مسائل قرآنية العادات الإسلامية في الزيارة والشفاعة ۱۸ سبتمبر ۲۰۱۹ ۱۲٥۸ مشاهدة {أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّینُ ٱلۡخَالِصُۚ وَٱلَّذِینَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦۤ أَوۡلِیَاۤءَ مَا نَعۡبُدُهُمۡ إِلَّا لِیُقَرِّبُونَاۤ إِلَى ٱللَّهِ زُلۡفَىٰۤ إِنَّ ٱللَّهَ یَحۡكُمُ بَیۡنَهُمۡ فِی مَا هُمۡ فِیهِ یَخۡتَلِفُونَۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یَهۡدِی مَنۡ هُوَ كَـٰذِبࣱ كَفَّارࣱ} [الزمر:3] أثار بعض العلماء الحديث حول علاقة الآية بما تعارف لدى المسلمين من زيارة قبور الأنبياء والأولياء، وممارسة بعض الطقوس التقليدية عندها كالوقوف أمامها على سبيل الاحترام، أو تقبيلها، أو النطق بكلمات الاستشفاع والتوسل بالنبي أو الولي. ويثار الموضوع باعتبار أن هذه الممارسات تقترب من ممارسات المشركين أمام أصنامهم، وتنطلق من الروحية ذاتها، فهؤلاء وأولئك يعتقدون بألوهية الله الواحد، ولكنهم يعبدون الأصنام أو الملائكة أو الأنبياء أو الأولياء ليقربوهم إلى الله زلفى، ما يجعل من المسلمين مشركين بالعمق، بما يعيشونه من عقلية المشركين، وما يمارسونه من طقوسهم. وقد كانت هذه المسألة مثار جدلٍ كبير بين العلماء المسلمين، ومنطلق اتهاماتٍ حادّةٍ، وكلماتٍ لاذعةٍ. ولا تزال تتحرك المسألة في دوائر لا تقترب من الحوار الفكري الجادّ الذي يجلس فيه المتحاورون ـ وجهاً لوجه ـ في ساحات العلم، بل تبقى في دائرة الجمود الفكري الذي يعمل على تعقيد القضايا لأغراض أخرى. وربما كان التحديد العلمي لكلمة العبادة، حلاًّ للمشكلة، فهل هي مطلق الخضوع لشيءٍ أو لشخصٍ، بقطع النظر عن الدوافع الكامنة في عمق الذات، أو عن النظرة التي ينظر فيها الإنسان إلى هذا الشيء أو الشخص، لتتسع الكلمة لكل مظهر تعظيمٍ أو احترامٍ أو خضوعٍ ذاتيّ؟ أو هي الخضوع الكليّ الذي يشمل الكيان، بكل مشاعره، بسبب اعتقاد بألوهية المعبود وربوبيته واستقلاله في فعله، كما يشير إليه ما ذكره أستاذنا المحقق الخوئي بقوله: «والعبادة إنما تتحقق بالخضوع لشيء على أنه ربّ يعبد..»؟. وعلى ضوء هذا المعنى الثاني الذي يتبناه القائلون بشرعية الطقوس المتبعة في زيارة الأنبياء والأولياء، فإن المسألة تبتعد عن الشرك، لأن زوّار هذه القبور لا يعتقدون بألوهية الأنبياء والأولياء، بل يرونهم عباداً لله لا يملكون شيئاً إلا به، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، عندما يسمح لهم بالشفاعة. وقد يرون لهم بعض الصفات التي تؤهلهم ليكونوا جديرين بالاحترام والتعظيم ،ما يجعل لحضورهم في الفكر والشعور أساساً لحضور تاريخهم الممتد في رسالتهم وروحيتهم وأخلاقيتهم، وهو ما يُعمل على استعادته في حياتهم من موقع القدوة في حركة الرسول والرسالة والقيادات المنطلقة في خطها الحيّ المتحرك. قد نحتاج إلى الحوار في هذا الموضوع، لنؤكد الفرق بين عبادة الشخصيات الدينية وبين احترامها وتقديرها، لنضع الحد الفاصل بينهما بوضوح، لئلا يختلط الأمر في حركة العقيدة في أفكارنا ومشاعرنا، كما اختلط في أذهان الكثيرين من العامة، وبعض الخاصة، ما جعلهم يمارسون هذه الطقوس بطريقةٍ تتجاوز الحد المعقول المتوازن، وبروحيةٍ قد تصل إلى بعض مشاعر الغلوّ البعيد عن الروح القرآنية. وربما كان من الضروري أن نرجع إلى القرآن في أسلوبه الإجمالي والتفصيلي لجلاء الصورة الحقيقية للشخصيات الدينية، وفي طبيعة التعامل معها، بعيداً عن الأجواء الفلسفية المعقّدة الغريبة عن الأجواء القرآنية، لئلا تغرق العقيدة في تيارات التأويل البعيدة عن ظواهر القرآن وغير المنسجمة مع الذوق السليم. وقد لا يكون من الضروري أن ندخل في إخضاع الكثير من الظواهر الشعبية في ممارسة الطقوس، للفلسفات التأويلية المعقّدة الخاضعة للإمكان والاستحالة والدخول في جدلٍ فلسفيٍّ حول شرعيتها، ما دامت لا تمثل الخط المتوازن في العقيدة، لذا يكتفى بالوقوف عند القاعدة العقيدية الثابتة في القرآن والسنة. تفسير من وحي القرإن، الزمر، الآية 3 شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط