مسائل قرآنية الاستخارة ليست طريقاً لشل الفكر ۲٥ أكتوبر ۲۰۱۸ ۲۹۷۹ مشاهدة هل الاستخارة من قبيل الاستقسام بالأزلام؟ واعتبر بعض المفسرين الاستخارة في أشكالها المتعددة، كالاستخارة بالسبحة أو بالرقاع، من قبيل الاستقسام بالأزلام، وعليه تكون مرفوضة بنص القرآن الكريم، ولكننا نسجل عليه: أولاً: الملاحظة السابقة، في أنَّ التفسير بما ذكر لا يتناسب مع طبيعة الكلمة. وثانياً: أنَّ الاستخارة ـ في طبيعتها ومدلولها ـ تمثل نوعاً من الرجوع إلى الله والابتهال إليه في تحديد الخيرة للإنسان الحائر في ما تحير فيه، عندما تُسَدُّ عليه أبواب المذاهب، وتغلق عنه سبل المعرفة، فهي من القضايا الّتي تدخل في الأساليب الإيمانية، في معرفة الخيرة، بعد استنفاد كل وسائل الفكر والمشورة، وبقاء الموضوع على حاله من الغموض والإبهام. فما المانع من أن يستجيب الله لعباده ابتهالاتهم وينقذهم من حيرتهم؟! لا نريد من خلال هذا التفسير أن نبرِّر للإنسان الانطلاق بعيداً في هذا الأسلوب من ناحية ذاتية، ليستحدث النّاس لأنفسهم ـ باسم الإيمان ـ وسائل معرفة المستقبل. فنحن لا نشجع ذلك ـ كمبدأ ـ لأنَّه يؤدي بنا إلى الفوضى من جهة، وإلى الوقوع في قبضة الخرافة والدجل من جهة أخرى. ولكنَّنا نقول: إنَّ النصوص الدينية المعتمدة إذا أقرّت مثل هذا الأسلوب، فلا يكون ذلك بعيداً عن خط الإيمان والإسلام، ولا يؤدي إلى إغلاق باب الفكر والمشورة، لتكون الاستخارة بديلاً عنهما، بل يكون له مبرراته الإيمانية في حدوده المعقولة. وفي ضوء ذلك، نثير الملاحظات على سلوك بعض النّاس الذَّين اتخذوا الاستخارة خطاً عملياً في أسلوب العمل والحركة، فلم يسمحوا لأنفسهم بالتفكير أو بالاستشارة، بل اكتفوا بالمسبحة يستنطقونها وجه الخير لما يصنعون، أو بالرقاع، يتعرفون من كلماتها سر الحقيقة في ما يمارسون. وهكذا حكموا على أفكارهم بالشلل، فإذا دعوت أحدهم إلى أمر بسيط لا يحتاج إلاَّ إلى بعض الحسابات البسيطة المحيطة بالموضوع، بادرك بالاستخارة ليقطع عليك أمر مناقشة القضية من جوانبها الواقعية، وإذا عرضت لأحدهم حاجة في ما يتعلق بشؤون حياته، أو شؤون من يتصل به، في قضية زواج أو تجارة أو غيرهما، كانت الاستخارة هي الأساس في اتخاذ القرار، وليس الفكر الَّذي يلقي الضوء على طبيعة الموضوع، ما قد يترك كثيراً من الآثار السلبية على حياته وحياة الآخرين. إنَّنا نعتقد أنَّ الله قد أعطى الإنسان وسائل المعرفة في ذاته ليستعملها، ودعاه إلى الاستعانة بالطاقات الّتي يملكها الآخرون ليستفيد منها، فإذا ترك هذه وتلك وأقبل على الاستخارة، كان متنكراً لما وجّهه الله إليه من خلال إرادته، ولذلك لن يستقبل الله حيرته بالعناية، لأنّه ـ تعالى ـ يستجيب لنداء الحيرة التي لا تملك معرفة السبيل إلى النور، ولا يستجيب للحيرة الّتي تجلس بعيداً عن الحركة الإِرادية الواعية، لتنتظر الحل من السماء، في الوقت الَّذي تملك فيه كل الوسائل القريبة إلى الحل، وهذا ما يجب أن يثيره المؤمن في نفسه وفي حياته ليستقيم له القصد، ولتنفتح له آفاق النور بالمعرفة الواسعة. * تفسير من وحي القرآن شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط