عقائد وفقه اليانصيب واللّوتو.. بين الحرمة والحليّة ۱۳ يناير ۲۰۱۸ ۱۳۸٤۳ مشاهدة العلامة المرجع السيد محمد حسين فضل الله ١٨/١/٢٠٠٣ 15 ذو القعدة 1423هـ تحدَّثنا في النَّدوة السّابقة عن الميسر (القمار)، وهناك عنوان جديد منتشر في العالم في الزّمن المعاصر، وهو (اليانصيب)، وكان قد دار حوله جدال: هل هو من القمار أم أنّه خارجٌ عن مفهوم القمار؟ وعلى ضوء ذلك، انطلقت الفتاوى في حليّته وفي حرمته، فمن اعتبره من القمار أفتى بحرمته، ومنهم السيّد الخميني والسيّد الخوئي(رحمه اللّه)، والبعض أفتى بأنّه خارج عن القمار، ومنهم السيّد محسن الحكيم، والسيّد السبزواري، والشيخ حسين الحلّي (رحمهم اللّه)، ونحن نميل إلى هذا الرّأي الأخير. مقاربة فقهيّة ونودُّ أن نعرض بطريقة مبسّطة لكلا الرّأيين. أمّا الرّأي الأوّل، كما أفتى به السيّد الخوئي والسيّد الخميني (رحمهما اللّه)، بتحريم اليانصيب، فإنّه يرتكز على أنّ القمار يعبّر في معناه اللّغوي عن مطلق المغالبة مع الرّهن، فكلُّ عملية سباق تجري بين متسابقين ليأخذ أحدهما، وهو السّابق، العوض على هذا الأساس، فهو من القمار، دون أن يكون ذلك مختصّاً باللّعب بأدوات القمار، فالقمار كما بينّا في الندوة السابقة، بأنه اللعب المرتكز على المغالبة، والتي يأخذ فيها الغالب العوض من المغلوب. وعلى هذا الأساس، يُعتبر اليانصيب أيضاً نوعاً من المسابقة بين المشتركين في هذه اللعبة، فمن خرج رقمه أو اسمه، يكون هو الرابح، ويكون الطرف الآخر هو الخاسر. ولكنّ هناك مناقشةً حول هذا الموضوع، كما أفاده السيد الخوئي(رحمه اللّه)، وذلك لأنّ عمليّة اليانصيب، كما هو معروف، ليست عمليّة مغالبة، لأنه لا يوجد في لعبة اليانصيب أشخاص يتغالبون مع آخرين، ولأنّ كلّ المشتركين في لعبة اليانصيب لا يعرف بعضهم بعضاً، ولا يُعتبرون في حالة مغالبة مع الآخرين الّذين يأخذون أوراق اليانصيب الأخرى، بل إنّ عمليّة اليانصيب، إمّا تنطلق من مشروع الدّولة التي تطرح أوراقاً ليشتريها الجمهور، لأجل إنجاز مشاريع معيّنة، مثل إنشاء المستشفيات أو دور رعاية الأيتام وما إلى ذلك، للحصول على رصيد مالي من خلال ذلك، وللتشجيع على ذلك، يخصّص عدّة جوائز لإنجاح هذه المهمة، أو قد تنطلق من شركات تريد الترويج لبضائعها، فتطرح أوراق اليانصيب مثلاً لمن يشتري بضاعة معيّنة، بحيث يتمّ الترويج للبضاعة من خلال تلك الأوراق، فيأمل المشتري بالحصول على الرّبح عند الشراء، من خلال تلك الأوراق، أو أنّ بعض الشركات تريد استثمار الأموال من خلال هذه الطّريقة، مثل لعبة (اللّوتو) و(التوتو)، والتي عرفت مؤخّراً في الغرب. فلو درسنا هذه المسألة من خلال واقعها كما هو، فإنّه ليس فيها مغالبة، إن كانت صادرة عن دولة أو شركة خاصّة، وتلك الدّولة أو الشّركة لا تتغالب مع الناس، بل للنّاس الحريّة في أن يشتروها أو لا يشتروها، أو إذا كان الإنسان يريد الحصول على رصيد ماليّ من خلال ذلك، ثم يُعلن عن الفائز، والّذي يتحدّد بالورقة الفائزة عن طريق القرعة، ولذلك، لا مغالبة فيها بين الدّولة أو الشركة والمشتركين باليانصيب، فهم لا يعرف أحدهم الآخر، وكلّهم يحدِّقون بنتيجة القرعة، فمن يظهر رقمه يربح. والنقطة الثانية من المسألة: إنّنا لا نعتبر كلّ مغالبة قماراً، وهو ما أكّده السيّد محسن الحكيم(رحمه اللّه) في رسالته العمليّة الفقهيّة (منهاج الصالحين)، حيث إنه اعتبر أنّ القمار هو ما تتوقّف الغلبة فيه على إعمال العقل، حيث إنّ المتقامرين يكونون مشدودي الفكر بلعبة القمار عن كلّ ما حولهم، ويركّزون كلّ فكرهم بنقل هذه الورقة أو القطعة من هنا وهناك، كما هي لعبة الشطرنج، وسواء كانت اللّعبة في المقاهي أو في النّوادي العالميّة، فإنهم يركِّزون كلّ تفكيرهم في اللّعبة من أجل الحصول على الربح أو تجنّب الخسارة، ولذلك، فهو حرام، وقد علَّق السيّد الشّهيد محمد باقر الصّدر (رحمه اللّه) على كلامه بقوله: "لا يتوقف عنوان القمار على ذلك"، وفاقاً لأستاذه السيد الخوئي (رحمه اللّه)، ولكنّنا نرى أنّ العرف العام لهذه الكلمة يتفق مع ملاحظة السيّد الحكيم (رحمه اللّه). وعلى ضوء ذلك، فإنّه إذا كانت المغالبة مجرّدة عن إعمال الفكر في الرّبح والخسارة، وتنطلق من خلال الصّدفة، ومن دون أن يمارس الإنسان فيها أيّ جهد فكريّ، فهذا لا يعتبر قماراً. ومن الممكن أن يستشكل أحدهم، لجهة أنَّ بعض الناس يطلق كلمة القمار، ويريد منها لعبة الحظّ واليانصيب، ولكنه ملحوظ من جهة أنّه لا تُعرف فيها النّتائج، فلا يُعتبر ذلك من القمار، مثلما يقال فلان يقامر بسمعته، فيعتبر هذا الكلام من باب الاستعارة، وليس من باب الحقيقة. والنّقطة الثّالثة في المسألة: هي أنّ اللّه سبحانه وتعالى قد حدَّثنا في محكم كتابه عن النّتائج السلبيّة للخمر والميسر، والّتي لا تنطبق على لعبة اليانصيب، {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ}، فهل مَنْ يخسر لعبة اليانصيب تصيبه العداوة والبغضاء من الرّابح؟ ومن خلال دراسة واقع اليانصيب، لا نرى شيئاً من ذلك، إذ لا أحد يعرف الآخر، ثم بيّنت الآية الكريمة النتيجة من الخمر والميسر، كما في قوله تعالى: {وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ}[1]، وذلك عندما يستغرق المقامر في اللّعبة طوال اللّيل - مثلاً - وينسى ذكر اللّه والصّلاة، بينما من يشتري ورق اليانصيب، فإنه ينتظر نتيجة السحب، ولا يعرف المشتركين أو من هو الّذي يربح أو يخسر؟ ولا يوجد ربح أو خسارة بين شخصين، فالدّولة أو الشركة تجمع هذا الرّصيد المالي الحاصل من بيع اليانصيب، وهي التي تعطي من هذا المال للفائزين، ولهذا، نرى أنّه لا علاقة للعبة اليانصيب ولا للعبة اللّوتو بالقمار من قريب أو بعيد، لعدم حصول المغالبة، كما في القمار. وكان السيّد محسن الحكيم (رحمه اللّه) يبيح التعامل باليانصيب من حيث المبدأ، وكذلك كان المرحوم الشّيح حسين الحلّي (رحمه اللّه) - الذي كان بمستوى المراجع، ولكنّه لم يصل إلى درجة المرجعية - يرى أنها من قبيل القرعة، ولكن السيّد محسن الحكيم (رحمه اللّه) كان يستشكل في ورقة اليانصيب، لأنها ليست مالاً، إذ ليس لها قيمة ماليّة. فكان (رحمه اللّه) يقول لمقلِّديه (أن يدفعوا مبلغاً للتّنازل عن تلك الورقة)، وهذا نص ّكلامه: "لا يجوز بيع أوراق اليانصيب. نعم، يصحُّ الصّلح بينهم بدفع مقدار من المال على أن يملّكه ورقة اليانصيب المشتملة على الرّقم الخاصّ، على نحو يكون من أحد الأفراد الّذين تكون الجائزة مردّدة بينهم". ولكننا نرى أنّ مالية كل شيء تكون حسب النتائج المحتملة التي يمكن للإنسان أن يحصل عليها، فطالما أنه يشتري الورقة، وتضعه في عداد الّذين يدخلون القرعة، فلا إشكال في ذلك. ومن باب الاستطراد، قد يسأل الرابح: هل عليه تخميس المال رأساً؟ فالجواب أنه عند حلول رأس السنة، يكون تخميس المال، وليس في وقت الرّبح. وقد أجبنا كذلك عن تساؤلات بعض مقلِّدينا في أوروبا وأمريكا عن اللّوتو والتوتو، فقلنا لهم إنه لا إشكال فيهما. ونخرج من كلّ هذا البحث إلى أنّ اليانصيب لا يُعتبر من الميسر (القمار)، وعلى ضوء هذا، نرى أنّ لعبة اليانصيب حلال وليست حراماً. إضلال الشيطان ونعود إلى مسألة أساليب الشّيطان، وهمزه، ونفثه، ووسوسته، وكيده، وحبائله، وخدعه، وغروره، وفتنته، وحيله، وشِركه، وأتباعه، وأشياعه، حتى إنه ورد في الحديث أنّه يجري في الإنسان مجرى الدّم، حيث يقول الله تعالى في محكم كتابه: {إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ}[2]، فتلك مشكلة، وذلك أن لا ترى عدوّك وهو يراك في كلّ مكان، فاللّه سبحانه وتعالى حدَّثنا بقوله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ * هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ}[3]. وليس هناك من يعبد الشيطان إلا طائفة تسمى (اليزيديّين) - حسب ما يُقال - فهم يعبدون الشيطان بحجة اتقاء شرِّه، وليس تقديساً له، ولكن ليس هناك من يقول - فيما نعلم - إنّه يعبد الشيطان، وربما تتحدّث وسائل الإعلام عن طائفة في العالم تطلق على نفسها عبّاد الشيطان، ولكن نقرأ في بعض الآيات، أنّ الشّرك باللّه هو بمستوى عبادة الشّيطان، كما نقرأ في القرآن الكريم في خطاب النبيّ إبراهيم(ع) لأبيه الّذي كان يعبد الأصنام، فنصحه إبراهيم أن لا يعبد الشّيطان: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئاً}، فالأصنام لا تملك حياةً ولا حسّاً، ولا تملك أية قوّة تمنع الضّرر عن الناس، فكيف يعبدونها؟ فما معنى اعتبارها آلهة؟ والمفروض أنّ الإله هو الذي يتميّز عن عباده، لأنه هو الذي يملك أمرهم، ويملك شؤونهم، بينما نجد أنّ هذه الأصنام لا تملك شيئاً من ذلك، {يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً}. ولا غرابة في أن يعلِّم الصَّغير الكبير، وفي أن يملك الولد من العلم ما لا يملكه أبوه، لأنَّ قضيّة العلم لا تتّصل بكبر السنّ وصغرها، فكأنَّ النّبيَّ إبراهيم(ع) يقول لأبيه: إنّك في عبادتك لهذه الأصنام اتّبعت الشيطان في ما أوهمك وفي ما زيَّن لك من الأفكار، بأنّ لهذه الأصنام أسراراً مقدّسة خفيّة تجعلها في مقام الآلهة، فهذا من إيحاءات الشّيطان، وعليك أن تعرف كيف كان عصيان الشّيطان للّه، وأنّه استكبر منذ البداية، {يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً}[4]، فاعتبر النبيّ إبراهيم(ع) أنّ أباه كان يعبد الشيطان، لأنه كان يخضع لما تصوَّره من وجود خصائص في هذه الأحجار، ويزعم أنها في موقع الألوهيّة. ونقرأ في قصّة (الهدهد) الذي أرسله النبيّ سليمان(ع) في مهمَّة، وتأخَّر عنه مرّة، وظنّ أنه قد تمرّد عليه، قول اللّه تعالى: {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ * لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ}، فأراد سليمان من الهدهد معرفة سبب تأخّره، {فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ}، وهذا يعطينا الفكرة بأنَّ الأنبياء قد لا يعلمون كلّ شيء في الواقع، وإلا فكيف يغيب الهدهد عن علم سليمان(ع) حيث يتوعَّده(ع)، {لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ}، فقال له الهدهد: {وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}[5]. ويبدو من الآية، أنّ ذلك الهدهد كان يملك عقيدة الإيمان بالخالق سبحانه، ويعرف طبيعة الانحراف الشيطاني الّذي يُبعد الناس عن عبادة اللّه سبحانه وتعالى، ويوحي لنا ذلك بأنّ الطّيور أو الحيوانات قد تملك قابليّة المعرفة التي أودعها الله فيها، وليست هي مجرّد جسم يتحرك غريزيّاً، وإذا كانت الحيوانات تختلف عن الإنسان بأنها لا تملك إنتاج الفكر، إلا أنّ لديها قابليّة التعلم، كما نلاحظ ذلك في ألعاب السيرك، حيث تتدرّب الحيوانات على كثير من الألعاب والأوضاع، فتدلّنا الآية على أنّ هذا الهدهد يملك من الوعي والمعرفة، بحيث إنّه يخاطب سليمان بكلِّ قوّة وثقة، ويعلِّق على ما رآه: {وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ}، ويشير إلى مرجع هذه العبادة، {وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ}، فخيّل إليهم أنَّ سجودهم للشّمس هو الحقّ، {فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ}، الذي يقودهم إلى اللّه، {فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ}، لأنَّ هذه الفكرة الوهمية الخالية من أية قاعدة علمية خاضعة للأسس الفكرية العقيدية، هي التي منعتهم من الاهتداء بهدى العقل الذي يهدي الإنسان إلى الحق، وإلى توحيد اللّه في كلّ شيء، فبيّن الهدهد لسليمان(ع)، أنّ عبادتهم للشّيطان هو أساس سجودهم للشّمس. وهكذا، يتكرَّر في القرآن موضوع تزيين الشّيطان للإنسان في قوله تعالى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[6]. معنى العبادة والمقصود بكلمة (العبادة) الطّاعة المطلقة التي يستغرق فيها العابد في المعبود، بحيث يستسلم لما يأمر به، أو ينهاه عنه، دون تفكير أو تحفّظ، وهي لا تكون إلا للّه وحده سبحانه وتعالى، إذ يقول سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}[7]. فالعبادة هي الطاعة المطلقة التي تندفع في تنفيذ أوامر المعبود ونواهيه، من دون أيِّ تساؤل أو توقّف. ثم يبيّن اللّه سبحانه وتعالى مصير الأجيال الكثيرة من قبل: {وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلّاً كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ}[8]، فحاولوا أن تدرسوا مصير الأجيال التي أضلّها الشيطان، وواجهت مصيرها المشؤوم، {إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ}[9]، ولقد حذّر اللّه سبحانه وتعالى بني آدم بشكل عامّ، {يَا بَنِي آدَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ}[10]، لأنَّ الشيطان أراد أن يثأر لنفسه من بني آدم، ليخرجهم من الجنّة، ويبيّن سبحانه وتعالى أنه لا سلطان للشّيطان على الإنسان، سوى أنه يزيّن للنّاس، ويحسِّن لهم القبيح، ويقبِّح لهم الحسن، إذ أعطاهم الله عقلاً، فلماذا لا يفكّرون بعقولهم؟! وقد أرسل اللّه للناس رسلاً، فلماذا لا يتّبعونهم؟! وأنزل عليهم كتباً وشرائع، فلماذا لا يقرأونها ويلتزمون بها؟! فعليهم الحجَّة، وأن يكونوا بالمستوى الّذي أراده اللّه. ولا يزال الشّيطان يتحرك في دوائر الجنّ والإنس، وعلينا أن نتعرَّف إلى خطواته لدى الإنس، كما نتعرّف إليها لدى الجنّ. ونحن نعرف ـ أيها الأحبّة ـ أنّ الشّيطان الأكبر يحاول أن يهدّد العالم كلّه بقوّته الاقتصاديّة والعسكريّة والسياسيّة، ليُخضع العالم له، وهو امتداد لهذا الشّيطان اليوم الّذي يجري في الإنسان مجرى الدّم، فعلينا الاحتراس من هذا الشّيطان الأكبر. *ندوة الشّام الأسبوعيّة، فكر وثقافة [1] [المائدة: 91]. [2] [الأعراف: 27]. [3] [يس: 60 ـ 63]. [4] [مريم: 41 ـ 45]. [5] [النمل: 20 ـ 24]. [6] [فاطر: 6]. [7] [الأحزاب: 36]. [8] [يس: 62]. [9] [فاطر: 6]. [10] [الأعراف: 27]. شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط