إنهم لا يتقون الله التعليق العشرون للسيد فضل الله على الأسئلة التي وجهت للشيخ اتبريزي ۱۰ يونيو ۲۰۱۹ ۱۷۷۳ مشاهدة بكاء الزهراء س 21: ذكر بعض الشيعة: إنّ بعض الحديث عن أحزان الزهراء غير دقيق فلا أتصوّر أنّ الزهراء لا شغل لها في الليل والنهار إلاّ البكاء ولا أتصوّر أنّ الزهراء تبكي حتى ينزعج أهل المدينة من بكائها مع فهمها لقضاء الله وقدره، وأنّ الصبر من القيم الإسلامية المطلوبة حتى لو كان الفقيد في مستوى رسول الله.. هل أنّ كثرة بكاء الزهراء وزين العابدين أمرٌ ثابت عند الشيعة أم لا؟ وهل كان بكاءً عاطفياً محضاً، أم كان وظيفة يمارسها المعصوم لهدف من الأهداف، وعلى فرض كونه عاطفياً فهل يتنافى مع التسليم لقضاء الله وقدره، خصوصاً مع كون الفقيد هو المصطفى؟ الشيخ التبريزي: ليس المراد ببكاء الزهراء ليلاً ونهاراً استيعاب البكاء لتمام أوقاتها الشريفة بل هو كناية عن عدم اختصاصه بوقتٍ دون آخر. كما أنّ البكاء إظهاراً للرحمة والشفقة لا ينافي التسليم لقضاء الله وقدره، والصبر عند المصيبة، فقد بكى النبي يعقوب على فراق ولده يوسف حتى ابيضّت عيناه من الحزن كما ذكر في القرآن مع كونه نبيّاً معصوماً. وبكـاء الزهراء على أبيها كما كـان أمـراً وجدانيّاً لفـراق أبيهـا المصطفى، فقد كان إظهاراً لمظلوميّتها ومظلوميّة بعلها، وتنبيهاً على غصب حقّ أمير المؤمنين في الخلافة، وحزناً على المسلمين من انقلاب جملة منهم على أعقابهم كما ذكرته الآية المباركة: ﴿أفَإن مّاتَ أوْ قُتِلَ انقَلَبتُم عَلى أعقابِكُمْ..﴾ [آل عمران:144] بحيث ذهبت أتعاب الرسولP في تربية المسلمين سدىً. كما أنّ البكاء على الحسين من شعائر الله لأنّه إظهارٌ للحقّ. تعليق السيّد فضل الله: إن المقصود من كلامي هو: أنّ الزهراء لم تستغرق وقتها في الليل والنهار في البكـاء، لأنّها تمثّـل أعلى درجات الصبر من خلال مقامها الرفيع عند الله، فالزهراء وأهل البيتR قدوتنا في الصبر، كما كان رسول الله قدوة الناس كلّهم في هذا المجال. وهذا هو معنى التأسّي بهم، فالله جعل للحزن على المصاب، لا سيّما إذا كان عظيماً، دوره في رقّة القلب، وللصبر عليه درجة عظيمة لا مخصّص لها.. وكانت الزهـراء مشغولـة في كـلِّ وقتها بالدّفـاع عن حقِّ عليQ في الخلافة، ومن مظاهر تحرّكها، خطبتُها في المسجد، وكلامُها مع نساء المهاجرين والأنصار ورجالهن. وإذا صحّ الحديث بأنّ علياً كان يطوف بها على بيوت (أو جموع) المهاجرين والأنصار ـ كما جاء في بعض الروايات ـ فهذا يعني أنّها كانت تتحرّك بشكلٍ يوميّ نحو تحقيق هذا الهدف الكبير. إنّنـا لا نُنكر مشروعيّة البكاء إسلامياً، فقد بكى رسول الله على ولده إبراهيم، ولكن نُنكر أن يتحوّل البكاء إلى حالةٍ من الجزع، أو ما يُشبه الجزع، بحسب الصورة التي تُتلى في المجالس ومفادها: أنّ (أهل المدينة ضجّوا من كثرة بكائها) وأنّهم شكوا الأمر إلى عليّ وقالوا له: (إمّا أن تبكي أباها ليلاً أو نهاراً..) لأنّ هذه الصورة لا تليق بمكانة الزهراء في الواقع العام. أما قولكم: [إنّها كانت تبكي إظهاراً لمظلوميّتها ومظلوميّة بعلها، وتنبيهاً على حقّ أمير المؤمنين في الخلافة وحزناً على المسلمين بعد انقلاب جملة منهم على أعقابهم...] فيُردُّ عليه: أولاً: إنّ إظهار ذلك لا يتحقّق بالبكاء، بل يتحقّق في خطبتها في المسجد، وفي أحاديثها الصريحة مع المسلمات والمسلمين، وفي حديثها مع أبي بكر وعمر اللذين تحدّثت معهما عن غضبها عليهما من خلال غصبهما فدكاً وغصبهما للخلافة. وثانياً: إنّ الأحاديث الواردة في كلامها وعن بكائها استهدفت إثارة ذكرى رسول الله ولم تُثر شيئاً آخر. أما بكاء علي بن الحسين على أبيه إظهاراً لمظلوميّته فهو صحيح، لأن الإمام كان يتحدّث بذلك ويذكر الحسين في مظلوميّته أمام الناس، لكي يتذكّروا الواقعة ويدفعهم للثورة على بني أمية. إنّنا نرى أن أهل البيت قمّة في العطاء والصبر، وفي مقدّمتهم السيدة الزهراء التي كانت تمثّل القدوة في الصبر حتى في طريقة بكائها، فهي تبكي بكاء الصابرين الرساليّين الشاكين إلى الله سبحانه وتعالى. شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط