مسائل قرآنية التوحيد والشرك في الجانب التطبيقي ۲٦ أبريل ۲۰۱۸ ۱۷۲۲ مشاهدة يمكن لنا الإطلالة على الخلاف الدائر بين التيار الوهابي السلفي وبين المذاهب الإسلامية الكلامية الأخرى في مسألة التوسل بالأنبياء وبالأئمة والأولياء والاستشفاع بهم إلى اللّه والتبرك بقبورهم وما إلى ذلك من المفردات الطقوسية المتمثّلة في السلوك الإسلامي العام. فقد اعتبر السلفيون ـ وفي مقدمتهم الوهابيون ـ أنَّ هذه الأمور تمثّل ألواناً من العبادة لغير اللّه، وذلك من خلال ما تمثّله من الخضوع لهؤلاء، الذي هو مظهرٌ من مظاهر العبادة، ولذلك كفّروا المسلمين الذين يمارسون هذه الأعمال ونسبوا إليهم الشرك باللّه. لكنَّ جمهرة المسلمين من السنة والشيعة خالفتهم في ذلك من حيث المبدأ، لأنَّ مثل هذه الأمور لا تمثّل معنى العبادة في طبيعتها إذا لم ينضم إليها الاستغراق الذي يحمل معنى التألّه، في ما توحي به كلمة الشرك في العبادة الذي يرتبط بالفكرة التي ترى في الذات أو الصنم، سرّ الألوهية بدرجةٍ معينةٍ، قد تزيد وقد تنقص، تبعاً لما يمثِّله الأشخاص الصنميّون في ذلك. وإذا كان بعض السلفيين يوردون بعض الأحاديث الناهية عن زيارة القبور، أو يفلسفون مسألة التوسل والشفاعة من خلال بعض العناوين والمفردات العقيدية أو الشرعية، فإنَّ المسألة تتحوّل إلى التوفر على دراسة هذه الأحاديث أو تلك التحليلات على أساس الحوار العلمي الكلامي أو الفقهي، الخاضع للدراسة المعمّقة التي تضع الأمور في نصابها الصحيح. ولا بُدَّ لمثل هذا الحوار من أن يخضع للمنهج الإسلامي في مفرداته وأساليبه وروحيته القائمة على الرغبة في الوصول إلى الحقيقة، لا في تسجيل النقاط في هذه الدائرة أو تلك على الطريقة الجدلية، لأننا لاحظنا في أكثر المطارحات الدائرة في هذه القضايا، أنها كانت تتحرّك من روحيةٍ متشنّجةٍ لا من ذهنيةٍ منفتحة. وفي ضوء ذلك، نستطيع أن نتجاوز ذلك كلّه إلى النتائج العلمية الإسلامية القائمة على الأصول الثابتة من الكتاب والسنة الصحيحة. * * * الحوار المطلوب وربما كان من الأفضل ـ بل المتعين ـ أن يكون الحوار بين رجال المذاهب الإسلامية المتنوّعة، الكلامية والفقهية، لأنَّ ذلك هو الذي ينزع الكثير من الأوهام التي حملها هذا الفريق عن ذاك، من خلال بعض الكلمات أو بعض الممارسات، مما يمكن أن يجد لدى صاحبها تأويلاً أو تفسيراً يصل بالمسألة إلى مستوى الوضوح الكامل. وهذا ما يسهّل قضية التفاهم بينهم عندما يطرح كلّ واحد منهم وجهة نظره في المسألة الفقهية أو الكلامية في مواقع تقديم الحجج عليها والدفاع عنها، ما يتيح للآخر القيام بمثل ذلك، ثُمَّ اكتشاف الثغرات التي تخضع للحساب وللمعالجة على أساس القواعد الإسلامية الثابتة بشكل قطعي. إنَّ تأكيدنا على هذه النقطة، في خضوع الحوار للمنهج الإسلامي، وفي ممارسته بشكلٍ مباشرٍ، وجهاً لوجهٍ، ينطلق من ملاحظاتنا على تجارب الجدال بين المذاهب الإسلامية، التي قد تنسب بعض الأفكار إلى جماعاتٍ لا تقول بها، أو تبتعد عن الدقة في المفردات المتناثرة في هذا المحور أو ذاك، كنتيجةٍ لسوء الفهم، أو لإجمال الكلام، أو لبعض الرِّوايات غير الدقيقة في نقل المضمون الفكري، أو ما إلى ذلك. وهذا ما لاحظناه في ما نُسب إلى الشيعة الإمامية من الغلوّ في الأئمة ومن السجود لغير اللّه، في ما يأخذونه من تراب قبر الإمام الحسين (ع)، للسجود عليه في الصلاة، بحجة أنه يمثّل السجود للإمام الحسين (ع)، ومن التحريف للقرآن، وغير ذلك من الأمور التي قد يلتقي المسلمون على معرفتها بدقّةٍ ـ من خلال الحوار ـ لتصفو النظرة، وتستقيم الفكرة، وتتأكد الثقة. وخلاصة الفكرة في مسألة العبادة، أنها تمثّل غاية الخضوع للمعبود من حيث الشكل، في ما يعبّر عنه من وسائل التعبير القولية والفعلية بالمستوى الذي يوحي بالانسحاق أمامه، ومن حيث المضمون في ما ينطلق به العبد من الخضوع الداخلي للمعبود بحيث يستغرق في ذاته، في ما هي عبادة الذات، أو في موقعه، في ما هي عبادة الموقع ـ الرمز. أمّا الشرك في عبادة اللّه، فإنه ينطلق من الاستغراق في عبادة غيره من موقع التألّه، أو من موقع الإيحاء بالأسرار الإلهية الكامنة في ذاته، كما في قوله تعالى في الحديث عن منطق العابدين للأصنام: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللّه زُلْفَى} [الزمر:3]. فقد كان الوثنيون يتوجهون إليهم بالعبادة، فيطلبون منهم حوائجهم، ويبتهلون إليهم على أساس أنهم يتقربون إليهم بذلك ليقربوهم إلى اللّه، من خلال الحظوة الذاتية لديهم عند اللّه، كما توهم الجاهليون. من وحي القرآن ج1 59-62 شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط