحجاج وهو يراهم وهم يرونه لكنهم لا يعرفونه كما جاء في الرواية التي رواها الشيخ الصدوق قال: وَرُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْعَمْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ وَاللَّهِ إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ لَيَحْضُرُ الْمَوْسِمَ كُلَّ سَنَةٍ يَرَى النَّاسَ وَيَعْرِفُهُمْ وَيَرَوْنَهُ وَلَا يَعْرِفُونَهُ. [5] السفير الثالث: أبو القاسم الحسين بن روح بن أبي بحر النوبختي، اشتهر أول أمره كوكيل مفضل لأبي جعفر محمد بن عثمان العمري حيث كان ينظر في أملاكه ويلقي بأسراره لرؤساء الشيعة الذين حصل في أنفسهم محصلاً جليلاً لمعرفتهم باختصاصه بمحمد بن عثمان وتوثيقه عندهم إلى أن انتهت الوصية إليه بالنص عليه. فلم يختلف في أمره ولم يشك فيه أحد. على أن أبا القاسم ابن روح على جلالة قدره وقربه من السفير الثاني واختصاصه به لم يكن قد عاش تاريخاً زاهراً بإطراء وتوثيق الأئمة (ع) لذلك احتاج أبو جعفر العمري من أجل ترسيخ فكرة نقل السفارة إليه وتوثيقه في نظر الموالين أن يُكرّر الإعلان عن مهمته في إيكال الأمر إليه وأن يأمر بدفع أموال الإمام (عج) إليه قبل وفاته بأعوام بأمر من الإمام المهدي (عج). وعندما اشتدّت بأبي جعفر العمري حاله اجتمع لديه جماعة من وجوه الشيعة فقالوا له: إن حدث أمر فمن يكون مكانك؟ فقال لهم هذا أبو القاسم الحسين بن روح النوبختي القائم مقامي والسفير بينكم وبين صاحب الأمر (ع) والوكيل والثقة الأمين فارجعوا إليه في أموركم وعوّلوا عليه في مهماتكم فبذلك أُمرت وقد بلّغت. تولّى الحسين بن روح السفارة فعلاً بموت محمد بن عثمان ودامت سفارته حوالى 21 سنة وكان أول كتاب تلقاه من الإمام المهدي (عج) كتاباً يشتمل على الثناء عليه وقد دعا له المهدي (عج) في الكتاب وقال: "عرّفه الله الخير كله ورضوانه وأسعده بالتوفيق وقفنا على كتابه وهو ثقتنا بما هو عليه وإنه عندنا بالمنزلة والمحل اللذين يسرّانه زاد اللَّه في إحسانه إليه إنه ولي قدير". (الغيبة للطوسي، ص356) وقد اضطلع أبو القاسم منذ ذلك الحين بمهام السفارة وقام بها خير قيام وكان من مسلكه الالتزام بالتقية المضاعفة يحفظ بذلك مصالح كبيرة ويجلب بها قلوب الكثيرين وقد تولّى رضوان الله تعالى عليه أيام سفارته الحملة الرئيسية ضد ظاهرة الانحراف عن الخط وادعاء السفارة زوراً بتبليغ الموالين توجيهات الإمام (عج) وبقي مضطلعاً بمهامه العظمى حتى لحق بالرفيق الأعلى عام 326 هـ ودفن في النوبختية وقبره اليوم في بغداد معروف وهو مقصدٌ ومزارٌ. السفير الرابع: أبو الحسن علي بن محمد السمري. ذُكر أولاً كواحد من أصحاب الإمام الحسن العسكري (ع) ثم ذكر قائماً بمهام السفارة لقائم آل محمد (عج) ببغداد بعد الشيخ ابن روح بإيعاز منه عن الإمام المهدي (عج). تولى السفارة من حين وفاة الحسن بن روح عام 326 هـ إلى أن لحق بالرفيق الأعلى عام 329 هـ في النصف من شعبان فتكون مدة سفارته عن الإمام المهدي (عج) ثلاثة أعوام كاملة. ولم ينفتح للسمري خلال هذا الزمان القصير بالنسبة إلى أسلافه القيام بفعاليات موسعة كالتي قاموا بها ولم يستطع أن يكتسب ذلك العمق والرسوخ في القواعد الشعبية كالذي اكتسبوه وإن كان الاعتقاد بجلالته ووثاقته كالاعتقاد بهم. ولعل لتلك السنوات المليئة بالظلم والجور وسفك الدماء دخلاً كبيراً في كفكفة نشاط هذا السفير وقلة فعالياته فإن النشاط الاجتماعي يقترن وجوده دائماً بالجو المناسب والفرصة المؤاتية فمع صعوبة الزمان وكثرة الحوادث لا يبقى هناك مجال مهم لمثل عمله المبني على الحذور والكتمان. الإمام (عج) ينعي السمري ويختم السفارة: وكان السمري رضوان الله تعالى عليه قد أخرج إلى الناس قبل وفاته بأيام توقيعاً من الإمام المهدي (عج) يعلن فيه انتهاء الغيبة الصغرى وعهد السفارة بموت السمري ويمنعه من أن يوصي بعد موته إلى أحد ليكون سفيراً بعده. بسم اللَّه الرحمن الرحيم يا علي بن محمد السمري، عظّم اللَّه أجر إخوانك فيك فإنك ميت ما بينك وبينه ستة أيام فأجمع أمرك، ولا توصِ إلى أحد يقوم مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة الثانية (التامة)، فلا ظهور إلا بعد إذن اللَّه تعالى ذكره، وذلك بعد طول الأمد، وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض جوراً، وسيأتي شيعتي من يدّعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني والصيحة فهو كاذب (كذّاب) مفتر، ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. قال: فنسخنا هذا التوقيع وخرجنا من عنده، فلما كان اليوم السادس عدنا إليه وهو يجود بنفسه فقيل له: من وصيّك من بعدك؟ فقال رحمه الله: للَّه أمر هو بالغه. ومضى، فهذا آخر كلام سمع منه رحمه الله. (الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: 480، الطوسي، الغيبة: 242 و 243، الطبرسي، الاحتجاج: 297، المجلسي، البحار ج15 ص361) هذا آخر خطاب خرج من الإمام المهدي (عج) عن طريق السفارة الخاصة وآخر ارتباط مباشر بينه وبين الناس قضى بعده علي بن محمد السمري بستة أيام فدفن في بغداد حيث يوجد له مزار معروف مشيد بجانب الرصافة في سوق الهرج في حجرة لها شباك على السوق. علماء السنة وولادة المهدي (عج) قد اعترف عدد كبير من علماء السنة بولادته وحياته وبقائه حياً حتى يخرج ودافع البعض منهم عنه كما تدافع الشيعة عن ولادته وإمكان بقائه ومن هؤلاء الكنجي الشافعي وابن طلحة الشافعي وغيرهما وإليك أسماء بعض علماء السير والتراجم من السنة فإن الكثير منهم عندما ترجموا الإمام العسكري (ع) ذكروا خلفه وهو ابنه محمد المنتظر (عج) وأشاروا إلى ولادته، ومن هؤلاء: 1- محمد بن يوسف الكنجي الشافعي المقتول 658 هـ، قال في آخر كتابه (كفاية الطالب في مناقب علي بن أبي طالب) في ترجمة الإمام العسكري (ع) (وخلف ابنه وهو الإمام المنتظر صلوات الله عليه) ثم أفرد كتاباً خاصاً في ذكر الإمام المنتظر (عج) بعنوان (البيان في أخبار صاحب الزمان) دافع فيه عن وجود الإمام الحجة (عج) وإمكان استمرار بقائه آلاف السنين. 2- ابن حجر الهيثمي المكي الشافعي المتوفى 974 هـ، قال في كتابه (الصواعق) بعد ذكر حالات الإمام العسكري (ع) (ولم يخلف غير ولده أبي القاسم محمد الحجة وعمره عند وفاة أبيه خمس سنين، لكن آتاه الله فيها الحكمة). 3- صاحب روضة الأحباب. 4- أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي المتوفى 458 هـ في كتابه (شعب الإيمان). 5- علي بن محمد المالكي المكي المعروف بابن الصباغ في كتابه (الفصول المهمة). 6- السبط بن الجوزي المتوفى654 هـ في كتابه (تذكرة الخواص). 7- ابن طلحة الشافعي المتوفى 652 هـ في كتابه (مطالب السؤول في مناقب آل الرسول). 8- الشيخ محي الدين ابن عربي العرفاني الأندلسي المتوفى 638 هـ في كتابه (الفتوحات المكية) في باب 366 على ما نقله عنه الشعراني في كتابه (اليواقيت والجواهر) وكذلك الصبان في كتابه (إسعاف الراغبين) نقل عبارة ابن عربي أما المطبوع من الفتوحات ففيها حذف وتحريف. وغير هؤلاء وقد أنهاهم الشيخ الصافي في (منتخب الأثر) ج 2 ص 371 إلى 68 عالماً من علماء السنة الذين اعترفوا بولادة المهدي (عج). ومن الأدلة العامة التي تدل على وجود الإمام المهدي (عج): 1- الروايات المتكاثرة أو المتواترة التي نقلها السنة والشيعة في مجاميعهم الحديثية المصرح فيها أن عدد الأئمة اثنا عشر أو الخلفاء اثنا عشر وهذه الروايات بلغت قرابة 148 رواية. 2- الروايات التي تقول أن الأرض لا تخلو من حجة، إما حجة ظاهرة أو مستترة. 3- الروايات التي تقول: "من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية"، ويعني هذا أنها تشمل كل المسلمين وفي أي زمان. 4- الروايات الكثيرة التي جاءت في مواصفات الإمام الحجة (عج) عن رسول الله (ص) والأئمة الطاهرين (ع). هذه الروايات تدل على ولادة الإمام الحجة (عج) الوضع حال الغيبة من الأمور التي يمتحن بها المؤمنون قضية المهدي (عج) حيث يكون الخلاف في ولادته وامكان بقائه لفترات طويلة وسوف يكون الهرج والمرج والنفي والإثبات ويحصل الخلاف بين المؤمنين ويتعدى ذلك إلى التشاتم والتكذيب بل تصل الحال أن يتفل بعضهم في وجه بعض عندما يشتد الجدال روى الشيخ الكليني عن عَلِيّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُوسَى الْخَشَّابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) يَقُولُ: (إِنَّ لِلْغُلَامِ غَيْبَةً قَبْلَ أَنْ يَقُومَ). قَالَ قُلْتُ وَلِمَ؟ قَالَ: (يَخَافُ) وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى بَطْنِهِ. ثُمَّ قَالَ: (يَا زُرَارَةُ وَهُوَ الْمُنْتَظَرُ وَهُوَ الَّذِي يُشَكُّ فِي وِلَادَتِهِ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَاتَ أَبُوهُ بِلَا خَلَفٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ حَمْلٌ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ مَوْتِ أَبِيهِ بِسَنَتَيْنِ وَهُوَ الْمُنْتَظَرُ غَيْرَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ أَنْ يَمْتَحِنَ الشِّيعَةَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَرْتَابُ الْمُبْطِلُونَ يَا زُرَارَةُ). قَالَ: قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ الزَّمَانَ أَيَّ شَيْءٍ أَعْمَلُ؟ قَالَ: (يَا زُرَارَةُ إِذَا أَدْرَكْتَ هَذَا الزَّمَانَ فَادْعُ بِهَذَا الدُّعَاءِ (اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي نَفْسَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي نَفْسَكَ لَمْ أَعْرِفْ نَبِيَّكَ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي رَسُولَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي رَسُولَكَ لَمْ أَعْرِفْ حُجَّتَكَ اللَّهُمَّ عَرِّفْنِي حُجَّتَكَ فَإِنَّكَ إِنْ لَمْ تُعَرِّفْنِي حُجَّتَكَ ضَلَلْتُ عَنْ دِينِي). ثُمَّ قَالَ: (يَا زُرَارَةُ لَا بُدَّ مِنْ قَتْلِ غُلَامٍ بِالْمَدِينَةِ) قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ أَلَيْسَ يَقْتُلُهُ جَيْشُ السُّفْيَانِيِّ قَالَ: (لَا وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ جَيْشُ آلِ بَنِي فُلَانٍ يَجِيءُ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ فَيَأْخُذُ الْغُلَامَ فَيَقْتُلُهُ فَإِذَا قَتَلَهُ بَغْياً وَعُدْوَاناً وَظُلْماً لَا يُمْهَلُونَ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَقُّعُ الْفَرَجِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) [6]. إن الخلاف الذي يحصل لدى الشيعة حول الإمام المهدي (عج) هو في الواقع امتحان لهم ينجح بعضهم ويرسب آخر وبذلك تنكشف الحقائق. لا تتشاءم من اختلاف الشيعة من الأمور المقلقة لكثير من المؤمنين عندما يشاهدون الاختلاف بين المؤمنين وبالأخص بين العلماء والمثقفين والمفكرين فيحصل لهم إحباط في العمل وتشاءم للمستقبل بينما قد يكون الواقع على خلاف ذلك فإن هذا الاختلاف فيه خير كثير للأفراد وللمجتمعات كما جاء ذلك في رواية عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): (كَيْفَ أَنْتَ إِذَا وَقَعَتِ الْبَطْشَةُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ فَيَأْرِزُ الْعِلْمُ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا وَاخْتَلَفَتِ الشِّيعَةُ وَسَمَّى بَعْضُهُمْ بَعْضاً كَذَّابِينَ وَتَفَلَ بَعْضُهُمْ فِي وُجُوهِ بَعْضٍ). قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ خَيْرٍ؟ فَقَالَ لِي (الْخَيْرُ كُلُّهُ عِنْدَ ذَلِكَ) ثَلَاثاً. [7] قد يكون ذلك الخير في: 1- أن المجتمع يعي المخاطر المحدقة به ويتنبه إلى كثير من المزالق بسبب النوائب. 2- أن الاختلاف في كثير من القضايا العلمية والعملية تدعو كل طرف إلى الحماس والبحث والتنقيب والمراجعة وهذا ما حصل لبعض المسائل العلمية التي طرحت على الساحة للنقاش فتنكشف كثير من الأكاذيب والخرافات التي كان المجتمع غافلاً عنها. 3- أن المجتمع الذي يحصل فيه خلاف علمي يدل على حيويته وأنه قابل للرقي والتطور والبناء أما المجتمع الساذج المقلد في كل شيء فهو مجتمع ميت لا حراك فيه وهو إلى التخلف أقرب منه للتقدم. 4- أنه لا مانع من الخلاف العلمي في أي قضية كانت في أصول الدين أو فروعه يمكن أن تطرح للنقاش والأخذ والرد ولا يعني أن من يسأل أو يناقش يكون منكراً لها بل قد يريد أن يقوي إيمانه كما تقدم في الرواية السابقة في قصة إبراهيم وفي قضية المهدي (عج) من سؤال الحميري للعمري عن مشاهدته للحجة. 5- أن هذه الرواية والصحيحة المتقدمة في سؤال الحميري للعمري عن رؤيته للمهدي (عج) تردان على القمع الفكري السائد في كثير من المجامع العلمية عند أتباع مذهب أهل البيت عليهم السلام حيث يضع كثير منهم نفسه قيماً على مذهب أهل البيت ويضطهد الآخرين بحجة الدفاع عن المذهب ، بينما الرواية تدفع حالة التشاؤم لما يحصل ويقول الإمام الصادق (ع) أن هذا يستبطن خيراً وإن كان في ظاهره شراً. والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين وأصحابه المنتجبين ~~~~~~~~~~~~ [1] كذا في جميع النسخ وقد سقط هنا "عن أحمد بن محمد بن عبد الله" كما في الكافي والإرشاد. [2] كمال الدين وتمام النعمة - الشيخ الصدوق ص 430. [3] الكافي ج : 1 ص : 330 [4]من لا يحضره الفقيه ج 2 باب نوادر الحج ح 1526 والغيبة للطوسي . [5]من لا يحضره الفقيه ج 2 باب نوادر الحج ح 1526. [6]الكافي ج : 1 ص : 337 [7]الكافي ج : 1 ص : 339 شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط