كتب السيّد فضل الله فقه القضاء 2 ۲۳ مايو ۲۰۱۹ ٥۰۹۸ مشاهدة حقوق الطبع محفوظة للناشر الطبعة الأولى 1428هـ-2007مـ دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع بيروت ــ لبنان ــ حارة حريك ــ قرب مستشفى الساحل ــ هاتف: 755200/03 ــ 450769/01 ص. ب 158/25 الغبيري. سم الله الرحمن الرحيم بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه المنتجبين وعلى جميع الأنبياء المرسلين. وبعد... فإنّ مسألة الإثبات تمتلك دوراً هاماً وحاسماً في مجريات العملية القضائية ووصولها إلى أهدافها المرجوة، وهي فصل الخصومات وتحقيق العدل والقسط، لذا اهتم الشارع بوسائل الإثبات اهتماماً واضحاً، فوضع الأسس وأرسى الدعائم وأوضح السبل. وأهم وسائل الإثبات التي أقرَّها الشرع، أو يمكن أن يستفاد شرعيتها من القواعد الفقهية والنصوص الإسلامية، هي ما يلي: 1- علم القاضي. 2- الإقرار. 3- الشهادة (البيِّنة). 4- البيِّنة واليمين. 5- الشاهد واليمين. 6- اليمين. 7- الإثبات بالقرائن. وقد تمّ الحديث عن مدى شرعية الوسيلة الأولى (علم القاضي) في نهاية الجزء الأول من فقه القضاء، ويتكفَّل هذا الجزء بمتابعة الحديث عن سائر وسائل الإثبات ومدى شرعيتها وكيفية الإثبات بها. نسأل الله أن يوفقنا لمتابعة بقية المباحث المتعلقة بفقه القضاء وغيرها من المطالب الفقهية، وأن يبصِّرنا في دينه، ويسدد خطانا، ويجعل عملنا هذا خالصاً لوجه الكريم، وأن يُثيبنا عليه بأفضل الجوائز يوم الوفود عليه، إنه سميع مجيب. حسين أحمد الخشن 1 رجب 1424هـ وسائل الإثبات القضائي 1- حكم القاضي بعلمه 2- الإقرار 3- الشهادة (البينة) 4- البيِّنة واليمين 5- الشاهد واليمين 6- اليمين 7- الإثبات حكم القاضي بعلمه حكم القاضي بعلمه اختلف الفقهاء في جواز أن يحكم القاضي بعلمه([1])، كما لو اطَّلع على شخص وهو متلبس بالزنا، أو يشرب الخمر، أو طلَّق الزوج امرأته بحضوره، أو حضر عقد بيع أو إيجار، أو شهد جريمته قتل أو سرقة أو ما شابه ذلك. ومن الواضح أنه لا بد أن يستثنى عن محل النزاع علم القاضي الناشئ من وسائل الإثبات الشرعية، كالبيِّنة أو الإقرار أو اليمين، فلا نقاش لأحدٍ في قبول حكمه بعلمه في هذه الصورة، وإلاّ لتسلسل الأمر واحتاجت البيِّنة إلى بيّنة عليها. والظاهر أيضاً الاتفاق على استثناء العلم الحاصل من طرق غير اعتيادية، فلا يصحُّ الاعتماد عليه في القضاء، كالعلم بالإلهام والكشف والرؤيا، أو استناداً إلى علم الرمل والسحر والتنجيم وما شاكل ذلك، مما لا مجال للتحقق من صحته وواقعيته، أو لكونه لا يورث اطمئناناً، ولا هو من الطرق العقلائية، بل هو على أبعد التقادير، علم شخصي لا يمكن تبريره وتعميمه. وعلى كل حال فالمشهور بين علمائنا جواز حكم القاضي بعلمه ونفوذ حكمه ووجوب الالتزام به من المتخاصمين سواء تعلق بحق الله أم بحق الناس. الرأي المختار: والذي نراه، أنَّ القاضي لا يجوز له الحكم بعلمه الشخصي، لعدم الدليل على ذلك، بل الدليل على الخلاف، خلافاً للمشهور من فقهائنا الذين أفتوا بالجواز. نعم، خالف في ذلك ابن الجنيد وبعض المعاصرين. وعليه، ليكون المنهج الذي يلزم القاضي باتباعه والسير عليه في إدارة العملية القضائية، هو الاعتماد على الحجج والبينات، مما ثبت إمضاء الشارع له من خلال السنّة القولية والعملية، وقد ذكرنا أنَّ المراد بالبيِّنات مطلق الحجج والأمارات العقلائية، وليس خصوص شهادة العدلين، وعلى هذا الأساس، يمكن أن يفرِّق بين العلم الشخصي المستند إلى آراء القاضي وانطباعاته الشخصية أو مشاهداته الخاصة، وبين العلم المستمد من حركة العملية القضائية وأجواء التحقيق مع المدَّعي والمدعى عليه والشهود وما يكتنف الواقعة المتنازع فيها من قرائن موضوعية وشواهد عقلائية لا تنطلق من ذات القاضي ومشاهداته وانطباعاته الخاصة، بل تنطلق من خارج ذلك، وتساعد على حصول اليقين أو الاطمئنان والاقتناع لدى القاضي ولدى كل إنسان سوي تعرض عليه هذه الشواهد، وتكون مما يمكن تبريره من قبل القاضي وتبعده عن التهمة وتحافظ على حياديته وتسمع للمتخاصمين بمناقشتها. فإن الأوَّل ليس حجةً لما ذكرنا، وأما الثاني، فهو حجة، لأنه من جملة الحجج والبيِّنات العقلائية، وهذا ما يمكن أن يستفاد من أقضية أمير المؤمنين(ع) المتعددة، حيث كان يمارس القضاء أحياناً بطريقة مختلفة عن الطريقة الرسمية المألوفة، وذلك باعتماد ما يفيد العلم والاطمئنان من وسائل، كتفرقة الشهود مقدِّمةً لسحب الاعتراف منهم، أو الاعتماد على بعض القرائن والمعطيات العلمية الثابتة في علوم أخرى، وقد تقدمت الإشارة إلى بعض هذه الأقضية في الجزء الأول من الكتاب، وإن كانت لم تتم سنداً كلاً أو جلاً. الإقـرار تعريفه: الإقرار هو: إخبار المكلَّف عن حق ثابت عليه لغيره، أو عن علقة يترتب عليها ــ غالباً ــ حقٌّ عليه لغيره، أو أخباره عن نفي حق له على غيره، وذلك بنحوٍ لا يسمع منه الدَّعوى على خلافه، فالإخبار عن الحق مثل: أن يتعرف بوجود ديْن عليه أو بصدور الزنا أو السرقة منه، أو نحو ذلك، والإخبار عن العلقة مثل: أن يقرَّ بزوجيته لفلانة، فيترتب عليه الإنفاق عليها، أو نحو ذلك، والإخبار عن نفي الحق مثل: أن يقرّ بأن زيداً غير مدين له، أو عن نفي العلقة مثل: أن يقر بأن فلانة ليست زوجةً له، فيترتب عليه نفي حقه عليها بالاستمتاع أو نحو ذلك. والإقرار ليس عقداً، فلا يحتاج في نفوذه إلى قبول الآخر وتصديقه به، بل ينفذ ويترتَّب عليه الأثر من جانب المقر حتى مع عدم تصديق الآخر، كذلك فالإقرار ليس إيقاعاً، لأن الإيقاع إحداث أمر غير موجود، كالإبراء والطلاق ونحوهما، أما الإقرار، فإنه إخبار عن أمر موجود وتأكيد له بحسب اعتقاد المقر. ولا يشترط في الإقرار صيغة خاصة، بل يكفي فيه كل ما يدل على ثبوت الحق عليه أو نفي حقه عن غيره، كما أنه لا يشترط فيه أن تكون الألفاظ صريحة في إفادة معناها، بل يكفي ظهورها في معانيها ولو بمساعدة القرائن الحالية والمقالية بالنحو الذي يرفع الغموض والإبهام، وقد أوضحنا شروط الإقرار وأركانه وأحكامه في كتاب "فقه الشريعة: فلتراجع([2]). الإقرار كوسيلة إثبات: صحيح أنه لا يشترط في نفوذ الإقرار وجود حالة تنازع ومرافعة لدى القاضي كما ثبت في محلّه، لكن الحاجة إليه والثمار المترتبة عليه في حالات التنازع كبيرة، فإذا تحقق الإقرار بشروطه المعتبرة، صار حجةً حقّ كل أحد، وهو سيد الحجج ومقدّم حتى على البيّنة، فلا حاجة إلى البيِّنة مع إقرار المدَّعى عليه بالحق، وإنما يحتاج إليها في حال الإنكار كما هو واضح، فإذا أقرّ المدَّعى عليه بالحق، انحسم النزاع وارتفع التخاصم وأغنى إقراره عن البيِّنة. والإقرار من نوع الحجج الظاهرية التي لا تعتبر نافذةً إلا مع احتمال صدقها، فلو علم كذب المقرّ لم يكن لإقراره أثر، مثله مثل سائر الحجج الظاهرية كالبينة واليد. مشروعيته: يدلُّ على حجية الإقرار، مضافاً إلى السيرة العقلائية الجارية على اعتماد الإقرار والإلزام به، بعض الآيات القرآنية، كقوله تعالى: {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا}([3])، وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ}([4]). ومن السنة الشريفة أخبار كثيرة، كما في قوله(ص): "قل الحق ولو على نفسك"([5]). وقد حكم(ص) بموجب الإقرار في قضية ماعز واعترافه بالزنا([6])، وهكذا رجم المرأة الغامدية لإقرارها بالزنا([7])، إلى غير ذلك من الروايات التي يظهر منها المفروغية عن حجية الإقرار ومشروعيته. الإقرار في القضاء المدني: وقد عرضت القوانين الوضعية إلى الإقرار وأحكامه، وهي ــ في الغالب ــ منسجمة مع أحكام الإقرار في الشريعة الإسلامية، مع بعض الاختلاف في جزئيات بسيطة وإجراءات شكلية محددة، كالتفصيل بين الإقرار القضائي والإقرار غير القضائي، فالإقرار القضائي هو الذي يقع في مجلس القضاء ويعتمد الحاكم عليه في الحكم، وأما الإقرار غير القضائي، فهو الذي قع خارج المحكمة، ويجب نقله إلى المحكمة والشهادة عليه للعمل به([8]). وربما كان منشأ التفصيل المذكور، أن الإقرار القضائي يتم ــ عادةً ــ إثباته والتأكد من جديته أكثر مما يمكن ذلك في الإقرار غير القضائي. وعلى أية حال، فإذا ثبت الإقرار للحاكم، وتأكد من توفر شروط الأهلية في المُقِرّ، فيمكنه التعويل عليه، سواء كان قضائياَ أو غير قضائي. جواب المدَّعى عليه: عندما يوجِّه القاضي التهمة إلى المدَّعى عليه، فلا يخلو الأمر فيما يجيب به من أحد أمور: الإقرار، أو الإنكار، أو السكوت، أو يقول: لا أدري، أو أدَّيت، أو رددت، أو أنت أبرأتني، أو نحو ذلك ممّا يكون منافياً لدعوى المدَّعي. وعَدُّ السكوت جواباً لا يخلو من مسامحة في التعبير، لأنه لا يمثل جواباً، ومن هنا عدل بعضهم عن التعبير المذكور وأبدله بقوله: "المدعى عليه: إما أن يسكت عن الجواب، أو يقر، أو ينكر، أو يقول لا أدري..."([9]). لكن الظاهر أن أصحاب التعبير الأول لا يقصدون بالجواب معناه الحرفي، وإنما يقصد به موقف المدَّعى عليه، باعتبار أنّ عدم الجواب هو نحوُ جوابٍ في الجملة. وكيف كان، فالمسألة تعبيرية ولا تستحق الوقوف عندها كثيراً. ولكل واحد مما يجيب به المدَّعى عليه حكم، ونبدأ بالإقرار وما يرتبط به من أحكام. الحكم وفق الإقرار: لا ريب في أنّ للحاكم أن يحكم على طبق ما أقرّ به المدَّعى عليه إذا كان المقِرُّ جامعاً لشرائط الإقرار، فإنّ إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، كم هو مقتضى القاعدة الفقهية العقلائية، وإذا حكم وفق الإقرار، ألزم المقرّ بما أقرّ به، وهذا لا غبار عليه ولا خلاف فيه، وإنما الكلام في أنه هل يملك المقّرُّ له قبل أن يحكم القاضي إلزام المقِرُّ بمقتضى إقراره والمبادرة إلى استلام العين، أو أن عليه انتظار صدور الحكم؟ ذهب الشهيد الثاني([10]) إلى جواز إلزامه بما أقرّ به قبل حكم الحاكم، تمسكاً بقاعدة "إقرار العقلاء على أنفسهم نافذاً"، وهذا بخلاف ما لو أقام المدَّعي البيِّنة، فلا يثبت الحق بمجرد ذلك، بل يحتاج إلى حكم القاضي، والفارق بين الأمرين: أنّ البيِّنة منوطة بنظر الحاكم في قبولها وردِّها، وهو غير معلوم، بخلاف الإقرار، فإنه غير منوط بنظر الحاكم، بل يكفي في ترتب الآثار عليه استجماع المقِرّ للشرائط المذكورة في كتاب الإقرار. وحاصل كلام الشهيد الثاني ومن تبعه: أن الإقرار حجة مطلقاً، بخلاف البيِّنة، فإن حجيتها موقوفة على حكم الحاكم. وقد يقال([11]): بأن الثمرة لذلك تظهر في عدة موارد الأول: في جواز المقاصّة وعدمها، بأن يقال: لو كانت الدَّعوى ظنية أو احتمالية، فإنه يجوز للمدعي المقاصَّة من مال الخصم مع الإقرار، دون البيِّنة، فإنه لا يجوز معها المقاصَّة إلا بعد حكم الحاكم، وأما لو كانت الدَّعوى جزمية، فتجوز المقاصَّة ولو مع عدم الإقرار والبينة. الثاني: في جواز إلزامه بدفع الحق وعدمه، ففي صورة الإقرار يجوز لأيِّ كان أن يلزم المقرّ بدفع الحق إلى صاحبه من باب النهي عن المنكر، وأما في صورة ما لو ثبت الحق بالبيِّنة، فلا يجوز ذلك إلا بعد حكم الحاكم. الثالث: في جواز حكم الحاكم الآخر وعدمه، فإنه لو ثبت عند الحاكم الآخر إقرار المدَّعي عند الحاكم المترافع إليه، جاز للآخر أن يحكم وِفقه، أما البيِّنة، فلا يجوز الحكم بها بمجرد ثبوت قيامها عند حاكم، بل لا بد من قيامها عند نفسه. تحقيق السيد اليزدي: وتعليقاً على كلام الشهيد الآنف، ذكر السيد اليزدي أنه لا فرق بين البيِّنة والإقرار، لا من جهة فصل الخصومة، ولا من جهة ثبوت الحق وعدمه، مع غض النظر عن المحاكمة. أمّا من الجهة الأولى: فلأن فصل الخصومة موقوف على حكم الحاكم في كلِّ من البيِّنة والإقرار. وأما من الجهة الثانية: فلأنه لا فرق بين البيِّنة ــ بناءً على عموم حجيتها لكل من قامت عنده ــ والإقرار أيضاً، في كليهما يثبت الحق وتجوز لصاحبه المطالبة به وإلزام الخصم، فكما يجوز لكل من سمع الإقرار مع تحقق شرائطه أن يُلزم المقرَّ بالحق، كذلك يجوز لكلِّ من سمع شهادة الشهود مع علمه بعدالتهم، أن يلزم المدَّعى عليه بما شهدوا به، وكما أن البيِّنة إذا قامت عند الحاكم وكانت معتبرة، لا يجوز لمن لم يسمعها أو سمعها ولم يعلم عدالة الشاهدين، أن يلزم المدَّعى عليه بالحق إلا بعد صدور حكم الحاكم، فكذلك إذا تحقق الإقرار عند الحاكم ولم يسمعه أو لم يفهمه شخص ما، فلا يجوز له ترتيب الأثر بمجرد ذلك. فعلى كلِّ التقادير، لا فرق بين البيِّنة والإقرار. نعم، الفرق بينها يتحقَّق بناءً على القول بعدم حجية البيِّنة إلاّ للحاكم، فإنه لا يثبت الحق إذا ذاك إلا بعد حكمه على وفق البيِّنة، بخلاف الإقرار، فإن حجيته معلومة لكل أحد، ولو مع صرف النظر عن قوله(ص): "إقرار العقلاء على أنفسهم جائز"([12])، وذلك لبناء العقلاء جميعاً عليه. لكن السيد(قده) حاول بعد ذلك أن يوجّه الفرق بين الإقرار والبيِّنة حتى بناءً على القول بعموم حجية البيِّنة لكلِّ من قامت عنده. وبيان الفرق: إن تحقق الإقرار لا يحتاج إلى مؤنة واجتهاد ــ غالباً ــ فإنَّ حجيته معلومة لكل أحد، ودلالة الألفاظ على الإقرار واضحة غالباً، بخلاف البيّنة، فإن تحققها يحتاج غالباً إلى اجتهادات لا تحصل إلاّ للحاكم، وإلا فمع تحقق البيِّنة العادلة الواضحة، لا يبقى فرق بينها وبين الإقرار بناءً على عموم حجيتها، كما أنه إذا كان تحقق الإقرار موقوفاً على بعض الاجتهادات، فيكون حاله حال البيِّنة في عدم جواز الإقرار الإلزام به إلاّ بعد الحكم. والظاهر أن الشهيد الثاني ناظر إلى الغالب، والغالب أن البيِّنة تحتاج إلى نظر الحاكم واجتهاده، فإنه خالٍ من التعقيد غالباً، وواضح الدلالة، وحجيته معلومة لكل العقلاء، فلا يتوقَّف ترتيب الأثر على حكم القاضي. ثم يذكر السيد اليزدي (قده) احتمالاً آخر في كلام الشهيد ومن تبعه، وحاصله: أن يقال: إنه إذا كان ثبوت القضية عند الحاكم بتوسط الإقرار، فيترتَّب عليه الأثر، ويجوز الإلزام بالحق في ظاهر الشرع لكلِّ من اطَّلع عليه ولو لم يسمع الإقرار مباشرةً، غاية الأمر، أنَّ الفصل لا يحصل إلا بالحكم، وأمّا قبله، فيجوز للمدعى عليه وغيره نقضه، وهذا بخلاف ما لو كان ثبوت الحق بالبيِّنة المعتبرة، فإنه لا يجوز ترتيب الأثر عليها لمن يسمع الشهادة إلاّ بعد الحكم وفصل الأمر من قبل القاضي. ثم ردّ(قده) هذا الفارق: بأن البيِّنة ما دامت معتبرة عند الحاكم، بحيث لا يبقى معها حالة منتظرة، فيجوز لكلِّ من اطلع عليها ترتيب الآثار ولو لم يُصدر الحاكم حكمه، فلا فرق بين البيِّنة والإقرار من هذه الجهة، وقد أرسل بعضهم ذلك إرسال المسلَّمات. وعقّب السيد على ذلك بالقول: "لكنه مشكل، لقوة احتمال التوقف على الحكم في الصورتين"([13]). رأينا في المسألة: أقول: ممّا يقوّي إشكال السيد الأخير: أن القضية ما دامت قد رفعت إلى المحكمة، سواء على أساس البيِّنة أو الإقرار أو غير ذلك، فإن ذلك يستوجب أن لا يتحرك الطرفان لترتيب الآثار إلاّ بموجب حكم القاضي، وإلا لأدى ذلك إلى إقدام كل شخص على تطبيق القانون بنفسه وتجاوز الهيئة القضائية التي من شأنها البتّ في النزاعات، وهذا ما يلزم منه الهرج والمرج وشيوع الفوضى. نعم، لو لم ترفع المسألة إلى القاضي أصلاً، أمكن القول بجواز إلزام المقرِّ بإقراره، أو المبادرة إلى أخذ العين منه، وكذلك لو ثبت الحق بالبيِّنة، وقلنا بعموم حجية البيِّنة لكلِّ من قامت عنده. وعلى الرغم من ذلك، فإن بالإمكان أن نفرِّق بين الإقرار وغيره: بأن الإقرار يلغي الدَّعوى والنزاع عرفاً، كما أنه أمر متصل بـ المدَّعى عيه ولا يبقى معه مجال لأيّ كلام آخر، بينما البيِّنة لا تتصل بالمدَّعي فحسب، فقد يكون للقاضي أو المدَّعى عليه كلام آخر بشأنها، فلا تلغي إقامتها النزاع والخصومة. وعليه، فربما يكون كلام الشهيد الثاني الوارد في الفرق بين الإقرار والبيَّنة، غير ناظر إلى الفرق بينهما من جهة الدليل، وأن دليل الإقرار عام وشامل لكل من علم به، بينما دليل البيِّنة قاصر في نفسه عن الشمول لغير حالة قيامها عند القاضي، بل هو ناظر إلى ما ذكرناه من أنَّ الإقرار يلغي النزاع عرفاً، فلا يتوقَّف ترتيب الأثر على حكم القاضي، بينما البيِّنة لا تلغي النزاع، ولذا يستمر المدَّعى عليه على إنكاره بعد قيامها. وجوب الحكم بعد الإقرار: لو أقرَّ المدَّعى عليه بالحق، وكان إقراره جامعاً للشرائط المعتبر في شخصية المُقِرّ، وفي دلالة الألفاظ، وطلب المدَّعي الحكم من القاضي، فهل يجب على القاضي أن يحكم أم لا؟ والجواب: إنه تارةً يكون وصول الحق إلى صاحبه موقوفاً على حكمه، وأخرى لا يكون كذلك. ففي الصورة الأولى: لا ريب في وجوب الحكم على الحاكم، لأن وظيفته هي الفصل في الخصومات والحكم بين الناس بالعدل، والمفروض وضوح الصورة لديه، وعدم وجود مانع من إصدار الحكم، وتوقف وصول الحق إلى صاحبه على حكمه. وأما في الصورة الثانية: فقد قيل([14]): بأن ظاهرهم عدم الخلاف في وجوب الحكم عليه أيضاً بعد سؤال المدَّعي، على الرغم من عدم توقف وصول الحق إلى صاحبه على الحكم. وقد يعترض على ذلك: بأنه إذا بنينا على كفاية الإقرار في ثبوت الحق وجواز المطالبة قبل الحكم، وأن فائدة الحكم هي تحقيق الفصل فقط، فلا وجه للوجوب على الحاكم، لأنَّ المفروض أنَّ وصول الحق إلى صاحبه لا يتوقف على الحكم، وأنه يجوز لصاحب الحق إلزام المقرِّ بإقراره والمطالبة بحقه، فلا ملزم للقاضي بإصدار الحكم، وهذا ما تقتضيه القاعدة والأصل العملي، وليس لدينا إطلاقات تدلُّ على وجوب الحكم على طبق الإقرار مطلقاً، أي حتى في الحالات التي لا يتوقف وصول الحق إلى أهله عليه، وأمّا الإجماع، فالظاهر أنه ليس إجماعاً تعبدياً، وإنما هو محتمل المدركية. إلا أن يقال: إن المستفاد من مجموع الأدلة الواردة في القضاء وتحديد وظيفة القاضي، أنه لا يجوز له إيقاف الحكم بعد رفع الدَّعوى إليه والبدء بإدارة العملية القضائية، بل اللازم عليه أن يفصل الخصومة ويغلق ملف القضية. وصحيح أن أصل الحق ثابت بالإقرار، والاستيفاء غير متوقف على الحكم، إلا أن فصل الخصومة لا يحصل إلا به فيلزم، وهذا أمر جرى عليه العقلاء في أقضيتهم، فتأمَّل. هذا مع ملاحظة مهمة، وهي أن المدَّعي ربما كان بحاجة إلى توثيق حقه قضائياً من خلال حكم الحاكم لمصلحة له في ذلك، فلا تنحصر الحاجة بإثبات الحق بالإقرار. نعم لو بنينا على أن الإقرار يلغي الدَّعوى رأساً ــ كم مر ــ فلا يبقى موضوع للنزاع ليُلزم القاضي بإصدار الحكم فيه. هذا كله لو قلنا بكفاية الإقرار في ثبوت الحق وجواز المطالبة. وأمّا إذا قلنا بعدم كفاية الإقرار وتوقف ثبوت الحق وجواز المطالبة على الحكم، فلا ينبغي التأمل حينئذٍ في وجوب القضاء عليه، لأن حكمه هو السبيل الوحيد لإحقاق الحق. الحكم قبل سؤال المدعي: بعد إقرار المدَّعى عيه بالحق يقع السؤال: هل يجوز للقاضي أن يبادر إلى الحكم قبل سؤال المدِّعي وطلبه أو ليس له ذلك. ذكر أن في المسألة قوليه: أحدهما: الجواز، كما يظهر من جماعة. والثاني: عدم الجواز، على ما حكي عن الشَّيخ في المبسوط([15]). ربما كان وجه القول الثاني: أن الحكم حقٌّ للمدعي، فقبل المطالبة بحقه لا يجوز للحاكم الحكم، تماماً كما لا يجوز للقاضي تحليف المنكر إلا بعد مطالبة المدعي، لأن تحليفه حق له. لكن الأقوى وفاقاً لجماعة من الفقهاء([16]) هو القول الأول، لأن إصدار الحكم من شؤون المرافعة والتقاضي، والمفروض تحقق ذلك وتحقق الإذن، فالرجوع إلى القاضي بهدف النظر في الدَّعوى وطلب الحكم منه هو إذن بالحكم، فلا يتوقف إصدار الحكم على إذن جديد. وبعبارة أخرى: إن حال المدَّعي الذي يرفع الدَّعوى إلى القاضي شاهدة على إذنه بالحكم، هذا لو سلمنا بأن الحكم حق للمدعي، وإلاّ فالأمر واضح جداً، أضف إلى ذلك، "أن مقتضى الأدلة بعد الرجوع إلى الحاكم للمرافعة جواز تصديه لها بجميع كيفياتها من دون حاجة إلى السؤال من المدَّعي أو المدَّعى عليه"([17]). ظهور الكراهة نعم، لو فرضنا أن المدَّعي أظهر عدم رضاه بالاستمرار في الحكم، أو منع لغرض من الأغراض، كما لو حصلت له الشفقة على المدَّعى عليه ولم يرد إدانته أو إيقافه موقف المحكوم عليه، أو لغير ذلك من الاعتبارات الاجتماعية أو الأخلاقية أو الشخصية، فيشكل القول حينئذٍ بجواز الحكم للقاضي، بناءً على أن الحكم حق للمدعي، بل قيل([18]): إنه إذا حكم والحالة هذه، فيشكل صحة الحكم وترتيب الآثار عليه. ويمكن القول: إنه إذا استفيد من كراهية المدَّعي للحكم ومنعه من سحبه للدعوى وتراجعه فيها، أمكن القول بمنع القاضي من إصدار الحكم وإلاّ فلا، لأن إصدار الحكم هو من شؤون القاضي، وهو مأذون من المدَّعي بحسب الفرض، فلا يضره مجرد الكراهية. حقيقة الحكم وصيغته: لا ريب في أنَّ الحكم من مقولة الإنشاء لا الإخبار، وما يُنشأ به: إما الإلزام بشيء من دفع مال، أو الوفاء بعقد، أو نحوه، وإما إنشاء إثبات أمرٍ كما في الحكم بالهلال ونحوه، وهذا أمر واضح. وأمّا صيغة الحكم: فالظاهر أنه ليس لدينا نص رسمي يحدد صيغة خاصة أو كيفية معينة للحكم، ولذا فمقتضى القاعدة جواز إنشائه بكل ما دلّ على الإنشاء عرفاً من قول أو فعل، كما في سائر الإنشاءات من العقود والإيقاعات. قال السيد اليزدي(قده): "ولا يعتبر فيه لفظ خاص فيه، بلي يكفي فيه كل ما دلّ على ذلك، كحكمتُ وقضيتُ وألزمتُ وأنفذتُ وادفعْ إليه مالَه، بل يكفي فيه قوله: ثبت عندي كذا. كذا قصد به الإنشاء، ولا يكفي إذا قصد به الإخبار، كما أن "حكمتُ" أيضاً إذا قصد به الإخبار لا يكفي، بل يكفي فيه الفعل الدال، إذا قصد به الإنشاء، كما إذا أمر ببيع مال المحكوم عليه، أو أخذ ماله ودفعه إلى المحكوم له"([19]). كتابة الحكم: هل يجب على الحاكم أن يكتب صيغة الحكم ويسلِّمه إلى المحكوم له كوثيقة في يده أو لا يجب عليه سوى إصدار الحكم؟ نسب إلى الأشهر القول بالوجوب([20])، بينما اختار آخرون عدم الوجوب([21]). ولعل وجه القول بالوجوب هو: أن الكتابة من شؤون الحكم وتوابعه، فيلزم القاضي بها. وأما وجه العدم: فهو أن غاية ما دلّ عليه الدليل، أنَّه يجب على القاضي فصل النزاع بإصدار الحكم، أما الكتابة، فلا دليل على وجوبها، كما أنها خارجة عن مسؤولية القاضي ولا تقتضيها طبيعة القضاء. نعم، لو توقف وصول الحق إلى صاحبه عليها وجبت، ومثاله، ما لو امتنع المحكوم عليه من دفع الحق، أو تمنَّعت السلطة الإجرائية عن تنفيذ الحكم بدون وثيقة مكتوبة بنص الحكم. إن قيل: أن استنقاذ الحق ليس من شؤون القاضي بصفته قاضياً، وإنما هو من شؤون الوليّ الحاكم مع وجوده، أو عدول المؤمنين مع فقده، فيجب عليهم من باب الحسبة إيصال الحق إلى أصحابه، أما القاضي بما هو قاض، فلا يلزمه أكثر من إصدار الحكم، وأما إيصال الحق خارجاً إلى أصحابه، فلا يدخل في وظيفته القضائية، بل شأنه من ذلك شأن سائر المؤمنين. قلنا: مع التسليم بالفصل بين السلطات، وأنّ تنفيذ الحكم ليس من مسؤولية السلطة القضائية، وإنما من مسؤولية السلطة التنفيذية، لكن حيث فرضنا أن تنفيذ الحكم وإيصال الحق إلى أصحابه ــ ولو من قبل السلطة المذكورة ــ متوقف على كتابته أو إبلاغه الجهات المختصة بالحكم، فيلزمه ذلك، بل يلزمه كتابة الحكم وتوثيقه أيضاً في صورة ما إذا خشي ضياع الحق بموته أو عزله. وبعبارة أخرى: إنما شرِّع القضاء لأجل فصل الخصومات وحسم النزاع وإيصال الناس إلى حقوقهم من الجهة القانونية، وإذا لم يوثّق الحكم بالطرق المتعارفة، فلن يتمكن الناس من الوصول إلى حقوقهم في كثير من الحالات، وسيبقى باب النزاع مفتوحاً، لأن المحكوم عليه قد ينكر صدور حكمٍ ضده، بينما المحكوم له يدَّعي ذلك، وهكذا قد يختلفان ــ لولا التوثيق ــ في سعة الحكم وحدوده وزمان تنفيذه، إلى غير ذلك من التفاصيل التي لا يحسم النزاع فيها إلا صدور حكم واضح وموثَّق بالكتابة أو بالصوت والصورة أو غير ذلك من وسائل الاستيثاق، فدعوى أن ذلك من شؤون القضاء وتوابعه صحيحة، ولذا جرت كل أنظمة القضاء المختلفة في الماضي والحاضر على التوثيق، لأنه بدونه تبقى المشكلة قائمة. نعم، لا يلزم تسلم المحكوم له نسخة عن صورة الحكم، بل يكفي إرسال نسخة منه إلى الجهات المختصة بهدف تعريفها ببراءته، مع حفظ نسخة منه في مكان أمين، كما يُفعل اليوم، حيث يودع في الأرشيف القضائي، بحيث يسهل الرجوع إليه عند الحاجة والضرورة. أخذ الأجرة على كتابة الحكم: وإذا وجبت كتابة الحكم، فهل يجوز أخذ الأجرة على الكتابة؟ والجواب: إن حكم الكتابة هو حكم القضاء، لأنها من توابعه وشؤونه، فلو قلنا بعدم جواز أخذ الأجرة على القضاء، باعتبار استفادة المجانية من أدلته أو غير ذلك من الأدلة، فكذا الأمر في الكتابة. وهذا يبدو واضحاً ولا غبار عليه، وإنما وقع الكلام في أخذ قيمة المداد والقرطاس مثلاً، أو الرسوم أو قيمة الطوابع المالية التي تؤخذ في أيامنا، فهل يجوز لذلك أم لا؟ ذهب المحقق النراقي([22]) إلى أن الحكم بجواز أخذ الأجرة على الكتابة أو ثمن القرطاس والمداد دائر مدار وجوب الكتابة وعدمها. وإليك نص كلامه: "ثم إنه إذا لم تجب الكتابة وطلبها المدَّعي وأجابه الحاكم استحباباً، فله أخذ الأجرة عليها وثمن القرطاس والمداد، ومتى وجبت لم يجز له أخذ الأجرة، لعدم جوازه في الواجبات العينية ولا الكفائية... بل لا يجوز له طلب ثمن القرطاس ونحوه أيضاً. ومن القائلين بوجوب الكتابة إذا توقف أثر الحكم عليها، منْ لم يجوّز الأجرة على الكتابة، وجوّز أخذ نحو القرطاس. وهو غير جيد، لأن إعداد ما تتوقف عليه الكتابة الواجبة أيضاً يكون كأصل الكتابة مما يتوقف عليه الواجب، فيكون إعداده واجبا عليه". ويلاحظ عليه: أولاً: أنه لم يثبت لدينا حرمة أخذ الأجرة على الواجبات، ومجرد الوجوب لا يقتضي إهدار مالية العمل إلا في موارد خاصة، قام الدليل على إرادة الشارع لها مجاناً. ثانياً: سلّمنا بحرمة أخذ الأجرة على الواجبات، لكن دليل الحرمة المذكورة هو أحد أمرين، أو هما معاً، وهما: الإجماع في الجملة، ودعوى استفادة المجانية من دليل وجوب القضاء، ومن الواضح أن الإجماع دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن وهو غير المقام، وأما دعوى المجانية، فيمكن تسليمها في أصل الحكم وأصل الكتابة دون قيمة مثل المواد والقرطاس، فتكون الكتابة ــ كما أفاد السيد (قده) ــ نظير تكفين الميت، حيث إنه واجب بشرط وجود الكفن، ولا يلزم دفع الكفن أو ثمنه على من وجب عليه التكفين. ويمكن أن يقال: إن الإجماع ودعوى المجانية لو تمّا فهما يتمان في أصل الحكم، وأمّا شمولهما للكتابة نفسها، فمحلُّ إشكال أيضاً، كما هو الحال في ثمن القرطاس والمداد. عقوبة المقرّ المماطل: إذا أقرّ المدَّعى عليه بالحق، وكان واجداً للمال، ألزم بدفعه وإذا امتنع أجبره الحاكم الشرعي على ذلك، ولو ماطل وأصرّ على الامتناع، فهل تجوز عقوبته والتنديد به وحبسه أو لا يجوز ذلك؟ ثم إذا جازت العقوبة، فهل تناط بالحاكم الشرعي أو يجوز تولِّيها لصاحب الحق أو لغيره من الناس؟ فلدينا ــ إذاً ــ بحثان: الأوَّل: جواز العقوبة وعدمه، والثاني: في تحديد المتولِّي للعقوبة. أمَّا البحث الأوَّل: فالظاهر أنه يجوز تأديب المماطل الممتنع وعقوبته بالتغليظ عليه في القول، بأن يرفع الصوت في وجهه، ويقول له: يا ظالم أو يا فاسق، بل يجوز ضربه حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهكذا يجوز حبسه، وتدلُّ على ذلك الروايات المتعددة: 1- رواية هارون بن عمرو المجاشعي، عن محمد بن جعفر، عن أبيه أبي عبد الله(ع)، وعن المجاشعي، عن الرضا عن آبائه، عن علي(ع) قال: قال رسول الله(ص): "ليُّ الواجد بالدَّين يُحلُّ عرضه وعقوبته..."([23]). 2- موثقة عمار عن أبي عبد الله(ع): "كان أمير المؤمنين(ع) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه، ثم يأمر فيقسم ماله بينهم بالحصص، فإن أبى باعه فيقسّم، يعني ماله"([24]). 3- رواية غياث بن إبراهيم عن جعفر عن أبيه(ع): "أن علياً(ع) كان يحبس في الدَّين، فإن تبيّن له إفلاس وحاجة، خلّى سبيه حتى يستفيد مالاً"([25]). 4- وتدلُّ عليه الأخبار الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من ذلك خبر جابر عن أبي جعفر(ع) وفيه: "فأنكروا بقلوبكم، والفظوا بألسنتكم، وصكّوا بها جباههم ولا تخافوا في الله لومة لائم"([26]). 5- مرسلة الشيخ في التهذيب قال: قال الصادق لقوم من أصحابه: "قد حقّ لي أن آخذ البريء منكم بالسقيم، وكيف لا يحق لي ذلك وانتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح فلا تنكرون عليه ولا تهجرونه ولا تؤذونه حتى يتركه"([27]). وأخذ البريء بجرم السقيم من جهة تركه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولذا فهو من هذه الناحية ليس بريئاً. وأما البحث الثاني: وهو جواز ذلك للمحكوم له وعدمه، وفي ذلك وجوه: الأول: جواز ذلك كله للمحكوم له من الشتم والضرب والحبس، كما يجوز ذلك للحاكم، تمسكاً بعموم قوله(ص): "ليُّ الواجد بالدَّين يُحلُّ عرضه وعقوبته". الثاني: اختصاص جميع ذلك بالحاكم، وقد اختار هذا الرأي المحقق النراقي، بدعوى: أنَّ الأصل عدم جواز هذه الأعمال، والقدر المتيقن مما ورد فيه الرخصة هو الحاكم الشرعي، مضافاً إلى أن غير الحاكم لا يعلم حدود الرخصة فيتعدَّى عن الحق، وأما الأخبار، فإنها لا تكفي للخروج عن الأصل، لأن الخبر السابق مجمل، حيث إنه حَكَمَ بحلِّ العقوبة، ولمي بين على من تحل، فيقتصر على المتيقن، وأما أخبار الحبس فإنها مختصة بالإمام، وأخبار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كانت عامة، إلا أنَّها مخصصة بمثل رواية مسعدة بن صدقة: "سئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الأمة جميعاً؟ فقال(ع): لا، فقيل: ولِمَ؟ قال: إنما هو على القوي المطاع العالم بالمعروف من المنكر، لا على الضعفة الذين لا يهتدون سبيلاً، إلى أن قال(ع): والدليل على ذلك كتاب الله عز وحل: قول الله عز وجل: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}([28])، فهذا خاص غير عام"([29]). هذه خلاصة رأي المحقق النراقي(قده)([30]). الثالث: التفصيل بين الحبس وغيره، وقد اختاره السيد اليزدي(قده)، وردّ في ثنايا كلامه على النراقي قال: "والأقوى جواز ما عدا الحبس للمحكوم له، بل ولغيره من باب الأمر بالمعروف، وإجمال الخبر الأول ممنوع، بل الظاهر منه جواز العقوبة لصاحب الحق أو مطلقاً، وقوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}([31])، ظاهر في اختصاص التغليظ في القول بمن ظُلم، فلا ينبغي الإشكال في جوازه للمحكوم له، وتخصيص أخبار الأمر بالمعروف بخبر مسعدة ممكن([32])، بل الظاهر منه جواز الأمر بالمعروف بمراتبه لكل قوي مطاع عالم، وإن لم يكن مجتهداً، بل يمكن أن يقال: بجواز الحبس أيضاً لغير الحاكم، ولا يضر كون مورد الأخبار حبس الإمام(ع)، لأن ظاهر نقل فعل الأمير(ع) يدل على أن الحكم الشرعي فيه ذلك، لكن الأحوط اختصاصه بالحاكم. نعم، يجوز له الإذن لغيره بمباشرته، واللازم على المأذون الاقتصار في كيفيته على مقدار الإذن"([33]). والأقرب في نظرنا، أنه لا بد من التفريق بين التغليظ بالقول، بين الضرب والحس، أمّا التغليظ بالقول ورفع الصوت عليه ومخاطبته بالشتم، فلا يختص بالحاكم، بل يجوز للمحكوم له، بلحاظ أدلة النهي عن المنكر في التغيير باللسان، إضافةً إلى قوله تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ}. أما الضرب والحبس، فإنهما يدخلان في باب العقوبات الشرعية، وهي تختص بالسلطان الشرعي، لما ورد في خبر حفص بن غياث قال: "سألت أبا عبد الله(ع)، من يقيم الحدود السلطان أو القاضي؟ فقال: إقامة الحدود إلى من إليه الحكم"([34]). إن قيل: إن الخبر وارد في إقامة الحدود، وما نحن فيه ليس منها، بل هو من قبيل التعزير. كان الجواب: أن التعزير الذي قد ينطبق على الضرب أو الحبس يلتقي مع الحدِّ في الملاك. وبعبارة أخرى: يمكن إلغاء الخصوصية عن الحد، لأن العرف لا يفرق بينه وبين التعزير من هذه الجهة، هذا إن لم نقل بأن الحد في الرواية شامل للتعزير. ومما يؤيد ما نقوله، أنَّ ترك الأمر لصاحب الحق قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة، كالتعدي عن الحق أو التسامح في إثباته، والقدر المتيقن ــ كما يقول صاحب المستند ــ هو قيام الحاكم به، أما الروايات فلا إطلاق فيها، لأنها واردة في مقام بيان تشريع العقوبة لا في تفاصيل القائم بها. أما الحبس: فهو وارد في فعل الإمام علي(ع)، وهو الحاكم الشرعي، فلا يشمل غير هذا المورد، ومجرد نقل الإمام الصادق(ع) لفعل أمير المؤمنين(ع)، لا يدل على أكثر من أن تلك هي وظيفة الحاكم، لا أنها وظيفة كل مكلف. إعسار المقر: إذا كان المقر معسراً وجب إنظاره، لقوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}([35])، لما ورد في الخبر عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله(ع) قال: "ألف درهم أقرضها مرتين أحبُّ إليّ من أن أتصدق بها مرةً، وكما لا يحل لغريمك أن يمطلك وهو موسر، فكذلك لا يحلّ لك أن تعسِّره إذا علمت أنه معسر"([36]). ووجوب الإنظار لا ريب فيه ولا خلاف، لكن السؤال: أن المستفاد من الآية والرواية، هل كون الإعسار شرطاً في وجوب الإنظار، أو أن الإيسار شرط في جواز المطالبة؟ ولا يخفى الفارق بين الأمرين، فعلى الأول، يجوز لصاحب الحق المطالبة بحقه إلاّ إذا تبيَّن له إعسار الآخر، وعلى الثاني، لا يجوز له المطالبة إلا إذا ثبت له يساره. وقد استفاد السيد اليزدي(قده)([37]) من الآية والرواية ــ ونعم الاستفادة ــ أ، الإعسار شرط في وجوب الإنظار، فلو لم يتبيّن كون المقرّ معسراً جاز إجباره على دفع الحق، واتخاذ سائر الإجراءات القانونية بحقه مما يتخذ عادةً بحق المماطل، من التغليظ بالقول والضرب أو الحبس. ومع غضَّ النظر عن دلالة الآية والرواية على ذلك، فإنَّ القاعدة تقتضي ذلك، لأن المدين ملزم شرعاً بأداء الحق إلى أصحابه، والعجز مسقط لوجوب الأداء ومانع من المطالبة، ولا دليل على القدرة شرط في وجوب الأداء وجواز المطالبة؟ صور الاختلاف في الإعسار: إذا عُلم إعسار المقرّ المحكوم عليه، أو علم إيساره، فالحكم واضح، وهو لحوق حكم كل منهما له، وأما إذا لم يعلم الحال وادعى الإعسار، ففي المسألة صور: 1- أن يكون مسبوقاً بالإعسار. 2- أن يكون مسبوقاً بالإيسار. 3- أن لا تعلم الحالة السابقة، أو يعلم توارد الحالتين. أما الصورة الأولى: وهي أن يكون مسبوقاً بالإعسار، فإن صدّقه المحكوم له في دعواه الإعسار فهو، وإن كذَّبه مدعياً إيساره، فظاهر السيد اليزدي([38]) أن القول قول المُقِرّ مع يمينه، والوجه في ذلك: أن قوله موافق للأصل، وهو استصحاب إعساره، وفي هذه الحالة، إن كان للآخر بيِّنة على اليسار أخذ بها وجرى عليه حكم الممتنع من الإجبار والحبس، وأما إن لم يكن له بيِّنة، فيحلف المقر على الإعسار أو نفي اليسار، فإن حلف وجب إنظاره، وإن نكل حبسه الحاكم حتى يثبت إعساره، والحبس في هذه الحالة ليس من باب الحكم عليه بالنكول، لأن ذلك محل خلاف، بل لما سلف مع أن الإنظار معلَّق على الإعسار، ولم يثبت، فيجري عليه حكمه، ولو أن المحكوم عليه ردّ اليمين على المحكوم له، فإن حلف جرى حكم الإيسار من الإجبار والحبس، وإن نكل، فإن قلنا بالحكم بالنكول سقط حقه، وإن قلنا بعدم الحكم بالنكول جرى حكم الإيسار، لما ذكرناه من أن الإنظار معلَّق على الإعسار ولم يثبت. وهي تغني إقامة المحكوم عليه البيِّنة على إعساره عن حلفه؟ استشكل في الجواهر([39]) في قبولها، باعتبار أن البيِّنة تقبل من المدَّعي دون المنكر، وعن العلامة في التذكرة([40])، الجزم بقبول البيِّنة من المنكر، ووافقه السيد اليزدي(قده)([41]). ومنشأ الخلاف، أن قوله(ص): "البينة على المدَّعي واليمين على من أنكر"([42])، هل يستفاد منه كون البيِّنة وظيفة المدعي، بينما وظيفة المنكر اليمين فقط، فلا حكم لبيِّنة المنكر، أو أن غاية ما يدل الحديث عليه، أنَّ البيِّنة على المدعي، أمّا المنكر فلا يكلَّف بها، لا أن بيِّنته لا تقبل؟ الأقرب هو الثاني، ويؤيِّده إطلاق قوله(ص): "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ"([43])، ويأتي مزيد تحقيق للمسألة في بحث الإنكار. الصورة الثانية: وهي ما لو كانت حالة المقر السابقة هي الإيسار، كما لو كان له مال معهود نقداً أو عيناً، أو كان أصل الدَّعوى مالاً كالقرض ونحوه، وادَّعى تلفه وأنه معسر بالفعل، وفي هذه الصورة ــ وخلافاً لسابقتها ــ اختار السيد اليزدي(قده)، أن القول قول المحكوم له وليس قول المقر، وإنما يطالب الأخير بالبيِّنة. والوجه فيه: أن قوله ودعواه الإعسار مخالفة للأصل هو استصحاب يساره، ولذا يكون مدعياً فعليه البيِّنة، فإن أحضرها وشهدت له بالإعسار مخالفة للأصل وهو استصحاب يساره، ولذا يكون مدعياً فعليه البيِّنة، فإن أحضرها وشهدت له بالإعسار الفعلي أنظره الحاكم، وأمّا إذا لم يكن له بيِّنة، فهل يحلف المحكوم له على بقاء ماله ويثبت حقه ويحبس المقر، أو لا يحتاج إلى حلفه بل يحكم بحبس المقر حتى يثبت إعساره؟ اختار في التذكرة([44]) وتبعه بعضهم، أن المحكوم له يحلف على بقاء ماله فيحبس المقر، تمسكاً بعموم ما دلّ على وجوب الحلف، ولازمه ترتب جميع آثاره، من جواز رده والحكم بالنكول على القول به. لكن الأكثر([45]) أنه يحبس حتى يثبت إعساره دون حاجة إلى تحليف المحكوم له، وأفاد السيد اليزدي(قده)([46])، بأن الأقوى ما عليه الأكثر، لما مرّ من ظهور الأخبار في الحبس حتى يتبين إعساره، وأنه يكفي في جواز حبسه عدم ثبوت الإعسار، وليس من الضروري ثبوت عدم الإعسار، وهذه الأخبار مخصصة لعمومات الحلف على المنكر. وبعبارة أخرى: إنما نحتاج إلى اليمين لو كان موضوع الحكم بالحبس هو ثبوت عدم الإعسار، لكن ظاهر الروايات أن الموضوع هو عدم ثبوت الإعسار، وهو لا يحتاج إلى يمين الآخر، بل يكفي فيه عدم قيام البيِّنة من المقر على الإعسار. لكن المحقِّق النراقي([47]) ذهب إلى أن النسبة بين ما دلَّ من الأخبار على حبس المعسر حتى يثبت إعساره، وبين عمومات الحلف على المنكر، هي العموم من وجه، لاختصاص الأولى بالدَّين وعمومها بالنسبة غلى كون المدَّعى عليه منكراً جازماً بعدم التلف أو غير ذلك بأن يقول: لا أدري، وعموم الثانية بالنسبة إلى الدَّين والعين وسائر الحقوق، واختصاصها بصورة الإنكار ودعوى عدم التلف، فتتعارضان في مورد الاجتماع، وهو صورة إنكار المدعي، ولا أصل هنا، وكل من الحبس والإحلاف مخالف للأصل محتاج إلى الإذن، فمقتضى القاعدة التخيير بين العمل بهذه أو تلك وإن كان الأحوط الإحلاف ثم الحبس. وردّه السيد اليزدي(قده)([48]) بمنع جريان حكم العموم من وجه بينهما، بل الظاهر كون أخبار "الحبس حتى يثبت الإعسار" أخص من عمومات "الحلف على المنكر"، إذ لا يمكن تخصيص الحبس بما عدا صورة الإنكار، ولا تخصيص العمومات فيما عدا الدَّين، ومعه فلا وجه للتخيير المذكور. وبعبارة أخرى: إنّ نتيجة العموم من وجه هي تخصيص روايات الحبس بصورة عدم الإنكار، كما لو قال: لا أدري، وتخصيص عمومات الحلف على المنكر بما عدا صورة الدَّين، ولا يمكن الالتزام لا بالتخصيص الأول ولا الثاني، كما هو واضح فقهياً، ولذا لا يمكن قبول كون النسبة بين الطائفتين هي العموم من وجه، بل النسبة هي العموم المطلق، فإن أخبار "الحلف على المنكر" مطلقة وشاملة للمقام، وروايات الحبس خاصة ودالة على حبس مدعي الإعسار إذا لم يثبت إعساره من دون حاجة إلى يمين الآخر، فيقدم الخاص على العام. ويردُّه: أن الحبس عقوبة لا يمكن المصير إليها إلا بدليل، والروايات لا تساعد على ما ذهب إليه السيد من جواز الحبس بمجرد عدم ثبوت الإعسار، لأن موثقة عمار: "كان أمير المؤمنين(ع) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه"، وكذا ما ورد عنه(ص): "ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته"، لا يستفاد منهما أكثر من مشروعية حبس المماطل، وكون المقر المدّعي للإعسار مماطلاً أول الكلام. وأما رواية غياث عن الصادق(ع): "أن علياً كان يحبس في الدَّين، فإذا تبين له حاجة وإفلاس خلَّى سبيله"، فهي مع صرف النظر عن سندها، لا تخلو من خدشة في دلالتها، لأنه كما يحتمل نظرها إلى حبس المدين مباشرةً وبدون اتخاذ أية إجراءات قضائية تثبت مماطلته من عدمها، يحتمل نظرها إلى صورة ثبوت مماطلته عند الإمام(ع)، اعتماداً على بعض القرائن أو السوابق، ولا سيما أن حبس المدين لا مبرر له من الناحية العقلائية إن لم يكن مماطلاً أو مسوِّفاً، ومع وجود هذين الاحتمالين في الرواية، لا يمكن الاعتماد عليها لتخصيص قاعدة تحليف المنكر ورفع اليد عنها. وبعبارة أخرى: ليس هناك تعارض بين روايات الحبس وقاعدة تحليف المنكر، لأن روايات الحبس ناظرة إلى بيان حكم المسألة من حيث العنوان الأولي، وأما قاعدة تحليف المنكر، فهي ناظرة إلى صورة التنازع، وبما أن مقامنا مقام تنازع وخصومة، فلا من تحليف المنكر قبل حبسه، ولا سيما أنه من الوارد أن يمتنع المنكر عن الحلف ويرد اليمين على المدَّعي فيحلف، وبذلك يثبت إعساره باليمين المردودة بعد أن عجز عن إثباته بالبيِّنة([49]). الصورة الثالثة: وهي ما إذا لم يعلم كون الحالة السابقة هي اليسار أو الإعسار، أو علم توارد الحالتين ولم يعلم المتأخر. وذهب السيد اليزدي([50]) فيها إلى أن مقتضى القاعدة والأخبار جواز الحبس حتى يتبين الحال. والظاهر صحة ما ذكره، لأنه قد يقال بأن ثبوت الدَّين يفرض على المدين الوفاء من ناحية المبدأ إلا أن يثبت إعساره، وهو غير ثابت في هذه الصورة، فيحبس مع الامتناع كوسيلة لإظهار الواقع من حيث الإعسار. حبس الوالد بدين ولده: عرفنا أن المدين إذا كان قادراً على الوفاء لكنه ماطل، فللحاكم أن يحبسه حتى يفي دينه أو يثبت إعساره، بيد أن بعض الفقهاء([51]) استثنى من ذلك صورة ما لو كان المدين أباً فلا يحبس بدين ابنه، والوجه في هذا الاستثناء: ما رواه الحسين بن أبي العلاء قال: "قلت لأبي عبد الله(ع): ما يحل للرجل من مال ولده؟ قال: قوته بغير سرف إذا اضطر إليه، قال: فقلت له: فقول رسول الله(ص) للرجل الذي أتاه فقدّم أباه فقال له: أنت ومالك لأبيك؟ فقال(ع): إنما جاء بأبيه إلى النبي(ص) فقال: يا رسول الله، هذا أبي وقد ظلمني ميراثي من أمي، فأخبره الأب أنه قد أنفقه عليه وعلى نفسه، فقال النبي(ص): أنت ومالك لأبيك، ولم يكن عند الرجل شيء، أو كان رسول الله(ص) يحبس الأب للابن!"([52])، فاستنكار النبي هذا دليل على عدم مشروعية حبس الأب بمال ابنه، ويؤيده سائر الأخبار الدالة على أن الولد وماله لأبيه([53]). ولكن العلاقة في القواعد([54]) خالف مختاره في التذكرة، وجوّز حبس الوالد بدين ولده، وعلّق السيد اليزدي على ذلك بالقول: "ولعله لضعف الخبر سنداً ودلالةً"([55]). أقول: ضعف الخبر سنداً غير واضح ــ إلاّ بناءً على عدم ثبوت وثاقة الحسين بن أبي العلاء([56]) ــ لأن الرواية سنداً صحيحاً إلى الحسين. أما ضعفه دلالةً فالوجه فيه: أن الخبر بصدد بيان حكم أخلاقي لا قانون إلزامي، باعتبار أن القاعدة الإسلامية المتسالم عليها تقتضي منع الأب من التصرف في مال ولده بغير إذنه([57])، إلا إذا كان ذلك بإذن الحاكم الشرعي في ظرف حاجة الأب، وعليه، فقوله(ع): "أًفَكَان رسول الله يحبس الأب للابن!"، واردٌ في هذا السياق الأخلاقي، فيكون مفاده التنديد بالابن، وأنه كيف يرضى لنفسه أن يقدم أباه ومن كان سبباً في ولادته للمحاكمة أو يزجّه في السجن! وإذا لم يكن هذا المعنى ظاهراً من الرواية، فلا أقلّ من احتماله احتمالاً معتداً به، مما يمنع ظهور الرواية في المدَّعى. وبعبارة أخرى: إن احتفاف جملة "أًفَكَان رسول الله يحبس الأب للابن" بحكم أخلاقي، وهو قوله(ص): "أنت ومالك لأبيك"، قرينة صالحة لصرف مفاد الجملة المذكورة عن معناها البدوي، وهو عدم جواز حبس الأب بدين ابنه. وعليه، يكون المرجع هو الإطلاقات المجوزة لحبس الغريم المماطل مطلقاً، أبا كان أو غيره. حبس المريض والأجير: هل يجوز حبس المديون إذا كان مريضاً يضره الحبس أو أجيراً للغير قبل صدور حكم الحبس عليه. قال السيد(قده): "إذا كان المديون مريضاً يضره الحبس يشكل جواز حبسه، كما أنه لو كان له مانع آخر، كما إذا كان أجيراً للغير أو كان عليه واجب يكون الحبس منافياً له"([58]). والتحقيق أنه لا بد من التفصيل بين الصورتين: أما لو كان مريضاً يضره الحبس فلا يجوز حبسه، تمسكاً بقاعدة "لا ضرر"، فإن الحكم بحبسه والحال هذه حكم ضرري، فيرفع بلا ضرر. نعم، لو كان في الإمكان معالجته داخل السجن، فلا وجه حينئذٍ لتعطيل الحكم بالحبس. وأما إذا كان أجيراً للغير، فلا وجه لعدم حبسه إلا دعوى أن كونه أجيراً للغير قبل صدور حكم الحبس يقتضي تقديم وجوب الوفاء بالعقد وتأخر حكم الحبس. ويلاحظ على ذلك: بأن هذا الكلام إنما يتمَّ لو ثبت أن الحكم بالحبس هو لمراعاة حق المديون، فحسب، مع أن من المحتمل كونه حكماً شرعياً يهدف إلى مراعاة حق المديون، بالإضافة إلى إقرار وحفظ النظام العام ومنع التعدِّي والمماطلة في أداء ديون الغير، فتأمل. مؤونة الحبس: استظهر السيد اليزدي أن مؤونة الحبس من بيت المال، وإذا لم يكن فعلى المحبوس ويحتمل كونها على المحكوم له(2). ويمكن القول: إنه في ظل قيام الدولة الإسلامية أو بسط الفقيه يده، تكون مؤونة الحبس من بيت المال، لأنه معدّ للمصالح العامة، ومن أهمها إنشاء السجون وتموينها وتجهيزها وكل ما يتوقف عليه حفظ النظام، أما لو كان الفقيه غير مبسوط اليد ولا توجد حكومة إسلامية، فلا ثمرة عملية من بحث المسألة، لأن الغالب وجود حكومات تقوم بما تراه مناسباً وتطبق قوانينها الخاصة في هذا الشأن. نعم، يمكن مقاربة المسألة من زاوية أخرى حينئذٍ، وهي أن هذه الحكومات لو كانت تحمّل المتنازعين أو أحدهما الأعباء المالية المترتبة على دخول السجن، فمن هو الملزم شرعاً بهذه المصارف؟ قد يقال بتضمن المحبوس، لأنه أوقع نفسه في الحبس بسوء اختياره ومماطلته في أداء الدَّين، وفي المقابل قد يقال ــ كما احتمل السيد اليزدي(قده) ــ بتضمين المحكوم له، لأنه السبب في حبسه. ويرد عليه: أن مجرد كونه سبباً في حبسه لا يقتضي تضمينه مؤونة الحبس بوجه من الوجوه، بل إن تضمينه مع كونه لا يبغي من الدَّعوى إلا رفع ظلامته وتحصيل حقه، مخالف لمذاق الشريعة وارتكاز المتشرعة. إجارة المديون واستعماله: هل يجوز دفع المديون إلى غرمائه ليستعملوه أو يستأجروه؟ المشهور عدم جواز إجارته ولا استعماله، وقد ادُّعي الإجماع على ذلك، بل ظاهرهم عدم جواز إلزامه بالتكسب وعدم وجوبه عليه، وعن المبسوط أنه لا خلاف في أنه لا يجب عليه قبول الهبات والوصايا والاحتشاش والاحتطاب والاصطياد والاغتنام، بل عن بعضهم إرسال عدم وجوب التكسب عليه إرسال المسلَّمات، وعقَّب السيد اليزدي(قده) على كلماتهم هذه بالقول: ولازم ما ذكروه، كون وجوب أداء الدَّين مشروطاً لا مطلقاً، نظير وجوب الحج المشروط بالاستطاعة. وفي المقابل، ذهب الشيخ في النهاية إلى أنه يُسلَّم إلى الغرماء ليؤجروه أو يستعملوه ويستوفوا حقهم([59]). ولكن ابن حمزة فصل في المسألة بين ما إذا كان ذا حرفة، فيدفعه الحاكم إلى الغرماء ليستعملوه، وبين ما إذا لم يكن ذا حرفة، فيخلى سبيله حتى يجد مالاً([60]). وذهب جماعة إلى وجوب التكسب عليه مع تمكنه من غير حرج وإن لم يكن ذا حرفة([61]). وتحقيق الحال في المسألة يستدعي النظر في أدلة الطرفين، ومن ثم الموازنة بينها. أدلة المشهور: وما يمكن الاستدلال به لقول المشهور أمور: 1- قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ}([62]). بتقريب: أن الآية أمرت بالإنظار مطلقاً، أي حتى لو كان قادراً على التكسب أو أمكن دفعه إلى الغرماء ليستعملوه. ويلاحظ عليه: أن القادر على التكسب والعمل بما يليق بشأنه ولا يكون العمل حرجياً عليه، لا يعدُّ معسراً في نظر العرف، لأن الظاهر من كلمة المعسر هو غير القادر على الوفاء بحسب واقع حاله، ولا ينطبق هذا على القادر عليه بالتكسب الذي لا حرج فيه. 2- إن مقتضى قاعدة سلطنة الناس على أنفسهم وأموالهم تمنع من إجباره على التكسب أو استعماله وإجارته قهراً. ويرده: إن وجوب أداء حقوق الآخرين يقتضي إلزامه بالتكسب والعمل، والإعسار وإن كان موجباً لإنظاره، لكن القادر على التكسب ليس معسراً كما عرفت. 3- خبر غياث عن جعفر عن أبيه(ع)، "أن علياً(ع) كان يحبس في الدّين، فإذا تبيَّن له إفلاس وحاجة، خلى سبيله حتى يستفيد مالاً"([63]). ويلاحظ على الاستدلال به: أن تخلية سبيله حتى يكتسب مالاً لا دلالة فيه على عدم وجوب التكسب عليه، بل ربما قيل بدلالته على وجوب التكسب بناءً على أن "حتى" تعليليه وليست للغاية، بمعنى أن تخلية السبيل هي لأجل استفادة المال، وعلى الأقل، فإنَّ الاحتماليين واردان، ومعه، فلا يصلح الخبر للاستدلال، وعلى الأقل، فإنَّ الاحتمالين واردان، ومعه، فلا يصلح الخبر للاستدلال، إلا أن يقال بدلالة الخبر على أن وجود فرصة لاستفادة المال بالعمل ونحوه توحي بتكليفه به. 4- رواية السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي(ع): "إن امرأة استعدت على زوجها أنه لا ينفق عليها وكان زوجها معسرا، فأبى أن يحبسه وقال: إن مع العسر يسرا"([64]). ويلاحظ على الاستدلال بها: أنها لا تدل على عدم وجوب التكسب عليه، ولا على عدم جواز استعماله وإجارته إذا كان مصراً على ترك التكسب دون عذر ولا حرج. وقد أورد السيد اليزدي(قده) الرواية بإضافةٍ في آخرها وهي: "ولم يأمره بالتكسب"، ثم اعترض عليها بكونها "قضية في واقعة، فلعلَّه(ع) علم أنه عاجز عن التكسب"([65])، ولكن لا وجود لهذه الإضافة في المصادر الحديثية، ومعه، فلا وجه للاعتراض المذكور. 5- ما رواه أبو سعيد الخدري قال: "أصيب رجل في عهد رسول الله(ص) في ثمار أبتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله(ص) تصدَّقوا عليه، فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله(ص) لغرمائه: خذوا ما وجدتم وليس لكم إلاّ ذلك"([66]). وهذا أيضاً لا دلالة فيه على عدم وجوب التكسب عليه، ولعل أمره(ص) بالتصدق عليه، هو لعدم قدرته على التكسب أو وفاء الدين. 6- ما جاء في وصية الإمام الصادق(ع) الطويلة التي كتبها لأصحابه: "وإيَّاكم وإعسار أحد من إخوانكم المسلمين، أن تعسروه بالشيء يكون لكم قَبَله وهو معسر، فإنّ أبانا رسول الله(ص) كان يقول: ليس لمسلم أن يعسر مسلماً، ومن أنظر معسراً أظله الله بظله يوم لا ظلَّ إلا ظله"([67]). ولكن هذا الخبر إنما ينهى عن مضايقة المؤمن وإعساره، ولا دلالة له على المدَّعى بوجه كما لا يخفى. 7- ونحوه في الدلالة ما رواه الشيخ بإسناده عن محمد بن أحمد بن يحيى بن إسحاق عن علي بن معبد عن عبد الله بن القاسم عن عبد الله ابن سنان عن أبي عبد الله(ع) قال: قال النبي(ص): " كما لا يحلُّ لغريمك أن يمطلك وهو موسر، فكذلك لا يحل لك أن تعسره إذا علمت أنّه معسر"([68]). فهذه ــ أيضاً ــ لا دلالة فيها على عدم وجوب التكسب كما هو واضح. وبذلك اتضح أن أدلة المشهور على نفي وجوب التكسب غير تامة، بل الأقرب وجوب التكسب عليه، لما ذكرناه من أن قدرته على ذلك لا تلتقي مع إعساره، الأمر الذي يفرض عليه العمل على تهيئة وسيلة الوفاء بهذه الطريقة. أدلة القول الآخر: ويمكن الاستدلال لما ذهب إليه الشيخ في النهاية، من أنه يسلَّم إلى الغرماء ليؤجروه أو يستعملوه ويستوفوا حقهم، برواية السكوني عن جعفر عن أبيه(ع): "كان يحبس في الدَّين ثم ينظر، فإن كان له مال أعطى الغرماء، وإن لم يكن له مال دفعه إلى الغرماء فيقول لهم: اصنعوا به ما شئتم، إن شئتم آجروه، وإن شئتم استعملوه"([69]). قال في المسالك([70]): "وضعف الرواية يمنع من العمل بها"، وفي الجواهر([71]) رماها بالشذوذ، وأضاف: "فتطرح، أو تحمل على ما إذا كان ذلك بالتراضي لإرادة قطع النزاع من زيادة الكسب..."، وحملها السيد اليزدي(قده) على ما لو توقف الاستيفاء على ذلك([72]). والظاهر أنه لا وجه لدفعه إلى الغرماء مع قيامه بالكسب، فتحمل الرواية ــ لو صحَّت ــ على توقف الاستيفاء على ذلك، لأن دفعه إلى الغرماء يدل على الإجبار والإكراه، وهو مما لا وجه له مع قيامه بالتكسب، وأما حملها على أن ذلك تمّ بالتراضي كما أفاد صاحب الجواهر، فهو خلاف الظاهر جداً، كما أنّ رميها بالشذوذ لا وجه له مع وجود محمل صحيح لها منسجم مع القواعد. والأقرب في نظرنا وجوب التكسب على المدين مع قدرته عليه وارتفاع الحرج عنه، وذلك لأن أداء الدَّين واجب، وهو لا يتيسر إلا بالتكسب فيجب، كما يجب التكسب على الزوج لأداء نفقة العيال، ولذا مُنع في الأخبار([73]) من دفع الصدقة والزكاة للغني أو لذي مرة سويّ قويّ. ومع قدرته على التكسب فلا يعد معسراً، فلا وجه لإنظاره، فيلزمه التكسب، أمّا دفعه إلى الغرماء، فلا وجه له إلا في صورة انحصار استيفاء الحق بذلك، على أن يكون ذلك بإشراف الحاكم وإذنه. الشهَّادة الشهادة مصداق للبينّة: تعتبر البيِّنة واحدةً من أهم وسائل الإثبات القضائي في الفقه الإسلامي، انطلاقاً من قول النبي(ص): "إنما أقضي بينكم بالبيِّنات والأيمان"([74]). والبينة فيما نرى ونستقرب، تعني مطلق الحجج العقلائية كما سيأتي، ولا تنحصر بالشهادة، وإن كانت الشهادة من أبرز من مصاديقها، فهي ــ أعني البيِّنة ــ تشمل كل وسائل الإثبات العقلائية، بما في ذلك الفحوصات الطبية المستجدة. وفيما يلي، نبحث مسألة الإثبات بالشهادة، ونعبر عنها بالبيِّنة لأنه المصطلح الشائع والمشهور. مشروعيّتها: الأصل في مشروعية الشهادة هو الكتاب والسنة، أمّا الكتاب: قال تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}([75]). وقال سبحانه: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}([76])، وقال تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ}([77]). وأمّا السنة: فمثل قوله(ص) للمدعي: "شاهداك أو يمينه"([78])، أو قوله(ص): "البينة على من ادعى، واليمين على من ادُّعي عليه"([79]). وقد عرفت أن المصداق البارز للبيِّنة هو الشهادة، إلى غير ذلك من الروايات التي ستذكر في مطاوي المباحث الآتية، وهذا ما جعل المسألة إجماعية عند كل المسلمين على اختلاف مذاهبهم. القانون والإثبات بالشهادة: اعتبر القانون أن الكتابة هي الأصل في الإثبات، ولكنه أجاز الإثبات بالشهادة، وجعلها في المرتبة الثانية، كما أنه حدّد الحالات التي تقبل فيها الشهادة ونصّ عليها، لكن من جهة أخرى، تساهل في شروط الشاهد، فلم يحدّد نصاباً للشهادة، فأجاز شهادة الفرد الواحد، ولم يتوقف كثيراً عند صفات الشاهد، وإنما اقتصر على أن تكون الشهادة عن حسٍّ ومعاينة([80])، وقد اشتهر على ألسنة علماء القانون: "المدار في الشهادة على الوزن لا على العدد". أما الشريعة الإسلامية، فقد حددت صفات الشاهد ونصت على نصاب محدد قد يختلف من مورد لآخر، وحرصت على التأكد من صدق الشاهد وصحة أقواله، حرصاً على إحقاق الحق واحتياطاً للعدالة، ولذا ربطت الشهادة بالإيمان والعقيدة، وحذَّرت من عواقب شهادة الزور في الدنيا والآخرة، معتبرةً ذلك من اكبر الكبائر. وحديثنا الآتي يتناول جملةً من الفروع الفقهية المتعلقة بالإثبات بالشهادة، ونوكل البحث عن شروط الشهادة وأركانها وصفات الشاهد وأقسام الشهادة إلى كتاب الشهادات بعون الله تعالى. هل يأمر القاضي بإحضار البيِّنة؟ لو كان للمدعي بيِّنة، فهل يجوز للحاكم أن يأمره بإحضارها أو لا يجوز؟ أو أن في المسألة تفصيلاً؟ اختلفت أقوال الفقهاء في ذلك: فعن الأكثر الجواز([81])، وعن المبسوط والمهذب والسرائر([82]) عدم الجواز، وعن المختلف والقواعد والدروس([83]) التفصيل بين علم المدَّعي بأن له الإحضار فلا يجوز أمره بإحضارها، وبين جهله بذلك فيجوز. والأقرب في نظرنا هو القول بالوجوب مع جهل المدَّعي، وذلك من باب وجوب تعليم الجاهل، وأما مع علمه بذلك، فلا وجه للوجوب ولا للحرمة، بل الأقرب الجواز على نحو الإرشاد له، أو لأجل تسهيل إدارة العملية القضائية، لأن من غير العقلائي أن يبقى الحاكم صامتاً ومنتظراً موقف المتنازعين وتصرفاتهما. وأما القول بالتحريم، فلا وجه له إلا بناءً على أنَّ الحق في إحضار البيّنة هو للمدعي، فإن شاء أحضرها، وله أن لا يحضرها ويطلب اليمين أو يعدل عن أصل الدعوى، فيكون إلزامه بإحضارها منافياً لحقه، فيحرم. ونلاحظ على ذلك: أن الأمر بالإحضار جاء على أساس اقتضاء طبيعة ميزان القضاء ذلك. نعم، للمدَّعي أن يتنازل عن الدَّعوى في الجواب ويطلب اليمين، فلا وجه للتحريم. ومن خلال ما تقدَّم، اتَّضح أنه لا وجه للنزاع في المسألة، لإمكان الالتزام بالجواز والوجوب والحرمة، لكن مع اختلاف حيثيات الموضوع، ولذا قال السيد اليزدي(قده): "ولعل النزاع بينهم لفظي"([84]). هل تقبل بيِّنة المنكر؟ لو أجاب المدَّعى عليه بالإنكار، فيتعيّن حسم النزاع من خلال البيِّنة واليمين، لما ورد في الخبر الصحيح عن رسول الله(ص): "إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان"([85]). وهذا ممّا لا خلاف فيه، لكن الأمر الجدير بالبحث، هو أنه هل يتعين أن تكون البيِّنة من المدَّعي واليمين من المنكر، كما هو المعروف والمشهور، فلا تقبل بيِّنة المنكر ولا يمين المدّعي ابتداءً، أو لا يتعين ذلك؟ تقدَّم أن السيد اليزدي(رحمه الله) استقرب قبول بيِّنة المنكر، خلافاً لمشهور الفقهاء الذي أفتوا بعدم قبول بيِّنته لا قبول يمين المدعي، كما أفتوا بأنه لا ضرورة لضم اليمين إلى البيِّنة بمقتضى القاعدة، إلا أن يدل دليل خاص على اشتراط الضم في مورد معين، كما في الدَّعوى على الميت كما سيأتي. وما قرّبه السيد اليزدي غير بعيد عن الصواب، ويمكن الاستدلال له: بإطلاق قوله(ص): "إنما أقضي بينكم بالبينات والأيمان". إن قلت: إن الحديث في مقام إعطاء الضّابطة العامة للقضاء في الإسلام، وأنه يتحرك وفق قانون الأيمان والبيِّنات، وليس في مقام البيان لجهة تحديد من يتحمل البيِّنة واليمين، فالرواية "مجملة من حيث اعتبار ضمهما معاً، أو كفاية أحدهما لأحداهما ــ المدَّعي والمنكر ــ أيهما كان، أو كل منهما لمعين"([86]). قلت: لو سلمنا إجمالها أو عدم كونها في مقام البيان فيما نحن فيه، فيكفينا التمسك بما دل على حجية البيِّنة مطلقاً، ومورد التخاصم هو القدر المتيقن منه. 2- معتبرة إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله(ع): "إن رجلين اختصما إلى أمير المؤمنين(ع) في دابة في أيديهما، وأقام كل واحد منهما البيِّنة أنها نتجت عنده، فأحلفهما علي(ع)، فحلف أحدهما، وأبى الآخر أن يحلف، فقضى بها للحالف، فقيل له: فلو لم تكن في يد واحد منهما وأقاما البينة؟ فقال: أحلفهما فأيهما حلف ونكل الآخر جعلتها للحالف، فان حلفا جميعاً جعلتها بينهما نصفين، قيل: فان كانت في يد أحدهما وأقاما جميعاً البينة؟ قال: أقضي بها للحالف الذي هي في يده"([87]). وتقريب الاستدلال: أن ما جاء في الفقرة الثالثة في الرواية من تحليف المنكر والحكم له، لم يكن بسبب عدم توفر بيِّنة للمدَّعي، فهي متوفرة كما هو مفروض السؤال، وإنما سبب تعارض بيِّنة المدَّعي مع بيِّنة المنكر وتساقطهما، وهو يعني أن بيِّنة المنكر تؤخذ بعين الاعتبار، ويمكن الأخذ بها إذا لم تعارضها بيِّنة المدعي، وإلا لا وجه لمعارضتها لبيِّنة المدَّعي، لأن ما ليس بحجة لا يعارض الحجة. 3- معتبرة غياث بن إبراهيم عن أبي عبد الله(ع): "أن أمير المؤمنين(ع) اختصم إليه رجلان في دابة، وكلاهما أقاما البيِّنة أنه أنتجها، فقضى بها للذي في يده وقال: لو لم تكن في يده جعلتها بينها نصفين"([88]). بتقريب: أنه(ع) لم يقض وفق بيّنة المدعي، وليس لذلك وجه مفهوم إلا أنه أخذ بيِّنة المنكر بعين الاعتبار، وعارض بها بيِّنة المدعي، فتساقطت البينتان، وبعد ذلك حكم بها لمن هي في يده، وما ذلك إلا لكونه منكراً، والرواية وإن لم يرد فيها أنه(ع) أحلفه اليمين، ثم حكم له، لكن لا بد من حملها على ذلك، جمعاً بينها وبين ما دل على طلب اليمين من المنكر في مثل هذه الموارد، كما في المعتبرة السابقة. 4- ويؤيد ما تقدم، أنَّ ضوابط القضاء ووسائل الإثبات في الإسلام ليست ــ على الأرجح ــ قضايا تعبدية غيبية، وإنما هي قائمة على أسس عقلائية أمضاها الشارع دون أن يكون هو المؤسس لها، وإننا عندما نلاحظ طريقة العقلاء في هذا المجال، نراهم يحرصون على الوصول إلى الواقع قدر المستطاع، وعندما يحركون العملية القضائية، فإنهم يطلبون البيِّنة أن المدَّعي لا من المنكر، لا لأن بيِّنة الأخير مرفوضة لديهم، بل باعتبار أن المدَّعي هو الذي أثار المشكلة وقدّم الدَّعوى ضد غيره، فمن الطبيعي أن يطالب هو بالبيِّنة والحجة. يقول الشاعر: والدعاوى إن لم يقيموا عليها بيِّنات أصحابها أدعياء وأما المنكر، فلأنه في موقع النفي، وهو غالباً لا يملك دليلاً على النفي وعدم الفعل، فلا يطالبه العقلاء بالبيِّنة، لا من موقع رفضها منه، بل من موقع التخفيف عليه، فليتجئون إلى تحليفه، وقد يكتفون بعدم ثبوت التهمة عليه دون تحليف. وبعبارة أخرى: إن الدَّعوى على الآخرين بأمر ما هي تهمة تحتاج إلى إثبات، أما نفي التهمة، فأمرٌ يتصل بالشخص نفسه وبفعله، وهو أدرى بفعله من غيره، فيكتفي فيه عند العقلاء بمجرَّد النفي أو بضمِّ الحلف زيادةً في الاحتياط للعدالة، والشارع أخذ بالطريقة الأخرى. وعلى أيةِ حال، فالعقلاء لا يلزمون المنكر البيِّنة، لكن لو قدّمها، فلا يرفضونها، بل يأخذونها بعين الاعتبار إذا كانت مطلعة على أمره. فإذا قبلنا أن القضاء الإسلامي ينطلق من أسس عقلائية غير تعبدية، فيمكننا أن نعتمد على بيّنة المنكر، لجريان السيرة العقلائية على الأخذ بها، كما يلاحظ في القضاء الوضعي وربما العشائري. ومما يؤيد عقلانية الضوابط القضائية الإسلامية، وبُعْدها عن التعبد المحض، ما نلاحظه من سيرة أمير المؤمنين(ع) من عدم الاكتفاء بالبيِّنة أو اليمين في بعض الحالات، وإنما كان يجري تحقيقات قضائية معينة، كتفريق الشهود أو نحو ذلك، بغية انتزاع اعتراف من المتهمين ومعرفة الحقيقة([89]). 5- ويؤيد ذلك أيضاً، أنَّ اليمين لما كانت تهدف ــ كما هو الحال في البيِّنة ــ إلى إضاءة الواقع والكشف عنه، باعتبار أن الحالف لما كان مسلماً مؤمناً عادلاً، فهو يتورَّع عن الحلف كاذباً بالله، فيكون حلقه كاشفاً عن الواقع ومضيئاً له، فتكون البيِّنة النافية المطلعة على واقع أمره أقوى كشفاً عن الواقع من اليمين، وأبعد عن احتمال الكذب منه، لأن احتمال الكذب في الشاهدين منفي بعدالتهما، بينما الحالف رجل واحد ولا يشترط فيه العدالة، كما أن احتمال الخطأ في اثنين أضعف منه في واحد. وعليه، فإذا كانت يمين المنكر حجة، فإنّ بيِّنته حجة بطريق الأولوية. وعلى ضوء ما تقدَّم، فإن الأقرب في نظرنا قبول بيِّنة المنكر ــ وفاقاً لبعض الأعلام ــ وكفايتها عن اليمين، وإن كان الأحوط ضمِّ اليمين إليها لمزيد من الاحتياط للعدالة، ولا سيما أن احتمال الخطأ عند البيِّنة وارد، بينما الشخص لا يشك في فعل نفسه. أدلة المشهور: وأمّا القول المشهور بعدم قبول بيِّنة المنكر ابتداءً، ولا يمين المدعي، فيمكن الاستدلال له بعدة أمور: 1- قوله(ص): "البيِّنة على المدَّعي واليمين على من ادعي عليه"([90]). 2- صحيحة بريد بن معاوية عن أبي عبد الله(ع) قال: "سألته عن القسامة؟ فقال: الحقوق كلها: البيِّنة على المدَّعي واليمين على المدَّعى عليه، إلا في الدم خاصة"([91]). وتقريب الاستدلال بهما: أن مقتضى التفصيل القاطع للشركة، أن لا يقبل اليمين من المدَّعي والبينة من المنكر. ويلاحظ عليه: أن غاية ما يستفاد منهما، أن المنكر لا يكلَّف بالبيِّنة، والمدَّعي لا يطالب باليمين، لا أنه لا تقبل بيِّنة الأول أو يمين الثاني. إن قلت: إن إطلاق قوله(ع): "البيِّنة على المدَّعي" يدل على كونه ــ أعني المدَّعي ــ مطالباً بالبيِّنة، سواء حلف أو لم يحلف، وإطلاق قوله(ع): "واليمين على من ادعي عليه" يدلُّ على أن المنكر لا بد من أن يحلف، سواء قام البيِّنة أو لم يقمها، ولازم ذلك أنه لا أثر لبيِّنة المنكر ولا يمين المدعي. قلت: إنَّ في استفادة هذا الإطلاق خفاءً، لعدم إحراز كون المعصوم في الروايتين بصدد البيان من هذه الجهة، بل الأرجح أنهما واردتان في مقام تحديد ما يطلبه القاضي ابتداءً من المدَّعي والمدعى عليه، وليستا ناظرتين إلى حكم ما لو قدَّم المنكر بيّنة والمدعي يميناً. 3- خبر منصور، قال: " قلت لأبي عبد الله(ع): رجل في يده شاة، فجاء رجل فادعاها، فأقام البيِّنة العدول أنها ولدت عنده، ولم يهب، ولم يبع، وجاء الذي في يده بالبيِّنة مثلهم عدول أنها ولدت عنده، لم يبع ولم يهب؟ فقال أبو عبد الله(ع): حقها للمدَّعي ولا أقبل من الذي في يده بينة، لأن الله عز وجل إنما أمر أن تطلب البيِّنة من المدَّعي، فان كانت له بيِّنة، وإلا فيمين الذي هو في يده، هكذا أمر الله عزّ وجل"([92]). وهي واضحة الدلالة على عدم قبول بيِّنة المنكر وهو صاحب اليد، ومن جهة أخرى، فهي ناظرة إلى تفسير ما ورد عنه(ص) من القضاء بالأيمان والبينات، وأن المطالب بالبيِّنة هو المدًّعي، وباليمين هو المنكر، والوجه في نظرها إلى كلامه(ص) قوله(ع) فيها: "لأن الله عزّ وجل إنما أمر..."، وهكذا ما جاء في آخرها: "هكذا أمر الله عزّ وجل"، فإن من الواضح أن الله لم يأمر بذلك في كتابه، لخلو القرآن من هذه المسألة، فيكون المقصود أنه أمر بذلك من خلال رسوله(ص). وربما يقال: بأن الرواية دالة على أن بيِّنة المدَّعي المطلوبة منه بحسب ميزان القضاء، تقتضي الحكم على طبقها، ولا ينظر بعد إقامتها إلى أمر آخر، سواء كان يميناً أو بينة، ولا تدلُّ على عدم قبول بيِّنة المنكر إذا لم يقم المدَّعي البيِّنة، والله العالم. وكيف كان، فإنّ المشكلة في سند الرواية، فهي ضعيفة، باعتبار "أن محمد بن حفص الواقع في سند هذه الرّواية، ليس هو محمد بن حفص العمري وكيل الناحية الذي كان يدور عليه الأمر، كما توهمه الأردبيلي في جامعه، فإن محمد بن حفص هذا من أصحاب العسكري(ع)، فكيف يمكن أن يروي عنه إبراهيم بن هاشم الذي كان قد لقي الرضا(ع) وأدرك الجواد(ع)؟! وكيف يروي هو عن منصور الذي هو من أصحاب الصادق(ع) وأدرك الكاظم(ع)؟! فمحمد بن حفص الذي هو في سند الرواية رجل آخر مجهول، فالرواية ضعيفة غير قابلة للاعتماد عليها"([93]). 4- وربما يقرب القول بعدم قبول بيِّنة المنكر: أنها بيِّنة نفي، وبينة النفي لا تقبل، خلافاً لبيِّنة المدعي، فإنها بيِّنة إثبات، وهي مقبولة مع توفر الشروط، لأن إثبات أمر والشهادة به متيسّر لكلِّ من يملك الحواس السليمة، إذ يكشف بشهادته الواقع، بخلاف النفي، فإن من الصعب جداً نفي الوقوع، غايته نفي العلم به. ويلاحظ عليه: أن بيِّنة النفي قد تكون مطلعة على الواقع أيضاً، وحينئذٍ لا مانع من قبولها إذا كانت جازمة. نعم، لو كانت معتمدة على أصل العدم أو أصل البراءة فلا تقبل، وعلى سبيل المثال: لو ادعى على شخص أنه قاتل، وأنكر وأقام البيِّنة على النفي، وشهدت البيِّنة بأنه ليس قاتلاً، لأنه زمن القتل كان في موقع بعيد عن ساحة الجريمة برفقة الشهود، فلا مانع من قبولها لأنها مطلعة على الواقع. فتحصّل: أن الأقرب قبول بيِّنة المنكر من حيث المبدأ، غايته أنها تسقط إذا عارضته بيِّنة المدعي. ويمكن أن يقال: أن بيّنته إنما تقبل بطلب من القاضي، لكنّ ذلك خلاف ظاهر معتبرة إسحاق بن عمار ومعتبرة غياث، حيث دلَّتا على أن المدَّعي والمنكر أقاما البيِّنة من دون طلب الإمام منه ذلك. تحليف المنكر مع توفر البينة: إذا توفَّرت للمدَّعي بيِّنة، فهل يتعين عليه إقامتها أو يُخيّر بين ذلك وبين تحليف المنكر؟ قيل([94]): "يجوز للمدّعي إحلاف المنكر مع إمكان إقامة البيِّنة، غائبة كانت أو حاضرة، فلا يتعين عليه إقامتها، وإن علم بكونها مقبولة عند الحاكم، بل له العدول عنها ومطالبة الحلف". ويحتمل عدم جواز الإحلاف مع وجود البيِّنة، وقد يستدل على ذلك: أولاً: أن المستفاد من الأخبار أن وظيفة المدَّعي هي إقامة البيِّنة، كما في قوله(ص): "البيِّنة على المدَّعي واليمين على المدَّعى عليه"([95]). وأورد عليه السيد اليزدي: "أنه لا يستفاد منها الحصر، فلا منافاة بين أن يكون له البيِّنة وله الإحلاف أيضاً"([96]). ويمكن الاعتراض على الاستدلال بتلك الأخبار أيضاً: بأنها ليست في صدد بيان إلزامه بإقامة البيِّنة مع توفرها، وإنما في صدد بيان أنه لا يكلَّف باليمين. وبعبارة أخرى: إنّ المستفاد منها أن عليها البيِّنة في مقابل القول بأن عليه اليمين، لا في مقابل نفي اليمين مطلقاً ثانياً: التمسك بقوله(ع) في صحيحة سليمان بن خالد مشيراً إلى التحليف باسمه تعالى: "هذا لمن لم تقم له بينة"([97]). بتقريب أنه قد علّق التحليف والإضافة إلى اسمه تعالى على عدم البيِّنة، ما يعني أنه مع توفر البيِّنة لا يصار إلى اليمين. ولوحظ عليه: أنه(ع) علّق الحلف على عدم إقامة البيِّنة لا على عدم وجودها([98]). وفيه: إن معنى "لو تقم له بيِّنة" أنه ليس له في واقع الأمر بيِّنة يمكن إقامتها، والملاحظة الصحيحة على هذا الوجه هي ما سنسجله على الاستدلال بالوجه الثالث والرابع الآتيين. ثالثاً: التمسك بما جاء في الخبر المروي في التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(ع): "وإن لم يكن له بيِّنة حلَّف المدَّعى عليه"([99]). بتقريب أن المستفاد من مفهوم الشرط، أنه مع وجود البيِّنة، فلا تصل النوبة إلى حلف المنكر. ويلاحظ عليه: عدم ثبوت انتساب التفسير للإمام العسكري(ع). ويضاف إليه: أن الإمام(ع) يتكلم وفق فرضية عدم وجود البيِّنة التي هي الفرضية الطبيعية، لأن من يمتلك البيِّنة لا يطالب عادةً باليمين. رابعاً: التمسك بما جاء في مرسلة يونس المضمرة: "... فإن لم يكن شاهد، فاليمين على المدَّعى عليه"([100]). ويلاحظ على ذلك: أن غاية ما تدلُّ عليه، أن تعيّن الحلف على المدَّعى عليه إنما هو بعد فقد الشاهد، ولكنها لا تنفي جواز حلفه أو إحلافه في حال وجود الشاهد. وهكذا يتبين أنه لا وجه للمنع من إحلاف المنكر مع توفر البيِّنة لدى المدَّعي، بل إن الدليل على الجواز متوفر، وهو: أولاً: أن الحق حق المدَّعي والقضية قضيته، فكما يحق له إقامة الدَّعوى وتقديم البيِّنة، يحق له إهمال البيِّنة ومطالبة المنكر بالحلف. وفيه: أنه لم يثبت كون إقامة البيِّنة والتحليف حقاً له كما تقدم وسيأتي: ثانياً: صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله(ع): "إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقِّه فاستحلفه، فحلف أن لا حقّ له قبله، ذهبت اليمين بحقّ المدَّعي فلا دعوى له، قلت له: وإن كانت عليه بيِّنة عادلة؟ قال: نعم..."([101]). بتقريب أنه قد تمّ الاستحلاف على الرغم من توفر البيِّنة، ما يظهر منه عدم لزوم تقديم البيِّنة على الإحلاف. ثالثاً: إطلاق خبر محمد بن قيس عن أبي جعفر(ع) ــ في حديث ــ قال: "إن نبياً من الأنبياء شكا إلى ربه كيف أقضي في أمور لم أُخبر ببيانها؟ قال: فقال له: ردّهم إليّ وأضفهم إلى اسمي يحلفون به"([102]). بتقريب: أنها دلت على أن للحاكم إحلاف المنكر، سواء أكانت للمدعي بيِّنة أو لم تكن. ويلاحظ عليه: أنه من غير الواضح ثبوت إطلاقٍ للخير، والأرجح كونه في مقام بيان حجية اليمين القضائية ومعذريتها أمام الله، بل ربما يقال بدلالة الخبر على أنّ الرجوع إلى اليمين هو عند فقد البيِّنة، لأن المستفاد من قول النبي(ص): "كيف أقضي في أمور لم أُخبر ببيانها؟" أن السؤال عن الحكم في حال افتقاد البيِّنة، فتأمل. وأما اعتراض السيد اليزدي على الاستدلال، "بأن الأمر فيه متوجه إلى النبي لا إلى المدَّعي"([103])، فغير سديد، لأنه مبني على كون الإحلاف حقاً للمدعي لا للحاكم، وسيأتي التأمل فيه لاحقاً، وعلى فرض التسليم بذاك المبنى، فيمكن القول، بأن النبي المذكور(ص)، إنما سأل عن الحكم الشرعي في المسألة، وجاءه الجواب بالاستحلاف وإضافتهم إلى اسمه، مع غضِّ النظر عنه كونه هو المستحلف أو المدعي، وتوجيه الخطاب إلى النبي لأنه السائل لا لخصوصيته النبوية. وخلاصة الكلام: أنه لا مانع من المصير إلى اليمين مع توفر البيِّنة، ولا سيّما إذا كان في إقامة البيِّنة صعوبة على المدعي، أو لم يطمئن بقبول القاضي لها. يبقى أن نسجل ملاحظة هنا، وهي أن هذا الفرع ليس طبيعياً في واقع الأمور، باعتبار أن المدَّعي إنما يطرح الدَّعوى للوصول إلى حقه، فإذا كانت له حجة عليه، فلا معنى للرضا بيمين المنكر الذي يسقط حقه، مع كونه مخالفاً للواقع حسب اعتقاده، إلا إذا كان هناك ظرف طارئ يفرض عليه ذلك. العدول عن البيِّنة بعد إقامتها: ما ذكرناه من عدم تعين إقامة البيِّنة، وإمكان المصير إلى اليمين، واضح في صورة ما إذا لم تتم إقامة البيِّنة عد القاضي، وأمّا إذا تمت إقامتها لديه، ثم بدا للمدعي المصير إلى الإحلاف قبل الحكم على طبق البيِّنة، فهل له ذلك أم لا؟ استشكل السيد اليزدي(قده)([104]) في العدول عن البيِّنة المعتبرة إلى الحلف بعد إقامتها وقبول الحاكم، لكنه عاد ونفى البعد عن جواز العدول. وربما كان وجه الاستشكال: أنه بعد إقامة البيِّنة، فقد تحققت مقتضيات القضاء، وصار الأمر بيد القاضي، ولا سيما على ما رجحناه من عدم كون الإحلاف حقاً صرفاً للمدعي، بل الأمر بيد الحاكم، مضافاً إلى أن قوله(ع) في صحيحة سليمان خالد مشيراً إلى الحلف: "هذا لمن لم تقم له بينة"، يدل على عدم الإصغاء مع إقامة البيِّنة، والمفروض أنها أقيمت. وأما نفي البعد عن جواز العدول، فلعلَّ وجهه: أنه ما دام الحاكم لم يصدر حكمه، فلا يرتفع حق المدَّعي في الإحلاف، وإنما يفوت الحق المذكور بإصدار الحكم. ولكنه مدفوع بما ذكرناه، من الصحيحة الدالة على سقوط حق التحليف بإقامة البيِّنة، مع استبعاد لجوء المدَّعي إلى الإحلاف مع قيام الحجَّة لديه على حقه، إلا إذا كان هناك ظرف قاهر طارئ على ذلك كما أسلفنا. نظر الحاكم في حال البينة: إذا أقام المدَّعي البيِّنة، كان على الحاكم أن ينظر فيها وفي شهادتها، فإن لم تكن جامعةً لشرائط الشهادة طرحها وإن كانت جامعةً لها سابقاً، وإن جهل حالها استكشف ذلك وعمل بما يقتضيه من القبول والرد([105])، وأما لو علم عدالتها وجامعيتها للشرائط ــ كما لو كان عارفاً بالشهود ــ جاز الحكم على طبقها ولم يحتج إلى التزكية، ووجّه السيد اليزدي عدم الحاجة إلى التزكية بأن له "العمل بعلمه، خصوصاً في مسألة عدالة الشاهد"([106]). ويمكن القول: إن ذلك غير متفرع على مسألة حكم القاضي بعلمه، لأن بإمكانه التعويل على علمه بعدالة الشهود، حتى على القول بأنه ليس له أن يحكم بعلمه، والوجه في ذلك أنه في المقام لا يقضي بعلمه، بل استناداً إلى البيِّنة، غاية ما هناك، أن عدالة البيِّنة ثابتة عنده من خلال علمه ومعرفته الخاصة، وهذا ليس داخلاً في النزاع المعروف حول جواز قضاء القاضي بعلمه. ولكن هل يتوجَّب على القاضي قبل الحكم أن يسأل المنكر على وجود جارح للشهود، فلا يكتفي بعلمه بعدالتهم، أم لا يلزمه السؤال؟ استشكل في الجواهر([107]) في الوجوب، ونفاه السيد في ملحقات العروة([108]) قائلاً: "ولا يلزم سؤال المدَّعى عليه في أنه هل له جارح أم لا؟ نعم، يجوز له ذلك". وهو وجيه وتام، لعدم الدليل عليه، إلاّ في صورة جهل المنكر أن له جرح الشهود، فيجب إذ ذاك على القاضي إعلامه بذلك من باب تعليم الجاهل. وإذا أُعلم المنكر بحقه في الجرح أو كان عالماً به، فإن قال: لا جرح لديَّ أو لا كلام لي، كان على الحاكم إنفاذ الحكم على طبق البيِّنة، وإن ادعى وجود الجارح لديه سمعت دعواه، وطلب منه إحضاره، وإن طلب الإمهال أُمهل، لقول علي(ع) لشريح: "واجعل لمن ادعى شهوداً غُيَّباً أمداً بينهما، فإن أحضرهم أخذت له بحقه، وإن لم يحضرهم أوجبت عليه القضية"([109]). ويظهر من السيد اليزدي(قده) عدم وجوب الإمهال([110])، وجواز الحكم مباشرة، "لثبوت العدالة والأصل عدم الجارح"، وأما خبر شريح، فهو ناظر إلى شهود الأصل، وليس شهود التزكية والجرح. ولا يبعد أن المسألة تدور مدار اطمئنان الحاكم وعدمه، فلو كان غير مطمئن، استمهل المنكر ليحضر الجارح، وإن كان مطمئناً لعدالة البيِّنة أنفذ الحكم. ثم على القول بالإمهال، فقد حدَّده الشيخ في المبسوط([111]) بثلاثة أيام. والظاهر أنه لا دليل عليه، والأقرب تلك ذلك إلى تشخيص الحاكم، بما لا يؤدي إلى الإضرار بالمدعي وتضييع حقه. ثم إن أثبت دعواه بالجرح، أسقط الحاكم البيِّنة وإلا حكم على طبقها. ويتفرع على ذلك أنه إذا جرح ولم يقدر على إثبات جرحه، وكان الجرح يستوجب الحد، كما لو رمى الشهود بالزنا، فيحدُّ حدَّ القذف، وكذا لو كان مما له تعزير فإنه يعزر. ويبقى أنه لو علم الحاكم فسق الشاهدين أو فقدهما لبعض الشرائط الأخرى فعليه طرحهما، ولا يلزمه أن يطلب من المدَّعي التزكية، ولكن إذا كان المدَّعي يعتقد عدالتهما ويرى خطأ الحاكم في تفسيقهما، كما لو كان الحاكم يعتمد في إثبات الفسق على الاستصحاب، وقد تغير الموضوع وتبدل الحال بنظر المدَّعي، أو كان الحاكم معتمداً على ظاهر الحال، وكان الواقع ــ بنظر المدَّعي ــ على خلافه، فتسمع دعواه، فإن أثبتها حكم له، وإلا ردّ الشهادة. هل يجب على الحاكم الفحص عن عدالة الشهود؟ لو جهل الحاكم حال الشاهدين لجهة استجماعهما لشروط الشهادة وعدمه، فإن كان المدَّعي جاهلاً بأن له تزكيتهما، وجب على الحاكم إعلامه بذلك، لوجوب تعليم الجاهل، وإن كان عالماً بحقه في التزكية، لم يجب إعلامه به كما هو واضح، ولكن السؤال أنه لو كان عالماً بذلك، أو أُعلم به بيد أنه قال: لا طريق لي لإثبات التزكية، لأن في ذلك عسراً عليّ، أو قال: لا أريد أن أزكيهما وطلب من الحاكم الفحص عن عدالتهما، فهل يجب على الأخير الفحص أو لا يجب؟ قد يقال بالوجوب: ويستدلُّ له: أولاً: بأن مقتضى إطلاق الأمر بالحكم بالبيِّنة العادلة وجوب الفحص، لأن الفحص مقدمة للحكم الواجب فيجب، كما في إطلاق الأمر بالوضوء المقتضي وجوب الفحص عن الماء. ويلاحظ عليه: بأنَّ القياس مع الفارق، لتوفير الإطلاق في أوامر الوضوء بما يقتضي وجوب مقدمته، وأمّا فيما نحن فيه، فلا نسلِّم بإطلاق أدلة وجوب الحكم بالعدل لصورة عدم توفر البيِّنة المعتبرة، وإلا لو كان لها إطلاق، كان لازمها وجوب فحص الحاكم عن أصل وجود الشاهد وعدمه، وهذا ما لا يمكن الالتزام به قطعاً. ثانياً: لما حكي عن النبي(ص)، أنه كان يرسل شخصين من قبل لا يعلم أحدهم بالآخر، يسألان في قبيلة الشاهدين عن حالهما، فإن جاءا بمدحٍ وثناء حكم، وإن جاءا بشين ستر عليهما ودعا الخصمين إلى الصلّح، وإن لم يكن لهما قبيلة سأل الخصم عنهما، فإن زكَّاهما حكم وإلاّ طرحهما، وإليك نص الرواية كما أوردها الحر العاملي في الوسائل([112]): "الحسن بن علي العسكري(ع) في تفسيره عن آبائه، عن أمير المؤمنين(ع) قال: كان رسول الله(ص) إذا تخاصم إليه رجلان قال للمدعي: ألك حجة؟ فان أقام بيِّنة يرضاها ويعرفها، أنفذ الحكم على المدَّعى عليه، وإن لم يكن له بيِّنة حلَّف المدَّعى عليه بالله... إلى أن قال ــ وإذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير ولا شر، قال للشهود: أين قبائلكما؟ فيصفان، أين سوقكما؟ فيصفان، أين منزلكما؟ فيصفان... ثم يأمر فيكتب أسامي المدَّعي والمدعى عليه والشهود، ويصف ما شهدوا به، ثم يدفع ذلك إلى رجل من أصحابه الأخيار، ثم مثل ذلك إلى رجل آخر من خيار أصحابه، ثم يقول: ليذهب كل واحد منكما من حيث لا يشعر الآخر إلى قبائلهما وأسواقهما ومحالّهما والرّبض الذي ينزلانه، فيسأل عنهما، فيذهبان ويسألان، فان أتوا خيراً وذكروا فضلاً رجعوا إلى رسول الله(ص) فأخبراه... قضى حينئذٍ بشهادتهما على المدَّعى عليه، فان رجعا بخبر سيّئ وثناء قبيح... لم يهتك ستر الشاهدين ولا عابهما ولا وبخهما، ولكن يدعو الخصوم إلى الصلح، فلا يزال بهم حتى يصطلحوا، لئلا يفتضح الشهود، ويستر عليهم، وكان رؤوفاً رحيماً عطوفاً على أمته، فإن كان الشهود من أخلاط الناس، غرباء لا يُعرفون، ولا قبيلة لهما ولا سوق ولا دار، أقبل على المدَّعى عليه فقال: ما تقول فيهما؟ فإن قال: ما عرفنا إلا خيراً غير أنهما قد غلطا فيما شهدا عليّ، أنفذ شهادتهما، وإن جرحهما وطعن عليهما أصلح بين الخصم وخصمه، وأحلف المدَّعى عليه، وقطع الخصومة بينهما". ويلاحظ عليه ــ مضافاً إلى عدم صحة انتساب التفسير المذكور إلى الإمام العسكري(ع) ــ أن فعله(ص) لا يدل على الوجوب، وإنما غايته الجواز أو الرجحان على أحسن تقدير، بقرينة مداومته(ص) على ذلك، كما يشهد به التعبير بـ"كان" في الرواية، وهذا أمر لا نضايق منه، وإنما الكلام في الوجوب، فالأقوى عدم وجوب الفحص على الحاكم وإن كان ذلك جائزاً، ولكن إذا كان حسم النزاع ملحاً وضرورياً، فلا بد له من الفحص من أجل أن يتوفر له وجود ميزان الحكم وعدمه. ثم إذا فرض المدَّعي أقام بيِّنة على التزكية وكانت مستجمعةً لكافة الشرائط، وجب على الحاكم أن يبين للمدَّعى عليه أن له حق الجرح فيما لو كان جاهلاً بذلك، فإن أثبت الجرح بالبيِّنة سقطت بيِّنة المدَّعي بالمعارضة، وإن اعترف بعدم الجارح حكم عليه، وإن قال: لا طريق لي لإثبات الجرح، فهل يجب على الحاكم أن يفحص عن الجارح؟ الظاهر عدم وجوب الفحص عليه هنا، حتى لو قلنا بوجوبه في الفرع السابق، وذلك لأن المفروض وجود البيِّنة المقبولة للمدَّعي، والجرح غير قائم ولا ثابت. هل العدالة شرطٌ واقعي أم علمي؟ لا ريب ولا شك في اعتبار عدالة الشاهدين، ولكن هل العدالة المعتبرة فيهما هي من الشروط العلمية، كما هو الحال في عدالة إمام الجماعة، أو من الشروط الواقعية، كما هو الحال في شهادة الشاهدين في باب الطلاق. الظاهر أنَّ الثاني هو الأقرب، لأصالة الواقعية في الشروط، بمعنى أن ظاهر أخذ أمر شرطاً في الواجب أنه كذلك في الواقع، وحمله على العلمية، يحتاج إلى قرينة وهي مفقودة في المقام: وأمّا ما ذكره صاحب الجواهر([113])، من أنه لولا اتفاق كلمة الأصحاب ظاهراً، وأصالة الواقعية في الشرائط ولو كانت مستفادةً من قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}([114])، لأمكن أن يدعى أن الشرط عليم، لإطلاق ما دلَّ على نفوذ الحكم وعدم جواز ردِّه إذا كان على نحو قضائهم(ع)، وعلى حسب الموازين التي نصبوها لذلك، ولا دليل على اشتراطٍ أزيد من ذلك حتى قوله تعالى المذكور المراد منه: ذوي عدل عندكم، لا أقل من الشك، فيبقى ما دل على نفوذ الحكم بحاله، إنّ ما ذكره غير سليم، لأن إطلاق ما دلَّ على نفوذ حكم القاضي لا يلغي شرطية العدالة، بل هو موقوف عليها، لأنه مقيّد بما إذا كان الحكم جامعاً للشرائط، ومنها عدالة الشاهدين، وهو ظاهر في العدالة الواقعية. وبعبارة أخرى: إن الحكم إنما ينفذ إذا كان على نحو قضائهم ــ كما أفاد صاحب الجواهر ــ إلاّ أن كونه كذلك بدون توفر الشاهدين العادلين واقعاً أول الكلام، إلاّ أن كون كذلك بدون توفر الشاهدين العادلين واقعاً أول الكلام، فيكون التمسك بالإطلاق المذكور في المقام تمسكاً بالعام في الشبهة المصداقية، كما أن تفسير قوله تعالى: {ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} بما ذكره خلاف الظاهر. تبيّن فسوق الشهود: ثم إنه بناءً على اعتبار العدالة الواقعية في الشهود، فإن لدينا أربع صور في المقام: الأولى: إذا تبيَّن بعد الحكم فسق الشاهدين أو أحدهما حال الشهادة، فلا شك في انتقاض الحكم بنفسه، لأن مستنده شهادتهما، وقد تبيَّن فسقهما، فلا يعوَّل عليهما، بل وجودهما كعدمهما، ولا يفرَّق في ذلك بين ما لو كان الحاكم معتمداً على الاستصحاب أو متيقناً بعدالتهما. الثانية: إذا تبين عروض الفسق بعد صدور الحكم، وفي هذه الصورة لا مجال لانتقاض الحكم، لأنه صدر من أهله وفي محلّه، إذ المفروض توفر العدالة عند الحكم كما عند الأدلاء بالشهادة، وهو كافٍ ولا يشرط بقاؤها واستمرارها بعد ذلك. الثالثة: إذا تبيّن الفسق بعد إقامة الشهادة وقبل حكم الحاكم، بمعنى عروضه في الزمن الفاصل بين الأمرين، وفي انتقاض الحكم وعدمه بذلك، بمعنى جواز الحاكم وعدمه قولان: الأول: عدم الانتقاض وهو أحد قولي الشيخ الطوسي([115])، والعلامة الحلي([116])، ومختار ابن إدريس([117])، والمحقق([118]) في الشرائع. قال الأخير في كتاب الشهادات من شرايعه: "لو شهدا ثم فسقا قبل الحكم، حكم بهما، لأن المعتبر بالعدالة عند الإقامة". الثاني: الانتقاض وعدم التعويل على الشهادة، وهو القول الآخر للشيخ([119]) والعلامة([120])، ومختار الشهيدين([121]) وجماعة([122])، ويظهر من صاحب الجواهر الميل إليه([123]). والقولان موجودان لدى العامة، قال ابن قدامة: "إن الشاهدين إذا شهدا عند الحاكم، وهما ممن تقبل شهادتهما، ولم يحكم بها حتى فسقا، أو كفرا، لم يحكم بشهادتهما، وبهذا قال أبو يوسف، والشافعي، وقال أبو ثور، والمزني : يحكم بها، لأن بقاء أهلية الشهادة ليس شرطاً في الحكم، بدليل ما لو ماتا، ولأن فسقهما تجدد بعد أداء الشهادة، فأشبه ما لو تجدد بعد الحكم بها. ووجه ذلك من طريقين: أحدهما: أن عدالة الشاهد شرط للحكم فيعتبر دوامها إلى حين الحكم، لأن الشروط لا بد من وجودها في المشروط، وإذا فسق انتفى الشرط، فلم يجز الحكم. والثاني: أن ظهور فسقه وكفره، يدل على تقدمه، لأن العادة أن الإنسان يُسرّ الفسق، ويظهر العدالة، والزنديق يُسرّ كفره، ويظهر إسلامه، فلا نأمن كونه كافراً أو فاسقاً حين أداء الشهادة، فلم يجز الحكم بها مع الشك فيها"([124]). أدلة القول الأوَّل: واستدلّ للقول الأول (عدم الانتقاض) بعدة وجوه: أولاً: بما ذكره المحقق: من أن الاعتبار بالعدالة عند إقامة الشهادة. وردّ "بأنه مصادرة، لأن كون الاعتبار بالعدالة حالة الأداء لا حال الحكم عين المتنازع"([125]). ثانياً: بأن الحكم بشهادتهما مع استمرار العدالة ثابت فكذا مع زوالها، عملاً بالاستصحاب. وفيه: ما تقدم أكثر من مرة، من عدم حجية الاستصحاب في الشبهات الحكمية. ثالثاً: قال بعض الفقهاء([126]): "بأنه لو طرأ فسق شاهد الأصل قبل الحكم بشهادة الفرع لم يحكم، محتجاً بأن الحكم مستند إلى شهادة الأصل... ولا فرق بين الأمرين، بل الحكم هنا بعدم الحكم أولى، لأنه مستند إلى شهادة من قد فسق خاصة". أدلة القول الثاني: واستدل للقول الثاني (الانتقاض): أولاً: أنهما فاسقان حال الحكم فلا يجوز الحكم بشهادتهما، إذ يصدق أنه حكم بشهادة الفاسق([127]). وفيه: أنه مع فرض كونهما عادلين حال إقامة الشهادة، فلا يصدق على الحكم بشهادتهما أنه حكم بشهادة الفاسق، بل بشهادة العادل. ثانياً: بأن طروء الفسق يضعف ظن العدالة السابقة، لبعد طروها دفعةً واحدةً([128]). ونلاحظ على ذلك، أنَّ هذا الأمر ليس ثابتاً بشكل شامل، لأن الفسق قد يحصل لحالة طارئة قاهرة تهز في الإنسان توازنه مما لم يكن متوفراً سابقاً. ولذلك فإن الأقرب هو القول الأول، لأن الأساس في الحكم البيِّنة العادلة هو كونها عادلة عند إقامتها مما يصدق معه الحكم بشهادة العدلين، والقول بوجوب الاستمرار للعدالة عند الحكم لا دليل عليه، لأنهما في تلك الحال ليسا شاهدين ولا شهادة لهما، باعتبار انقضائها عند الإقامة. الرابعة: إذا لم يعلم الحال وجُهل التاريخان، فلم يدر أن الفسق طرأ بعد الحكم أو قبله، وقد أفتى السيد اليزدي فيها بعدم نقض الحكم، وهو متين بناءً على ما ذكرناه من كفاية العدالة عند إقامة الشهادة، فلا فرق في طروء الفسق قبل الحكم أو بعده، شرط أن يكون حصوله بعد إقامة الشهادة. شروط الجرح والتعديل: ذكر الفقهاء([129]) عدة شروط وضوابط للجرح والتعديل، منها أنه: "يشترط في المعدِّل والجارح معرفة شرائط الجرح والتعديل وأسبابهما، وموافقة مذهبهما لمذهب الحاكم مع الاختلاف فيها". وكذا لا بدّ من معرفة مذهب المشهود عليه، وأنه خالف مذهبه ولو بمخالفته لمرجع التقليد الذي يرجع إليه أم لم يخالفه. وقالوا أيضاً: "يشترط في التعديل المعاشرة الباطنة المتقادمة مع الشاهد، بحيث تفيد العلم أو الظن بالملكة، لخفائها، بخلاف الجرح، لظهور أسبابه". وخالف في ذلك بعضهم، كالسيد اليزدي، فقال: "والأقوى عدم الفرق بينهما ــ الجرح والتعديل ــ في عدم الاعتبار ــ أي عدم اعتبار المعاشرة الباطنة ــ لأن العدالة وإن كانت هي الملكة، وهي خفيّة، إلا أنّ الكاشف عنها، وهو حسن الظاهر، أمر ظاهر"([130]). والظاهر صحة ما ذكره السيد (رحمه الله)، لأن قضية الشهادة هي جزم الشاهد بما يشهد به، بما يكون حجةً في إثبات المشهود به، وهو متحقق مع حسن الظاهر، كما هو متحقق بالمعاشرة الباطنة مما يطمئن به الشاهد، ولذلك فتقبل شهادته جرحاً وتعديلاً مع فرض كون السبب مقبولاً في الجميع. كفاية الإطلاق في التعديل والجرح: اختلف الفقهاء في أنه هل يكفي الإطلاق في الجرح والتعديل، بأن يقول: هذا عادل أو فاسق، أو لا بدّ من التفصيل وذكر السبب في الجرح والتعديل معاً أو في أحدهما، على أقوال: 1- القول الأول: وهو للمشهور([131])، وهو كفاية الإطلاق في التعديل، ولزوم التفسير في الجرح، والوجه في ذلك: أن ما يعتبر في العدالة كثيراً جداً، من فعل هذا الواجب وذاك... وترك هذا المحرم وذاك... فيحتاج التفصيل إلى ذكر جميع الكبائر والواجبات، وهو متعسِّر، ويلزم منه سدّ باب الشهادة والقضاء، وهذا بخلاف الجرح، فإنّ التفسير فيه لا يحتاج إلاّ إلى ذكر سبب واحد موجب للفسق. ويلاحظ على هذا القول: أنَّ تعذر ذكر التفاصيل في التعديل لا يقتضي صحة الشهادة بدونها، إلا إذا أريد إسقاط شرطية التفسير، أما مع الحفاظ على شرطيته، فلا بدَّ من الالتزام ببطلان الشهادة بدونه، لأن المشروط عدم عند عدم شرطه، كما هو الحال في تعذر الطهورين، فإنه يسقط وجوب الصلاة، لا أنه يقتضي صحتها بدونهما. 2- القول الثاني: كفاية الإطلاق فيهما([132])، ووجهه: أن العادل لا يخبر عن أمر، سواء كان جرحاً أو تعديلاً أو غيرهما، إلاّ مع العلم بتحققه وتحقق أسبابه. وهذا القول قابل للمناقشة: وذلك أنَّ عدالة الشخص غاية ما تقتضيه أن يشهد في العدالة بما يراه عدالة، وأن يشهد في الفسق فيما يعتقده فسقاً، ولمّا كان هذا الشخص معرَّضاً للاشتباه، وكانت أسباب العدالة والفسق مختلفة باختلاف أنظار الفقهاء، بل إن العدالة نفسها قد اختلف فيها، وأنها ملكة أو هي الاستقامة على جادة الشريعة، فكيف يمكن الاعتماد على شهادته المطلقة؟! خصوصاً أن مبنى القاضي في العدالة أو الفسق قد يكون مختلفاً عن مبنى الشاهد اجتهاداً أو تقليداً. 3- القول الثالث: اعتبار التفسير فيهما معاً([133])، وذلك لما أشير إليه في مناقشة القول السابق، من الاختلاف في أسباب الجرح والتعديل، الأمر الذي يحتّم التفسير فيهما لئلا يختلف مذهب الجارح والمعدّل عن مذهب الحاكم، لكن غاية ما يقتضيه هذا التوجيه رفض الشهادة المطلقة فيما إذا علم باختلاف أسباب الجرح والتعديل، واختلاف مذهب المعدل والجارح عن مذهب الحاكم، وإلا فمع إحراز عدم الخلاف في ذلك، فلا تبقى حاجة للتفسير. 4- القول الرابع: عكس الأول، بمعنى اعتبار التفصيل في التعديل دون الجرح، وهو للعلامة الحلّي(قده)([134])، ووجهه: سهولة العلم بالفسق، لأنه يكفي في تحققه فعل ذنب واحد، فالخطأ فيه نادر، بخلاف التعديل، فإنه في معرض كثرة الخطأ، فلا بدّ فيه من ذكر السبب. وربما يلاحظ عليه: أن دعوى سهولة العلم بالفسق وصعوبة العلم بالعدالة غير صحيحة، ذلك لأن العدالة والفسق يتواردان على موضوع واحد، فالاختلاف في أحدهما يستوجب الاختلاف في الآخر، والاختلاف في أسباب أحدهما يقتضي الاختلاف في أسباب الآخر. 5- القول الخامس: كفاية الإطلاق في التعديل والجرح معاً، شريطة أن يكون الشاهد عالماً بأسبابهما([135])، أما إذا كان لا يملك الثقافة الشرعية في هذا المجال، فلا يكتفى بالإطلاق، حذراً من الوقوع في تفسيق العادل أو تعديل الفاسق. 6- القول السادس: وهو القول الخامس نفسه، بإضافة قيد آخر إلى العلم بأسبابهما، وهو موافقة مذهبهما لمذهب الحاكم تقليداً أو اجتهاداً، وهو مختار المحقق النراقي([136]) والسيد اليزدي([137])، قال الأخير: "والأقوى ــ وفاقاً لبعضهم ــ كفاية الإطلاق فيهما مع العلم بالأسباب وموافقة مذهبهما لمذهب الحاكم تقليداً أو اجتهاداً". فإذا اختل أحد الشرطين، بأن لم يكن الشاهدان عالمين بأسباب الجرح والتعديل أو أحدهما، أو لم يكن مذهبهما موافقاً لمذهب الحاكم، وجب حينها ذكر السبب ولم يكتف بالإطلاق. وهذا القول هو الأقرب إلى الصواب في نظرنا، والوجه في ذلك: أن التفسير إنما يحتاج إليه لدفع محذور احتمال الاختلاف في أسباب الجرح والتعديل، أو اختلاف رأي المعدّل والجارح عن رأي الحاكم، فباشتراط هذين الأمرين ترتفع الحاجة إلى التفسير، والوجه في القيد الأول، وهو معرفة الشاهدين بالأسباب، هو ما تقدَّك في القول الخامس، وأما الوجه في القيد الثاني، وهو موافقة رأيهما لرأي الحاكم، فهو أن الشهادة بالعدالة ــ كما في غيرها ــ لا يقصد بها إثبات عنوان العدالة ومفهومها بشكل إجمالي وغائم، بل واقعها كما يراه الحاكم الذي لا يمكنه إصدار الحكم إلا بعد ثبوت عدالة الشّاهدين وفق رأيه الفقهي، ولذا فلا تكون الشهادة بمفهوم العدالة على إجماله كافية. وقد يلاحظ على هذا القول: أنَّ السيرة جارية على عدم ذكر أسباب الجرح والتعديل، وإنما يكتفى بالإطلاق، ولا يبعد اتصال السيرة بزمن المعصومين(ع)، والمعهود من طريقة الشرع حمل عبارة الشاهد على الواقع ولو مع الاختلاف. فكما لا يجب السؤال عن سبب الملك أو الطهارة أو النجاسة عند الشهادة بها، فلتكن العدالة والفسق من هذا القبيل. ويردُّ السيد اليزدي([138]) على هذه الملاحظة: بمنع السيرة المذكورة إلاّ فيما لا اختلاف في أسبابه، أو علم بالقرائن اتفاق المذهبين، أي مذهب المعدّل والجارح، أو نحو ذلك. وتوضيحه: أن السيرة دليل لبي لا إطلاق فيها، والقدر المتيقن منها هو صورة ما إذا ما لم يكن هناك اختلاف في أسباب الجرح والتعديل، ولا بين مذهب المعدِّل والجارح ومذهب الحاكم. وأضف إليه: أن ما هو جارٍ مما يظن أنه سيرة ناشئ عن الغفلة والتسامح، فلا يعتدُّ به، ولا سيما أن الطبيعية العقلائية تتجه إلى التوقف عن الحكم عند اختلاف الأنظار في مثل هذه القضية التي يراد بها معرفة الواقع. وعلى ضوء ذلك، فالتفصيل الذي اختاره السيد اليزدي وغيره إن لم يكن أقوى فهو الأحوط. ألفاظ التعديل: هل يشترط لفظ خاص في الشهادة بالعدالة، أو يكفي مطلق لفظ ظاهر في ذلك؟ الظاهر هو الثاني، ولا أساس للقول باعتبار ألفاظ خاصة، ولا سيما أن المسألة ليست من المسائل التعبدية، وإنما هي من المسائل العقلائية الممضاة شرعاً، ولذا يمكن أداء التعديل بأيِّ لفظ كان، شرط أن يكون ظاهراً في التعديل ظهوراً أولياً، أو ثانوياً بضميمة القرائن اللفظية أو المقامية، ولا بد أيضاً من أن يكون بعنوان الشهادة لا الإخبار، لأن للشهادة مقاماً خاصاً يدل على التزام معين غير متوفّر في مجرد الإخبار، لا نقصد بذلك أداء الشهادة بلفظ "أشهد"، وإنما يكفي مطلق لفظ يُعبّر عن كونه في مقام الشهادة، ولو بدلالة قرائن الأحوال، خلافاً لما ذكره بعض الفقهاء، كابن قدامة في المغني، قال([139]): "ويعتبر لفظ الشهادة في أدائها، فيقول: أشهد أنه أقرّ بكذا ونحوه، ولو قال: أعلم، أو أحق، أو أتيقن، أو أعرف، لم يعتدّ به، لأن الشهادة مصدر شهد يشهد شهادةً، فلا بدّ من الإتيان بفعلها المشتق منها، ولأن فيها معنى لا يحصل في غيرها من اللفظات، بدليل أنها تستعمل في اليمين، فيقال: أشهد بالله، ولهذا تستعمل في اللعان، ولا يحصل ذلك من غيرها، وهذا مذهب الشافعي، ولا أعلم فيه خلافاً". وعلى ضوء ذلك، اتَّضح أنه لا وجه لوجوب ذكر لفظ "عدل"، وأضعف منه ما نُسب إلى أكثر المتأخرين([140]) من اعتبار ضمِّ قوله: "مقبول الشهادة" مطلقاً أو بإضافة قوله "لي" أو "عليّ"، لأن الكلام في خصوص التعديل لا في المقبولية من جهة سائر الشرائط المعتبرة في الشهادة. ثم المقبولية من جهة سائر الشروط تحتاج إلى إحراز، وربما يكتفى منها بعدم إحراز انتفائها وارتفاعها، لا أنه يشترط إحراز وجودها، لأن مقتضى الأدلة في قبول الشهادة، وأما سائر ما يعتبر في قبولها، فهو من قبيل الموانع المدفوعة بالأصل، فمع تحقق العدالة يجب الحكم، إلا إذا ثبت وجود أحد الموانع: من الخصومة، وجرّ النفع، وكونه ولداً على والده ونحو ذلك. تعارض بينتي الجرح والتعديل: إذا اختلف الشهود في الجرح والتعديل، فتارةً يكون التعارض على نحو التخالف، بحيث يمكن اجتماعهما، كما إذا قالت بيِّنة التعديل: إنه ذو ملكة ولا نعلم صدور كبيرة منه، وقالت بيِّنة الجرح: رأيته يرتكب كبيرةً ولم نتحقق منه التوبة، وكذا لو أطلقت بيِّنة التعديل فقالت: هو عادل، وقالت الأخرى: رأيته يوم كذا يرتكب كبيرةً، فيحكم بالجرح في هذه الحالة لعدم التضاد بين البيِّنتين، ونحوه ما لو قال الجارح: رأيته يوم كذا يرتكب كبيرة، وقال الآخر: لقد تاب بعد ذلك وهو فعلاً ذو ملكة ــ بناءً على تفسير العدالة بالملكة ــ فيحكم بالعدالة، لعدم التعارض الموجب للتكاذب، وتارةً أخرى يكون التعارض بنحو التعارض الحقيقي، أي التكاذب المانع من صدقهما، كما لو قال الجارح: رأيته يوم كذا يزني في مكان كذا، وقال الآخر: إنه كان في ذلك اليوم مشغولاً بالمطالعة في مكان آخر غير ذاك المكان، أو أطلقا التعديل والتجريح، فقال أحدهما هو عادل، وقال الآخر هو فاسق. ويوجد في هذه الصورة عدة احتمالات: الأول: تقديم بيِّنة الجرح، لاعتضادها بأصالة عدم حصول سبب الحكم في المثالين المذكورين، لأن سبب الحكم وأساسه هو البيِّنة العادلة، ولم يثبت توفرها، مضافاً إلى وجه آخر يجري في خصوص المثال الثاني، أقصد مثال إطلاق الجرح والتعديل، وحاصله: أن الغالب في التعديل الاعتماد على أصالة عدم صدور معصية كبيرة منه، ولا ينطلق من دراسة شاملة لكل أوضاعه وأفعاله. ويلاحظ عليه: أن ظاهر قول المسلم "هو عادل"، أنه اعتمد في معرفة عدالته على الحس والمعاشرة لا على الأصل. ويلاحظ على الوجه الأول: أن عدم حصول سبب الحكم لا يقتضي حجة بيِّنة الجارح، بل هي مكافئة لبيِّنة التعديل في الحجية، الأمر الذي يقتضي تساقطهما بسبب التكاذب كما سيأتي. الثاني: تساقط البيِّنتين كما هو المقرر في محله عند تعارض الأمارتين، وبعد التساقط يؤخذ بالحالة السابقة للشاهد من الفسق أو العدالة، استصحاباً لها إن كانت معلومة، وإلاّ توقف الحاكم عن الحكم بالجرح والتعديل، ويكون الحال كما لو لم توجد بيِّنة من رأس، فيؤخذ بيمين المنكر. وهذا هو ما قوَّته السيد اليزدي([141])، وهو غير بعيد. الثالث: ما حكي عن الشيخ في الخلاف([142]) أنه قال: "وقف الحاكم"، على أن يكون المراد بوقفه توقّفه عن الحكم رأساً، فلا يحكم حتى بيمين المنكر، لاحتمال انحصار حجية اليمين فيما إذا لم تقم بيِّنة للمدعي أصلاً، وأما مع قيامها ــ وإن كان لا يعمل بها لأجل المعارضة ــ فلا يصار إلى اليمين، بل يكون ميزان الحكم مجهولاً. ولكن السيد اليزدي(قده)([143]) استبعد هذا الاحتمال عن عبارة الشيخ(قده)، مستظهراً أن يكون المراد بتوقف الحاكم ليس تجميد الحكم رأساً، بل توقفه عن الحكم ببينة التعديل لمعارضتها ببيِّنة الجرح، وعليه فلا يكون هذا القول جديداً بل مردّه إلى سابقه. وكيف كان، فالاحتمال الأوّل في عبارة الخلاف غير صحيح في نفسه، لأن ظاهر قوله(ص): "البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر"([144])، وغيرها من الروايات الدالة على اعتماد البيِّنة تمثل أساساً للحكم من خلال حجيتها، فمع عدمها أو عدم حجيتها يصار إلى اليمين. وبعبارة أخرى: إن الموجب للرجوع إلى اليمين ليس عدم وجود البيِّنة، بل عدم حجيتها. الرابع: الرجوع إلى القرعة في تقديم إحدى البيِّنتين على الأخرى، فإن القرعة لكل أمر مشتبه، احتمله السيد اليزدي(قده) معترفاً أنه لا قائل به([145]). ويلاحظ عليه: أن عموم القرعة لا شمول له لموارد تعارض الحجج والأمارات، وإلا لزم تأسيس فقه جديد، والاستغناء عن البيِّنات والأمارات. الترجيح بالأكثرية: في حالة تعارض بيِّنتي الجرح والتعديل، فإن كانت البيِّنتان متساويتين من حيث العدد تعارضتا وتساقطتا، أما لو كانت إحداهما أكثر عدداً، بأن كان بيِّنة الجرح اثنتين وبينة التعديل أربعة، فإن حضر الشهود الأربعة في آن واحد وعارضهم الاثنان القائلان بالجرح، فهل يجعل الأربعة في قبال الاثنين ويتساقط الجميع؟ أم يجعل اثنين من شهود التعديل في قبالة بيِّنة الجرح ويتساقطان، وبعدها يبقى اثنان للتعديل فيؤخذ بهما؟ مال السيد اليزدي(قده) إلى الثاني قائلاً: "في تعارض الجرح والتعديل، إذا كان شهود الجرح اثنين وشهود التعديل أربعة، يمكن أن يقال: بتساقط اثنين بالاثنين، وبقاء اثنين للتعديل، وكذا العكس، وأولى بذلك إذا كان كل منهما اثنين، وبعد التساقط وجد اثنان آخران لأحدهما"([146]). وقد يلاحظ عليه: أنه في باب التعارض ينظر إلى كل واحد من البيِّنتين على نحو المجموع دون أن تجزَّأ البيِّنة، فالأربعة تجعل في قبال الاثنين، فيتعارضان ويتساقطان، من دون فرق بين الصورتين المتقدمتين. لكن يمكن أن يقال: إنه بالرجوع إلى سيرة العقلاء، نجدهم يحكمون بالتساقط عند تعارض البيِّنتين وتساويهما، لا في حالة وجود مرجِّح لإحداهما، والكثرة عندهم مرجّح، فلو قدّم أحدهما شاهدين والآخر عشرة أو ثمانية، فلا ينظرون إليهما نظرة المتساويين. ومن هنا ذكر الشيخ الأنصاري في عداد المرجّحات السندية: "أن يكون الراوي لإحدى الروايتين متعدداً وراوي الأخرى واحداً، أو يكون رواة إحداهما أكثر، فإن المتعدد يرجح على الواحد والأكثر على الأقل، كما هو واضح، وحكي عن بعض العامة عدم الترجيح، قياساً على الشهادة والفتوى"([147]). طرق ثبوت عدالة الشهود: كيف تثبت العدالة والجرح في الشاهدين؟ وهل إن مطلق الثبوت كاف في مقام الشهادة أو لا بدَّ من ثبوت خاص؟ والجواب: إن أصل ثبوت العدالة المقتضي لترتيب الآثار عليها ــ كالصلاة خلف العادل مثلاً ــ يتحقَّق من ثبوت خاص؟ الأول: العلم الوجداني الحاصل من المعاشرة، فالعلم حجة في نفسه، وحجيته ذاتية عقلية، وكل الحجج تنتهي إليه. الثاني: الشياع المفيد للعلم([148]). ويمكننا القول: إن الشياع ليس حجةً في ذاته، بل حجيته مستمدة من حجية العلم، باعتبار أنه من جملة أسبابه. الثالث: البينة وإن لم نقل بعموم حجيتها([149]). أقول: لا لبس في المقام فيما لو بنينا على حجية البيّنة في جميع الموارد، إلا ما خرج بالدليل، كما هو المشهور والمختار، لجملة من الأدلة والروايات الدالة على ذلك، ومنها رواية مسعدة بن صدقة([150]) عن أبي عبد الله(ع): "والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيِّنة"، على أنّ حجية البيِّنة هي أمر عقلائي عام ومنتشر عند كافة العقلاء. وأما لو لم نقل بعموم حجية البيِّنة كما يرى البعض، فإننا مع ذلك، نلتزم بحجيتها في المقام، وذلك لجملة من الأدلة: أوَّلا: الجماع([151]). إلاّ أن يقال: بأن الإجماع ليس تعبدياً، بل هو محتمل المدركية، لما يأتي من وجوه. ثانياً: ما ورد في تفسير الإمام العسكري(ع)، من أنَّ النبي(ص): "إذا كان لا يعرف الشهود بخير ولا شر، أرسل رجلين من خيار أصحابه إلى قبائل الشهود لتفتيش أحوالهم عن قومهم فإذا أتيا بخير أنفذ شهادتهم وإذا أتيا بخبر سيئ لم ينفذ"([152]). ودلالة الرواية تامة، بيد أن المشكلة في عدم ثبوت نسبة هذا التفسير إلى الإمام العسكري(ع)، ولذا فهي تصلح للتأييد لا للاستدلال. ثالثاً: مرسلة يونس قال: "استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين..."([153])، بتقريب: أن استخراج الحقوق بشهادة العدلين أعم مما يكون مباشراً بأن يشهدا على الحق، أو بشكل غي مباشر بأن يشهدا بعدالة الشهود الذين يتم استخراج الحق بواسطتهم. ويلاحظ عليه: أن الظاهر من الرواية، أن النظر إلى الاستخراج بشكل مباشر، هذا مضافاً إلى ضعفها بالإرسال والإضمار. رابعاً: ما ورد في الصحيح عن أبي عبد الله(ع) قال: "قال رسول الله(ص): البيِّنة على من ادعى، واليمين على من ادّعي عليه"([154]). وتقريب الاستدلال: أنه إذا حصل النزاع في عدالة شخص وعدمها، فيرجع في إثبات العدالة إلى البيِّنة، لشمول الحديث لذلك، كما يشمل سائر موارد النزاع. الرابع: الاستصحاب، فلو كانت عدالة زيد ثابتة، ثم شكَّ في ارتفاعها، استصحب بقاؤها، لعموم أدلة الاستصحاب وشمولها للموضوعات، وإن كان الاستصحاب لا يجري في الأحكام كما هو المختار لنا. الخامس: خبر الواحد. وقع الكلام بينهم في ثبوت العدالة وسائر الموضوعات بخبر الواحد، فالمشهور عدم حجيته في الموضوعات بخلاف الأحكام، قال السيد اليزدي: "ولا تثبت ــ العدالة ــ بالظن ولا بخبر الواحد، وإن بلغ حد الشياع إذا لم يفد العلم، ونقل عن بعضهم وجود القول بكفايته"([155]). وقد استدلُّوا لذلك بجملةٍ من الأدلة، منها: الحصر المستفاد من رواية مسعدة بن صدقة المتقدمة: والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيِّنة"، حيث حصر(ع) الحجَّة بالعلم والبيِّنة، وخبر الواحد ليس منهما. وردَّ هذا الاستدلال: أنَّ المراد بالبيِّنة في الرواية ليس شهادة العدلين، بل مطلق الحجة، وإطلاق البيِّنة على خصوص شهادة العدلين هو مصطلح متأخر عن النص. نعم، هما من أجلى مصاديق البيِّنة ولكنها لا تنحصر بهما، ولهذا فإن البينات في قوله(ص): "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ"([156])، لا يراد بها خصوص شهادة العدلين، بل مطلق الحجَّة الشرعية. وسيأتي الحديث عن ذلك، كما أنّ عمدة الدليل على حجية خبر الواحد في الأحكام هو السيرة العقلائية، والعقلاء لا يفرِّقون في الاعتماد على خبر الثقة أو الخبر الموثوق ــ على الخلاف ــ بين أن يكون متعلقه حكاً شرعياً أو موضوعاً لحكم شرعي، بل أغلب اعتمادهم عليه إنما هو في الموضوعات، فيمكن الاعتماد عليه في المقام وهو إثبات العدالة. إلا أنه قد ادعي([157]) الإجماع على عدم كفايته ففي الشهادة ولو كان حجةً في غيرها. وهذا صحيح، بيد أن كلامنا الآن فيما تثبت به العدالة كموضوع من الموضوعات، ولا مانع من ثبوتها بخبر الواحد بناءً على حجيته في الموضوعات، وليس كلامنا في كفاية خبر الواحد في مقام الشهادة ولو بالعدالة في حال حصول نزاع فيها. وقد حاول بعضهم إثبات حجية خبر الواحد ومطلق الظن في خصوص إثبات العدالة دون سواها من الموضوعات، بتقريب: "أن العدالة هي الملكة، وهى من الأمور الخفية التي لا يمكن حصول العلم بها غالباً فلو اعتبر العلم فيها لانسدَّ طريق ثبوتها"([158]). ويردُّه: أنه لو سلَّمنا أن العدالة ملكة خفية ويعسر الاطّلاع عليها غالباً، لكن الشارع جعل رها طريقاً سهلاً كاشفاً عنها، وهو حسن الظاهر، كما هو المستفاد من الأخبار الكثيرة: منها: مرسلة يونس بن عبد الرحمن عن بعض رجاله عن أبي عبد الله(ع) قال: "خمسة أشياء يجب على القاضي الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولاية، والمناكح، والمواريث، والذبائح، والشهادات، والأنساب، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه"([159]). ومنها: رواية عبد الله بن المغيرة عن الرضا(ع) قال: "كل من ورد على الفطرة وعرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته"([160]). ومنها: رواية عبد الله بن أبي يعفور قال: "قلت لأبي عبد الله(ع): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم وعليهم؟ فقال: أن تعرفوه بالستر والعفاف وكف البطن والفرج واليد واللسان..."([161]). ومنها: خبر الطائي عن الرضا(ع) عن آبائه عن علي(ع) قال: "قال رسول الله(ص): من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدَّثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت اخوّته، وحرمت غيبته"([162]). ومنها: رواية علقمة قال: "قال الصادق(ع) وقد قلت له: يا ابن رسول الله(ص)، أخبرني عمن تقبل شهادته، ومن لا تقبل، فقال: يا علقمة كل من كان على فطرة الإسلام جازت شهادته... ــ إلى أن قال ــ: فمن لم تره بعينك يرتكب ذنباً أو لم يشهد عليه بذلك شاهدان، فهو من أهل العدالة والستر، وشهادته مقبولة، وإن كان في نفسه مذنباً..."([163]). فالمستفاد من هذه الروايات المستفيضة، أن حسن الظاهر كاشف عن العدالة، ولم نختر التعبير بأنه كاشف تعبدي كما هو شائع، لأننا نلاحظ أن المسألة ليست تعبدية، فالعقلاء أيضاً يعتمدون على الظاهر في معرفة القيم الأخلاقية التي لها جذور كامنة في النفس الإنسانية. يقول الشيخ الإشتياني(رحمه الله): بعد أن قوّى الاكتفاء بحسن الظاهر في إثبات العدالة، مستظهراً ذلك من الأخبار، مضافاً إلى الإجماع، وإلى أنه لو بني على عدم اعتبار حسن الظاهر في إثبات العدالة، لزم طرح أكثر الأحكام المتفرعة عليها، لانسداد باب العلم والظن الخاص وفيها غالباً: " وإنما الإشكال في أن حسن الظاهر على القول بكونه طريقاً، هل هو من باب التعبد، أو الظن النوعي، أو الظن الشخصي، أو خصوص الاطمئناني منه؟ وجوه، يمكن استظهار كلِّ من الأخبار، ومما يمكن أن يستظهر منه الأول: قوله في مرسلة يونس: "جازت شهادته ولا يسأل عن باطنه"([164]). فإن الظاهر منه عدم ملاحظة الواقع فيه أصلاً، فيدلُّ على كون اعتباره من باب التعبد، نظير الأصول العملية على القول باعتبارها من باب الأخبار" ويضيف الإشتياني: ومما يستظهر منه الثاني أو الثالث: ما ورد في بعض الأخبار من قبول شهادة من تثق به([165])، فإنه يمكن حمله على مطلق الظن أو خصوص الاطمئناني منه، لكن الأخير أظهر، وقد قوّى الأستاذ([166]) في الرسالة الاقتصار على الظن الاطمئناني، وعدم الاكتفاء به إذا أفاد مطلق الظن، نظراً إلى ظهور بعض الأخبار فيما ذكره، لكنه عدل عنه في مجلس المباحثة وقال باعتبار مطلق الظن، وهو الأظهر في النظر وفاقاً لأهل النظر، فإن ملاحظة قاعدة التعارض بين الأخبار، والأخذ بالقدر المتيقَّن وإن كانت تقتضي المصير إلى القول باعتبار خصوص الاطمئناني من حيث رجوع مع ما دل عليه على كفاية مطلق الظن إلى العموم والخصوص، لكن مقتضى ما ذكرنا من بعض الوجوه للاكتفاء بحسن الظاهر ــ وهو لزوم طرح أكثر الأحكام المتفرعة على العدالة لولاه ــ جواز الاقتصار على مطلق الظن"([167]). أقول: إن استظهاره عدم تعبدية الاكتفاء بحسن الظاهر في إثبات العدالة متين، كما أن ما ذكره في آخر كلامه من الاكتفاء بمطلق الظن له وجه عقلائي، إلا أن يقال: إنه للفرار من المحذور المذكور، وهو لزوم طرح أكثر الأحكام المتفرعة على العدالة ــ كالصلاة خلف الإمام العادل ــ والشهادة بحضور العادل ــ يكفي حصول الوثوق والظن النوعي من حسن الظاهر ــ دون مطلق الظن ــ وهذا ما جرى عليه العقلاء في حياتهم وفي كل الأمارات العقلائية المعتمدة لديهم، فإنهم لا ينطلقون من خصوص العلم أو الاطمئنان الشخصي، بل يكتفون بالوثوق والظن النوعي، وربما يلام الإنسان على عدم أخذه بالأمارة المفيدة للوثوق وإصراره على تحصيل اليقين. ولا يبعد أن كل الأمارات العقلائية إنما تكون معتبرةً من باب إفادتها للظن النوعي، ولذا يمكن الاعتماد في مقامنا وغيره على كل الوسائل الإثباتية المفيدة للظن النوعي. ثم إن الطرق نفسها المتقدمة لإثبات العدالة تجري بعينها في الجرح، والكلام هو الكلام، وإن قال السيد اليزدي(قده)([168]) بأن الجرح لا إشكال في عدم ثبوته بغير العلم أو البيِّنة أو الاستصحاب. ولكن الظاهر أنه لا فرق بين المقامين في طرق الإثبات، فإن التزمنا بحجية خبر الواحد في الموضوعات، فنلتزم به في المقامين، وإلا رفضناه فيهما معاً. الشهادة بالعدالة والجرح: ما تقدَّم كان حديثاً عن طرق إثبات العدالة أو الجرح، ولكن هل يمكن الاعتماد على هذه الطرق في مقام الشهادة بالعدالة؟ والجواب بالنفي، بل لا بدَّ في مقام الشهادة بالعدالة أو غيرها من حصول العلم للشاهد بالمعاشرة أو نحوها، فلا يجوز الاعتماد في ذلك على البيِّنة أو خبر الواحد أو الاستصحاب، بأن يشهد بعدالة زيد ــ مثلاً ــ استصحاباً لما كان يعلمه من عدالته، أو القيام البيِّنة عنده على عدالته، فإنَّ الشهادة بهذا النحو غش وتدليس. نعم، يجوز له أن يشهد في هذه الحالة بالعدالة مع بيان المستند، فيقول للقاضي: هو عادل، وإني اعتمدت في ذلك على الاستصحاب أو البيِّنة، وإنما يمكنه التعويل عليها فيما لو كان الشاهد عالماً بما يشهد، وقد ورد عنه(ص): "هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع"([169]). وكذا لا بدّ في الشهادة بالجرح من العلم بفسق المجروح، بأن يرى صدور المعصية الكبيرة منه، مع العلم أنها صدرت بعنوان المعصية، لأنها قد تصدر اضطراراً أو إكراهاً أو لعذر آخر. هذا كله تكليف الشاهد، أما الحاكم، فهل بإمكانه أن يعتمد على الاستصحاب أو البيِّنة لإثبات العدالة أو الجرح؟ فلو كان الحاكم عالماً بعدالة الشاهد ــ سواء كان شاهد الأصل أو شاهد الجرح والتعديل ــ ثم شك في ارتفاعها، فهل إمكانه أن يستصحب بقاءها؟ الجواب: نعم، لأنه يكفي الثبوت التعبدي لترتيب الآثار، وبناءً عليه، يجوز له الحكم اعتماداً على شهادة من ثبتت عدالته لديه بالاستصحاب أو البيِّنة أو حسن الظاهر أو خبر الواحد. الشهادة بالجرح إذا شاهده يرتكب كبيرةً: قال بعض الفقهاء، ومنهم السيد اليزدي: "الظاهر جواز الشهادة بالجرح إذا شاهده يرتكب كبيرةً، مع ظهور كون ذلك منه على وجه المعصية من غير عذر، وإن لم يحصل له العلم بذلك"([170]). وذهب آخرون إلى أنه "لا يجوز الشهادة بالجرح بمجرد مشاهدة ارتكاب كبيرة ما لم يعلم أنه على وجه المعصية ولا يجوز له عذر، فلو احتمل أن ارتكابه لعذر لا يجوز جرحه، ولو حصل له ظن بذلك بقرائن مفيدة له"([171]). وممن اشترط العلم بكونه على وجه المعصية، صاحب الجواهر (رحمه الله)، وذلك لضرورة أعميّة شرب الخمر ــ مثلاً ــ من ذلك، وقال: "ودعوى أن للأفعال ظهوراً يجب الأخذ به كالأقوال واضحة المنع، فإن الفعل من حيث هو كذلك لا ظهور فيه، وإنما يحصل معه بعض المقارنات المقتضية لكونه كذلك، فهي إن أفادت العلم جرى عليه الحكم، وإلا كان من الظن الذي لا دليل على حجيته، بل الدليل على خلافه، نعم لا عبرة بالاحتمال الذي لا يعتد به ولا ينافي القطع في العادة"([172]). أقول: لو كانت الأقوال أو الأفعال مفيدةً لليقين، فلا ريب في جواز الشهادة حينئذٍ بالجرح، وكذا لو كانت مفيدةً للاطمئنان والوثوق النوعي، فإنه حجة عقلائية، ولا عبرة باحتمال العذر إذا كان احتمالاً واهياً لا ينافي الاطمئنان، وهكذا لو كان للأقوال أو الأفعال ظهورٌ، ولو كان ذلك مستفاداً من القرائن الحالية والمقامية، فإنَّ الظهور حجة عقلائية، ولا يعتنى باحتمالات العذر في رفض الظهور، وإلا لبطلت حجية الظهور كليةً. وأما التشكيك في ظهور الأفعال فليس صحيحاً، لأن ظهورها قد لا يقصر عن ظهور الأقوال بحسب الدلالة العرفية، فإن العقلاء يحكمون بكون الفعل معصيةً إذا كان بحسب مضمونه يوحي بذلك، إلا أن يقوم دليل على غير ذلك، كما هو الحال في القول الظاهر في كونه معصيةً، ما لم يكن مقترناً بما يدلُّ على وجود عذر ومبرِّر. إن قلت: إن ما دلَّ من النصوص على حمل فعل وقول المسلم على الصحة والتماس العذر له([173]) يمنع من حجية الشهادة في غير حالات الجزم بالمعصية، فإنّ ظاهر تلك النصوص، أنّ العلم بالمعصية مأخوذ على نحو الموضوعية في الشهادة، كما أن ما ورد عنه(ص) عندما سئل عن الشهادة فقال: "هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع"([174])، يدلُّ أيضاً على شرطية الجزم في الشهادة. قلت: أمّا الروايات الأولى المشار إليها، فهي ــ على فرض صحتها ــ في صدد إرشاد المسلم أن لا يضمر سوءاً لأخيه، ولا ينظر إليه بعين الريبة، ويتجنَّب التفتيش عن عثراته وزلاته، ولا يقدّم احتمال السوء والشر على احتمال الخير. وأما الرواية الأخيرة "على مثلها فاشهد أو دع" فهي تشير إلى ضرورة الاعتماد على ما هو حجة في مقام الشهادة، وأن لا ينطلق من مجرد ظنون وأوهام. السؤال عن التزكية: لا ينبغي أن يكون السؤال عن التزكية في حضور الشاهدين، بل يسأل عنهما في غيابهما، لأن ذلك أقرب إلى صدق المزكي أو الجارح، وأبعد عن تطرق التهمة للمزكي، وأنه زكى حياءً أو رجاءً أو خوفاً أو نحو ذلك. وينبغي أن يكون السؤال عنهما بعيداً عن الأجواء العلنية، حذراً من هتكهما وفضح عيوبهما أمام الناس، وهو غير جائز من حيث المبدأ، والضرورات تقدر بقدرها. وبعبارة جامعة: ينبغي للسائل عن التزكية والجرح توخي الظروف الملائمة التي تبتعد بالموقف عن أيٍّ احتمال للخلاف بحسب ظروف المزكّي، وتحفظ كرامة الشهود وحرمتهم. تفريق الشهود: إن المطلوب في القضاء هو تحصيل اليقين أو الاطمئنان بالواقع، ما يفرض التريّث والتمهل في إصدار الحكم، إلى حين زوال كل الاحتمالات العقلائية التي تحول دون حصول الاطمئنان والوثوق للحاكم، ومجرد حصول التأخير في صدور الحكم لا يصلح سبباً للتعجل، لأن التأخير مذموم بعد ثبوت الحق عند الحاكم وزوال عناصر الشك والريبة من أمامه، ولهذا يجوز للحاكم تأخير إصدار الحكم في محاولة لإزالة الريبة والتوثق من عناصر القضية حتى مع مطالبة المدَّعي بإصدار الحكم. بل ربما يقال: إنه ليس فقط يجوز للحاكم التأخر في إصدار الحكم حال الريبة، بل يحرم عليه إصداره والحال هذه حتى مع مطالبة المدَّعي وتمامية الميزان، لانصراف أدلة الحكم بالبيِّنة عن هذه الصورة. ولا وجه للقول([175]) بمنع الانصراف المذكور، لأن الأخذ بالبيِّنة واعتمادها في العملية القضائية إنما هو بلحاظ كاشفيتها عن الواقع، ومع الريبة، فإن هذه الكاشفية تضعف وتهتزّ، مما لا يحرز معه إطلاق أدلّة الحكم بالعدل على ضوء البيِّنة لذلك. وفي هذا الصدد، يكون من الجائز، بل والمستحسن للحاكم، اتخاذ كل الإجراءات الكفيلة برفع الالتباس والإبهام، وزيادة التثبت والاستيثاق، ومن ذلك العمل على تفريق الشهود وسؤال كل واحد منهم في غياب الآخر عن مشخصات القضية في الزمان والمكان والكيفية، كما كان يفعل أمير المؤمنين(ع) في بعض قضاياه، فقد روي عنه: أن سبعة نفر خرجوا، فقد واحد منهم، فأتت زوجته علياً، فدعا الستة فسألهم فأنكروا، ففرّقهم وأقام كل واحد منهم عند سارية، ووكّل به من يحفظه، فدعا واحداً منهم فسأله فأنكر، فقال: "الله أكبر، فظنَّ الباقون أنه قد اعترف، فدعاهم فاعترفوا، فقال للأول: قد شهدوا عليك، وأنا قاتلك، فاعترف فقلتهم"([176]). رضى المدَّعي بشهادة الفاسق: لا يجوز للحاكم تخطي الموازين الشرعية في القضاء حتى مع رضى المتخاصمين، فلو رضي المدَّعي عليه بشهادة فاسقين أو مجهولي الحال أو عادل واحد، لم يصحّ له الحكم، لأن المسألة متصلة بتكليفه في إصدار الحكم على وفق الموازين الشرعية، ولكن إذا كان هذا الرضا من المدَّعى عليه يمثّل إقراراً بما شهد به الفاسقان أو مجهولا الحال، جاز الحكم بلحاظ الإقرار، وليس استناداً إلى من لا تقبل شهادته، غير أن إدخال القضية في باب الإقرار بعيد، لأنه في العادة لا يعلم بما سيشهدا به. اختلاف المدَّعي والحاكم في عدالة البينة: إذا أقام المدَّعي شاهدين ثابتي العدالة عند الحاكم، لكنه اعترف بعدم عدالتهما، فهل يصحَّ الحكم أم لا؟ وجهان: الأول: ما استقربه السيد اليزدي(قده)، وهو عدم الصحة، "لأن اعترافه بعدم عدالتهما اعتراف منه بعدم تمامية الميزان، إذ هو العدالة الواقعية لا اعتقاد الحاكم بالعدالة، وحينئذٍ فليس له ترتيب الأثر على هذا الحكم في ظاهر الشرع، وإن كان محقاً في الواقع بحسب اعتقاده"([177]). الثاني: الصحة، وجهه: أن عدالة البيِّنة ثابتة عند الحاكم، فلا وجه لتوقفه في الحكم، إلا إذا كان اعتراف المدَّعي بعدم عدالتهما موجباً لشك الحاكم في العدالة. والأقرب في نظرنا هو الوجه الثاني، وذلك لأن رضا المدَّعي بالرجوع إلى الحاكم، يدلَّ على ثقته بالميزان الذي يأخذ به في حكمه، فتشمله الأدلة الدالة على قبول حكم الحاكم الذي يرى المتخاصمان أخذه بالأصول الشرعية في القضاء، وليست المسألة هي ما يقتنع به كلٌّ منهما بحسب خصوصيتهما. وأما ما ذكره السيد اليزدي، من أن اعتراف المدَّعي بعدم عدالتهما اعتراف منه بعدم تمامية الميزان، فليس له ترتيب الأثر على حكمه. فيلاحظ عليه: أنه ربما يقال: بصحة الحكم لدى المدَّعي، وبالتالي يمكنه ترتيب الآثار عليه، انطلاقاً من وثاقته بصدق الشاهدين ــ لا عدالتهما ــ مع اعتقاده بواقعية حقه، وربما يكتفي المدَّعي في ترتيب الأثر على ما يعرفه من صدق دعواه لدى نفسه، لا من جهة ترتيب آثار الحكم. وحاصل الكلام: أن الحاكم منسجم في حكمه مع قناعته بعدالة الشاهدين، الأمر الذي يجعل حكمه خالياً من الإشكال، كما أن المدَّعي يمكنه ترتيب الأثر، لقناعة بحقه وصدق دعواه. الحكم بشهادة مجهولي الحال غفلةً: إذا شهد عند الحاكم شاهدان لا يعرفهما بالعدالة، ومع ذلك حكم بشهادتهما غفلةً منه عن ضرورة إحراز العدالة، ثم تبيِّن له بعد الحكم كونهما عادلين، فهل يصح الحكم؟ يقول السيد اليزدي: "فالظاهر عدم صحة الحكم لان المناط هو العدالة الواقعية المعلومة للحاكم حال الحكم"([178]). أقول: لو استمر الحاكم على غفلته، أو انكشف له عدم عدالتهما، بطل الحكم حتماً، لأن شرطه غير محرز، وأما إذا التفت بعد صدور الحكم، وتبيَّنت له العدالة، فالظاهر صحة حكمه، وذلك لأن الشرط محرز في الواقع، والمناط في صحة الحكم هو انطلاقه واقعاً من البيِّنة العادلة. وأمّا القول بأن الشرط هو العدالة الواقعية المعلومة عند الحاكم حال الحكم، فلا دليل عليه إلا إذا تعمَّد الحاكم الحكم من دون ثبوت ذلك عنده. وبعبارة أخرى: إن المناط هو العدالة الواقعية، أمّا إحراز الحاكم حين الحكم لها، فهو معتبر على نحو الطريقية لا الموضوعية، فإذا كان حكمه مطابقاً للواقع جاز له ترتيب الأثر عليه. اعتراف المدَّعى عليه بعدالة الشهود: ذكر جمع من الفقهاء([179])، أنه يجوز للحاكم مع عدم إحرازه عدالة الشاهدين أن يحكم وفق شهادتهما في حال تصديق المدَّعى عليه واعترافه بعدالتهما، كأن يقول: هما عادلان، لكنهما مخطئان فيما شهدا به أو خاضعان لشبهة أو غفلة أو ما إلى ذلك. ويمكن الاستدلال لذلك: أولاً: إن ذلك يشكِّل اعترافاً بوجود شرط الحكم، فهو إقرار منه على نفسه، وإقرار العقلاء على أنفسهم نافذ. وسُجِّل على هذا الدليل ملاحظتان: الأولى: إنَّ شرط الحكم مركَّب من جزئين: العدالة الواقعية وعلم الحاكم بها، وباختلال أحد الجزئين يختلَّ شرط الحكم، والإقرار بالعدالة الواقعية لا يحقّق جزئي الشرط، بل يحقق أحدهما، وهو العدالة الواقعية دون علم الحاكم بها. وبعبارة أخرى: الشرط ليس هو العدالة الواقعية ليقال بأن المدَّعى عليه أقرَّ بها، وإنما هو العدالة الواقعية المعلومة والثابتة عند الحاكم، والإقرار لا يوجب حصول العلم كما هو المفروض، وإلا لما توقَّف الحاكم في الحكم. وفيه: إن علم الحاكم بالعدالة مأخوذ على نحو الطريقية، فلا وجه للتوقف من هذه الجهة. نعم، للحاكم أن يتوقف عن الحكم، لأن العدالة الواقعية غير محرزة عنده، لا لأن لعلمه بها موضوعية، وإقرار المدَّعي بالعدالة الواقعية لا يقتضي حصولها وثبوتها. كما أنه قد يقال: بأن الغالب حصول الاطمئنان بعدالة الشاهدين في حال إقرار المدَّعى عليه بعدالتهما، أو يقال بكفاية خبر الواحد في الموضوعات، ولكن هذا خروج عن فرضية المسألة. الثانية: إن قبول إقراره على نفسه دوريّ، وبيانه: إن كونه إقراراً على نفسه موقوف على كونه مقبولاً عند الحاكم، وقبوله عنده موقوف على كونه إقراراً على نفسه، لأنه لا قيمة لكلامه إن لم يكن إقراراً. وفيه: منع المقدمة الأولى، إذ كونه إقراراً بالعدالة معلوم وواضح ولا يتوقف على كونه مقبولاً عند الحاكم. إن قلت: ما الفرق بين هذه المسألة وما تقدم من كون إقرار المدَّعي بفسق شاهديه مقتضياً لعدم جواز الحكم؟ فإذا كان إقراره بفسقهما موجباً للتوقف عن الحكم، فليكن إقرار المدَّعى عليه بعدالة شهود الخصم مقتضياً للحكم على ضوئهما، فإما أن يقبل الإقرار في الموردين أو يرفض فيهما. قلت: ثمة فارق شاسع بين الموردين، فالإقرار بفسق الشاهدين إقرار بفقد أحد جزئي موضع الحكم، وهو ــ أي الجزء المفقود ــ العدالة الواقعية، وهذا المقدار كاف في عدم جواز الحكم حتى مع توفر الجزء الآخر من الموضوع، وهو علم القاضي بالعدالة، وهذا بخلاف الإقرار بالعدالة، فإنه لا يكفي في الحكم، لأنه إقرار بأحد جزئي الموضوع، هو العدالة الواقعية، فما لم ينضم إليه علم الحاكم بها فلا يجوز له الحكم. نعم، لو كنا نقول ــ كما استقربنا ذلك ــ بأن الشرط هو العدالة الواقعية فحسب من غير قيد ــ وأما علم الحاكم بها فهو مجرَّد طريق إليها وليس جزءاً من الموضوع ــ لأمكن القول بكفاية اعتراف المدَّعى عليه بعدالة الشهود. إلاّ أن يقال: إن ذلك لا يكفي، لأن تكليف الحاكم في الحكم هو إحرازه لحجية البيِّنة عنده لا عند المدَّعى عليه، ولا ملازمة بين الإحرازين. ثانياً: ما ورد في الخبر المرويّ في تفسير العسكري(ع) في حكاية قضاء النبي(ص) من قوله(ع): "فإذا كان الشهود من أخلاط الناس لا يُعرفون ولا قبيلة لهما ولا سوق ولا دار، أقبل(ص) على المدَّعى عليه وقال: ما تقول فيهما؟ فإن قال: ما عرفت إلاّ خيراً غير أنهما قد غلطا فيما شهدا عليّ، أنفذ عليه شهادتهما، وإن جرح عليهما وطعن في شهادتهما، أصلح بين الخصم وخصمه، أو حلف المدَّعى عليه وقطع الخصومة بينهما"([180]). ويلاحظ على الاستدلال بها: 1- عدم ثبوت نسبة التفسير المذكور إلى الإمام العسكري(ع)، فلا يصح الاعتماد على هذه الرواية وغيرها من رواياته. 2- وأورد السيد اليزدي ملاحظة دلالية، وهي أنه "يمكن أن يقال: إنه(ص) كان يحصل له العلم بعدالتهما من قول المدَّعى عليه، كما هو كذلك غالباً" وأضاف: "ثم على فرض العمل بالرواية، يختص تعديله بخصوص ذلك الشخص، فلا يثبت في حق غيره، بل بتلك الواقعة الخاصة، اقتصاراً على القدر المتيقن"([181]). ويرد عليه: أنّ الظاهر من الرواية بقرينة التعبير بـ "كان النبي(ص)"، أن ذلك جار منه(ص) على مستوى القاعدة، وأن ذلك ديدنه في أمثال هذه القضايا، وليست المسألة حالة خاصة أو قضية في واقعة، كما يشهد به أيضاً نقل الإمام(ع) لها واستشهاده بها، ومن البعيد أنه كان يحصل له الاطمئنان أو اليقين دائماً بعدالة الشهود من مجرد إقرار المدَّعى عليه بذلك. ولذا، فالأولى الاعتراض على الرواية بضعف السند، وعلى الحكم المذكور، وهو جواز الحكم اعتماداً في عدالة الشاهدين على مجرد إقرار المدَّعى عليه وإن لم يورث ذلك الاطمئنان للحاكم، بعدم الدليل عليه، بل الدليل على عدمه، وهو أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم إلا إذا أحرز الميزان والشرط، وهو عدالة البيِّنة. تكذيب المدَّعي شهوده: إذا قال المدَّعي بعد إقامة الشهود: كذّبت شهودي، فلا تسمع شهادتهم في حقه، وتكون شهادتهم بالنسبة إليه كالعدم، لأنه يعترف بعدم صحتها، وبالتالي عدم صحة الحكم المعتمد عليها، وهذا واضح ولا إشكال فيه، وإنما الكلام أنه بتكذيب الشهود، هل تبطل دعواه أيضاً أم لا؟ والجواب بالإيجاب، لأن الكذب عبارة عن الإخبار عما يخالف الواقع، فيكون مفاد التكذيب أنَّ ما ادّعاه مخالف للواقع، لأن المفروض أنهما شهدا بما ادعاه. نعم، لو قلنا إن الكذب عبارة عما خالف الاعتقاد ــ كما في قوله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ}([182])، فإن تكذيب المنافقين ليس بلحاظ شهادتهم برسالة النبي(ص)، فهذا هو الواقع والحق، وإنما هو بلحاظ مخالفة شهادتهم لاعتقادهم، فإنهم في قرارة أنفسهم لا يعتقدون برسالته ــ لقيل بسماع دعواه، لأنّ مفاد التكذيب حينئذٍ أنها شهدا خلاف ما يعتقدانه من كون الحق للمدعي. ولكن تفسير الكذب بذلك ــ أعني بما خالف الاعتقاد ــ مخالف للظاهر، فلا يصار إليه، إلا إذا قامت قرينة على إرادة مخالفة الشهادة لاعتقادهم. علم القاضي بنسب الشهود: لا يشترط في قبول الشهادة علم الحاكم بأسماء الشهود ونسبهم، بل يكفيه العلم بعد التهم مع اجتماع سائر الشروط. والوجه في ذلك واضح، فإنَّ العلم بالاسم أو النسب لا دخل له في قبول الشهادة، لكن ينبغي للقاضي توثيق الأحكام وتسجيل أسماء المتنازعين والشهود وعناوين سكناهم في سجلات خاصة بغية التعرف عليهم عند الحاجة، كما لو تبين كذب الشهود أو تواطؤهم مع المدَّعي، أو بروز معطيات جديدة للقاضي، مما يقتضي إعادة فتح ملف القضية، كما أن تسجيل أقوال الشهود واعترافاتهم الأولية قد يمكّن ويسهَّل من مراقبة صدقهم وتطابق الاعترافات أو تهافتها وتناقضها، إلى غير ذلك من فوائد التثبت والاستيثاق، ولا سيما في ظل التعقيدات المستجدة في مجال القضاء. الاستناد إلى شهادة الجماعة: إذا كان الشهود جماعةً من العدول، يجوز للقاضي الاستناد في حكمه إلى الجميع، كما يجوز الاستناد إلى الاثنين أو الثلاثة منهم، وهذا واضح بعد افتراض عدالة الجميع، وأما إذا كانت الجماعة مشتملةً على العدول والفساق، فلا يجوز له الاستناد إلى شهادة الفساق، ويجوز له الاستناد إلى شهادة العدول أو شهادة الجميع، ووجهه ظاهر. ولكن لو فرضنا أنه استند في حكمه على شهادة الجميع، ثم تبيّن فسق البعض منهم، فإن كان مستنداً في حكمه على شهادة الجميع، فالظاهر صحة الحكم مع وجود عدلين في الباقين، لتوفر البيِّنة العادلة، وأمّا إذا استند في حكمه على اثنين معينين، ثم بعد الحكم تبين فسقهما أثناء الشهادة، فهل يصح الحكم مع وجود عدلين آخرين لم يستند إليهما؟ ذكر السيد اليزدي(رحمه الله)([183]) أن فيه وجهين، دون أن يختار أحدهما: الوجه الأول: صحة الحكم باعتبار أن صحته متوقفة على قيام البيِّنة العادلة وإن لم يكن استناد الحكم إليها، والمفروض أن المدَّعي أقامها، فالحكم واجد لشرطه في الواقع، وعدم الاستناد إليه لا يبدّل ولا يغير من الحقيقة شيئاً. الوجه الثاني: عدم الصحة، لأن العبرة ليست في مجرد وجود الشهود العدول، بل باستناد القاضي إليهم في حكمه. والأقرب إلى النظر هو الوجه الأول، لأن الحكم واجد لشرطه، وهو البيِّنة العادلة، ومجرد اختيار الحاكم اثنين للحكم بمقتضى شهادتهما، ثم تبيّن فسقهما، لا ينفي كون الحكم واجداً لما يبرره. وثمة فرع آخر في المقام، وهو: أن الحاكم لو كان يعلم إجمالاً بتوفر عدلين في الجماعة، ولكنه لا يعرفهما بعينهما، فهل يجوز له الحكم؟ والجواب بالإيجاب: لصدق الحكم بشهادة العدلين، وعدم معرفته بشخصهما لا يضر، كما لا تضر جهالته باسميهما أو نسبهما كما سلف. البيِّنة واليمين ضمُّ اليمين إلى البينة: الظاهر أنه لا يشترط في الحكم بالبيِّنة ضمُّ المدَّعي إلا إذا قام دليل خاص على ذلك، كما في الدَّعوى على الميت كما سيأتي، وهذا الأمر مضافاً إلى أنه لا خلاف فيه، يدلّ عليه: أولاً: ظهور قوله(ص): "البيِّنة على المدَّعي واليمين على المدَّعى عليه"([184])، باعتبار أن التفصيل قاطع للشركة، مع وروده في مقام بيان وظيفة المتخاصمين. ثانياً: صحيحة محمد بن مسلم قال: "سألت أبا جعفر(ع) عن الرجل يقيم البينة على حقه، هل عليه أن يستحلف؟ قال: لا"([185]). ثالثاً: رواية أبي العباس عن أبي عبد الله(ع) قال: "إذا أقام الرجل البيّنة على حقه، فليس عليه يمين..."([186]). وهي واضحة الدلالة، ولكنَّ سندها غير نقي. رابعاً: موثقة جميل عن أبي عبد الله(ع) قال: إذا أقام المدَّعي البيِّنة فليس عليه يمين..."([187]). خامساً: ما رواه الأشعث بن قيس قال: كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله(ص)، فقال: "شاهداك أو يمينه..."([188]). ونحوها روايات أخرى مما ورد من طرق العامة([189]). ولكن ثمة روايات معارضة لا بد من ملاحظتها: منها: خبر سلمة بن كهيل عن علي(ع) في آداب القضاء مخاطباً شريحاً القاضي: "ورُدَّ اليمين على المدَّعي مع بيّنته، فإنَّ ذلك أجلى للعمى، وأثبت في القضاء"([190]). وقد اعترض عليه: أولاً: بضعف السند. ثانياً: أنه يمكن حمله على الاستحباب، مع رضى المدَّعي([191])، جمعاً بينه وبين ما تقدَّم، ويؤيده اشتمال الحديث على جملة من المستحبات، مضافاً إلى التعليل وأفعل التفضيل. ثالثاً: أنه يمكن حمله على الدَّعوى على الميت([192]). وفيه: أنه خلاف الظاهر، ولا سيما بقرينة التعليل، فإنها عامة. رابعاً: قال الحر العاملي: "ويحمل الحمل على التقية، لأنه قول جماعة من العامة"([193]). وفيه: أن ذلك بعيد، بعد كونه مروياً عن أمير المؤمنين(ع) الذي لم يعهد عنه العمل بالتقية، ولا سيما في حديثه مع قاضيه، وهو الخليفة المهيمن على الأمر كله. ومنها: صحيحة محمد بن الحسن الصفار عن أبي محمد(ع): هل تقبل شهادة الوصي للميت بدّيْن له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقّع(ع): "إذا شهد معه آخر فعلى المدَّعي يمين"([194]). ويلاحظ على الاستدلال بها: أنه ربما كان للوصيّ خصوصية تمنع من سماع شهادته لكونه متهماً بجر النفع إلى نفسه، فتدخل القضية في مسألة ضمِّ الشاهد إلى اليمين، وربما كان المنظور في الرواية أن الوصي هو المدَّعي ولذا لا تقبل شهادته. وعليه، فلا تُعَارض الروايات المتقدمة والصريحة في عدم الحاجة إلى ضمِّ اليمين إلى البيِّنة. الدعوى على الميت: عرفت أن الأساس في القضاء هو بيِّنة المدعي، ولا حاجة ولا دليل على لزوم ضمِّ اليمين إليها، بيد أن الفقهاء استثنوا من ذلك حالة إقامة الدَّعوى على الميت، فاشترطوا في سماع الدَّعوى ضمِّ اليمين إلى البيِّنة المعتبرة، ويصطلح عليها بيمين الاستظهار أو الاستيثاق، ويمكن الاستدلال لهذا الاستثناء بعدة أمور: الأول: الإجماع، فقد ادَّعى بعضهم الإجماع صريحاً([195])، وبعضهم الآخر نفي الخلاف([196]). ويمكن المناقشة في ذلك: أولاً: بعدم ثبوت الإجماع، لأن كتب القدماء ــ كما قال صاحب الجواهر ــ([197]) قد خلت من هذا الحكم، ومعه فلا يُطمأنّ لدعوى الإجماع. ثانياً: لو سلّم الإجماع فهو محتمل المدركية لما يأتي. الثاني: الروايات الواردة في المقام وعمدتها روايتان: الأولى: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله التي رواها المشايخ الثالثة، قال: قلت للشيخ ــ وهو موسى بن جعفر(ع) كما في رواية الصدوق ــ خبّرني عن الرجل، إلى أن قال(ع): "وإن كان المطلوب بالحق قد مات فأقيمت عليه البيِّنة، فعلى المدَّعي اليمين بالله الذي لا إله إلا هو لقد مات فلان وأن حقه لعليه، فإن حلف وإلاّ فلا حق له، لأنا لا ندري، لعله قد أوفاه ببينة لا نعلم موضعها، أو بغير بيِّنة قبل الموت، فمن ثمَّ صارت عليه اليمين مع البيِّنة، فإن ادَّعى بلا بيِّنة فلا حقَّ له، لأن المدَّعى عليه ليس بحيّ، ولو كان حياً لألزم اليمين أو الحق، أو يردُّ اليمين عليه، فمن ثمّ لم يثبت له الحق"([198]). فالرواية بيّنت أنّ ضمّ اليمين إلى البيّنة لا لغرض تأكيد اليمين لما قامت عليه البيّنة، بل بهدف حفظ حقِّ الميت ودفع احتمال أن يكون وفَّى الحق إلى المدَّعي قبل موته. ومع غضِّ النظر عن كون السند في الرواية غير نقي([199])، فإنه ربما اعترض بعضهم على دلالتها بأنها ظاهرة في وجوب اليمين المغلظة بأن يحلف "بالله الذي لا إله إلا هو"، ولا قائل به، ولذا تحمل على الاستحباب. ولكن بالإمكان دفع ذلك، بأن صيغة اليمين الواردة في الرواية مذكورة من باب أحد الأفراد، لا لاشتراط خصوصيتها، مع ملاحظة أخرى، وهي أنه يجوز أن يكن توصيفه(ع) لله سبحانه بهذا الوصف، تعظيماً منه لله، لا لأجل اعتبار ذكره في اليمين([200]). الثانية: صحيحة محمد بن الحسن الصفار عن أبي محمد(ع): وفيها: وكتب: "أَوَتقبل شهادة الوصيِّ على الميت مع شاهد آخر عدل؟ فوقَّع(ع): نعم، من بعد يمين"([201]). ولا غبار على الرواية لجهة السند، لكن ثمة ملاحظة على دلالتها، وهي احتمال أن يكون ضمّ اليمين ليس من قبيل ضمِّ اليمين إلى البيِّنة، بل ضمه إلى الشاهد، باعتبار أن الوصيَّ على الميت هو المدَّعي لصالح الميت، فلا تقبل شهادته كونه مدَّعياً، وللتهمة. فروع ترتبط بالمقام: بناءً على تمامية الحكم المذكور، وهو ضرورة ضمّ اليمين إلى البيِّنة في الدَّعوى على الميت، فإنّ ثمة فروعاً ترتبط بالمقام لا بدَّ من النظر فيها: الفرع الأوَّل: (حكم الصبي والمجنون والغائب). هل يُلحق بالميّت من هو مثله في عدم اللسان، كالغائب والمجنون والطفل ونحوهم أم لا؟ للفقهاء في ذلك قولان: فالمشهور([202]) هو الإلحاق، وذهب جماعة([203]) إلى عدمه، بل نسب إلى أكثر متأخري المتأخرين([204]). وقد تعرَّضنا لمسألة إلحاق الغائب بالميت فيما سبق([205])، وذكرنا أن مستند المشهور في ذلك هو إلغاء الخصوصية عن الميت، وأوردنا عليهم بأن الإلحاق قياس محض، مع وجود الفارق بين المقامين، لأنه في الدَّعوى على الميت لا سبيل إلى معرفة الحقيقة كاملة، لأن الميت لا لسان له مطلقاً، فلا يمكن الجزم باشتغال ذمته وعدم تسديده للمال إلاّ من خلال إحلاف المدَّعي، وأمّا في الدَّعوى على الغائب، فيمكن جلاء الحقيقة بعد دعوته. وقد يستدلُّ للإلحاق بعموم التعليل الوارد في رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله المتقدمة، وهو قوله(ع) ــ في مقام إثبات الحاجة إلى اليمين ــ: "لأنا لا ندري لعلّه قد أوفاه ببيّنة لا نعلم موضعها أو غير بيِّنة قبل الموت"، فإن احتمال الوفاء أو الإبراء كما هو موجود في الميت فإنه موجود أيضاً في الغائب. ويرده: وجود الفارق بينهما، فإن احتمال الوفاء في الميت لا دافع له إلا يمين المدَّعي، وأما احتماله في الغائب، فيمكن دفعه بعد حضوره، أو الاتصال به. هذا مضافاً إلى ورود النص الخاص في الغائب بما ظاهره عدم الحاجة إلى اليمين وإنما يٌقضى عليه بالبيِّنة مع بقائه على حجته في حال عودته، ففي مرسل جميل بن دراج عنهما(ع) قالا: "الغائب يقضى عليه إذا قامت عليه البينة ويباع ماله، ويقضى عنه دينه وهو غائب، ويكون الغائب على حجته إذا قدم، قال: ولا يدفع المال إلى الذي أقام البينة إلا بكفلاء"([206]). ونحوه خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع)([207]). وقوله(ع): "ويكون الغائب على حجته"، دليل على الفرق بينه وبين الميت. وبذلك يظهر أن الأقوى عدم إلحاق الغائب بالميت، لعدم الدليل وعدم اتحاد طريق المسألتين. وأما الصغير والمجنون، فهل يمكن إلحاقهما به كما فعل المشهور؟ ومن الطبيعي أن فرض الدَّين على المجنون ممكن، كما لو افترض زمن الإفاقة ثم جُنّ، وفرض ذلك على الصبي أيضاً ممكن، كما لو أتلف مال الغير، وقيل: بأن الأحكام الوضعية غير مختصة بالبالغين. وفي الإجابة عن السؤال قد يقال بالإلحاق، ووجهه ما تقدَّم، من إلغاء الخصوصية عن الميت لاتحاد طريق المسألتين، مضافاً إلى عموم التعليل الوارد في الرواية. وإن قيل: لا وجه هنا للتمسك بعموم التعليل، وهو احتمال أنه قد أوفاه، لأن إيفاء الصبي والمجنون غير مقبول، فطرف الدَّعوى هو وليهما وهو حي وله لسان([208]). قلنا: لا خصوصية للإيفاء، بل إن الخصوصية التي أوجبت تخليف المدَّعي هي احتمال سقوط الدَّين وارتفع الحق، إما للإيفاء في المجنون ممكن قبل جنونه. وهذا الرأي قريب، لأن التعليل ليس تعبدياً، وإنما هو عقلائي، وتوضيح ذلك: إنَّ اليمين إنما هي لنفي احتمال الوفاء أو الإبراء ببينة لا نعلم موضعها أو بدون بينة، واحتمال الوفاء أو الإبراء كما هو وارد في الميت، فإنه وارد في المجنون والصبي، وكما أنّ احتمال الوفاء في الميت لا دافع له إلا اليمين، كذلك في المجنون الذي لا يرجى إفاقته، خلافاً للغائب الذي من الممكن عودته. وأما الصبي، فاحتمال الوفاء وإن لم يكن وارداً في حقِّه، لكن احتمال إبراء المدَّعي له وارد، وقد عرفت أنه لا خصوصية للإيفاء. والقول بأن الصبي يمكنه إثبات دعوى الإبراء بعد بلوغه، فلا يقاس بالميت ولا بالمجنون، مردودٌ، بأن الصبي قد لا يكون مميزاً زمن انشغال الذمة بالدَّين، أو قد لا يملك معلومات حول المسألة، ما يجعل حكمه الميت في ضرورة ضمّ اليمين. وهكذا لا يصغى لقول([209]): بأن الحكم بضم اليمين إلى البيِّنة على خلاف القاعدة المتقدمة، والقاضية بأن المدَّعي لا يكلَّف بأزيد من البيِّنة، والمنكر بأزيد من اليمين، وحيث كان على خلاف القاعدة، فلا بدّ من القصر فيه على القدر المتيقن، وهو الدَّعوى على الميت، لما عرفت من توفر الدليل على إلغاء خصوصية الميت وهو عموم التعليل، على أن إطلاق القول بكون الحكم على خلاف القاعدة غير دقيق، لأن البيِّنة إنما تثبت أصل الحق، ولكنها لا تثبت استمراره، فيأتي اليمين ليثبت الاستمرار وينفي احتمال الإيفاء. وقد اتضح مما تقدم: أولاً: وجود الفارق بين الغائب وبين الصبي والمجنون، فلا يلحق الأول بالميت، بخلاف الثاني والثالث، فالأقرب إلحاقهما به. ثانياً: أنه يمكن استفادة قاعدة كلية في المقام، وهي: أن البيِّنة لا يضاف إليها اليمين إلا لدفع احتمال إيفاء الحق أو ارتفاعه بالإبراء أو غيره. الفرع الثاني: (إلحاق العين بالدّين). هل الحكم بضم اليمين في الدَّعوى على الميت مختص بالدَّين أو هو شامل للعين ولكلِّ دعوى، كدعوى المنفعة من قبيل سكنى الدار، أو دعوى الحق كحق الرهانة أو الخيار؟ قد يقال بالاختصاص بالدَّين، وذلك: أولاً: أن الحكم بضمِّ اليمين إلى البيِّنة خلاف القاعدة المتقدمة المستفادة من التفصيل القاطع للشركة في الروايات، ولذا فالتعميم يحتاج إلى دليل، وهو مفقود في المقام، فيقتصر على القدر المتيقن وهو الدين. ثانياً: ظاهر الصحيحة المتقدِّمة الاختصاص، لأنّ مورد السؤال فيها هو الدَّين، وكذا ظاهر الخبر بقرينة لفظ "الحق"، و"عليه"، و"وفاه" فهذه التعبيرات لا تناسب سوى الدَّين كما هو واضح. وفي المقابل، قد يقال بالتعميم، استناداً إلى أنه لا خصوصية للدَّين، وإنما هو مذكور من باب المثال، فالأساس في ضمِّ اليمين هو كون الدَّعوى على الميت، وهو لا يمتلك لساناً ليدافع عن نفسه، فيبقى احتمال وجود حجة عنده قائماً ولا يمكن نفيه إلا باليمين، فكما أن الاحتمال في الدَّين موجود، فكذا في العين، إذ يحتمل أن تكون العين قد انتقلت إلى الميت بوجه شرعي، كالشراء أو الهبة. وأمّا أن الحكم جارٍ على خلاف القاعدة فغير دقيق، لأنه وإن كان صحيحاً أن القاعدة تقتضي عدم ضمِّ اليمين إلى البيِّنة، إلا أن للمقام خصوصيةً أوجبت ضمّها، وهي احتمال الوفاء، أو الإبراء. وبعبارة أخرى: إنِّ البيِّنة مقبولة في خصوص ما قامت عليه من دون حاجة إلى ضمِّ اليمين، وإنما تحتاج إلى اليمين لدفع احتمال الوفاء، وما قامت عليه البيِّنة هو أصل الحق، وقد أثبتت ــ إلى البيِّنة ــ ذلك، وأما الحاجة إلى اليمين فهي لإثبات بقاء الحق واستمراره إلى حين الموت، ولذا لو فرضنا أن البيِّنة قامت على بقاء الحق إلى حين الموت، لما احتجنا إلى اليمين. وقد يعترض على التعميم بعدة اعتراضات: الأول: أن التعليل الوارد في خبر البصري المتقدم لضم اليمين، هو دفع احتمال إيفاء الميت لدينه ببيِّنة لا يعلم موضعها أو بدون بينة، واحتمال الإيفاء مختص بالدّين كما هو واضح. وفيه: أنه مع صرف النظر عن ضعف الخبر سنداً، يمكن القول: ــ كما أفاد السيد اليزدي([210]) ــ أنه لا خصوصية للوفاء، وإنما هو مذكور من باب المثال أيضاً، فكما لا خصوصية للدين كذلك لا خصوصية للوفاء، وذلك بأن يكون المراد أن الدَّعوى على الميت تحتاج إلى ضمِّ اليمين دفعاً لاحتمال وجود حجة أو دعوى معينة لدى الميت فيما لو كان حياً، وهذه الدَّعوى أو الحجَّة في الدَّين هي احتمال الوفاء، وفي العين هي احتمال النقل الجديد إليه ببيع أو هبة. وما أفاده السيد(رحمه الله) من إلغاء الخصوصية قريب عرفاً، لأن التعليل ليس بأمر تعبدي، وإنما هو بأمر عقلائي كما أسلفنا. الثاني: أن ثمة فارقاً كبيراً بين الدَّين والعين، وهو أن البيِّنة القائمة على الدَّين تستند في الغالب إلى استصحاب بقاء الدَّين، لأنها تعتمد على الحسن في أصل الدَّين، وعلى الاستصحاب في بقائه، على اعتبار أن الشهود لا يتسنى لهم العلم الحسي ببقاء الدَّين في ذمة الميت إلى حين موته، لأن ذلك يحتاج إلى ملازمتهم له في اللّيل والنهار والاطّلاع على أسراره، وهذا غير متيسر ولا حاصل في الأعم الأغلب، وإنما هم يشهدون بأنه ــ أي الميت ــ استدان من فلان أو أتلف ماله، ولذا فشهادتهم ليست حجةً إلا على أصل الدَّين دون بقائه في ذمة الميت، ومن هنا احتجنا إلى ضمِّ يمين المدعي، وهذا بخلاف ما لو قامت البيِّنة على العين، فإنها إنما تشهد بالملكية الفعلية للمدَّعي، فلا تحتاج إلى ضمِّ اليمين. وإنما قلنا إنها تشهد بالملكية الفعلية، لأنها لو شهدت للمدعي بالملكية السابقة، فلا تسمع من رأس ولو ضمِّ إليها اليمين، لأن ملكية المدَّعي السابقة لا تتنافى والملكية اللاحقة للميت الثابتة بقاعدة اليد إلى حين موته، كما أنّ استصحاب الملكية السابقة لا يجري، لأن قاعدة اليد مقدَّمة على الاستصحاب كما ثبت في محله، سواء قلنا بأن الاستصحاب أصل أو أمارة، لأن تقديم الاستصحاب على قاعدة اليد يلغي القاعدة، لأنه قلَّما يوجد مورد من موارد قاعدة اليد إلا وله حالة سابقة، فإذا جرى الاستصحاب لم يبق لليد مورد. نعم، لو كان الاستصحاب استصحاباً موضوعياً، لتقدَّم على قاعدة اليد، كما لو شهدت البيِّنة بأن يد الميت السابقة على العين يد غصب أو عارية واحتمل تبدلها بعد ذلك إلى يد ملك شرعي، فهنا يجري استصحاب يد الغصب أو العارية ويقدم على قاعدة اليد، لما ثبت في محله أيضاً من تقدم الاستصحاب الموضوعي على سائر الأمارات، لأنه ينقّح موضوعها، فاستصحاب الغصب أو العارية في المقام لا ينفي يد الميت، وإنما يحدد طبيعتها وأنها يد غصب أو عارية، فهو ينفي موضوع الملكية لا الملكية نفسها، فلا يبقى محل أو مجال لقاعدة اليد. ويلاحظ على أصل الاعتراض: أنّ قبول بيِّنة العين إذا قامت على الملكية الفعلية، ورفضها إذا قامت على الملكية السابقة بحجة أن تلك الملكية لا تنافي الملكية اللاحقة للميت والثابتة بقاعدة اليد، لا وجه له، بل الصحيح قبولها حتى لو قامت على الملكية السابقة، وليس ذلك تمسكاً بأن استصحاب الملكية مقدَّم على قاعدة اليد، ليقال: بأن الاستصحاب لا يؤخذ به مع وجود اليد، وإنما لأن لازم الملكية السابقة للمدَّعي، نفي ملكية الميت للعين في عرض ملكية المدَّعي، لعدم اجتماع ملكيتين على محل واحد، ما يعني أن يد الميت عليها لم تكن يد ملك جزماً، وحدوث يد ملك بعد ذلك، وإن كان محتملاً، لكن لا دليل عليه. نعم، إنّ مجرد احتماله يكفي لتوجه اليمين إلى المدَّعي، فتأمل. الثالث: ما أفاده السيد اليزدي([211])، وحاصله: وجود فارق بين العين والدَّين، وهو أن دعوى العين يُشكُّ في كونها دعوى على الميت، وإنما هي دعوى على الحيّ، ما ينفي الحاجة إلى ضمِّ اليمين، والوجه في هذا التشكيك، أنه بعد موت المدَّعى عليه، فاللازم توجيه الدَّعوى إلى من بيده العين، وهو الوارث، لا إلى الميت، فتكون الدَّعوى ضد حيٍّ لا ضد ميت، ومجرد أن يد الحيّ مترتبة على يد الميت لا يوجب كون الدَّعوى على الميت، وهذا بخلاف دعوى الدَّين فإنها توجه إلى الميت، لا إلى وارثه، لأن الدَّين يتعلَّق بذمة الميت ويخرج من التركة قبل توزيعها على ورثته. وأضاف السيد اليزدي: بأنَّ مقامنا هو نظير ما لو غصب شخص عينا وباعها من آخر، فإنَّ للمالك أن يدعي على من بيده العين وهو المشتري، ولا يقال حينئذٍ، إن الدَّعوى إنما توجَّه إلى الغاصب لكون يد المشتري مترتبة على يده. نعم، يجوز توجيه الدَّعوى إلى الغاصب لكنه غير متعيّن، ومقامنا من هذا القبيل، أي يجوز توجيه الدَّعوى إلى الحيّ كما يجوز توجيهها إلى الميت: فإنْ وجّهها إلى الميت احتاج إلى ضمِّ اليمين، وإن وجّهها إلى الوارث الحيّ فلا حاجة إلى ضمها. ويلاحظ عليه: أن الرجوع على من كانت العين تحت يد أمره، ورفع الدَّعوى ضده أمر آخر، ولا ملازمة بينهما، فمن كانت العين تحت يده ــ أكان هو الغاصب أم المشتري منه ــ ضامن ويجوز الرجوع عليه عند ثبوت الحق، لكن رفع الدَّعوى ضد المشتري في المقام مشكل ولا خلاف الارتكاز العقلائي الذي يرى أنه لا مبرر لسوق المشتري إلى المحاكمة وترك الغاصب، وخصوصاً إذا أبدى المشتري استعداده لأداء العين إلى المدَّعي إذا ما ربح الدعوى، وهكذا الحال في المقام، فإن الدَّعوى هي ضد الميت ولا وجه لتوجيهها إلى وارثه الحيّ ما دام غير ممتنع عن أداء الحق إلى أصحابه على فرض ثبوته. نعم، لو حكم القاضي بالعين للمدعي وتمنّع الوارث من أدائها جازت محاكمته، لكن هذه دعوى أخرى ومحاكمة أخرى. والخلاصة: إنّ الأقرب في نظرنا هو إلحاق العين بالدَّين في ضرورة ضمِّ اليمين إلى البيِّنة، وإن لم تصفُ المسألة من الإشكال عند السيد اليزدي ولذا احتاط بضمِّ اليمين برضى المدَّعي([212]). بقي في المقام أمران متفرِّعان على القول بالفرق بين العين والدَّين: الأمر الأول: أنه لو تلفت العين في يد الميت قبل موته على وجه الضمان، فهل يجري على ذلك حكم العين، نظراً إلى الأصل، أو يجري حكم الدَّين، نظراً إلى انتقال الضمان إلى الذمة بسبب التلف؟ في ذلك وجهان، استظهر السيد([213]) ثانيهما. واستظهاره في محله، لوحدة الملاك وعدم الفرق بين الدَّين الابتدائي وبين الدَّين الطارئ بسبب الإتلاف والتفريط، ففي الموردين معاً يَرِدُ احتمال أن يكون المدَّعي قد أبرأ الميت أو أوفاه، مما لا يمكن نفيه إلا باليمين. الأمر الثاني: لو تلفت العين في يد الوارث، فيمكن توجيه الدَّعوى عليه، لكون قيمتها ديناً عليه، ومعه لا حاجة إلى ضمِّ اليمين، لأنها دعوى على حي، ويمكن توجيهها على الميت بلحاظ يده السابقة عليها، وأنه الأصل في ذلك، وإذا وجِّهت الدَّعوى عليه فهل يجري حكم العين أو الدين؟ وجهان: قوّى السيد([214]) ثانيهما، لكن صاحب الجواهر قال: "أما إذا فرض تلفها بعد موته وكانت مضمونة عليه، فقد يقوى عدم اليمين عليه، لقصور الخبرين([215]) عن تناول ذلك، بل ظاهرهما غيره، فيبقى هو حينئذٍ على عموم حجية البيِّنة، والتعليل قد عرفت أنه فيما قبل الموت ونحوها، فتأمل جيداً"([216]). وردَّه السيد([217]) بمنع القصور في الخبرين، فيكون حال هذه الصورة حال التلف قبل الموت في الحاجة إلى ضمِّ اليمين. أقول: حيث يصحُّ توجيه الدَّعوى على الميت، لكون العين تحت يده سابقاً وفي عهدته، فلا فرق بين شغل الذمة قبل الموت أو بعده في الحاجة إلى ضمِّ اليمين، كما سلف في الأمر الأول، ولا مانع من الالتزام بتوجيه الدَّعوى إلى الميت، وكذا الالتزام أن له ذمةً، ولذا يقال: لي في ذمة فلان الميت كذا وكذا. ومنه يتَّضح ضعف ما في المستند([218]) من أنه "لو فقدت ــ العين ــ بعد الموت أو لم يعلم أنها فقدت حال الحياة أو بعدها، فحكم المدَّعى به حكم العين، لعدم معلومية الانتقال إلى ذمة الميت". ووجه الضعف: أن يد الميت حيث كانت يد ضمان فتشتغل ذمته بالعين، ويكون حكمها حكم الدَّين. ولكننا على كل حال في غنى عن ذلك، لأننا استقربنا منذ الأساس إلحاق العين بالدِّين في ضمِّ اليمين، لأن المسألة ليست من المسائل التعبدية، ليقال: بأن الحكم جارٍ على خلاف القاعدة فيقتصر فيه على القدر الميتقَّن، بل الحكم ــ وبعد استظهار المثالية في الدَّين ــ جارٍ وفق القاعدة وطبق المرتكزات العقلائية، التي وإن كانت تفرّق بين الدَّعوى على الحيّ والدعوى على الميت، ولكنها لا تفرِّق بين أنحاء الدَّعوى على الميت، ففي الدَّعوى على الحيّ يتفهّم العقلاء الاكتفاء بالبيِّنة وعدم الحاجة إلى ضمِّ اليمين، لأن للمدَّعى عليه لساناً فيمكنه أن يدافع عن نفسه، وأما في الدَّعوى على الميت ــ سواء كانت دعوى دين أو عين قبل الموت أو بعده ــ فإن الحاجة إلى ضمِّ اليمين موجودة في كل ذلك، دفعاً لاحتمال أن يكون المدَّعي قد أبرأ ذمة الميت أو يكون الوفاء قد حصل بشكل أو بآخر. الفرع الثالث: (دعوى الوارث على الميت). كنا نتحدث فيما لو كان المدَّعي على الميت هو صاحب الحق، والكلام الآن فيما لو كان المدَّعي هو وارث صاحب الحق، فهل إن حاله حال مورِّثه في الحاجة إلى ضمِّ اليمين إلى البيِّنة، فإن لم يحلف فلا حقَّ له، أو أنه لا حاجة إلى اليمين؟ في المسألة عدة أقوال ووجوه: الأول: أنه لا حاجة إلى ضمِّ اليمين، لأن الخبرين الآنفين واردان في صورة ما إذا كان المدَّعي صاحب الحق، فيقتصر على موردهما ويدخل المقام تحت عمومات حجة البيِّنة، وبعبارة أخرى، إن ما دلَّ على ضرورة ضمِّ اليمين إلى البيِّنة وارد على خلاف القاعدة، فيقتصر فيه على المتيقَّن، وهو كون المدَّعي صاحب الحق. الثاني: أنه لا بدَّ من ضمِّ اليمين إلى البيِّنة، وهو الأقرب، إما لدخول المقام تحت الخبرين وبطلان دعوى انصرافهما أو اختصاصهما بصورة كون المدَّعي صاحب الحق، وإمّا تمسكاً بعموم التعليل في الخبر الأول: "لأنا لا ندري لعله قد أوفاه ببيِّنة لا نعلم موضعها أو غير بيٍّنة قبل الموت، فمن ثم صارت عليه اليمين مع البينة"، فاحتمال الإيفاء جارٍ مع الوارث كما هو جارٍ مع المورِّث، أعني صاحب الحق. وخلاصة القول: إن المستفاد من الروايتين عدم الفرق بين ما لو كان المدَّعي صاحب الحق أو وارثه، فالمسألة لا ربط لها بشخصية المدعي، بل بطبيعة المورد ووجود احتمال الإيفاء مما لا دافع له إلا اليمين، ومنه اتضح ضعف القول الأول. الثالث: أن يقال بدخول المورد تحت الخبرين، ولكن مع ذلك لا يثبت الحق حتى مع ضمِّ اليمين إلى البيِّنة، والوجه في ذلك: أن الوارث ليس بإمكانه الحلف، إما لعدم علمه ببقاء الحق وعدم الوفاء من المدَّعى عليه، وإما لكونه يميناً على فعل الغير وهو غير جائز([219]). ويرده: ضعف كلا الوجهين: أمَّا الأول: فلأن من الممكن أن يعلم الوارث ببقاء الحق وعدم وفاء المدَّعى عليه، ما يبرر له الحلف على نفي الحق لا نفي العلم به، وعلمه ببقاء الحق له مناشئ عديدة، منها([220]): ملازمته لمورثِّه، إما في الفترة التي يحتمل فيها الإيفاء من قبل المدَّعى عليه، وإما على الدوام، أو كونه بمثابة مديرٍ لأعماله بحيث إن المورّث كان عاجزاً عن القيام بلقاء أحد دونه، ولا مجال للاتصال به إلاّ من خلاله، بحيث يُستبعد جداً أن يكون الميت قد أدَّى الحق، أو أبرأه المورّث دون علم الوارث. وأما الثاني: فلأنَّ كون اليمين على فعل الغير وهو غير مسموعة، غير صحيح، لأن الوارث ليس أجنبياً، بل هو صاحب الدعوى، وهو يحلف على أمر يمسّه بشكل مباشر، ولا يقاس بالأجنبي المتبرع باليمين إطلاقاً. الرابع: أن يقال بشمول الخبرين للمقام، فيكلَّف الوارث بضمِّ اليمين إلى البيِّنة، لكنه لا يحلف على عدم الوفاء، لعدم تمكنه من ذلك، بل على عدم علمه به أو عدم علمه مطلقاً، إلا إذا اعترف وارث المدَّعى عليه بعدم علمه، فيسقط عنه اليمين حينئذٍ. ويلاحظ عليه: أولاً: ما عرفته من تمكنه من الحل فعلى عدم الوفاء. ثانياً: أنه لا معنى لحلفه على نفي العلم مطلقاً، لأنه لا معنى له مع عدم دعوى العلم عليه. ثالثاً: أنه على فرض دعوى العلم عليه، فلا فائدة من الحلف على نفيه، لأن نفي العلم بالوفاء لا ينفي الوفاء واقعاً، لأنه أعمّ، فعلى التقديرين، لا يثبت الحق، لأن احتمال الوفاء موجود وثابت([221]). الخامس: ما احتمله صاحب الجواهر([222]) ــ بعد اعترافه بدخول المقام تحت الخبرين، ما يفرض سقوط الحق بعدم ضمِّ اليمين إلى البيِّنة ــ من أن الحلف يكون على مقتضى الاستصحاب، لأن الحلف على نفي العلم لا ينفع، وعلى نفي الواقع لا يمكن، وسقوط الحق مع وجود البيِّنة مناف لمذاق الفقه، وثبوت الحق بمجرد البيِّنة منافٍ للخبرين خصوصاً الصحيح، فيتعيّن القول بالحلف على مقتضى الاستصحاب، كما يحلف على مقتضى اليد. لكن قد اتضح مما سلف وجه الضعف يما احتمله صاحب الجواهر واعترف نفسه بعدم صحته، فإن بإمكانه الحلف على نفي الواقع، أعني عدم الإيفاء، على أن الحلف على مقتضى الاستصحاب لا يجدي في نفي احتمال الوفاء، وأضف إليه، بأنَّ الحلف على مقتضى الاستصحاب لا يقاس بالحلف على مقتضى اليد، لأن اليد أمارة على الواقع بخلاف الاستصحاب، وقد ورد في بعض الروايات([223]) صحة الحلف على مقتضى اليد. الفرع الرابع: (شهادة البيِّنة بنفي الوفاء): إذا شهدت البيِّنة بثبوت الحق وبقائه إلى حين الموت، وأن الوفاء لم يحصل من الميت، لعلم البيِّنة بذلك وإطلاعها عليه، أو اعتراف ورثة المدَّعى عليه الميت بذلك، أو لسماع البيِّنة إقرار المدَّعى عليه قبل موته بمدةٍ لا يمكن فيها الإيفاء والاستيفاء عادةً، ففي هذه الحالات، هل يجب ضمُّ اليمين أم لا؟ الصحيح عدم وجوب ضمّها، والوجه في ذلك: أن العلَّة المنصوصة كما أنها تعمَّم فإنها تخصَّص، فإذا قال المولى أو الطبيب لا تأكل الرمان لأنه حامض، فالتعليل بالحموضة يعمم النهي إلى كلِّ حامض ولو لم يكن رماناً، ويخصصه بالرمان الحامض، فلا يكون النهي شاملاً للرمان الحلو. وفي المقام، فإن التعليل المستفاد من الروايات يقول: "على المدَّعي ضمُّ اليمين إلى البيِّنة لاحتمال أن الميت قد وفَّاه الدين"، وهذا التعليل كما التزمنا بأنه يعمّم الحكم ــ وهو ضمّ اليمين ــ إلى صورة العين وسواها مما تقدم، فإنا نلتزم بتخصيصه له بصورة ما لو كان احتمال إيفاء الدَّين قائماً، وحيث إن المفروض في المقام شهادة البيِّنة بنفي احتمال الإيفاء، فلا حاجة إلى اليمين. ولكنَّ النراقي في المستند([224]) اعترض على ذلك بالقول: "إن التعليل لا يوجب تخصيص الإطلاق، لأنّ العلل الشرعية معرّفات([225]) لا ينتفي المعلول بانتفائها، فإنه قد يكون وجود العلَّة في بعض الأفراد علةً للحكم في الجميع، مع أنّ التعليل ــ كما قيل ــ يمكن ان يكون من باب إبداء النكتة والتمثيل([226])، فإن احتمال الإبراء أيضاً قائم، وكذا احتمال نسيان المقرّ للإيفاء وتذكره لو كان حياً حين الدعوى، ولذا قوّى بعض فضلائنا المعاصرين الضمّ، لإطلاق النص، وهو حسن، إلا أن فيه: أن النص معارض بأخبار آخر واردة في إقرار المريض، وفي الوصية بالدَّين: كصحيحة منصور: "عن رجل أوصى لبعض ورثته أن له عليه ديناً، فقال: إن كان الميت مرضياً فأعطه الذي أوصى له"([227]). وصحيحة أبي ولاد: "عن رجل مريض أقرَّ عند الموت لوارث بدين له عليه، قال: يجوز ذلك"([228]). ورواية السكوني: "في رجل أقرَّ عند موته لفلان وفلان لأحدهما عندي ألف درهم، ثم مات على تلك الحال، فقال علي(ع): أيهما أقام البيِّنة فله المال، وإن لم يُقِمْ واحد منهما البيِّنة فالمال بينهما نصفان"([229]). ومكاتبة الصهباني: "امرأة أوصت إلى رجل وأقرّت له بدَين ثمانية آلاف درهم ــ إلى أن قال ــ فكتب(ع) بخطه إن كان الدَّين صحيحاً معروفاً مفهوماً، فيخرج الدَّين من رأس المال"([230]) إلى غير ذلك([231]). فإن هذه الأخبار شاملة لصورة عدم حلف المقر له أيضاً، فتعارض ما مرّ بالعموم من وجه، وإذ لا ترجيح، فيرجع إلى القاعدة المتقدِّمة المكتفية للمدعي بالبيِّنة وهو الأصح". انتهى كلام النراقي([232]). والخلاصة: أن المحقِّق النراقي يوافق في النهاية على عدم الحاجة إلى ضمِّ اليمين في المقام، لا لأن العلَّة الواردة في الخبر تخصص الإطلاق، فهو يرفض ذلك، لما تقدم من أن العلل الشرعية بنظره معرّفات لا مؤثّرات، بل إن الخبر في نظره عام وهو يقتضي الضم، لكن بما أنه معارض بما ورد في أخبار الوصية بالدَّين أو إقرار المريض، والنسبة هي العموم من وجه، فإن هذه الأخبار تثبت الحق بالبيِّنة سواء، حلف المدَّعي أو لم يحلف، ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله (المعلَّلة) تنصُّ على ضرورة ضمِّ اليمين إلى البيِّنة، سواء أوصى الميت بذلك أو لم يوصِ، أقرّ أو لم يقر، ومادة الاجتماع هي ما لو أوصى الميت بدَين أو أقرَّ به وقامت بيِّنة المدَّعي عليه، فمقتضى رواية عبد الرحمن لزوم ضمِّ اليمين، بينما مقتضى تلك الأخبار الاكتفاء بالبيِّنة فيتعارضان، وحيث لا مرجح لإحدى الطائفتين، فيكون المرجع هو القاعدة المكتفية بالبينة. ويلاحظ عليه: أولاً: الصحيح في العلل الشرعية أنها تخصَّص كما تعمَّم، وكونها مجرد معرّفات غير ثابت ولا دليل عليه، ولو كانت كذلك لكان ذكرها لغواً، ولما أمكن التعميم اعتماداً عليها، ولا ظن أن النراقي ينكر صلاحيتها للتعميم في المقام وغيره. ثانياً: ما أفاده في ملاحظته الثانية، أنَّ التعليل باحتمال الوفاء يمكن أن يكون من باب المثال، فإن احتمال الإبراء من المدَّعي قائم، صحيح، لكنه لا ينفي صلاحية التعليل المذكور للتخصيص والتعميم، وإنما يوسِّع من دائرته، على أن البيِّنة قد تقوم على نفي الإبراء كما قامت على نفي الإيفاء. ثالثاً: إن ما ذكره من معارضة خبر عبد الرحمن بالأخبار الواردة في إقرار المريض أو وصيته بالدَّين، وأن النسبة بينهما هي العموم من وجه، غير سليم، لأن المتأمل في الأخبار المذكورة يدرك أنها غير ناظرة إلى صورة وجود مدَّعٍ أصلاً، بل نظرها إلى مسألة أنَّ الإقرار في حال المرض والوصية بالدَّين، هل يصحُّ أم لا؟ لا من جهة وجود دعوى على الميت، فلا تنافي بين الطائفتين أساساً. وعليه، فالصحيح في هذا الفرع عدم الحاجة إلى ضمِّ اليمين، تمسكاً بأن العلَّة تقيّد وتخصص الإطلاق، مع عدم وجود احتمال يتعين نفيه بالحلف. الفرع الخامس: (مثالية احتمال الوفاء). أن العلَّة المذكورة في الخبر لاشتراط ضمِّ اليمين إلى البيِّنة هي احتمال الوفاء من المدَّعى عليه الميت، فهل إن لاحتمال الوفاء خصوصيةً أو أنه مذكور من باب المثال، فتعدى منه إلى سائر الاحتمالات المنافية لبقاء الحق؟ الظاهر ــ وفاقاً لغير واحد([233]) ــ أن احتمال الوفاء مذكور من باب المثالية، فيتعدى إلى سائر الاحتمالات المضاهية له. إلاّ أن الكلام في أن التعدِّي هل يجب أن يقتصر على ما يكون من قبيل احتمال الوفاء مما يجري في الميت دون الحي، من قبيل احتمال النقل الجديد من الميت في دعوى العين، أو يمكن التعدِّي حتى إلى الاحتمالات المشتركة بين الحيِّ والميت من قبيل الإبراء أو المقاصَّة أو تبرع الأجنبي بوفاء الدَّين؟ وتوضيح ذلك: أن بعض الاحتمالات تعتبر من شؤون الميت وخصوصياته، ولا تعرف إلا من قبله، كما في احتمال الوفاء، وكذا احتمال النقل الجديد، كما لو ادعي عليه بعين وأقام المدَّعي على ذلك بيِّنة، ولكن احتملنا أن تكون العين قد انتقلت إلى الميت قبل موته بقليل، بحيث لو كان حياً لأثبت أو ادَّعى تملّكها بملِّك شرعي. وهناك احتمالات أخرى مشتركة بين الحيّ والميت، وهي الأمثلة المتقدمة، أعني الإبراء والمقاصَّة أو تبرع الأجنبي بوفاء الدَّين، فكما يحتمل أن يكون المدَّعي أبرأ ذمة الميت أو اقتصَّ منه، أو يكون الأجنبي قد تبرَّع بدفع المال عنه، يحتمل ذلك في الحيّ أيضاً. والسؤال: إن مطالبة المدَّعي بضم اليمين إلى البيِّنة، هل يقتصر فيها على النوع الأول من الاحتمالات، أو يمكن أن يتعدى إلى الاحتمالات المشتركة؟ استشكل السيد اليزدي(قدس سره) في التعدِّي إلى الاحتمالات المشتركة، على اعتبار أنه لو كان نفي هذه الاحتمالات باليمين شرطاً في الدَّعوى على الميت، لكان شرطاً في الدَّعوى على الحيِّ أيضاً: "فما يظهر منهم من اشتراط نفيها أيضاً في الدَّعوى على الميت دون الحيّ مشكل"([234]). وأضاف(قدس سره): "والحاصل أنَّ تخصيص الدَّعوى على الميت باشتراط ضمِّ اليمين إلى البيِّنة، إنما يصحُّ في احتمالٍ لا يجري في الدَّعوى على الحي، ففيما إذا علم عدم الوفاء من الميت، لكن احتمل إبراء المدَّعي ذمته أو مقاصته من ماله، أو وفاء الأجنبي تبرعاً، أو وفاء الوارث له بعد موته، يشكل اشتراط ضمِّ اليمين بعد كون الحكم على خلاف مقتضى عموم حجية البينة"([235]). ويلاحظ على ما ذكره السيد (رحمه الله): أن النقض بالحي في غير محله، للفرق الجلي بين الحيّ والميت، فالحيُّ يمكنه أن يدافع عن نفسه ويثبت إبراء المدَّعي له أو مقاصته معه أو تبرع الأجنبي، ما ينفي الحاجة إلى ضمِّ اليمين على المدعي، وأمّا الميت، فإنه لا لسان له، ولا دافع بالتالي للاحتمالات المذكورة إلا من خلال اليمين. وعليه، فلا إشكال في التعدِّي إلى الاحتمالات المشتركة بعد إلغاء الخصوصية كما لا يبعد. الفرع السادس: (حكم سائر الحجج): هل يلحق بالبيِّنة في الحاجة إلى ضمِّ اليمين سائر الحجج، كالإقرار المعلوم، أو الشياع الموجب للعلم، أو حكم الحاكم أو الشاهد أو اليمين أو لا؟ فلو ثبت أن الميت أقرَّ قبل موته بحق المدَّعي، فهل يكفي ثبوت الإقرار بالبيِّنة أو غيرها للحكم على طبقه، أو يحتاج إلى ضمِّ اليمين من المدَّعي؟ والجواب: أنه لو كانت الحجَّة الأخرى هي ما عدا الشاهد اليمين، كما لو كانت هي الإقرار ــ مثلاً ــ فإن علمنا بعدم إيفاء الميت بالحق بعد إقراره، أو علمنا بعدم حصول الإبراء أو المقاصَّة أو غيرها من الاحتمالات، فلا ريب في عدم الحاجة إلى ضمِّ اليمين، وأما لو احتملنا أنَّ الميت أوفاه حقه بعد الإقرار، فهل يجب ضمًّ اليمين إلى الإقرار؟ قد يقال بعدم الحاجة إلى اليمين، لأن مورد الخبرين هو البيِّنة، وحيث إن الحكم بالضم على خلاف القاعدة، فيقتصر فيه على القدر المتيقّن، وهو صوم قيام البيِّنة. ويلاحظ على ذلك: أنه لا خصوصية للبينة بما هي شاهدان عدلان، فهي طريق كالإقرار وسائر الطرق، وإنما الخصوصية التي أوجبت ضمِّ اليمين هي احتمال انتفاء الحق بإيفاءٍ أو غيره، وهو قائم في الموردين، أعني مورد قيام البيِّنة ومورد الإقرار. أجل، لو لم نحتمل الإيفاء بل قطعنا بعدمه، لكن احتملنا الإبراء أو المقاصَّة أو غيرها من الاحتمالات المشتركة بين الحيّ والميت، ففي ضمِّ اليمين إلى الإقرار الوجهان المتقدمان في الفرع السابق، والأظهر هو الضم، لما عرفت. وأما لو كانت الحجَّة هي الشاهد واليمين، فهل يحتاج إلى ضمِّ يمين ثانية لدفع احتمال الإيفاء وسواه؟ قد يقال بعدم الحاجة إلى اليمين الاستظهارية، وذلك لخروج المورد عن الخبرين، فإن موردهما البيِّنة، وهي لا تصدق على الشاهد واليمين، ولعدم الفائدة في تكرار اليمين، فإنه لا يضيف شيئاً جديداً. وقد يقال باشتراط الضمِّ تمسكاً بعموم التعليل، وهو دفع احتمال الإيفاء أو سواه، والتعليل كما هو جارٍ في مورد البيِّنة، فإنه جارٍ في مورد الشاهد واليمين. هذا، ولكنَّ الأقرب في نظرنا هو التفصيل بين ما لو كانت اليمين التي هي الشاهد قائمة على أصل ثبوت الحق من دون تعرّض لبقائه، واشتغال ذمة الميت به فعلاً إلى حين الموت، كما هو الحال في الشاهد، فإنه متعرض لأصل الحق، وبين ما لو كانت قائمةً على الاستحقاق الفعلي، ففي الصورة الأولى يجب الضم، لتغاير اليمينين، فإنّ الأولى قائمة على أصل الحق، والثانية على بقائه إلى حين الوفاة، فما تفيده اليمين المنضمة إلى الشاهد غير ما تفيده اليمين المنضمة إلى مجموع الشاهد واليمين، وأما في الصورة الثانية، فالأظهر عدم الحاجة إلى الضم، خلافاً للسيد اليزدي، فقد جعل الضم أظهر وأحوط، إذ يكفي ــ في نظره ــ تغاير اليمينين في حدِّ نفسهما، فلا وجه للتداخل([236]). ويلاحظ عليه: أنه لا فائدة من تكرار اليمين ولا حاجة إليها، ومجرد تغايرهما لا ينهض حجةً للضمّ، بل إن التمسك بالتعليل ينفي الحاجة إلى الضمّ، والوجه في ذلك، أنَّ العلَّة كما تعمَّم فإنها تخصَّص، وحيث إنها ــ أعني العلَّة ــ تؤكِّد أن وجه الحاجة إلى الضم هو دفع احتمال الوفاء، فإن هذا الاحتمال منفي في المقام باليمين المنضمة إلى الشاهد، لأنها قامت ــ حسب الفرض ــ على نفي الاستحقاق الفعلي للميت، ما يجعل اليمين الثانية بدون موجب ولا فائدة. وقد يلاحظ على السيد (رحمه الله) أيضاً: أن ما أفاده هنا من وجوب الضم ينافي ما تقدَّم منه سابقاً، من أن يمين الاستظهار إنما تطلب عندما لا تكون الحجَّة على ثبوت الحق مستمرةً إلى حين الوفاة، فإذا ثبت الاستمرار فلا حاجة إلى الضم، والمفروض أن اليمين الأولى تثبت بقاء الحق واستمراره إلى حين الوفاة. إلا أن يقال: بأن اليمين الأولى لا تكفي للحكم على طبقها، وإنما يحكم بها منضمةً إلى الشاهد، وهو لا يشهد إلا بأصل الحق دون بقائه إلى حين الوفاة. الفرع السابع: (تعدد اليمين بتعدّد الورثة): إذا كان المدَّعي على الميت هم ورثة صاحب الحق، فيلزم كل واحد منهم اليمين على مقدار سهمه، ولا تكفي يمين واحدة عن الجميع، لانحلال الدَّعوى إلى عدة دعاوى بعدد الورثة، ولكل واحد منهم حصته من الدَّين، فلا بدَّ من أن يحلف، وأما لو كان المدَّعي على الميت هو صاحب الحق نفسه لا ورثته، فيكفي يمين واحدة منه وإن تعدد ورثة الميت. والوجه في ذلك: أن الدَّعوى هنا هي دعوى على الميت وهي واحدة، وليس على ورثته ليقال بتعدد اليمين بتعدّدهم. الفرع الثامن: (اليمين الاستظهارية لا تقبل الإسقاط): أفاد السيد اليزدي (رحمه الله): "أن اليمين الاستظهارية ليست من الحقوق القابلة للإسقاط، إذ هي شرط متمِّم للحجة وهي البيِّنة، فلو أسقط ورثة الميت حقهم من اليمين لم تسقط، ولم يكفِ في ثبوت المدَّعى به نظير اليمين مع الشاهد". وأضاف (رحمه الله): "نعم إذا رضي المدَّعي بإسقاط بعض حقه وأخذ البقية بدون أن يحلف، جاز مع رضى ورثة الميت إذا كانوا كباراً، أو كان فيه المصلحة للصغار أيضاً، فيجوز لهم وللقيّم على الصغار المصالحة مع المدَّعي عما يدعيه ببعضه مع ترك اليمين"([237]). والظاهر أنَّ ما أفاده السيد (رحمه الله) في كلامه بشقيه متين، أما الشق الأول، فلما ذكره من أن اليمين ليست حقاً قابلاً للإسقاط، وإنما هي شرط متمم للحجة، والشرط كالحكم لا يقبل الإسقاط، وعليه، فقوله (رحمه الله): "فلو أسقط ورثة الميت حقهم من اليمين لم تسقط"، لا يخلو من مسامحة، لأن اليمين كما ذكرنا ليست حقاً لهم ليجوز لهم إسقاطها. وأما الشق الثاني: فوجهه أيضاً واضح، وهو عمومات الصلح، فأخذ المدَّعي لبعض حقه من دون حلف، ليس منافياً لما ذكر في الشق الأول، من أن الحلف شرط متمِّم للحجة فلا يثبت الحق بدونه، لأنّ ما استحقه المدَّعي في هذا الفرض هو من خلال الصلح لا من خلال الحجَّة الشرعية وما يقتضيه ميزان القضاء. الفرع التاسع: (اليمين وطلب الحاكم): أفاد غير واحد من الفقهاء([238])، أن اليمين الاستظهار لا بدّ من أن تكون عند الحاكم وبتحليفه، فإذا قامت البيٍّنة عنده وأحلفه ثبت حقه، ولا أثر لحلفه بنفسه أو عند الوارث. والوجه فيما أفادوه، هو أن اليمين المذكورة متمِّمة للحجة الشرعي، فيكون حالها حال البيِّنة في أنها لا تسمع إلا بطلب القاضي، فليس للمدَّعي أن يبادر إلى اليمين إلا باستدعاء القاضي، فإن ذلك من شؤون القضاء، ويؤيد ذلك سياق الخبرين المتقدِّمين([239])، حيث ورد الأمر باليمين معطوفاً أو منضماً إلى البيِّنة، ومن المعلوم أن البيِّنة لا تقبل إلا بطلب الحاكم. الفرع العاشر: (شك الوارث في بقاء الدين): لو علم وارث الميِّت بأصل الدِّين وبقائه إلى حين موت مورِّثه، فلا إشكال في وجوب أدائه من التركة، لأنه لا يرث إلا بعد إخراج الديون، ولا حاجة في هذه الصورة إلى يمين المدَّعي، لأن اليمين إنما تُطلب لدفع احتمال الوفاء من قبل الميت، والمفروض انتفاؤه. أما لو كان الوارث عالماً بأصل الدَّين، شاكاً في بقائه، فهل يلزم بالأداء، عملاً بالاستصحاب، أو ل يلزم به إلا إذا حلف المدَّعي عند الحاكم؟ في المسألة وجهان ذكرهما السيد اليزدي([240]) من دون أن يرجِّح أحدهما. لكنَّنا نرجِّح الاحتمال الثاني المقتضي عدم جريان الاستصحاب وتوقف إلزام الوارث بدع الحق على الحلف. والوجه في ذلك: أن لازم إجراء الاستصحاب في المقام هو بقاء الخبرين بدون مصداق، لأنه إذا كان المدَّعي لا يكلَّف باليمين في حالتي علم الوارث وشكّه ببقاء الدين، فمعنى ذلك أنه يلزم بها في حالة علمه بعدم بقائه، وهو فرضٌ نادر يبعد حمل الخبرين عليه مع فرض إطلاقهما. مضافاً إلى أن استصحاب بقاء الدَّين غاية ما يثبت البقاء تعبداً ولا ينفي احتمال الوفاء واقعاً، فيحتاج إلى نفيه باليمين، على أنه مع وجود الدليل الاجتهادي، وهو الخبران المذكوران سابقاً، فلا مجال للرجوع إلى الأصل العملي، إلاّ أن يقال إن الاستصحاب في المقام موضوعي ينقح موضوع الخبرين فلا يعارضهما ليتقدَّما عليه، والوجه في ذلك، أنّ مفاد الخبرين هو تعين اليمين على المدَّعي في حالة احتمال بقاء الدَّين، والاستصحاب ينفي الاحتمال المذكور، ومعه ينتفي وجه الحاجة إلى يمين المدَّعي. نعم، يبقى وجه ثالث في المقام لم يذكره السيد اليزدي، وهو: إلزام الوارث بالأداء عملاً بالاستصحاب، وإلزام المدعي باليمين أيضاً لإثبات حقه، وإلزام الوارث بالأداء لا يعفي المدَّعي من اليمين، فلكلّ تكليفه، فتأمل. الفرع الحادي عشر: (الدَّعوى على حيّ وميت): إذا أقام دعوى على اثنين أحدهما حيّ والآخر ميت، فهل يكون الحكم هو حكم إقامة الدَّعوى على الحيّ فيكتفى بالبينة؟ أو حكم إقامة الدَّعوى على الميت فيحتاج إلى ضمِّ اليمين. أو أن كلاً منهما يعطى حكمه؟ استقرب السيد (رحمه الله) الاحتمال الثالث([241])، وعليه، فلو أقام بيِّنةً ولم يحلف، ثبت ما على الحيّ من نصفٍ أو ثلثٍ ــ مثلاً ــ دون ما على الميت. والوجه فيما أفاده (رحمه الله) أن الدَّعوى على الاثنين تنحلُّ إلى دعويين: دعوى على الحيّ وأخرى على الميت، فتأخذ كلُّ منهما حكمها، فيكون وازنها وازن ما لو أقام دعويين مستقلّتين من الأساس. الفرع الثاني عشر: (الدعوى على الحيّ بفعل وكيله الميت): إذا ادَّعى على زيد أن وكيلك عمرو أخذ مني قرضاً على حسابك، والمفروض أن عمراً ميت، فهل إن هذه الدَّعوى من قبيل الدَّعوى على الميت أو من قبيل الدَّعوى على الحيّ؟ الظاهر ووفاقاً للسيد([242]) أنها من قبيل الدَّعوى على الحيّ، فلا تحتاج إلى اليمين، والميت ليس مدَّعى عليه، وإنما هو موضوع للدعوى على الحي. وبعبارة أخرى: إن المطالبة ليست متوجهةً إلى الميت الوكيل والدعوى ليست ضده، بل هي موجَّهة إلى الموكل الذي يلتزم بمقتضى الوكالة بكل تصرفات وكيله. ومن هذا القبيل ما لو ادّعى على شخص أنَّ أخاك أو عمك ــ مثلاً ــ قتل ابني خطأً وأنت عاقلته فعليك الدية، والمفروض أن القاتل ميت، فالدعوى هنا على الحيّ دون الميت. نعم لو وجَّه الدَّعوى على الوكيل في الفرض الأول وعلى القاتل في الفرض الثاني، تكون من الدَّعوى على الميت. الفرع الثالث عشر: (الوصية بدفع المال إلى المدَّعي): إذا أوصى الميت بأن كلّ من ادعى عليّ مقداراً فادفعوا إليه من تركتي بلا مطالبة بيّنه ولا يمين، أو مع البيِّنة دون الحاجة إلى اليمين، فالظاهر أنها وصية تخرج من ثلث ماله، ولا يثبت ذلك الدَّين، لأنه ليس في كلامه ما يدل على اعترافه بالدَّين، كما أن ذلك ليس إقراراً كما هو واضح. نعم، لو قال: كل ما هو مكتوب في دفتري فهو حق، ووجد فيه: أنه مديون لفلان بكذا، فالظاهر أن هذا إقرار، ومعه لا يمين على المدعي، لأن الحق إنما ثبت بالإقرار، لا ببينة المدَّعي لتحتاج إلى ضمِّ اليمين، ولو قال في الفرض الأول: كل من ادّعى عليّ شيئاً فهو صادق، أمكن أن يكون إقراراً، بحمله على علمه بأنَّ الذي يدَّعي عليه هو فلان، وهو يطلب منه كذا، وأمكن أن يكون وصيةً فيخرج من الثلث، بحمل كلامه على محاولة إبعاد ورثته عن تبعات الإنكار. الفرع الرابع عشر: (إقامة الدَّعوى على الحيّ وصدور الحكم بعد وفاته): لو أن الدَّعوى أقيمت على الحيّ ــ لا الميت ــ ولكن الحكم لم يصدر إلا بعد وفاته، فهل يكون حكمها حكم الدَّعوى على الميت في الحاجة إلى ضمِّ اليمين إلى البيِّنة، أو أن حكمها حكم الدَّعوى على الحي؟ والجواب أن للمسألة صورتين: الأولى: أن يكون موته بعد قيام البيِّنة المقبولة وقبل صدور حكم الحاكم، والظاهر في هذه الصورة عدم الحاجة إلى اليمين، لثبوت الحق عليه وهو حي، فلا يكون مشمولاً لعموم التعليل الوارد في الخبر، فإنَّ احتمال الوفاء لو كان وارداً لذكره المدَّعى عليه بعد إقامة البيِّنة، لأن مفروض الكلام أن الدَّعوى رفعت ضده وهو حي، وأقيمت البيِّنة المقبولة وهو حيّ، ولم يبق إلاّ صدور الحكم الذي تمّ تأخيره لبعض الطوارئ أو الدواعي، فلو كان المدَّعى عليه قد وفَّى المال، لذكر ذلك بعد إقامة البيِّنة وقبل موته. الثانية: أن يكون موته بعد إقامة الدَّعوى وقبل إقامة البيِّنة، أو قبل ثبوت عدالتها، فهل الحكم هنا كما في الصورة الأولى في عدم الحاجة إلى ضمِّ اليمين، أو لا؟ ذكر السيد اليزدي([243]) أن في المسألة وجهين، بل وجوهاً، دون أن يقوّي أحدها أو يذكر أدلّتها. أقول: أما الوجوه المحتملة فهي: 1- إلحاق ما نحن فيه بالدعوى على الميت، لا لأنّ البيِّنة المقبولة لم تقم إلا بعد الموت فيكون حكمها حجكم الدَّعوى على الميت فنحتاج إلى ضمِّ اليمين، بل تمسكاً بعموم التعليل، فإن احتمال الوفاء واردٌ هنا ــ خلافاً للصورة الأولى ــ وإنما لم يذكره المدَّعى عليه تعويلاً منه على عدم تمامية البيِّنة، أو لأن الدَّعوى لا تزال في بدايتها القضائية. 2- إلحاق ما نحن في بالدعوى على الحيّ، لأن الحكم بضم اليمين جارٍ على خلاف القاعدة، فيقتصر فيه على القدر المتيقن، وهو ما لو كان المدَّعى عليه ميتاً عند إقامة الدعوى. 3- التفصيل بين ما لو كانت إقامة البيِّنة بعد الموت وبين ما لو كان إثبات عدالتها بعد الموت، ففي الأول: يكون حكمها حكم الدَّعوى على الميت، لأن احتمال الوفاء وارد، وإنما لم يذكره المدَّعى عليه لأنّ المدَّعي لم يأت بالبيِّنة، فهو يتوقَّع عدم تمكّنه من إقامتها. وفي الثاني: يكون حكمها حكم الدَّعوى على الحي، لأن البيِّنة كانت قائمةً في حال الحياة، والمفروض أنها بيِّنةٌ عادلة في الواقع، غايته أن إثبات العدالة تمّ بعد الموت. والأقرب من هذه الوجوه هو الأوَّل، لما ذكرناه من التمسك بعموم التعليل، ومعه لا مجال للقصر على القدر المتيقّن كما ذكر في الوجه الثاني، كما لا وجه للتفصيل المذكور في الوجه الثالث، فإنَّ احتمال الوفاء وارد في الحالتين ــ وهما: إقامة البيِّنة بعد الموت، أو إثبات عدالتها بعده، ولا رادَّ لهذا الاحتمال إلا يمين المدَّعي. الفرع الخامس عشر: (المقاصَّة واليمين): "المقاصة من مال الميت مع العلم بثبوت الحق عليه لا تحتاج إلى اليمين، وإذا كان له حق على ميت وأمكنه الإثبات بالبيِّنة، لكنه يريد الفرار من الحلف وإن كان صادقاً، يجوز له ترك الإثبات، والمقاصة من ماله، ولا يجب عليه الإثبات والحلف، بل بعد إقامة البيِّنة إذا أراد ترك الحلف والمقاصَّة فالظاهر جوازه"([244]). أقول: إن المقاصَّة ــ من حيث المبدأ ــ ثابتة شرعاً، وإنما الكلام في ضوابطها وشروطها، وهذا ما سيأتي الحديث عنه مفصَّلاً في محله من كتاب القضاء. والذي نريد قوله هنا: إنّ ظاهر كلام السيد جواز المقاصَّة من مال الميت حتى لو أمكن إثبات الحق بالبيِّنة واليمين، وهذا لا يخلو من تأمل، وذلك لعدم ثبوت عمومٍ في أدلة المقاصَّة يسمح باعتمادها حتى في صورة إمكان إثبات الحق وتحصيله بواسطة القضاء الشرعي، وإنما هي ــ أعني أدلة المقاصَّة ــ ناظرة أو منصرفة إلى صورة عدم إمكان إثبات الحق بأيِّ طريق من الطرق، مع جحود الآخر وامتناعه عن أداء الحق، ولا أقل من احتمال ذلك احتمالاً معتداً به، ومعه، لا يجوز الرجوع إلى أدلة المقاصة، لأنها على خلاف الأصل، لكونها تقتضي التصرف في مال الغير وتعيين حقه في هذا المال دون سواه من أمواله، ولا سلطة للمقتص على ذلك بعد كون حقه ثابتاً في الذمة لا في العين الخارجية. وأضف إلى ذلك: أنّ لازم تجويز المقاصَّة مطلقاً ــ أي حتى في صورة إمكان إثبات الحق وتحصيله من خلال القضاء ــ حصول الفوضى والخلل بالنظام العام، وهو على خلاف أدلة القضاء، بل هو مخالف لفلسفة تشريعه، وهي حسم النزاع والخصومة، وحفظ النظام. وإليك بعض روايات المقاصَّة الظاهرة فيما ذكرناه من عدم كونها مبدأً عاماً: منها خبر جميل بن درّاج قال: "سألت أبا عبد الله(ع) عن الرجل يكون له على الرجل الدَّين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده، أيأخذه وإن لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم"([245]). ومنها: صحيحة داود بن رزين (زربي) قال: "قلت: لأبي الحسن موسى(ع): إني أخالط السلطان فتكون عندي الجارية فيأخذونها، والدابة الفارهة فيبعثون فيأخذونها، ثم يقع لهم عندي المال فلي أن آخذه؟ قال(ع): خذ مثل ذلك ولا تزد عليه"([246]). ومنها: ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح ــ في بعضها ــ عن أبي بكر الحضرمي عن الصادق(ع) قال: "قلت لأبي عبد الله(ع): رجل كان له على رجل مال فجحده إياه، وذهب به، ثم صار بعد ذلك للرجل الذي ذهب بماله مالٌ قبله، أيأخذه منه مكان ماله الذي ذهب به، منه ذلك الرجل؟ قال: نعم..."([247]). إلى غير ذلك من الروايات الظاهرة نصاً أو مورداً أو من خلال القرائن فيما قلناه. الفرع السادس عشر: (هل تجوز المقاصَّة مع عدم العلم بالحق؟): إذا ادعى على الميت ولم يكن له بيِّنة، لا تسمع دعواه. نعم، تجوز له المقاصَّة إذا كان عالماً بثبوت الحق، لتعذّر تحصيل الحق بغيرها، ولو ادعى على الميت وكانت له بيِّنة، لكنه لم يكن قادراً على الحلف لكون الدَّعوى غير يقينية، وإنما قامت لديه بعض الأمارات التي يظنّ من خلالها أن له ديناً على الميت، فلا يجوز له الحلف حينئذٍ، لأنه ليس عالماً بالاستحقاق، ولا تسمع دعواه في هذه الصورة أيضاً، لأنّ الدَّعوى على الميت لا تقبل إلا بالبيِّنة واليمين، ولكن هل يجوز له المقاصَّة في هذه الحالة، لقيام البيِّنة على حقه، مع أن المفروض عدم علمه بثبوته؟ استظهر السيِّد اليزدي (رحمه الله)([248]) جوازها، لكفاية استحقاقه في ظاهر الشرع. أقول: إنّ الملاحظة التي أوردناها في الفرع السابق بشأن المقاصَّة، وهي عدم عموم أدلّتها لحالة إمكان إثبات الحق بالطرق والوسائل المعهودة في باب القضاء، لا ترد في المقام، فإن المفروض أنَّ المدَّعي يريد إثبات حقه بهذه الطرق، وقد أقام البيِّنة على حقه، لكنه لم يتمكَّن من الحلف، ليس امتناعاً، بل لأن الحلف لا يكون إلا مع العلم بالاستحقاق وهو غير حاصل، وإنما الإشكال فيها ــ أعني المقاصَّة ــ ناشئ من جهة أخرى، وهي الجهة نفسها التي منعت من الحلف. وحاصل الإشكال: أنه هل يمكن اللجوء إلى المقاصَّة مع عدم العلم بالاستحقاق؟ وقد عرفت أنَّ السيد اكتفى بثبوت الحقِّ في ظاهر الشرع إن لم يثبت عن طريق العلم الوجداني. وكلامه (رحمه الله) وجيه، وإن كان يمكن التأمل فيه لجهة التمسك بعموم التعليل الوارد في الخبر المتقدِّم، فإنَّ احتمال الوفاء موجود، لأنَّ المدَّعي غير متيقن بحقه حسب الفرض، ولا دافع له إلا اليمين، وحيث لا مجال لليمين، فلا يثبت الحق للمدَّعي ليتمكن من الاقتصاص. ودعوى أنَّ اليمين إنَّما نحتاج إلى ضمّها إلى البيِّنة عندما تقام الدَّعوى على الميت ويراد إثبات الحق من قبل الحاكم، دون ما لو كانت المسألة داخلةً في باب الاقتصاص، حيث يبادر صاحب الحق بنفسه إلى تحصيل حقه بلا حاجة إلى مراجعة الحاكم، مدفوعة: بأن البيِّنة إن لم تكن كافيةً ــ إن لم تنضمّ إليها اليمين ــ لإثبات الحق لدى القضاء الشرعي، فالأولى عدم كفايتها لتجويز الاقتصاص بالمعنى المذكور. الفرع السابع عشر: (تفريغ ذمة الميت): إذا كان مديوناً للميِّت أو عنده من ماله مبلغ معين وعلم بأنّ ذمة الميت مشغولة لشخص آخر، فهل يجوز له أن يؤدي دين الميت مما عنده، أو مما في ذمته، أو أن واجبه دفع المال إلى الورثة وهم يتكفّلون بتفريغ ذمة مورثهم؟ أفتى السيد اليزدي بجواز الأداء عن الميت بشرطين: أحدهما: أن يعلم بأنه لو أخبر الورثة بذلك فإنهم لا يؤدون الدَّين ولا يفرّغون ذمة المورِّث. ثانيهما: الاستئذان من الحاكم، احتياطاً. ومع توفر الشرطين، يجوز الأداء دون الحاجة إلى يمين لشخص الثالث. وقد اختار المحقق النراقي هذا الرأي دون الشرطين المذكورين في محل آخر، وهو ما لو كان طرف القضية هو الحيّ لا الميت. قال(رحمه الله) "لو كان لزيد مال على عمرو، ولعمرو على بكر، يجوز لزيد المواطاة مع بكر، وأخذ حقه منه، للعمومات، ويجوز لبكر إعطاؤه، لأن جواز أخذ الغريم يستلزم ذلك... ويجوز حلف بكر على البراءة"([249]). وبعد أن نقل السيد اليزدي(رحمه الله)([250]) كلام النراقي هذا في بحث المقاصَّة، عقّب عليه بالقول: "ولا يخفى الإشكال فيه على إطلاقه وفي تعليله. نعم، لو علم بكر اشتغال ذمة عمرو، وأنه لا يمكن وصول حق زيد إليه إلاّ بهذا الوجه يحتمل جوازه". أقول: إنَّ العمومات المشار إليها في كلام النراقي هي عمومات المقاصَّة دون غيرها، لكن هذه العمومات لا تصلح للاستدلال فيما نحن فيه لاختلاف موردها عن موردنا، فإن عمومات المقاصَّة، سواءً ما ذكر من الآيات كقوله تعالى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ}([251])، أو قوله: {وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ}([252])، أو قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}([253])، أو ما ذكر من الروايات، كخبر جميل بن درّاج أو صحيحي داود وأبي بكر الحضرمي المتقدمة في الفرع الخامس عشر، كلها واردة في صورة ما لو كان صاحب الحق يريد الاقتصاص لنفسه، لا صورة ما إذا أراد المدين تفريغ ذمة الميت مما هو مدين به لشخص ثالث، أو يفرّغ ذمة الحيّ مما هو مدين به لحيٍّ ثالث، فهذا لا يستفاد من أدلة المقاصَّة ولا تدلُّ عليه بوجه، بل إنه لا وجه لذلك حتى لو علم بأن ورثة الميت لن يؤدوا دين مورثهم، أو علم بأن حق الدائن الثالث لن يصله إلاّ بأن يدفع له نيابةً عن الشخص الثاني المدين له، فإنّه لا ولاية له على هذه المعاملة وتعيين حق الغير ودفعه إلى شخص ثالث. نعم، لو تمّ هذا الأمر بإشراف الحاكم الشرعي، كان للمسألة وجه وجيه، لأنّ امتناع الورثة أو أيِّ مدين آخر عن أداء حقوق الناس، يجوّز للحاكم بحكم ولايته على الممتنع، وبعد أن يرفع الدائن أمره إليه، أن يأمر من بيده مال الميت أو المدين بدفعه إلى الدائن، وعلى ضوء ما ذكرناه، فلا وجه لبناء السيد اليزدي(رحمه الله) شرط الاستئذان من الحاكم على الاحتياط. الفرع الثامن عشر: قال السيد (رحمه الله): "إذا ادّعى أن الميت أوصى له أو إليه، فهل يحتاج بعد إقامة البيِّنة إلى اليمين؟". مقتضى عموم التعليل ذلك، إذ لا فرق بين دعوى القرض وبين دعوى الوصية بالمال فيكون كلتيهما دعوى على الميت، لكن ظاهر كلماتهم في باب الوصية عدم الحاجة إليها، فيشكل الاعتماد على التعليل بملاحظة ذلك، وبملاحظة عدم التزامهم باعتبار الحلف في كثير من الدعاوى مع جريان العلَّة فيها، كما في دعوى الوصي اشتغال ذمة الميت بخمسٍ أو زكاةٍ أو مظالم أو كفارة أو صلاة أو صوم أو نذرٍ أو شرطٍ في ضمن عقد أو نحو ذلك، إذ مقتضى العلَّة الحاجة إلى اليمين، ومع امتناعها عدم سماع البيِّنة، مع أن الظاهر عدم التزامهم بذلك، وأيضاً ظاهرهم عدم الحاجة إليها في دعوى النكاح المستتبع للمال من طرف الإرث أو الطلاق أو الرجوع كذلك، وكذا في دعوى النسب المستتبع للإرث، وكذا في دعوى القتل الذي هو شبيه العمد، إلى غير ذلك. فمن هنا يشكل التعويل على التعليل لكونه موهوناً بعدم العمل به في سائر المقامات، ويقرب حمله على التقريب والتمثيل كما ذكره النراقي في بعض الفروع المتقدمة، ولازم ذلك، اختصاص الحكم المذكور بدعوى الدَّين كما هو مورد الخبرين، ويشكل ما ذكرنا من الحاجة إليها في الفروع المتقدَّمة، وإن كان الأحوط مراعاة ما ذكرنا مع رضى المدَّعي بالحلف، هذا مع إمكان حمل الخبرين على الاستحباب كما حمل عليه خبر سلمة بن كهيل المتقدم". انتهى كلامه(رحمه الله)([254]). وفي كلامه هذا الذي يشكِّل تراجعاً عما اختاره في الكثير من الفروع المتقدمة مواقع للنظر: أولاً: إن عدم التزام الفقهاء بعموم التعليل في الموارد المشار إليها في كلامه، ليس بالضرورة ناشئاً من إعراضهم عن العمل بعموم التعليل، بل ربما كان ناشئاً من نكتة اجتهادية أخرى ساقتهم إلى ذلك، من قبيل ما مرّت الإشارة إليه مراراً من أن الحكم بضمِّ اليمين إلى البيِّنة على خلاف القاعدة، فيقتصر فيه على القدر الميتقَّن، وهو مورد الرواية. وإن عرفت ضعف هذا الكلام فيما سبق. ثانياً: لو سلَّمنا أن عدم التزامهم المذكور ناشئ من إعراضهم عن عموم التعليل، فهذا الإعراض لا قيمة علمية له، لا لأن إعراض المشهور عن الخبر الصحيح لا يوجب وهنه، بل لأن الإعراض إنما يوجب الوهن إذا كان إعراضاً عن أصل الرواية، لأنه يكشف حينئذٍ عن خللٍ في سندها وصدورها، أما إذا أخذوا بالرواية، ولكنهم أعرضوا عن عموم التعليل فيها، فهذا مردَّه إلى الإعراض عن جزءٍ من دلالتها، لأنهم ربما فهموا منه المثالية والتقريب، ومن المعلوم أن فهم المشهور ليس حجةً على الآخرين، فضلاً عن أنه لا يوجب وهن الرواية. ثالثاً: وعلى ضوء ما تقدَّم يتَّضح أن حمل الخبرين المتقدِّمين على الاستحباب لا موجب له بعد كونه خلاف الظاهر. الشاهد واليمين القضاء بشاهد ويمين اتفق فقهاء المسلمين، باستثناء الحنفية، على جواز القضاء بشاهد ويمين في الجملة، ومستندهم في ذلك الروايات المستفيضة الحاكية لسنة رسول الله(ص)، وإليك بعض هذه الروايات من طرق الفريقين: 1- روى عن ابن عباس (رضي الله عنه): "أن رسول الله(ص) قضى باليمين مع الشاهد"([255]). قال الشافعي: "وهذا الحديث ثابت لا يردَّه أحد من أهل العلم، لو لم يكن فيه غيره، مع أ، معه غيره مما يشدّه". وقال الترمذي عنه: حسن غريب، وقال النسائي: إسناده جيد، وعدَّ السيوطي متواتراً([256]). 2- روى محمد بن مسلم في الصحيح عن أبي عبد الله الصادق(ع) قال: "كان رسول الله(ص) يجيز في الدَّين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدّين، ولم يجز في الهلال إلاّ شاهدي عدل"([257]). 3- روى حماد في الصحيح قال: "سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: حدثني أبي أن رسول الله(ص) قضى بشاهد ويمين"([258]). 4- وفي صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد الله(ع) قال: "كان رسول الله(ص) يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحق"([259]). 5- وفي صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: "دخل الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل على أبي جعفر(ع) فسألاه عن شاهد ويمين، فقال: قضى به رسول الله(ص) وقضى به علي(ع) عندكم بالكوفة، فقالا: هذا خلاف القرآن، فقال: وأين وجدتموه خلاف القرآن؟ فقالا: إن الله تبارك وتعالى يقول: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}([260])، فقال لهما أب وجعفر(ع): فقوله: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} هو أن لا تقبلوا شهادة واحد ويميناً؟ ثم قال: إنّ علياً(ع) كان قاعداً في مسجد الكوفة، فمرّ به عبدالله بن قفل التميمي ومعه درع طلحة، فقال علي(ع): هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال له عبدالله بن قفل: فاجعل بيني وبينك قاضيك الذي رضيته للمسلمين؛ فجعل بينه وبينه شريحاً، فقال علي(ع): هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال له شريح: هات على ما تقول بيّنة، فأتاه بالحسن(ع)، فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال شريح: هذا شاهد واحد، فلا أقضي بشهادة شاهد حتى يكون معه آخر، فدعى قنبراً، فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال شريح: هذا مملوك ولا أقضي بشهادة مملوك، قال: فغضب علي(ع) فقال: خذوها، فإن هذا قضى بجور ثلاث مرات، قال: فتحوَّل شريح، ثم قال: لا أقضي بين اثنين حتى تخبرني من أين قضيت بجور ثلاث مرات؟ فقال له: ويلك ــ أو ويحك ــ إني لما أخبرتك أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقلتَ: هات على ما تقول بينة، وقد قال رسول الله(ص): حيثما وجد غلول أُخذ بغير بينة، فقلت: رجل لم يسمع الحديث فهذه واحدة، ثم أتيتك بالحسن فشهد فقلتَ: هذا واحد ولا أقضي بشهادة واحد حتى يكن معه آخر، وقد قضى رسول الله(ص) بشهادة واحد ويمين، فهذه اثنتان، ثم أتيتك بقنبر فشهد أنها درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة فقلتَ: هذا مملوك ولا أقضي بشهادة مملوك، وما بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلاً، ثم قال: ويلك ــ أو ويحك ــ إ،ّ إمام المسلمين يؤمن من أمورهم على ما هو أعظم من هذا"([261]). ونلاحظ على هذه الرواية، أنّها لا تمثِّل دعوى الإمام علي(ع) كصاحب قضية شخصية ضد الشخص الآخر الذي كانت الدرع عنده، ليجري عليها حكم التقاضي، بل كانت منطلقةً من مسؤولية الإمام(ع) في أموال المسلمين، باعتبار إمام المسلمين، كما في آخر الرواية، ما يجعل القضية هي مصادرة الدرع من الشخص السارق، لا التقاضي عند شريح، ما يبعث على التأمل. إلى غير ذلك من الروايات الدالَّة على كفاية الشاهد واليمين، أنّ ذلك هو قضاء رسول الله(ص)، وكذلك قضاء أمير المؤمنين([262])، بل قيل([263]): إن الصحابة أجمعوا على القضاء بهما. أدلة الحنفية: واستدلّ الحنفية على عدم مشروعية القضاء بالشاهد واليمين بالكتاب والسنة: أما الكتاب: فهو قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ}([264])، بتقريب أن الآية تفيد الحصر، وأن الحجَّة هي البيِّنة وهي الشاهدان، ومع عدمهما فرجلٌ وامرأتان، فلو كان ثمة حجة أخرى لذكرت، فقبول الشاهد واليمين زيادة على النص، والزيادة على النص القرآني نسخ، ولا يُنسخ القرآن بالسنَّة إن لم تكن متواترة([265]). واعترض عليه: بأن هذا ليس نسخاً، بل زيادة لا تغير حكم المزيد([266]). وبعبارة أخرى: إن الإجماع قائم على عدم نسخ القرآن بأخبار([267]) الآحاد، وما نحن فيه ليس من النسخ، بل من التخصيص والتقييد، فإنّ المستفاد من الآية أنه مع عدم الرجلين العدلين، أو الرجل والامرأتين، فلا مجال للقضاء، سواء وجد الشاهد واليمين أو لم يوجد، وما ثبت من سيرة الرسول(ص) من القضاء بالشاهد واليمين يكون مُقيِّداً لذلك. وأما السنَّة: فما خرّجه البخاري ومسلم عن الأشعث بن قيس قال: "كان بيني وبين رجل خصومة في شيء، فاختصمنا إلى النبي(ص)، فقال: شاهداك أو يمينه، فقلت: إذا يحلف ولا يبالي، فقال النبي(ص): من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ هو فيها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان"([268]). بتقريب أنه(ص) في مقام الحصر ولا يجوز عليه(ص) أن لا يستوفي أقسام الحجة. ويلاحظ على الاستدلال بهذه الرواية وسواها، كقوله(ص): "البينة على المدَّعي واليمين على من أنكر"، أنها لا تدلُّ على أكثر من حجية البيِّنة ويمين المنكر، دون أن تنفي حجية سائر وسائل الإثبات مما قام عليها الدليل، ومنها الشاهد واليمين. وكون الرواية المذكورة في مقام الحصر الحقيقي غير واضح، ومما يشهد لإضافية الحصر، قبول الشاهد والامرأتين في الجملة، كما هو صريح الكتاب الكريم، مع عدم ذكرهما في الرواية. هذا ويمكن تقريب الاستدلال بالسنَّة بوجه آخر، وحاصله: أن المسافاد من قوله(ص): "البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر" ونظائره، أن جنس اليمين على المنكر فقط، كما أن جنس البيِّنة على المدَّعي فحسب، فإذا قبلت اليمين على المدَّعي، لم تكن جميع حالات اليمين على المنكرين. ويلاحظ عليه: أن كون المنكر هو المطالّب باليمين، لا ينفي إطلاقاً إمكان ثبوت الحق بها منضمةً إلى شاهد المدَّعي، بل لا يمنع من الحكم بها للمدعي بدون شاهد كما في اليمين المردودة. وخلاصة القول: إنه لا إشكال في جواز القضاء بالشاهد واليمين ــ في الجملة ــ خلافاً لأبي حنيفة، وقد جرى حوار طريف بين أبي حنيفة والإمام الصادق(ع) في هذا المجال، فقد قال أبو حنيفة للصادق(ع): كيف تقضون باليمين مع الشاهد الواحد؟ فقال الصادق(ع): "قضى به رسول الله(ص) وقضى به علي(ع) عندكم، فضحك أبو حنيفة، فقال له الصادق(ع): أنتم تقضون بشهادة واحد شهادة مائة، فقال: ما نفعل؟ فقال: بلى، يشهد مائة، فترسلون واحداً يسأل عنهم، ثم تجيزون شهادتهم بقوله"([269]). مجال القضاء بالشاهد واليمين: ثمة اتفاق إسلامي من فقهاء الفريقين على عدم القضاء بالشاهد واليمين في حقوق الله تعالى، وإنما الكلام أنه هل يقضى بهما في حقوق الناس كلها حتى مثل الطلاق والخلع والرجعة والعتق والتدبير والكتابة والنسب والوكالة والوصاية وعيوب النساء وغير ذلك مما ليس مالاً، أو يختص بخصوص الأموال أو بخصوص الدَّين خاصةً؟ قال العلامة([270]): "مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا شهد لصاحب الدَّين شاهدٌ واحدٌ قبلت شهادته وحلف مع ذلك، وقضي له به، وذلك في الدَّين خاصةً، ولا يجوز قبول شهادة واحد والحكم بها في الهلال والطلاق والحدود والقصاص وغير ذلك من الأحكام". وظاهر هذا الكلام يقتضي تخصيص القبول بالدَّين خاصةً. وقال الشيخ في الخلاف: "يحكم بالشاهد واليمين في الأموال، فلو ادَّعى جارية وولدها بأنها أم ولده، وولدها منه استولدها منه في ملكه، وأقام شاهداً واحداً وحلف، حكم له بالجارية وسلِّمت إليه، وكانت أم ولده باعترافه، ولا يحكم له بالولد أصلا، ويبقى في يد من هو في يده. ولو ادعى أن العبد الذي في يد زيد غصبه منه وأنه كان قد أعتقه، لم يحكم له بالشاهد واليمين". وقال في المبسوط: "يجوز القضاء بالشاهد الواحد مع يمين المدَّعي في ما كان مالاً، كالقرض والغصب والدَّين وقضائه وأداء مال الكتابة، أو المقصود منه المال، كعقود المعاوضات كالبيع والصرف والسلم والصلح والإجارة والقراض والمساقاة والهبة والوصية له، والجناية التي توجب المال، كالخطأ وعمدٍ الخطأ، وعمد يوجب المال، كقتل ولده أو عبد غيره أو إجافة أو قطع يده من وسط الساعد. وما لا يكون مالاً ولا المقصود منه المال لا يثبت بالشاهد واليمين، كالنكاح والخلع والطلاق والرجعة والقذف والقصاص والقتل الموجب للقود والنسب والعتق والولاء والتدبير والوكالة والتوكيل والوصية إليه والوديعة عنده، كل هذا لا يثبت بالشاهد واليمين، وكذا الرضاع والولادة والاستهلال والعيوب تحت الثياب". وقال سلار: "تقبل شهادة رجل واحد في هلال رمضان وفي الديون مع يمين المدعي". وقال المفيد: "يجب الحكم بشهادة الواحد مع يمين المدَّعي في الأموال، بذلك قضى رسول الل(ص)، وقال ابن الجنيد: وقد روي أن النبي(ص) قضى بشاهد واحد ويمين المدعي، وألزم الحق المدَّعى عليه، وذلك في الأموال وما جرى مجراها دون الحدود". وقال أبو الصلاح: "تقوم شهادة الواحد ويمين المدَّعي في الديون، خاصةً مقام الشهادة الكاملة". وقال ابن إدريس: يقبل الشاهد الواحد مع يمين المدَّعي في كلِّ ما كان مالاً أو المقصود منه المال، وقد رجع الشيخ عن قوله في النهاية في استبصاره ومسائل خلافه ومبسوطه، وهو الصحيح الحق اليقين، لأنه مذهب جميع أصحابنا. واعلم أنه لا منافاة بين كلام شيخنا في النهاية وغيرها، لأن مقصوده من الدَّين المال، وإذا قبل في المال قبل في ما كان المقصود منه المال، وكان ذريعةً إلى تحصيله". انتهى كلام العلامة في المختلف. وقال المحقق الحلي في الشرائع: "ويثبت الحكم بذلك في الأموال: كالدين والقرض والغضب، وفي المعاوضات: كالبيع، والصرف، والصلح، والإجارة، والقراض، والهبة، والوصية له، والجناية الموجبة للدية، كالخطأ، وعمد الخطأ، وقتل الوالد ولده، والحر العبد، وكسر العظام، والجائفة والمأمومة، وضابطه: ما كان مالاً أو المقصود منه المال، وفي النكاح تردد، أما الخلع والطلاق والرجعة والعتق والتدبير والكتابة والنسب والوكالة والوصية إليه وعيوب النساء فلا، وفي الوقف إشكال منشأه النظر إلى من ينتقل إليه، والأشبه القبول، لانتقاله إلى الموقوف عليهم"([271]). وجاء في كتاب الأحكام في فقه الزيدية للإمام يحيى بن الحسين: "لا اختلاف عندنا في القضاء باليمين مع الشاهد، وبذلك جاءت السنة عن النبي(ص) ــ إلى أن قال: وإنما يقضي باليمين مع الشاهد في الحقوق والأموال فقط، وعما في غيرها من سائر الأشياء فلا، والقضاء بالشاهد مع اليمين بإجماع من آل رسول الله(ص)"([272]). وقال مالك في الموطأ: "مضت السنَّة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد، يحلف صاحب الحق مع شاهده، ويستحق حقه، فإن نكل وأبى أن يحلف أحلف المطلوب، فإن حلف سقط عنه ذلك الحق، وإن أبى أن يحلف ثبت عليه الحق لصاحبه. قال مالك: وإنما يكون ذلك في الأموال خاصة،ولا يقع ذلك في شيء من الحدود ولا في نكاح ولا في طلاق ولا في عتاقة ولا في سرقة ولا في فرية..." ([273]). وقال ابن رشد: "وأما القضاء باليمين مع الشاهد فإنهم اختلفوا فيه، فقال مالك والشافعي وأحمد وداود وأبو ثور والفقهاء السبعة المدنيون وجماعة: يقضى باليمين مع الشاهد في الأموال، وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وجمهور أهل العراق: لا يقضى باليمن مع الشاهد في شيء، وبه قال الليث من أصحاب مالك، وسبب الخلاف في ذلك تعارض السماع([274])". وذكر في الفقه الإسلامي وأدلَّته ما يلي: "قال المالكية والشافعية وابن القيّم: المواضع التي يحكم فيها بالشاهد واليمين: المال، وما يقصد به المال، كالبيع والشراء وتوابعهما من اشتراط صفة في المبيع، أو نقد غير نقد البلد، والإجارة والجعالة، والمساقاة والمزارعة، والمضاربة والشركة والهبة، والوصية لمعيَّن، أو الوقف عليه. ومما يثبت بالشاهد واليمين أيضاً: الغصوب، والعواري، والوديعة، والصلح، والإقرار بالمال أو ما يوجب المال، والحوالة، والإبراء، والمطالبة بالشفعة وإسقاطها، والقرض، والصداق، وعوض الخلع، وتسمية المهر، والوكالة في المال والإيصاء به. وكذا يقضى بهما في الجنايات الموجبة للمال كالخطأ، وما لا قصاص فيه كالهامشة والمأمومة والجائفة، وقتل المسلم الكافر، والحرّ العبد، والصبي والمجنون"([275]). تحقيق المسألة: أقول: أما عدم القضاء بالشاهد واليمين في حقوق الله، فهذا لا خلاف فيه ولا إشكال، وتدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن الإمام القار(ع): "لو كان الأمر إلينا أجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير، مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأما ما كان من حقوق الله عز وجل أو رؤية الهلال فلا"([276]). ويؤَّيدها ما روي عن ابن عباس مرسلاً: أن رسول الله(ص) قال: "استشرت جبرائيل(ع) في القضاء بالشاهد مع اليمين، فأشار عليّ بذلك في الأموال لا تعدو ذلك"([277]). ويضاف إلى ذلك: أنَّ حقوق الله سبحانه مبنية على التخفيف والاحتياط، بل لا دعوى لأحد بالخصوص فيها كما ذكر صاحب الجواهر([278]) الذي جعل للمسألة ضابطاً حاصله: أنَّ كل ما يُشرع فيه رد يمين الإنكار على المدَّعي يشرع فيه الشاهد واليمين، لأنّ الظاهر كون هذه اليمين يمين المنكر صارت للمدَّعي يشرع الذي له شاهد". ويضاف إلى ذلك: أنَّ مقتضى القاعدة هو القضاء بالبيِّنة، وهي الشاهدان العدلان، فلا يصار إلى القضاء بشاهد واحد مع يمين المدَّعي إلا بدليل وهو مفقود. وربما يتأمل في اعتبار القاعدة ما ذكر، لأن الدليل الدال على الاكتفاء بالشاهد واليمين في موارد معينة، وعلى قبول اليمين المردودة من المدَّعي، يوحي بأن سعة قبول اليمين لا تختص بالمنكر، فتأمل. وأما القضاء بهما في حقوق الناس، فالأقوال في ذلك ثلاثة: 1- اختصاص القضاء بالشاهد واليمين بالدَّين الذي سيأتي تعريفه فيما بعد، وقد اختار هذا القول جمع من الفقهاء، منهم الشيخ الطوسي في النهاية والاستبصار([279])، والسيد ابن زهرة في الغنية([280])، وسلار الديلمي في المراسم([281])، والحلبي في الكافي([282])، والكيدري في الإصباح([283]). 2- أنه يقضى بهما في مطلق الحقوق المالية ــ دون سائر حقوق الناس ــ أعم مما كان في نفسه مالاً، كالدَّين والقرض والغصب والاحتطاب والالتقاط ونحوها، أو كان المقصود منه المال، كعقود المعاوضات من البيع والصلح والإجارة والوصية بالمال والجنايات الموجبة للدية ونحوها، وهذا هو المشهور، بل عن الشيخ والحلي الإجماع عليه([284])، وعن المختلف نفي الخلاف فيه([285])، وهو الذي اختاره فقهاء السنة باستثناء أبي حنيفة كما تقدَّم. 3- أنه يقضى بهما في حقوق كلِّها، حتى مثل الطلاق والخلع والرجعة... وهذا لم ينقل قائلٌ صريح به. نعم، عن الكفاية الميل إليه، حيث إنه قال: فإن لم يثبت إجماع على التخصيص، كان القول بالعموم غير بعيد([286]). ويظهر من صاحب الجواهر([287]) اختياره إلاّ فيما يثبت الإجماع على عدم ثبوته بهما، وقد عرفت أنه جعل الضابط فيما يقبل به الشاهد واليمين، كل ما تشرع فيه اليمين المردودة، إلى أن قال (رحمه الله): "فالاجتهاد في النصوص يقتضي الاختصاص بالدَّين أو التعميم لكلّ حقّ، إلاّ أنّ الأصحاب على خلاف ذلك، بل جعلوا ضابطه المال أو المقصود منه المال". وهكذا فعل صاحب المستند([288])، فإنه قال: إما يعمَّم الثبوت إلى حقوق الناس كما يميل إليه في الكفاية... أو يخصص بالدَّين، لكنه اختار في آخر كلامه الاختصاص بالدَّين. ومردُّ هذا الاختلاف بين الفقهاء إلى تعارض الروايات واختلافها، ويمكن تصنيفها إلى عدة طوائف. الطائفة الأولى: ما دلّ على القضاء بهما في مطلق حقوق الناس مثل: صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) قال: "لو كان الأمر إلينا أجزنا شهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير، مع يمين الخصم في حقوق الناس، فأما ما كان من حقوق الله عزّ وجل أو رؤية الهلال فلا"([289]). وهذه الرواية صحيحة السند، واضحة الدلالة على التعميم وكفاية الشاهد واليمين في مطلق حقوق الناس في الأموال وغيرها. ورواية أخرى لمحمد بن مسلم عن أبي عبد الله(ع) قال: "كان رسول الله(ص) يجيز في الدَّين شهادة رجل واحد ويمين صاحب الدَّين ولم يجز في الهلال إلاّ شاهدي عدل"([290]). فإن مقتضى المقابلة كون الدَّين شاملاً لجميع حقوق الناس المالية وغيرها. ويدخل في هذه الطائفة الروايات الحاكية لفعل رسول الله(ص) أو أمير المؤمنين(ع) مما ورد فيه لفظ "الحق" أو "الحقوق"، وذلك من قبيل: رواية منصور بن حازم عن أبي عبد الله(ع) قال: "كان رسول الله(ص) يقضي بشاهد واحد مع يمين صاحب الحق"([291]). ورواية أبي مريم عن أبي جعفر(ع) قال: "أجاز رسول الله(ص) شهادة شاهد مع يمين طالب الحق إذا حلف أنه الحق"([292]). الطائفة الثانية: الروايات المطلقة الحاكية لفعل رسول الله(ص) دون أن يرد فيها لفظ الحق، من قبيل رواية عبد بن صهيب عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: "جاء جبرائيل إلى النبي(ص) فأمره أن يأخذ باليمين مع الشاهد"([293]). الطائفة الثالثة: ما ورد في القضاء بهما في خصوص الأموال، وهي الرواية والوحيدة المرسلة المتقدمة عن ابن عباس. الطائفة الرابعة: الروايات الخاصة بباب الدَّين وهي روايات كثيرة ظاهرة في تخصيص الحكم بالدَّين من قبيل: ما رواه أبو بصير بسند تام: قال: "سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون له عند الرجل الحق وله شاهد واحد قال: فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقضي بشاهد واحد ويمين صاحب الحق وذلك في الدين"([294]). ورواية القاسم بن سليمان: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: "قضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشهادة رجل مع يمين الطالب في الدين وحده"([295]). الموازنة بين الروايات والأقوال: أقول: لا بدَّ من استبعاد طائفتين من الحساب، وهما: الطائفة الثالثة لافتقارها إلى السند الصحيح، والطائفة الثانية، إما لعدم ثبوت إطلاق لها، لكونها في مقام بيان أصل حجية الشاهد واليمين في قبال النافين لذلك كأبي حنيفة، وإما لأنَّ إطلاقها مقيّد حتماً بما دلَّ على عدم حجية الشاهد واليمين في حقوق الله، فتكون نتيجتها نتيجة الطائفة الأولى، فلا يبقى بين أيدينا سوى الطائفة الأولى والرابعة، الأمر الذي يبعث على استبعاد القول الثاني المشهور، وهو القضاء بهما في خصوص الحقوق المالية، والالتزام بالقضاء بهما إما في خصوص الدَّين، وفقاً لروايات الطائفة الرابعة، أو في مطلق حقوق الناس ولو لم تكن من الحقوق المالية، وفقاً لروايات الطائفة الأولى. ولكن قد يرجح القول الثاني ببعض الوجوه: 1- إلغاء الخصوصية عن الدَّين في الطائفة الرابعة، لكونه مجرد مثال لمطق الحقوق المالية، ومن الظاهر والقريب جداً أنه لو كنّا نحن وروايات الدَّين فقط، ولم تكن روايات الطائفة الأولى موجودة، لكان إلغاء الخصوصية صعب، لأن إقامة البيِّنة في القضايا المالية العينية (أي فيما عد الدين) متيسر أكثر منه في الدَّين، ولذا يمكن للمشرِّع أن يقتصر في العين على البيّنة ــ أعني الشاهدين العدلين ــ بينما يفتح باباً آخر غير البيّنة للقضاء به في الدَّين، وهو الشاهد واليمين، بيد أن وجود الطائفة الأولى يشكِّل قرينةً على إلغاء الخصوصية ويزيل صعوبته. 2- التمسك بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج المتقدمة الواردة في درع طلحة، فقد أنكر أمير المؤمنين على شريح عدم قبوله الشاهد واليمين في القضية وخطّأه، لمخالفته بذلك قضاء رسول الله(ص)، فإنه(ص) قد قضى بالشاهد واليمين، فإن ذلك يدلُّ على كفايتهما في مثل الدرع، وهي عين خارجية وليست ديناً، فتكون هذه الصحيحة قرينةً على أن المقصود بالدَّين في روايات الطائفة الرابعة مطلق المال. وقد يلاحظ على ذلك: أولاً: "أنّ إنكاره (ع) على إطلاق قول شريح: "لا أقضي بشهادة واحد حتى يكون معه آخر"، لا على عدم حكمه في خصوص المورد"([296]). وفيه: أن ذلك مخالف للظاهر، فإنّ الإمام(ع) قدّم ابنه الحسن ليشهد في قضية الدرع، فرفضه شريح، فاستنكر الإمام عليه ذلك، لكون النبي(ص) قد قضى بشاهد واحد ويمين المدَّعي. ثانياً: إن مورد الرواية هو من الموارد التي لا تقبل ضمِّ اليمين، لأن الدَّعوى فيها على مال الغير لا على مال الإنسان نفسه. وفيه: إنَّ المدَّعي هو علي(ع)، وهو أمير المؤمنين ووليهم، فلا يكون أجنبياً، بل قد عرفت في بعض المباحث السابقة([297]) استثناء الدعاوى الحسبية، وأنها تُسمع حتى ممن لا علاقة له بالدعوى بشكل مباشر. وهكذا يتبين أن بالإمكان التمسك بالصحيحة المذكورة لإثبات التعميم في قبول الشاهد واليمين لمطلق القضايا المالية، الأمر الذي يسقط القول الأول عن الاعتبار، لكن ذلك لا يحتّم صحة القول الثاني، لأنَّ الصحيحة المذكورة لا تشكِّل مشكلةً للقول الثالث، لأن غايتها ــ بعد إلغاء الخصوصية ــ إمكان القضاء بالشاهد واليمين في مطلق القضايا المالية، دون أن تنفي إمكان القضاء بهما في سائر حقوق الناس كما هو مضمون القول الثالث، فهي لا تتنافى مع الطائفة الأولى، وإنما تتنافى والطائفة الرابعة، فإذا أمكن الجمع بين تينك الطائفتين ــ أعني الأولى والرابعة ــ دخلت الصحيحة في الجمع، وكانت شاهداً عليه. وأمام هاتين الطائفتين، ذهب بعض الفقهاء كالسيد اليزدي(رحمه الله)([298])، إلى تقديم الطائفة الرابعة على الأولى، لأنها أخصُّ منها، فمقتضى الجمع بينهما حمل المطلق على المقيد، وتكون النتيجة انحصار القضاء بهما بخصوص الدَّين. وفي المقابل، ذهب السيد الأستاذ الخوئي(رحمه الله)([299]) إلى الأخذ بمفاد الطائفة الأولى، "معتبرة محمّد بن مسلم قد صرّحت بثبوت مطلق حقوق الناس بهما، وبها نرفع اليد عن ظهور تلك الروايات ــ روايات الدَّين ــ ونحملها على أنّ قضاء رسول الله(ص) كان في الدَّين، لا أنّ ثبوت الحقّ بشاهد ويمين يختصّ بالدَّين". ولكن اعترض بعضهم([300]) على كلام السيد الأستاذ، بأن دلالة صحيحة محمد بن مسلم لا تعدو الإطلاق القابل للتقييد، ولذا فاللازم تقديم المقيد عليه. ويلاحظ عليه: أولاً: أن إطلاق صحيحة محمد بن مسلم يصعب تقييده، لأنها في مقام إعطاء القاعدة ولم تكن جواباً عن سؤال، كما أن المقابلة فيها بين حقوق الله وحقوق الناس تجعلها في مقام الحصر. ثانياً: لو سلَّمنا بقابلية الصحيحة للتقييد، فإنّ المقيِّد مفقود، لأن إرادة التقييد في روايات الطائفة الرابعة إن لم تكن ممنوعةً، فهي غير محرزة، لأن غاية ما تدلَّ عليه هو صحة القضاء بشاهد ويمين في الدَّين، وهو لا يقتضي ــ كما أفاد صاحب الجواهر([301]) ــ عدم صحة القضاء بهما في غيره.قولأقول: وقوله: "وذلك في الدَّين" تعقيباً على ما حكاه عن رسول الله من قضائه بالشاهد ويمين صاحب الحق، لا مفهوم له، لأن من المحتمل جداً كونه بصدد حكاية ما صدر عن رسول الله(ص)، وأنه قضى بهما في واقعة خارجية من قضايا الدَّين، دون أن يعني ذلك نفي القضاء بهما فيما عداه. وخلاصة الكلام: أن الأقرب هو صحة القضاء بهما في مطلق حقوق الناس، تمسّكاً بصحيحة محمد بن مسلم، مؤيدةً بسائر الروايات التي ورد فيها لفظ الحق، وبصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج في قصة درع طلحة. ما المراد بالدَّين؟ بناءً على القول باختصاص حجية الشاهد واليمين بالدَّين، يقع الكلام في تحديد المراد به، وقد أفادوا([302]) أن الدَّين أعم من القرض، فهو يشمل كل حق مالي في الذمة، كعوض القرض، وثمن المبيع، ومال الإجارة ودية الجنايات، ومهر الزوجة إذا تعلق بالعهدة، ونفقتها، والضمان بالإتلاف والتلف، إلى غير ذلك. فإذا تعلَّقت الدَّعوى بالأمور المذكورة أو بأسبابها تطرقاً إلى إثبات الدَّين فهي من دعوى الدَّين، وإن تعلَّقت بالأسباب ذاتها وكان الغرض الأسباب نفسها فلا تكون من دعوى الدَّين، فعندما يكون الدَّين هو المقصود من ذكره إثباته بل ما يستتبعه من حق مالي ــ تكون الدَّعوى داخلةً في دعوى الدَّين، فلو ادّعى عشرة دنانير مثلاً، وقال: إنها مستحقة من قبل البيع أو الإجارة أو مهر الزواج، كان من دعوى الدَّين، وإن ادّعى البيع أو الإجارة وكان غرضه نفسهما لا يكون من دعوى الدَّين، وإن كانا يستتبعان المال. شهادة الامرأتين واليمين: هل يقضي بشهادة امرأتين مع يمين المدَّعي، كما يُقضى بشهادة رجل مع يمين المدَّعي؟ الظهر ذلك، لقيام الامرأتين مقام الرجل كما هو المستفاد من مجموع الأدلة الواردة في الشهادات، ومنها قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ}([303]). وفي حال نوقش في استفادة قاعدة عامة من الآية لعدم دلالتها على قيام الامرأتين مقام الرجل الواحد في جميع الموارد، فإن في الروايات الخاصة كفاية، من ذلك: صحيحة الحلبي عن أبي عبد الله(ع): "أن رسول الله(ص) أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدَّين، يحلف بالله أن حَقَّه لَحَقٌّ"([304]). وعن منصور بن حازم قال: حدَّثني الثقة عن أبي الحسن(ع) قال: "إذا شهد صاحب الحق امرأتان ويمينه فهو جائز"([305]). فما عن ابن إدريس([306]) من المنع من قيامهما مقامه في مسألة الشاهد واليمين لا وجه له، وكذا عن التحرير([307]) في كتاب القضاء وإن جزم في كتاب الشهادات منه بالقبول([308])، والظاهر أن ابن إدريس جرى في ذلك على أصله من عدم حجية خبر الواحد. تقدم الشاهد على اليمين ذهب المشهور إلى القول باشتراط تقدم الشاهد وإثبات عدالته لدى القاضي على اليمين، فلو قدِّمت اليمين لغت ووجب إعادتها. قال المحقق في الشرائع: "ويشترط شهادة الشاهد أولا، وثبوت عدالته، ثم اليمين، ولو بدأ باليمين وقعت لاغيةً، وافتقر إلى إعادتها بعد الإقامة"([309]). وعقب صاحب الجواهر على الجملة الأولى بالقول: "بلا خلاف أجده فيه"([310]). وفي المقابل، فإنَّ جملةً من الفقهاء المتأخرِّين([311]) ترددوا في الحكم، بل صرّح بعضهم بعدم اشتراط التقدّم المذكور. وما يمكن أن يستدل به لاشتراط التقديم جملة أمور، عمدتها أمران غير تامين: 1- تقديم الشاهد على اليمين الذكر في الأخبار. ويلاحظ عليه: إن الترتيب اللَّفظي لا يدلُّ على الترتيب الواقعي، وبعبارة أخرى: العطف بالواو يدلًّ على التشريك والجمع لا على الترتيب، وإلا فلا مرجّح لهذه الروايات على الروايات الأخرى التي ورد فيها تقديم اليمين على الشاهد ذكراً، كرواية العباس بن هلال عن أبي الحسن الرضا(ع) قال: "قال له أبو حنيفة: كيف تقضون باليمين مع الشاهد الواحد؟ فقال جعفر(ع): قضى به رسول الله(ص)، وقضى به علي (ع) عندكم..."([312]). ورواية عباد بن صهيب عن أبيه عن الصادق عن آبائه(ع): "أن رسول الله(ص) قضى باليمين مع الشاهد الواحد، وأن علياً(ع) قضى بيه بالعراق"([313]). إلى غير ذلك من الروايات([314]) التي قُدِّم فيها اليمين على الشاهد، إلاّ أن يقال: بأنّ هذه الروايات ضعيفة السند، فلا تصلح لمعارضة تلك. 2- "إن الترتيب الذكري في الروايات، وإن كان لا يدلُّ على اعتبار تقديم الشهادة على اليمين، إلا أنه لا إطلاق في هذه الروايات، بل القدر المتيَّقن إنما هو ثبوت الحق باليمين مع تقدم الشهادة عليها، دون العكس"([315]). ويلاحظ عليه: أنه حتى لو لم نملك إطلاقاً، ولم يكن بأيدينا سوى الروايات التي قُدِّم فيها الشاهد على اليمين ذكراً، فإن العرف لا يرى خصوصية للتقدم الذكري، ولا سيّما بملاحظة ما سيأتي من أنَّ الشهادة في المقام ليست أصلاً واليمين فرع، بل هما جزءا حجة واحدة يتواردان على محل واحد. ومنه اتضح أنه لا وجه للتمسك بأصالة([316]) عدم ثبوت الحق بدون التقديم، فإنه بإلغاء الخصوصية عن التقديم، تكون النتيجة هي نتيجة الإطلاق ولو لم يكن ثمة إطلاق في المقام، بل يمكن القول: إن القول متوفر وموجود، وهو قوله(ص): "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ"([317])، بعد ثبوت أن الشاهد واليمين بيِّنة وحجة شرعية. أجل، قد يتأمل في المسألة لجهة أن المعروف في القضاء هو الطلب من المدَّعي تقديم الشاهد على دعواه، فإذا قدَّم شاهداً واحداً ولم يقدم شاهداً آخر، طلب منه اليمين استكمالاً للحجة، وليس من المألوف تكليفه باليمين أولاً. الشاهد واليمين جزءا الحجَّة: وقع كلامٌ بين الفقهاء أنَّ الشاهد واليمين هل هما جزءا حجة واحدة، أو أن الحجَّة هي الشاهد بينما اليمين شرط، أو الأمر بالعكس، أي أنَّ الحجَّة هي اليمين والشاهد شرط؟ الظاهر من الأخبار هو الأول، فإن قوله(ع): "إن رسول الله قضى بشاهد ويمين"، كما في صحيحة حماد([318])، وغيرها يدلُّ على أن الحجَّة مركَّبة منهما وهما جزءاها. وأما الاحتمال الثاني، وهو كون الحجَّة هي الشاهد واليمين شرطاً، فضعيفٌ ومخالف للأخبار، لأنها شرّكت بينهما، والشركة ظاهرة في التكافؤ، وكذا الاحتمال الثالث، وإن ذُكر([319]). في وجهه أن اليمين هي الجزء الأخير للعلة، والمعلول إنما يثبت بعدها، فإن تلك حجة واهية، لأن كونها جزءاً أخيراً للعلة لا يعني نفي جزئية سائر الأجزاء المتقدمة، بل يعني ترتِّب الأثر والمعلون بعدها لاكتمال العلة. ولكن ما هي الثمرة العملية لهذا النزاع؟ قيل: الثمرة تظهر فيما لو رجع الشاهد في شهادته بعد الحكم، فبناءً على الاحتمال الأول يكون ضامناً لنصف المدَّعى به، كما في رجوع أحد الشاهدين، أما بناءً على الاحتمال الثاني، فإنه يكون ضامناً للكلّ، وعلى الثالث لا يضمن شيئاً أصلاً. والظاهر أنه يضمن نصف المدَّعى به على الوجوه الثلاثة، لدخالة كلِّ من الشاهد واليمين في تفويت الحق على صاحبه، سواء كان جزءا على أو كان أحدهما جزءاً والآخر شرطاً. الشاهد ويمين الوارث: لا إشكال في قبول شهادة الشاهد مع يمين المدَّعي ما دام حياً، لكن لو مات المدَّعي بعد شهادة الشاهد وقبل الحلف، فهل للوارث أن يكمل الحجَّة ويحلف على الحق، أو أنه لا بدّ من إقامة الشهادة مجدداً ثم يحلف ويثُبت حقه؟ الظاهر أنه لا حاجة إلى إقامة الشهادة مجدداً، بل يحلف الوارث ويقوم مقام مورّثه، وتعدد الشخصية في المقام لا يشكِّل فارقاً بعد كون متعلق الدَّعوى واحداً وأساس الاستحقاق واحداً، ويستفاد ذلك من بعض الروايات المتقدمة، كما في قوله(ع) في صحيحة حماد: "إن رسول الله قضى بشاهد ويمين"، فإنه مطلق وشامل لما نحن فيه. وعلى هذا الأساس، فاستشكال العلامة([320]) في المسألة لا وجه له، كما أن تفصيله فيها بين أن يكون المورِّث بانياً على الحلف قبل موته فيقبل يمين وارثه، أو يكون ناكلاً عن الحلف فلا يقبل حينئذٍ يمين الوارث، أيضاً لا وجه له، لأنّ نكوله ليس كالنكول عن اليمين المردودة في كونه مسقطاً للحق، بل غايته عدم ثبوت حقه، فإذا حلف ابنه ثبت الحق، والشاهد على أن النكول في المقام لا يسقط الحق، أنه لو حصل له ــ أعني للناكل ــ شاهد آخر وضمه إلى الشاهد الأول، ثبت حقه بلا إشكال، فدور النكول في المقام تأخير إثبات المدَّعى به لا إسقاطه. ولكن السؤال أن الوارث هل يحلف لنفسه، أو يحلف أن الحق كان لمورِّثه؟ ذهب في كشف اللِّثام([321]) إلى أنه يحلف أنه كان لمورِّثه، وهذا الحلف لا يكفي إلا إذا لم يستطع المدَّعى عليه إثبات البراءة أو الانتقال ولم يحلف على عدم استحقاق الولد. ويلاحظ عليه: أولاً: أن الصحيح كفاية حلف الوارث لنفسه وأنَّ الحق له، شرط أن يكون عالماً بأن الحق لمورِّثه إلى حين موته، ولا يضرُّ هذا المقدار من المغايرة بين الحلف والشهادة، وهو أن الشاهد يشهد أن المال للمورِّث، والوارث يحلف أن المال له، فإنّ الوارث بمنزلة المورّث ويستمدَّ ملكه من ملكه، فإذا حلف ــ أعني الوارث ــ لنفسه، فكأنه حلف على ما قامت عليه الشهادة. ثانياً: لو حلف أنه لمورّثه لعلمه بكونه له إلى حين الوفاة فيكفيه ذلك، ولا حاجة إلى اشتراط عدم إثبات المدَّعى عليه البراءة أو الانتقال، لأنه بحلفه هذا ــ منضماً إلى الشاهد ــ تتم الحجَّة على الحق، فلا تصل المسألة إلى إثبات المدّعى عليه البراءة أو الانتقال أو حلفه على عدم استحقاق الولد. نعم، لو لم يعلم الولد أن الحق لمورّثه إلى حين الموت، فليس له الحلف لنفسه ولا لمورِّثه، كما هو الحال في المورّث، فإنه لا يحق له الحلف إن لم يكن عالماً ببقاء الحق. وثالثاً: إن حلفه على أنه كان لمورثه لا يخلو من إشكال من حيث إنه حلفٌ على مال الغير، وقد عرفت المنع منه، هذا ما ذكره السيد اليزدي([322]) ثم أمر بالتأمل. ولعلَّ وجهه: أنه ليس مطلق الحلف على مال الغير ممنوع، فإذا كان ولياً أو وكيلاً فلا يعتبر أجنبياً عن الدعوى، والوارث كذلك. حلف بعض الورثة وامتناع البقية: إذا ادَّعى جماعة مالاً لمورِّثهم وأقاموا شاهداً واحداً، فإن حلفوا جميعاً قسِّم المال بينهم بنسبة حصصهم، وإن حلف البعض وامتنع الآخرون، فالمعروف بينهم ثبوت حصة الحالف دون غيره، لأنَّ الدَّعوى وإن كانت واحدةً بسبب واحد، إلا أنها تنحلُّ إلى دعاوى متعدِّدة، وحلف البعض إنما يثبت دعواه فقط دون الآخرين، لأنه من الحلف على حقِّ الغير وهو لا يصحّ، لأن أدلة القضاء بالحق والقسط لا إطلاق لها لصورة ما إذا كان المدَّعي أجنبياً عن الدَّعوى كما تقدَّم في بحوث سابقة([323]). وفي المقابل، حكي([324]) عن المقدَّس البغدادي كفاية حلف واحد إن لم يكن إجماع على الخلاف، واعترض([325]) عليه بأنه لا وجه له. وأمّا توجهيه بأن الحق واحد([326])، فهو مدفوع بما عرفت من انحلال الدَّعوى إلى دعاوى متعدّدة، ولازمه ثبوت حقوق متعدّدة بعدد الدعاوى. نعم، ربما يوجّه كلامه بتوجيه آخر، وهو: أن الحقوق وإن كانت متعددة لكنها مترابطة لاشتراكها في جهة الاستحقاق، فإذا ثبت بعضها ثبتت البقية. ودعوى أن يمين الشخص لا تُقبل في حقِّ الغير صحيحة في الدعاوى المستقلّة التي يكون فيها المدَّعي أجنبياً عن الدَّعوى كلياً، بخلاف المقام، فإن له حقاً ونصيباً في المدَّعى به. ويبقى أن يقال: إن القول بكافية يمين واحدة لو تم، فهو مخالف للإجماع([327])، ويلاحظ عليه أن الإجماع في المقام ليس حجةً، لأنه ليس إجماعاً تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم، وإنما هو مرتكز على الوجوه الاعتبارية المذكورة في كلماتهم، ولا أقلّ من احتمال ذلك. وثمة احتمال ثالث في أصل المسألة أشار إليه في الجواهر وملحقات العروة([328])، وهو توقف ثبوت الدَّعوى على الحلف من الجميع، بحيث لو حلف أحدهم، لم يثبت ما يخصه أيضاً، فضلاً عمّا يخصّ البقية. واعترض عليه: بمخالفته للإجماع([329])، بل لإطلاق الأدلة أجمع، كما عن صاحب الجواهر([330]). أقول: إنّ إطلاق الأدلة المشار إليه مبنيٌّ على ما عرفته من انحلال الدَّعوى إلى دعاوى متعدّدة، فإذا تمَّ الانحلال ثبتت دعوى الحالف دون سواه، ومعه فلا وجه للقول بلزوم حلف الجميع، لكن هذا لا يعيّن صحة القول الأول، وهو ثبوت حصة الحالف دون سواه، لما عرفت من كفاية حلف واحد، لأن الترابط في الحقوق يقتضي ثبوتها بحلف أحدهم إذا كان الحلف مشروعاً ومقبولاً، لأنه يتعلق بالمال كله، وهو قريب. ثم إنه وبناءً على الرأي المشهور بثبوت حصة الحالف دون سواه، يقع السؤال: هل يشترك سائر الشركاء في حصة الحالف من جهة إقراره بالشركة أم لا؟ والجواب: إنّ الحالف إذا تصرّف في الحصة على إشاعتها دون أن يقبضها ويعيّنها، كما لو باعها أو وهبها لغيره أو أبرأ ذمة الغريم، فالأقرب عدم الشركة، لأن المفروض ثبوت حصته بالدعوى وقد باعها دون أن يبقضها، وإقراره بالشركة في أصل الحق لا ينافي ذلك، وأما إذا قبض الحصة من الغريم، فتارةً تكون الدَّعوى عيناً وأخرى ديناً، فإن كانت عيناً شاركه غيره فيها، لا من جهة أن ثبوت حقه يقتضي ثبوت حقهم، فإن هذا مورد نقاش كما سلف، بل من جهة إقراره واعترافه بكونها مشتركةً، فلا يجوز التصرف فيها إلاّ برضا كلِّ الشركاء، وأما لو كانت الدَّعوى دَيناً ففيه احتمالان: الأوَّل: ما اختاره السيِّد([331]) وهو قريب، أنّ للحالف أخذ حصته دون أن يشاركه فيها غيره، لأن الدَّين كلي في الذمة، وكل واحد من الورثة يستحق مقداراً منه، وبالحلف والقبض تتعين حصة الحالف منه، لأن الدافع دفعه إليه بعنوان أنه حصته، والقابض إنما قبضه كذلك، والمناط في تعيين الدَّين هو قصد الدافع، ولا يلزم من التصرف فيه التصرف في مال الغير، كما كان الحال في العين، وإقرار القابض بالاشتراك في أصل الحق ليس إقراراً منه بالاشتراك في المقبوض. ودعوى: عدم جواز أخذ الدَّين المشترك إلا بإذنه الجميع ــ كما في العين ــ مدفوعة بانحلال الدَّعوى إلى دعاوى، وانحلال الدَّين إلى ديون متعددة، كما أسلفنا. وبعبارة أخرى: إن أجزاء الدَّين الواحد ليست مترابطة، ولذا لو أدى الغريم بعضه فرغت ذمته بمقدار ما أدى. الثاني: ما اختاره صاحب الجواهر([332]) من الاشتراك إذا أجاز الشركاء القبض، وإذا لم يجيزوا يبق المال على ملك الدافع، إذ ليس له تعيين حصة الشركاء من الحق المشترك، بل إن الأمر إليهم ويكون قصد الدافع والقابض لغواً، وعلى ذلك فلا يبقى ثمة فرق بين الدَّين والعين بنظر صاحب الجواهر، لتحقق سبب الشركة فيهما، وعلى حدِّ قوله: "إذا الدَّين عين أيضاً إلا أنها كليّة". ويلاحظ عليه: أن المفروض انحلال الدَّعوى إلى دعاوى، والدَّين إلى ديون، فلا مانع من أخذ الحالف حصته ولا يشاركه فيها غيره. ما اخترناه من عدم اشتراك الورثة مع الحالف في حصته من الدَّين، هو ما تقتضيه القاعدة، وقد يعترض عليه بمخالفته لما ذهب إليه المشهور في كتاب الشركة، من أنَّ أحد الشركاء إذا قبض حصةً من الدَّين المشترك، شاركه الآخر فيما قبضه إلا إذا أجاز قبضه لنفسه، وكذا قالوا إذا أقرَّ المدَّعى عليه لأحد المدعيين شاركه الآخر فيما قبضه. قال في الجواهر([333]): "إذا كان لاثنين فصاعداً مالٌ في ذمة أو ذمم، ثم تقاسما بما في الذمة أو الذمم، بأن تراضيا على أن ما في ذمة زيد لأحدهما، وما في ذمة عمرو لآخر، لم يصح عند المشهور نقلاً وتحصيلاً، بل عن الشيخ وابن حمزة الإجماع عليه، وحينئذٍ، فكلَّ ما يحصل من أحدهما لهما معاً وما يتوى ــ بالتاء المثناة من فوق ــ منهما، للأصل السالم عن معارضة إطلاق القسمة بعد انصرافه إلى غيره، ولو للشهرة والإجماع السابق، مضافاً إلى صحيح سليمان بن خالد([334]) "سألت أبا عبد الله(ع) عن رجلين كان لهما مال بأيديهما، ومنه متفرق عنهما، فاقتسما بالسوية ما كان بأيديهما، وما كان غائباً عنهما، فهلك نصيب أحدهما ممّا كان غائبا، واستوفى الآخر، عليه أن يرد على صاحبه؟ قال(ع): نعم ما يذهب بماله". وموثق ابن سنان([335]) "سألت أبا عبد الله(ع) عن رجلين بينهما مال منه دَيْن، ومنه عين، فاقتسما العين والدَّين، فتوى الذي كان لأحدهما من الدَّين أو بعضه، وخرج الذي للآخر، يردُّ على صاحبه؟ قال: نعم ما يذهب بماله" انتهى ما في الجواهر. ومرسل أبي حمزة([336]) وغيره. ويمكن دفع هذا الاعتراض: بأن ما ذكروه في كتاب الشركة لو تم فهو لا ينافي ما ذكرناه في المقام، لأن ما اخترناه هنا هو ما تقتضيه القاعدة، فإن تمت الروايات نرفع اليد عنها، لكن الظاهر أن دلالة الروايات لا تخلو من إشكال، لعدم ظهروها فيما أفادوه، بل الظاهر منها علاج صورة تعدد الدَّين المشترك بينهما، وإحالة كلِّ منهما حصته من الدَّين على الآخر، فلا تشمل صورة اشتراكها في دين واحد. على أن مورد النصوص صورة هلاك الدَّين، فيقتصر فيها على موردها، وأما في غير هذه الصورة، فالقسمة صحيحة على القاعدة، ويدلُّ على الصحة: ما رواه علي بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر(ع) المروي في قرب الإسناد: "سألته عن رجلين اشتركا في السلم أيصلح لهما أن يقتسما قبل أن يقبضا؟ قال: لا بأس"([337]). موت الحالف قبل الاستيفاء: إذا أقام المدَّعي شاهداً على دعواه وحلف، لكنه مات قبل استيفاء حقه، فلا حاجة إلى حلف الوارث، بل له الاستيفاء وإن كان ناكلاً، إلا إذا كان ــ الوارث ــ مكذِّباً للحالف، وهو المورِّث، فلا يحق له الاستيفاء حينئذٍ، لأنه يستوفي ما يعتقد عدم استحقاقه. هل يقبل الحلف من القيّم؟ إذا كانت الدَّعوى متعلقة بحق الصغير أو المجنون، وأقامها الولي أو القيّم، وأما شاهداً واحداً، فهل له أن يحلف، أن ينتظر بلوغ الصبي وإفاقة المجنون فيحلفان؟ ذهب غير واحد من الفقهاء إلى أنه ليس له الحلف، وإنما يوقف إلى حين بلوغ الصبي أو إفاقة المجنون. قال في الجواهر([338]) شارحاً كلام المحقِّق: "لو كان في الجملة مولّى عليه لصغر ونحوه، فإنه لم يحلف وليه، لكون المال لغيره، ولكن يوقف نصيبه، فإن كمل ورشد حلف واستحقَّـ وإن امتنع لم يحكم له". ووافقه السيد اليزدي([339]) على ذلك مضيفاً: أنه "ولو اقتضت المصلحة طي الدَّعوى بالمصالحة مع المدعى على جاز، ولو مات ــ الصغير أو المجنون ــ قبل البلوغ كان لوارثه الحلف، ولا حاجة إلى إعادة الشهادة، وليس للقيّم مطالبة الكفيل قبل البلوغ، لعدم ثبوت الحق". ولكن نقل([340]) عن كشف اللثام أن للولي الحلف، "لأن قوله بمنزلة قول المولى عليه"، وعلّق عليه في الجواهر([341]): "ولم أجده لغيره، بل إطلاقهم يقتضي خلافه". أقول: يمكن أن يستدل للقول الأول: بأن حلف الولي هو حلف على مال الغير وهو لا يجوز، مضافاً إلى أن العنوان المذكور في روايات الباب هو "يمين صاحب الحق"([342])، وهو لا ينطبق على الولي. ويلاحظ عليه: أن الولي في نظر العرف ليس أجنبياً عن الدَّعوى، فيمكنه الحلف كما يمكنه إقامة الدعوى، وأما أن المأخوذ في لسان الروايات هو عنوان صاحب الحق أو الدَّين، فهذا ليس مطرداً في كلِّ الروايات، بل أُخذ في بعضها عنوان المدَّعي، كما في رواية حماد بن عثمان، قال: "سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: كان علي(ع) يجيز في الدَّين شهادة رجل ويمين المدعي"([343])، وحق الادّعاء ثابت للولي. وفي بعضها أخذ عنوان الخصم، كما في صحيحه محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع): لو كان الأمر إلينا أجزنا شهادة الرجل الواحد إذا عُلِم منه خير، مع يمين الخصم في حقوق الناس..."([344])، وعنوان الخصم أيضاً ينطبق على الولي. الشاهد واليمين في طول البينة: هل إنّ حجيَّة الشاهد واليمين في طول حجية البيِّنة أو في عرضها، بحيث إنه لو أمكن إثبات المدَّعى بن بشاهدين، فهل يجوز الاكتفاء بشاهدٍ ويمين؟ اختار غير واحدٍ من الفقهاء الطولية بينهما، ويمكن البرهنة على ذلك بأنه لا مقتضي للقول بالعرضية، بل المانع منه موجود، أمَّا عدم المقتضي فباعتبار أنه لا إطلاق في أدلّة الشاهد واليمين لحالة توفّر البيِّنة، لأن تلك الأدلة حاكية لفعل رسول الله(ص) وأمير المؤمنين(ع)، وأنهما قضيا بشاهد ويمين، والقدر المتيقَّن منها هو صورة عدم توفير البينة. وأما المانع، فهو مرسلة يونس عمن رواه قال: "استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، فإن لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدعي، فإن لم يكن شاهد فاليمين على المدَّعى عليه، فإن لم يحلف ورد اليمين على المدّعي، فهي واجبة عليه أن يحلف ويأخذ حقه، فإن أبى أن يحلف فلا شيء عليه"([345]). وهي لا تدلُّ على طولية الشاهد واليمين بالنسبة إلى البيِّنة فحسب، بل على طوليتهما بالنسبة إلى الرجل والامرأتين أيضاً، لكن الراوية ضعيفة السند، فلا تصلح سوى للتأييد، ويكفينا في المقام أنه لا مقتضي للحجية إلا عند فقد البينة. أجل، لو كان في إحضار الشاهدين عسر وحرج، فيكتفى بشاهد واحد مع يمين المدَّعي. ثبوت وصية المورِّث بيمين الورثة مع الشاهد: إذا ادَّعى الورثة ديناً لمورِّثهم على أحد وأقاموا شاهداً واحداً وحلفوا، فلا إشكال في ثبوت حصَّتهم مع عدم توفّر البيِّنة، والمفروض أن المال مالهم، ولكن هل يثبت بيمينهم والشاهد وصية مورثهم فيما لو كان قد أوصى لأحد من الناس بمال معيَّن؟ والجواب: إن الوصية تارةً تكون عهديةً وأخرى تمليكيةً، فلو كانت عهديةً بأن قال: أعطوا فلاناً كذا أو اصرفوا على الفقراء كذا، فالظاهر ثبوتها بيمينهم والشاهد، سواء قلنا بأن الموصى به في الوصية العهدية يدخل في ملك الورثة لكنهم ملزمون بإخراجه وتأديته للموصى إليه، أو قلنا ببقاء الموصى به في الوصية العهدية على ملك المورِّث وأن الورثة لا يملكون إلا ما هو خارج عن الوصية والدَّين، أمَّا على الأول، فلأنَّ الموصى به ملكهم وقد حلفوا على مالهم، أمّا على الثاني، فلأنه وإن كان قد يقال: بأنه لا يثبت بيمينهم والشاهد سوى حصتهم من الميراث دون الوصية، لأنه لا علاقة لهم بها بعد افتراض بقاء المال على ملك مورّثهم، ولكن ذلك مردود، بأنهم ليسوا غرباء عن القضية، لأن الورثة يقومون مقام مورِّثهم، فلا يشملهم ما دلّ على عدم جواز حلف الإنسان على مال غيره، لأنه خاصٌ بمن كان أجنبياً عن القضية ولا علاقة له بها من قريب أو بعيد، فلا يشمل الوارث أو الولي أو الوكيل أو نحوهم. وأما إذا كانت الوصية تمليكيةً بأن قال: ملّكت فلاناً بعد موتي كذا أو لفلان كذا... فهنا قد يشكل الأمر في قبول يمينهم مع الشاهد، باعتبار أن المال هو للموصى له، فيكون حلف الورثة في المقام حلفاً على مال الغير، وإن كان يمكن القول بثبوت الدَّعوى وقبول يمينهم، باعتبار أنه "يصير مالاً للميت قبل موته وينتقل إلى الموصى له بعده"([346])، كما ذكر السيد اليزدي، فيمين الورثة أدخلت مالاً في كيس الميت، ومن ثم انتقل إلى الموصى لهم بموته، وعليه فلا يكون يمين الورثة حلفاً على مال الغير، بل على مال مورثهم. ثمّ لو تمّ الإشكال في قبول يمين الورثة في الوصية التمليكية، فهل للموصى له أن يحلف ويأخذ نصيبه من المال؟ والجواب: إنه إذا كان الموصى له شخصاً معيناً، فله أن يحلف ويأخذ المال، لأنه يحلف على حقه، وإن كان جماعةً، فإن كانوا غير محصورين كعنوان الفقراء، فليس لأحدهم أن يحلف، لأنه ليس المالك بل المالك هو النوع، وربما قيل: بأنهم ليسوا أجانب عن الدعوى، بل لهم فيها تعلق واضح، بلحاظ أنهم أفراد العنوان، ولكن ذلك ليس عرفياً في مثل هذه الأمور التي كان دور الفقراء فيها دور الآخذ لا دور المالك، فتأمَّل. وأما إذا كانوا محصورين، فكل واحد منهم أن يحلف ويأخذ حصته، لأنه يحلف على ماله، وهذا ما تقتضيه القاعدة، لكن السيد اليزدي(رحمه الله) استشكل في الأمر([347])، دون أن يتضح وجه استشكاله، فإن المفروض أنهم محصورون ولكل واحد منهم حصة من المال الموصى به، فيكون حلفه على حقه وليس على حق الغير. يمين غريم الميت: إذا ادعى غريم الميت أن له ــ أعني الميت ــ مالاً على ثالث، وأقام شاهداً واحداً، فهل له أن يضمَّ يمينه ويثبت المال، وبالتالي يتسنى له استيفاء دينه؟ وإذا لم يكن بإمكانه ذلك، فهل له أن يلزم الوارث بالحلف؟ وإذا حلف الوارث فهل يستحق استيفاء الدَّين؟ أقول: بالنسبة إلى الغريم ليس له أن يحلف لعدم كونه مالكاً، وهذا واضح فيما إذا حلف على أن المال للميت، وأمّا إذا حلف على أن له حقاً في استيفاء دينه من هذا المال، فيظهر من السيد اليزدي(رحمه الله) الميل إلى قبول حلفه، لأنه حينئذٍ حلف على حق نفسه وإن لم يثبت به كونه مالاً للميت([348])، ولكنه لا يخلو من إشكال، لأنّ حلفه لا بد أن يتطابق مع ما شهد به الشاهد، والمفروض أنه قد شهد بأن المال لفلان الميت، بينما الغريم قد حلف على أن له استيفاء حقه من المال. أضف إلى ذلك: أن ثبوت حق الغريم فيما يدّعي كونه ديناً للميت هو فرع ثبوت الحق للميت، فلا بدَّ من أن يتعلَّق الحلف الثاني، وهو حلف على حق الغير كما عرفت، وأم الحلف على حقه في استيفاء الدَّين، فلا يثبت به أن المال للميت ليتفرَّع عليه استحقاق أخذه له. وأما بالنسبة إلى الوارث فليس للغريم إجباره على الحلف، لأنه لا سلطة له عليه، ودعوى أن له تحليفه إذا ادَّعى عليه علمه بحقه، وأن عدم حلفه سيضيع حقه عليه، مدفوعة: بأن اليمين تُطلَب من المدَّعى عليه والوارث ليس كذلك. وإذا حلف الوارث وقلنا إنَّ المال ينتقل إليه وإن وجب عليه صرفه في الدَّين، استحق الغريم استيفاء دينه منه، وأما إذا قلنا ببقاء مقدار ما يقابل الدَّين على ملك الميت أو حكم ملكه ــ بلحاظ أن قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}([349]) ظاهر في عدم انتقال التركة إلى الوارث إلا بعد إخراج الوصية والدَّين، لا أنّ المال ينتقل إلى الورثة ومن ثمَّ إلى الدائن والموصى له، ولا محذور من الالتزام بملكية الميت، فإن الملكية أمر اعتباري، ويكفي في تصحيح الاعتبار وجود أثر يترتب على الملكية، والأثر موجود، وهو وفاء دين الميت وتنفيذ وصيته ــ فربما يستشكل في حلفه ــ أعني الوارث، لعدم جواز الحلف على مال الغير، لكن ظاهرهم، كما يقول في الجواهر([350])، الاتفاق على جواز حلفه على كلِّ حل. وهو الصحيح، والإشكال مندفع، لأن للوارث تعلقاً بالدَّعوى، ولذا يجوز له وفاء دين مورّثه من مال آخر، ولو أبرأه الدائن من دين مورثه كان له. وعليه، فلا يكون أجنيباً ولا بحكمه، فيقبل حلفه، لأن ما دل على عدم جواز الحف على مال الغير لا إطلاق لمثل المورِّث، بل هو ــ أعني الدليل ــ إما الإجماع، وهو دليل لبي يقتصر فيه على القدر المتيقن، أو البناء العقلائي، وهو أيضاً لا يشمل المورد. فرعان آخران: ومن جملة الفروع التي ذكرها السيد اليزدي فيما يرتبط بالحلف على مال الغير، الفرعان التاليان: الأول: " إذا ادَّعى رهناً وأقام شاهداً واحداً أنه ملك للراهن المديون له، فانه لا يجوز له الحلف على أنه ملك الراهن، لكن لو ادَّعى كونه رهناً عنده وأراد إثبات حق الاستيفاء منه، جاز له الحلف مع الشاهد الواحد"([351]). أقول: الوجه في هذا التفصيل واضح، ففي الصورة الأولى لم يجز له الحلف، لأنه من الحلف على مال الغير، بخلافه في الصورة الأخيرة، فإنه حيث كان قاصداً استيفاء دينه لم يعد أجنبياً فجاز له الحلف، لكن الفرض الأول نادر الوجود، إذا الغالب ــ فيمن له حقٌّ على الراهن ــ أن يقصد في دعواه استيفاء حقه بإثبات الراهن. الثاني: إذا ادَّعى مالاً له تَعَلَّقَ به الخمس أو الزكاة، فالظاهر جواز إثباته بالشاهد واليمين، وربما يستشكل بالنسبة إلى مقدار الخمس والزكاة، لأنه حلفٌ على مال الغير، لكن قد يدعى السيرة على جوازه. ويمكن دفع الإشكال: بأن الانتقال إلى الهاشمي أو الفقير فرع ثبوت كونه ملكاً له، فكأن يحلف على مال نفسه، فتأمل([352]). أقول: ما ذكره السيد(رحمه الله) من السيرة وما دفع به الإشكال صحيح، وبالتالي، فلا وجه لتأمله في المسألة، ولا سيما بملاحظة أن المال لا يخرج عن ولاية مالكه بالاستحقاق، ولذا لا يجوز الأخذ منه قهراً إن لم يكن ممتنعاً عن الأداء، ويجوز له أداء الحق من مال آخر، كما أنك قد عرفت مراراً أن الدليل على عدم جواز الحلف على مال الغير هو دليل لبي، فيقتصر فيه على القدر الميتقَّن. دعوى الوقف: إذا ادعى بعض الورثة دون البعض الآخر أنَّ الميت وقف عليهم وعلى نسلهم داراً ــ مثلاً ــ وأقام هذا البعض شاهداً واحداً، وقلنا بجواز القضاء بالشاهد واليمين في مثل ذلك دون أن يختصَّ بالدَّين، فللمسألة صورتان: الأولى: أن يكون الوقف ترتيبياً. الثانية: أن يكون تشريكياً. أما الصورة الأولى: فتارةً يحلفون ــ مدّعو الوقفية ــ جميعاً، وأخرى يمتنعون جميعاً، وثالثة يحلف البعض ويمتنع البعض، فالفروض ثلاثة: الأول: إذا حلفوا جميعاً فيقضى لهم بالوقفية، ومعنى ذلك أن الديون والوصايا والميراث تؤدَّى عن غيرها، لأن هذه إنما تؤدى من التركة، فإذا ثبتت الوقفية في الدار كانت خارج نطاق التركة، وهذا واضح لا شك فيه، وإنما الكلام فيما لو انقرضوا، فهل تحتاج الطبقة الثانية إلى الحلف أو تثبت الوقفية عليهم وعلى سائر الطبقات اللاحقة بحلف الطبقة الأولى؟ وبعبارة أخرى: هل أن الشاهد واليمين كالبيِّنة التي يحكم فيها بالوقفية على جميع الطبقات، أو أن الحلف أوجب الحكم بها في خصوص الطبقة الأولى، فنحتاج إلى اليمين في الطبقات اللاحقة عند انقراض السابقة. ذهب صاحب الجواهر إلى الأول، هو لزوم الحلف مجدداً، لأن الطبقة الثانية كالأولى، تتلقَّى من الواقف فيحتاج إلى الحلف أيضاً([353]). وأما صاحب المسالك: فقد بنى المسألة على الخلاف في أن الطبقة الثانية هل تستمد ملكيتها من الطبقة الأولى أو من الواقف، قال: فعلى الأوَّل ــ كما هو الأشهر ــ لا حاجة إلى اليمين([354])، أما على الثاني، فالحاجة إلى اليمين قائمة. واستظهر السيد اليزدي ــ بحق ــ عدم الحاجة إلى اليمين في الطبقات اللاحقة من دون فرق بين القول باستمداد اللاحق ملكيته من السابق أو من الواقف، أما على الأول فواضح، وأما على الثاني، فلأنّ التلقي من الواقف لا يعني أن الواقف أنشأ وقفاً لكل طبقة، وإلا لاحتاجت كل طبقة إلى قبول خاص بها ولم يكفِ قبول الأولى، وهذا لم يقل به أحد، بل إنه أنشأ وقفاً واحداً مستمراً، فإذا ثبت في الأول ثبت في الجميع، فلا حاجة إلى الحلف في الثانية وما يتلوها، فحال الشاهد واليمين حال البيِّنة في عدم الحاجة إلى الحلف في سائر الطبقات. الفرض الثاني: أن يمتنعوا جميعاً عن الحلف، فيحكم بالدار ميراثاً، لعدم تمامية الحجة. وبالتالي، تتعلق بها الديون والوصايا، وبعد إخراج الديون والوصايا يوزَّع الباقي على الورثة، لكن حصَّة مدِّعي الوقفية تكون محكومةً بحكم الوقف ــ لا الميراث ــ لإقرارهم بالوقفية، وإقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، وهو نافذ في حقهم وفي حق الطبقات اللاحقة من نسلهم، ولكن هل لأولادهم أن يحلفوا على وقفية الدار فتثبت الوقفية استناداً إلى شاهد الآباء ويمين الأبناء؟ ربَّما يستشكل في ذلك، لأنه من قبيل الوقف المنقطع الأول، فإن المفروض أن الدار لم يحكم بأنها وقف بلحاظ الآباء، بل كانت بحكم الميراث لعدم سماع دعواهم بسبب امتناعهم عن اليمين، والوقف المنقطع الأول كالمنقطع الآخر غير مشروع. ويرده: بأنّ الانقطاع ظاهري، لأن المفروض أن أصحاب الطبقة الأولى كانوا يدَّعون وقفيتها من الأول، وعدم الثبوت لعدم الحلف لا ينافي كونها وقفاً في الواقع([355]). ولذا، فالأقرب تبعاً للسيد اليزدي قبول الحلف من الطبقة الثانية وثبوت الوقفية بذلك. الفرض الثالث: وهو ما إذا حلف البعض ونكل البعض، كما إذا كانوا ثلاثةً ــ مثلاً ــ فحلف واحد منهم فقط، فتثبت وقفية نصيبه، وهو الثلث، فلا يخرج منه الديون والوصايا، وأما نصيب الناكليْن فلا تثبت وقفيته شرعاً، لعدم حلفهما، فيخرج منه الديون والوصايا، ويدخل الباقي في الميراث، فيرث منه بقية الورثة المنكرين للوقفية والناكلين، لكن حصة الناكليْن من الميراث ــ بعد إخراج الديون والوصايا ــ تكون وقفاً بمقتضى إقرارهما، والنتيجة: أنه لا إرث للحالف ولا للناكليْن من الدار، أمّا الحالف، فلأنه مقرٌّ بالوقفية وعدم كونها ميراثاً، وقد أثبتت الوقفية بمقدار حصته بالشاهد واليمين، وأما الناكليْن فلاعترافهما بعدم كون الدار ميراثاً، فلا فرق بينهما وبين الحالف إلا أن مقدار نصيبه ثبتت وقفيّته فلم تخرج منه الديون والوصايا، وأما نصيبهما فهو بحكم الوقفية وقد أخرجت منه الديون والوصايا. هذا وقد نقل في الجواهر([356]) قولاً عن بعضهم: بكون الفاضل من الدار عن حصة الحالف ميراثاً للجميع بمن فيهم الحالف والناكلان، فضلاً عن المنكرين للوقفية، والوجه في ذلك هو اعتراف المنكرين باشتراك الجميع في إرث الدار بمن فيهم الحالف، وهو إن كان ظالماً بأخذه حصته بيمينه وقفاً، لكن لا يحسب عليه ما أخذه من حقه في الباقي. وقد ردّه صاحب الجواهر ــ بحق ــ بأن الحالف معترف بأنه لا يستحقُّ إلا ما أخذه وقفاً، فلا يُردّ عليه من الباقي شيء. أقول: والناكلان كذلك يعترفان بعدم استحقاقهما الإرث من الدار، فما يأخذانه من حصتهما منها يكون بحكم الوقف كما عرفن، لاعترافهما بعدم استحقاق الميراث وإن رفضا الحلف. ولكنَّ صاحب الجواهر أضاف قائلاً: "نعم، إن زاد نصيب مدَّعي الوقف إرثاً على نصيبه وقفاً، كان الزائد مجهول المالك، ولعلَّه لذا قيل ــ كما عن المبسوط التصريح به ــ: إن الفاضل يقسم بين المنكرين من الورثة والذين نكلوا، دون الحالفـ لأنه مقر بانحصار حقه فيما أخذه والباقي لأخوته ــ مثلاً ــ وقفاً، بل الظاهر أيضاً كون الزائد من نصيبهم إرثاً على نصيبهم وقفاً مجهول المالك نحو ما سمعته في الأول"([357]). وتوضيحه: أن حصة مدَّعي الوقف ــ وهو الحالف والناكليْن في المثال ــ من الدار إذا كانت على تقدير الوقف أزيد منها على تقدير الإرث، كان الزائد له إذا حلف، وأما إذا كانت متساويتين على التقديرين، فلا مشكلة في المقام، وأمّا لو انعكست الصورة الأولى، بأن فرض أن حصته على تقدير الإرث أزيد منها على تقدير الوقف، فالزائد ــ وفق ما يراه صاحب الجواهر ــ يكون مجهول المالك، والوجه في ذلك: أن مدَّعي الوقف يعتبر أن الزائد على الوقف ليس له، بل هو لأخوته وقفاً، وأخوته، وهم بقية الورثة المنكرين للوقف، يعترفون بأن هذا المال الزائد ليس لهم، بل هو ميراث لأخوتهم البقية المدَّعين للوقف، فيكون المال مجهول المالك. وقد رده السيد اليزدي(رحمه الله)([358]) بأنه لا وجه لكون الزائد مجهول المالك، بل هو وقف لمدّعي الوقف، والوجه في ذلك: أن هؤلاء ــ أعني مدّعي الوقفية ــ لا ينكرون كون الزائد وقفاً مطلقاً، بل ينكرون كونه وقفاً لهم فحسب، فهم يعترفون أنه وقف لهم ولأخوتهم، فنفيهم ليس مطلقاً، بل في ضمن الاعتراف بكونه وقفاً. ثم إنّ السيد اليزدي أضاف فرعين على الفرض الثالث: أحدهما: "أن حصة الحالف، وهي الثلث في المثال المفروض، تختص به، فلا يشترك معه الناكلان فيها إذا تصرَّف فيها مشاعاً، نعم إذا أخذها مفروزةً يشترك فيها معه الناكلان بمقتضى إقراره، كما في سائر المقامات، مما يثبت فيه حصة بعض الشركاء في عين دون بعض"([359]). أقول: الفرق بين صورتي الإشاعة والفرز، أنه إذا كان ثلثه مشاعاً فهو يتصرف في حقه، أما إذا أخذه مفروزاً، فهو يقرّ بأن هذا الثلث المفروز وقف للجميع، فلا يحقُّ له التصرف فيه وحيداً، بل يشترك معه فيه الناكلان. ثانيهما: أنه إذا مات الناكلان انتقل ما أقرّا بوقفيته من ميراثهما بعد إخراج الديون والوصايا إلى الحالف دون ورثتهما، أخذاً لهما بمقتضى إقرارهما بالوقف الترتيب حسب الفرض، ما يعني أنه لا مجال لانتقال العين إلى الطبقة الثانية إلا بعد انقراض الطبقة الأولى، وأما إذا مات الحالف وبقي الناكلان على قيد الحياة، فهل ينتقل نصيبه إلى الناكلين أم إلى ورثته؟ ذكر في المسالك([360]) ثلاثة وجوه: "أحدها: أحدها انه يصرف إلى الناكلين، لأنه قضية الوقف، إذ لا يمكن جعله للبطن الثاني لبقاء البطن الأول، ولأنه أقرب الناس إلى الواقف... والثاني: أنه يصرف إلى البطن الثاني، لأنه بنكول الناكل سقط حقه، وصار كالمعدوم، وإذا عدم البطن الأول كان الاستحقاق للثاني، وهذا هو الذي اختاره الشيخ في المبسوط. والثالث: ــ وهو أضعفها ــ أنه وقفٌ تعذّر مصرفه، لأنه لا يمكن صرفه إلى الباقين من البطن الأول لنكولهم، ولا إلى البطن الثاني، لان شرط استحقاقه انقراض البطن الأول، فإذا تعذَّر مصرف الوقف، بطل كالمنقطع الآخر ورجع إلى أقرب الناس إلى الواقف. ويحتمل على هذا صرفه في وجوه البرّ، لأن هذا الانقطاع لم يكن واقعاً، وإنما طرأ، فكان كما لو بطل رسم المصلحة الموقوف عليها. وعلى هذا، فإذا زال التعذّر، بأن مات الناكل وانتقل إلى البطن الثاني، جاء في حلفه ما مرّ". وقد اعترضه صاحب الجواهر([361]): بأن نصيب الحالف من الوقف إذا لم يكن زائداً على الإرث ــ على تقدير كونه وارثاً ــ يصرف إلى الناكلين، لإقراره بأنهما شريكاه في الوقف، كما يصرف نصيبهما إليه للإقرار أيضاً، وأما ما زاد على الميراث، فيرجع إلى شركائه المنكرين للوقف، لانقطاع حكم يمينه بموته، ولم يتحقّق استحقاق البطن الثاني باعترافه. ووافقه السيد اليزدي (رحمه الله)([362]) في انتقال ما للحالف إلى الناكلين لإقراره باستحقاقهما ذلك، وينتقل ذلك إليهما على نحو الوقفية لا الإرث، لكنه اعترضه في إرجاع ما زاد من نصيب إرثه إلى المنكرين للوقف، لمنع انقطاع حكم اليمين بموت الحالف ما دامت الطبقة الأولى باقيةً، وإلا لزم أن يقال في الفرض الأول ــ وهو ما إذا حلفوا جميعاً ــ أنه إذا مات أحدهم، ينتقل الزائد من نصيب إرثه إلى المنكرين مع بقاء بعض أهل الطبقة. الصورة الثانية: هذا كلُّه في الصّورة الأولى، وهي ما لو كان الوقف ترتيبياً، وأما الصورة الثانية، وهي ما لو كان الوقف تشريكياً، فهي كالأولى فيما مرّ. نعم، في هذه الصورة، إذا تجدَّ واحد من الموقوف عليهم، يكون شريكاً مع الموجودين من الحالفين، مثلاً إذا كانوا ثلاثةً فتولَّد لأحدهم ولد يشترك معهم، فتكون القسمة رباعيةً بعد ما كانت ثلاثيةً، وهكذا إذا تولَّد ولد آخر، وإذا مات واحد يكون نصيبه للبقية، فتكون القسمة بعدما كانت رباعيةً ــ مثلاً ــ ثلاثيةً، وهكذا. والظاهر عدم الحاجة إلى الحلف في اشتراك المتجدد كما اخترنا في الصورة الأولى بالنسبة إلى الطبقات المتأخرة، ولكن المحقق الحلي([363]) مع قوله بعدم الحاجة إلى الحلف في الصورة الأولى، ذكر الحاجة في هذه الصورة. قال: "لأن البطن الثاني بعد وجوده يعود كالموجود وقت الدعوى"، ووافقه في الجواهر([364]) قائلاً: :"بلا خلاف أجده فيه". وردَّهما السيد(رحمه الله) بعدم الفرق بين الصورتين في التلقي من الواقف وفي الأخذ من يد السابقين، وفي كون الوقف أمراً واحداً مستمراً. اليمين اليمين: وسيلة إثبات داخلية: تعتبر اليمين وسيلةً أساسية من وسائل الإثبات في الفقه الإسلامي يستند إليها القاضي في حالات معنية قبل إصدار حكمه بإنهاء الخصومة بين المتنازعين، وهي وسيلة داخلية خلافاً للبيِّنة، فإنها ــ أعني البيِّنة ــ تشكّل قرينةً خارجيةً على الإثبات، ولذا تعتمد اليمين على إيمان الشخص وحسه الديني والاعتقادي، وإنما يلجأ إليها عادةً عند الافتقار إلى وسائل الإثبات الخارجية والظاهرية، مما يحتمّ حسم النزاع على أساس الاعتماد على ضمير الحالف وحسه الإيماني. والاعتماد على اليمين في الإثبات وغيره ليس من مبتكرات الإسلام، فهو سلوكٌ قائمٌ قبل زمان الوحي، واعتمده العقلاء في شؤون حياتهم وارتباطاتهم الاجتماعية ونظام معاملاتهم وقضايا منازعاتهم، والإسلام أقرَّ هذا السلوك في الجملة، لكنه عمل على تهذيبه من بعض الشوائب التي علقت به، كالحلف بغير الله سبحانه. ونحن قد بحثنا المسألة بحثاً استدلالياً وافياً، وفصَّلنا الكلام في مفهوم اليمين ومتعلقها وشروطها وأحكامها وشروط وصفات الحالف والمحلوف به في كتاب اليمين والنذر([365]). مشروعيَّة الإثبات باليمين: أجمع فقهاء المسلمين على اختلاف مذاهبهم على مشروعية اليمين كوسيلة من وسائل الإثبات، وقد تظافرت الروايات في تأكيد هذا المعنى، منها: 1- قوله(ص): "البيِّنة على المدَّعي واليمين على من ادعي عليه"([366]). 2- وقوله(ص): "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ"([367]). 3- وروى ابن عباس(رض)، أن النبي(ص): "قضى باليمين على المدَّعى عليه"([368]). وعن الأشعب بن قيس قال: "كان بيني وبين رجل خصومة في بئر، فاختصمنا إلى رسول الله(ص)، فقال: "شاهداك أو يمينه"([369]). إلى غير ذلك من الروايات الواردة عنه(ص) وعن أهل بيته(ع)، والتي تدلُّ صراحةً أو ظهوراً على مشروعية الإثبات باليمين، بل ومفروغية ذلك في الشريعة الإسلامية. أنواع اليمين: تنقسم اليمين باعتبار الحالف إلى يمين المدَّعى عليه، ويمين المدَّعي، ويمين الشاهد: 1- يمين الشاهد: وهي "التي يحلفها الشاهد قبل أداء الشهادة، للاطمئنان إلى صدقه، وهي التي يُلجأ إليها في عصرنا بدلاً من تزكية الشاهد، وقد أجازها المالكية والزيدية والظاهرية وابن أبي ليلى وابن القيم، لفساد الزمان وضعف الوازع الديني، ومنعها الجمهور"([370]). والظاهر أنه لا ملزم بها ولا دليل على قيامها بديلاً من تزكية الشهود، فما ذهب إليه الجمهور قريب من الصواب. 2- يمين المدَّعى عليه: وهي اليمين الأصلية، ويحلفها المنكر عند عدم إقامة البيِّنة من قبل المدَّعي، فهي حجة المنكر، وبأدائها يتمُّ حسم القضية وتسقط الدعوى. 3- يمين المدعي: وهي على أنحاء أهمها: أ- ما يصطلح عليها باليمين الجالبة: وهي التي يحلفها المدَّعي لإثبات حقه، إما بسبب نكول المدَّعى عليه عن أداء اليمين وردّها على المدعي، وهي اليمين المردودة، وإمّا منضمةً إلى شهادة شاهد واحد، حيث لا يكتفى به لإثبات الحق. ب- يمين الاستيثاق: وهي التي يحلفها المدَّعي لدفع التهمة عنه، كما أنها كانت الدَّعوى على ميت واحتمل أن يكون قد أوفى دينه، فلا يكتفى حينئذٍ بالشاهدين، بل لا بد من أن يحلف المدَّعي على بقاء حقه. أقول: فيما سلف من بحوث، تكلَّمنا عن اليمين المردودة ويمين الاستيثاق أو الاستظهار التي تُضَمُّ إلى البيِّنة فيما لو كانت الدَّعوى على ميت، وهكذا تحدثنا عن اليمين المنضمة إلى الشاهد الواحد، فلم يبق سوى الحديث عن اليمين الأصلية، وهذا ما نتعرض له فيما يلي: اليمين في القوانين الوضعية: اعتمدت قوانين الإثبات الوضعية ــ في الغالب ــ اليمين كوسيلة من وسائل الإثبات، وهي وسيلة قديمة اعتمدها الإنسان منذ أمد بعيد وأن اختلفت أشكالها وطريقة أدائها بحسب اختلاف العقائد والأفكار السائدة في المجتمعات، وقد نصّت القوانين على ضرورة تناسب صيغة اليمين مع عقيدة الحالف، زجراً له عن الكذب والخيانة في يمينه، وهذا الأمر كان الإسلام سبَّاقاً إلى إقراره عندما سمح للقاضي بإحلاف أهل الكتاب بما يعتقدونه. وقسَّمت بعض القوانين الوضعية([371]) اليمين إلى: 1- اليمين الحاسمة: وهي التي يوجهها أحد المتداعيين لخصمه لحسم النزاع وإنهائه، ويجوز لكلِّ خصمٍ توجيهها إلى الآخر بإذن المحكمة، شرط أن تكون الواقعة المحلوف عليها متعلقةً بشخص الحالف، ويجوز لمن وجِّهت إليه اليمين الحاسمة أن يردَّها إلى خصمه إذا كانت الواقعة يشرك فيها الخصمان، فإن نكل عنها ولم يردّها إلى خصمه خسر دعواه، وإن ردَّها الخصم ونكل الثاني خسر الدعوى. 2- اليمين المتمِّمة: وهي التي توجهها المحكمة من تلقاء نفسها لإتمام قناعتها في موضوع الدَّعوى أو قيمة ما تحكم به، وذلك عند وجود دليل في الدَّعوى لكنه غير كامل ويتعذر على المحكمة تحديد قيمة المدَّعى به بطريقة أخرى، ولا يصحُّ ردُّ المتممة على الخصم الآخر. أقول: ما ذكر في اليمين الحاسمة ينسجم عموماً مع الفقه الإسلامي، وأما اليمين المتممة، فنجد لها نظيراً في الدَّعوى على الميت والغائب، حيث يرى الفقه الإسلامي ــ كما مرَّ ــ أن البيِّنة غير كافية وليس حجةً كاملةً، لاحتمال الوفاء من قبل الميت قبل وفاته، فيُحتاج إلى ضمِّ اليمين من المدَّعي، لكننا لا نستطيع إعطاء قاعدة عامة في ذلك لعدم الدليل عليه. إعلام المتنازعين بحقوقهما: أفاد الفقهاء أن المدَّعى عليه إذا أجاب بالإنكار وكان المدَّعي جاهلاً بأصول القضاء، وجب على الحاكم أن يعرّفه بحقوقه، ومنها إقامة البيِّنة، ومع عدمها إحلاف المنكر لو قلنا إن إحلاف المنكر حق من حقوق المدَّعي، ولو طلب المدَّعي إحلاف المنكر، فعلى الحاكم أن يستجيب لطلبه. وما ذكر صحيح ولا غبار عليه. هل الإحلاف حقٌّ للمدعي؟ وإنما الكلام فيما أفادوه من أنه ليس للحاكم إحلاف المنكر إلا بالتماس المدعي، كما أنه ليس للمنكر التبرع بالحلف قبل المدَّعي، فلو تبرع هو أو الحاكم لم يعتدّ بتلك اليمين، ولا بدَّ من إعادتها بعد الطلب والسؤال من المدعي، وذكروا أيضاً أنه لا يعتدُّ بإحلاف المدَّعي من دون إذن الحاكم، وعليه، فينبغي إيقاع الكلام في ثلاث صور: الصورة الأولى: أن يتبرَّع المنكر باليمين دون إحلاف من المدَّعي ولا استئذان من الحاكم. والظاهر أنه لا قيمة ليمينه ولا دليل على نفوذها، والعملية القضائية لا بدّ من أن تكون بإشراف الحاكم وإذنه، وإذا كان إحلاف صاحب الحق (المدَّعي) لا قيمة له بدون إذن الحاكم، فبالأولى أن لا يكون لتبرع المنكر باليمين قيمة، لا سيما أن دور المنكر في عملية التقاضي سلبي، ويكفي أن ينكر ما ادّعي عليه ليبقى بمنأى عن الإدانة والمسؤولية، فلو أنه تبرّع بالحلف فلا دليل على قبول يمينه. الصورة الثانية: أن يبادر الحاكم إلى إحلاف المنكر دون استئذان من المدعي، والمعروف أنه لا يحق له ذلك، ولا ينفذ اليمين والحال هذه، وما يمكن الاستدلال به لذلك أمور: 2- الإجماع كما أفاد في ملحقات العروة([372]). وفيه: أنه لا يحرز كون تعبدياً كاشفاً عن رأي المعصوم، بل هو محتمل المدركية، لما سيأتي: 2- الحلف حقٌّ المدَّعي، بسبب كونه صاحب الدَّعوى، ويملك حق إثباتها بالبيِّنة أو الإحلاف، أمّا الحاكم، فلا يحقُّ له الإحلاف دون سؤال المدعي، ولا سيما أن غرض المدَّعي قد يكون متعلّقاً بعدم إحلافه، إما توقعاً لوجود شهود، أو توقعاً لارتداع المنكر ورجوعه عن الإنكار، أو لأنه يريد إنهاء الدَّعوى بالصلح، أو لغير ذلك من الأغراض. ويلاحظ عليه: أن دعوى كون الإحلاف حقاً للمدعي مصادرة لا دليل عليها. نعم، قد يكون من حقه الرجوع في الدَّعوى وطلب سحبها وإنهائها، أما جعل حركة العملية القضائية ووسائل الإثبات، من إقامة البيِّنة والأحلاف، بيده ورهن أمره وطلبه، فلا دليل يعضده ولا شاهد يؤكده، بل ربما يكون الأقرب جعل ذلك بيد القاضي، فبعد المرافعة يغدو طلب البيِّنة أو اليمين وظيفة اقاضي لا وظيفة المتخاصمين، وهذا ما يستفاد من أدلة القضاء العامة، كقول النبي(ص): "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ"([373])، حيث يلوح منه أن العملية القضائية بيد القاضي، فهو يطلب البيِّنة من هذا، واليمين من ذاك. وهكذا قوله(ع): "البينة على من ادّعى، واليمين على من أنكر"([374])، فإنه يدل على أن المدَّعي مطالب بالبيِّنة لا أنها حق لها، فتأمل. ويؤيد ذلك، جري العقلاء وسيرتهم القضائية القائمة على جعل إدارة العملية القضائية، ومن ذلك طلب الشهود والبيِّنات، بيد القاضي. إن قلت: إن جعل المسألة بيد القاضي قد يفوّت غرض المدَّعي، فإن القاضي قد يبادر إلى تحليف المنكر مع كون المدَّعي راجياً ومتوقعاً وجود شهود أو ارتداع المنكر عن إنكاره، أو طي الدَّعوى بالصلح أو نحو ذلك. قلت: إنه بتقديم الدَّعوى، تغدو القضية في يد القاضي الذي يُلزم بالتصرف وفق قوانين القضاء، وأما الأغراض المتقدمة للمدَّعي فيمكن تحقيقها بالتشاور مع القاضي والتفاهم معه، فيطلب المدَّعي منه ــ مثلاً ــ تأجيل الجلسة توقعاً لحصول الشهود،وعليه الاستجابة لذلك. 3- صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله(ع): «إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقّه فاستحلفه، فحلف أن لا حق له قبله، ذهبت اليمين بحقِّ المدَّعي، «فلا دعوى له: قلت له: وإن كان له بيِّنة عادلة؟ قال: نعم، فإن أقام بعدما استحلفه بالله خمسين قسامة ما كان له، وكانت اليمين قد أبطلت كل ما ادّعاه قبله مما قد استحلفه عليه"([375]). وتقريب الاستدلال: أن المستفاد منها كون الاستحلاف حقاً للمدعي، وأن رضاه بيمين المنكر شرط في قبولها. ويمكن المناقشة في ذلك: بأن الرواية في صدد بيان حكم آخر، وهو أن يميكن المنكر إذا أدّاها تذهب بحقِّ المدَّعي، وليست في مقام بيان اشتراط إذن المدَّعي في نفوذ استحلاف الحاكم للمنكر. إلا أن يقال: ظاهر الحديث، أنه إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر فاستحلفه فحلف، فلا حقَّ له عليه بعد ذلك، وهذا معناه ــ بمقتضى مفهوم الشرط ــ أنه إذا لم يرض باليمين، فلا يترتَّب عليه أثر، وأما قضيَّة سقوط حقه، فهي من آثار اليمين ونتائجها. وفيه: أنه لو سلَّمنا بذلك، فيمكن القول: إن الرواية واردة في مقام بيان رضى المدَّعي في مقابل رفضه وعدم رضاه، فإن رضي بيمين المنكر واستحلفه سقط حقه، وأما لو لم يرض بها، طالباً تجميد الدَّعوى، آملاً في تحصيل البيِّنة أو مجيئها أو اقتناعها بالشهادة، فلا يحق للحاكم استحلافه، وهذا لا يعني أنه ليس من حق الحاكم استحلاف المنكر في صورة ما لو رفع المدَّعي الدَّعوى ولم يبد اعتراضاً أو رفضاً ــ أثناء سير العملية القضائية ــ على إحلاف المنكر ولم يطلب تأجيل ذلك، بل إنَّ للحاكم، باعتبار أن إدارة العملية القضائية من شؤونه، طلب البيِّنة من المدَّعي واليمين من المنكر، ولا يلزمه استئذان المدَّعي في تحليف المنكر، فحق المدَّعي في تجميد الدَّعوى أو رفضها شيء، ولزوم استئذانه من قبل الحاكم شيء آخر. 4- خبر خضر النخعي قال: قال أحدهما(ع) "في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده؟ قال: فإن استحلفه فليس له أن يأخذ شيئاً، وإن تركه ولم يستحلفه، فهو على حقه"([376]). ويلاحظ عليه: ــ مضافاً إلى عدم تماميته سنداً ــ ما لوحظ به على الخبر السابق، من كطونه بصدد بيان حكم آخر، وهو إسقاط اليمين لحق المدَّعي، ويضاف إلى ذلك: بأن قوله: "فإن استحلفه"، كما لا يعني أن ن حقه الاستقلال في استحلافه بعيداً عن إذن الحاكم، كذلك لا يعني نفي سلطة الحاكم على استحلافه في حالة عدم رفض المدَّعي للاستحلاف ولا طلبه تجميد الدعوى. 5- خبر عبد الله بن وضاح قال: "كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة فخانني بألف درهم، فقدّمته إلى الوالي، فأحلفته فحلف، وقد علمت أنه حلف يميناً فاجرةً، فوقع له بعد ذلك عندي أرباح ودراهم كثيرة، فأردت أن أقتصّ الألف درهم التي كانت لي عنده وأحلف عليها، فكتبت إلي أبي الحسن(ع) فأخبرته أني قد أحلفته فحلف، وقد وقع له عندي مال، فان أمرتني أن آخذ منه الألف درهم التي حلف عليها فعلت، فكتب: لا تأخذ منه شيئاً، إن كان ظلمك فلا تظلمه، ولولا أنك رضيت بيمينه فحلّفته، لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك، ولكنك رضيت بيمينه، وقد ذهبت اليمين بما فيها، فلم آخذ منه شيئاً، وانتهيت إلى كتاب أبي الحسن(ع)"([377]). ومحلُّ الشاهد قوله(ع): "ولولا أنك رضيت بيمينه فحلّفته، لأمرتك أن تأخذه"، حيث علّق الأمر على رضاه بيمين الآخر، ما يعني أن تحليفه حق له. ويلاحظ عليه: مضافاً إلى ضعف السند، أنه لا دلالة فيه على المطلوب، وإنما غايته: أن رضاه بيمينه أسقط حقه في الدعوى، لكن هذا لا يعني أن تحليفه حق حصري للمدَّعي. 6- صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(ع): "في الرجل يدَّعي ولا بيِّنة له قال: يستحلفه، فإن ردّ اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له"([378]). ويلاحظ عليها بما لوحظ على سابقتها، مع احتمال أن يكون فاعل "يستحلفه" هو الحاكم. 7- صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله(ع): "في الرجل يدعى عليه الحق، ولا بيِّنة للمدعي؟ قال: يستحلف، أو يردُّ اليمين على صاحب الحق، فان لم يفعل فلا حق له"([379]). لكن الاستدلال بها غير تام، سواء تمت قراءة فِعْليْ "يستحلف" و"يردّ" بالمبني للمجهول أو للمعلوم، أما على الأول فواضح، وأما على الثاني، فلاحتمال رجوع الضمير إلى الحاكم كما ذكرنا في الحديث السابق. الصورة الثالثة: أن يبادر المدَّعي إلى إحلاف المنكر دون استئذان من الحاكم، وقد أفيد أنه لا بد من استئذان الحاكم حتى على القول بأن الحلف حقٌّ للمدَّعي، بل نفى السيد عنه الخلاف أولاً، ثم ادعى الإجماع([380]). ويمكن الاستدلال لذلك بأمور: أولاً: بأصالة عدم ترتب الأثر على اليمين الواقع دون إذن الحاكم. وفيه: أنه لا مجال للرجوع إلى الأصل العملي مع وجود الدليل الاجتهادي الآتي. ثانياً: أن المعهود المنصرف إليه الإخبار هو وقوع الحلف بإذن الحاكم، على اعتبار أن ذلك من شؤون العملية القضائية. ثالثاً: بالإخبار، ومنها صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد الله(ع) قال: "في كتاب علي(ع) أنّ نبياً من الأنبياء شكا إلى ربه، فقال: يا رب كيف أقضي فيما لم أرَ ولم أشهد؟ قال: فأوحى الله إليه: "أحكم بينهم بكتابي وأضفهم إلى اسمي فحِّلفهم به وقال: هذا لمن لم تقم له بينة"([381]). ونحوها خبر محمد بن قيس([382]) ومرسل أبان بن عثمان([383]). فإن الظاهر من قوله: "وأضفهم إلى اسمي"، أنّ مهمة الإحلاف هي بيد الحاكم، بعد إلغاء خصوصية النبي في الرواية وحملها على مطلق القاضي، كما هو ظاهر استشهاد الإمام الصادق(ع) بها ونقلها في كتاب علي(ع). وخلاصة القول: إن الأقرب إلى الصواب في هذه المسألة، أنه وبعد تقديم الدَّعوى ورفعها إلى الحاكم، تكون إدارة العملية القضائية بيده وحده، فله أن يطالب المدَّعي بالبيِّنة إن وجدت، وإلاّ فله مطالبة المنكر باليمين من دون استئذان المدَّعي، وإن كان للمدَّعي حق تجميد الدَّعوى وإيقافها قبل صدور الحكم من القاضي. جواب المنكر: لو لم يكن للمدَّعي بيِّنة، وأحلف الحاكم المنكر أو استحلفه المدعي، فإمّا أن يحلف المنكر، أو يردَّ اليمين على المدَّعي، أو ينكل، ولكلّ صورة أحكامها وتفاصيلها نأتي عليها تباعاً إن شاء الله تعالى. ذهاب اليمين بحقِّ المدَّعي: إذا حلف المنكر على بطلان دعوى المدَّعي، فلا ريب في البطلان الدَّعوى وسقوطها في ظاهر الشَّرع، لكن لا يبرأ المنكر من الحق لو كان كاذباً، فيجب عليه التخلّص من حق المدعي، وليس للمدَّعي بعد الحلف المطالبة بحقه ولا مقاصته به، ولا يجوز له رفع الدَّعوى مجدداً إلى المحاكم الشرعية، ولو رفعها فلا تسمع، واستدلَّ لذلك: أولاً: بالإجماع ولكن الظاهر أنه ليس تعبدياً، بل مدركه الروايات الآتية. ثانياً: بالأخبار المستفيضة: 1- منها صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله(ع): "إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقِّه فاستحلفه، فحلف أن لا حقّ له قبله، ذهبت اليمين بحقّ المدَّعي، فلا دعوى له. قلت له: وإن كانت عليه بيِّنة عادلة؟ قال: نعم، وإن قام بعد ما استحلفه خمسين قسامة ما كان له، وكان اليمين قد أبطلت كلَّ ما أدَّعاه قبله مما قد استحلفه عليه". روى ذلك الكليني، وروى الصدوق مثله وزاد: قال رسول الله(ص) "من حلف لكم فصدقوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ذهبت اليمين بدعوى المدَّعي ولا دعوى له"([384]). ظاهر الرواية، أنَّ يمين المنكر تحسم القضية وتبطل حقَّ المدَّعي في رفع الدَّعوى مجدداً، وقد ركّز الإمام هذا الحكم على أساس القاعدة العامة الواردة في كلام رسول الله(ص) مما جاء في ذيل الرواية. 2- ومنها: خبر خضر بن عمرو النخعي قال: "قال أحدهما(ع): في الرجل يكون له على الرجل المال فيجحده؟ قال: فإن استحلفه فليس له أن يأخذ شيئاً، وإن تركه ولم يستحلفه، فهو على حقه"([385]). 3- ومنها: عن عبد الرحمن بن أبي عبد الله، قال: "قلت للشيخ ــ يعني موسى بن جعفر(ع) ــ أخبرني عن الرجل يدَّعي قٍبل الرجل الحق فلا يكون له بيِّنة بماله؟ قال: فيمين المدَّعى عليه، فإن حلف فلا حق له، وإن ردَّ اليمين على المدَّعي فلم يحلف فلا حق له"([386]). 4- ومنها: مرسلة إبراهيم بن عبد الحميد، عن بعض أصحابنا: "في الرجل يكون له على الرجل المال، فيجحده إياه، فيحلف يمين صبر أن ليس له عليه شيء؟ قال: ليس له أن يطلب منه، وكذلك إن احتسبه عند الله فليس له أن يطلبه منه"([387]). 5- صحيحة سليمان بن خالد قال: "سألت أبا عبد الله(ع) عن رجل وقع لي عنده، مال فكابرني عليه وحلف، ثم وقع له عندي مال، آخذه لمكان مالي الذي أخذه، وأجحده وأحلف عليه كما صنع؟ قال: إن خانك فلا تخنه ولا تدخل فيما عتبه عليه"([388]). وتقريب الاستدلال: أن المستفاد منها ضرورة التزام المدَّعي بيمين المنكر، ما دام قد رضي بها، وليس له أن يأخذ شيئاً مقابل ماله الذي أخذه المنكر ومن ثم يحلف كاذباً على أنه لم يأخذه. إلا أن يقال: إن الرواية ليست ظاهرةً فيما نحن فيه، وإنما هي في مقام البيان من جهة أخرى، وهي عدم جواز مقابلة الخيانة والجحود والحلف بالله كاذباً بمثلها، ولا دلالة فيها على عدم جواز مطالبته بحقه أو رفع الدَّعوى مجدداً أو مقاصته بالحق. 6- خبر عبد الله بن وضاح قال: "كانت بيني وبين رجل من اليهود معاملة فخانني بألف درهم، فقدّمته إلى الوالي، فأحلفته فحلف، وقد علمت أنه حلف يميناً فاجرةً، فوقع له بعد ذلك عندي أرباح ودراهم كثيرة، فأردت أن أقتصّ الألف درهم التي كانت لي عنده وأحلف عليها، فكتبت إلي أبي الحسن(ع) فأخبرته أني قد أحلفته فحلف، وقد وقع له عندي مال، فان أمرتني أن آخذ منه الألف درهم التي حلف عليها فعلت، فكتب: لا تأخذ منه شيئاً، إن كان ظلمك فلا تظلمه، ولولا أنك رضيت بيمينه فحلّفته، لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك، ولكنك رضيت بيمينه، وقد ذهبت اليمين بما فيها، فلم آخذ منه شيئاً، وانتهيت إلى كتاب أبي الحسن(ع)"([389]). وهذه الرواية، مع صرف النظر عن سندها، واضحة الدلالة على المطلوب، فتصلح، وكذا ما سبقها، لتأييد صحيحة ابن أبي يعفور المتقدمة. رواية معارضة: وفي المقابل، فإنَّ هناك روايةً قد يدَّعى أنها معارضة للروايات السابقة، وهي ما ورد بسند تام إلى أبي بكر (الحضرمي)، قال: "قلت له: رجلٌ لي عليه دراهم، فجحدني وحلف عليها، أيجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقي؟ قال: فقال: نعم، ولكن لهذا كلام، قلت: وما هو؟ قال: تقول: اللهم إني لا آخذه ظلماً ولا خيانةً، وإنما أخذته مكان مالي الذي أخذ مني لم أزدد عليه شيئاً"([390]). وفي مقام الجمع بينها وبين الروايات السابقة، قد يطرح وجهان: الأوَّل: ما ذكره الحر العاملي، من حمل رواية أبي بكر على صورة ما إذا حلف المنكر دون أن يستحلف من المدعي([391]). ويمكن توجهيه: بأنَّ رواية أبي بكر مطلقة، دالة على جواز المقاصَّة، سوء حلف المنكر من تلقاء نفسه أو لاستحلاف المدَّعي إياه، بينما صحيحة ابن أبي يعفور ظاهرة في سقوط حق المدَّعي في خصوص صوره استحلافه للمنكر، فيقيّد إطلاق تلك بهذه، وتكون النتيجة أنَّ الذي يُسقط حق المدَّعي إنما هو استحلافه للمنكر، لا مجرد حلف المنكر من دون استحلاف. الثاني: أن هناك روايةً أخرى لأبي بكر تشتمل على المضمون الآنف نفسه، لكن لم يرد فيها حديث عن الحلف ــ حلف المنكر ــ إطلاقاً، فإذا استظهرنا وحدة الروايتين، واحتملنا زيادة كلمة الحلف اشتباهاً في إحداهما، فتكون النتيجة ارتفاع التنافي والتعارض من رأس. والرواية المذكورة هي ما رواه المحمدون الثلاثة([392]) بأسانيدهم إلى أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد الله(ع): قال: "رجل كان له على رجل مال فجحده إياه وذهب به، ثم صار بعد ذلك للرجل الذي ذهب بماله مال قبله، أيأخذه مكان ماله الذي ذهب به منه ذلك الرجل؟ قال: نعم، ولكن لهذا كلام، يقول: اللهم إني آخذ هذا المال مكان مالي الذي أخذه مني، وإني لم آخذ الذي أخذته خيانةً ولا ظلماً". إلا أن يقال: إن استظهار وحدة الروايتين، وإن لم يكن مستبعداً بسبب وحدة الراوي لهما ووحدة مضمونها أيضاً، لكن احتمال زيادة كلمة الحلف يدفعه أصالة عدم الزيادة والاشتباه. فروع ترتبط بالمقام: الفرع الأوَّل: عدم اختصاص الحكم بباب القضاء. إن ذهاب اليمين بحق المدَّعي لا ريب فيه على نحو الإجمال، للروايات الآنفة، بيد أن الكلام في أنَّ ذلك هل هو مختصُّ بباب القضاء، أو يشمل اليمين التي يحلفها المنكر للمدَّعي فيما بينه وبينه؟ وعلى الأوَّل، فهل أن سقوط حقه باليمين موقوف على صدور الحكم من القاضي وفق اليمين، أو لا يتوقف على ذلك، بل يكفي لسقوط الحق أن يتم الحلف بطلبه ولو تأخَّر إصدار الحكم لسبب ولآخر؟ ظاهر الروايات المتقدِّمة، أن المسألة دائرة مدار اليمين لا مدار الحكم، إلاّ أن قوله(ع) في صحيحة ابن أبي يعفور عن أبي عبد الله(ع): "إذا رضي صاحب الحق بيمين المنكر لحقِّه فاستحلفه، فحلف أن لا حقّ له قبله، ذهبت اليمين بحقّ المدَّعي..."، ظاهر في الأساس في سقوط حق المدَّعي هو رضاه بيمين المنكر، سواء تمّ الحلف عند القاضي أم لا. نعم، إذا لم يرض بيمينه وتبرع المنكر بالحلف من تلقاء نفسه فلا قيمة لخلف. والظَّاهر أنه يكفينا التمسك بإطلاق الصحيحة لإثبات عدم الحاجة إلى حصول الحلف أمام القاضي وطلبه ذلك، فضلاً عن عدم الحاجة إلى حكمه، والكلام بعينه يجري في سائر الروايات المتقدمة. ولا ينافي ذلك ما تقدم من أنه لا يحقُّ للمدَّعي المبادرة إلى إحلاف المنكر دون استئذان الحاكم، على اعتبار أن ذلك ناظر إلى صورة ما لو تمّ رفع الدَّعوى إلى القاضي. لكن يمكن أن يقال: إنَّ الروايات المتقدمة ناظرة أو منصرفة إلى صورة التقاضي وصدور الحكم من القاضي عقيب اليمين، ولا أقل من الشك في الإطلاق المذكور. هذا ما تقتضيه الصناعة، وإن كان الاحتياط يقتضي تعميم الحكم والالتزام بذهاب اليمين بحقِّ المدَّعي، سواء حكم القاضي على وفق اليمين أو لم يحكم مؤجلاً ذلك إلى إشعار آخر، وسواء استحلفه المدَّعي بعد المرافعة إلى الحاكم أو قبلها، أو استحلفه دون أن تحصل مرافعة من الأساس، وقد يترقَّى الفقيه عن الاحتياط المذكور، بل يمكن أن يستقرب التعميم لأمرين: الأوَّل: إنّ الأساس في حجّية اليمين لإثبات الحق هو حجيتها في ذاتها، والحاكم إنما يقضي بما هو حجةٌ في نفسه، فإذا أخذ أحد الخصمين بهذه الحجَّة، أمكنه ترتيب الآثار عليها، فتأمل. الثاني: أنه في خبر عبد الله بن وضَّاح المتقدم، حكم الإمام(ع) بترتيب الآثار على اليمين، وأنها تسقط حقَّ المدعي، على الرغم من أنها لم تحصل عند الحاكم الشرعي، بل عند الوالي الجائر الذي يكون وجوده كعدمه، لأنه لا حجية لحكمه. الفرع الثاني: عموم الحكم للدعاوى المالية وغيرها. إن متعلق الدَّعوى تارةً يكون مالاً، عيناً أو ديناً، وأخر يكون أمراً غير مالي، كدعوى عقد أو إيقاع. فإذا استُحلَفَ المنكر فحلف، وكانت الدَّعوى مالاً، سقط حق المدَّعي ظاهراً ولم تسمع دعواه مجدداً، من دون فرق بين كون الحق عيناً أو ديناً، فلو ادَّعى عليه عيناً هي في يده ــ يد المدَّعي ــ ولم يكن له بينة، فاستحلفه فحلف المنكر، لم يجز للمدعي بعد الحلف التصرف في تلك العين ببيع أو هبة أو وقف أو غير ذلك، تمسّكاً بإطلاق الروايات المتقدِّمة القائلة: "ذهبت اليمين بحق المدَّعي". ودعوى اختصاصها بالدَّين، مدفوعةٌ ولا شاهد عليها. لكن ذلك لا يعني أنَّ للحالف أن يتصرف في العين مع علمه بعدم استحقاقه لها، لأن اليمين وإن أسقطت حق المدَّعي، لكنها لا تغيّر الواقع عما هو عليه، لقوله(ص) ــ فيما ورد في صحيح هشام بن الحكم عن الإمام الصادق(ع) ــ: "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ وَبَعْضُكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَيُّمَا رَجُلٍ قَطَعْتُ لَهُ مِنْ مَالِ أَخِيهِ شَيْئاً فَإِنَّمَا قَطَعْتُ لَهُ بِهِ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ"([393]). هذا كله لو كانت الدَّعوى مالية، أما دعوى غير المال، كالعقود والإيقاعات غير المتعلقة بالمال، وليس الغرض من النزاع فيها هو المال، فهل يسقط حق المدَّعي فيها بيمين المنكر، فلا تسمع دعواه بعد ذلك ولو أقام البينة؟ استشكل بعض الفقهاء([394]) في سقوطه،، على اعتبار أن ظاهر الروايات المتقدمة هو الدَّعاوى المالية، أو التي يكون الغرض من النزاع فيها هو المال، بل إن بعضها صريحٌ بذلك، كما يلاحظ في خبر خضر، ومرسل إبراهيم بن عبد الحميد. لكن قد يقال: إنه لا خصوصية للمال وإن كان مورد الروايات، لأن المستفاد منها، أنَّ سقوط حق المدَّعي هو بسبب رضاه باليمين، وهذا لا يفرّق فيه بين الدعاوى المالية أو غيرها. الفرع الثالث: عموم الحكم لصورٍ أخرى. اختار الشيخ الطوسي في موضع من المبسوط([395])، التفصيل بين ما لو كان للمدَّعي بيِّنة وأقامها بعد حلف المنكر فتسمع دعواه مجدَّداً، وبين ما لو لم يكن له بيِّنة فلا يصغى إليه. ويرد عليه: أن مقتضى إطلاق الأخبار المتقدِّمة، عدم الإصغاء إليه في الصورتين، بل إن ذلك هو صريح صحيحة ابن أبي يعفور، فقد داء فيها: "فإن أقام بعدما استحلفه بالله خمسين قسامة ما كان له حق، وكانت اليمين قد أبطلت كل ما ادّعاه قبله مما قد استحلفه عليه". وذهب المفيد والديلمي والقاضي وابن حمزة، إلى أن اليمين إنما تُسقط حق المدَّعي إذا اشترط الحالف سقوطه باليمين، وإلا فلا يسقط الحق([396]). ويردُّه: أنه خلاف الروايات المتقدِّمة الظاهرة في سقوط الحق بيمين المنكر، سواء اشترط السقوط أو لم يشترط. وعن جماعة من الفقهاء([397]) التفصيل بين ما لو كان إحلافه للمنكر لعدم علمه بالبيِّنة، أو نسيانه لها فله الحق في إعادة رفع الدعوى، وبين ما لو كان إحلافه له ورضاه بيمينه مطلقاً فلا تسمع دعواه. وهذا التفصيل أيضاً مردود لكونه خلاف إطلاق الروايات المتقدمة. الفرع الرابع: (تعميمٌ آخر). قال السيِّد (رحمه الله): "ثمَّ لا فرق ــ في سقوط الحق باليمين ــ بين كون الحالف معتقداً كونه على خلاف الواقع، وكونه متعمداً في الكذب، كما لا فرق بين كون المستحلف المالك أو وكيله أو وليّه، ويجوز للموكل والمولّى عليه ترتيب آثار الملكية في المحلوف عليه، ووارث المدَّعي كنفسه في عدم جواز المطالبة والمقاصَّة، كما أن وارث الحالف كنفسه في وجوب التخلص عن حق المدَّعي إذا علم بكذبه في الحلف"([398]). والوجه في التعميم المذكور هو إطلاق الروايات المتقدمة. الفرع الخامس: للحاكم نقض الحكم إذا تبين له الكذب. إذا تبيّن للحاكم كون الحلف كذباً، فالظاهر أنه يجوز له نقض الحكم، وإذا فعل جاز للمدَّعي المطالبة والمقاصَّة وغيرهما من آثار كونه محقاً، والوجه في جواز النقض واضح، لأن الحكم كان على أساس الحجَّة، وهي الحلف، فإذا علم بكذبه، فلا بدّ من نقضه لمخالفته للواقع قطعاً، وما دلَّ على حرمة نقض الحكم منصرف أو لا شمول له لهذه الصورة، كما سلف في الجزء الأول من هذا الكتاب. الفرع السادس: شراء العين من الحالف كذباً. قال السيد اليزدي(قده): "يجوز للمدَّعي شراء العين المحلوف عليها من الحالف والتصرف فيها بعده ــ أي بعد الشراء ــ في ظاهر الشرع، وإن كان الشراء باطلاً، لأن المفروض أنها باقية على ملكه، وكذا يجوز له اتهابها منه، بل الظاهر جواز التصرف فيها بإذنه ورضاه، وإن كان إذنه بعنوان أنها له، وهكذا نحو ذلك مما لا يعدّ معارضةً له"([399]). أقول: ما أفاده تام، لأن العين ملك المدَّعي، والحلف لا يخرجها عن ملكه ولا يغيّر الواقع، لذا، فكلُّ تصرف في العين لا يعدُّ معارضةً للمنكر ــ كالشراء أو الاتهاب منه أو التصرف فيها بإذنه ــ جائز ولا ريب فيه، أما التصرف فيها بما يعدّ معارضةً للمنكر، كأن يقوم المدَّعي ببيعها أو هبتها من غير المنكر أو نحو ذلك فهو غير جائز، لأن ذلك خلاف ما ثبت في ظاهر الشرع من الحكم وفق اليمين، وأنها تُسقط حقَّ المدَّعي في الظاهر، وإن كان حقه ثابتاً في الواقع. يمين المدَّعي: إذا ردّ المنكر اليمين على المدَّعي وحلف، فهل أن يمينه تسقط حق المنكر فلا يجوز له المطالبة والمقاصَّة كما هو الحال في يمين المنكر التي عرفت أنها تذهب بحق المدعي؟ في المسألة وجهان: الأول: أنَّ اليمين مردودة على المدَّعي لا تلحق بيمين المنكر، وذلك لاختصاص الأخبار بحلف المنكر. والثاني: إلحاقها بها، وذلك لظهور الأخبار في كون سقوط الحق لأجل الرضا باليمين، والرضا موجود في اليمين المردودة كاليمين الأصلية، وهذا هو الأقرب. اعتراف الحالف بالحق: عرفت أن المنكر إذا حلف سقط حقُّ المدَّعي بذلك وذهبت اليمين به، لكن السؤال: ماذا لو أكذب الحالف نفسه واعترف أن الحق للمدَّعي، إما لتوبته، أو لتنبهه بعد الحلف أن الحق ليس له، أو لغير ذلك من الأسباب؟ الظاهر أنه لا خلاف في أنه يجوز للمدَّعي في هذه الحالة المطالبة بحقه أو المقاصَّة به أو التصرف فيه وغير ذلك من آثار الملكية، والوجه في ذلك: أولاً: انصراف الأخبار الدَّالة على سقوط حق بالحلف عن مثل المورد، لأنَّ موردها ومنصرفها هو صورة ما إذا حلف المنكر وبقي مستمراً على حلفه دون تراجع. ثانياً: قاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، فإن الإنكار بعد الإقرار وإن لم يكن مقبولاً، ولكن الإقرار بعد الإنكار ــ كما هو الحال في المقام ــ مقبول. ثالثاً: ثمة رواية خاصة تدل على المطلوب، وهي ما رواه الصدوق والشيخ بإسنادهما عن مسمع أبي سيار قال: "قلت لأبي عبد الله(ع): إني كنت استودعت رجلاً مالاً فجحدنيه وحلف لي عليه، ثم جاء بعد ذلك بسنين بالمال الذي كنت استودعته إياه، فقال: هذا مالك فخذه، وهذه أربعة آلاف درهم ربحتها في مالك فهي لك مع مالك، واجعلني في حل، فأخذت المال منه وأبيت أن آخذ الربح وأوقفت المال الذي كنت استودعته، وأتيت حتى أستطلع رأيك، فما ترى؟ قال: فقال(ع): خذ الربح وأعطه النصف وأحلّه، إن هذا رجل تائب والله يحبُّ التوابين"([400]). دلَّت هذه الرواية على جواز أخذ الحق من المنكر بعد اعترافه، رغم أنه جحده في بداية الأمر وحلف عليه، ونلاحظ أنَّ الراوي فرض جواز أخذ الحق مفروغاً منه، ولذا كان سؤال عن ربح المال. نعم، وقع التحفّظ والسؤال عن وجه حكمه(ع) في الرواية بإعطاء نصف الربح للجاحد، مع أن الربح تابعٌ لرأس المال؟ إنّ ذلك خلاف القاعدة، ولذا حمله السيد اليزدي(رحمه الله) على الاستحباب لا الوجوب([401])، ويؤيد الحمل على الاستحباب، تعليله(ع) لرد نصف الربح إلى المنكر، بأنه رجل تائب والله يحبّ التوابين، فكأنه(ع) يحثّ صاحب الحق على تحليل تغريمه من نصف الربح، إكراماً له على توبته واستغفاره. هذا، ولكنّ السيد اليزدي(رحمه الله)، وبعد حمل ذلك على الاستحباب، عقّب بالقول: "وإن كان يظهر من الرضوي(ع) ذلك"([402]). أي الوجوب، حيث إنّ فيه: "إذا أعطيت رجلاً مالاً فجحدك وحلف عليه، ثم أتاك بالمال بعد مدة وبما ربح فيه، وندم على ما كان منه/ فخذ منه رأس مالك ونصف الربح، وردَّ عليه نصف الربح، هذا رجل تائب"([403]). ويلاحظ عليه: أولاً: إنَّ الفقه الرضوي لم يثبت كونه تأليفاً أو روايةً عن الإمام الرضا(ع)، فلا يمكن الاحتجاج به. ثانياً: وعلى فرض كونه روايةً، فإن ما ورد فيها هو نفس ما ورد في رواية مسمع السابقة، فلا موجب لاستظهار الوجوب من هذه دون تلك، بل كما أن الاستحباب هو الظاهر من رواية مسمع بقرينة التعليل، كذلك الحال فيما جاء في الفقه الرَّضوي. هل اليمين حكمْ أو حق؟: هل اليمين حقٌّ للمدَّعي على المنكر، أو أنها حكم شرعي؟ والثمرة في ذلك تظهر في جواز إسقاطها والإبراء منها وعدمه، فلو قيل إنها حكمٌ، لم يملك المدَّعي إبراء المنكر منها أو إسقاطها، وأمّا إذا قيل إنها حق للمدَّعي على المنكر، جاز له الإسقاط أو الإبراء. ثم إذا تمّ الإبراء أو الإسقاط، فهل يجوز للحاكم أن يحكم ببراءته من الحق؟ ومن جهة ثالثة: هل يجوز للمدَّعي بعد ذلك استئناف الدعوى؟ أمّا بالنسبة إلى السؤال الأول: فقد أفاد الفقهاء أنّ اليمين حقٌّ للمدَّعي على المنكر، ولكن قد سلف منا مناقشة هذا الكلام، فلم يثبت عندنا أنها من حقوق المدَّي على المنكر، بحيث يكون للمدَّعي استحلافه ولو من دون إذن الحاكم، أو أن يُمنع الحاكم من استحلافه دون إذن المدعي، أو ينفرد المدَّعي بإسقاط اليمين عن المنكر؛ إن ذلك كله لم يثبت، بل إنّ الظاهر من قوله: "إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان"، أن إدارة العملية القضائية على أساس البينات والأيمان هي بيد الحاكم. وأما السؤال الثاني: فقد أجيب عنه: بأنه إذا أسقط المدّعي اليمين عن المنكر، فعلى الحاكم أن يحكم ببراءة الأخير من الحق كما لو حلف([404]). ويلاحظ عليه: بعد التسليم يكون اليمين حقاً للمدعي على المنكر ــ: أن ظاهر قوله(ع): "إنّما أقضي بينكم بالبينات والأيمان"، أنه ليس للقاضي أن يحكم إلا بحجة، والحجة أحد أمرين: البيِّنة، واليمين، والمفروض أن البيِّنة غير متوفرة، واليمين قد تم إسقاطها أو الإبراء منها، فلا وجه لحكم القاضي بالبراءة في المقام([405]). وأمّا السؤال الثالث: فقد أفاد السيد اليزدي([406]) في الإجابة عنه بأنه إذا أسقط المدَّعي اليمين عن المنكر، وحكم القاضي ببراءته من الحق، فليس للمدعي بعد ذلك استئناف الدَّعوى والمطالبة بتحليفه مجدداً. نعم، لو كان له بيِّنة تسمع دعواه. وفي المقابل، فقد ذهب العلامة الحلي في القواعد والتحرير([407])، والمحقق النراقي في المستند([408])، إلى جواز استئناف الدعوى، لأن الحق الواقعي على فرضه، لا يسقط بهذا الإبراء أو الإسقاط، ولذا فمن حقه استئناف الدَّعوى والمطالبة بالحلف، لأن هذه دعوى مغايرة للتي أبرأه من اليمين فيها. وأجيب عليه: بأنَّ الحق وإن كان لا يسقط بهذا الإسقاط واقعاً، ولكنه يسقط في مقام الظاهر، كما لو حلف المنكر، فإنَّ الحق الواقعي لا يسقط، لكن يحكم بسقوطه في ظاهر الشرع، وكما لا يجوز استئناف الدَّعوى بعد الحلف، كذلك لا يجوز استئنافها بعد ما هو بمنزلته، وهو الإبراء أو الإسقاط([409]). وهذا الكلام تام، ولكنهم من متفرّعات المبنى المتقدم في كون اليمين حقاً للمدعي على المنكر، وقد عرفت ملاحظتنا عليه. حلف المنكر والحاجة إلى حكم القاضي: هل إنَّ حلف اليمين من المنكر بأمر الحاكم وإذنه كافٍ في سقوط الدَّعوى ولو لم يتعقّبه حكم الحاكم، أو يحتاج إلى حكمه بالبراءة وإلا لم تسقط الدعوى؟ ظاهر كلمات الفقهاء، كما نُسب إليهم([410])، أن حلف المنكر غير كاف في سقوط الدعوى، بل لا بد من أن ينضم إليه حكم القاضي بالبراءة، فلو حلف المنكر على النفي بأمر الحاكم، ثم مات الأخير قبل إصدار الحكم، أو أخّر إصداره لعذر معين، فلا تسقط الدعوى، وبذلك يكون حال اليمين كحال البيِّنة، فإنها لا تكفي في إثبات الحق وإسقاط الدَّعوى ما لم يحكم القاضي على طبقها. وفي المقابل، قد يقال([411]): بأن لليمين خصوصيةً تقتضي كونها موجبةً للبراءة وعدم جواز الدَّعوى بعدها، غاية الأمر أنَّ اللازم وقوعها بأمر القاضي لا بمجرد طلب المدعي، وبهذا تفترق اليمين عن البينة. ويمكن استفادة الخصوصية المذكورة لليمين من النصوص المتقدمة التي نصّت على إذهابها حقَّ المدعي، كما في قوله(ع) في خبر عبد الله بن وضاح: "ولولا أنك رضيت بيمينه فحلّفته، لأمرتك أن تأخذ من تحت يدك، ولكنك رضيت بيمينه، وقد ذهبت اليمين بما فيها"([412])، وغيرها من الروايات الظاهرة في سقوط حقِّ المدَّعي بمجرد وقوع اليمين. ويضيف السيد اليزدي(رحمه الله)، بأنك عرفت سابقاً احتمال كون الإقرار من المنكر كذلك، أي لا يحتاج معه إلى إنشاء الحكم من القاضي، فلو مات القاضي بعد الإقرار أمامه وقبل الحكم، كفى ذلك في ثبوت الحق، وهذا بخلاف البيِّنة، ثم ترقّى (رحمه الله) قائلاً: "وقد يحتمل كفاية الثبوت حتى في البينة وعدم الحاجة إلى إنشاء الحكم من الحاكم، وكون المراد من الحكم هو الثبوت عنده ويكفي إخباره به"، وختم بالقول: "والإنصاف أنه ليس كل البعيد إن لم يكن الإجماع على خلافه"([413]). وبناءً على ما ذكره واحتمله، لا يبقى في كلِّ وسائل الإثبات حاجةٌ إلى حكم الحاكم، ولا مدخلية له في ترتيب الآثار، وإنما يكون دوره تنظيمياً إدارياً، فهو يأذن لها بإبداء البيِّنة وتقديمها، ولذاك بأداء اليمين أو الإقرار، وللمناقشة فيما أفاده (رحمه الله) مجال واسع: أولاً: إن ما ذكره بشأن وجود خصوصية لليمين تقتضي الاكتفاء بها في سقوط الحق، مستظهراً ذلك من الروايات، غير تام، لأن الروايات المذكورة ليست بصدد البيان من هذه الجهة، وإنما هي واردة في مقام بيان حجية اليمين ــ ظاهراً ــ في ترتيب الآثار، وأن الواقع المخالف ــ بنظر المدَّعي ــ لما قامت عليه اليمين ولا يعوّل عليه، كما هو الحال في البيِّنة، فإنَّ ترتيب الآثار يكون على قيامها ولو كانت مخطئةً ومخالفةً للواقع بنظر المنكر. وإن لم يكن ما قلناه هو ظاهر الأخبار ومنصرفها، فلا أقل من احتمال بما يمنع انعقاد الإطلاق فيها، لاحتفافها بما يصلح للقرينيّة. ثانياً: إن قوله(ص): "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ"([414])، ظاهر في أن ترتيب الآثار موقوف على القضاء والحكم وفق البيِّنة أو اليمين، لا عليهما مجرداً من الحكم. ثالثاً: إن لازم ما ذكره انتفاء الحاجة إلى حكم الحاكم مطلقاً، لأنه إذا كانت البيِّنة أو اليمين أو الإقرار تثبت متعلقاتها مباشرةً دون حاجة لحكم القاضي، فيكون ضمُّ حكمه إليها من قبيل ضمِّن الحجر إلى جنب الإنسان. وإلى ما ذكرناه أشار في الجواهر قائلاً: "ثم إنه قد يتوهَّم من ظاهر النصوص، سقوط الدَّعوى بمجرد حصول اليمين من المنكر، من غير حاجة إلى إنشاء حكمٍ من الحاكم بذلك، لكن التحقيق خلافه، ضرورة كون المراد من هذه النصوص وما شابهها تعليم ما به يحكم الحاكم، وإلاّ فلا بدّ من القضاء والفصل بعد ذلك، كما أومأ إليه بقوله(ص): "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ" بل لو أخذ بظاهر هذه النصوص وشبهها، لم يحتج إلى إنشاء الحكومة من الحاكم مطلقاً، ضرورة ظهورها في سقوط دعوى المدَّعي وثبوت الحق بالبيِّنة ونحوها، فتأمَّل جيداً"([415]). ردُّ اليمين على المدَّعي: يحقُّ للمنكر الامتناع عن الحلف وردّ اليمين على المدَّعي، فإن حلف ثبت ما ادّعاه، وإلا سقطت دعواه، واستدلَّ على ذلك. أولاً: بالإجماع. وفيه: أنه ليس إجماعاً تعبدياً، بل هو محتمل المدركية. ثانياً: بالنصوص المستفيضة، ومنها: 1- صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(ع): "في الرجل يدَّعي ولا بيِّنة له قال: يستحلفه، فإن ردّ اليمين على صاحب الحق فلم يحلف فلا حق له "([416]). 2- صحيحة عبيد الله بن زرارة عن أبي عبد الله(ع): "في الرجل يُدّعى عليه الحق، ولا بيِّنة للمدَّعي؟ قال: يستحلف، أو يردُّ اليمين على صاحب الحق، فان لم يفعل فلا حق له"([417]). 3- صحيحة هشام عن أبي عبد الله(ع) قال: "تردُّ اليمين على المدَّعي"([418]). 4- خبر عبد الرحمن عبن أبي عبد الله قال: "قلت للشيخ(ع): "خبِّرني عن الرجل يدَّعي قبل الرجل الحق فلم تكن له بيِّنة بماله؟ قال: فيمين المدَّعى عليه، فان حلف فلا حق له، وإن ردّ اليمين على المدَّعي فلم يحلف فلا حق له..."([419]). 5- مرسل يونس المضمر قال: "استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين، فإن لم يكونا رجلين... ــ إلى أن يقول: ــ فإن لم يكن شاهد فاليمين على المدَّعى عليه، فإن لم يحلف وردّ اليمين على المدَّعي، فهي واجبة عليه أن يحلف، ويأخذ حقه، فان أبى أن يحلف فلا شي له"([420]). 6- مرسل أبان عن رجل عن أبي عبد الله(ع): "في الرجل يُدّعى عليه الحق، وليس لصاحب الحق بيِّنة، قال يستحلف المدَّعى عليه، فإن أبى أن يحلف، وقال: أنا أردُّ اليمين عليك لصاحب الحق، فإن ذلك واجب على صاحب الحق أن يحلف ويأخذ ماله"([421]). 7- خبر أبي العباس عن أبي عبد الله(ع) قال: "إذا أقام الرجل البيِّنة على حقّه، فليس عليه يمين، فإن لم يقم البيِّنة فردَّ عليه الذي ادعى عليه اليمين، فان أبى أن يحلف فلا حق له"([422]). إلى غير ذلك من الروايات الدالة على أن المنكر إذا لم يحلف فله أن يردّ اليمين على المدَّعي. اختصاص الرد بكون الدَّعوى جزمية: ذهب الفقهاء إلى أن جواز الردّ مختصُ بالدعاوى الجزمية دون الظنية، واستدلَّ لهم السيد اليزدي([423]) بأنَّ ظاهر الأخبار المتقدِّمة هو حالة كون الدَّعوى جزمية. ويلاحظ عليه: بأن هذا الظهور غير واضح، بل لا وجه له، لأن مفروض الروايات هو حالة قيام الدعوى، أمّا كونها جزميةً أو ظنيةً، فلا تعرّض للروايات لذلك. والأقرب في توجيه هذا الاستثناء، أنه في حال ظنية الدعوى، فلا يجوز للمدعي الحلف، لعدم علمه بثبوت حق له. وغير خفيّ أن هذا الكلام إنما يتجه بناءً على القول بعدم اشتراط الجزم في الدَّعوى، كما استظهرناه فيما سبق([424])، وأما على ما هو المشهور من اشتراط الجزم، فتكون الدَّعوى مرفوضة من رأس، فلا يصل الكلام إلى اليمين المردودة. سقوط الدَّعوى بعدم الحلف: إذا حلف المدَّعي بعد ردِّ اليمين عليه ثبت حقه، وإذا لم يحلف سقطت دعواه، فلا يجوز له رفعها مجدداً لا في نفس مجلس القضاء، ولا في مجلس آخر، لظهور الأخبار المتقدمة بسقوط حقه في حال اختار عدم الحلف. نعم، لو لم يرفض اليمين المردودة وطالب إمهاله لإحضار البيِّنة أو ليرى ما هو الأصلح له، فلا يسقط حقه بذلك، لأن الروايات منصرفة عن ذلك ولا يصدق أنه لم يحلف، ولا سيما بملاحظة قوله(ص): "البينة على المدَّعي واليمين على من أنكر". وعليه، فلا وجه لما نُقِلَ عن موضعٍ من المبسوط من سماعها في مجلس آخر([425])، وأما مَّا عن جماعة([426]) كم سماعها إذا كانت له بينة، فإن أريد به ما ذكرناه من عدم رفض المدَّعي للحلف وطلبه الإمهال، فهو سليم لما ذكرناه، وأما لو رفض الحلف، ثم ادَّعى أن له بيِّنة، فلا تسمع لسقوط حقه بالرد، كما هو مفاد الأخبار. ردُّ اليمين إلى المنكر ثانياً: لا يجوز للمدَّعي بعد ردِّ اليمين عليه أن يردَّها مجدداً على المنكر، ولو فعل فلا قيمة لهذا الردّ، بل إن دعواه تسقط بذلك، كما هو مفاد قوله(ع): "وإن ردّ اليمين على المدَّعي فلم يحلف فلا حقَّ له"، أضف إلى ذلك أنَّ فتح الباب للرد والردّ المقابل يستلزم التسلسل وعدم انتهاء الخصومة. رجوع المنكر في رد اليمين: إذا حلف المدَّعي اليمين المردودة، فقد فوّت المجال على المنكر بالرجوع في رده، وأما إذا لم يحلف، فهل يجوز للمنكر الرجوع في ردِّه أو لا؟ ذكر السيد اليزدي(رحمه الله)([427])، أن في المسألة قولين: أقواهما الجواز. ووجه أقوائية القول بالجواز: أنه لا دليل على وجوب الالتزام بالرد، وإنما دلت النصوص على سقوط حقِّ المنكر بحلف المدَّعي، والمفروض أنه لم بعد. فيجوز للمنكر الحلف لإثبات حقه، ومجرده ردِّه لليمين لا دليل على أنه يسقط حقه في الحلف، فيكون حاله حال المدَّعي لو طلب الحلف من المنكر، ثم رجع فيه قبل أن يحلف الأخير، ولا يخلو ذلك من قوة. نكول المنكر: لو نكل المنكر فلم يحلف ولم يردّ، فهل يقضى عليه بمجرَّد النكول، أو يتولَّى الحاكم ردَّ اليمين على المدَّعي، فإن حلف ثبت حقه وإلا سقطت دعواه؟ في المسألة قولان، ذهب إلى كلٍّ منهما جماعةٌ من الفقهاء القدماء والمتأخرين، ونسب القول الثاني ــ وهو ردُّ اليمين على المدَّعي ــ إلى الأكثر([428])، بل ادعي عليه الإجماع([429])، وعن ابن إدريس في السرائر: أنه مذهب أصحابنا عدا الشيخ في النهاية([430]). واستظهر المحقق في الشرائع القول الأوَّل، وهو الحكم عليه بنكوله، وقال: وهو المرويّ([431]) بخلاف السيد اليزدي(قده)، فقد قوّى القول الثاني([432]). قال العلامة في المختلف([433]): "قال الشيخ في النهاية: وإن نكل عن اليمين ألزمه الخروج إلى خصمه مما ادعاه عليه، وهو يعطي القضاء بالنكول من غير إحلاف المدَّعي، وهو قول شيخه المفيد(رحمه الله) وسلار وأبي الصلاح، وبه قال في القدماء من علمائنا ابنا بابويه، وقال ابن الجنيد: تردُّ اليمين على المدَّعي ويحلف ويقضى له، وهو اختيار ابن حمزة وابن إدريس، ونقله ابن إدريس عن الشيخ في المبسوط والخلاف، وقال: إنه قد رجع عن قوله في النهاية". والقولان المذكوران موجودان عند فقهاء العامة أيضاً في تفصيل معيَّن، فقد قال الحنفية والحنابلة: "يُقضى بالنكول في الأموال، وقال الجمهور: لا يُقضى بالنكول، ونردُّ اليمين على المدعي"([434]). أدلَّة القول الأول: (الحكم بالنكول). استدلَّ للقول الأول، وهو أن القاضي يحكم على المنكر بنكوله دون حاجة إلى ردِّ اليمين على المدَّعي، بوجوه: الوجه الأول: الأصل، وقد قرَّر هذا الأصل بتقريبات متعددة: منها: أصالة عدم مشروعية ردِّ اليمين من الحاكم، فإننا نشك في أنه يشرع للحاكم ردُّ اليمين على المدَّعي، فنستصحب عدم المشروعية الثابت قبل النكول، أو قبل الشرع. ومنها: أصالة عدم ثبوت الحلف على المدَّعي، لأننا نعلم بثبوت البيِّنة على المدَّعي واليمين على المنكر، أما ثبوت الحلف على المدَّعي بعد نكول المنكر فهو مشكوك، فيستصحب عدمه، ومنها: أصالة براءة ذمَّة الحاكم من التكليف بالردّ. ومنها: أصالة براءة المدَّعي من التكليف باليمين، لأننا نشك في وجوب اليمين على المدَّعي بعد الردِّ من الحاكم، فنستصحب عدم الوجوب. ومنها: أصالة عدم توجه اليمين على غير المنكر، لأن الثابت هو توجه اليمين على المنكر ويشك في توجهه على المدعي، فيستصحب عدم التوجه. ومنها: أصالة عدم كونها حجةً للمدعي، لأنه قد ثبت أنَّ حجة المدَّعي هي البيِّنة، أما أنّ اليمين حجة له، فهو مشكوكٌ، والأصل عدم الحجية. ومنها: أصالة عدم كون النكول حجةً للمنكر، ولذا لا بدّمن أن يُضَمَّ إليه حكم الحاكم. ويلاحظ على الاستدلال بالأصل بكلِّ تقريباته: أزَّلاً: أنه مع توفر الروايات الآتية، فلا تصلُ النوبة إلى الأصول العملية، شريطة أن يتمَّ الاستدلال بتلك الروايات. ثانياً: أنَّ الأصول المذكورة لا تفي بإثبات كفاية النكول في الحكم بثبوت الحق للمدَّعي، لأن ذلك لازمٌ عقليٌّ للمستصحب، بل يمكن القول: إن ذلك ليس لازماً له، لأن هناك احتمالاً آخر غير الحكم بالنكول، وهو تجميد الدَّعوى في حال النكول وعدم توجه اليمين على المدَّي، كما هو مقتضى الأصل. ثالثاً: أنَّ ثمة أصلاً معارضاً للأصول المذكورة، وهو أصالة عدم كفاية النكول في الحكم للمدَّعي. ورابعاً: أنَّ الاستصحاب قاعدةٌ فقهيةٌ لا تجري إلاّ في الشبهات الموضوعيَّة، ولا تجري في الشبهات الحكمية، كما في مورد المسألة، وقد حقَّقنا ذلك في الأصول. وعليه، يكون المتعيَّن هو الأخذ بالقدر المتيقَّن، وهو عدم الحكم بمجرد النكول. بل إنَّما يحكم القاضي للمدَّعي بعد أن يردَّ الحاكم اليمين عليه ويحلف، فإذا تحقَّق الردُّ والحلف، أمكن للقاضي الحكم، لأن هذا القدر جامع بين القولين. الوجه الثاني: قوله(ع): "البيِّنة على المدَّعي واليمين على المدَّعى عليه"([435])، بدعوى أن مقتضى التفصيل القاطع للشركة اختصاص اليمين بالمنكر، فلا يقبل من المدَّعي، ما يمنع من ردّها عليه، وبالتالي يحكم بالنكول. ويلاحظ عليه: أن الحديث ناظر إلى بيان الوظيفة الأولية، فلا ينافي ثبوت اليمين على المدَّعي بالردّ من المنكر أو الحاكم إذا اقتضته الأدلة([436]). الوجه الثالث: صحيحة محمد بن مسلم قال: "سألت أبا عبد الله(ع) عن الأخرس كيف يحلف إذا ادُّعي عليه دين "وأنكره" ولم يكن للمدعي بينة؟ فقال: إن أمير المؤمنين(ع) أتي بأخرس، فادُّعي عليه دين ولم يكن للمدعي بيّنة، فقال أمير المؤمنين(ع): الحمد لله الذي لم يخرجني من الدنيا حتى بيّنت للأمة جميع ما تحتاج إليه، ثم قال: ائتوني بمصحف، فأتي به، فقال للأخرس: ما هذا؟ فرفع رأسه إلى السماء، وأشار أنه كتاب الله عزّ وجل، ثم قال: ائتوني بوليّه، فأتي بأخ له فأقعده إلى جنبه، ثم قال: يا قنبر عليّ بدواة وصحيفة، فأتاه بهما، ثم قال لأخ الأخرس: قل لأخيك هذا بينك وبينه: إنه علي، فتقدّم إليه بذلك، ثم كتب أمير المؤمنين(ع): والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، الرَّحمن الرحيم، الطالب الغالب، الضار النافع، المهلك المدرك، الذي يعلم السرَّ والعلانية، إنّ فلان بن فلان المدّعي ليس له قبل فلان بن فلان، أعني الأخرس، حق، ولا طلبة بوجه من الوجوه، ولا بسبب من الأسباب، ثم غسله، وأمر الأخرس أن يشربه، فامتنع، فألزمه الدَّين"([437]). وظاهر الصحيحة، أنَّ الحاكم يقضي بالنكول، باعتبار أن الأخرس برفضه لشرب ماء اليمين المغسولة، عُدَّ ناكلاً، والإمام(ع) حكم عليه بنكوله، ولم يرد اليمين على المدعي([438]). وأولد عليها بعدة ملاحظات: أولاً: أنه قضية في واقعة لا عموم فيها([439])، فعله(ع) قد ردّ اليمين على المدَّعي وامتنع عن الحلف، أو أنه لم يمكن الرد عليه لخصوصية معينة. أقول: قد يدفع احتمال أن الإمام(ع) ردّ اليمين على المدَّعي وامتنع عن الحلف، بأنه خلاف قوله: "فامتنع فألزمه الدَّين" الظاهر بتعقب الإلزام بالدَّين للامتناع عن الحلف. ويدفع أصل الإشكال: بأن نقل الإمام الصادق(ع) لهذه الرواية بعد سؤال عن يمين الأخرس، كافٍ في انتزاع العموم منها. نعم، قد يقال: بأن عدم ردِّ اليمين على المدَّعي، لقطعه(ع) بأنّ امتناع الأخرس عن شرب الماء المذكور ليس إلاّ من جهة أنه قد أكل المال ظلماً، وإلا لما كان هناك وجهٌ لعدم تنبيهه(ع) للأخرس إلى حقِّه في رد اليمين على المدَّعي، ولا سيّما أنَّ الأخرس عادةً ليس مطَّلعاً على تفاصيل باي القضاء، وهذا الاحتمال لا يصحُّ دفعه بعموم الرواية، لأنَّ الإمام الصادق(ع) ليس في مقام البيان من جهة حكم النكول، وإنما بصدد بيان كيفيَّة يمين الأخرس. ثانياً: أنَّ المشهور لم يعملوا بالخبر([440]) في مورده، وهو يمين الأخرس. وفيه: أنه بناءً على القول بحجية خبر الثّقة، فلا يضرُّ إعراض المشهور عنه، فضلاً، عن عدم عملهم به، مع ملاحظة أخرى، وهي أن عدم عملهم قد يكون بلحاظ أنه ــ بنظرهم ــ قضية في واقعة. ثالثاً: ونقل الجمهور عن عليّ(ع) خلاف ذلك([441]). وفيه: إنَّا لم نعثر على رواية عن علي(ع) في الأخرس تنافي الصحيحة المتقدمة([442])، لا في كتب الجمهور ولا في كتب الخاصة. الوجه الرابع: رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله بن أبي عبد الله(ع)، من خلال فقرتين وردتا فيها: الفقرة الأولى: ما جاء في صدر الرواية بنقل الكليني والشيخ، فإنه(ع)، وبعد أن سئل عن الرجل يدَّعي قبل الرجل الحق ولا تكون له بينة، أجاب: "فيمين المدَّعي عليه، فإن حلف فلا حقَّ له، وإن لم يحلف فعليه"([443]). فإن الظاهر من هذه الفقرة، أنَّ المنكر إن لم يحلف فعليه الحق. الفقرة الثانية: ما جاء في ذيل الرواية بنقل الشيخ الصدوق، أعني قوله(ع): "ولو كان حياً لألزم اليمين أو الحقّ أوي ردُّ اليمين"([444])، حيث إنه لم يذكر فيها رد اليمين من قبل الحاكم على المدَّعي إذا امتنع المنكر عن اليمين والرد، وإنما قال: يُلزم الحق. وأجيب عن الفقرة الأولى: أولاً: إن جملة "وإن لم يحلف فعليه"، وهي فقرة الاستدلال، إنما وردت في الكافي والتهذيب، وأما في الفقيه فقد جاء بدلاً منها "وإن ردّ اليمين على المدَّعي فلم يحلف فلا حقَّ له"، ومع تعارض النسخ واختلافها، يسقط الخبر عن الاستدلال. ثانياً: لو سلَّمنا بنسخة الكافي والتهذيب، فإنها لا تدلُّ على المطلوب، لاحتمال رجوع الضمير في قوله: "وإن لم يحلف فعليه" إلى المدَّعي، والمبتدأ المقدَّر هو الحلف، أي فعلى المدَّعي الحلف، وحينئذٍ تكون الفقرة دليلاً على القول الآخر، وهو عدم كفاية النكول، بل تردُّ اليمين على المدَّعي، فإن حلف ثبت حقه وإلا فلا. وأجيب عن الفقرة الثانية: بأنَّ الاستفادة المذكورة فيها مبنية على قراءة جملة "يردُّ اليمين" بصيغة المعلوم، وهو غير ثابت، إذ من المحتمل كونها مبنية للمجهول، ويكون المراد: ردّ الحاكم لليمين وليس المنكر، ومع ورود الاحتمال يسقط الاستدلال، والبناء للمجهول خلاف الظاهر، كما سيأتي في مبحث سكوت المدَّعى عليه. ثم إنّ سند الحديث ضعيف بياسين الضرير. الوجه الخامس: خبر أبي بصير قال: "سألت أبا عبد الله(ع) عن القسامة... إلى أن يقول: فقال: "إنَّ الله عزّ وجل حكم في الدماء ما لم يحكم في شيءٍ من حقوق الناس لتعظيمه الدماء، لو أن رجلاً ادّعى على رجل عشرة آلاف درهم أو أقل من ذلك أو أكثر، لم يكن اليمين على المدَّعي وكانت اليمين على المدَّعى عليه"([445])، بتقريب: أن الحديث شامل لصورة نكول المنكر عن الحلف. وفيه: أن الرواية واردة في بيان الحكم الأولي في باب القضاء، وهو يقتضي كون اليمين موجّهةً إلى المنكر فحسب، فلا ينافي ذلك توجهها إلى المدَّعي بعد نكول المنكر، كما نتوجّه إليه إذا ردّها المنكر عليه. والخلاصة: أن أدلة القول بالقضاء بالنكول غير تامة، وقد يكون ذلك وحده كافياً لصحة القول الثاني، وهو ضرورة ردّ الحاكم لليمين على المدَّعي، فإن حلف وإلاّ سقط حقه، لعدم وجود احتمال ثالث في البين. الوجه السادس: واستدل الحنفية والحنابلة على القضاء بالنكول بفعل شريح، فقد قضى على رجل بالنكول، فقال المدَّعى عليه: أنا أحلف، فقال شريح: مضى قضائي([446]). وكانت قضايا شريح لا تخفى على أصحاب رسول الله(ص)، ولم ينقل أنه أنكر عليه منكر، فيكون إجماعاً منهم على جواز القضاء بالنكول...([447]). ويلاحظ عليه: أنه لم يثبت إمضاء من يعتدُّ بإمضائه من الصحابة لقضاء شريح، ومجرَّد عدم عثورنا على ما يدل على الردع لا يعني عدم صدوره، على أن أصل القضاء بالنكول من قبل شريح غير ثابت لعدم صحة الرواية. أدلة القول الثاني: (عدم جواز الحكم بالنكول) وقد استدل للقول الثاني القاضي بعدم الحكم بالنكول، وإنما يرد الحاكم إلى اليمين على المدعي، فإن حلف ثبت حقه وإلا فلا، بعدة وجوه: الأوَّل: أصالة عدم ثبوت الحق على المنكر بمجرد النكول، بل القدر المعلوم هو ثبوت الحق بالنكول وبالحلف من المدَّعي، بعد أن يردَّ الحاكم اليمين عليه، وثبوت الحق بهذا مجمع عليه([448]). وهذا الأصل إنما يتم التمسك به إذا لم تتم الأدلة الآتية على عدم جواز الحكم بالنكول وإلا فلا حاجة إليه، إضافة إلى أن الأصل بمعنى الاستصحاب لا حجية له في الشبهة الحكمية. الثَّاني: إنَّ المستفاد من الأخبار، أنَّ الواجب على المنكر الحلف أو ردّه على المدَّعي، فإذا امتنع عنهما، كان للحاكم ــ بحكم ولايته على الممتنع ــ إلزامه بأحدهما، فإذا أصرّ على عدم الحلف، لم يبق أمام الحاكم إلى ردّ اليمين ــ بنفسه ــ على المدَّعي، لأن المنكر ممتنع، والحاكم وليُّ الممتنع، كما حرِّر في محلِّه. وقد لوحظ عليه: أنَّ ولاية الحاكم على مثله غير معلومة، خصوصاً إذا كان اليمين أو ردّها حقاً للمنكر لا عليه، فإن حلف اليمين أو ردّها فيها، وإلا حكم عليه بنكوله بناءً على تمامية أدلة الحكم بالنكول. الثالث: ما دلَّ على حصر القضاء بالبيِّنات والأيمان، ما يعني أن النكول ليس سبباً كافياً في الحكم القضائي، وقد ورد الحصر المشار إليه في الروايات المستفيضة، منها قوله(ص) في الصحيح: "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ"([449]). ومنها: خبر يونس عمن رواه قال: "استخراج الحقوق بأربعة وجوه: بشهادة رجلين عدلين، فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، فإن لم تكن امرأتان فرجل ويمين المدّعي، فإن لم يكن شاهد، فاليمين على المدَّعى عليه، فإن لم يحلف ورد اليمين على المدَّعي، فهي واجبة عليه أن يحلف ويأخذ حقه، فإن أبى أن يحلف فلا شيء عليه"([450]). ومنها: ما روي عن أمير المؤمنين(ع): "أحكام المسلمين على ثلاثة: شهادة عادلة، أو يمين قاطعة أو سُنّةٌ ماضية من أئمة الهدى"([451]). ومنها: قوله(ص) في صحيح هشام عن أبي عبد الله(ع): "البينة على من ادعى، واليمين على من ادُّعِي عليه"([452]). فإن التفضيل قاطعٌ للشركة، ولازم ذلك، عدم كون اليمين وظيفة المدَّعي إلا في صورة ردِّ المنكر، فإذا فرض أن القاضي حكم بمجرد نكول المدَّعى عليه، فلا يكون لحكمه مستند سوى النكول، مع أن ميزان القضاء لا يشمل النكول. إلا أن يقال: بأن انحصار ميزان القضاء بما عدا النكول لا يثبت ضرورة ردّ الحاكم لليمين على المدّعي، لأن هناك احتمالاً آخر وارداً في المقام، وهو تجميد الدَّعوى في فرض النكول، لا ردّ اليمين على المدَّعي. ويلاحظ عليه: أن احتمال التجميد مرفوض في المقام، باعتبار أنه مناف للهدف من تشريع القضاء، وهو حسم النزاعات وفصل الخصومات. ويلاحظ على أصل الاستدلال بالروايات المتقدمة، أنّها واردة لبيان الوظيفة الأولية، وليست متعرضةً لصورة النكول. الرابع: صحيح عبيد بن زرارة عن أبي عبدالله(ع): "في الرجل يُدّعى عليه الحق، ولا بيِّنة للمدعي؟ قال: يستحلف، أو يردُّ اليمين على صاحب الحق، فان لم يفعل فلا حق له"([453]). والاستدلال بهذه الرواية، على أنَّ للحاكم أن يردَّ اليمين على المدَّعي، مبنيٌّ على قراءة قوله "أو يُرَدّ" بصيغة المبني للمجهول، مع تعيين أن الراد هو الحاكم أو شامل له بالإطلاق. ويلاحظ عليه: أنه إذا لم نقل بأن صيغة المبني للمجهول مخالفة للظاهر، وأنّ الأقرب هو صيغة المبني للمعلوم، بقرينة أن الحديث هو عن تكليف المدَّعى عليه، فلا أقل من أنه لا ظهور للحديث في صيغة المبني للمجهول، بل الأمر دائر بينها وبين صيغة المبني للمعلوم، وذلك كافٍ لسقوط الاستدلال بالرواية. والإنصاف: أنّ الظاهر من الرواية، ورودها للمبني للمجهول بقرينة وحدة السياق، فإنّ قوله(ع): "يستحلف" مبني للمجهول حتماً. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فقد يقال: إن الظاهر من الحديث، حتى على تقدير المبني للمعلوم، هو أن الرد على المدَّعي أمر مشروع في القضاء، ولولا ذلك لما كان للمنكر أن يمارسه، فإذا امتنع منه ردَّه الحاكم عليه. الخامس: صحيحة هشام عن أبي عبد الله(ع) قال: "تردُّ اليمين على المدَّعي"([454]). ويلاحظ عليها أولاً: أنه لا يعلم ورودها بصيغة المبني للمجهول، لقوة احتمال أن الفقرة واردة في سياق محذوف وغير معلوم. وثانياً: حتى على تقدير صحة قراءة هذه الفقرة، وكذا ما ورد في الرواية السابقة بالمبني للمجهول، فإنه لا يمكن انتزاع الإطلاق من هكذا تعبير، فيكون المتيقّن هو ردُّ المنكر لا غيره، من الحاكم أو غيره. إلا أن يدفع بما تقدم من ظهوره ــ كسابقه ــ في مشروعية الرد على المدعي، فإن لم يتولَّ المنكر ذلك تولاه الحاكم. السادس: ما رواه الدارقطني والبيهقي والحاكم من حديث نافع عن ابن عمر: "أن رسول الله(ص) ردّ اليمين على طالب الحق"([455]). ولوحظ عليه: أولاً: أنه ضعيف حتى وفق الموازين الرجالية للعامة. ثانياً: أنه ربما كان ردُّ اليمين على المدَّعي بطلبٍ من المنكر. ولكنه خلاف الظاهر، لأنه وارد في مقام بيان ما صدر عن النبي(ص) من حيث اقتضاء طبيعة القضاء ذلك، فتأمَّل. السابع: ما روي عنه(ص): "المطلوب أولى باليمين من الطالب"([456]). بتقريب أنَّ كلمة "أولى" هي للتفضيل، فتفيد اشتراك المنكر والمدَّعي في جواز المطالبة باليمين مع أولوية المنكر بذلك. ويلاحظ عليه: أن الحديث لم نعثر عليه بهذه الصيغة، لا في مصادرنا الحديثية ولا في مصادر العامة. نعم، ورد في مصادرهم عنه(ص): "المدَّعى عليه أولى باليمين إذا لم تكن بينة"([457]). والحديث بهذه الصيغة لا يصلح للاستدلال في مقامنا، لأن المستفاد منه أولوية المنكر باليمين إن لم يكن عند المدَّعي بينة، وأمّا إذا كان معه بيِّنة فهو أولى بها فيقيمها، على أن غاية ما يستفاد من الحديث، حتى بصيغته الأولى، جواز حلف المدَّعي وأن له أن يأخذ باليمين، ولكن هل أن ذلك بعد أن يردها عليه الحاكم؟ هذا غير واضح، لاحتمال أن يكون ذلك بعد أن يردها عليه المنكر، أو أن يأخذ بها ابتداءً. الثامن: الإجماع المنقول عن الخلاف([458]) والغنية([459]). ويلاحظ عليه: أولاً: أنه إجماع منقول وهو ليس بحجة، بل عرفت وجود المخالف في المسألة، كالمحقق في الشرائع وغيره، كما تقدَّم في كلام العلامة في المختلف. ثانياً: لو سلّم بوجود الإجماع المحصَّل، فهو إجماع مدركي وليس تعبدياً، لاحتمال استناد المجمعين إلى الروايات والوجوه المتقدّمة. وخلاصة الكلام: أن القول الثاني هو الأقرب في نظرنا، للوجهين الثالث والرابع، وتؤيِّده بعض الوجوه الأخرى المتقدمة. رجوع المنكر عن النكول: إذا رجع المنكر في نكوله، فهل يقبل رجوعه؟ الجواب: أنّ رجوعه تارةً يكون بعد حكم الحاكم، وأخرى قبله، وعلى الثاني، تارةً يكون رجوعه قبل حلف المدَّعي، وأخرى قبله، فصور المسألة ثلاث: الصورة الأولى: أن يرجع بعد حكم الحاكم، والظاهر أنه لا يصغى إليه، لثبوت الحق عليه وانتهاء الخصومة بصدور الحكم. والأخبار الدالة على كون اليمين حقاً للمنكر أو أنه يكلَّف بها، لا شمول لها لما نحن فيه، بل هي منصرفة عن هذه الصورة كما لا يخفى. ولكن هل يفرق بين علم المنكر بحكم النكول وجهله به؟ فصّل صاحب الرياض([460]) بين صورتي العلم والجهل، فأفاد: أنه في صورة العلم بحكم النكول، وأنَّ الحاكم قد يحكم عليه بالحق بعد النكول أو بعد حلف المدَّعي، فلا يقبل رجوعه عن نكوله بعد صدور حكم الحاكم، وأما في صورة الجهل، فإنه يقبل رجوعه، ولا يسقط حقه في اليمين. ويردُّه: أن الفرق بين الجاهل والعالم في ترتيب الآثار، إنما هو بلحاظ الأحكام التكليفية، أما في الأحكام الوضعية فلا فرق بينهما، لأنه قد ثبت في محله، أن الجهل ليس عذراً في الأحكام الوضعية، ونفوذ حكم القاضي هو من جملة هذه الأحكام. إلاّ أن يقال: إن الإشكال قد يكون في نفوذ حكم القاضي في مثل هذا المورد، بل يكشف رجوع الناكل عن نكوله عن عدم شرعية حلف المدَّعي فيما لو ردّه عليه الحاكم ثم حكم بعده، فتأمل. الصورة الثانية: أن يرجع قبل حكم الحاكم وقبل حلف المدَّعي، وفي قبول الرجوع والالتفات إليه في هذه الصورة وعدمه قولان: الأوَّل: أنه يُلتفت إليه ويحقُّ له الحلف، لأن الحق ثابت له في أصل التشريع، ولا دليل على سقوطه بمجرَّد النكول ما دام القاضي لم يحكم، وبالتالي فإنّ الحق لم يثبت عليه وإن تحقَّق موجبه. والقول الثاني: أنه لا يلتفت إلى رجوعه ويسقط حقه في الحلف، وقيل في توجيهه: بأن النكول كاليمين والإقرار والبينة في تعقب الحكم له من دون حالة منتظرة، فلا أثر لبذله اليمين ــ بمعنى حلفه أو رده على المدَّعي ــ ولا يلتفت إليه([461]). ويلاحظ عليه: أنَّ الحق إنما يثبت للمدَّعي أو عليه بحكم الحاكم، فما لم يحكم لا يمكن ترتيب الآثار، بما في ذلك سقوط حقِّ المنكر في الحلف. وأمّا أن يُقال: إنه قد وجب على الحاكم الحكم على المنكر بعد تحقق النكول، فإذا شك في بقاء هذا الوجوب بسبب رجوعه فيستصحب. فجوابه: أن الاستصحاب لا يجري، إما لأنه لا محل له، أو لانتفاء الركن الأول من أركانه. وبيان ذلك: أنّ وجوب الحكم على القاضي إن كان مطلقاً وثابتاً، سواء رجع المنكر عن النكول أو لم يرجع، فإطلاقه كافٍ لعدم الاعتناء برجوع المنكر في نكوله ولا حاجة للاستصحاب، بل لا محلَّ له لتوفر الدليل، أو لا حجية له في هذا المورد، وأما إذا كان وجوب الحكم مقيداً بعدم رجوع المنكر، فلا محلَّ للاستصحاب، لأنّ الوجوب ينتفي في فرض الرجوع، وإذا شك في أن وجوب الحكم عليه مطلق أو مقيد، فلا مجال للاستصحاب في فرض الرجوع، لعدم توفر الركن الأول من أركانه، وهو اليقين السابق. وأمَّا الصورة الثالثة: وهي ما لو كان رجوعه قبل الحكم وبعد حلف المدَّعي، فهنا قد يقال: إن الرجوع لا أثر له، لأنَّ حكم الحاكم وإن لم يصدر بعد، لكنّ ظاهر الروايات الواردة في ردِّ المنكر اليمين على المدَّعي، أنه إذا حلف اليمين المردودة، يترتَّب عليها ثبوت الحق ويجب على الحاكم أن يحكم على طبقها من دون انتظار أمر آخر، وفارق هذه الصورة عن سابقتها، أنه في الصورة السابقة لم يكن ثمة دليل على سقوط حق المنكر بالرجوع، أمّا في هذه، فالدليل متوفَّر، وهو الروايات المشار إليها، والتي يستفاد منها أن محل الرجوع في النكول هو قبل حلف المدَّعي اليمين المردودة. نعم، يبقى ثمة إشكال حول شرعية حلف المدَّعي في الواقع، للشك في إطلاق الروايات لصورة ما إذا حلف المنكر بعد النكول. فتأمَّل. إن حلفت وإلا جعلتك ناكلاً ذكر بعض الفقهاء([462])، أنه إذا نكل المنكر فلم يحلف ولم يَردّ، قال له الحاكم: إن حلفت وإلا جعلتك ناكلاً، أو يقول: إن حلفتَ أو رددتَ وإلاّ جعلتك ناكلاً، وعلى القول بالرد يقول: إن حلفتَ أو رددتَ وإلاّ جعلتك ناكلاً، وعلى القول بالرد يقول: إن حلفتَ أو رددتَ وإلا رددتُ اليمين على المدَّعي وجعلتك ناكلاً، ويستحبُّ تكرار ذلك ثلاثاً، بل عن المبسوط([463]) والدروس([464]) أنه يجب المرة الأولى. واعترض غير واحد([465]) بأنه لا دليل على شيء من ذلك، لا الوجوب ولا الاستحباب ولو مرة. أقول: إذا كان المنكر جاهلاً بالحكم الشرعي، كان اللازم على الحاكم تعليمه أصول القضاء، وقد مرّ معنا أن على الحاكم أن يعرّف المتنازعين بحقوقهما، ومنها إقامة البيِّنة وطلب اليمين أو الرد. وأما فيما يرتبط بالحكم بالنكول، فلا دليل على وجوب أو استحباب إعلام المنكر به قبل إصدار الحكم، إلا أن يقال: بأن إرشاده إلى ذلك راجح، إما بعنوان إبلاغه الحكم الإلهي، أو بعنوان الحفاظ على سلامة العملية القضائية وإبعادها عن التعقيدات والشبهات التي قد تنشأ في فرض عدم الإبلاغ، أما استحباب ذلك ــ فضلاً عن وجوبه ــ بعنوانه فلا دليل عليه. وأمّا أن يتمسك للاستحباب، بقاعدة التسامح في أدلة السنن كما أفاد السيد اليزدي(قده)([466])، فلا يخلو من غرابة. أولاً: لعدم تمامية القاعدة في نفسها، كما حققناه في محله. ثانياً: على فرض تماميتها، فمقامنا ليس مورداً لها، لأنها إنما تجري في حال وجود خبر ضعيف يدل على الحكم، ومن الواضح أن مسألتنا خالية من الأخبار الصحيحة والضعيفة. كيف يتحقق النكول؟ وقع الكلام بين الفقهاء في كيفية تحقّق النكول، فحكي([467]) عن ابن إدريس في السرائر: أنه يكفي في ذلك أن يعرض الحاكم عليه اليمين ثلاث مرات مع سكوته في كلِّ مرة. وأما إذا قال: لا أحلف وأنا ناكل، فالأمر واضحٌ لتصريحه بالنكول. وقال العلاّمة في التحرير([468]): "وإنما يتم ــ النكول ــ إذا صرّح وقال: لا أحلف وأنا نأكل، ولو سكت بعد عرض القاضي عليه اليمين، عرّفه القاضي أنه إذا عرض عليه اليمين ثلاثاً وامتنع بسكوتٍ أو غيره، استوفى الحق بيمين المدَّعي". والأظهر وفاقاً لبعض الفقهاء([469])، أنَّ المرجع في تحقق النكول وعدمه هو الصدق العرفي، فقد يصدق بالمرة وقد لا يصدق بالثلاث، بل أزيد، فيختلف بحسب القرائن والخصوصيات المكتنفة، فالمسألة لا تخضع لتحديدات معينة بالأرقام بقدر ما تخضع وتتبع تقدير الحاكم وتشخيصه، انطلاقاً من ملاحظته ظروف المنكر وحالته النفسية أو الصحية أو غير ذلك من الظروف والقرائن المقامية والحالية التي تسلّك الضوء على المسألة. طلب المهلة: إذا استمهل المنكر في الحلف والرد ليلاحظ ما فيه صلاحه، ويدرس المسألة بعناية وتأمل، جاز للحاكم إمهاله، لأنه لا دليل على الفورية، شريطة أن لا يضرّ الإمهال بالمدَّعي، ولا يوجب تعطيل الحقّ والتأخير الفاحش، وإلا فلا يستمهل، دفعاً للضرر عن المدَّعي، وفراراً من تعطيل القضاء. وذهب بعض الفقهاء([470]) إلى أنه إذا أجاز المدَّعي الإمهال، جاز مطلقاً بمقدار إجازته، لأن حق الإحلاف له. وفيه إشكال من جهة عدم ثبوت كون الإحلاف حقاً له، كما سبق. الحلف على أن لا يحلف: لو نذر أو حلف: أن لا يحلف بالله صادقاً أو كاذباً([471])، ثم قُدِّم إلى المحاكمة وادُّعي عليه بشيء وانجرت القضية إلى اليمين لعدم البيِّنة مثلاً، فهل يجوز له الحلف أو لا يجوز؟ أو يفصل بين ما لو كان ناذراً فلا يجوز الحلف، وبين ما لو كان حالفاً فيجوز؟ وجوه ثلاثة في المسألة، كما أفاد السيد اليزدي([472]). أما وجه الجواز: فهو عدم رجحان الحلف فيما نحن فيه، وإن كان راجحاً على نحو العموم بلحاظ أنه إجلال لله سبحانه، أو يقال: بانصراف أدلة النذر أو الحلف عن مقامنا. أما وجه عدم الجواز: فباعتبار أن أصل الحلف أو النذر راجح في نفسه فيجب الوفاء به. وأما التفصيل، فلا نرى له وجهاً وجيهاً. ويمكن القول: إنَّ وجوب الوفاء بالنذر أو اليمين فيما نحن فيه، المقتضي لترك الحلف في الدَّعوى، تابعٌ لقصد الحالف والناذر، فإذا فرضنا أنه ناظرٌ وملتفتٌ إلى ما يشمل الحلف في الدعوى، فلا يجوز له الحلف، وإلا إذا لم يكن ملتفتاً لذلك، جاز له الحلف فيها. ثم إنه على تقدير الالتزام بالوجه الثاني ــ وهو صحة نذره أو يمينه، وبالتالي لا يجوز له الحلف في الدَّعوى ــ فلو أنه حنث وحلف على نفي الحق، فالظاهر صحة حلفه هذا، ويبرأ من الحق وإن كان قد فعل حراماً، ويعتبر عاصياً وآثماً لمخالفته للنذر أو اليمين، لكن عصيانه في اليمين لا يقتضي فسادها. لو نذر أنه لو اتفق له المرافعة وانجرّ الأمر إلى حلفه أن لا يحلف، فقد استظهر بعض الفقهاء([473]) تعيّن عدم الحلف ووجوب أداء ما يدَّعى عليه، لأن نذره في قوة نذر أداء ما يدعى عليه، ولو خالف وحلف، فالظاهر عدم سقوط ما وجب بالنذر من أداء ما ادُّعي عليه. ويلاحظ عليه: أولاً: أن نذره أن لا يحلف في المرافعات، لا يعني التزامه ضمناً بأداء ما يدَّعى عليه، فضلاً عن أن يكون نذراً بذلك، بل هو أعمَّ منه ومن النكول أو ردّ اليمين ونحو ذلك. وثانياً: إن النذر يتبع قصد الناذر، وكذا الحلف، إلا في حالة النزاع أو الشك، فيؤخذ بظاهر كلامهما، وإلاّ فبالقدر المتيقن. الإثبات بالقرائن في نهاية الحديث عن وسائل الإثبات القضائي، نرى من الضّروري التطرُّق إلى بعض الوسائل الإثباتية التي لم يعالجها الفقهاء بشكل وافٍ، على الرغم من أهميتها وانتشار الاعتماد عليها في القضاء الوضعي، ويمكن درج هذه الوسائل تحت عنوان: "الإثبات بالقرائن"، والوجه في ذلك، أنها لا تعتمد آليةً محدَّدَّة كما هي الحالة في سائر وسائل الإثبات، بل إنها تعتمد على تجميع القرائن والشواهد المختلفة بما يشكِّل بيِّنة أو يكوّن لدى القاضي قناعةً معينةً تمكّنه من إصدار الحكم، وتمكننا الإشارة إلى نوعين رئيسيين من هذه الوسائل: الأول: الإثبات بالكتابة. الثاني: الإثبات بالقرائن الطيبة. الإثبات بالكتابة هل يشرع إثبات الحقوق اعتماداً على الأدلة الكتابية كالأقارير، المكتوبة أو الوصايا أو البينات المكتوبة أيضاً؟ أقول: البحث في شرعية الكتابة ــ كوسيلة إثبات ــ يقع على صعيدين: الأول: الكتابة التي تشكَّل قرينة أو وسيلة إثبات في عرض وسائل الإثبات الأخرى، من قبيل كشوف الحسابات، أو الحقوق المقيدة في دفاتر خاصة بالديون، أو توقيع المكلّف على العقود والمعاملات، فإن ذلك قرينة واضحة على إنشائها من قبله، فهل تقبل هذه القرائن، وبالتالي فلا يصغى إلى إنكار صاحب التوقيع؟ الثاني: الكتابة الواقعة في طول وسائل الإثبات الأخرى، كالإقرار الكتابي أو البيِّنة أو اليمين المكتوبة، فالكتابة هنا ليست وسيلة إثبات في عرض سائر الوسائل، وإنما هي كاشفة عنها، فهل يقبل الإقرار أو البيِّنة أو اليمين المكتوبة؟ آراء المذهب: اعتبرت القوانين الوضعية إنَّ الكتابة هي الأصل في الإثبات، أما في الفقه الإسلامي، فالملحوظ أن الفقهاء لم يولوها هذه الأهمية، ولم يفردوها ببحث مستقلّ. وإليك لمحة عن آراء المذاهب الإسلامية في هذا الشأن: 1- لا تخلو كلمات فقهاء المذاهب الأربعة من اضطراب حول مشروعية الكتابة فانقسم الحنفية في قبولها بين مؤيد بإطلاق ومانعٍ بإطلاق ومفصل بين الحالات لمراعاة جريان العرف والعادة، ولدى الشافعية قولان، بالجواز والمنع، ونقل عن الإمام أحمد ثلاث روايات، وقال جمهور المالكية بالجواز ومنعها بعضهم، وذهب بعض السلف وجمهور المتأخّرين إلى الاحتجاج بها، وأنها مقبولة شرعاً، وأن القاضي يستطيع الاعتماد عليها في الإثبات وردّ الحقوق إلى أصحابها، وذهب آخرون إلى رفضها والتشكيك فيها([474]). ونصَّت مجلة الأحكام العدلية على أن: "الكتاب كالخطاب"، وأن "الإقرار بالكتابة كالإقرار باللسان". 2- أما فقهاء الإمامية، فاختاروا عدم حجية الكتابة في الإثبات، كما اختاروا عدم حجيتها في إنشاء العقود والمعاملات والإيقاعات. قال الشيح محمد حسين كاشف الغطاء تعليقاً على القاعدة الأولى المتقدمة المذكورة في مجلة الأحكام العدلية: "لا عبرة عندنا معشر الإمامية، ولا تعقد العقود والمعاملات إلا بألفاظ أو إشارة الأخرس، فلو وجدنا كتاب زيد، الذي نعلم بأنه خطه وتوثيقه، بأنه قد باع داره، لا نحكم بالبيع حتى يعترف هو أو تقوم به البيِّنة أو يحصل لنا اليقين بأنه أوقع صيغة البيع لفظاً، خلافاً لما يظهر من بقية المذاهب التي تعتبر الكتابة كاللفظ، أما عندنا، فلو كتب أني بعت وكتب الآخر أني قبلتـ لم يكن بيعاً عقدياً، فإن تعاطيا كان معاطاةً وإلا فلا"([475]). وسيأتي المزيد من كلمات الفقهاء في هذا الصدد، فانتظر. قرينة الكتابة: وتحقيقاً للحال نقول: أما على الصعيد الأول: فلا ريب في أن الكتابة تمثِّل قرينة إثبات، ويمكن للحاكم اعتمادها إذا أفادت الاطمئنان والوثوق النوعي، كما لو كانت نصاً أو ظهوراً واضحاً لا لبس فيه، وكان احتمال التزوير مأموناً، إما إذا كانت لا تفيد سوى ظنون موهومة أو احتمالات، فلا يعوّل عليها ما لم ينضم إليها قرائن أخرى تساعد على اكتمال الحجَّة والبيان لدى القاضي. والوجه في اعتماد الكتابة في حال ظهورها والأمن من التزوير، هو ما سيأتي في الإثبات بالقرائن الطيبة من اتّساع مفهوم البيِّنة وشمولها لذلك، أو بناءً على مشروعية حكم القاضي بعلمه الناشئ من معطيات موضوعية ملموسة يمكن التأكد منها وتبرير الحكم بها، وإن كان يمكن القول إن مرجع التبرير الثاني إلى الأول، أي أن مشروعية حكم القاضي المبني على المعطيات المشار إليها، ليس إلا من جهة شمول مفهوم البيِّنة لذلك. الكتابة الطولية: وأقصد بها الكتابة الواقعة في طول وسائل الإثبات الأخرى، فهي مجرد تعبير عن واحدة من تلك الوسائل، كالأقارير أو الأيمان أو الشهادات المكتوبة، فهل يمكن اعتمادها أو لا بد من التلفّظ بها؟ عرفت أن المشهور عند علمائنا، بل ادَّعي عليه الإجماع، أنه لا عبرة بالكتابة في الأقارير والوصايا والعقود والإيقاعات في حال الاختيار. قال العلامة بشأن صيغة الوصية: "ولا تكفي الكتابة بدون الإشارة أو اللفظ وإن عمل الورثة ببعضها على رأي، سواء شوهد كاتباً، أو اعترف بأنه خطه أو عرف. ولو كتب وصيةً وقال: اشهدوا عليّ بما في هذه الورقة، أو قال: هذه وصيتي فاشهدوا عليّ بها، لم يجز حتى يسمعوا منه ما فيه، أو يُقرأ عليه فيقر به"([476]). وقال في كشف الرموز: "وتفتقر ــ أي الوصية ــ إلى الإيجاب والقبول، وتكفي الإشارة الدالة على القصد، ولا تكفي الكتابة، ما لم تضم القرينة الدالة على الإرادة، ولا يجب العمل بما يوجد بخط الميت"([477]). وقال العلامة بشأن صيغة الضمان: "ولا تكفي الكتابة مع القدرة، وتكفي مع عدمها مع الإشارة الدالة على الرضا، لإمكان العبث"([478]). وقال في رهن جامع المقاصد: "واعتبر في التذكرة مع الكتابة، الإشارة الدالة على الرضا، فلا تكفي الكتابة من دونها، لعدم حق لعدم العلم بثبوت القصد إلى الرهن، لإمكان العبث، أو إرادة أمر آخر"([479]). إلى غير ذلك من كلماتهم التي يُعثر عليها في الأبواب الفقهية المتفرقة. أدلة كفاية الكتابة: والأقرب إلى النظر، كفاية الكتابة على هذا الصعيد أيضاً، ما لم ينهض دليل خاص على عدم كفايتها في مورد من الموارد كما في الطلاق، والوجه فيما نقول عدة أمور: الأوَّل: جريانُ العقلاء في سيرتهم المستمرَّة على الكتابة في العقود والمواثيق والمعاملات الخطيرة والكتب والرسائل السياسية والدبلوماسية، كما في رسائل الملوك إلى نظرائهم، أو الخلفاء إلى ولاتهم، من دون نكير من الشارع على ذلك، بل إن النبي(ص) نفسه قد سار على هذه السيرة، فأرسل الرسائل إلى ملوك وزعماء العالم في عصره يدعوهم إلى الإسلام، كما أنه كتب وثيقة صلح بينه وبين قريش عرفت بصلح الحديبية، وكان الكاتب لها الإمام علي(ع)، كما أنه اتخذ الكُتَّاب لكتابة الوحي، وهكذا كان ديدن أمير المؤمنين(ع)، فقد كتب الرسائل والكتب إلى عماله وولاته في الأمصار، وقد نقل لنا التاريخ الكثير من مكاتيب النبي(ص) ورسائل أمير المؤمنين(ع). الثاني: وجود شواهد متعددة تؤكد مشروعية الكتابة وإمكان اعتمادها كوثيقة ووسيلة إثبات، وبسبب تنوع هذه الشواهد وتفرقها وتوزعها على أبواب فقهية متعددة، فبالإمكان إلغاء الخصوصية عنها وانتزاع قاعدة عامة، وإليك بعض هذه الشواهد: 1- ما ورد في الدَّين كما في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً}([480])، فإن الأمر بالكتابة إرشاد إلى توثيق الدَّين، واعتبارها ــ أعني الكتابة ــ وثيقةً يعتمد عليها عند الإنكار والجحود، وإلا فلا فائدة منها ولا معنى للأمر بها. وفي معتبرة مسعدة بن زياد عن أبي عبد الله(ع) قال: "أصناف لا يستجاب لهم منهم من أدان رجلاً ديناً إلى أجل فلم يكتب عليه كتاباً ولم يشهد عليه شهوداً"([481]). 2- ما ورد في شأن الوصية من قبيل قوله(ص): "ما ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلة إلا ووصيته تحت رأسه"([482])، وهو ظاهر في النظر إلى الوصية المكتوبة، ونحوه ما رواه العامة عن ابن عمر، أنَّ رسول الله(ص) قال: "ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة"([483])، فإن الأمر بكتابة الوصية يدل على حجيتها في إثبات مضمونها، وإلا كان لغواً، وقد أراد النبي(ص) كتابة الوصية في أمر غاية في الحساسية، أعني الخلافة عندما أمر وهو في مرض الموت، أن يؤتى بقلم ودواة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداً([484])، لكنهم بسبب اختلافهم وجرأتهم على رسول الله، حالوا دون ذلك كما هو معروف. وفي رواية إبراهيم بن محمد الهمداني قال: "كتبت إليه: كتب رجل كتاباً بخطه ولم يقل لورثته هذه وصيتي، ولم يقل إنى قد أوصيت، إلا أنه كتب كتاباً فيه ما أراد أن يوصى به، هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطه ولم يأمرهم بذلك؟ فكتب: "إن كان له ولد ينفّذون كل شيء يجدون في كتاب أبيهم في وجه البرّ وغيره"(3)، فإنها واضحة الدلالة على وجوب تنفيذ الوصية المكتوبة حتى مع عدم علم الورثة بها من قبل، خلافاً لما أفتى به الأصحاب من منع ذلك وتخصيصهم الجواز بحال الضرورة والعجز عن التلفظ، كما أنها من ناحية السند معتبرة بنظر البعض، لأنه ليس فيه من يخدش فيه، أما إبراهيم بن محمد الهمداني، فقد وثقه الكشي في ترجمة أحمد بن إسحاق، وكان وكيل الناحية وحج أربعين حجّة([485]). وفي خبر حنان بن سدير عن أبيه عن أبي جعفر(ع) قال: "دخلت على محمد بن علي ابن الحنفية، وقد اعتقل لسانه، فأمرته بالوصية فلم يجب، قال: فأمرت بالطشت، فجعل فيه الرمل فوضع، فقلت له: فخطَّ بيدك، فخطَّ وصيته بيده إلى الرجل، ونسخت أنا في صحيفته"([486]). ولم يظهر من الخبر ــ كما أفاد بعض الأكابر([487]) ــ مدخلية العجز عن النطق في اعتبار الكتابة، بل لعلَّ العدول إلى الكتابة بعد العجز عن النطق من جهة أسهلية النطق. وفي ضوء ذلك، ذهب غير واحد من الفقهاء إلى كفاية الوصية المكتوبة، سواء كانت الوصية صريحةً أو ظاهرةً، كما اختاره السيد اليزدي في العروة، ووافقه بعض الفقهاء في تعليقاتهم عليها، وأضاف(رحمه الله): "فما يظهر من جماعة اختصاص كفاية الإشارة والكتابة بحال الضرورة لا وجه له، بل يكفي وجود مكتوب منه بخطه ومهره إذا علم كونه إنما كتبه بعنوان الوصية"([488]). 3- ثمة عقد خاص ابتكره الإسلام في سبيل تخليص العبيد من نير العبودية، وهو عقد الكتابة، وهو يحصل بين العبد والسيد، يدفع بموجبه العبد مبلغاً من المال معيناً ومقسطاً لقاء تحرّره وانعتاقه، والأساس في شرعية هذا العقد قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً}([489]). والظاهر أن منشأ تسميته بعقد الكتابة، هو أنه يتم توثيقه بها، ومن الواضح أن الفائدة المرجوة للكتابة في المقام، أن تكون حجةً ومرجعاً للطرفين لجهة تعرّف الأقساط المستحقَّة. 4- ما جاء في الوقف والصدقة، من أنَّ السيدة الزهراء(ع) وأمير المؤمنين(ع) والإمام الكاظم(ع) تصدقوا ووقفوا بعض البساتين أو الآبار في سبيل الله، وقد ذكرت صيغة الوقفية في كتب التاريخ والحديث([490])، ولم يظهر ولم يُنقل أنهم أنشأوا الصيغة باللّفظ ثم كتبوها لمزيدٍ من الاحتياط أو التوكيد، بل الظاهر أنهم أنشأوا الوقف بالكتابة. 5- إن تراثنا الحديثي وروايات النبي(ص) والأئمة من أهل البيت(ع)، بل بإرشادهم وإشارتهم وحثّهم على كتابة العلم وتقييده، وكانوا أنفسهم يجيبون كتابة عن الأسئلة الموجَّهة إليهم، وعرفت هذه الروايات بالمكاتبات أو التواقيع، فإذا كان يمكن تلقي الحكم الشرعي بالكتابة، وتكون حجَّة في حق من وصلت إليه، فالأولى أن تكون الوصايا والأقارير والشهادات المكتوبة والموقعة من أصحابها حجَّة أيضاً. ومن الغريب أن بعض الفقهاء رغم إفتائهم بعدم حجية الكتابة في الوصية والوقف ونحو ذلك، تراهم من الناحية العملية يكتبون وصاياهم ويرسلون الرسائل ويجيبون على الاستفتاءات الموجَّهة إليهم كتابةً، دون أن يخالجهم أدنى شك في كون الكتابة مجرد كناية، أو أنها أدنى من الإشارة، أو اعتبار كتابتهم ــ من قبل الآخرين ــ مجرد تجربة قلم على قرطاس! الثالث: إن أدلَّة الأقارير والوصايا والأوقاف والعقود والبينات مطلقة وشاملة لما كان منها باللَّفظ أو بالكتابة أو أي مبرز آخر معتد به عرفاً، ولا موجب لحملها على ما كان باللفظ، ومجرد كون اللفظ في بعضها أيسر وأسهل وأكثر تداولاً ــ ولا سيما في زمن النبي(ص) والأئمة(ع) ــ لا يوجب انصراف الأدلة إلى ذلك كما لا يخفى. وعليه، فلو كتب الإقرار دون أن يتلفظ به أو كتبت البيِّنة شهادتها دون تلفظ، فلا مانع من الأخذ بهما بعد صدق الإقرار والشهادة. أدلة عدم كفاية الكتابة: أما القول بعدم كفاية الكتابة في الأقارير والوصايا والعقود ونحوها فإنه يفتقر إلى الدليل التام، وما استدل به له هو مجرد وجوه ضعيفة ومردودة وإليك بعضها: الأول: الإجماع، وقد ادعاه غير واحد من الفقهاء في موارد متفرقة. ويرده: أنه ــ على فرض تحققه إجماع مدركي مستند إلى الوجوه التالية، فلا يكون كاشفاً عن رأي المعصوم. الثاني: الأصل، والمراد به أصالة الفساد في العقود المعتمدة على استصحاب عدم تحقق النقل والانتقال أو عدم ثبوت موجب الحكم إلى نظير ذلك. ويرده: ــ مضافاً إلى أن الاستصحاب لا يجري ــ بنظرنا ــ في الشبهات الحكمية كما مرّت الإشارة إليه ــ أنه لا مجال للأصل أساساً لفرض وجود الدليل الاجتهادي، وهو الآيات والروايات والإطلاقات المتقدمة. الثالث: إن الكتابة قاصرة عن إفادة المقاصد والمعاني، وغايتها الظن، وهو لا يغني عن الحق شيئاً، وقد رأى واحد من الفقهاء أن الكتابة أشبه بالكناية أو الإشارة، فلا يعوَّل عليها إلا بالقرنية. ويردُّه: أن الكتابة كاللفظ، تارةً تكون نصاً في إفادة المعنى، وأخرى ظاهرة في ذلك، وثالثة مجملة أو محتملة احتمالاً موهوناً، وما يقال بشأن اللَّفظ يقال في الكتابة، أي يؤخذ بالنصِّ والظاهر ويتوقف في المجمل والمحتمل. ودعوى أنَّ الكتابة قاصرةٌ عن إفادة المعنى خلافاً للّفظ، مرفوضة، كيف وقد جرت سيرة العقلاء عامةً، وعقلاء المسلمين عامتهم وعلماؤهم على التعويل على الكتابة وكتابة الرسائل والكتب والاحتجاج بها، فلا قصور ــ إذاً ــ في الكتابة عن إفادة المعاني، بل ربما كانت إفادتها للمعاني أقوى من إفادة الألفاظ، لأنها أكثر ضبطاً. إن قلت: لا يمكن إحراز كون الكاتب جاداً فيما كتبه، فلعله هازل أو غافل أو لاهٍ أو عابث، أو هو بصدد تجربة قلم على قرطاس كما يقال. قلت: إنَّ هذه الاحتمالات وسواها كاحتمال الإكراه والاضطرار، كما هي موجودة في الكتابة، فإنها موجودة في اللَّفظ أيضاً، وكما تدفع هناك ــ أي في اللفظ ــ بمخالفتها للظاهر، تدفع هنا أيضاً، فلا يعوِّل عليها العقلاء إلاّ إذا توفرت قرينة معتدّ بها عرفاً على أحدها. وبعبارة أخرى: إنَّ إحراز كون المقر أو الموصي أو البائع في مقام الجد كما لا بدّ منه في الكتابة، لا بدّ منه في اللفظ أيضاً، وإثبات ذلك في المقامين يتم بواسطة الظهور والقرائن الحالية والسياقية واللفظية، فالوصية المكتوبة والموقعة من قبل صاحبها، ولا سيّما مع إمضاء وتوقيع بعض الشهود عليها، يؤخذ بها ولا يصغى إلى احتمال أنه هاز، بل هو احتمال واهٍ ولا يعوّل عليه. يبقى أن ظاهر بعض الأخبار الواردة في بعض الأبواب الفقهية، كالطلاق أو النكاح، اشتراط اللفظ في صحة تلك العقود، ولكن على فرض صحة تلك الروايات وتماميتها، فإنها مختصّة بمواردها، ولا يتعدى منها إلى سائر الموارد، ولا ينتزع منها قاعدة عامة بعد احتمال الخصوصية كما لا يخفى. فتحصَّل: أن الأقرب هو مشروعية اعتماد الكتابة في الوصايا والأقارير والشهادات والشهادات والعقود والإيقاعات، ولا سيما في زماننا هذا الذي غدت فيه الكتابة أهم وسيلة توثيق معتمدة، بل إن الحياة الإنسانية برمتها قائمة على الكتابة، سواء في المجال الاقتصادي، حيث يتمُّ توثيق المعاملات التجارية والمالية بالكتابة ولا يكتفى باللفظ، بل لا يلتجأ إليه، وهكذا الحال في المجال السياسي والدبلوماسي والقانوني، أو غير ذلك من المجالات. الإثبات بالقرائن الطبية في المباحث السابقة، تناولنا بالحديث وسائل الإثبات المتعارفة والشائعة منذ زمن قديم، والتي وردت فيها النصوص الشرعية وعالجها الفقهاء بالتفصيل. وقد أبدينا رأينا فيها، ولكن تطوّر الحياة وتقدّم العلوم، ولا سيما علم الطب، فتح الباب أمام إمكانية الاعتماد على وسائل إثبات جديدة. وثمَّة معاهدة خاصة في معظم دول العالم لدراسة ما يُعرف بالطبِّ الشرعي المختص بتعرّف أسباب وكيفية حصول الجرائم والمخالفات، فيقوم المختصون في هذا الحقل بتحليل الدماء وفحص البصمات، وكذلك الكتابات، لمعرفة أصحابها وزمانها، وكذلك فحص الحرائق لمعرفة أسبابها، إلى غير ذلك مما قد يترك فيه المجرم أثراً يمكن من خلاله التعرف إليه. ويمثّل فحص الحمض النووي (DNA) آخر وأهمّ المكتشفات الهامة على هذا الصعيد، بما يقدِّم للقاضي من وسيلة علمية دقيقة تساعده على اكتشاف الحقيقة. والحمض النووي هو عبارة عن المادة الوراثية الموجودة في خلايا جميع الكائنات الحيَّة التي تميّز كلّ فرد عن الأفراد الآخرين، وقد أثبتت التجارب الطبية الحديثة ــ اعتماداً على وسائل تقنية غاية في التطور والدقة ــ أن لكل إنسان جينوماً بشرياً يختصَّ به دون سواه، لا يمكن أن يتشابه فيه مع غيره، وهو أشبه ما يكون ببصمة الأصابع في خصائصها، بحيث لا يمكن تطابق الصفات الجينية بين شخص وآخر، حتى وإن كانا توأمين، ولهذا جرى إطلاق عبارة بصمة وراثية، للدلالة على تثبيت هوية الشخص من خلال أخذ عيّنة من حمضه النووي المعروف بـ (DNA)، الذي يحمله الإنسان بالوراثة عن أبيه وأمه، إذ إن كل شخص يحمل في خليته الدينية (46) من صبغيات الكروموسومات، يرث نصفها، وهو (23) كروموسوماً عن أبيه بواسطة الحيوان المنوي، والنصف الآخر وهو (23) كروموسوماً يرثها عن أمه بواسطة البويضة، وكل واحدة من هذه الكروموسومات، والتي هي عبارة عن جينات الأحماض النووية المعروفة باسم (DNA) ذات شقين، يرث الشخص شقاً منها عن أبيه، والشق الآخر عن أمه، فينتج كذلك كروموسومات خاصة به، لا تتطابق مع كروموسومات أبيه من كلّ وجه، ولا مع كروموسومات أمه من كل وجه، وإنما جاءت خليطاً منهما، وبهذا الاختلاط اكتسبت صفة الاستقلالية عن كروموسومات أيِّ من والديه، مع بقاء التشابه معهما في بعض الوجوه. وعلماء الطبّ الحديث يرون أنهم يستطيعون إثبات الأبوة أو البنوة لشخصٍ ما أو نفيه عنه من خلال إجراءات الفحص على جيناته الوراثية، حيث قد دلّت الأبحاث الطبية التجريبية على أن نسبة النجاح في إثبات النس أو نفيه عن طريق البصمات الوراثية، يصل في حالة النفي إلى حد القطع، أي بنسبة 100%، أما في حالات الإثبات، فإنه يصل إلى قريب من القطع، وذلك بنسبة 99% تقريباً. وطريقة معرفة ذلك، أن تؤخذ عيِّنة من أجزاء الإنسان بمقدار رأس الدبوس من البول أو الدم أو المني أو العظم أو اللّعاب أو خلايا الكلية أو غير ذلك من أجزاء الإنسان، وبعد أخذ هذه العيِّنة، يتمُّ تحليلها وفحص ما تحتوي عليه من كروموسومات ــ أي صبغيات ــ تحمل الصفات الوراثية، وهي الجينات، وبعد معرفة هذه الصفات الوراثية الخاصة بالابن وبوالديه، يمكن بعد ذلك أن يثبت أن بعض هذه الصفات الوراثية في الابن موروثة له عن أبيه، لاتّفاقهما في بعض هذه الجنيات الوراثية، فيحكم عندئذٍ بأبوّته له، أو يقطع بنفي أبوته عنه، لعدم تشابههما في شيء من هذه الجينات الوراثية، فيحكم عندئذٍ بنفي أبوته له، وكذلك الحال بالنسبة إلى الأم، وذلك لأن الابن ــ كما تقدم ــ يرث عن أبيه نصف موروثاته الجينية، بينما يرث عن أمه النصف الآخر، فإذا أثبتت التجارب الطبية والفحوصات المخبرية وجود التشابه في الجينات بين الابن وأبويه، ثبت طبياً بنوته لهما، وإن لم يوجد بينهما أي تشابه في الجينات الوراثية، انتفى طبياً بنوَّته لهما. وقد تبت بنوَّته لأحد والديه بناءً على التشابه الحاصل بينهما في الموروثات الدينية، بينما ينفى عن الآخر منهما، بناءً على انتفاء التشابه بينهما في شيء من الموروثات الجينية. والحاصل: أن التقنية الحديثة والمتقدِّمة حول الـ(DNA)، تقدم لنا الوسيلة القاطعة التي تكفل إقناع القاضي بوسيلة علمية ثابتة، بعد أن أصبح تمييز ملامح الـ(DNA) في الخلايا البيولوجية للإنسان حقيقةً علمية. وتلجأ الأجهزة الأمنية حالياً إلى أخذ العيِّنات التي تحتوي على الحمض النووي من مسرح الجريمة أو الحادث، وهي كما ذكرنا، أيّ شيء من مخلّفات المجرم والضحية، حيث يتم تحليلها بإضافة مواد كيمائية محددة لإظهار وتقطيع الحمض النووي الموجود على الكروموسومات دخل نواة الخيفة، ثم يتمُّ تكبير المادة الوراثية والحمض النووي ملايين المرات بالطرق الحدية المتوفّرة الآن، وتفرد على غشاء خاص لتظهر الخطوط والمسافات بينها بوضوح، وتكون البصمة المحدّدة للشخص، بمثابة الهوية الوحيدة المعرّفة به. ومع التوسع الكبير في استخدام البصمة الوراثية للحمض النووي في العديد من القضايا، أخذ الاهتمام بهذا الجانب يتطور بسرعة للحصول على أفضل النتائج في أقصر وقت، بحيث لا يتاح للمجرمين الفرصة للابتعاد كثيراَ عن مسرح الجريمة أو الهروب، مع أنَّ البصمة الوراثية لا تترك مجالاً لعدم معرفة الجاني عند توفر قاعدة معلومات تحتوي على البصمات الوراثية للمشبوهين. ومن القضايا التي وجدت حلولاً شافيةً لها بواسطة البصمة الوراثية للحمض النووي، قضايا التعرَّف على المجرم من خلال تحديد شخصية صاحب الدم في جرائم القتل، وصاحب المني والشعر والجلد في جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي، وصاحب اللعاب على بقايا المأكولات وأعقاب السجائر في جرائم السرقة، والموجودة على أغلفة الرسائل وطوابع البريد في جرائم التهديد والابتزاز والطرود الملغومة والاختطاف، كما يمكن استخدام الأسنان والعظام للتعرف على الأشخاص. ومن مجمل القرائن التي ذكرناها، يمكن التعرف على نوعية الجاني إن كان ذكراً أو أنثى، وهذا بحدّ ذاته يعتبر تحولاً هاماً في مجال الأدلة الجنائية، وكشف الجرائم، إضافةً إلى الاستفادة منه في تحديد شخصية المجرم، حيث بدأ العلماء بدراسة إمكان تحديد طبيعة الشخصية وميولها، وما يمكن أن تعانيه من اضطرابات، من خلال التركيز على بعض الجوانب في تحليل الحمض النووي، وهذا يفتح الأبواب واسعةً أمام تقدم علمي كبير في هذا المجال، يساهم في تحقيق الأمن وتوفير السلامة في المجتمعات الإنسانية. وعندما يتحدَّث البعض عن عيوب البصمة الوراثية، فإنما يشيرون إلى أن ذلك يحدث عندما لا يكون التحليل دقيقاً بالكامل، وعندما يتم فحص عيّنات مختلفة على طاولة واحدة في المعمل نفسه، أو عند تلوّث العيّنة المأخوذة بسبب ما. في كل الأحوال، لا يمكن الشكّ مطلقاً في مدى نجاعة الاعتماد على الحمض النووي كوسيلة سليمة ومضمونة النتائج للوصول إلى حلّ للكثير من الجرائم المعقَّدة من خلال التعرف على شخصيات مرتكبيها والمجني عليها، وأيضاً للوصول إلى معرفة أصحاب الجثث المتحلّلة ومجهولي الهوية. الموقف الشرعي: والسؤال الذي يفرض نفسه: ما هو موقف التشريع الإسلامي في المقام؟ فهل يمكن الاعتماد على معطيات الطب الشرعي، ولا سيما البصمة الوراثية في مجال الإثبات؟ والجواب: أنه ومن حيث المبدأ ــ ومع غضّ النظر عن بعض الخصوصيات الآتية ــ يمكن تقريب الاعتماد على نتائج الفحوصات الطبية الحديثة بأحد وجوه: الوجه الأوَّل: أن الفحوصات المذكورة ما دامت مفيدةً لليقين، فلا مانع من الاعتماد عليها، بناءً على القول بمشروعية قضاء القاضي بعلمه، وهو ما اخترناه في بحوثنا السابقة، شريطة أن يكون علم القاضي مستنداً إلى قرائن عقلائية ملموسة ويمكن تبريرها والإشارة إليها([491]). نعم، لا بدَّ من التنبّه إلى أنَّ المسألة وإن كانت ــ في رأينا ــ من حيث الكبرى صحيحة ولا غبار عليها، لكن الكلام في إثبات الصغرى، فإن ذلك يحتاج إلى تثبّت وحذر، لا لأنّ وسائل الإثبات الطيبة لا تفيد اليقين، فهذا الأمر غدا مسلَّماً لا أقل في بعضها، كما هو الحال في بصمات الإبهام أو البصمة الوراثية، بل لأنّ وجود بصمة المتهم على سلاح الجريمة مثلاً، لا يعتبر دليلاً قطعيّاً على أنه القاتل، إذ ربما وضع يده على السلاح قبل الجريمة أو بعدها دون أن يكون هو القاتل، وإنما لمسه صدفةً أو لاضطرار أو إكراه أو ما إلى ذلك([492])، وقد قيل في باب الحدود، إن حمل المرأة ليس دليلاً على زناها، إذ ربما كانت مكرهةً أو نحو ذلك. ولذا، فما لم يسدّ باب هذه الاحتمالات إذا كانت مما يعتدُّ بها عقلائياً، فلا يمكن اعتماد نتائج الطبِّ الشرعي، وإن كان ذلك يشكّل قرينةً، وربما تنضم إليها قرائن أخرى، بما يؤدِّي إلى حصول اليقين، وفقاً لمبدأ حساب الاحتمالات. هذا وربما يلاحظ على أصل الاستدلال، أنه بناءً على التوسع في مفهوم البيِّنة لتشمل كلَّ حجةٍ عقلائية كما سيأتي، فلا يبقى مغايرة بين الوجه الأول والوجه الثاني الآتي، لأنّ المفروض أننا التزمنا بحجية حكم القاضي بعلمه، فيما لو كان معتمداً على قرائن عقلائية ملموسة يمكن تقديمها في مقام التقاضي والدّفاع عنها عند مناقشة الخصم لها، وهذه يمكن أن ينطبع عليها تعريف البيِّنة المشار إليها. والوجه الثِّاني: هو التمسُّك بقوله(ص): "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ"، بناءً على ما اخترناه من أن عنوان البيّنة لا يراد به خصوص الشاهدين العدلين، فإن هذا مصطلح فقهي متأخر، ولا يمثل حقيقة شرعية لتحمل النصوص عليه، فالمراد بالبيِّنة معناها العرفي واللغوي([493])، وهي الحجَّة التي تفيد البيان والوضوح، كما هو الحال في قوله تعالى: {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}([494]). ومما يشهد لذلك أيضاً، أنَّه لو كان المراد بالبيِّنة خصوص الشاهدين العادلين للزم الحكم بكون الحصر المستفاد من الحديث النبوي المتقدم: "إنما أقضي..." إضافياً، للقطع بوجود وسائل إثبات أخرى غير البيّنة واليمين، كالإقرار، والشاهد واليمين، وحكم الحاكم، وحمل الحصر على كونه إضافياً خلاف الظاهر([495])، بل ربما لزم من ذلك تخصيص الأكثر، فتأمل. إن قلت: إن قوله(ع) في رواية مسعدة بن صدقة: "والأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البيِّنة"([496])، شاهد على أن البيِّنة يراد بها المعنى المصطلح، لأن جعل الاستبانة في مقابل البيِّنة ليس مفهوماً إذا أريد بالبيِّنة المعنى اللغوي والعرفي، لأن هذا المعنى هو الاستبانة نفسها وليس أمراً آخر ليجعل في مقابله. وثمة روايات([497])، يستفاد منها أنَّ المراد بالبيِّنة هو الشهود العدول. قلت: يلاحظ على ذلك: أوّلاً: مع غضّ النظر عمَّا أثير حول سندها([498])، فإن المراد بالاستبانة في قوله(ع): "تستبين" خصوص العمل الوجداني الشخصي، بينما المراد بالبيِّنة هي الحجج النوعية والعقلائية الشرعية، هذا هو الأرجح في تفسير الرواية ودفع التنافي المتوهم في كلام الإمام(ع)، وعليه، فلا ملزم لتفسير البيِّنة بخصوص الشاهدين العدلين. ثانياً: أن ما ورد في الروايات عن الأئمة(ع) من إطلاق البيِّنة وإرادة الشاهدين العدلين، قد يكون من باب التطبيق، باعتبار أن المصداق الأبرز للبيّنة آنذاك هو الشاهدان العدلان، ولا يظهر من تلك الروايات أنَّها في صدد التفسير والتعيين والتحديد. الوجه الثالث: هو ما ذكره البعض([499]) بشأن الأطفال مجهولي النسب، ومرجعه إلى التمسك بفحوى قرينة القيامة لتحديد النسب، وفق ضوابط مقررة في محلها، ومنها: عدالة القائف وخبرته، بشرط التنازع في الإثبات، وعدم الدليل الأقوى، فإذا جاز الاعتماد على القيافة رغم ظنيتها فبالأولى يجوز الاعتماد واللجوء إلى الفحوصات الطبية المفيدة لليقين أو الاطمئنان. ويردّه: أنَّ القيافة وإن لم تثبت حرمتها من الناحية التكليفية خلافاً لبعض العلماء([500])، فإنه لا دليل على شرعيتها وإمكان اللجوء إليها في معرفة الأنساب، فيكون قول القائف مشمولاً لما دلّ من الآيات على عدم حجية الظن، والنهي عن اتّباع غير العلم. وأما ما ورد في رواية زكريا بن يحيى في قصة أبي الحسن الرضا(ع)، وإثبات بنوّة ابنه الإمام الجواد بقول القافة، حيث شكك أعمام الإمام الرضا وأقرباؤه ببنوّة الإمام الجواد له، كما شككوا في إمامته أيضاً بحجّة أنه: "ما كان فينا إمام قطّ حائل اللون"([501])، فهي وإن دلّت على إمكان الاعتماد على قول القافة ــ خلافاً لما ذكره الشيخ الأنصاري([502]) ــ بل على وجود اعتقاد لدى أصحاب الأئمة وأخوة الإمام الرضا وأعمامه بأن رسول الله قضى بقول القافة، لكنها ضعيفة السند، مضافاً إلى تضمنها قضية عرض نساء آل البيت من أخوات وعمات الإمام الرضا(ع) على القافة، وهو أمر مستبعد جداً، فتأمّل. تفصيل بعد إجمال: إنَّ الحديث المتقدٍّم حول إمكانية الاعتماد على القرائن الطبية وشهادات أهل الخبرة المستندة إلى تحاليلهم المخبرية المفيدة لليقين، كان حديثاً إجمالياً عاماً، ويجدر بنا النظر إلى الموضوع بنظرة تفصيلية تأخذ بعين الاعتبار بعض العناوين التي قد تفرض بعض الاستثناءات، ويمكننا أن نشير هنا إلى العناوين التالية، لنرى مدى إمكانية اللّجوء إلى الطبّ الشرعي فيها. 1- حق الناس: إن القدر المتيقن مما يمكن الاعتماد فيه على القرائن الطبية أو غيرها المفيدة للعلم أو الاطمئنان، هو حقوق الناس، كما في الدعاوى المالية كالغصب والاختلاس، أو بعض قضايا الأحوال الشخصية كالإرث وعدّة الزوجة. وعلى سبيل المثال: إذا اختفى الزوج في منطقة تتعرض لحوادث القتل، أو في غابة مليئة بالأفاعي والسباع، فظنّ بموته، ثم اكتشفت بقايا جثته متحللة لا يمكن التعرف على هوية صاحبها، وبالفحوصات الطبية الأكيدة تبين أنها تعود إلى الزوج المفقود، فبالإمكان ترتيب آثار الموت عليه وتقسيم تركته على ورثته واعتداد زوجته، ولا سيما بملاحظة أن التشريع اكتفى في الحكم باعتداد الزوجة المفقود زوجها بغيبته مدةً يعلم معها بموته، ما يعني أن المدار هو على العلم أو الاطمئنان بموته، هذا بالنسبة إلى حقوق الناس. 2- حقوق الله: ولكن هل يمكن الاعتماد على نتائج الفحوصات الطبية في حقوق الله سبحانه، ولنأخذ الحدود مثالاً لذلك؟ والجواب: الظَّاهر أنه لا يمكن اعتمادها، لا لعدم إفادتها اليقين، بل لأن الشَّارع لم ينط إقامة تلك الحدود باليقين. وبيان ذلك: أنَّ الحدود مبنية على التخفيف في تطبيقها والتشديد في وسائل إثباتها، وقد نصّ التشريع الإسلامي على وسائل خاصة لإثباتها، فحدّ الزنا مثلاً يحتاج إلى أربعة شهود عدول، أو تكرار الإقرار من الزاني أربع مرات، ولم يكتفِ بالشهود الثلاثة أو الاثنين، ولا بالإقرار مرتين أو ثلاث، حتى لو أفاد هذا أو ذاك اليقين بحصول موجب الحدّ، ما يعني أن لشهادة الأربعة أو الإقرار أربع مراتٍ خصوصية لا يتعدّى منها إلى غيره. أجل، إنَّ بعض الحدود تتضمَّن حقين: حق الله، وحق الناس، كما في السرقة، فإن القطع هو حق الله، والضمان حق الناس. وهنا يمكن القول بالتفصيل: أي يجوز الاعتماد على الطبِّ الشرعي لإثبات حق الناس، ولا يجوز ذلك في حق الله، وذلك نظير ما ذكره الفقهاء([503]) من أن الإقرار بالسرقة لا يستوجب الحد إلا بتكراره مرَّتين، لكن يكفي للحكم بتضمين السارق إقراره مرةً واحدةً. 3- إثبات النَّسب: وأما الاعتماد على الطبِّ الشرعي، وتحديداً فحص (DNA)، والمعروف بالبصمة الوراثية في مجال إثبات النسب، فالظاهر أنه لا مانع منه، وهو مشمول للأدلة المتقدمة. ودعوى منافاة ذلك لقاعدة الفراش، مدفوعةٌ بكون تلك القاعدة قاعدةً ظاهريةً موردها الشك، وأمَّا مع العلم بانتفاء الولد عن الزوج فلا مجال لها، ولذا لم يتوهَّم أحدٌ من الفقهاء ــ باستثناء شاذٌ لا يعوّل عليه ــ إلحاق الولد بالزوج الغائب منذ خمس سنوات ــ مثلاً ــ دون حصول أي اتصال جنسي أو تلقيح صناعي بينه وبين زوجته. تفصيل لا وجه له: وقد فصّل بعضهم([504]) بين الزوج والزوجة في مشروعية استخدام البصمة الوراثية عند التنازع في ثبوت نسب الولد، فأعطى الحق للزوجة باللجوء إلى الفحص المذكور دون الزوج. والوجه في هذا التفصيل: أن احتكام الزوج الذي يتهم الزوجة بالزنا إلى البصمة الوراثية، يفوّت على الزوجة ما يوفِّره لها اللعان من الستر عليها وعلى ولدها، وهذا الستر مقصود للشارع، لما فيه من مصلحتها ومصلحة الولد، أما لو كان طالب الاحتكام إلى البصمة الوراثية هو الزوجة المقذوفة، فيستجاب لها، على أساس أنها لا تفعل ذلك إلا إذا كانت متيقنةً من براءتها، وتطلب اللجوء إلى وسيلة علمية مقطوع بها، تدفع التهمة بها عنها، وتحفظ بها حقها، ولا تعتدي على حق إنسان آخر، فهي تطلب بالاحتكام إلى البصمة إثبات أمور ثلاثة في غاية الأهمية شرعاً. أولها: براءة نفسها من التهمة المنسوبة إليها، وهي جازمة بأنها تهمة كاذبة، وهذا أمر يحرص عليه الشارع، ألا يتهم بريء بما ليس فيه. وثانيها: إثبات نسب ولدها من أبيه، وهذا حق للولد، والشارع يتشوف إلى إثبات الأنساب ما أمكن، وحفظ الأنساب من الضرورات الشرعية الخمس. الثالث: إراحة نفس الزوجة وإزاحة الشك من قلبه، بعد أن يثبت له بالدليل العلمي القطعي، أن الولد الذي اتهمها بنفيه منه هو ابنه حقاً... أقول: إن مورد الكلام السابق هو احتكام الزوج إلى البصمة الوراثية في حال اتهامه زوجته بالزنا، بحيث يكون اللجوء إلى البصمة موجباً لهتك حرمتها وانكشاف أمرها إذا كانت خائنةً لزوجها، بينما اللجوء إلى الطريق الذي وضعه الشارع، وهو اللعان، يحمي المرأة من الافتضاح ويستر عليها، ولا مجال لهذا التفصيل في حالة ما إذا كان لجوء الزوج إلى البصمة غير مستلزم لاتهام المرأة، كما ي حال تعرض المرأة للاغتصاب، وشكَّ في انتساب الطفل إلى الأب أو الزاني، أو كما في صورة اختلاط الأطفال في المستشفيات بعد الولادة. بعد هذا التوضيح نقول تعليقاً على التفصيل المتقدِّم: أولاً: مع التسليم بكون فائدة اللعان بالنسبة إلى المرأة هو الستر عليها، لكن المرأة إذا كانت تعلم بانتفاء الولد عن زوجها، فلا يجوز لها التستر باللعان لإلحاق الولد به، بل إن ذلك من كبائر المحرِّمات، في حين أن كلام صاحب التفصيل يشي أو يوحي بترير احتكام المرأة ــ حتى لو كانت زانيةً ــ إلى اللعان لتستر على نفسها. ثانياً: حتى على فرض اطمئنانها ببراءتها من تهمة القذف الموجَّهة إليها، فإن اعتماد البصمة الوراثية لا يعني اتَّهامها بالزنا ضمناً، وبالتالي هتك سترها، لإمكان حصول الحمل بطرق أخرى لا تقتضي المباشرة، كما في التلقيج الصناعي أو نحوه، مما قد يحصل دون علمها. ثالثاً: على أن اهتمام الشارع بالستر على المرأة قد لا يوازي اهتمامه بموضوع الأنساب، الأمر الذي يبرِّر للزوج الاحتكام إلى البصمة في حال علمه بانتفاء الولد عنه، وإن استلزم ذلك المسّ بكرامة المرأة، فإن ذلك قد يكون أهون من اختلاط الأنساب، أو على الأقل لا يقلُّ عنه أهمية. الفهرس المقدمة 5 حكم القاضي بعلمه حكم القاضي بعلمه 11 الرأي المختار: 12 الإقرار تعريفه: 15 الإقرار كوسيلة إثبات: 15 الإقرار في القضاء المدني: 17 جواب المدَّعى عليه: 17 الحكم وفق الإقرار: 18 رأينا في المسألة: 22 وجوب الحكم بعد الإقرار: 23 الحكم قبل سؤال المدعي: 24 ظهور الكراهة 25 حقيقة الحكم وصيغته: 26 كتابة الحكم: 27 أخذ الأجرة على كتابة الحكم: 28 عقوبة المقرّ المماطل: 30 إعسار المقر: 34 صور الاختلاف في الإعسار: 35 حبس الوالد بدين ولده: 40 حبس المريض والأجير: 42 مؤونة الحبس: 43 إجارة المديون واستعماله: 43 أدلة المشهور: 44 أدلة القول الآخر: 47 الشَّهادة الشهادة مصداق للبينّة: 53 مشروعيّتها: 53 القانون والإثبات بالشهادة: 54 هل يأمر القاضي بإحضار البيِّنة؟ 54 هل تقبل بيِّنة المنكر ؟ 56 أدلة المشهور: 60 تحليف المنكر مع توفر البينة: 63 العدول عن البيِّنة بعد إقامتها: 67 نظر الحاكم في حال البينة: 67 هل يجب على الحاكم الفحص عن عدالة الشهود؟ 70 هل العدالة شرطٌ واقعي أم علمي؟ 73 تبيّن فسوق الشهود: 73 أدلة القول الأوَّل: 75 أدلة القول الثاني: 76 شروط الجرح والتعديل: 77 كفاية الإطلاق في التعديل والجرح: 78 ألفاظ التعديل: 82 تعارض بينتي الجرح والتعديل: 83 الترجيح بالأكثرية: 86 طرق ثبوت عدالة الشهود: 87 الشهادة بالعدالة والجرح: 94 الشهادة بالجرح إذا شاهده يرتكب كبيرةً: 95 السؤال عن التزكية: 97 تفريق الشهود: 97 رضى المدَّعي بشهادة الفاسق: 100 اختلاف المدَّعي والحاكم في عدالة البينة: 100 الحكم بشهادة مجهولي الحال غفلةً: 101 اعتراف المدَّعى عليه بعدالة الشهود: 102 تكذيب المدَّعي شهوده: 105 علم القاضي بنسب الشهود: 106 الاستناد إلى شهادة الجماعة: 107 البيِّنة واليمين ضمُّ اليمين إلى البينة: 112 الدعوى على الميت: 114 فروع ترتبط بالمقام: 116 الشاهد واليمين القضاء بشاهد ويمين. 154 أدلة الحنفية 156 وأما السنَّة: 157 مجال القضاء بالشاهد واليمين: 159 تحقيق المسألة: 162 الموازنة بين الروايات والأقوال: 167 ما المراد بالدَّين؟ 170 شهادة الامرأتين واليمين: 171 تقدم الشاهد على اليمين. 172 الشاهد واليمين جزءا الحجَّة: 174 الشاهد ويمين الوارث: 175 حلف بعض الورثة وامتناع البقية: 177 موت الحالف قبل الاستيفاء: 182 هل يقبل الحلف من القيّم؟ 182 الشاهد واليمين في طول البينة: 184 ثبوت وصية المورِّث بيمين الورثة مع الشاهد: 185 يمين غريم الميت: 187 فرعان آخران: 189 دعوى الوقف: 190 اليمين اليمين: وسيلة إثبات داخلية: 200 مشروعيَّة الإثبات باليمين: 200 أنواع اليمين: 201 اليمين في القوانين الوضعية: 202 إعلام المتنازعين بحقوقهما: 203 هل الإحلاف حقٌّ للمدعي؟ 204 جواب المنكر: 210 ذهاب اليمين بحقِّ المدَّعي: 210 فروع ترتبط بالمقام: 215 يمين المدَّعي: 220 اعتراف الحالف بالحق: 221 هل اليمين حكمْ أو حق؟: 223 حلف المنكر والحاجة إلى حكم القاضي: 225 ردُّ اليمين على المدَّعي: 228 اختصاص الرد بكون الدَّعوى جزمية: 230 سقوط الدَّعوى بعدم الحلف: 231 ردُّ اليمين إلى المنكر ثانياً: 231 رجوع المنكر في ردِّ اليمين: 231 نكول المنكر: 232 أدلَّة القول الأول: (الحكم بالنكول). 233 أدلة القول الثاني: (عدم جواز الحكم بالنكول) 240 رجوع المنكر عن النكول: 245 إن حلفت وإلا جعلتك ناكلاً. 248 كيف يتحقق النكول؟ 250 طلب المهلة: 251 الحلف على أن لا يحلف: 251 الإثبات بالقرائن الإثبات بالكتابة 259 آراء المذهب: 259 قرينة الكتابة: 261 الكتابة الطولية: 261 أدلة كفاية الكتابة: 262 أدلة عدم كفاية الكتابة: 267 الإثبات بالقرائن الطبية. 270 الموقف الشرعي: 274 تفصيل بعد إجمال: 280 تفصيل لا وجه له: 282 ([1]) لقد عالج سيدنا الأستاذ مسألة قضاء القاضي بعلمه بشكل مفصَّل، وقد أدرجنا بحثه لهذه المسألة في الجزء الأول من فقه القضاء، ولكن حيث إن الجزء الثاني من هذا الكتاب مخصَّص للحديث عن وسائل الإثبات القضائي، ارتأينا ــ تنظيماً للمباحث وإكمالاً للفائدة ــ تلخيص رأي سماحته في الوسيلة المذكورة ودرجه في هذا الجزء، ومن أراد التوسع حول مباني هذا الرأي، فعليه مراجعة الجزء الأول. ([2]) فقه الشريعة 3/329 وما بعدها. ([3]) سورة آل عمران، الآية 81. ([4]) سورة النساء، الآية: 135. ([5]) ورد في الخبر، أن أمير المؤمنين وجد هذه الجملة على قائمة سيف من سيوف النبي(ص). راجع الأمالي للصدوق: 130 وكنز العمال 16/238، وورد نحوه عن الإمام الصادق(ع) (معاني الأخبار: 191). ([6]) راجع الكافي 7/485، تهذيب الأحكام: 10/34، صحيح البخاري: 8/113، وصحيح مسلم 5/118. ([7]) صحيح مسلم 5/119، وسنن أبي داود 2/347، وعوالي اللآلي: 3/441، وبحار الأنوار: 21/366. ([8]) هذا ما نص عليه قانون الإثبات الإماراتي والسوري. راجع: التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي 367-368. ([9]) تحرير الوسيلة 2/415. ([10]) مسالك الإفهام: 13/442. ([11]) ([12]) لقد اشتهر الاستدلال بهذه الرواية في كتب الاستدلال، ونقلها الشيخ الحر في (وسائل الشيعة 23/154) قائلاً: روى جماعة من علمائنا في كتب الاستدلال عن النبي(ص)... وأورده في عوالي اللآلي ج1/223، واستظهر بعض المحدثين أنها رواية عامية (بحار الأنوار 107/107)، لكنّ التتبع يظهر أنه لا وجود لهذه الرواية في كتب الحديث والفقه السنية، كما أنه لا وجود لها في كتب الحديث الشيعية، وقد اعترف غير واحد من محققي الكتب الفقهية بعدم عثوره عليها بهذا اللفظ في مصادر الفريقين، الأمر الذي يبعث على التشكيك في كونها روايةً واردة بهذا اللفظ. ومعه، لا يبقى مجال للاعتراض عليها بضعف السند والإرسال كما فعل السيد= = الخوئي(رحمه الله) في غير مورد (راجع كتاب الصلاة من تقريرات بحثه 4/263)، ولا للحديث عن أنّ عمل المشهور جابر لضعف سندها، لأن ذلك فرع كونها رواية، وهو غير ثابت، ومنه تعرف المجازفة في دعوى تواترها (مائة قاعدة فقهية، ص61)، وربما كان الأصل في هذه "الرواية" كلام الشيخ الطوسي في الخلاف 3/597، حيث استدل على بعض الفروع: "بالأخبار المروية في أن إقرار العاقل عن نفسه جائز"، مع أن الظاهر أنه (رحمه الله) لا يريد القول: بأن هذا المضمون هو نص رواية، وإنما هو مضمون مستفاد من الروايات، وقد حصل الاشتباه ــ على الأرجح ــ لمن جاء بعده، فظن ذلك المضمون هو نص رواية، وتداولها القوم في كتبهم كابراً على كابر، غفلةً منهم عن واقع الحال فيها. ([13]) ملحقات العروة: 3/49. ([14]) ملحقات العروة: 3/49. ([15]) المبسوط: 8/157-158. ([16]) شرائع الإسلام 4/872، ملحقات العروة: 3/49. ([17]) ملحقات العروة: 3/49. ([18]) ([19]) ملحقات العروة: 3/50. ([20]) مسالك الإفهام: 13/416. ([21]) ملحقات العروة: 3/50. ([22]) مستند الشيعة: 17/175. ([23]) أمالي الطوسي اللآلي 520، وسائل الشيعة 18/333، الباب 8 من أبواب الدَّين والقرض، عوالي اللآلي: 4/72، شرح نهج البلاغة: 9/70. ([24]) الكافي: 5/102، التهذيب 6/191، الاستبصار: 3/7. ([25]) الحديث: 1. ([26]) الكافي: 5/65، التهذيب 6/180. ([27]) التهذيب: 6/181. ([28]) سورة آل عمران: الآية: 104. ([29]) التهذيب: 6/177. ([30]) مستند الشيعة: 17/178-179. ([31]) سورة النساء، الآية: 148. ([32]) هكذا في المصدر، ولعل الأصح "غير ممكن". ([33]) ملحقات العروة الوثقى: 3/52. ([34]) تهذيب الأحكام: 6/314، 10/، من لا يحضره الفقيه: 4/71. ([35]) سورة البقرة، الآية: 280. ([36]) التهذيب: 6/192، ثواب الأعمال: 138، والرواية مجهولة. ([37]) ملحقات العروة الوثقى: 3/53. ([38]) ملحقات العروة: 3/53. ([39]) جواهر الكلام: 25/306. ([40]) تذكرة الفقهاء: 2/85. ([41]) ملحقات العروة: 3/53. ([42]) وسائل الشيعة: 27/293، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 3. ([43]) وسائل الشيعة: 27/232، من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 1. ([44]) تذكرة الفقهاء: 2/58، طبعة حجرية. ([45]) الشرائع 2/95، القواعد 2/209، مسالك الإفهام: 2/367، طبعة حجرية. ([46]) ملحقات العروة: 3/54. ([47]) مستند الشيعة: 17/185-186. ([48]) ملحقات العروة: 3/54. ([49]) وهناك ملاحظة أخرى يمكن تسجيلها على المحقق النراقي وعلى السيد اليزدي أيضاً، لأن ظاهره موافقة النراقي، وهي: أن ظاهرهما كون القاعدة في المتعارضين من وجه هي التخيير في مادة التعارض، وهو غير تام، بل الصحيح أن القاعدة تقتضي تساقط الدليلين في مادة التعارض إن لم يكن لأحدهما مرجح قرآني أو غيره. ([50]) ملحقات العروة: 3/55. ([51]) تذكرة الفقهاء 2/58، طبعة حجرية. ([52]) الكافي: 5/136، الفقيه 3/177، معاني الأخبار 155، تهذيب الأحكام: 6/344، وسند الكليني والصدوق في الفقهي إلى الحسين بن أبي العلاء ضعيف، لكن سنده إليه في التوحيد صحيح. (راجع الحدائق الناضرة 14/113)، كما أن طريق الشيخ إليه صحيح (راجع معجم رجال الحديث: 6/198). ([53]) هذا الحديث مروي من طرق الفريقين. راجع علل الشرائع: 524، تهذيب الأحكام: 6/343، و8/236، السنن الكبرى للبيهقي 6/480، كنز العمال 16/577. ([54]) قواعد الأحكام: 2/153. ([55]) ملحقات العروة: 3/56. ([56]) اختلف في وثاقة الحسين بن أبي العلاء، فبينما ذهب بعضهم إلى وثاقته اعتماداً على رواية علي بن إبراهيم عنه في تفسيره، ويؤيد ذلك عبارة النجاشي في حقه وحق أخوته "رووا عن أبي عبد الله(ع) وكان الحسين أوجههم"، فإنها ظاهرة في كونه أوجههم من جهة الرواية، بل في هذا دلالة على وثاقته، كما يذكر السيد الخوئي، (راجع معجم رجال الحديث: 6/198)، ولذا عدّ= =السيد الخوئي(قده) روايته التي هي محل البحث صحيحة (راجع كتاب الحج 1/207)، لكن البعض لم يقبل بكبرى وثاقة من روى عنهم القمي وشكّك في دلالة عبارة النجاشي على الوثاقة، لأن الوجاهة قد يراد بها معناها العرفي المتداول لا الوجاهة من جهة الرواية، ولذا عبّر عنها بعضهم بالرواية والبعض الآخر بالحسنة. (راجع مستمسك العروة: 10/164، جواهر الكلام 17/276، الحدائق الناضرة 14/113). ([57]) وقد ذهب أكثر من فقيه إلى كون الرواية واردة في قضية شخصية ومورد خاص، وأنها ليست في صدد بيان الحكم الشرعي على إطلاقه، فلا بدّ من أن تحمل على حكم أدبي أخلاقي (راجع تقريرات الحج للسيد الخوئي: 1/207، وكتاب البيع للسيد الخميني: 2/241). ([58]-2) ملحقات العروة: 3/65. ([59]) راجع النهاية: 339 و352-353. ([60]) الوسيلة: 212. ([61]) ذكر ذلك في محلقات العروة 3/56-57. ([62]) سورة البقرة، الآية: 280. ([63]) التهذيب: 6/196، الاستبصار: 47/3، الوسائل: 18/418، الباب 7 من كتاب الحجر، الحديث 1. ([64]) التهذيب: 6/299، والوسائل 18/418، الباب 7 من كتاب الحجر، الحديث 2. ([65]) ملحقات العروة: 3/57، كما أنه(قده) عبّر عنها بالمرسل، مع أنه لا وجه لذلك ظاهراً. ([66]) صحيح مسلم: 5/30، وراجع سنن ابن ماجة: 2/789. ([67]) الكافي: 8/9، والوسائل: 18/366، الباب 25 من أبواب الدَّين والقرض، الحديث 1. ([68]) التهذيب: 6/193، وقد وصفها السيد في ملحقات العروة: 3/58، بالمرسل، والظاهر أن = = ذلك كان اعتمادا ًعلى ما جاء في الوسائل: 18/366، الباب 25 من أبواب الدَّين والقرض، الحديث 2، حيث لم ترد جملة "عن أبي عبد الله"، ولكن الظاهر حصول سقط فيه، لأن الجملة المذكورة موجودة في المصدر. ([69]) الوسائل: ج18/419، الباب 7 من أبواب الحجر، الحديث 3. ([70]) الوسائل: ج18/419، الباب 7 من أبواب الحجر، الحديث 3. ([71]) جواهر الكلام: 40/116. ([72]) ملحقات العروة: 3/58. ([73]) الكافي: 3/563، الفقيه: 3/177، سنن أبي دواد: 1/369، ومسند أحمد: 5/375. ([74]) وسائل الشيعة: 27/232، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدَّعوى، الحديث 1. ([75]) سورة البقرة: الآية: 282. ([76]) سورة الطلاق: الآية: 2. ([77]) سورة البقرة: الآية 282, ([78]) صحيح البخاري: 3/159-160، وصحيح مسلم: 1/86. ([79]) الكافي: 7/415. ([80]) الإثبات في المواد المدنية والتجارية، الدكتور مفلح القضاة: 193. ([81]) جواهر الكلام: 40/191. ([82]) المبسوط: 8/195، المهذب: 2/585، السرائر: 2/165. ([83]) المختلف: 8/359، القواعد: 3/440، الدروس: 2/90. ([84]) ملحقات العروة: 3/69. ([85]) وسائل الشيعة: ج27/232، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 1. ([86]) ملحقات العروة: 3/58. ([87]) وسائل الشيعة: 27/250، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2. ([88]) وسائل الشيعة: 27/250، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم. ([89]) وقد مرّ في مقدمة الجزء الأول أن القاعدة القضائية المعروفة: "البيِّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر" تنسب إلى بعض حكماء الجاهلية. ([90]) وسائل الشيعة: 18/170، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعاوى، الحديث 1. ([91]) المصدر نفسه: 18/171، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 2. ([92]) وسائل الشيعة: 27/255، الباب 12 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 14. ([93]) كما أفاد السيد الخوئي(رحمه الله) في مباني تكملة المنهاج: 1/50. ([94]) ملحقات العروة: 3/69. ([95]) وسائل الشيعة: 27/233، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([96]) محلقات العروة: 3/69. ([97]) وسائل الشيعة: 27/229، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([98]) ملحقات العروة: 3/70. ([99]) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري: 673، رقم 376. ([100]) وسائل الشيعة: 27/242، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4. ([101]) وسائل الشيعة: 27/245، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([102]) المصدر نفسه: 27/230، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3. ([103]) ملحقات العروة 3/69. ([104]) ملحقات العروة: 3/70. ([105]) راجع ملحقات العروة: 3/70. ([106]) راجع ملحقات العروة: 3/70. ([107]) جواهر الكلام: 40/193. ([108]) ملحقات العروة: 3/70. ([109]) وسائل الشيعة 27/212، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1. ([110]) ملحقات العروة: 3/71. ([111]) المبسوط: 8/159. ([112]) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(ع): 674، وسائل الشيعة: 27/239، الباب 6 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([113]) جواهر الكلام: 40/113-114. ([114]) سورة الطلاق: الآية: 2. ([115]) الخلاف: 6/320، مسألة 73، والمبسوط: 8/244. ([116]) قواعد الأحكام: 2/247، إرشاد الأذهان: 2/168. ([117]) السرائر: 2/179. ([118]) شرائع الإسلام: 4/927. ([119]) المبسوط: 8/233. ([120]) المختلف: 8/546 مسألة 106. ([121]) الدروس الشرعية: 2/133، مسالك الإفهام: 14/295. ([122]) الجامع للشرائع: 546. ([123]) جواهر الكلام: 41/219. ([124]) المغني والشرح الكبير: 12/85-86. ([125]) مسالك الإفهام: 14/295. ([126]) راجع المبسوط: 8/233، التحير: 2/215، وكذلك المحقق الحلي في الشرائع، ونص الكلام لصاحب المسالك: 14/294. ([127]) المسالك: 14/295. ([128]) المسالك: 14/395. ([129]) راجع على سبيل المثال: ملحقات العروة الوثقى: 3/72. ([130]) ملحقات العروة: 3/72. ([131]) راج المبسوط، 8/109، الخلاف: 6/220، مسألة 13، السرائر: 2/174، الوسيلة: 211، التحرير: 2/184، شرائع الإسلام: 4/868، مسالك الإفهام: 13/406. ([132]) حكاه المحقق عن الشيخ في الخلاف، راجع الشرائع: 4/77. ([133]) نسب إلى ابن الجنيد، راجع المختلف: 8/425. ([134]) المختلف: 8/425. ([135]) نقله محققو العروة الوثقى عن تهذيب الأصول: ص31 س17 (مخطوط) ([136]) مستند الشيعة: 18/216-217. ([137]) ملحقات العروة الوثقى: 3/72. ([138]) ملحقات العروة الوثقى: 3/72. ([139]) المغني والشرح الكبير: 12/101. ([140]) راج المسالك: 13/408، المختلف: 8/441، حاكياً ذلك عن ابن الجنيد، وراجع ملحقات العروة: 3/73. ([141]) ملحقات العروة الوثقى: 3/73. ([142]) الخلاف: 6/219، المسألة 12. ([143]) ملحقات العروة الوثقى: 3/73. ([144]) وسائل الشيعة: 27/293، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3. ([145]) ملحقات العروة الوثقى: 3/78. ([146]) ملحقات العروة: 3/78. ([147]) فرائد الأصول: 4/115. ([148]) ملحقات العروة الوثقى: 3/74. ([149]) المصدر نفسه: 3/74. ([150]) الكافي: 5/314، تهذيب الأحكام: 7/226. ([151]) ملحقات العروة الوثقى: 3/74. ([152]) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(ع): 673. ([153]) وسائل الشيعة: 27/242، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4. ([154]) الكافي: 7/415 باب: أن البيِّنة على المدَّعي واليمين على المَّدعى عليه، الحديث 1 و2. ([155]) ملحقات العروة الوثقى: 3/74. ([156]) وسائل الشيعة: 27/232، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدَّعوى، الحديث 1. ([157]) ملحقات العروة: 3/74. ([158]) المصدر نفسه. ([159]) وسائل الشيعة: 27/392، الباب 41 من كتاب الشهادات، الحديث 3. ([160]) المصدر نفسه: الحديث 5. ([161]) المصدر نفسه: 27/392، الحديث 1. ([162]) المصدر نفسه: ص369، الحديث 15. ([163]) وسائل الشيعة: 27/396، الباب 41 من كتاب الشهادات، الحديث 13. ([164]) المصدر نفسه: 27/289، الباب 22 من أبواب كيفية الحكم،، الحديث 1. ([165]) ورد في بعض الروايات: "إن كان الشاهد مرضياً جازت شهادته" (التهذيب: 8/246). ([166]) يقصد الشيخ الأنصاري(رحمه الله). ([167]) كتاب القضاء: 65. ([168]) ملحقات العروة: 3/74. ([169]) وسائل الشيعة: 27/342، الباب 20 من كتاب الشهادات، الحديث 3. ([170]) ملحقات العروة: 3/75. ([171]) تحرير الوسيلة: 2/422. ([172]) جواهر الكلام: 40/126. ([173]) راجع الكافي: 2/361، وبحار الأنوار: 10/100. ([174]) وسائل الشيعة: 27/342، الباب 20 من كتاب الشهادات، الحديث 3. ([175]) كما عن السيد اليزدي(قده) في ملحقات العروة: 3/76. ([176]) وردت هكذا في كتاب المغني لابن قدامة: 11/454، وقد استدل بها علماء الخاصة والعامة كشاهد على جواز تفريق الشهود. راجع مضافاً إلى المغني من كتب العامة: كشف القناع للبهوتي: 443، ومن كتب الخاصة: المبسوط: 8/105، جواهر الكلام: 40/122. أقول: المنقول في قضايا أمير المؤمنين(ع) أنه فرق الشهود أو المدَّعى عليهم غير مرة، بينها= =القضية المذكورة في المتن، "وقد رواها مفصَّلاً في الكافي بسند فيه علي ابن أبي حمزة عن أبي بصير عن جعفر(ع) قال: دخل أمير المؤمنين(ع) المسجد، فاستقبله شاب يبكي وحوله قوم يسكتونه، فقال علي(ع): ما أبكاك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! إن شريحاً قضى علي بقضية ما أدري ما هي؟ إن هؤلاء النفر خرجوا بأبي معهم في السفر، فرجعوا ولم يرجع أبي، فسألتهم عنه فقالوا: مات، فسألتهم عن ماله، فقالوا: ما ترك مالاً، فقدمتهم إلى شريح فاستحلفهم، وقد علمت أن أبي خرج ومعه مال كثير... فقال أمير المؤمنين(ع): والله لأحكمنّ فيهم بحكم ما حكم به خلق قبلي إلا داود النبي(ع). يا قنبر! ادع لي شرطة الخميس، فدعاهم، فوكّل بكلّ رجل منهم رجلاً من الشرطة، ثم نظر إلى وجوههم فقال: ماذا تقولون؟ أتقولون: إني لا أعلم ما صنعتم بأبي هذا الفتى؟ إني إذاً لجاهل! ثم قال: فرّقوهم وغطّوا رؤوسهم، ففرّق بينهم، وأقيم كل رجل منهم إلى أسطوانة من أساطين المسجد ورؤوسهم مغطاة بثيابهم، ثم دعا بعبيد الله بن أبي رافع كاتبه، فقال: هات صحيفةً ودواةً، وجلس أمير المؤمنين(ع) في مجلس القضاء، وجلس الناس إليه، فقال لهم: إذا أنا كبّرت فكبِّروا، ثم قال للناس: أخرجوا، ثم دعا بواحد منهم، فأجلسه بين يديه وكشف عن وجهه، ثم قال لعبيد الله بن أبي رافع: اكتب إقراره وما يقول، ثم أقبل عليه بالسؤال، فقال له أمير المؤمنين(ع): في أيِّ يوم خرجتم من منازلكم، وأبو هذا الفتى معكم؟ فقال الرجل: في يوم كذا وكذا، قال: وفي أيِّ شهر؟ قال: في شهر كذا وكذا، قال: في أيّ سنة؟ قال: في سنة كذا وكذا، قال: وإلى أين بلغتم في سفركم حتى مات أبو هذا الفتى؟ قال: إلى موضع كذا وكذا، قال: وفي منزل من مات؟ قال: في منزل فلان بن فلان، قال: وما كان مرضه؟ قال: كذا وكذا، قال: وكم يوماً مرض؟ قال: كذا وكذا، قال: ففي أي يوم مات؟ ومن غسَّله؟ ومن كفَّنه؟ وبما كفَّنتموه؟ ومن صلَّى عليه؟ ومن نزل قبره؟ فلما سأله عن جميع ما يريد، كبّر أمير المؤمنين(ع)، وكبّر الناس جميعاً، فارتاب أولئك الباقون، ولم يشكّوا أن صاحبهم قد أقرّ عليهم وعلى نفسه، فأمر أن يغطى رأسه، وينطلق به إلى السجن، ثم دعا بآخر فأجلسه بين يديه، وكشف عن وجهه، ثمّ قال: كلا، زعمتم أني لا أعلم بما صنعتم؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ما أنا إلاّ واحد من القوم، ولقد كنت كارهاً لقتله، فأقرّ، ثم دعا بواحد بعد واحد كلهم يقرّ بالقتل وأخذ المال، ثم ردّ الذي كان أمر به إلى السجن، فأقرّ= =أيضاً، فألزمهم المال والدم.. ثم ذكر حكم داود(ع) بمثل ذلك... الكافي: [7/371]. ومنها: ما رواه الكليني أيضاً بسند صحيح عن أبي عبد الله(ع) قال: "أتي عمر بن الخطاب بجارية قد شهدوا عليها أنه بغت، وكان من قصتها أنها كانت يتيمةً عند رجل، وكان الرجل كثيراً ما يغيب عن أهله، فشبّت اليتيمة، فتخوّفت المرأة أن يتزوَّجها زوجها، فدعت بنسوة حتى أمسكنها، فأخذت عذرتها بأصبعها، فلما قدم زوجها من غيبته، رمت المرأة اليتيمة بالفاحشة، وأقامت البيِّنة من جاراتها اللائي ساعدتها على ذلك، فرفع ذلك إلى عمر، فلم يدر كيف يقضي فيها، ثم قال للرجل: إيت علي بن أبي طالب(ع) واذهب بنا إليه، فأتوا علياً(ع) وقصوا عليه القصة، فقال لامرأة الرجل: ألك بيِّنة أو برهان؟ قالت: لي شهود، هؤلاء جاراتي يشهدن عليها بما أقول، فأحضرتهن، فأخرج علي بن أبي طالب(ع) السيف من غمده، فطرحه بين يديه، وأمر بكل واحدة منهن فأدخلت بيتاً، ثم دعا بامرأة الرجل، فأدارها بكل وجه فأبت أن تزول عن قولها، فردّها إلى البيت الذي كانت فيه، ودعا إحدى الشهود، وجثا على ركبتيه، ثم قال: تعرفيني؟ أنا علي بن أبي طالب، وهذا سيفي، وقد قالت امرأة الرجل ما قالت، ورجعت إلى الحق، وأعطيتها الأمان، وإن لم تصدقيني لأملأن السيف منك، فالتفت إلى عمر، فقالت: الأمان عليّ، فقال لها علي(ع) فأصدقي، فقالت: لا والله، إلا أنها رأت جمالاً وهيئةً، فخافت فساد زوجها عليها، فسقتها المسكر، ودعتنا فأمسكناها، فافتضّتها بأصبعها، فقال علي(ع): الله أكبر، أنا أول من فرَّق بين الشاهدين، إلا دانيال النبي(ع)، فألزم علي(ع) المرأة حدَّ القاذف، وألزمهن جميعاً العقر، وجعل عقرها أربعمائة درهم، وأمر المرأة أن تنفى من الرجل، ويطلّقها زوجها، وزوَّجه الجارية، وساق عنه علي(ع) المهر..." [الكافي: 7/426]. وهذه الرواية هي المستند الصحيح للحكم بجواز تفريق الشهود، لصحتها سنداً وظهورها فيما نحن فيه، أعني تفريق الشهود، أما الرواية السابقة، فهي غير واردة في تفريق الشهود، بل في تفريق المدَّعى عليهم. ويظهر من قوله(ع) للثانية: "وقد قالت امرأة الرجل ما قالت، ورجعت إلى الحق وأعطيتها الأمان"، أنه يجوز للقاضي في مقام التحقيق أن يتحدث بخلاف الواقع، ولا يكون ذلك من الكذب المحرم، بل هو من مستثنيات حرمة الكذب، وهذا أولى من تأويل تلك الفقرة من الرواية وتفسير= = رجوعها إلى الحق برجوعها إلى المكان الذي كان توقيفها فيه حقاً، وتفسير إعطائها الأمان بالأمان من الجور (كما نجد ذلك في قضاء التستري ص18)، فإن ذلك خلاف الظاهر. ([177]) ملحقات العروة: 3/76. ([178]) ملحقات العروة: 3/76. ([179]) راجع تحرير الأحكام: 2/184 طبعة حجرية، القواعد: 3/431، جواهر الكلام: 40/11. ([180]) التفسير المنسوب إلى الإمام العسكري(ع) ص282. وعنه وسائل الشيعة: 27/240، الباب 6 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 1. ([181]) ملحقات العروة: 3/77. ([182]) سورة المنافقون: الآية: 1. ([183]) ملحقات العروة: 3/78. ([184]) وسائل الشيعة: 27/234، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 5. ([185]) المصدر نفسه: 27/243، الباب 8 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([186]) المصدر نفسه: 27/243، الباب 8 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2. ([187]) المصدر نفسه: 27/243، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6. ([188]) نيل الأوطار المجلد: 2/1909، طبع دار المعرفة بيروت 2002م.. ([189]) المصدر نفسه. ([190]) وسائل الشيعة: 27/211، الباب 1 من أبواب آداب القاضي، الحديث 1. ([191]) المصدر نفسه: 27/244، ملحقات العروة: 3/79. ([192]) المصدر نفسه: 27/244، ومرآة العقول: 24/276. ([193]) المصدر نفسه: 27/244، ومرآة العقول: 24/276. ([194]) وسائل الشيعة: 27/371، الباب 28 من كتاب الشهادات، الحديث 1. ([195]) الروضة البهية: 3/104. ([196]) المسالك: 13/461، الكفاية: 268، س 29 طبعة حجرية. ([197]) جواهر الكلام: 40/194. ([198]) وسائل الشيعة: 27/236، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 1. ([199]) على الأقل لاشتماله على ياسين الضرير، وهو مهمل في الكتب الرجالية. ([200]) ملحقات العروة: 3/79. ([201]) الكافي: 7/394، تهذيب الأحكام: 6/247، من لا يحضره الفقيه: 3/74. ([202]) المبسوط: 8/129، إرشاد الأذهان: 2/145، قواعد الأحكام: 210، اللمعة الدمشقية: 52، كفاية الأحكام: 269، مسالك الإفهام: 13/462. ([203]) شرائع الإسلام: 4/874، وراجع كفاية الأحكام: 269. ([204]) مسالك الإفهام: 13/463، رياض المسائل: 9/316، مستند الشيعة 2/561، جواهر الكلام: 40/201. ([205]) فقه القضاء: 1/308. ([206]) الوسائل: 27/294، الباب 26 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1، وقد تقدم في الجزء الأول من فقه القضاء ص 300 إثبات صحة الرواية، فراجع. ([207]) المصدر نفسه. ([208]) ملحقات العروة: 3/79. ([209]) ملحقات العروة: 3/79. ([210]) ملحقات العروة: 3/80. ([211]) ملحقات العروة: 3/80. ([212]) ملحقات العروة: 3/81. ([213]) المصدر نفسه. ([214]) ملحقات العروة: 3/81. ([215]) راجع وسائل الشيعة، الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1، والمصدر نفسه: 27/371، الباب 28/ من كتاب الشهادات، الحديث 1. ([216]) جواهر الكلام: 40/201. ([217]) ملحقات العروة: 3/81. ([218]) مستند الشيعة: 17/256. ([219]) نقل ذلك السيد في الملحقات: 3/82. ([220]) ومن ذلك إخبار المورِّث للوارث قبل موته بلحظات بأنه لم يبرئ ذمة فلان، ولا فلاناً أوفاه، وفرض أن المورّث صادق ولم يعهد عنه الكذب بحيث يكون إخباره مفيداً للاطمئنان. ([221]) ورد الاعتراضان الأخيران في كلام السيد اليزدي في الملحقات: 3/82. ([222]) جواهر الكلام: 40/197. ([223]) وهي رواية حفص بن غياث عن أبي عبد الله(ع) قال: "قال له رجل: إذا رأيت شيئاً في يدي رجل يجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال: نعم، قال الرجل: أشهد أنه في يده ولا أشهد أنه له، فلعله لغيره، فقال أبو عبد الله(ع): أفيحلُّ الشراء منه؟ قال: نعم. فقال أبو عبد الله(ع): "فلعله لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكاً لك ثم تقول بعد الملك: هو لي وتحلف عليه ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله اليك؟ ثم قال أبو عبد الله(ع): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق" (وسائل الشيعة، ج27/292، الباب 25 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، ح2)، وقد صحَّح السيد الخوئي الرواية على الرغم من وجود القاسم بن يحيى في طرق الكليني والشيخ، وهو ممن لا توثيق له إلا وقوعه في إسناد كامل الزيارات. (راجع مباني منهاج الصالحين 1/114)، ولكنه(رحمه الله) عدل عن مبناه المذكور والتزم باختصاص التوثيق بمشايخ ابن قولويه المباشرين. (راجع مقدمة المعجم: 1/23 ومشايخ الثقات، ص145). ([224]) المستند: 17/256. ([225]) خلافاً للعلل الحقيقية، فإنها مؤثّرات لا معرّفات، فإذا قيل: لا تقرّب يدك إلى النار لأنها تحرق، فيستفاد منه التعميم والتخصيص، دون العلل الشرعية، فإنها معرّفات لا مؤثّرات. ([226]) هذا اعتراض آخر من صاحب المستند على القول بعدم الحاجة إلى اليمين إذا قامت البيِّنة على عدم الإيفاء، وحاصله: احتمال أن الإيفاء المذكور في الخبر هو من باب المثال، فقد يكون هناك سبب آخر لضمِّ اليمين، وهو احتمال إبراء المدَّعي للمدَّعى عليه، أو احتمال نسيان المقر للإيفاء. ([227]) وسائل الشيعة: 19/29، الباب 169 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 1. ([228]) المصدر نفسه: 19/292، الباب نفسه، الحديث 4. ([229]) المصدر نفسه: 23/183، الباب 2 من أبواب الإقرار، الحديث 1 ([230]) المصدر نفسه: 19/294، الباب 16 من أبواب أحكام الوصايا، الحديث 10. ([231]) راجع: المصدر نفسه. ([232]) المستند: 17/256-257. ([233]) راجع: ملحقات العروة: 3/85. ([234]) ملحقات العروة: 3/85. ([235]) ملحقات العروة: 3/85. ([236]) ملحقات العروة: 3/86. ([237]) ملحقات العروة: 3/86. ([238]) ملحقات العروة: 3/86، تحرير الوسيلة: 2/423. ([239]) راجع الخبرين في ص 116-117. ([240]) ملحقات العروة: 3/87. ([241]) ملحقات العروة: 3/87. ([242]) ملحقات العروة: 3/87. ([243]) ملحقات العروة: 3/88. ([244]) ملحقات العروة: 3/88. ([245]) وسائل الشيعة: 17/275، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 10. ([246]) المصدر نفسه: 17/273، الحديث 1 من الباب. ([247]) المصدر نفسه: الباب 83 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4. ([248]) ملحقات العروة: 3/88. ([249]) مستند الشيعة: 17/461. ([250]) ملحقات العروة: 3/213. ([251]) سورة البقرة، الآية: 194. ([252]) سورة البقرة، الآية" 194. ([253]) سورة النحل: الآية: 126. ([254]) ملحقات العروة: 3/88. ([255]) مسند أحمد: 1/323 و3/305، و5/285، سنن ابن ماجه: 2/793، وسنن أبي داود: 2/176، سنن الترمذي: 2/400. ([256]) الفقه الإسلامي وأدلته: 6/6083. ([257]) وسائل الشيعة: 27/264، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 1. ([258]) المصدر نفسه: الحديث 4 من الباب. ([259]) المصدر نفسه: الحديث 2 من الباب. ([260]) سورة الطلاق: الآية: 2. ([261]) وسائل الشيعة 27/266، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدَّعوى، الحديث 6. ([262]) راجع وسائل الشيعة 27/266، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 7 و8 و9 و10 و11. ([263]) الفقه الإسلامي وأدلته: ج6، ص6083. ([264]) سورة البقرة، الآية: 282. ([265]) راجع: بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد: 2/384، وهكذا الفقه الإسلامي وأدلته: 6/6081. ([266]) بداية المجتهد: 2/384. ([267]) لو صحَّ ما ذكره السيوطي من تواتر الحديث عن رسول الله(ص) بالقضاء وفق الشاهد واليمين، فيندفع الإشكال من رأس حتى بناءً على القول بالنسخ. ([268]) بداية المجتهد: 2/383، والحديث يراجع في مسند أحمد: 5/212، وصحيح البخاري: 3/116. ([269]) وسائل الشيعة: 27/268، باب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 13. ([270]) مختلف الشيعة: 8/521-523. ([271]) شرائع الإسلام: 4/881. ([272]) الأحكام: 2/454، المؤلف: يحيى بن الحسين بن القاسم، توفي سنة 298هـ ([273]) كتاب الموطأ: 2/722. ([274]) بداية المجتهد ونهاية المقتصد: 2/383. ([275]) الفقه الإسلامي وأدلته: 6/6083-6084. ([276]) وسائل الشيعة 27/268، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 12. ([277]) مسالك الإفهام: 13/510، وأوردها في نيل الأوطار: 9/192، وكذا في المغني لابن قدامة: 12/9، والشرح الكبير: 12/92 نقلاً الدارقطني من حيديث أبي هريرة مرفوعاً. ([278]) جواهر الكلام: 40/274. ([279]) النهاية: 2/63، الاستبصار: 3/34. ([280]) غنية النزوع: 439. ([281]) المراسم: 233. ([282]) الكافي: 438. ([283]) إصباح الشيعة: 528. ([284]) الخلاف: 6/274 المسألة: 23، السرائر: 2/16. ([285]) مختلف الشيعة: 8/522. ([286]) كفاية الأحكام: 272 – س 20. ([287]) جواهر الكلام: 40/274. ([288]) مستند الشيعة: 17/274. ([289]) وسائل الشيعة: 27/268، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 12. ([290]) المصدر نفسه: ص264، الحديث 1. ([291]) وسائل الشيعة: 27/267، الباب 10، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2. ([292]) المصدر نفسه: الحديث 9، من الباب. ([293]) المصدر نفسه: الحديث 16، من الباب. ([294]) المصدر نفسه: الحديث 5، من الباب. ([295]) وسائل الشيعة: 27/267، الباب 14، من أبواب كيفية الحكم، الحديث 10. ([296]) ملحقات العروة: 3/91، وهذا الاعتراض للشيخ في الاستبصار: 3/35. ([297]) راجع الجزء الأول من فقه القضاء: 267-268. ([298]) ملحقات العروة: 3/91. ([299]) مباني تكملة المنهاج: 1/35. ([300]) القضاء في الفقه الإسلامي: 708. ([301]) جواهر الكلام: 40/273-274. ([302]) ملحقات العروة: 3/92. ([303]) سورة البقرة، الآية: 282. ([304]) وسائل الشيعة: 27/271، الباب 15 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3. ([305]) وسائل الشيعة: 27/271، الباب 15 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4. ([306]) السرائر: 2/116. ([307]) تحرير الأحكام: 2/193 س 33. ([308]) المصدر نفسه: 2/212 س 28. ([309]) شرائع الإسلام: 4/880-881. ([310]) جواهر الكلام: 40/270. ([311]) راجع: كفاية الأحكام ص272، مستند الشيعة: مفاتيح الشرائع: 3/264. ([312]) وسائل الشيعة: 27/268، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 13. ([313]) المصدر نفسه: ص296، الحديث 15 من الباب. ([314]) المصدر نفسه، راجع الحديث 16 و20 من الباب. ([315]) مباني تكملة المنهاج: 1/34. ([316]) كما فعل في ملحقات العروة: 3/92. ([317]) الكافي: 7/414. ([318]) وسائل الشيعة: 27/265، الباب 14 من كيفية الحكم، الحديث 4. ([319]) ملحقات العروة: 3/92. ([320]) القواعد: 3/450. ([321]) كشف اللئام: 10/140. ([322]) ملحقات العروة: 3/93. كما أنه (رحمه الله) صاحب الملاحظتين الأولى والثانية. ([323]) راجع الجزء الأول من فقه القضاء: 267. ([324]) حكى ذلك صاحب الجواهر: 40/280. ([325]) المصدر نفسه. ([326]) ورد هذا التوجيه في كلام السيد اليزدي في ملحقات العروة: 3/547. ([327]) كما صرَّح به السيد اليزدي في المحلقات 3/93، ويظهر من صاحب الجواهر، ويلوح من كلام المقدَّس البغدادي. راجع الجواهر: 40/280. ([328]) جواهر الكلام: 40/280، ملحقات العروة: 3/93. ([329]) ملحقات العروة: 3/93. ([330]) جواهر الكلام: 40/280. ([331]) ملحقات العروة: 3/94، وكذلك اختاره السيد الخوئي في مباني التكملة: 3/36. ([332]) جواهر الكلام: 40/286-287. ([333]) جواهر الكلام: 25/54، وراجع الحدائق الناضرة: 21/182. ([334]) وسائل الشيعة: 18/370، الباب 29 من أبواب الدَّين، الحديث 1. ([335]) المصدر نفسه: 19/12، الباب 6 من كتاب الشركة، الحديث 2. ([336]) التهذيب: 2/168. ([337]) وسائل الشيعة: 18/271، الباب 29 من أبواب الدَّين والقرض، الحديث 2. ([338]) جواهر الكلام: 40/488. ([339]) ملحقات العروة: 3/95. ([340]) نقل ذلك في جواهر الكلام: 40/282. ([341]) المصدر نفسه. ([342]) وسائل الشيعة: 27/265، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1 و2. ([343]) وسائل الشيعة 27/265، الباب 14 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3 ونحوه، الحديث 11 من الباب. ([344]) المصدر نفسه، ص268، الحديث 12 من الباب. ([345]) الكافي: 7/416 الحديث 3، التهذيب: 6/231 الحديث 562، والوسائل: 27/241، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4. ([346]) ملحقات العروة: 3/96. ([347]) ملحقات العروة: 3/69. ([348]) المصدر نفسه. ([349]) سورة النساء، الآية: 11. ([350]) جواهر الكلام: 40/282. ([351]) ملحقات العروة: 3/96. ([352]) المصدر نفسه. ([353]) جواهر الكلام: 40/291. ([354]) مسالك الأفهام: 13/523. ([355]) ملحقات العروة: 3/69. ([356]) جواهر الكلام: 40/295. ([357]) جواهر الكلام: 40/295. ([358]) ملحقات العروة: 3/98. ([359]) المصدر نفسه: 3/99. ([360]) مسالك الإفهام: 13/526. ([361]) جواهر الكلام: 40/296. ([362]) ملحقات العروة: 3/99. ([363]) الشرائع: 4/94. ([364]) جواهر الكلام: 40/297. ([365]) راجع: كتاب اليمين والعهد والنذر، طبع دار الملاك، بيروت. ([366]) وسائل الشيعة: 18/234، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 5. ([367]) وسائل الشيعة: 27/234، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى، الحديث 1. ([368]) صحيح البخاري: 3/159 وصحيح مسلم 5/128. ([369]) صحيح البخاري: 2/831 وصحيح مسلم 2/158. ([370]) الفقه الإسلامي وأدلته: 8/6076. ([371]) راجع: التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي ص383، نقلاً عن قانون البينات السوري المواد 112-133. ([372]) ملحقات العروة: 3/59. ([373]) وسائل الشيعة: 27/232، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([374]) المصدر نفسه، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([375]) الكافي: 7/417، الفقيه: 3/61، التهذيب: 6/231، وفيه بدل قوله: "فلا دعوى له": "فلا حق له". ([376]) وسائل الشيعة: 23/285، الباب 48 من كتاب الأيمان، الحديث 1. ([377]) وسائل الشيعة: 27/246، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2. ([378]) المصدر نفسه، الباب 7، الحديث 1. ([379]) وسائل الشيعة: 27/246، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2. ([380]) ملحقات العروة: 3/60. ([381]) وسائل الشيعة 27/229، الباب 1 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([382]) المصدر نفسه: 27/230، الحديث 3 من الباب. ([383]) المصدر نفسه، الحديث 2 من الباب. ([384]) وسائل الشيعة: 27/245، الباب 9 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 11، وكما يلاحظ في المتن، فإن الحديث بتمامه مسند، لكن هذا مبني على فهم الحر العاملي، فإنه اعتبر أن جملة: "قال رسول الله(ص)، من حلف... إلخ"، تتمة للحديث السابق، ولكن بالعودة إلى كتاب من لا يحضره الفقيه" للصدوق: 3/61، لا يبدو الأمر واضحاً، ومن الوارد أن الجملة المذكورة هي حديث إضافي أورده الصدوق، وبالتالي تكون الزيادة المذكورة مرسلةً وإن كانت من المراسيل الجزمية، ولذا جعلها محقق كتاب الفقيه حديثاً مستقلاً برقم جديد، فراجع. ([385]) الكافي: 5/101، 7/417. ([386]) الفقيه: 3/63. ([387]) وسائل الشيعة: 23/285، الباب 48 من كتاب الأيمان، الحديث 2. ([388]) المصدر نفسه: الباب 83 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 7. ([389]) وسائل الشيعة: 27/246، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2. ([390]) وسائل الشيعة: 17/273، الباب 83 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4، والرواية مضمرة كما هو واضح. ([391]) المصدر نفسه. ([392]) المصدر نفسه: 17/274، الحديث 5 من الباب. ([393]) وسائل الشيعة: ج27/232 الباب2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1 و 3. ([394]) ملحقات العروة: 3/62. ([395]) المبسوط: 8/158. ([396]) المقنعة: 733، المراسم: 231، الوسيلة: 213. ([397]) منهم الشيخ في المبسوط: 8/210، وقال العلامة في المختلف بعد نقل كلام الشيخ: "وبه قال أبو الصلاح وابن إدريس" (المختلف: 8/397). ([398]) ملحقات العروة: 3/62. ([399]) ملحقات العروة: 3/63. ([400]) وسائل الشيعة: 19/89، الباب العاشر من كتاب الوديعة، الحديث 1. والرواية معتبرة= =بحسب سند الصدوق، وصرّح بذلك الكلبيكاني (كتاب القضاء: 1/309). ومن الغريب، أن السيد الخوئي(رحمه الله) في الوقت الذي يصرّح باعتبار الرواية وصحتها في مباني تكملة المنهاج: 1/15، قائلاً: والرواية صحيحة، وإن كان في طريقها القاسم بن محمد، فإن ثقة على الأظهر". تراه في مصباح الفقاهة: 4/77. يقول: "والرواية ضعيفة بالحسن بن عمارة"، مع أن الحسن هذا لا وجود له في سند الصدوق كما يلاحظ في المشخية. (راجع من لا يحضره الفقيه: 4/44 من المشيخة). ([401]) ملحقات العروة: 3/62. ([402]) المصدر نفسه. ([403]) فقه الرضا: 252. ([404]) ملحقات العروة: 3/63. ([405]) وقد يُتساءل عن ثمرة الإبراء والإسقاط إن لم يتمكّن القاضي من القضاء بالبراءة، وقد يجاب على ذلك: بأن الثمرة هي أن يتخفّف المنكر من مؤنة الحلف، وإن لم تقبل هذه الإجابة، كان التساؤل الآنف بنفسه منبِّهاً على بطلان القول بكون الحلف حقاً للمدعي، كما أن هناك منهباً آخر على ذلك، وهو ما ثبت من أن للمنكر أن يردّ اليمين على المدعي، فإنه لو كان الحلف حقاً للمدَّعي على المنكر، للغا هذا الحق إذا أعطي للمنكر حق ردّ اليمين على المدَّعي، فتأمل. ([406]) ملحقات العروة: 3/63. ([407]) قواعد الأحكام: 3/439، وتحرير الأحكام: 2/186. ([408]) مستند الشيعة: 17/212. ([409]) ملحقات العروة: 3/63-64. ([410]) المصدر نفسه: 3/64. ([411]) ملحقات العروة: 3/64. ([412]) تهذيب الأحكام: 8/293، وسائل الشيعة: 27/247، الباب 10 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2. ([413]) ملحقات العروة: 3/64. ([414]) وسائل الشيعة: 27/232، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([415]) جواهر الكلام: 40/175-176. ([416]) وسائل الشيعة: 17/241، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([417]) وسائل الشيعة: الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2. ([418]) المصدر نفسه: الحديث 3. ([419]) وسائل الشيعة: الباب 4 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([420]) وسائل الشيعة: 27/242، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4. ([421]) المصدر نفسه: الحديث 5 من الباب نفسه. ([422]) المصدر نفسه: الباب 8 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2. ([423]) ملحقات العروة: 3/65. ([424]) راجع الجزء الأول من كتاب فقه القضاء: ص287. ([425]) المبسوط: 8/209. ([426]) العلامة في التحرير: 2/194، الشهيد في الدروس: 89/2، الشهيد الثاني في الروضة: 3/86. ([427]) ملحقات العروة الوثقى: 3/65. ([428]) المبسوط: 8/209، المهذب: 2/585، السرائر: 2/165، الوسيلة: 229، رياض المسائل: 9/311، ونسبه في الجواهر: 40/182 إلى الفاضل والشهيدين أيضاً. ([429]) الخلاف: 6/292، المسألة 38، الغنية: 445-446. ([430]) السرائر: 2/180. ([431]) شرائع الإسلام: 4/874. ([432]) ملحقات العروة الوثقى: 3/66. ([433]) مختلف الشيعة: 8/380. ([434]) الفقه الإسلامي وأدلته: 8/6080، وراجع المغني والشرح الكبير: 12/124. ([435]) وسائل الشيعة: 27/234، الباب 3 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2. ([436]) كما أفاد السيد اليزدي(قده) في الملحقات: 3/66. ([437]) وسائل الشيعة: 27/302، الباب 33 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([438]) ويمكن للمستدل بالصحيحة أن يدَّعي الأولوية، باعتبار أنه إذا حكم الإمام(ع) على الأخرس العاجز عن النطق بنكوله، فبالأولى أن يحكم على الناطق بنكوله. ([439]) لاحظ: الجواهر: 40/184، ملحقات العروة: 3/66. ([440]) جواهر الكلام: 40/184، ملحقات العروة: 3/66. ([441]) المستند للنراقي: 17/383، ملحقات العروة: 3/66. ([442]) نعم، نقل العلامة في المختلف 8/383 عن الجمهور، أنهم نقلوا القول بعدم جواز الحكم بالنكول عن علي(ع)، وربما يكون منشأ الاشتباه عدم التأمل في كلام العلامة، والرواية المنقولة في كتبهم عن علي(ع) هي التالية: "عن علي بن أبي طالب قال: اليمين على الشاهد، فإن لم تكن له بينة، فاليمين على المدَّعى عليه إذا كان قد خالطه، فإن نكل حلف المدَّعي". (المحلَّى لابن حزم: 9/337، السنن الكبرى 10/184، وكنزر العمال: 7/23). ([443]) الكافي: 7/416، التهذيب: 6/229، الحديث: 555. ([444]) من لا يحضره الفقيه: 3/64. ([445]) وسائل الشيعة: 29/157، الباب 10 من أبواب دعوى القتل، الحديث 5. ([446]) المصنف لابن أبي شيبة الكوفي: 5/210. ([447]) الفقه الإسلامي وأدلته: 8/6080. ([448]) ملحقات العروة: 3/66، جامع المدارك للسيد الخونساري: 6/37. ([449]) وسائل الشيعة: 27/232، الباب 2 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 1. ([450]) المصدر نفسه: 27/242، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 4. ([451]) المصدر نفسه: 27/231، الباب 17 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 6. ([452]) المصدر نفسه: 27/233، الباب 3 من الأبواب نفسها، الحديث 1. ([453]) وسائل الشيعة: 27/241، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 2. ([454]) وسائل الشيعة: 27/241، الباب 7 من أبواب كيفية الحكم، الحديث 3. ([455]) قال الألباني في إرواء الغليل: 8/268، "رواه الدارقطني، ضعيف، أخرجه الدارقطني، وكذا الحاكم والبيهقي من طريق محمد بن مسروق عن إسحاق بن الفرات عن الليث بن سعد عن نافع عن ابن عمر، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وردّه الذهبي بقوله: قلت: لا أعرف محمداً، وأخشى أن يكون الحديث باطلاً. وقال الحافظ في التلخيص: رواه الدارقطني والبيهقي وفيه محمد بن مسروق لا يعرف، وإسحاق بن الفرات مختلف فيه، ورواه تمام في فوائده من طريق أخرى عن نافع". ([456]) الخلاف للشيخ الطوسي: 6/292 ذيل المسألة 38، غنية النزوع: 443. ([457]) مسند أحمد: 1/356، المنصف للصنعاني: 8/271، سنن الدارقطني: 4/140، وقال في إرواء الغليل: 8/266. " أخرجه الدارقطني من طريق سنان بن الحارث بن مصرف عن طلحة ابن مصرف عن مجاهد عنه، قلت: وهذا إسناد جيد في الشواهد رجاله ثقات كلهم غير سنان ابن الحارث هذا، وقد أورده ابن أبي حاتم في كتابه، ولم يذكر فيه جرحاً ولا توثيقاً، لكن قد روى عنه ثلاثة من الثقات، وذكره ابن حبان في كتابه "الثقات"، فمثله إن لم يحتج به لا أقل من الاستشهاد به، والله أعلم". ([458]) الخلاف: 6/292. ([459]) غنية النزوع: 442. ([460]) رياض المسائل: 2/401 س6، طبعة حجرية، والموجود في الرياض قوله: "هذا ــ أي سقوطه حقه في الحلف ــ إذا كان الحكم عليه بنكوله بعد عرض حكمه عليه ولو مرة، ولو قضى بنكوله من غير عرضٍ فادعى الخصم الجهل بحكم النكول، ففي نفوذ القضاء إشكال، من تفريطه، وظهور عذره، ولعلَّ الثاني أظهر وبالأصل أوفق". والعبارة بالأساس هي للشهيد الأول في الدروس: 2/89. ([461]) كتاب القضاء للسيد الكلبيكاني: 1/327. ([462]) المبسوط: 3/31 و8/159، المهذب: 1/413، السرائر: 2/164، وغيرها من مصادر الإمامية، وأما عند فقهاء السنة، فيلاحظ: المجموع للنووي 20/162، المغني لابن قدامة 12/126. ([463]) المبسوط: 3/31. ([464]) الدروس: 2/89. هذه خلاصة ما ذكره السيد اليزدي (قده) في ملحقات العروة: 3/68. أقول: أن وجوب المرة الأولى ظاهر أكثر الفقهاء، وليس فقط الشيخ الطوسي والشهيد الأول. (راجع المهذب: 1/413، وجواهر الفقه 95، السرائر: 2/164، الشرائع: 4/874). ([465]) مجمع الفائدة: 12/143، مستند الشيعة: 17/229، جواهر الكلام: 40/182، وملحقات العروة: 3/68. ([466]) ملحقات العروة: 3/68، هكذا صاحب المستند: 17/229، حيث قال: "والأصل ينفيه ــ يقصد الوجوب ــ كما ينفي استحباب الثلاث بل المرّة أيضاً، إلا أن يثبت بفتوى الفقهاء، حيث يُسامح في أدلة السنن". ([467]) حكاه في مفتاح الكرامة: 10/80 س19. ([468]) تحرير الأحكام: 2/194 طبعة حجرية. ([469]) مستند الشيعة: 17/243، ملحقات العروة الوثقى: 3/86. ([470]) ملحقات العروة: 3/86، تحرير الوسيلة: 2/418. ([471]) قد يصدر هذا الحلف أو النذر من بعض المبتلين بكثرة الحلف بالله من التجار أو غيرهم، زجراً لأنفسهم عن جعل الله عرضةً لأيمانهم، أو إجلالاً لله سبحانه، قال تعالى: {وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ}[البقرة:224] وفي صحيحة الخزاز: "لا تحلفوا بالله صادقين ولا كاذبين" [الكافي 7/234، وسائل الشيعة: 23/198 الباب 1 من كتاب الأيمان، الحديث 5]، وفي رواية أبي بصير عن أبي جعفر(ع): "أنّ أباه كانت عنده امرأة من الخوارج، أظنه قال: من بني حنيفة، فقال له مولى له: يا ابن رسول الله، إن عندك امرأة تبرأ من جدك، فقضى لأبي أنه طلقها، فادّعت عليه صداقها، فجاءت به إلى أمير المدينة تستعديه، فقال له أمير المدينة: يا علي، إما أن تحلف وإما أن تعطيها حقها، فقال لي: قم يا بني فأعطها أربعمائة دينار، فقلت له: يا أبه جعلت، فداك ألست محقاً، قال: بلى يا بني، ولكني أجللت الله أن أحلف به يمين صبر"[الكافي:7/435] . ([472]) ملحقات العروة:3/69. ([473]) ملحقات العروة: 3/69. ([474]) راجع التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي ص351، فقد نقل جملةً من المصادر الفقهية للمذاهب الأربعة. ([475]) تحرير المجلة: 1/46. ([476]) قواعد الأحكام: 2/445. ([477]) كشف الرموز: 2/66، وراجع رياض المسائل: 9/26. ([478]) القواعد: 2/155. ([479]) جامع المقاصد: 5/45. ([480]) سورة البقرة، الآية: 282. ([481]) وسائل الشيعة: 7/137، الباب 50 من أبواب الدعاء. ([482]) المصدر نفسه: 13/352، كتاب الوصية، أبواب أحكام الوصايا، الحديث 5. ([483]) صحيح البخاري: 1/37، مسند أحمد 1/325. ([484]) من لا يحضره الفقيه: 4/198. ([485]) الحدائق الناضرة: 22/237، لكن السيد الخوئي لم يرد دليلاً على وثاقته، لأن الروايات الواردة في مدحه ضعيفة السند، بل هو راوي بعضها (معجم رجال الحديث 1/268)، ولذا جرى في فقهه على عدم الاستدلال برواياته. (راجع كتاب الإجارة 132، النكاح: 2/410). ويظهر= =من السيد الحكيم توثيق الرجل والاعتماد على رواياته (مستمسك العروة: 14/578). ([486]) التهذيب: 9/241، الفقيه: 4/197. ([487]) جامع المدارك: 4/54. ([488]) العروة الوثقى: 5/660، طبعة جامعة المدرسين بقم. ([489]) سورة النور، الآية: 33. ([490]) راجع الكافي: 7/48 وما بعدها. ([491]) يمكن العثور على ملامح الطبّ الشرعي في أقضية أمير المؤمنين(ع)، من ذلك ما ورد عنه(ع): "من أن امرأةً قد تعلَّقت برجل من الأنصار، وكانت تهواه، ولم تقدر على حيلة، فذهبت فأخذت بيضة، فأخرجت منها الصفرة، وصبّت البياض على ثيابها وبين فخذيها، ثم جاءت إلى عمر فقالت: إن هذا الرجل قد أخذني في موضع كذا وكذا ففضحني، فقال: فهّم عمر أن يعاقب الأنصاري، فجعل الأنصاري يحلف وأمير المؤمنين(ع) جالس، ويقول: يا أمير المؤمنين: تثّبت في أمري، فلما أكثر الفتى قال عمر لأمير المؤمنين(ع): يا أبا الحسن ما ترى؟ فنظر عليٌّ(ع) إلى بياض على ثوب المرأة وبين فخذيها فاتهمها أن تكون احتالت لذلك، فقال: ائتوني بماء حار قد أغلى غلياناً شديداً، ففعلوا، فلما أتي بالماء، أمرهم فصبّوا على موضع البياض، فاشتوى ذلك البياض، فأخذه أمير المؤمنين فألقاه في فيه، فلما عرف طعمه ألقاه من فيه، ثم أقبل على المرأة حتى أقرت بذلك..."(الكافي:7/442. وهناك شواهد أخرى من سيرته، كما في قضية وزنه حليب الامرأتين المتنازعتين، ليتعرّف والدة الصبي ووالدة الأنثى من خلال الثقل، باعتبار أن حليب البنت أخف، ولكن هذه الحادثة لا تخلو من تأملات. (راجع الجزء الأول من فقه القضاء، ص:354) ونحوها أقضية أخرى (راجع المصدر نفسه، ص:351). ([492]) كما حصل في عهد عليّ(ع) عندما قُبض على رجل في خربة وبيده سكين ملطَّخ بالدم، وأمامه جثة لرجل مذبوح، فلما سأله الإمام(ع): قال: أنا قتلته يا أمير المؤمنين، فلما ذهبوا به وأرادوا الاقتصاص منه، أفاق ضمير القاتل الحقيقي، وقال لهم ردّوه إلى أمير المؤمنين(ع)، أنا القاتل وليس هو! هنا سأل الإمام(ع) ذاك: ما حملك على الإقرار على نفسك؟ قال: وما كنت أستطيع أن أقول وقد شهد عليّ أمثال هؤلاء الرجال وأخذوني وبيدي سكين ملطَّخ بالدم والرجل متشحّط في دمه وأنا قائم عليه؟! فأقررت، وأنا رجل كنت ذبحت بجنب هذه الخربة شاةٌ، وأخذني البول، فدخلت الخربة فرأيت الرجل يتشحَّط في دمه، فقمت متعجباً، فدخل علي هؤلاء فأخذوني، والأمر اللافت، أن الإمام أمر أن تعرض القضية على الإمام الحسن ليحكم فيها، فحكم بالعو عن الاثنين، أما الأوّل فواضح، وأما الثاني، فباعتبار أنه ذبح رجلاً، لكنه أحيا آخر، وقد قال الله: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}[المائدة:32] (راجع التهذيب: 10/174)، ولكن الرواية لا تتم سنداً لإرسالها. ([493]) وهذا المعنى أصرّ عليه السيد الخوئي(رحمه الله) قال: "وليس المراد بالبيّنة المعنى الاصطلاحي، أعني الشاهدين العادلين، لتكون الرواية ــ يقصد رواية مسعدة بن صدقة التي جاء فيها: "والأشياء كلّها على هذا حتى تستبين أو تقوم به البينة ــ" رادعة عن السيرة العقلائية القائمة على حجية خير الواحد في الموضوعات الخارجية، إذا لم تثبت لهذه اللّفظة حقيقة شرعية في كلمات النبي(ص) أو المعصومين(ع)، بل هي على معناها اللغوي، أعني مطلق الدليل وما يتبين به الأمر، وبهذا المعنى استعمل في القرآن، قال تعالى: {بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ}[آل عمران:184]، وقال تعالى: {حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ}[البينة:1]، وكذلك قول النبي(ص): "إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْأَيْمَانِ" أي بالأدلة، وقوله(ص): "البيِّنة على المدَّعي واليمين على من ادعي عليه"، فإن المراد مطالبة المدَّعي بالدليل في قبال المنكر. نعم، ثبت من الخارج، أن من أحد الأدلة شهادة العدلين، لا أن شهادة العدلين بخصوصها هي المراد من كلمة البيِّنة، فإن الأدلة كثيرة، ومنها شاهد واحد ويمين كما تقدم، فلا تنحصر في البيِّنة المصطلحة" (الصوم ج2/415). وذكر نحوه في كتاب النكاح: 2/421، وكذلك في كتاب الصلاة، القسم الثاني: 5/440، وكتاب الطهارة: 1/317). ([494]) سورة البيِّنة، الآية: 1. ([495]) كما ذكرنا ذلك في الجزء الأول من فقه القضاء: 356. ([496]) الكافي: ج5/314، والتهذيب: 7/226، وسائل الشيعة: 17/89، الحديث: 4، الباب: 4 من أبواب ما يكتسب به. ([497]) من قبيل رواية منصور، قال: قلت لأبي عبد الله(ع): "رجل في يده شاة، فجاء رجل فادّعاها، فأقام البيِّنة العدول أنها ولدت عنده... وجاء الذي في يده بالبيِّنة مثلهم عدول أنها ولدت عنده..."(الاستبصار: 3/43)، فإن توصيف البيِّنة بالعدول دليل على أن المراد بها الشهود. ([498]) بلحاظ مسعدة بن صدقة الذي وقع الاختلاف في وثاقته، فإنه لم يوثق في كتب الرجال، وإنما عدّه الكشي بترياً، والشيخ عدّه عامياً (مجمع الرجال: 6/87)، وقد وثقه السيد الخوئي(رحمه الله) بناءً على كونه من رجال كامل الزيارات (الاجتهاد 210)، لكنه في مورد آخر ضعّفه (كتاب الطهارة: 2/162)، والظاهر أن ذلك قبل تبنّيه وثاقة رجال كامل الزيارات، هذا المبنى الذي عاد وعدل عنه في أواخر حياته، وقد عبَّر الفقهاء عن رواياته بالموثقة، وعملوا بها (مجمع الفائدة: 5/95، الحدائق الناضرة: 1/190، كتاب الصلاة للشيخ الأنصاري: 1/351). ومن هنا قيل بوثاقة رواياته، لأن عمل المشهور جابرٌ لضعفها، وقد استظهر المجلسي الأب وثاقته اعتماداً على أخباره، "لأن جميع ما يرويه في غاية المتانة، موافقة لما يرويه الثقات من الأصحاب، ولذا عملت الطائفة بما رواه وأمثاله من العامة، بل لو تتبعت وجدت أخباره أسند وأمتن من أخبار مثل جميل بن دراج وحريز بن عبد الله"(راجع الفوائد الرجالية لبحر العلوم: 3/238)، هذا طريق لطيف في توثيق الرواة. وقد اختلف كلام السيد الإمام الخميني(رحمه الله) بشأنه، فعبّر عن رواياته في بعض الموارد بالموثقة (كتاب الطهارة: 3/548، والمكاسب المحرمة: 2/243) وفي موارد أخرى ناقش في سندها (كتاب البيع: 5/137). ([499]) كالدكتور وهبة الزحيلي، أستاذ الفقه بكلية الشريعة في دمشق. ([500]) راجع على سبيل المثال: الدروس للشهيد الأول: 3/165، نهاية الأحكام للعلامة الحلي: ج2/472. ([501]) الكافي: 1/322. ([502]) راجع المكاسب المحرَّمة: 2/9، تحقيق مجمع الفكر الإسلامي، لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم. ([503]) قال الشهيد في شرح اللمعة الدمشقية: 9/297: "ويكفي في الغرم للمال المسروق الإقرار به مرةً واحدةً، لأنه إقرار بحق مالي، فلا يشترط فيه تعدد الإقرار، لعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، وإنما خرج الحد بدليل خارج، كقول الصادق(ع) في رواية جميل: لا يقطع السارق حتى يقر بالسرقة مرتين". ([504]) الشيخ يوسف القرضاوي. شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط