كتب السيّد فضل الله مفاهيم حركية من وحي القرآن 1 ۲۸ يونيو ۲۰۲۱ ٦٦٦۷ مشاهدة مفاهيم حركيّة من وحي القرآن قراءة موضوعيّة في الفكر الحركيّ في القرآن الكريم على ضوء المنهج التفسيري لآية الله العظمى السيّد محمّد حسين فضل الله الشيخ علي حسن غلّوم الجزء الأوّل جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1429 هــ ـــ 2008م دار الملاك للطباعة والنشر والتوزيع ش.م.م بسم الله الرحمن الرحيم تمهيد الحمد لله المعروف من غير رؤية، والخالق من غير منصَبَة، خلق الخلائق بقدرته، واستعبد الأرباب بعزّته، وساد العظماء بجوده، وهو الذي أسكن الدنيا خلقَه، وبعث إلى الجنّ والإنس رسلَه، ليكشفوا لهم عن غطائها، وليحذّرهم من ضرَّائها، وليضربوا لهم أمثالَها، وليبصّروهم عيوبها، وليوضحوا لهم حلالها وحرامها، وما أعدَّ الله للمطيعين منهم والعصاة من جنّة ونار، وكرامة وهوان. ثمّ الصلاة والسلام على محمّدٍ رسول الله، خير خلقه، المبعوثِ لإنجاز عهده وتمام نبوّته، المأخوذ على النبيّين ميثاقه، المشهورةِ سماتُه، الكريمِ ميلاده، الهادي للخلق من الضلالة، ومنقذِهم من الجهالة، والمنزَلِ عليه الكتاب نوراً لا تُطفأ مصابيحُه، وسراجاً لا يخبو توقّده، وبحراً لا يُدرَك قعرُه، ومنهاجاً لا يُضلّ نهجُه، وشعاعاً لا يُظلم ضوؤه، وفرقاناً لا يُخمد توقّده، وتبياناً لا تُهدَم أركانه، وشفاءً لا تُخشى أسقامه، وعِزّاً لا تُهزَم أنصارُه، وحقّاً لا تُخذل أعوانه، فهو معدن الإيمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدُرانه، وأثافيّ الإسلام وبنيانه، وأوديةُ الحقّ وغيطانُه. جعله الله ريّاً لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء، ومحاجّ لطُرق الصلحاء، ودواءً ليس بعده داء، ونوراً ليس معه ظُلمة، وحبلاً وثيقاً عُروتُه، ومعقلاً منيعاً ذِروته، وعزّاً لمن تولّاه، وسِلْماً لمن دخله، وهدىً لمن ائتمّ به، وعُذراً لمن انتحله، وبرهاناً لمن تكلَّم به، وشاهداً لمن خاصم به، وفلجاً لمن حاجّ به، وحاملاً لمن حمله، ومطيّة لمن أعمله، وآيةً لمن توسّم، وجُنّة لمن استلأم، وعلماً لمن وعى، وحديثاً لمن روى، وحُكماً لمن قضى. ثمّ السلام على آله الأخيار، الطيّبين الأبرار، الهداة من بعده، والقادة إلى سبيله. أمّا بعد، فقد كنت ـــ منذ أن شرعت في العمل التبليغي ـــ أبحث عن مصادر فكرية تُثري ما لديّ من تجارب وأفكار وبرامج دعويّة، وترسم لي منهاج العمل الإسلامي، وتوضّح لي معالم هذا الطريق، وتمهّد لي سبله، وتحلّ لي عُقَده. فوجدت جوانب عديدة ممّا أبحث عنه في (خطوات على طريق الإسلام) و(الإسلام ومنطق القوّة) و(قضايا على ضوء الإسلام) و(الحركة الإسلامية: هموم وقضايا) وكلّها للمفكّر الإسلامي والمرجع الديني سماحة السيّد محمّد حسين فضل الله حفظه المولى عزّ وجلّ، هذا بالإضافة إلى كتب أخرى من قبيل (طريق الدعوة في ظلال القرآن) لأحمد فايز، و(المنهج الحركي في القرآن الكريم) لعبد اللطيف الراضي. إلاّ أنّني كلّما دخلت في أعماق العمل التبليغي وجدت نفسي أمام الكثير من القضايا والتساؤلات التي تحتاج إلى معالجة إسلامية تعتمد على القرآن الكريم في منهج التعامل معها، ممّا دفعني للاطّلاع مجدّداً على التفسير القيِّم لسماحة السيّد محمّد حسين فضل الله (من وحي القرآن)، إذ كنت في بدء دراستي الحوزوية قد اقتنيت الطبعة الأولى منه، ولم تكن بنفس الشمولية التي يجدها القارئ في الطبعة الثانية من حيث البيان والتعليق وطرح المفاهيم. ومن خلال الاطّلاع المجدّد على الكتاب ـــ الموسوعة، وجدت ضالّتي فيه، حيث انطلقت من خلاله إلى آفاق أصالة الفكر، وثراء المعلومات، وعمق البيان، وواقعية الطرح، وسداد الرأي، ونفاذ النظرة... فَهَدَأَت نفسي واطمأَنَّت. ثمّ تَبَادر إلى ذهني أن أجمع ما فيه من مفاهيم حركية يحتاج إليها القائمون على التبليغ والعاملون في سبيل الله، وذلك في كتابٍ واحد مبوَّب، يقدّم لهم رؤية واضحة ومتكاملة حول أهمّ القضايا الحركية ومفرداتها، دون أن أتدخّل في إعادة صياغة ما خطّه سماحته بيمينه، أو أختصر ما جاء فيه، أو أحذف بعضاً ممّا قد يبدو تكراراً لما سبق عرضه، وذلك حفاظاً على مضامين الآيات القرآنية، ونسق النصّ التفسيري، اللّهمَّ إلاّ من ناحيتين، الأولى: بداية بعض الفقرات التي كانت بحاجة إلى حذف حرف عطف، أو إضافة جملة بيانيّة، والثانية: حذف أسباب النزول في الموارد التي لم أجد من سماحته تصحيحاً لما ورد فيها. ووضعت فكرة المشروع بين يديّ سماحة السيّد حفظه الله وأطلعتُه على نواتها الأولى، فاستحسن الأمر ورحّب به، ممّا أعطاني دفعة قويّة للبدء متوكّلاً على الله سبحانه، فشرعت في العمل حتّى تمّ بمنّه وفضله. وإذ أحمد الله سبحانه على هذا التوفيق، فإنّني لآمَل أن أُوفّق في قادم الأيام للعمل على تصنيف سلسلة تعتمد ذات الفكرة، بحيث تتناول كلّ واحدة منها عنواناً محدّداً لما ضمّنه سماحة السيّد رعاه الله في تفسيره، من قبيل (المفاهيم الإسلامية) و(قضايا العقيدة) و(البحوث الفقهية) وغير ذلك. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبَّل هذا العمل، وأن يغفر لي ما أخطأت فيه، وأن يأخذ بيدي لتقديم المزيد في طريق مرضاته. علي حسن غلوم الكويت ـــ 20 شوّال 1428 هــ الاختلاف الأُمّة الواحدة ـــ نهي عن السير في خطّ الاختلاف ـــ لماذا يحدث الخلاف بين الناس ـــ الرسالات ودورها في الاختلافات ـــ من آثار اختلاف الانتماء. 1 ـــ الأُمّة الواحدة: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء : 92]. ***** في هذه الآية حديث عن الجوّ الرسالي الروحي الذي يرعاه الإيمان بالتوحيد وتتعهّده الرسالات بالوحي، ويطلّ عليه بالربوبيّة المطلقة، التي تربط بين الناس بعبوديّتهم لله، وانقيادهم إليه، ليشعروا بأنّهم يتوحّدون به، ويجتمعون باسمه، ويتحرّكون نحو الهدف الواحد في دنياهم وآخرتهم، وهو عبادته التي هي المظهر الحيّ للتوجّه إليه، والعمل بما يرضيه، والبعد عمّا يسخطه، في ما يفرضه ذلك من تنفيذ إرادته في أمره ونهيه للحصول على رضاه. في هذا الجوّ العابق بالروحانية، المتحرّك بالمسوؤلية، السائر على الرسل في خطّ الرسالات التي تلتقي ببعضها البعض من خلال وحدة الفكرة والمفاهيم، والمناهج، والأهداف، بعيداً عن التفاصيل التي تفرضها طبيعة الزمن، وتستهلكها مراحل الحركة، فتنطلق الوحدة من إحساس الإنسان العميق بإنسانيّته، لينطلق البشر كلّهم من موقع الوحدة في العقيدة، وفي التصوّر، وفي الحركة، في الدائرة الإنسانية الواسعة، التي تحتوي كلّ الدوائر الصغيرة في دائرتها، في نطاق التصوُّر الشامل الذي يرى في العائلة والقبيلة والقوميّة والإقليميّة مجرّد خصائص في النسب والجغرافيا والتاريخ، لا تتحكَّم في الجوهر الأساسي من ذات الإنسان وحقيقته، بل تنوّع له الملامح التي تغني التجربة، وتطوّر الوحدة وتبعث فيها المزيد من الاختلافات الفكرية والعملية التي تعطي الحياة الإنسانية حيويّةً وانفتاحاً ووسيلةً غنيّةً تدفع نحو التعارف واكتشاف الخصوصيّات هنا وهناك. إنّها وحدة الإنسان من خلال وحدة الله، كما توحي به وحدة العبادة أمام وحدة المعبود، فهي تنطلق من ذاتيّها، لا من العوامل الطارئة عليها، فالكلّ عباد الله، في ما تختزنه شخصيّاتهم من سرّ العبودية لله المنطلقة من معنى المخلوقيّة فيهم، في حاجتهم إليه في كلّ شيء، وما يوحيه ذلك من إذعان بربوبيّته المهيمنة على الوجود كلّه في عمقه، وامتداده، وشموله، وفي كلّ تفاصيله. وهذا ما يريد الله أن يثيره لكي يلتقوا ويجتمعوا ويتعارفوا ويتعبَّدوا إليه من موقع الوحدة في العبادة التي تحرّك فيهم الإحساس بالمسؤولية في القيام بواجباتهم في دوائرهم الصغيرة التي تتّصل بالدائرة الكبيرة، لئلا ينغلقوا على خصوصيّاتهم، بل يرون العموم في الخصوصيّة، والشمول في الحدود. {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ} التي توحي بإنسانيّتكم في الخصائص والمعاني والآفاق الموحّدة، حتى في دائرة التنوّع، {أُمَّةً وَاحِدَةً} في ما تعنيه من الفكر الواحد، والخطّ المشترك، والهدف الوحيد، فلا تجعلوا الإنسانية حالةً طارئةً، ليكون الذاتي فيكم هو العائلية أو الإقليميّة أو القومية، لتجعلوا ذلك أساساً للانقسام والتمزُّق، بل انطلقوا فيها من مواقع الإنسانية التي تذكّركم بالوحدة التي تلغي كلّ إحساس بالبعد أو التنافر، أو الفرقة والخلاف. وفي ضوء ذلك، نعرف أنّ الوحدات الصغيرة في الدائرة الإنسانية الشاملة لا تخضع للإلغاء المطلق في نظرة الإسلام إلى التنظيم الاجتماعي، بل يعمل الإسلام على أن يجعل لها دوراً محدّداً في حركته، لتتحوّل إلى نوع من الإحساس الذاتي بها على مستوى العاطفة والشعور والخصائص القريبة، بعيداً عن كلّ تعصُّب أو انغلاق، ليتربّى الإنسان على الخروج من دائرة ذاته إلى دوائر تتّسع في حالة من الانفتاح الفكري والروحي والعملي، على أكثر من أُفق.. فهي ليست عنواناً لمنهجٍ فكريّ يختلف الناس من خلاله، بل هي عنوان لخصائص تتنوّع في حياتهم من أجل أن يكتشفوا جانب اللّقاء في مواقع الفراق، وطبيعة الوحدة في مجالات الانقسام. {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ} لتكتشفوا في وحدة الإنسانية، وحدة الخالق، لا ليتحوّل التوحيد إلى مجرّد حالةٍ ذهنيةٍ في التصوّر، بل ليكون حالةً روحية في العمق الإنساني في حركة العبادة التي تعني التوحُّد في المنهج والمسؤولية، من خلاف ما تعنيه كلمة العبادة لله الواحد الذي خلقهم بقدرته، ورعاهم برحمته، وأحاط بهم بعلمه، وغذّاهم بنعمه... وهكذا تتوحَّد العبادة في الخالق لتتوحّد الحياة في المخلوق، وليتوحّد المخلوق في حركة الحياة. ***** 2 ـــ نهي عن السير في خطّ الاختلاف: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران : 105]. ***** ينهى القرآن عن السير في خطّ التفرّق والاختلاف الذي يؤدّي إلى انهيار المجتمعات وابتعادها عن خطّ الاستقامة، من خلال ما يُحدثه من التمزُّق الأخلاقي والسقوط الاجتماعي، الذي يفقد فيه المجتمع توازنه الفكري والعملي، فيسيطر عليه المترفون الذين يعملون على إضلال الناس وإسقاط قيمهم الروحيّة والأخلاقيّة والسياسيّة والاقتصاديّة لمصلحة امتيازاتهم الظالمة، أو يتولّى أمره المستكبرون والكافرون الظالمون فيبتعدون به عن خطّه المستقيم وإيمانه القويم: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ} فلم يلتقوا على قاعدةٍ فكريةٍ واحدة على مستوى العقيدة والمفاهيم العامّة والتصوُّر الشامل الدقيق للأشياء، بل أخذ كلّ واحد منهم بشيء من الأفكار المختلفة التي يُناقض بعضها بعضاً، ما يؤدّي إلى التنافر والتنازع والضلال، {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} جزاء تمرّدهم على الله وانحرافهم عن خطّه المستقيم. ***** 3 ـــ لماذا يحدث الخلاف بين الناس: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ*إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118 ـــ 119]. ***** {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} فإنَّ قدرته في خلقهم على الشكل الذي خلق فيه أجسادهم هي قدرته نفسها على خلق الطريقة التي يستخدمون بها عقولهم وأفكارهم، لأنّه قادر على كلّ شيء يتعلّق بهم في أصل الخلق وتفاصيله، فإذا أراد أن يجعلهم على مستوىً واحد في التفكير ليصلوا إلى نتيجة واحدة، أو ليكونوا ـــ في أصل وجودهم ـــ على تصوّر واحد لكلّ القضايا المتعلّقة بالإيمان والحياة، فهو قادر، لأنّه إذا أراد شيئاً فإنّه يتفتَّح على القضية الحاسمة {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل: 40]. {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} في ما اقتضته سُنَّة الله في وجود الإنسان من اختلاف في مستوى التفكير وطريقته، وتنوّع في التجربة وطبيعة النتائج التي ينتهي إليها كلّ منهم، ممّا يوجب كثيراً من التنازع والارتباك في شؤون الحياة الخاصّة والعامّة للنّاس، ويؤدّي إلى الانحراف عن الخطّ المستقيم، والبعد عن خطّ الإيمان والاقتراب من خطوط الكفر والضلال. ***** وتلك هي طبيعة الحريّة التي جعلها الله للإنسان في إرادته، في ما تتحرَّك به في الخطوط المتوازية للفكر والعمل لما يراه الله من الحكمة في ذلك، بعيداً عن أيّ محذور عقليّ، لأنّ الله جعل من الضوابط الذاتية التي تحدّد للإنسان خطّ السير في مناهج الفكر وأساليبه، وطبيعة المضمون، ممّا لو اختاره وسار عليه لاستطاع أن يصل إلى نتيجةٍ واحدةٍ، ولكنّ مشكلته، أنّ نوازعه الذاتية تتدخَّل في نهج تفكيره، وفي عملية الاختيار، كما أنّ أوضاعه العاطفية والانفعالية، قد تؤثّر على قراراته الفكرية، فتختلط عليه الأمور، وتتشابك القضايا، ويفقد وضوح الرؤية لما يحيط به. وبذلك يحدث الخلاف بين الناس الذي يؤدّي إلى أكثر من نتيجة سلبية على مستوى الواقع الإنساني العام، {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} من المؤمنين الذين تقبَّلوا ما أفاضه الله على الناس من رحمته فاختاروا الإيمان من مواقع الوضوح، وساروا في خطّ الهدى على ضوء العقل الواعي الذي يتابع الأمور بتركيز واتّزان. ذلك أنّ بعض الناس يتعامل مع الرحمة الإلهية بالانفتاح في الوعي والفكر المسؤول، فيصل إلى الحقيقة من أقرب طريق، أمّا البعض الآخر، فيعيش لوناً من الضباب العاطفي والحسّي، ويستغرق في دائرة من الانغلاق الفكري عن مواقع الحقيقة فيبتعد عنها. ***** غاية الخلق الرحمة أم الاختلاف؟ {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} لينفتحوا على آفاق رحمته، في ما يريده لهم من الالتزام بطاعته التي تحقّق لهم مصالحهم الماديّة والروحيّة، والابتعاد عن معصيته التي تبعدهم عمّا يفسد حياتهم أو يضرّها، وهذا المعنى يلتقي بمضمون الآية الكريمة التي تحدّثت عن غاية الخلق، وهي: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات : 56]، وهذا التفسير أولى من إرجاع الفقرة إلى الاختلاف باعتبار ما يوحيه من تنوّع في الأفكار والأذواق والأدوار، التي تقتضيها طبيعة الحياة في حركتها، ممّا لا يمثّل حالةً سلبية في واقع الإنسان، لأنّ التنوّع يلعب دوراً محرّضاً لتحريك الحياة وتطويرها على الصعد كافّة، وهذا ما ذهب إليه بعض المفسّرين، ولكنّ الظاهر من سياق الآية أنّها تؤكّد على مسألة الهدى والضلال في عالم الوحدة والاختلاف، وتعتبر الاختلاف مظهراً سلبياً لارتكازه على البغي والعدوان كما صرَّحت في أكثر من آية، ولذلك كان الاستثناء بفقرة {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} التي تعتبر الرحمة نعمة تستحقّها الفئة التي اختارت الإيمان في ما حاولت أن تمارسه من مسؤولية الحريّة في الإرادة بما ينسجم مع تشريع الله. وربّما كانت الفقرة التالية دليلاً على مثل هذا الجوّ المتحرّك في السلوك الإنساني، القائم على أساس المسؤولية الداخلية والخارجية عن أعماله أمام الله {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} وإرادته الحاسمة في حكمه النافذ في الأشياء، في المطيعين والعاصين الذين يمثّلون الخطّ الإيجابي والسلبي في نطاق الاختلاف الإنساني، {لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} في ما يمثّله هذا المفهوم من امتلاء الجنّة بالنّاس والجنّ الذين أطاعوا الله في ما أمر به أو نهى عنه، ولم يعصوه في ذلك في قليل أو كثير، كما هو الحال في امتلاء جهنّم بالعاصين من الجنّة والنّاس على ما ينصّ عليه منطوق الآية. ***** 4 ـــ الرسالات ودورها في الاختلافات: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [البقرة : 213]. ***** معاني المفردات: {أُمَّةً}: الأُمّة: وردت في القرآن في أكثر من معنى: 1 ـــ الجماعة الذين يرتبطون برابطة واحدة. 2 ـــ الملّة، أي: العقائد وأصول الشريعة. 3 ـــ الزمن، وذلك من قوله تعالى: {وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ} [هود : 8] أي مدّة معدودة. 4 ـــ الإمام، وهو قوله تعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل : 120] أي: إماماً جامعاً لصفات الخير. والمراد بها هنا، على رأي الكثير من المفسّرين، الملّة، وقيل: إنّها الجماعة. {الْبَيِّنَاتُ}: الحجج الظاهرة على حقائق العقيدة. {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} كان الناس أمّة واحدة في ما يحملون من فكر، فلم تكن لهم أفكار متعدّدة في شؤون الكون والحياة ليختلفوا فيها؛ ولم تكن لديهم اهتمامات في نظام الحياة وقانونها ليتنازعوا فيها، بل كانوا يعيشون مشاكلهم الخاصّة في حاجاتهم في الحياة اليومية؛ فيتنازعون في ما يأخذه بعضهم أو يدعه، أو ما تتصرَّف به جماعة لا توافقها عليه الجماعة الأخرى، الأمر الذي يؤدّي إلى وقوع الاختلافات بينهم، ويوجب انتشار الظلم عندهم، وابتعاد الواقع عن خطّ العدل.. فكانت الرسالات الإلهية التي اتّخذت أسلوب التبشير والإنذار، السبيل الوحيد لحلّ هذه المشاكل والاختلافات، من أجل تركيز الحياة في قضاياها اليومية على قاعدة ثابتة من العدل الإلهي، ليشعر الإنسان بقداسة الحلول وواقعيّتها، فيستسلم لها في خضوع واقتناع. ولكنَّ بعض الناس الذين أوتوا الكتاب بالحقّ لم يستريحوا إلى ذلك، لأنّهم كانوا يعيشون على حساب تلك الخلافات، فنقلوها إلى الكتاب نفسه بما أثاروه من تأويلات وتفسيرات وتطبيقات، ما جعل القضية في حياتهم موضع خلاف فكري في أمر الكتاب، فيأخذ جماعة بتأويلٍ يختلف عمّا يأخذه الآخرون، ويتعصَّب فريق لتفسيرٍ يختلف عمّا يتعصّب له الفريق الآخر. ولم يكن اختلافهم نتيجة اختلاف في الاجتهادات، في ما تنطلق فيه من سُبُل الوصول إلى الحقّ التي قد تتنوَّع تبعاً لتنوُّع الثقافة أو النظرة إلى الأمور، بل كان اختلافهم نتيجة البغي والحقد والعداوة فيما بينهم كنتيجة طبيعيّة للعلاقات المتأزّمة الخاضعة لأسباب غير شرعية. وهكذا امتدّ هؤلاء في خلافاتهم حتّى حوَّلوا السّاحة البشرية إلى قاعدة للتنازع والتجاذب والخصام. أمّا المؤمنون، فلم يستسلموا للخلافات ولم يركنوا إليها، بل عملوا بكلّ ما لديهم من جهة وقوّة على اكتشاف الحقّ من خلال علاماته التي هداهم الله إليها في ما أنزله من الحقّ والهدى، فساروا في طريقه، واستسلموا له، وتركوا كلّ فئات البغي والفساد تتخبّط في ضلالها، بعدما حاولوا القضاء عليها فلم يتمكّنوا من ذلك، فأقبلوا على ما هم فيه ممّا أوكله الله لهم من شؤون المسؤولية في طاعته في ما يتعلّق بقضاياهم وقضايا النّاس، وذلك هو شأن الله في هدايته للنّاس لمن يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم، فإنّه يهيّئ لهم كلّ وسائل الهداية من داخل أنفسهم ومن خارجها ليختاروا السير معها من موقع قناعتهم القائمة على الوعي والإيمان والإرادة. وهكذا {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي على ملّة واحدة، أو جماعة واحدة مرتبطة بالفطرة التي لا تنطلق في خطّ التفاصيل الفكرية المنفتحة على المنهج العملي في الخطّ الواحد، بل كانت تتحرّك من خلال العفوية الطبيعيّة في حركة الفعل وردّ الفعل، فلم يكونوا مهتدين أو ضالّين في مصطلح الهدى والضلال في الرسالات، لأنّهم لم يكونوا قد التقوا بها؛ فلم تكن هناك نبوّات تحمل كتباً سماوية لأنَّ آدم (عليه السلام) لم يكن صاحب رسالةٍ تفصيلية في نبوّته، لكنّهم كانوا ضُلّالاً بالمعنى السلبي، بمعنى فقدانهم للهداية الرسالية التفصيليّة التي تنظّم لهم القواعد والمفاهيم والشرائح والمناهج، وتخطّط لهم الوسائل والأهداف، على طريقة قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى} [الضحى : 7]، فإنَّ المراد من الضلالة هو عدم الاهتداء لفقدان الهدى الرسالي في التفاصيل، لا الضلال بالمعنى الإيجابي المضادّ، لأنّ النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يكن ضالاً بهذا المعنى، وهذا ما عبَّر عنه الحديث المرويّ عن الإمام الباقر (عليه السلام) الذي نقله الطبرسي في مجمع البيان فقال: "وروى أصحابنا عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّه قال: كانوا قبل نوح أُمّة واحدة على فطرة الله، لا متهدين ولا ضُلاّلاً، فبعث الله النبيّين". ويتابع صاحب المجمع هذا الحديث فيعلّق عليه قائلاً: "وعلى هذا، فالمعنى أنّهم كانوا متعبّدين بما في عقولهم، غير مهتدين إلى نبوّة ولا شريعة، ثمّ بعث الله النَّبيين بالشرائع لما علم أنَّ مصالحهم فيها"(1). وهذا ما عبَّر عنه الإمام جعفر الصادق، حسب الرّواية المروية عنه، بطريقة أخرى قال: ـــ في ما نقله يعقوب ابن شعيب الذي سأله عن قول الله: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} ـــ كان هذا قبل نوح أمّة واحدة عند الله فأرسل الرّسل قبل نوح، قلت: أعلى هدى كانوا أو على ضلال؟ قال: بل كانوا ضُلّالاً، كانوا لا مؤمنين ولا كافرين ولا مشركين(2). وفي ضوء ذلك، فإنّ هذه الحالة الفطرية الطبيعيّة التي يستوحيها الناس في ما يفكّرون به أو ما يعملونه بطريقةٍ ضبابيّة، لا بدّ من أن تخلق المشاكل للمجتمع؛ لأنّ الخلافات الناشئة بين أفراده من خلال تشابك العلاقات وتعقيد الأوضاع في حاجاتهم المشتركة، وأعمالهم المتنوّعة التي تمثّل حاجة بعضهم إلى البعض الآخر، واستخدام بعضهم بعضاً، وخلافاتهم المختلفة، لا بدّ من أن تخلق المشاكل الكثيرة لديهم لفقدان الحلول التفصيليّة التي تضع الأمور في نصابها الصحيح، وتفتح المشاكل على الحلول الواقعية؛ الأمر الذي جعل إرسال الأنبياء ضرورةً حيّة لتحقيق التوازن الاجتماعي على قاعدة ربط الدنيا بالآخرة، واعتبار الجزاء في يوم القيامة ـــ في ثوابه وعقابه ـــ حافزاً للنّاس للانضباط على الخطّ المستقيم، ليستقيم الهدى على قاعدة ثابتةٍ في منهج الرسالة وفي التطلُّع إلى اليوم الآخر. {فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ} المؤمنين الطائعين بالجنّة، {وَمُنذِرِينَ} الكافرين والعاصين بالنّار. {وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ} الذي يعطي للأشياء حدودها، وللقضايا مناهجها، وللمشاكل حلولها، وللمنازعات والخلافات خطوطها التي يتميَّز فيها الحقّ عن الباطل، فيكون الكتاب هو المنهج الواضح الذي ينهج بالناس إلى الصواب في أمورهم، والحكم بالعدل الذي يسير بالمجتمع إلى ساحة العدل في ميزان القضاء، {لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ} من الحقّ قبل إنزال الكتاب، لأنّهم كانوا لا يرتكزون في أحكامهم على قاعدة، ما جعلهم لا يقفون على أساس واضح للوصول إلى النتائج الحاسمة التي تحدّد لهم الحقّ والباطل. وهنا يأتي الكتاب بالحقّ النازل من الله الذي لا يقترب إليه الباطل في عملية اختراق وامتزاج. وهكذا أراد الله للحقّ الرسالي الكتابي أن يكون هو المرجّح للنّاس كافّة، لأنّه الذي قرّره الله، وما يقرّره الله ربّ العالمين لا يجوز لأيّ إنسان أن يناقشه أو يعارضه أو يتمرَّد عليه. ولكنّ المشكلة التي واجهت هذا الحقّ، أنَّ نقاط الضعف الإنساني قد اندفعت إليه لتثير حوله الضباب النفسي الذي يغطّي الحقيقة، ويمنع الوضوح، ويبتعد بالفهم عن منهجه الصحيح؛ فبدأ الاختلاف في الحقّ الذي جاء به الكتاب {وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ} أي: ما اختلف في الحقّ الذي أنزل الكتاب به إلاَّ الذين أتاهم الله الكتاب وأنزله عليهم ليهتدوا به. ولم يكن ذلك عن شبهة أو اجتهاد مختلف، بل كان ذلك ـــ بعد الوضوح الكامل ـــ {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ} وهي الأدلّة والبراهين الواضحة التي لا مجال فيها لإنكار منكر أو لاعتذار معتذر، {بَغْياً بَيْنَهُمْ} ممّا يمثّله البغي من خلفيات نفسية سلبية كالحسد والعداوة الذاتية، وحبّ الرئاسة وغيرها ممّا يجعل الإنسان يحرّف الكَلِمَ عن مواضعه، فيؤوّل ما لا يقبل التأويل، ويثير الشبهة في ما لا مجال فيه للاشتباه، ويجتهد في ما لا موقع فيه للاجتهاد على طريقة الاجتهاد في مقابل النصّ. وهذا هو شأن المنافقين الذين لم يتعمَّق الإيمان في قلوبهم إخلاصاً. أمّا المؤمنون المخلصون، فهم موضع عناية الله ورعايته وهدايته، لأنّهم اهتدوا بهداه وأخلصوا له الإيمان {فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ}، فلم تكن المسألة عندهم موضع شبهة، بل كانت تملك الوضوح كلّه من خلال طبيعة الوضوح في الآية، وفي خطّ الرسول، وفي حركة الرسالة على صعيد النظرية والتطبيق. وهكذا اكتشفوا الحقّ في ذلك كلّه، فلم يقع بينهم أيّ اختلاف فيه. وتلك هي سُنّة الله في عباده، فإنّه يمنح الذين يعيشون الهدى في وجدانهم، والإخلاص في إيمانهم، القدرة على الاهتداء التفصيلي في ألطافه التي يتفضّل بها عليهم وفي الإشراقة التي يفتح بها عقولهم. وهذا ما أشار إليه في قوله تعالى: {وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} وهو الصراط الذي يمثّل الحقّ في العقيدة والشريعة والمنهج وفي حركة الحياة. ***** البغي كان أساس الاختلاف: إنّ الاختلاف الحاصل بين الناس، لاسيّما في نطاق الاختلافات الدينيّة، لم ينطلق ـــ غالباً ـــ من اختلافٍ في الاجتهاد، بل من البغي الذي يعيش في نفوس النّاس، ممّا يدفعهم إلى استغلال الغموض في بعض المفاهيم أو المواقف الدينيّة لخدمة مصالحهم الخاصّة، ما يجعل من هذه الخلافات حالة مَرَضيّة، لا حالة صحيّة. ***** الذين يحبُّون الحقيقة ينفتحون على الحوار: إنّ الآية الكريمة تقرّر أنّ الذين يواجهون الحقيقة من موقع إخلاصهم لها، يعملون بكلّ قوّة من أجل الوصول إليها، فينفتحون على أجواء الحوار، ويستمعون لوجهة النظر المعارضة، ويدفعون الفكر في اتّجاه التعمُّق في دراسة الفكرة لمعرفة كلّ سلبياتها أو إيجابيّاتها، ويتحمّلون كلّ الجهد اللازم من أجل ذلك حتى يصلوا إليها ليرتبطوا بها، وهذا ما عبّرت عنه الآية بقوله تعالى: {فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ}. فإنّ طبيعة الإيمان تفرض على الإنسان أن لا يستسلم إلى حالات الاسترخاء الفكرية التي تتقبّل الأفكار الموروثة من دون أن تكلّف نفسها عناء التعب في إعادة النظر فيها من موقع الفكر والمعاناة، لأنّه يعتبر الإيمان بالحقّ مسؤولية الإنسان المؤمن بالبحث عن قواعده وآفاقه، كما أنّه يجد في الفكر الذي يحمله منطلق المسؤولية في كلّ قناعاته وأفكاره. أمّا معنى "إذن الله" في الهداية، فلعلّه السُّنن الإلهية في أسباب الهداية وعواملها، ممّا إذا أخذ به الإنسان اهتدى إلى الحقّ، ككلّ سبب يحصل بحصول مسبّبه، ولا ينافي ذلك الاختيار، لأنَّ إرادة الإنسان ووعيه وإقباله على الأخذ بهذه العوامل، هو أحد مظاهر هذه السُّنن الإلهية في عالم الهداية. وفي ضوء ذلك، يمكننا أن نستوحيَ الفكرة التالية، وهي أنَّ استمرار الخلافات يرجع إلى ابتعاد الناس عن الأخذ بأسباب الهداية، والتزامهم موقف التزمُّت والتعصّب في ما يعتقدون، وعدم إقبالهم على أجواء الحوار لمصلحة الحقّ، الأمر الذي يمثّل حاجزاً نفسياً ضدّ الالتقاء بالحقّ، لأنّ للحقّ دلائل وعلامات لا بدّ للإنسان من أن يذعن لها إذا التقى بها أو بحث عنها في الطريق. ولا يمكن للإنسان أن يدّعي عدم التمكُّن من الوصول إليه من موقع فقدان الوسائل، بل لا بدَّ له من أن يبحث عن ذلك في تجميده لطاقاته عن الحركة، وفي إغفال وعيه عن البحث والدخول في مجالات الحوار، فقد تكفّل الله بهداية الذين يتحرّكون في خطّ الهداية من خلال وسائلها الطبيعيّة. ***** 5 ـــ من آثار اختلاف الانتماء: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران : 118]. ***** معاني المفردات: {بِطَانَةً}: أولياء تختصّونهم بالاطّلاع على باطن أمركم، وتجعلونهم موضع ثقتكم وسرّكم، والبطانة ـــ كما يقول صاحب المجمع ـــ خاصّة الرّجل الذين يستبطنون أمره، مأخوذة من بطانة الثوب الذي يلي البدن لقربه منه، وهي نقيض الظهارة ويُسمّى بها الواحد والجمع والمذكّر والمؤنّث(1). {لاَ يَأْلُونَكُمْ}: لا يقصرون ولا يفترون في أمركم، فهم لا يقصرون في جلب الخبال لكم، ولا يتركون جهداً في إفساد أمركم، ولا يدّخرون وسعاً في الكيد والتآمر عليكم. {خَبَالاً}: شرّاً وفساداً واضطراباً في الرؤية والموقف. {عَنِتُّمْ}: أصل العنت المشقّة، يُقال: عنت الرّجل يعنت عنتاً: إذا دخلت عليه المشقّة، وأعنت فلان فلاناً: حمله على المشقّة الشديدة فيها. ***** {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ بِطَانَةً} واجهوا الواقع بمنطق الواعين الذين يتحرّكون في علاقاتهم على أساس الوعي العميق لانتماءات أصحابهم الذين تفرض عليهم الأوضاع العائلية والاجتماعية صحبتهم والتعامل معهم، في دراسة شاملة لكلّ منطلقاتهم والتزاماتهم وخلفيّاتهم الدينيّة والسياسيّة، لتكونوا حذرين في أحاديثكم معهم، في أسراركم التي تتحدّثون بها معهم، وفي أوضاع المسلمين التي تثيرونها معهم، وفي الأجواء الداخلية والخارجية التي يُدخلونكم فيها من أجل مختلف التأثيرات السلبية والإيجابية ممّا يعملون على إثارته في ساحاتكم. فإنَّ اختلاف الانتماء ـــ لاسيّما في حالات الصراع المرير ـــ قد يؤدّي إلى الاختلاف في النوايا والدوافع والمواقف، الأمر الذي قد يكون موضع استغلال للعلاقات الحميمة من قِبَل أيّ طرف ضدّ الطرف الآخر للإساءة إلى فريقه لحساب الفريق الآخر. {مِّن دُونِكُمْ} من هؤلاء الذين يختلفون معكم في الإسلام على مستوى الانتماء إلى الدِّين الآخر، أو إلى الخطّ الآخر ممّن تخوضون معهم الصراع الحادّ على جميع المستويات أو على مستوى انتمائهم الإسلامي الظاهري مع استبطانكم الكفر، فلا تدخلوهم في الأجواء الخفيّة التي يتحرّك فيها الواقع الإسلامي الداخلي، ولا تفسحوا لهم المجال ليكونوا في المواقع المتقدّمة من السّاحة الإسلامية في الوظائف التي توظّفونهم فيها، والأماكن التي تضعونهم فيها بفعل علاقاتكم الخاصّة بهم، {لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً} فهم قد يظهرون لكم المحبّة بطريقة شخصية؛ ولكنّهم يخفون في أنفسهم العزيمة على الإيقاع بكم، والإضرار بمصالحكم، وإفساد أموركم، وتوجيه عقولكم في اتّجاه الغفلة والجنون الفكري والشعوري والسياسي.. لأنَّ الخطّة الموضوعة لديهم في مواجهة الإسلام تفرض عليهم السير في هذا الاتجاه. {وَدُّواْ مَا عَنِتُّمْ} فهم يحبّون لكم الوقوع في المشقّة والعناء في حربكم وسلمكم، فلا يريدون لكم الراحة في مشاريعكم الداخلية وفي أوضاعكم الخارجيّة، ما يجعل الصداقة غير ذات موضوع لديهم أمام الشخصية الاجتماعية التي تفرض عليهم المحافظة على وجودهم وامتيازاتهم في هذا الجوّ الإسلامي الجديد الذي قد يُصادر بعض مصالحهم ويؤكّد انتصاره عليهم، بحيث يؤدّي إلى التعقيد في حالاتهم النفسية وأوضاعهم الخارجية، فــ {قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاهِهِمْ} من خلال ما يظهر من فلتات ألسنتهم المعبّرة ـــ تلقائياً ـــ عمّا يضمرونه في داخلهم، لأنّه من الصعب على الإنسان ـــ حتّى في حالات الحذر ـــ إخفاء ما يضمره في نفسه، من خلال كلمة تنطلق هنا ـــ من غير شعور ـــ أو كلمة تقفز هنا في موقف انفصال أو نحوه، فتلك بعض دخائل النفس وغوامض الشعور، وهذا ما قرّره أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في قوله: "ما أضمر أحدٌ شيئاً إلاَّ ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه"(1). {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ} من الحقد الدفين الكامن في نفوسهم، انطلاقاً من إحساسهم الذاتي الفئوي بأنّكم قادمون لإلغاء مواقعهم المتقدّمة في امتدادهم الديني في ساحة الواقع، وتحطيم عنصريّتهم المعقّدة. {قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ} بما أظهرناه لكم من الدّلالات الواضحة على الخطّ الفاصل بين العدوّ والوليّ، سواء على مستوى اختلاف الانتماء الديني أو اهتزاز الحالات النفاقية الشرّيرة، ما يفرض عليكم الأخذ بأسباب الحذر في علاقتكم بهم، والتحرّك من موقع الوعي في حركتكم معهم، {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} فتتحرّكون في أوضاعكم وعلاقاتكم من قاعدة العقل الباحث عن أسرار الأشياء بما يكتشفه من حالة العمق العميق فيها، ليدفع الإنسان إلى التحرّك في دائرة دفع الضرر وجلب النفع، فإنَّ الإنسان السائر على هدى العقل لا يُخطئ طريقه غالباً، ولا يلقي نفسه في مواقع الهلاك. **** الإرادة والثبات الإنسان عقل وإرادة ـــ نفاذ الحكم والإرادة ـــ مصير الإنسان رهن إرادته ـــ في الأجواء الرسالية لحركة الصراع مع المشركين ـــ القرآن يدعو للثبات والصبر والوحدة ـــ تثبيت الله المؤمنين في الدنيا والآخرة ـــ إرادة الله تتّصل بإرادة الإنسان في مسؤوليّاته ـــ دور القرآن في تثبيت المؤمنين ـــ دور الحالة النفسية في تثبيت المواقف ـــ ثبات المؤمنين ـــ الموقف الثابت للمسلمين في خطّ الإيمان ـــ من صور الثبات الإسلامي ـــ الأرض يرثها عبادي الصالحون. 1 ـــ الإنسان عقل وإرادة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة : 178] معاني المفردات: {كُتِبَ}: فُرض. {الْقِصَاصُ}: يُقال: قصّ أثره: أي تلاه شيئاً بعد شيء، ومنه: القصاص لأنّه يتلو أصل الجناية ويتبعه. وقيل: أن يفعل بالثاني مثل ما فعله بالأول مع مراعاة المماثلة، ومنه أخذ القصص كأنّه يتبع آثارهم شيئاً بعد شيء. {الْحُرُّ}: نقيض العبد، والحرّ من كلّ شيء أكرمه. {عُفِيَ}: العفو: الترك، عفت الدار: تركت حتى درست، والعفو عن المعصية: ترك العقاب عليها، وقيل: معنى العفو ها هنا: ترك القَود بقبول الديّة من أخيه. {أَخِيهِ}: الأخوة إذا كانوا ينتسبون لأب، أو لأم. {وَأَدَاء}: التأدية تبليغ الغاية. ***** الإنسان ليس مخلوقاً على أساس هندسي في عواطفه ومشاعره وأفكاره ونوازعه، كما هو الحيوان الأعجم الذي خلق الله له غرائز منظّمة بشكلٍ دقيق لا يملك فيه أي لون من ألوان الاختيار في أغلب الحالات، بل إنَّ الإنسان مخلوق على أساس ما لديه من غرائز وشهوات متحرّكة متنقّلة في أكثر من اتّجاه، بحيث يستطيع أن يوسّعها ويضيّقها ويعمّقها، ما يجعل منه مخلوقاً معقّداً في أغلب القضايا، فإذا كان الإنسان كذلك، فما الذي يحتاجه لكي ينطلق في الحياة ويمارس عملية الانضباط في انطلاقته تلك؟ إنّنا نشعر بحاجته إلى عنصرين؛ هما العقل والإرادة، ولا بدّ للعقل من العلم والتجربة والمعاناة، ولا بدّ للإرادة التي تحوّل الفكر إلى ممارسة من تربية داخلية وخارجية. فإنَّ من الملحوظ أنّ المجتمع يحتاج إلى جهد كبير في هذا السبيل، لأنّ حركة الإرادة ترتبط بالحرمان الذي يحتاج الفرد إلى أن يتحمّله، وتلتقي بالصعوبات التي يواجهها، وبالتحدّيات التي تواجهه، وبكثير من المشاكل التي تتجمّع في أجواء العمل، ما يسبّب للإنسان الكثير من الجهد والمشقّة والتعب، فلا بدّ من التربية الطويلة المستمرّة التي تدفعه إلى أن يقف المواقف الصعبة التي ترفضها نفسه، وذلك بالتركيز على العامل الداخلي الذي يوحي للذّات بالمفهوم في نطاق القيمة، لتكون القيمة عنصراً ذاتيّاً تندفع الذّات إليه بعفوية وبساطة في حركة تلقائية، ليكون ذلك بمثابة القاعدة النفسية التي تلتقي فيها العاطفة بالفكر. **** لا بدّ للإرادة من العوامل الخارجية: ولا بدّ ـــ بالإضافة إلى ذلك ـــ من العامل الخارجي الذي يحمي الإرادة من نقاط الضعف الداخلية، لأنَّ الإنسان قد يستسلم إلى حالات الضعف التي تهزم إرادته في مجالات الصراع، في ما لو ترك الإنسان لمفاهيمه بعيداً عن النتائج السلبية والإيجابية التي تترتّب عليها. ومن هنا، كان للثواب والعقاب دور كبير في إيجاد الضوابط الفردية والاجتماعية ضدّ الانحراف، سواء منه الثواب والعقاب في الإطار الاجتماعي من خلال التقاليد الضاغطة على الفرد التي قد توقف الإنسان عند حدّ معيّن من السلوك في حالة توجّه الإرادة إلى الانحراف لأنّه يخاف من سطوة المجتمع، أو ما كان منهما في الإطار القانوني في ظلّ سيطرة القانون، أو في الإطار الأخروي في ظلّ ثواب الله وعقابه، وذلك باعتبار أنّ المفاهيم والقِيَم المعنوية قد تسقط أمام نوازع الذّات الداخلية، أو مطامعها الخارجية، فتأتي الضوابط الاجتماعية والقانونية والأخروية لتحفظ الإرادة من الانسحاق والانهيار في مواطن الضعف، لأنّها تخلق في داخل النفس جوّاً داخليا وخارجياً يفسح لها المجال الطبيعي للنموّ والقوّة والحركة، ولا فرق في الحاجة إلى ذلك بين الشعوب المتخلّفة والشعوب المتحضّرة، لأنّ التخلّف والتحضير لا يختلفان في هذا المجال، وإنّما يختلفان في طبيعة الوعي للحياة والحركة، وفي أسلوبهما العملي. أمّا الانحراف، وأمّا الجريمة والضعف الذاتي، فإنّهما يلتقيان فيه ولكن بأسلوب مختلف. فللحضارة أساليبها المتقدّمة في الانحراف وفي الجريمة، وللتخلّف أساليبه البدائية في ذلك، وقد يختلفان في طبيعة مواطن الانحراف تبعاً لحاجتهما إلى ذلك، ولكنّ الإنسان يظلّ في حاجة إلى السوط الذي يلوّح له بالعقوبة، ليستقيم على الخطّ، وليبقى في الجوّ الطبيعي السليم، ولسنا نقرّر ذلك من وجهة نظر فكرية مجرّدة، ولكنّ القراءة الواعية لتاريخ الشعوب المتحضّرة، ولحركتها المعاصرة، تعرِّفنا أنّ الحضارة قد استطاعت أن تعطيَ الجريمة مفهوماً حضارياً بأساليبَ حضارية لا يرقى إليها ما تعارف لدى الشعوب المتخلّفة من مفاهيمَ وأساليب. وعلى ضوء ذلك، أقامت المدنيّات نظاماً تفصيليّاً للعقوبات بالمستوى الذي لا تعرفه قوانين الشعوب البدائية تبعاً للطبيعة المعقّدة المتنوّعة لجرائم الحضارة. إذاً فلا بدّ من العقوبة، ولكن كيف نعاقب القاتل، بالسجن، أم بالضرب، أم بالقتل؟ من خلال كلّ ذلك نعرف أنّ موقع التشريع الإسلامي هو في حركة العدالة في الحياة. 2 ـــ نفاذ الحكم والإرادة: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} [الرعد : 11] **** {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} فلم يخضع الله الإنسان للقوانين الحتمية التي تتحكّم به وتصوغه بطريقةٍ جامدة ثابتةٍ لا يملك معها لنفسه أيّة فرصةٍ للتغيير وللتبديل، بل خلقه خلقاً حيويّاً يتحرّك بفعل الإرادة المتحرّكة التي تتنوّع فيها الأفكار والمواقف، ما يجعل مصيره محكوماً لإرادته، فهو الذي يصنع تاريخه بقراره الإرادي الحرّ، وهو الذي يملك تغيير واقعه بتغيير الأفكار والمفاهيم والمشاعر التي تحكمه وتحرّك حياته، فقد أراد الله للإنسان أن يملك حريّته، ويتحمّل مسؤولية نفسه من موقع هذه الحريّة، كما أراد أن يدفعه إلى أن يواجه عملية التغيير في الخارج بواسطة التغيير في الداخل، فهو الذي يستطيع أن يتحكّم بالظروف المحيطة به، بقدر علاقتها به، وليس من الضروري أن تتحكّم به. فالإنسان هو صانع الظروف، وليست الظروف هي التي تصنعه. وعلى ضوء ذلك، نستطيع اعتبار العامل الأساس في التغيير هو الإنسان بما يحمله من مفاهيم وأفكار حول الحياة الدائرة حوله، ذلك أنّ المشاريع المتنوّعة التي تحكم الواقع، تبدأ كفكرةٍ ثمّ تتحوّل إلى مشروع، وهذا ما يؤكّد تكريم الله للإنسان في إرجاع أمره إلى نفسه، فهو الذي يغيّر واقعه بتغيير نفسه، وهو الذي يغيّر نفسه بعمق إرادته وامتداد أُفقه. {وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُ}: فهو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في مستقبل الإنسان، في حياته وموته، في قوّته وضعفه، وفي صحّته ومرضه، وهكذا يملك الله إيقاع السّوء بالإنسان، كما يملك دفعه عنه، ولا يملك أحدٌ له شيئاً إذا أراد الله به شيئاً {وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ} يلي أمرهم ويدفع عنهم ذلك كلّه. وهذا ما يؤكّد للإنسان ارتباطه بربّه بالمستوى الذي ينقطع بذاك الارتباط عن غيره، طلباً لحماية نفسه من أيّ شرّ، الأمر الذي يدفعه للابتعاد عن إقامة أيّ علاقةٍ مع الآخرين بغرض تأمين الحماية لذاته، فالله هو الذي يجب أن يفكّر به من هذه الناحية، بالإضافة إلى النواحي الأخرى التي تفرض على الإنسان أن يعبد الله من موقع حقيقة الألوهية فيه، والعبودية في الإنسان. 3 ـــ مصير الإنسان رهن إرادته: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً*وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً} [الإسراء: 18 ـــ 19]. **** معاني المفردات: {العَاجِلَةَ}: الدّنيا. {يَصْلاهَا}: يدخلها، أو بمعنى يحترق بنارها. {مَذْمُوماً}: ملوماً. {مَدْحُوراً}: الدّحر: الإبعاد. **** في الآيتين حديثٌ عن تأكيد ارتباط مصير الإنسان بإرادته في مضمونها وحركتها وفي الواقع، بحيث يحدّد الله له النتائج السلبية أو الإيجابية في الدنيا والآخرة من خلال طبيعتها، ما يجعل من مسألة الحريّة في الاختيار للإنسان، مسألةً تتّصل بالمعنى العميق لوجوده. {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ} والظاهر أنّ المراد بها الدنيا التي تختنق بداخلها كلّ أفكاره وتطلُّعاته ومشاعره، ولا يفهم للسعادة معنىً إلاّ ما يتصوّره من نعيم السعادة الدنيوية، فلا يفكّر ولا يتطلَّع إلاّ إلى الطمأنينة وراحة العيش. وهكذا نجده ينظر من هذا المنظار إلى القضايا والغايات والأهداف ويعالج المشاكل والحلول في واقع هذه الحياة، فليست هناك بنظره مشاكل مستقبليّةٌ تتجاوز حدود هذه الدنيا من قريبٍ أو من بعيد، فهي البداية وهي النهاية. ولعلَّ التعبير القرآني الوارد في آيةٍ أخرى، يقدّم نموذجاً عن ذلك: {وَلَـكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} [الأعراف : 176] بما تمثّله كلمة الإخلاد إلى الأرض وما تعنيه من الالتصاق بها، والاستسلام لطبيعتها والاستغراق في داخلها، والتحديق في أبعادها، بحيث لا ينظر إلى أيّ أفقٍ آخر بعيداً عنها فهي القيمة وهي المثال في ميزان طموحات الشخصية وخصائصها. إنّ الإنسان الذي يعيش هذه الروح الغارقة في وحول الأرض لن يخيب أمله في ما يريد، بل سيحقّق الله له ما يريده منها تبعاً لمشيئته وحكمته، وهذا ما عبّرت عنه الفقرة التالية: {عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُرِيدُ} فلن يعطيه الله كلّ ما يريده، بل سيختار له ما يتّفق مع طبائع الأشياء وأسبابها دون أن يتجاوز سننه الكونية لمجرّد تحقيق رغباته، وقد لا يحقّق الله ذلك لكلّ امرئٍ، لأنّ خصائص الواقع الذي يخيط به لا تسمح بذلك. وقد يتساءل البعض تعليقاً على ذلك: إذا كانت القضية متعلّقةً بالأسباب الطبيعية الكامنة في حركة الأشياء، فكيف نفهم نسبة الله التعجيل إلى فعله لبعض الناس دون البعض الآخر؟ ونجيب على ذلك بما أجبنا عنه في أمثاله، بأنّ إرادة الله للأشياء، لا تعني ـــ دائماً ـــ مباشرته لها، بل يتحقّق ذلك من خلال سننه. ثمّ نفكّر دائماً باستبعاد علاقته ـــ تعالى ـــ بالسنن الكونية التي يتحرّك ـــ من خلالها ـــ كلّ شيء ما دام الله قد أقام الحياة كلّها عليها؟ {ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً}.. وهذا هو جزاء الذي ينكر الله ورسالاته ورسله واليوم الآخر، أو لا يعمل في هذا الخطّ، بل ينحرف عنه إلى أجواء التمرُّد والعصيان، فقد أقام الله عليه الحُجّة في ذلك كلّه، فلا عذر له في ما عمله من شرٍّ أو انتسب إليه من باطل، لهذا سيحترق في نار جهنّم وهو مذمومٌ لسوء فعله، ومطرود لانحراف إيمانه. {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} وهو الذي فهم الحياة الدنيا فهماً عميقاً خاصّاً، ينطلق من فهمه لمسألة الإيمان الذي يرى في الدنيا مزرعة الآخرة، فليس المطلوب منه أن يترك طيّباتها وشهواتها ولذائذها أو يبتعد عن قضاياها، بل المطلوب منه أن لا يستغرق فيها من خلال هواه، ولكن ينطلق فيها من خلال خوقه مقام ربّه، وملاحظته العلاقة بين الممارسة العملية في الدنيا وبين النتائج السلبية والإيجابية في الآخرة، ليظلّ في عملية اتّصال دائمٍ وثيق بالخطّ المتوازن من خلال ما يوحي به العقل ويتحرّك به المنطق، ما يجعل من الآخرة، التي يتمثّل فيها رضوان الله ونعيم الجنّة، هدفاً لكلّ أعمال الدنيا، لتكون دنيا الإنسان الحسيّة، آخرةً بمعنى انطلاقها من رضوان الله. ولكنّ المسألة ليست إرادةً تعيش في الأعماق، بل هي الإرادة التي تدفع نحو العمل، وتقود إلى الهدف، لتعيش الحركة الفاعلة المتّصلة بالخطّ الذي يربط الدنيا بالآخرة، حيث يتركّز الإيمان في عمق الشخصية، لأنّ السعي إلى الآخرة من خلال طبيعة العمل الصالح الذي ينسجم مع الخطّ الإيماني، هو الذي يحقّق الغاية التي حدَّدها الله، إذ لا بدّ من أن يكون الساعي إلى الآخرة مؤمناً، لأنّ المسألة في المفهوم القرآني هي أن يكون الخطّ العملي منطلقاً من الخطّ الروحي والخطّ الفكري الإيماني، ليكون له جذوره الضاربة في أعماق النفس الإنسانية. **** 4 ـــ في الأجواء الرساليّة لحركة الصراع مع المشركين: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ*فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ*وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 97 ــ 99]. **** {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} كأيّ إنسان يتأثّر بالكلمة السيّئة التي توجّه إليه، وبالموقف الشرير الذي يتحدّى الخير فيه، وبالمشاكل الصعبة التي تعترضه، ما يجعل الإنسان محاصراً بالتحدّيات من كلّ جهة، فيضيق صدره، وتثور مشاعره، وتتوتّر أعصابه، إنّها الحالة الطبيعيّة التي تحدث لكلّ بشر، والنبيّ بشر، ينفعل بما ينفعل به الآخرون، ولكنّ الفرق بينه وبينهم، هو أنّ الانفعال ينطلق في حياته من قاعدة الرسالة، بينما ينطلق في حياة الكثيرين من موقع الذّات، وهذا ما يجعل من انفعاله في مواجهة التحدّيات، عنصراً رسالياً لا ينتج حالةً سلبيّةً في مستوى العقدة، بل ينتج حالةً روحيّةً مبتهلةً إلى الله، في مستوى الموقف، ولهذا رأينا الرسول، في المواقف الصعبة التي يضغط فيها أعداء الله عليه بالكلمة والموقف، يلجأ إلى الله في ابتهال المتضرّع، وخشوع الخاضع، الذي يرجع إلى ربّه، ليستعين به على ذلك كلّه، ولهذا كانت تتمّة الآية {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} وأخلص له، وافتح قلبك لآياته، وعش في رحابه، فستجد كلّ الحنان والرحمة والعطف واللّطف، الذي يرفعك إلى الآفاق الروحية العليا، حيث ينفتح لك ألف أُفقٍ وأُفقٍ من السماوات المليئة بالأمل الكبير في نصر الرسالة على خصومها، وانفتاح الدرب للسائرين على هداك، الحالمين بالجنّة الخضراء في ظلال الله، {وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ} الذين تتحوّل حياتهم كلّها إلى سجود لله بالوجه والفكر والقلب والحياة، فلا خضوع إلاّ لله، ولا فكر إلاّ من خلال وحيه، ولا عاطفة إلاّ في آفاق رضاه، ولا حركة للحياة إلاّ في الاتجاه الذي يرعاه دينه، وتخطّط له شريعته. إنّه السجود الكوني الذي يتّحد فيه الإنسان مع السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم، والبحار والأنهار والطيور والحيوان والنبات، وكلّ الموجودات التي تسجد له، من خلال حركة الإبداع في عمق وجودها، ومظهر الحقّ والجمال في ذاك الوجود، الذي يتحوّل إلى تسبيح بحمده، {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء : 44]. لأنّ للتسبيح لغة تتنوّع حسب تنوّع مظاهر الوجود في الكون، كما أنّ للسجود معنىً، يختلف حسب اختلاف عمق الخضوع لله في الوجود. العبادة حتّى اليقين: وماذا بعد ذلك؟ إنّها العبادة لله التي تجعل كلّ الحياة له، في كلّ رفّة جفن، ونبضة قلب، ونفحة فكر، ووثبة شعورٍ، وفي كلّ تمتمة شفةٍ، وفي كلّ نفحة روحٍ. فلا يغيب الله عن وجدان المؤمن، ولا يبتعد عن حركته، فهو الحاضر أبداً في الكيان، حضوره في الكون كلّه، وفي الحياة كلّها، وتلك هي العبادة التي تنطلق فيها إنسانية الإنسان، لتعيش في رحاب الله، وترتفع إلى الملأ الأعلى، حيث لا وجود إلاّ لله، حيث السعادة المطلقة، في ما لا عينٌ رأت ولا أُذنٌ سمعت ولا خَطَرَ على قلبِ بَشَر. وهكذا يريد الله للإنسان النبيّ، وللإنسان الداعية في خطّ الرسالة، وللإنسان الذي يعيش في أجواء النبوّة والدعوة، أن يرتفع في آفاق العبادة في حياته، في نداءٍ حميمٍ واعدٍ بروحانية تعمر الفكر والقلب والشعور. {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} في نهاية الحياة، لتقف على الشاطئ الآخر، أمام الموت الذي لا يلغي حياتك وإحساسك بالحياة، ولكنّه ينقلها إلى عالَمٍ جديد، تعيش فيه مع رضوان الله، من خلال الحياة التي كانت تسبِّح لله، وتسجد له، وتعبده كما يمكن لها أن تعبده، وتلك نهاية المطاف للإنسان الذي يستريح للوحي، فيستريح إلى المصير الأبدي في جِنَان الله. **** 5 ـــ القرآن يدعو للثبات والصبر والوحدة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ*وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ*وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً وَرِئَاء النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [الأنفال: 45 ـــ 47]. ***** معاني المفردات: {فَاثْبُتُواْ}: الثبات: قال الراغب، الثبات ـــ بفتح الثاء ـــ ضدّ الزوال(1). وهو في المورد ضدّ الفرار من العدوّ. وهو بحسب ما له من المعنى أعمّ من الصبر الذي يأمر به الله في قوله: {وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، فالصبر ثبات قبال المكروه، بالقلب بأن لا يضعف ولا يفزع ولا يجزع، وبالبدن أن لا يتكاسل ولا يتساهل ولا يزول عن مكانه ولا يعجل في ما لا يحمد فيه العجل، فالصبر ثباتٌ خاصٌ. {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}: الريح على ما قيل: العزّ والدولة. وقد ذكر الراغب أنّ الريح، في الآية، بمعنى الغلبة استعارة(1)، لأنّ من شأن الريح أن تحرّك ما هبَّت عليه وتقلعه وتذهب به، والغلبة على العدوّ تفعل به ما تفعله الريح بالشيء كالتراب، فاستعيرت لها(2). {بَطَراً}: قال الراغب: البطر: دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النّعمة وقلّة القيام بحقّها وصرفها إلى غير وجهها. {وَرِئَاء}: الرياء: المراءة: هو إظهار الجميل ليُرى مع إبطان القبيح. **** للمعركة مواعظها ووصاياها الإلهية التي تضع للقوّة قواعدها وأخلاقها، لأنّ الله يريد للمقاتلين في أيّة معركةٍ أن لا يعتبروها مجرّد ساحةً للقتل والقتال، بل يريد لهم أن يجدوا فيها السّاحة التي تتحرّك فيها الرسالة في خطّين؛ خطِّ تحطيم الحواجز التي يريد الأعداء أن يقيموها ضدّ حريّتها في الدعوة وفي الحركة، وخطِّ تبنّي فيه الإنسان على قاعدةٍ روحيّةٍ تنطلق مع الله في آفاق الخير والقوّة، وتخوض مع الشيطان معركة القوّة في مواجهة الضعف، والثبات في مواجهة الاهتزاز، ليظلّ الإنسان في كلّ مواقعه قريباً من حركة الرسالة في حياته. فليس هناك ازدواجيّةٌ بين الذّات والرسالة، حتى يكون لكلّ واحدٍ منهما موقعٌ خاص به، بل هو الموقع الواحد المتنوّع الألوان والأوضاع. وهذا ما نستوحيه من هذه الآيات. **** أمر بالثبات أمام العدوّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ}. إنّ الإيمان يفرض على المؤمنين أن لا يدخلوا في معركةٍ مع أيّ فريقٍ من الناس إلاّ بعد أن تتّضح لهم شرعيّتها، من خلال طبيعة المواقف والتحدّيات الضاغطة على الإسلام والمسلمين. وعلى هذا الأساس، فلا بدّ لهم أن يثبتوا ويستمرّوا في المعركة حتّى النهاية انطلاقاً من وضوح سلامة الهدف من موقع سلامة الرؤية، لأنّهم سيقفون بين خيارين، وكلاهما خير، النصر أو الشهادة؛ وبذلك يمكنهم أن يحصلوا على العنصر الحقيقي للقوّة في موقفهم. ذكر الله منبعٌ من منابع القوّة: {وَاذْكُرُواْ اللّهَ كَثِيراً}، لأنّه يمثّل مصدر القوّة في مواقف الضعف، وأساس الأمن في مواقع الخوف، وقاعدة الانضباط في حالات الاهتزاز والانحراف، فيشعر المؤمن ـــ معه ـــ بأنّه لا ينطلق في المعركة من حالةٍ مزاجيّةٍ قد تجرّه إليها أجواء المعركة، بل من مهمّةٍ رسالية تفرضها عليه رسالته بأمر ربّه. {لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ} لأنّ الأُمّة التي ترتكز على الثبات وعلى المراقبة الدائمة لله في جميع مواقفها السلمية والحربيّة، سوف تسير إلى الفلاح في الدّنيا والآخرة. {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ} فإنّ ذلك هو الذي يحمي المسيرة من الانحراف، ويصون الخطوات من الاهتزاز، ويحقّق للإنسان الطمأنينة النفسيّة والسكينة الروحية في التزامه بالخطّ المستقيم الذي يتّجه ـــ أبداً ـــ إلى رضوان الله. **** التنازع سبيل الفشل والزوال: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} إنّ النزاع يتحرّك من ذاتيّة الفكر التي تنزع للاصطدام بفكرٍ مماثلٍ، وعندها تتلاعب الأهواء بالقضايا، فلا يبقى هناك مجالٌ للّقاء على أرضٍ مشتركة، وتكون النتيجة أن يتنازع كلّ الفرقاء القضية، فيحاول بعضهم أن ينحرف بها في في اتّجاه اليمين، في حين يحاول الآخرون أن ينحرفوا بها في اتّجاه الشمال؛ ممّا يفقدها قوّتها ومسارها الطبيعي، فتفقد ـــ من خلال ذلك ـــ شروط النجاح وعناصره ـــ وتقف ـــ في النهاية ـــ عند حدود الفشل، وتذهب الريح القويّة العاصفة التي تضرب قوى الأعداء في الفضاء، لأنّها تتوزّع هنا وهناك، فلا يبقى منها شيءٌ إلاّ ما يشبه الهواء الخفيف الكسوف الذي لا يمثّل أيّة قوّةٍ في حركة العواصف. أمّا إذا التقت الأفكار عند فكر الرسالة، وتجمَّعت الرياح عند حركة العاصفة، وتزاحمت الأقدام في الطريق الواحد نحو الهدف الواحد على أساس طاعة الله ورسوله، فهناك القوّة كلّ القوّة في ساحة الصراع. **** الصبر أكبر عون على الشدائد: {وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ففي الصبر قوّة الموقف، ووضوح الرؤية، وسلامة الطريق، وحريّة الإرادة، وبذلك يكون الموقف للحقّ. وإذا كان الموقف للحقّ، كان مع الله، وكان الله مع السائرين على الحقّ الثابتين عليه. **** النهي عن اتباع البطرين المرائين: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِم بَطَراً} في ما يمثّله البطر من الطغيان في النعمة، وزهو الانحراف بها عن وجهها الصحيح الذي يُرضي الله، بعيداً عن خطّ التوازن والاعتدال. {وَرِئَاءَ النَّاسِ} فهم لم ينطلقوا من حالة إخلاصٍ عميقٍ لوحي الرسالة، ليكون خروجهم تجسيداً للرسالة، بل كانوا ينطلقون من حالة رياءٍ استعراضي يحاولون ـــ من خلاله ـــ الإيحاء للنّاس بقوّتهم وعظمتهم، ليراهم الناس وليقولوا عنهم ما يحبُّون أن يقال فيهم من كلمات المدح والثناء. {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} فيمارسون كلّ وسائل الضغط التي يملكونها ضدّ المؤمنين الرساليّين السائرين في طريق الله، العاملين من أجل رضاه، المجاهدين في سبيله. **** الفرق بين من يحارب لله ومن يحارب لغيره: وهذا هو الفرق بين الذين يحاربون من أجل رسالة إلهية، وبين الذين يحاربون من أجل عُقدةٍ ذاتية. إنّه الفرق بين المسلمين الذين حاربوا مع رسول الله، وبين المشركين الذين حاربوا مع أبي جهل. وقد جاء في كتب السيرة، أنّ ابن الحقاف الكناني جاء إلى أبي جهل بهديّة من أبيه، وهو في طريقه إلى حرب النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلَّم)، فقال له: يقول لك أبي: "إن شئت أمدُّك بالرجال، وإن شئتَ زحفتُ معك". فقال أبو جهل: "إن كنّا نقاتل الله كما يزعم محمّد، فوالله ما لنا بالله من طاقةٍ، وإن كنّا نقاتل الناس، فوالله إنّ بنا على الناس لقوّة، ولا نرجع عن قتال محمّد حتّى نرد بدراً فنشرب فيها الخمر، وتعزف علينا القيان، وتسمع العرب بذلك(1). وربّما كان هذا ما توحي به الآية من أخلاق هؤلاء الذين ينطلقون من موقع البطر والرياء والصدِّ عن سبيل الله. {وَاللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} فكيف يواجهون حساب المسؤولية غداً بين يديّ الله، وهو المهيمن على ذلك كلّه؟!. **** 6 ـــ تثبيت الله المؤمنين في الدنيا والآخرة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء*تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ*وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ*يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 24 ـــ 27]. ***** معاني المفردات: {اجْتُثَّتْ}: اقتلعت واستؤصلت. {قَرَارٍ}: القرار: الاستقرار. {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً} للفكرة التي تتحرّك خارج نطاق الحسّ بالنموذج المتجسِّد في دائرة المادّة التي يطالها حسّ الإنسان البصريّ، ليكون ضرب المثل أسلوباً حيّاً من أساليب تمثُّل الفكرة بطريقةٍ حيّةٍ موحية، لأنّ الناس يتمثّلون المحسوسات أكثر ممّا يتمثّلون المعقولات، الأمر الذي يجعل تشبيه مدلول المعقول بالمحسوس سبيلاً لتقديم المعقول إلى الذهن. وهذا ما درج القرآن على استعماله في تقديم أكثر من فكرة في أكثر من موقع، بأوضح الأساليب وأقربها إلى الوعي، بهدف إيصالها. من هنا استخدمت الآية الكلمة الطيّبة بأوسع معانيها، في مداليلها الفكرية والعملية لجهة ما يتّصل بالعقيدة والشريعة والأخلاق، والمنهج العملي لحركة الحياة من حول الإنسان، للتدليل على ما يريد الله للنّاس أن يعيشوه في أفكارهم وعلاقاتهم ومواقفهم العامّة والخاصّة. {كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء} بما يمثّله ذلك من عمق في امتداد جذورها في الأرض بمستوى يمنحها القوّة والثبات، بحيث لا يمكن أيّة ريح أن تقتلعها، مهما كانت قوّتها، ومن ارتفاع في حركة نموّ الفروع وامتدادها في السماء، {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا}، فليس لثمرها وعطائها وقت محدود، لما أودعه الله فيها من عناصر النمو الذاتية والقدرة على الاستمرار في التفاعل مع كلّ العوامل الخارجية المحيطة بها. فإذا حاولنا استيحاء هذا المعنى في فهم الكلمة الطيّبة، فسنجد أنّها تمتدّ بالعمق من حياة الإنسان، حيث يوجد ما يصلحه ويقوّيه وينمّيه في دائرة الحقّ الثابت في الكون ثبات الجذور في الأرض، لأنّه لا يمثّل حالةً طارئة أمام فكرة سريعة، لينتهيَ بانتهاء تلك الحالة، بل هو ظاهرة ثابتة مستمدّة من ذاتية القوانين التي أودعها الله في الكون، كما أنّها تمثّل الأصول القوية التي تتفرّع منها قضايا العقيدة والسياسة والاقتصاد والاجتماع، وما يتعلّق بها من أوضاع وعلاقاتٍ ومواقف، تستوعب كامل آفاق الحياة العامّة، وتغطّي بعطائها الدائم كلّ ما يحتاجه الإنسان في حركة الوجود من حوله. وهكذا تقدّم عملية المقارنة بين الشجرة الطيّبة التي يتمثّلها الإنسان في حسّه، وبين الكلمة الطيّبة التي يتمثّلها في وعيه، توضيحاً للصورة ضمن الأسلوب القرآني في إيضاح حالات الغموض والإبهام. {وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، أنّ التمثيل الحقيقي لحقائق الأشياء يدفع الناس إلى التذكّر عبر التأمُّل والتفكير العميق المنفتح على الحقيقة. مثل كلمةٍ خبيثةٍ كشجرةٍ خبيثة: {وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ} في الجانب الآخر من الصورة،أي خطّ السلب في الحياة، حيث الانحراف عن الخطّ المستقيم، نتيجة بعض الرواسب الذاتية أو الاجتماعية التي تبعد الإنسان عن القِيَم الروحية والإنسانية. {وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ} في ما يتمثّل فيها من معاني الكفر والضلال والزّيف والنفاق وغير ذلك ممّا يتّصل بالعقائد الفاسدة، والأخلاق الذميمة والخبيثة والصّفات السيّئة، {كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ} لا يطيب ثمرها، ولا تعطي ظلاًّ {اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ} أي استؤصلت من سطح الأرض {مَا لَهَا مِن قَرَارٍ} لأنّها لا تملك عمقاً في الجذور يمتدّ بها في التربة ويمنحها قوّة الثبات في الأرض، وبذلك، فإنّ من الممكن لأيّ اهتزاز أن يطيح بها ويسقطها. وهذا هو المثل الحسّي للكلمة الخبيثة التي لا تملك في مضمونها ثباتاً قادراً على تثبيتها في حركة الواقع، لأنّها لا تمثّل حقيقة، ولا تملك حُجّةً تثبّت موقعها في الفكر الذي يتحرّك من مواقع البرهان، ولا تحقّق عملياً أيّ نفع للناس وللحياة، لتكون منافعها سبباً لامتدادها في حياة الناس. وهكذا ينبغي للنّاس أن يواجهوا الكلمات في مداليلها الفكرية والشعورية والعملية، وفي تأثيرها على وعي الشخصية الإنسانية للفكر، وعلى حركة السّاحة في الواقع، وعلى عمق النتائج في الحياة، فلا يتوقّفوا أمام الأجواء الخياليّة أو الضبابيّة أو السحرية التي تستهوي مشاعرهم بشكل سريع، ولكنّها تذوب في دخان الغرائز والشهوات، لأنّ قيمة الكلمة هي في عمقها وامتدادها وفعاليّتها في خطّ الخير. **** تثبيت الله للمؤمنين في الدّنيا والآخرة: وهذا ما ينبغي للمؤمن أن يعيشه ويتحرّك فيه ويسمو إليه، لينطلق في الحياة الفكرية التي تمثّل خطّ السير لديه، من قاعدة ثابتةٍ على أساس الحقّ في المضمون، والحُجّة في الحقّ، لئلّا تهتزّ حياته باهتزاز قناعاته عند أوّل ريحٍ تهبّ على فكره من هنا وهناك، إنّه القول الثابت بالحُجّة الواضحة القويّة التي يستطيع الإنسان من خلالها أن يقف في ساحة الصراع بخطوات ثابتةٍ، لا يملك أهل الباطل أن ينحرفوا به عنها {يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} بحيث لا يسقطون أمام الفتنة، ولا ينهارون أمام الاضطهاد، ولا ينحرفون أمام الأغراء {وَفِي الآخِرَةِ} في وقوفهم بثبات أمام الله، في لحظات الحساب دون أن تهزّهم أو تسقطهم أهوال القيامة، لأنّهم يملكون الرؤية الواضحة لكلّ الحقّ الذي اعتقدوه أو عملوا به. فهم يملكون لكلّ سؤالٍ جواباً، ولكلّ عملٍ تفسيراً، ذلك أنّ الإيمان الذي يتعمَّق في الفكر والروح والشعور ويمتدّ في الحياة، يمنح صاحبه الثبات في الخطى، والقوّة في الموقف. **** إضلال الله الظالمين أمّا الذين كفروا، بما يمثّله الكفر من أوهامٍ وتخيّلات لا تثبت أمام النقد أو التحدّي لافتقارها إلى الحُجّة، فإنّهم يزدادون ضلالاً كما امتدّت بهم الحياة، لأنّهم ولروحية العناد التي تحكمهم، لا يريدون لضلالهم أن يتحوّل إلى هدى، فيتركهم الله لضلالهم في الدنيا، من خلال اختيارهم لذلك، ويحمّلهم مسؤوليّته في الآخرة، بالنتائج السلبية التي يفرضها، وهذا هو معنى إضلال الله لهم، إذ إنّه يترك لحياتهم حريّة التحرّك من مواقع الأهواء {وَيُضِلُّ اللّهُ الظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والتمرُّد والعصيان، فاختاروا لأنفسهم الضياع في الطريق، والضلال عن الهدف السويّ والصراط المستقيم، {وَيَفْعَلُ اللّهُ مَا يَشَاءُ} ممّا تقتضيه الحكمة في تدبير أمور الناس وفي شؤون الحياة، لأنّه هو الذي لا رادَّ لمشيئته، فإذا أراد شيئاً كان. **** 7 ـــ إرادة الله تتّصل بإرادة الإنسان في مسؤوليّاته: {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ*إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 176 ـــ 177]. **** معاني المفردات: {وَلاَ يَحْزُنكَ}: لا يكدّرك ولا يؤلمك. {يُسَارِعُونَ}: يُبادرون. {حَظّاً}: نصيباً. **** {وَلاَ يَحْزُنكَ} يا محمّد في مسيرتك الرسالية المنطلقة في اتّجاه إخراج الناس من الكفر إلى الإيمان، إذا رأيت ـــ في الطريق ـــ {الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} في مبادراتهم الفكرية والعملية، وفي حركتهم الواقعية ممّا يحاولون فيه أن يحافظوا على قِيَم الكفر وامتيازاته، ليعطِّلوا كلّ المبادرات الإيمانية التي تقوم بها بأساليبهم المتنوّعة، ووسائلهم المختلفة، فلا يثقل ذلك نفسك ولا يعطّل حركتك بالطريقة التي يثقل بها الحزن النّفس الإنسانية، فيمنعها عن الاستمرار في الخطّ، ويعطّل حركتها في تنفيذ الخطّة، باعتبار أنّ العوامل النفسية السلبيّة تترك تأثيراتها على الإنسان في تفكيره وحركته، فإنّك إذا كنت تفكّر بالموضوع من خلال فضل مهمّتك، فإنّك تعرف أنَّ مهمّتك تنتهي عند إبلاغ الدعوة بالوسائل الحكيمة التي تفتح فيها قلوب الناس على الحقّ النازل من عند الله، بحيث لا تترك أيّة فرصةٍ للهداية وأيّ أسلوب للإيمان إلاّ أتيت به، فإذا بلغت البلاغ الحسن، فقد حقَّقت النجاح الرسالي في مرحلته الأولى. إنّهم {لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً} لأنّك اخترقت كلّ الحواجز التي نصبوها أمام الدعوة. ويبقى الصراع بين الكفر والإيمان يفرض نفسه على السّاحة لينتهيَ في نهاية المطاف، بعد استكمال الشروط الموضوعيّة، إلى النتائج الحاسمة. وإذا كنت تحزن لأجل الله لأنّهم أساءوا إليه وظلموه حقّه وتجرّأوا على مقامه وتمرَّدوا عليه، فعليك أن لا تشعر بالمشكلة من هذه الجهة، إذ {يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ} لأنّ مسألة الكفر والإيمان لا تتّصل بالله في حاجته إلى ذلك، فهو الغنيّ عن عباده في أصل وجودهم، لأنّه الذي خلقهم والقادر على إزالتهم بكلّ تفاصيل وجودهم، فهو الذي أعطاهم عقولهم وحواسهم وأجسادهم وما يحتاجونه ممّا خلقه في الأرض وفي السّماء، ممّا يتوقّف عليه وجودهم. أمّا معادلة الإيمان، فهي مسألتهم التي بها يسعدون ويغتنون ويرتاحون ويفلحون، وقد ترك الله لهم الحريّة في ذلك، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ فإذا كانوا قد اختاروا الكفر وتركوا دعوة الله، فإنّ الله قد وكلهم إلى أنفسهم وأبعدهم عن رحمته، ومنع عنهم لطفه، وحكم عليهم بالضلال بعد اختيارهم له. وهذا هو الذي يؤدّي بالنتيجة إلى حرمانهم من كلّ حظّ في الآخرة من نعيم الجنّة ومواهب الله في العالَم الآخر، وهذا هو تفسير قوله تعالى: {يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظّاً فِي الآخِرَةِ} فليست القضية قضية إرادة تكوينيّة تمنعهم من الحصول على فرصة السعادة في الآخرة فلا يملكون معها أيّة إمكانية لذلك، بل قضية اختيار منهم بعد أن أعطاهم الله فرصة الوصول إلى إيمانه من أوسع الأبواب، من خلال ما ركبه فيهم من الإرادة الحرّة التي يتحمّلون مسؤولية قراراتها، ما يؤدّي إلى النتائج السلبية. فإنَّ إرادة الله للأشياء تتّصل بإرادة الإنسان في مسؤوليّاته، فإذا اختار الخير في حركة عمله أعطاه الله الخير في نتائجه، وإذا اختار الشرّ فإنَّ الله يريد لهم عند ذلك من موقع إرادته، أن لا يكون لهم حظّ في الآخرة {وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. وتنطلق الآية الثانية لتؤكّد الفكرة في نطاق عامّ شامل يطرح القضية في مستوى القاعدة الكليّة: {إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ} في عمليّة اختيار ذاتيّة، لم تفرضها عليهم شبهة فكريّة، بل كانت نتيجة حالة نفسية مرضيّة معقّدة، فقد باعوا الإيمان بالكفر واستبدلوه به بعد وضوح الحقّ لديهم، {لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئاً} بل يضرُّون أنفسهم في ما يفقدونه من نعمة الإيمان الذي يفتح آفاق الإنسان على كلّ المعاني الطيّبة في الحياة، ويوحي له بكلّ الأفكار الطاهرة المنفتحة التي تثير فيه مشاعر السموّ والخير والانطلاق... وماذا بعد ذلك؟ إنَّ الإضرار بأنفسهم لن يقتصر على الجانب السلبي، بل هناك الجانب الإيجابي الذي يتمثّل فيه العذاب الأليم {وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} بما اختاروه لأنفسهم من الكفر والطغيان. **** 8 ـــ دور القرآن في تثبيت المؤمنين في الدعوة: {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ*قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 101 ـــ 102]. **** {وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُواْ إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ}. لم تكن أحكام التشريع الإسلامي تنزل على الناس دفعة واحدة، في وقتٍ واحد، بل كانت تنزل بطريقة التدرّج، بغرض خلق الانسجام بين الحكم الشرعي النازل ونموّ الناس الفكري والروحي على هدى الإسلام، وكان ذاك التدرّج يستعمل في بعض الحالات أسلوب التغيير والتبديل في الأحكام، تبعاً لبعض المصالح التي يقتضي تحقيقها مراعاة الزمان والمكان، بحيث تطلق مقيدة بتلك الحدود وتتغيَّر بتغيّر المصالح التي اقتضتها، إلى أن يلد حكم جديد ثابت لمصلحة دائمة، وقد يتمثّل ذلك بالآية التي يمكن أن ينسخ مضمونها آية قرآنية أخرى كما يرى البعض من نسخ الأحكام في القرآن، أو بالحديث النبويّ، على أساس النظرية التي تنكر النسخ في القرآن، وتقرّه في السنة. وكان الكفّار من قريش، يلاحقون ما يعتبرونه نقاط ضعف في حركة الدعوة على مستوى التنزيل والتشريع، ليواجهوا النبيّ بها ويسقطوا موقعه النبويّ في أذهان الناس، لذا فقد رأوا في التبديل في مضمون الآيات أو الأحكام، شاهداً على الافتراء على الله، لأنّه لا يمكن أن يبدّل الله كلامه، أو يغيّر أحكامه، وذلك لأنّهم لا يفهمون معنى التوقيت في المصلحة التي تكون أساساً للحكم، ما يفرض التبدّل الطبيعي عند انتهاء الوقت الذي اقتضاه، والتبدّل في هذا الإطار مسألة طبيعيّة بالنسبة للحكم الشرعي كما هو بالنسبة لأيّ موضوع آخر، حيث لا يكون التبدّل دليلاً على التنافي والتناقض فيه، ليكون بالتالي دليلاً على الافتراء ـــ كما يزعمون ـــ وهذا ما أثارته الآية في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ} [النحل : 100] فهو الذي يعلم المصالح الكامنة في الأشياء، ويعرف حدودها، ممّا لا يعلم البشر الكثير منه، أو لا يعلم الأكثر منهم وجه المصلحة فيه. ويتابع القرآن الإيحاء بالإرادة الإلهية، في ما ينزله على أساس حكمته التي لا تنحرف ولا تهتزّ {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ}، فقد اقتضت حكمته أن تنزل آيات القرآن على سبيل التدريج، كما توحي كلمة التنزّل التي تتضمّن معنى التدرّج مقابل كلمة الإنزال التي تنسجم مع الدفعة، وذلك بواسطة روح القدس كما ورد في هذه الآية أو الروح الأمين كما ورد في آية أخرى. وربّما كان المراد به جبرئيل الذي صرَّحت باسمه الآية الكريمة في قوله تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} [البقرة : 97]، {لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ} لما يريده لحركتهم في الدعوة والعمل، والجهاد، من خضوع للقرآن في آياته التي توجّه خطوةً هنا وخطوة هناك، وتخطّط المسير في هذا الاتجاه، ثمّ تبدّله في اتّجاهٍ آخر، تبعاً لمقتضيات الواقع العملي، الأمر الذي يخلق التفاعل بين حياة الناس والقرآن، بحيث يعايشون، بشكلٍ واقعي لا تجريدي، القرآن في مفاهيمه وأحكامه. من هنا نستطيع أن نقرّر الحقيقة القرآنية في الأسلوب الواقعي، وهي أنّ آياته كانت تحرّك مسيرة الدعوة وترعى حركة التغيير، وتوجّه خطوات الجهاد، ما يجعل القرآن تجسيداً للرسالة في الفكر والواقع. {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} في ما هيّأه لمن أسلموا الفكر والروح والحياة لله من سبل الهداية بآياته إلى سواء السبيل، وفي ما يبشّرهم به من رحمةٍ ورضوانٍ وجنّاتٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها في رحاب الله. **** 9 ـــ دور الحالة النفسيّة في تثبيت المواقف: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} [آل عمران : 151]. **** معاني المفردات: {سَنُلْقِي}: الإلقاء: أصله في الأعيان يدلّ عليه قوله: {وَأَلْقَى الألْوَاحَ} [الأعراف : 150]، {فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ} [الشعراء : 44]، واستعمل في غير عين اتّساعاً، كالرُّعب في الآية. وقوله: {وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} [طه: 39]. {الرُّعْبَ}: الخوف الشديد الذي يملأ القلب بحيث يقتل القوى عن الحركة والمقاومة. والرُّعب ـــ كما يقول الراغب ـــ الانقطاع من امتلاء الخوف. {سُلْطَاناً}: السلطان، هنا، معناه الحجّة والبرهان، وأصله: القوّة. {مَثْوَى}: المثوى: المنزل، وأصله من الثواء، وهو طول الإقامة. هل هناك حادثةٌ معيّنة أطلقت هذا النداء القرآني بالتحذير من طاعة الكافرين لئلّا يردّوا المؤمنين عن إيمانهم الحقّ بأساليبهم الخبيثة، فينقلبوا من موقع الإيمان إلى موقع الكفر فيخسروا دينهم ودنياهم؟ هل هناك حالة ضعفٍ استنفدت طاقة المؤمنين على التحمّل فحاولوا الاستعانة بالكافرين من أجل الحصول على أساس من القوّة يستندون إليه، حتّى يأتيَ النداء ليؤكّد لهم أنّ الله مولاهم وناصرهم {وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ} [آل عمران : 150]، لأنّه الذي يملك الأمر كلّه، والقوّة كلّها؟ قد لا يبدو أمامنا شيءٌ فعليّ من هذا القبيل، ولكنّ القرآن يتحدّث عن الحالات الوقائية بالأسلوب نفسه الذي يتحدّث به عن الحالات الدفاعية. وهكذا نستوحي الموقف هنا، فإنَّ حالة الهزيمة قد تخلق لدى الإنسان وضعاً صعباً يؤدّي إلى الانهيار والانسحاق والضياع في بعض الأحيان، وقد ينتهي به ذلك إلى البحث عن مخرجٍ للمأزق الذي وقع فيه، وقد يتمثّل ذلك في الوقوع في قبضة مخطّط الكفر في التنازل عن بعض المبادئ الأساسية بالدخول في بعض المشاريع المحرّمة، والسير في الدروب الملتوية التي لا تؤدّي إلى خير وصلاح، وذلك من أجل الحصول على الأمن المستقبلي من مراكز القوى المنتصرة والكافرة. وربّما يخيّل إليه أنّه يستطيع أن يجمع بين الإيمان بعقيدته والانطلاق مع مبادئه، وبين مداراة هؤلاء ومجاملتهم والسير معهم في بعض خطوات الطريق. وكانت مثل هذه الأفكار الناشئة عن هذه الحالة، تشكّل عنصر خطورةٍ على أمثال هؤلاء الطيّبين والمهزومين في معركة أُحُد، لأنّها تمثّل النموذج الساذج من التفكير، فالكفر لا يمثّل لدى الكافرين حالة مزاجيّة طارئةً ليمكن التعامل معها بأسلوب اللّحظة السريعة، بل هو لدى أصحابه فكرةٌ وخطّة عمل في إضلال المؤمنين وإبعادهم عن دينهم، وبذلك فهم يعملون على استغلال حالات الضعف من أجل السيطرة على هؤلاء المؤمنين الساذجين، كما لاحظناه لدى الكثيرين من أصحاب المبادئ الكافرة الذين يطرحون الشعارات الطيّبة المضلّلة في عرض ذكيِّ للقوّة، وإمعان في إثارة نقاط الضعف لدى الآخرين بأساليب نفسية شيطانية، من أجل أن يقودوا الضعفاء من المؤمنين إلى ضلالهم بأقرب طريق. ويمكن أن تكون هذه الآيات وسيلةً من وسائل التوعية الوقائية لدى المؤمنين المهزومين بأن لا يعطوا الموقف أكثر ممّا يتحمّل، بحيث يصوّرون لأنفسهم بأنَّ الكافرين يملكون زمام الأمر وحركة القوّة، فيقعون تحت تأثير أساليبهم ومخطّطاتهم ويطيعونهم في المواقف والأعمال التي تؤدّي إلى الكفر والضلال وخسارة الدارين طمعاً في النصرة وطلباً للقوّة. فليست القضية في قصّة الهزيمة سوى خسارة لمعركةٍ من المعارك، الأمر الذي يمثِّل ضعفاً في مرحلة معيّنة لا في المسيرة كلّها، فلا بدَّ لهم ـــ في هذه الحالة ـــ من الرجوع إلى إيمانهم وربِّهم ليعرفوا بأنّ القوّة لله جميعاً، وأنَّ النصر بيده لا بيد غيره، وأنّه قد يبتلي عباده المؤمنين ببعض البلاء في بعض مراحل الطريق، ولكنّه ينصرهم في نهاية المطاف، فعليهم أن لا يبتعدوا عن الله حتّى لا يضلّوا من حيث يعرفون ومن حيث لا يعرفون. **** السلطان والأمر لله: إنَّ الكافرين لا يعيشون عمق الشعور بالقوّة، لأنَّ قلوبهم فارغةٌ من الإيمان بالله الذي يمنح القوّة لعباده، فهم يُمارسونها بشكلٍ استغراضي لا ينطلق من قاعدة ثابتة، ما يجعلها تذوب لدى أوّل بادرة جديدة للقوّة، فتمتلئ نفوسهم بالرُّعب وتتحوّل أفئدتهم إلى هواء. {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً} فإنَّ الشرك بالله لا يملكون أيّة حُجّةٍ عليه في خطّ العقيدة والعبادة، لأنَّ مثل هذه الأوثان التي يعبدونها وهؤلاء الأشخاص الذين يطيعونهم في معصية الله، لا تمثّل أيّة حقيقة في معنى الألوهية، ولا تملك أيّة خصوصية في مضمون الربوبيّة، فإنَّها لا تملك لوجودها ضرّاً ولا نفعاً إلاَّ بالله، فهي من صنع أيديهم، وبالرغم من هذا كلّه فهم يعتبرونها آلهة، ويعبدونها من دون الله. هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ الشرك يفرِّغ القلب من كلّ قوّةٍ، ويعزله عن كلّ طمأنينةٍ، ويبتعد به عن كلّ إحساس بالأمن، لأنَّ الله ـــ وحده ـــ هو الذي يملأ عقل الإنسان وقلبه وروحه وضميره وكلّ حياته، فيمنحه الطمأنينة الهادئة العميقة، التي توحي إليه بأنّه في أمان من كلّ خوف، لأنّ الله هو المهيمن على الأمر كلّه، فلا يملك أيّ مخلوق الإضرار به إذا لم يرد الله له ذلك. ولهذا كان الإنسان الفارغ قلبه من الله هو الذي يطوف القلق في داخله أمام أيّ طارئ من طوارئ الحيرة، ويعيش الخوف في كيانه من خلال كلّ عنصر من عناصر الإثارة، حتّى إنَّ الوساوس والهواجس تنفذ إليه، بسبب العوامل السلبية التي تحيط به، فتأكل روحه، وتهزّ موقعه، لأنّه لا يجد أيّة قاعدة ثابتة للإحساس بالقوّة في نفسه، ما يجعل حياته نهباً لأيّة حالة طارئة وأيّ شكّ جديد، لتلعب به الرياح النفسية والخارجية على طريقة قول الشاعر: إذا الرّيحُ مالَت مالَ حيثُ تميلُ وهذا ما يجعل الإحساس بالرُّعب أمراً طبيعياً في حياتهم بسبب الهواجس التي تطوف في خيالهم، وينطلق الغيب الإلهي بالقدرة الخفيّة، ليثير الرُّعب بقوّة من خلال هواجس جديدة وتهاويل مخيفة في تصوّراتهم للأشياء التي يُدخل فيها بعض عناصر الخوف ونوازع القلق. **** وإنَّنا نعرف أنّ للحالة النفسية دورها في تثبيت المواقف وتأكيدها، لأنَّ الإنسان يتحرّك من خلال الجوّ الداخلي في نفسه، فهو الذي يمنح الخطى توازناً، والموقع صلابةً، والموقف قوّة، والإنسان صموداً، لأنّه لا يُحارب من موقع طاقته الجسدية المادية، بل من موقع طاقته الروحية التي تنفذ إلى مفاصل الجسم لتمنحه قوّة من قوّتها، وثباتاً من ثباتها، وروحيّة من روحيّتها. وفي ضوء هذا، فإنَّ الرعب الذي يلقيه الله في قلوب الذين كفروا من خلال العناصر الخارجية والإيحاءات الداخلية، في مقابل الطمأنينة والسكينة التي ينزلها على رسوله والمؤمنين، يمكن له أن يحرِّك الهزيمة في ساحة الكافرين والنصر في مجتمع المؤمنين، ما يفرض على المؤمنين أن يدخلوا المعركة بثقةٍ في أنفسهم من خلال الثقة بالله الذي يملك الأمر كلّه، فإنَّهم إذا أخذوا بأسباب النصر وانطلقوا في إرادة التحدّي، أعطاهم الله أسباباً خفيّة تبعدهم عن روح الهزيمة وعن مواقع الفرار. وهذا ما ينبغي للعاملين في خطّ الدعوة والحركة والجهاد ملاحظته في خططهم الحركية، في ملاحقة كلّ الوسائل الاستكبارية العاملة على إثارة أجواء التهويل والتخويف من القوى المضادّة بما يتحدّث به إعلامها عن مواقع القوّة لديها مقارناً بمواقع الضعف عندنا، ما يوحي بأنَّ الطريق الوحيد للنجاة هو الاستسلام لأنّه لا مجال لاختراق هذا الجدار الصّلب من القوّة للفئات المستكبرة أو الكافرة، فلا واقعية للمواجهة ولا فرص للثبات، وذلك من أجل إلقاء الرُّعب السياسي والأمني والعسكري والاقتصادي والثقافي في قلوب المؤمنين ليعيشوا الهزيمة النفسية التي تهيّئ الظروف للهزيمة الخارجية. إنَّ المؤمنين الذين يأخذون بأسباب الإيمان، ويخلصون لله، ويعرفون سنّته، ويتعرّفون مواقع قدرته ووسائل لطفه، من حيث إيحاءات العقيدة، وواقع اللّطف الإلهي بعباده. يعرفون كيف يتمرّدون على كلّ وسائل التخويف وكلّ أجواء الرُّعب على الله في مواقع غيبه، بالإضافة إلى السير في الحياة على خطّ سنّته الكونية والتاريخيّة؛ وبذلك يملكون التوازن في الموقف، والثبات في الموقع، والقوّة في ساحة الصراع، للوقوف بصلابة في وجه هؤلاء الكافرين والمستكبرين الذين سيلقي الله في قلوبهم الرُّعب من خلال قوّة أوليائه، وخفايا غيبه، وذلك هو شأنهم في الدُّنيا عندما تواجههم قوّة الحقّ، {وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ} في الآخرة جزاءً لهم على كفرهم وطغيانهم {وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية، وظلموا النّاس والحياة بالعدوان. **** 10 ـــ ثبات المؤمنين: {مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ*لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحشر: 7 ـــ 8]. **** معاني المفردات: {أَفَاء}: الإفاءة الإرجاع، من الفيء بمعنى الرجوع. **** {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} هذه هي القاعدة الإسلامية في التزام المسلمين بالإسلام، فإذا كان الرسول هو مصدر التشريع في ما يبلّغه عن الله من وحي وما يشرّعه من حكم، في ما أنزله الله عليه أو في ما أوكل أمره إليه، فلا بدّ للمسلمين من أن يأخذوا بما آتاهم الرسول، وأن ينتهوا عمّا نهاهم عنه، لأنّ ذلك هو الذي يمثّل الخطّ الإسلامي المستقيم المرتبط بالله والمنفتح على مواقع رضاه. وهذا هو الذي يجسّد النهج الحركي للمسلمين في ما يواجهونه من التيّارات الفكرية والتشريعيّة المنحرفة عن فكر الإسلام وشريعته، سواء كانت خاضعةً لعناوين سياسيّةٍ أو اجتماعيّةٍ أو اقتصاديةٍ، فلا بدّ لهم من أن يرفضوها باعتبار أنّ أوامرها تختلف عن أوامر الرسول، ونواهيها تختلف عن نواهيه، ومفاهيمها تختلف عن مفاهيمه. وقد لا يكفي في السير معها أن تلتقي بعض عناوينها بعناوين الإسلام، لأنّ القاعدة التي تحكم العنوان الإسلامي تختلف عن القاعدة التي تحكمها، لأنّ الإسلام يؤدّي إلى الله، بينما لا تؤدّي هي إليه، بل تتبع خطوات الشيطان في ذلك كلّه. إنّ هذه القاعدة التشريعيّة تؤكّد على أصالة الموقف الإسلامي في شخصيّة المسلم، بحيث يختزن في داخلها الفكرة التي تضع الحدّ الفاصل بينه وبين الفكر الآخر، فيعرف المسلم مواقعه الأصيلة في القاعدة الإسلامية، فلا يضيع في متاهات طروحات الآخرين على مستوى العناوين العامّة، وفي حركة المفردات التفصيليّة، {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} فإنّ قيمة التقوى عندما تكون حالةً في الفكر ونهجاً في الحركة، أنّها تضبط للإنسان خطواته، فلا تنحرف عن سواء السبيل، وتثبت للإنسان مواقعه، فلا تهتزّ أمام اهتزازات الأهواء والشهوات. وقد تحتاج التقوى في عمق تأثيرها الحركي في نفس الإنسان المؤمن إلى الشعور العميق بالمسؤولية من خلال التصوّر الروحي للعقوبة الإلهية الشديدة التي تنتظره إذا انحرف عن مواقع طاعة الله، لأنّ القناعة وحدها بالفكرة لا تكفي في الالتزام بها إذا لم يكن هناك نوعٌ من العوامل النفسية المتحرّكة في نطاق الخوف من الله الذي يحرّك في وعي الإنسان المؤمن الشعور الواعي بالرقابة الدائمة على نوازعه الخفيّة وممارساته السريّة والعلنية من خلال الإحساس بالحضور الإلهي الدائم المهيمن على الأمر كلّه والسرّ كلّه. **** الآية في خطّ التربية الروحيّة: وهذا هو الذي يفرض على العاملين للإسلام في النطاق الفردي والاجتماعي، على مستوى المجتمع والدولة، أن يتحرّكوا في خطّ التربية الروحية التي تربّي الإنسان على التقوى الروحية التي تنطلق في خطّ التقوى العملية، لأنّ ذلك هو الذي يمكن أن يساهم في إنجاح التجربة الإسلامية، وحمايتها من النوازع الذاتية والفئوية التي يمكن أن تنفذ إلى أعماق الحركة الإسلامية لتدفعها بعيداً عن الإخلاص لله ولرسوله وللمؤمنين. ولذلك فإنّنا نؤكّد على إثارة التقوى في الفكر في خطّ التدقيق في حدود المفاهيم والأحكام الشرعية، بحيث لا تختلط بمفاهيم الآخرين وشرائعهم وتحريك التقوى في العمل، لئلا ترتبك الخطوط العملية في مسألة وعي الواقع في نطاق ظروفه الموضوعية المحيطة به، في ما يمكن أن تختلف فيه الاجتهادات والأوهام والمصالح، فإنّ ذلك هو الذي يضمن المناعة الإيمانية على مستوى الشخص وعلى مستوى الحركة والواقع. **** الطليعة المؤمنة في مواجهة المشركين: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} هؤلاء هم الطليعة التي واجهت التحدّي الكبير في التجربة الأولى في خطّ المواجهة بين المشركين والمسلمين، عندما كان المسلمون قلّةً في العدد وفي العدّة وكانت الظروف الاجتماعية الضاغطة تحاصرهم من كلّ جانب، في ما كان يملكه المشركون من مواقع القوّة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وفي ما كانت الطروحات التي يطرحونها في مجال العقيدة مخالفة للواقع العقيدي والعبادي في حياة الناس الذين يعبدون الأصنام من موقع الضلال في العقيدة، والتقديس للإرث الذي توارثوه عن الآباء والأجداد، ممّا كان يفرض عليهم الحصار على أكثر من صعيد. ولهذا كان ثباتهم يتميَّز بالعناصر المتنوّعة في مجالها الروحي والفكري والعملي التي استطاعت أن تثبتهم في مواقع الاهتزاز، فقد أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، ليكون ذلك وسيلةً من وسائل الضغط عليهم ليسقطوا وينحرفوا، فلم يسقطوا ولم ينحرفوا. وقد أرادوهم أن يتركوا الرسول، ليحافظوا بذلك على حياتهم وأوضاعهم الخاصّة، فكان موقفهم أن نصروا الله في دينه، ونصروا الرسول في موقفه ورسالته، من دون أن يكون لهم أيّ طمعٍ بمالٍ أو جاهٍ، بل كان كلّ همِّهم أن يحصلوا على فضلٍ من الله ورضوان. وذلك هو الدليل على صدقهم، ليكون عنوان الصادقين هو العنوان الذي يتميَّزون به، لأنّهم صَدَقوا الله في القول والعمل، فكان موقفهم صورةً لدعوتهم في خطّ الإيمان. وهذا هو الذي جعل لهم الميزة على المسلمين الآخرين، لأنّهم آمنوا في المواقع الصعبة للإيمان، وتحمّلوا الكثير من التضحيات في سبيل الله، وكان واقعهم واقعَ البؤس المادّي، لأنّهم لم يستطيعوا أن يحملوا معهم شيئاً من مواقع بلدانهم. فكان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلّم) يوحي إلى المسلمين من الأنصار أن يجعلوا لهم بعض الميزة في العطاء، بالرغم من أنّ التشريع لا يميّزهم عن غيرهم، ولكنّ المسألة تخضع للظروف الطارئة في التمييز الطارئ. وهكذا ميَّز الرسول المهاجرين على الأنصار في الأموال التي حصل عليها من بني النضير، فقد جاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلّم) يوم بني النضير للأنصار: إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم، وتشاركونهم في هذه الغنيمة، وإنْ شئتم كانت لكم دياركم وأموالكم ولم يقسم لكم شيء من الغنيمة، فقال الأنصار: بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ونؤثرهم بالغنيمة ولا نشاركهم فيها(1). وهكذا نرى من خلال حديث ابن عبّاس أنّ الرسول كان يريد أن يحلّ مشكلة هؤلاء المهاجرين، ويوحي إلى الأنصار بمسؤوليّتهم عنهم، بمقاسمتهم أموالهم وديارهم، أو بالتنازل لهم عن حصّتهم في الفيء، ما يوحي بمسؤولية كلّ جيل مسلم عن رعاية جيل الطليعة الإسلامية التي ساهمت في انطلاق الحركة وفي تثبيت القاعدة وامتداد الخطّ. فكان الأنصار في مستوى المسؤولية، بحيث أعلنوا عن استعدادهم للمشاركة لهم في أموالهم وديارهم وعن تنازلهم لهم عن حصّتهم في الفيء، وذلك من خلال وعيهم للدور الكبير الذي قام به هؤلاء المهاجرون لمصلحة الإسلام والمسلمين، ممّا جعلهم يشعرون لهم بما يشبه الاعتراف بالجميل. وهذا ما أكّده القرآن في حديثه عن الأنصار في مشاعرهم الروحية وفي ممارساتهم العملية تجاه المهاجرين. **** 11 ـــ الموقف الثابت للمسلمين في خطّ الإيمان: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً*وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً*مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً*لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً*وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} [الأحزاب: 21 ـــ 25]. **** معاني المفردات: {أُسْوَةٌ}: قدوة. {نَحْبَهُ}: النحب: النذر المحكوم بوجوبه، يقال: قضى فلان نحبه: أي وَفَى بنذره، ويعبّر بذلك عمَّن مات وهو المراد هنا. **** {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} أي قدوة حَسَنَة في ما يأخذ به أو يدعه من الأفعال والمواقف، لأنّه الإنسان الذي تتمثّل فيه الصفات المثلى للكمال الإنساني، فقد ربَّاه الله التربية الفضلى وأدَّبه الأدب العظيم، وصاغ شخصيّته أفضل صياغة. وبهذا كان التجسيد الحيّ للإسلام في كلّ ملامح ذاته في الجانب الداخلي منها، في ما يحمله في فكره وقلبه وشعوره من طهر الفكرة ونقاء القلب، وصدق الشعور، وإخلاص النيّة، وفي الجانب الخارجي منها، من الإخلاص لله والعمل بطاعته، والجهاد في سبيله، والإحسان إلى الناس، والصدق في الدعوة، والصبر على آلامها، والانفتاح على الحياة كلّها من موقع الرسالة الباحثة عن الخير في كلّ صعيد، وعن الحقّ في كلّ أُفق، وعن العدل في كلّ مجتمع، لتؤكّد القِيَم الأخلاقية الإنسانية الروحية من خلال المعاناة، وليكون رضاه في ما يرضاه الله، وسخطه في ما لا يرضيه، ما جعل عمله سنّةً وشريعةً، كما كان قوله مصدراً لذلك. وهذا هو الذي خاطب الله به المسلمين الذين كانوا معه، ليعتبروه أساساً لسلوكهم الإيماني وخطّهم الإسلامي، بأن يتطلَّعوا إليه ليرصدوه في كلّ عمله، لتكون صورتهم صورته، يتأسُّون به، ويقتدون به في مواقفه وسجاياه. وتلك هي ميزة الرّسل في شخصيّتهم النبويّة، أنّهم لا يمثّلون الرسالة في الكلمة فقط، بل يجسِّدونها في الموقف، فيرى الناس صورة القيمة الإسلامية في الواقع، كما يسمعونها في الكلمة. وقد كان رسول الله إسلاماً يتحرّك على الأرض، فيفهمون الدّعوة في سلوكه بعد أن يسمعوها من قوله، ما يوحي لهم بأنّها ليست فكراً مثالياً يعيش في عالم المثال وفي آفاق الخيال، بل هي فكر متجسّد في الواقع العملي من شخصية الداعية. وهكذا كانت هذه الآية خطاباً للمسلمين الذين كانوا يجتمعون حول الرسول ويتصرّفون بحريّة الذّات المشدودة إلى مزاجها، الباحثة عن رغباتها، الغارقة في شهواتها، بعيداً عن المسؤولية في خطّ الرسالة، وبعيداً عن الجهاد في سبيل الله، فيهربون عندما تبدو أمامهم مواقع الخطر، ويسقطون أمام تحدّيات العدو. إنّها تريد أن تشدّهم إلى صورة النبيّ محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في ثباته في جهاده، وإخلاصه لربّه وقوّته في مواجهة العدوّ، واستهانته بالأخطار المحدقة بها، وفي موقفه الصابر في معركة الأحزاب، عندما كان يشجّع المسلمين على الثبات، ويشاركهم في حفر الخندق، ويشدّ حجر المجاعة على بطنه، ويبقى في خطّ التقدّم الأوّل، حتى لا يكون أحدٌ أقرب إلى العدوِّ منه. إنّها تريد أن تقدِّم لهم هذه الصورة؛ النموذج الأعلى للإنسان الرسالي الثابت في خطّ الرسالة، المتحدّي في مواجهة العدوّ، ليزدادوا قوّةً بقوّته، وليأخذوا الإخلاص من إخلاصه، حتى يكونوا في مستوى التحدّيات الكبيرة في المعركة، ليكون لهم النصر من خلال هذا الموقف الحاسم القويّ في مواقع الإيمان. إنّه خطّ القيادة القدوة الذي تسير فيه القاعدة الجماهيرية من الأُمّة، ولكنّ الذين يلتزمونه، هم الذين انفتحت قلوبهم على الإيمان بالله، وعاشوا الإخلاص له، ورغبوا في ثوابه، وخافوا من عقابه، وذكروه في السرّ والعلانية، فلم يغب عن أفكارهم، ولا عن ألسنتهم، لأنّهم وحدهم الذين يفهمون معنى الرسالة في معناه، وسرّ الإيمان في سرّه. {لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ} ويرغب في رضاه، ويهتدي بهداه، ويقتدي برسله {وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} فكان معه في كلّ أحواله، حتّى لا يغفل عنه في أيّة لحظة، في كلّ مواقع المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والمعاناة. وهكذا كانت هذه الصورة، هي صورة المؤمنين الملتزمين المخلصين الذين صدّقوا بالله ورسوله، وجاهدوا في سبيل الله من موقع الصدق، لم يخالطهم شكٌّ أو ريبٌ في ما هم فيه، ولم تعرض لهم شبهةٌ في ذلك كلّه. **** {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ} وواجهوا البلاء الشديد من خلال هذه الهجمة الكافرة التي تجمّعت من كلّ مواقع الشّرك ومعاقله، {قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ} في ما حدّثهم به النبيّ أو وعدهم به، من أنّ الكافرين والمشركين سينطلقون إلى حربهم، وسيحاولون أن يستأصلوهم، وفي ما أنزل الله على رسوله من ذلك في قوله تعالى في سورة البقرة: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ} [البقرة : 214]. {وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} فقد رأوا الصدق في هذا الجوّ العاصف من العداوة والبغضاء، الذي يحيط بهم، وفي هذه الحشود الكثيرة من الأعداء التي تحدّق بهم، فأعلنوا اعترافهم به وإيمانهم به {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً} لأنّ ثقة المؤمنين بالله وبرسوله لا تتزلزل ولا تتزعزع أمام المشاكل التي تواجههم، والتحدّيات التي تتحدّاهم، لأنّهم يعرفون أنّ الله لا يخذل عباده المؤمنين، مهما طال الزمن واشتدّ البلاء، فلا بدّ من أن تأتيَ العافية بعد البلاء، والرّخاء بعد الشدّة، واليسر بعد العسر. وهكذا سلَّموا أمرهم لله، وواجهوا العدوّ من موقع واحد، حتّى انتصروا عليه بمعونة الله وبرعايته وبنصره. **** من المؤمنين رجالٌ صدقوا العهد: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} فلم يكن عهدهم كلمةً في اللّسان، يمكن أن تنطلق من هنا لتتبخّر في الهواء، فلا تثبت في موقع المعاناة، بل كان عهدهم التزاماً في العقل والعاطفة والسلوك ممّا يتطابق فيه القول والفعل، فلا مجال لأيّة ثغرةٍ فيما بينهما، ممّا يمكن أن ينفذ إليه الباطل، {فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ} فمات في سبيل الله، فكانت نهايته في هذا الموقع دلالةً على صدقه، {وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ} الشهادة أو النصر في المعارك المقبلة التي ينتظرها المجاهدون ليشاركوا فيها وليؤكّدوا عهدهم لله في مواقفها {وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} لأنّهم الثابتون الذين تمتدّ جذور مواقفهم الإيمانية في أعماق الالتزام الذي لا تزيده التحدّيات إلاّ قوّةً وصلابةً وإصراراً على الثبات مع الحقّ المنفتح على الله في موقف لا مجال معه لأيّ تغييرٍ في الموقف أو تبديل في خطّ السير، {لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ} في ما يفيض عليهم من لطفه ورحمته وما يمنحهم من رضوانه ويدخلهم في جنّته. وهؤلاء هم المؤمنون الذين ثبتوا مع الرسول في حالة الشدّة، والتزموا بعهدهم الذي عاهدوا الله عليه في أوضاع الزلزال، {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء} لهم العذاب إذا لم يتوبوا، {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} في ما يمكن أن يشملهم من رحمته، إذا أنابوا إليه وتابوا من ذنوبهم، {إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً} فلا يمنع أحداً من رحمته ومغفرته، ممّن تتّسع له الرحمة والمغفرة. **** وكفى الله المؤمنين القتال: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً} فلم يحصل المشركون وحلفاؤهم على أيّ خير يزعمونه في انتصارهم على النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، بل انهزموا شرّ هزيمة، {وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ} بما هيّأه لهم من الأسباب في موقف الإمام عليّ (عليه السلام) في مواجهة بطل المشركين عمرو بن عبد ودّ وقتله له، ما أضعف معنويات المشركين، وفي إرسال الرياح العاصفة التي اقتلعتهم من مواقعهم التي كانوا فيها، وفي غير ذلك ممّا أرسله الله من ملائكته {وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً} فإذا أراد شيئاً بعباده، فلا رادَّ لإرادته، وإذا اقتضت مشيئته أن يقهر أحداً بقوّته، فلا يستطيع أحد أن يواجهها بأيّة وسيلة، ولا يملك أحد أن يواجه عزّته التي لا تقهر، فهو الذي يكفي من كلّ شيءٍ، ولا يكفي منه شيء. **** 12 ـــ من صور الثبات الإسلامي: {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ*الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ*فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ*إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [آل عمران: 172 ـــ 175]. **** معاني المفردات: {اسْتَجَابُواْ}: استجاب وأجاب بمعنى واحدٍ، وقيل: استجاب طلب الإجابة، وأجاب: فعل الإجابة. {الْقَرْحُ}: الجرح، وأصله: الخلوص من الكدر، والقرح: الجراح لخلوص ألمه إلى النّفس. {أَحْسَنُواْ}: الإحسان: هو النفع الحسن. {النَّاسُ}: النّاس الأولى غير الثانية، فإنّ المراد بالأولى: هم المثبطون المعوّقون الذين يعيشون النفاق وضعف الإيمان. والمراد بالثانية: هم الأعداء من المشركين وغيرهم. والناس لغةً: هم الأفراد من الإنسان من حيث أخذ ما يتميَّز به بعضهم عن البعض. {جَمَعُواْ لَكُمْ}: جمعوا جموعهم وجنودهم وآراءهم لقتالكم، والجمع، لمّ الأشياء المتفرّقة وضمّها بعضها إلى بعض. وأكثر ما يُستعمل جمع في الأعيان وأجمع في الآراء. {فَاخْشَوْهُمْ}: خافوهم وهابوهم. الخشية ـــ كما يقول الراغب ـــ خوف يشوبه تعظيم(1). {حَسْبُنَا}: كافينا وناصرنا. وتستعمل "حسب" في معنى الكفاية. {الْوَكِيلُ}: الذي يدبّر الأمر، والناصر والمعين والكافي والحفيظ، وأصله القيام بالتدبير، فمعنى الوكيل في صفات الله هو المتولّي للقيام بتدبير خلقه، لأنّه مالكهم الرحيم بهم. **** هذه صورة من صور الثبات والصمود في المجتمع الإسلامي، في ما تمثّلت به أجواء معركة أُحُد، فقد ترك رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلّم) ومعه المسلمون المعركة، وساروا في اتّجاه المدينة، وكان هناك إحساسٌ بأنّ المشركين قد يستغلّون حالة الضعف الطارئة التي حدثت لهم بفعل الهزيمة، فيهجمون على المدينة للقضاء على الإسلام والمسلمين نهائياً. فأراد رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلّم) أن يُبقي روح الاستعداد للقتال والتعبئة النفسية لدى المسلمين، لئلا يبتعدوا عن الجوّ ويفقدوا روح المبادرة، في الوقت الذي أراد فيه ـــ أيضاً ـــ أن يوحيَ للعدوّ بالاستعداد الدائم للوقوف ضدّه ولمواجهته، حتّى في أشدّ الحالات حراجةً، كالحالة التي كان المسلمون فيها آنذاك، وهي حالة الخروج من الحرب بالهزيمة. ولهذا طلب الرّسول (صلَّى الله عليه وآله وسلّم) من المسلمين أن يتجمّعوا في معسكر قرب المدينة بكامل عدَّتهم وقواهم، وكان فيهم ـــ في ما يُقال ـــ الجرحى والثكالى، واستجابوا للنبيّ في ما دعاهم إليه، واستطاعوا ـــ من خلال ذلك ـــ أن يضيّعوا على قريش فرصة المبادرة من جديد عندما فكَّر بعض قادتهم في الهجوم على أساس عنصر المفاجأة، فتراجعوا عن ذلك عندما علموا بحالة الاستعداد القصوى لدى المسلمين في المدينة. وقد جاءت هذه الآيات لتحدّثنا عن تلك التجربة، وعن الحالة النفسية القويّة التي كان يعيشها النبيّ والذين آمنوا معه ضدّ كلّ أساليب الانهزام الروحي التي كان الأعداء يحاولون أن يثيروها في عمق مشاعرهم، من أجل أن يهزموهم في الداخل قبل أن يعملوا على هزيمتهم في المعركة. وتنطلق هذه الآيات في هذا الجوّ لتؤكّد على قيمة الجانب الإيماني الذي يربط القوّة بالله، في تأكيد هذا الموقف الصلب الذي لا يخاف ولا يستكين. {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} وهو مفرد القروح، وهي حال خاصّة تصيب الجرح، وقد جاءت على سبيل الكناية عن حالة الألم الناتج عن الهزيمة في ما كانوا يعيشون فيه من مشاعر وإحساسات عميقة صعبة، فلم تهزمهم بل صمدوا للتحدّيات المستقبليّة التي دعاهم الله ورسوله لمواجهتها، فاستجابوا للدعوة، لأنّهم كانوا يشعرون بأنَّ أعداء الرسالة لن يكتفوا بمعركة واحدة ضدّ الإسلام، ينتصرون أو ينهزمون فيها، بل هناك حرب مستمرّة، ما دامت الرسالة تتقدَّم في خطواتها الثابتة إلى الأمام. ولهذا كان الاستعداد النفسي للمسلمين مستمرّاً للدخول في المعركة الجديدة عندما تنتهي المعركة السابقة. وقد حفظ الله لهم هذا الموقف في خطّ التقوى وفي روح الإحسان، فأعطاهم الأجر العظيم الذي يوازي عظمة الروح والموقف: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} وربَّما نستشعر من هذه الفقرة في الآية أنَّ الله يُعطي ثوابه للذين يتحرّكون في مواقفهم من مواقع التقوى والإحسان الكامنة في نفوسهم، المتحرّكة في أعمالهم المستقبليّة في الخطّ المستقيم. **** القوّة تكمن في الإيمان الرّاسخ: وتتجسّد الصورة التي توحي بالقوّة من قاعدة الإيمان، فتهزم بروحيّتها كلّ أساليب التخويف والترهيب {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ}، فقد انطلقت هذه الكلمات في عملية إيحاء بضخامة العدد والعدّة الذي يتمثّل في اجتماع هذا العدد الغفير من الناس لحرب المسلمين، بالمستوى الذي لا يستطيع المسلمون مواجهته على طريقة الحسابات الماديّة؛ الأمر الذي يدفع بهم إلى الشعور بالخوف من المشركين، فيتراجعون عن مواقفهم أمامهم أو يخفّفون عن اندفاعهم في التحدّيات التي يثيرونها في صراعهم مع الشّرك، فيقبلون بالتسويات التي يأخذ فيها الإيمان حصّة ليأخذ الشرك في مقابلها خاصّة، فينتهي بهم الأمر إلى الانسحاب من مواقعهم الحقيقيّة في نهاية المطاف، لأنّ الذين يتساهلون في بعض المواقف الحيويّة تحت تأثير عامل الخوف سوف يتساهلون في القضايا والمواقف الأخرى للسبب نفسه في حالةٍ أخرى. ولكنّ هؤلاء المؤمنين الذين استجابوا لله وللرّسول، كانوا يعيشون الإيمان في أنفسهم كعاملٍ من عوامل الشعور العميق بالقوّة، من خلال الشعور بالانتماء إلى الله القويّ القادر، ولهذا كان ردّ فعلهم على هذا التحدّي مزيداً من التصعيد في حركة الإيمان في الداخل، لأنَّ المؤمن يعيش الانتماء إلى الله والاعتماد عليه واللّجوء إليه في حالات التحدّي بالمستوى الذي يملأ نفسه بالقوّة، ويفرّغ داخله من كلّ مشاعر الضعف التي تهزم مواقفه. وبذلك يزداد إيماناً في فكره وشعوره، لأنّ التجربة الصعبة لدى الواعين من المؤمنين لا تضعف الإيمان، بل تُنمّيه وتقوّيه، وتربط بالأُسس الثابتة التي ترتكز عليها وانطلق منها في ما يتحسّسه من حركة الإيمان في خطّ الواقع، وفي ما يُعانيه من ارتباط التجربة بقضايا الإيمان. وهناك نقطة أخرى، وهي أنَّ التحدّيات الكافرة كلّما كَبُرت كلّما كانت دليلاً جديداً على مستوى الخطورة التي تمثّلها حركة الإيمان ضدّ الكفر، ما يمنح المؤمن شعوراً بقوّة الموقف في قوّة الإيمان، لأنَّ ردّ الفعل في حركة الكفر في ما يمثّله من أساليب العدوان لا يدلّ على قوّة في الموقف، بل يوحي بحالة الضعف التي تدفع إلى التشنُّج والانفعال العدواني. وفي هذا الموقف يشعر المؤمنون أنَّ عليهم مواصلة الفعل من مواقعهم القويّة، ليرتفع مستوى الحركة إلى أعلى ما يستطيع العاملون أن يبلغوه. وهذا هو وحي القرآن في تصويره لهذه الروح الفاعلة الصاعدة: {فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} فقد وازنوا بين قوّة هؤلاء الناس الذين جمعوا لهم، وعرفوا أنَّ قوّتهم لا تملك عمقاً ذاتيّاً في حسابات القوّة، ولا تملك امتداداً في التأثير، لأنّها محدودة في ذاتها وفي أثرها. وبين قوّة الله المطلقة التي تمنح القوّة كما يشاء وتسلبها كما يشاء، وحدَّدوا موقفهم على هذا الأساس، فاختاروا الارتباط بالمطلق ولم يخضعوا للمحدود؛ فشعروا بالكفاية بالله، فهو الذي يكفي من كلّ شيء ولا يكفي منه شيء، وهو الوكيل عن عباده المؤمنين في ما يقوم به من حمايتهم وحفظهم من كلّ سوء. واستجاب الله لهذا الإيمان {فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ}، وردّ الله كيد الأعداء إلى نحورهم، فتراجعوا أمام حالة الاستعداد القصوى للمؤمنين التي عاشها المؤمنون من خلال نعمة الله وفضله عليهم، {وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ} في ما يأمرهم به من الوقوف مع رضوانه في مواقع الجهاد، {وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} في ما أعطاهم من قوّة الموقف من خلال قوّة الإيمان، فلم يستطع النّاس أن يهزموهم بالكلمة، كما لم يستطيوا أن يهزموهم بالفعل. وذلك هو فضل الله على عباده في ما يفيض عليهم من نعمة القوّة الروحية التي لا تقف عند حدّ. {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ} فليس الخوف الذي يحدث للإنسان إلاَّ من خلال تسويلات الشيطان الذي يوحي له بالمشاعر السلبية، التي تُعطي الأشياء من حوله صورة غير واقعيّة، فتضخّم في وعيه القضايا الصغيرة، وتصغّر القضايا الكبيرة، وتضع أمامه صورة الموت الذي يُلغي أطماعه وشهواته؛ فيضعف أمام ذلك كلّه، ويتضاءل ويصغر ويتراجع عن مواقفه، وينسحب من مواقع الجهاد الصعب تحت تأثير عوامل الخوف الناتج من ذلك كلّه. وذلك هو شأن أولياء الشيطان، يصغون بمسامع قلوبهم لوسوسته. أمّا أولياء الله فهم الذين لا يرتبطون بالحياة إلاّ من خلال الإيمان بالله الذي يمسك مقاليدها بيده، ويحرّكها بقدرته، ويضع خططها بحكمته، فهو الذي ينفع ويضرّ، وهو الذي يُحيي ويُميت وإليه المصير. وليست الحياة الدُّنيا نهاية المطاف، ليسقطوا أمام صورة النهاية في صورة الموت، بل هي بداية لحياة جديدة أخرى. ولهذا فإنَّ الموت لا يمثّل حالة سلبيّة في عمق الشعور الإنساني المطيع لله، بل يحدث له حالة عكسيّة من الشعور الإيجابي بالشوق للقاء الله للحصول على رضوانه ونعيمه في الدار الآخرة. وهذا هو شعار المؤمنين في المعركة في ما حدَّثنا الله عنه في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} [التوبة : 52]؛ النصر أو الشهادة. {فَلاَ تَخَافُوهُمْ} لأنّهم لا يملكون القوّة الذاتية التي تخيف المؤمنين، {وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} بالوقوف أمام حدود الله في الثبات على خطّ الجهاد وعدم الانهزام أمام تحدّيات الأعداء، فإنَّ الإيمان موقف لحساب الله، وليس كلمةً عابرةً تنطلق به الشفاه في حالة شعورية سلبيّة في حركة الذّات. **** الجهاد حركة للحياة: وقد نستوحي من هذه الآيات في أنّها لم تتحدّث عن التاريخ الجهادي للمسلمين كتاريخ محدود يتحرّك ضمن شخصيات معيّنة، بل تحدّثت عنه كنموذج من نماذج حركة الإسلام في الحياة في حركة المؤمنين الذين يواجهون تحدّيات الأعداء بالقوّة، فلا تصرعهم الهزيمة بل تزيدهم قوّة واستعداداً للحصول على النصر من خلال اختزان دروس الهزيمة في داخلهم، وتحويلها إلى تجربةٍ رائدة في خطّ السير، ليُتابعوا الطريق ويستشعروا بالقوّة المتجدّدة بقدر ما يتجدَّد الإيمان في نفوسهم. وبذلك تتحوّل هذه القصّة إلى درس نتعلَّمه في مواقفنا عندما نقود معركتنا في صراعنا مع الكفر والظلم والاستعمار، فيحاول الأعداء أن يستغلّوا الأوضاع الشاذّة في مجتمعاتنا ليثيروا فينا مشاعر الخوف من خلالها. فإنَّ المؤمن ينظر بنور الله، فيدرس الواقع، لا على أساس حدوده الضيّقة، بل على أساس المعطيات المستقبليّة التي يمكن أن يقدّمها للمستقبل، في ما يوحي به من عملية حشد القوّة في الداخل والخارج من خلال الارتباط بالله، فإنَّ الحياة بيد الله، فلا يملك أحد أن يسلب الحياة ممّن يريد الله له ذلك. وهذا هو سرّ القوّة النفسية التي يواجه بها المؤمن الحرب النفسية التي يشنّها الأعداء ضدّه، فيتزايد لديه الشعور بأنّه يقف على أرص صلبة، وأنَّ رأسه مرفوع إلى السماء في اتّجاه النور المتحرّك في آفاق الله. وتربية التوكُّل على الله التي نشأ عليها هؤلاء المسلمون من الصحابة في صدر الدّعوة، هي السرّ في الثبات على الإسلام أمام كلّ التحدّيات الصعبة والأخطار الكبرى، فقد فهموه فهماً واعياً عميقاً واسعاً ممتدّاً في حركة الواقع الإنساني، وذلك بالأخذ بالأسباب التي أعدّها الله للأشياء في واقع الحياة في قضايا النصر والهزيمة ممّا يتّصل بالأسباب الطبيعيّة، وبالانفتاح على الله في استلهام القوّة منه في الإمداد الغيبي الذي يمدّ به عباده الصالحين في ساعات الشدّة، وفي مواقع التحدّي عندما يخضعون لبعض نقاط الضعف النفسية في ضعف بشريّتهم، ووهن الإرادة واهتزاز الإحساس، وسيطرة الخوف والحزن من خلال أسبابها في الواقع، فينطلقون إلى الله يستمدّون منه القوّة التي تنقذهم من ضعفهم، والأمن الذي يخلّصهم من خوفهم، والفرح الروحي الذي يُبعدهم عن حزنهم؛ فتمتلئ نفوسهم بالثقة أمام الأعداء. فإذا كانوا يمثّلون القوّة المادية التي تغلب قوّة ماديّة مماثلة، فإنَّ الله يملك القوّة الغيبيّة التي لا تغلب ولا تقهر، وهكذا يتحوّل التوكّل في معناه الإيماني إلى عنصر قوّة في الإنسان المؤمن، بحيث تطرد عنه كلّ عوامل الضعف، فينطلق إلى الحياة في كلّ قضاياها بثقةٍ فاعلةٍ، واطمئنان عميق، وموقف ثابت، وهذا هو شأن القوّة الروحيّة الإيمانيّة في الواقع الحركيّ للإنسان في مواجهة الشدائد؟ **** 13 ـــ الأرض يرثها عباديّ الصالحون: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ*إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} [الأنبياء: 105 ـــ 106]. **** كيف يجب أن يفكّر أتباع الرسالات الذين يعيشون الإيمان فكراً وموقفاً ومنهج حياة؟ هل يواجهون المستقبل الذي يتحرّك من حاضر مليء بالصعوبات والتحدّيات التي يمثّلها الكافرون والمنافقون والمشركون والضالّون، وقوى الشرّ والظلم والطغيان؟ هل يتساقطون في وهدة اليأس أمام ذلك كلّه، أو يتماسكون في مواقفهم، ليتطلّعوا إلى الأمل الكبير القادم من وعد الله لعباده الصالحين بالنصر الرسالي في نهاية المطاف؟ إنّ الله يوحي إلى المؤمنين الصالحين بأنّ المسألة لا تحتمل الشكّ، بل هي في حجم الحقيقة الكونية التي يمثّلها التكوين الإلهيّ في نهاية الحياة. ولهذا فإنّ عليهم أن يتابعوا الجهاد في كلّ المواقع، ويؤكّدوا الرسالة في جميع المواقف، ليثيروا قضايا الحقّ في كلّ مجالات الحياة، وكلّ مواقع الإنسان، ويتحمّلوا الكثير الكثير من المشاكل والآلام والتضحيات، لأنّ ذلك هو الذي يحقّق للمستقبل ثباته وقوّته، ويدفع به إلى الآفاق الرحبة في موعد الشروق. {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ} الذي أنزله الله على داود (عليه السلام) {مِن بَعْدِ الذِّكْرِ} وهو التوراة، كما قيل، لأنّ الله سمّاها به في قوله تعالى: {فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]. وقيل: هو القرآن، لأنّ الله أطلق عليه ذلك في أكثر من آية: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} فيسيطرون عليها سيطرة حكم وقيادة ورسالة، فينفذون برنامج الرسالات الذي يحوّل الأرض إلى ساحة للإيمان بالله، وإطاعة لأوامره، وربّما يضاف إلى ذلك وراثة الأرض، في ما وعد الله عباده المتّقين منهم وراثة الأرض التي تطلّ على الجنّة التي يتبوّأون فيها مواقعهم كما يشاؤون. فهم الذين يرثون الحياة كلّها في الدنيا والآخرة، ليشعروا بالثقة بأنّ الأرض ليست مجرّد فرصة للأشرار في حكمهم وعبثهم وفسادهم، بل قد تكون، ولو في نهاية المطاف، فرصة للأخيار من أتباع الرسالات، لينطلقوا بالحركة الرسالية لتشمل الحياة كلّها في مواردها ومصادرها وأوضاعها وأشخاصها، ليكونوا هم الجيل الأخير للبشرية الذين يسلمون الحياة إلى الله في الأرض على خطّ الأمانة التي حمّلها للإنسان ليؤدّيها إلى أهلها كاملةً غير منقوصة، وليتسلّموا من الله مواقعهم من رضوانه ومن جنّته. وقد كثرت الأحاديث المرويّة عن النبيّ (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعن أهل بيته وأصحابه، بأنّ الإمام المهديّ (عليه السلام) هو الذي يرث الأرض مع أصحابه الصالحين ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلِئَت ظلماً وجوراً. {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} يعبدون الله، كما يريد الله لهم أن يعبدوه في إقامة العدل وإزهاق الظلم، وفي الانفتاح عليه في كلّ أمورهم وقضاياهم، ليجعلوا الحياة كلّها في طاعته وفي خدمته، وفي الحصول على رضاه. وهؤلاء هم الذين يشعرون أنّ في ما أنزله الله عليهم ما يبلغ بهم إلى ما يريدون من أهداف في الدنيا والآخرة، إذا ساروا على نهجه واتّبعوا هداه وانطلقوا مع شرائعه. **** الاستقامة فاستقم كما أمرت ـــ الاستقامة في خطّ التوحيد والدّعوة ـــ النبيّ وتقديم التنازلات 1 ـــ فاستقم كما أمرت: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ*وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [هود: 112 ـــ 113]. ***** معاني المفردات: {فَاسْتَقِمْ}: الاستقامة: الاستمرار في جهة واحدة، وأن لا يعدل يميناً ولا شمالاً. {تَطْغَوْاْ}: الطغيان: تجاوز المقدار في الفساد. {وَلاَ تَرْكَنُواْ}: الركون إلى الشيء: هو السكون إليه بالمحبّة له، والإنصات إليه، ونقيضه النفور عنه. **** يريد الله للمسيرة الجديدة بقيادة النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله وسلَّم) ألاّ تنحرف كما انحرف أتباع الرسالات السابقة، بل أراد أن تسير في خطّها المستقيم الذي رسمه الله للنّاس على صعيد الفكر أو العمل أو الموقف أو العلاقات، فلا يتجاوزونه إلى غيره، ولا يبتعدون فيه إلى الحدّ الذي ينفصلون به عن القاعدة الثابتة. وهذا ما أكّده الله في أكثر من آية حين اعتبر الاستقامة أساساً للشخصية الإسلامية، كما أنّها التزام بتوحيد لله في القاعدة، ثمّ هي استقامةٌ على هذا الخطّ في كلّ شيء، فكلّ الحياة في مناهجها وأساليبها وعلاقاتها ترتبط به، لأنّ الفكر والعمل، يتحرّكان بين خطّ الشرك وبين خطّ التوحيد، فلا مجال أمام الإنسان سوى اختيار أحدهما، فمن انحرف عن خطّ التوحيد وجَدَ نفسه في خطّ الشرك، ولذلك كانت الاستقامة لا تعني للإنسان المسلم شيئاً آخر سوى الالتزام بخطّ التوحيد في حركة الفكر والعمل. من هنا جاءت دعوة الله إلى النبيّ وإلى المؤمنين للاستقامة في قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} من المؤمنين الذين اتّبعوك وتركوا الشرك، لأنّ ذلك يمثّل معنى الإخلاص لله، بالسير في خطّ رضاه، {وَلاَ تَطْغَوْاْ} أي لا تتجاوزا الحدود المرسومة لكم، كما تجاوزها الآخرون، في تحريف المفاهيم، وتغيير الأفكار، وإرباك الأهداف. **** الرسول مكلّف كسائر المؤمنين: ولعلّ في هذا الأمر الموجّه للنبيّ وللمؤمنين معاً، إيحاءً بأنّ النبيّ لا يختلف عن المؤمنين في المسؤوليات التفصيليّة لخطّ السير، لأنّه يتحرّك في حياته، بصفته المسلم الأوّل الذي لا بدّ أن يطبّق الإسلام على نفسه، قبل أن يدعو إليه، ليكون الداعية بالقدوة، قبل أن يكون الداعية بالكلمة، وبهذا يمكننا استيحاء الرّد على الذين يفرضون للنبيّ تكليفاً غامضاً يختلف عن تكليف بقيّة المسلمين، فيرون أنّنا لا نستطيع اعتبار أيّ عمل يقوم به، لا سيّما في خطّ الجهاد، لأنّه أعرف بتكليفه الشرعي الذي قد لا نعرفه. إنّنا نستوحي من هذه الآيات وغيرها، أنّ الله يخاطبه كما يخاطب غيره، لأنّه مسؤول عمّا هم مسؤولون عنه، إلاّ أنّه يختلف عنهم بصفة القيادة الرسالية والحاكمية، التي تجعل مسؤوليّاته أكثر ثقلاً من مسؤوليّاتهم، ولكنّها لا تبتعد عن الخطوط العامّة للتشريع في مجال الدعوة والحكم، ولولا ذلك لما كان هناك معنى للقدوة التي ترى في سلوكه شريعةً، كما هي الكلمة منه شريعةٌ ورسالة. **** حذار الخلط بين الكفر والإسلام: وهذا ما نريد أن نثيره في حركة العاملين في سبيل الله، في خطّ الدعوة إليه، أو الجهاد ضدّ الكفر أو الانحراف، وذلك أن يلتزموا خطّ الاستقامة في الفكر،أمام عوامل الانحراف المتنوّعة التي تحاول أن تتّجه بالفكر الإسلامي، إلى خطوط كافرة أو قريبة من خطّ الكفر، تحت واجهات غائمة لا تملك من عناصر الأصالة والوضوح الشيء الكثير، بل تثير ـــ بدلاً من ذلك ـــ الكثير من الشكوك والشبهات التي تخضع لكثير من أساليب الالتواء والانحراف، وذلك في ما يحاول العابثون من الخلط بين الكفر والإسلام، في مزيج من الأفكار التي تحمل مضمون الكفر في إطار الإسلام. إنَّ عليهم الانتباه إلى ذلك بدقّة وحذر، لئلا ينحرفوا من حيث يريدون الاستقامة، فيعطوا الانحراف قداسة الإسلام. وهذا ما وقع فيه بعض العاملين تحت تأثير المتغيّرات الفكرية والسياسيّة والاجتماعية التي فرضت نفسها على السّاحة الإسلامية بدخول بعض التيّارات الكافرة والمنحرفة في حركة الواقع، حيث كان لتلك التيّارات تأثير على فكر العاملين وطريقتهم في فهم الواقع والتحرُّك معه، فأحدث ارتباكاً وتعقيداً في حركتهم، وأدخل بعض المفاهيم الكافرة، في صلب منظومة المفاهيم الإسلامية، كما نلاحظ في تطعيم الإسلام بالديمقراطية والاشتراكية والماركسية في بعض الأحيان، أو في إخضاع حركة الفكر الإسلامي للتيّارات الفلسفية اليونانية، وما إلى ذلك. **** الانسجام بين الفكر والأسلوب: وكما هو الحال في خطّ الفكر ومضمونه، لا بدّ من التزام خطّ الاستقامة في المنهج والأسلوب، باعتماد الأحكام الشرعية في أسلوب العمل، ومنهج التحرّك، لأنّه من الممكن أن يتأثَّر العاملون بأساليب العمل، ومناهج تفكير التحرّك التي يستخدمها الكافرون والضالّون في مساعيهم للسيطرة على الواقع عملياً، ومقدرتهم بفضل ذلك على إخضاع الأجواء لأساليبهم ونهجهم في العمل. وهذا ما يفرض على القيادات الفاعلة أن تخطّط للتحرّك بطريقة تحقّق الانسجام بين الفكر والأسلوب، ليعينوا العاملين على معرفة الخطّ المستقيم في الوسائل، كما يعرفون الخطّ المستقيم في الغايات، لأنّ الجهل يدفع الناس إلى الضلال باسم الهدى فيتجاوزون الخطوط المرسومة لهم من قبل الله الذي يراقبهم في معاناتهم في سبيل المعرفة والممارسة، أو تقصيرهم فيه، {إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فلا يخفى عليه شيء من سرّهم وعلانيّتهم، ولا حجّة لهم في تبرير ما يعملون أمامه كما يفعلون أمام الآخرين الذين يجهلون واقع الأمور، وحقائق الأشياء. **** التعايش مع الظالم: العبرة بالنتائج لا النوايا {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ} أنفسهم في الانحراف بالعقيدة عن مسارها الصحيح، والتحرّك في خطوط الكفر والشّرك والضلال، أو الذين ظلموا الناس، بسبب ما يملكونه من قوّة وسيطرة وسلطان وذلك بالاستسلام لفكرهم وخططهم العملية، والخضوع لعمليات الإذلال للمؤمنين والمستضعفين التي يمارسونها، ومشاركتهم في التحرّك السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي يقومون به، لأنّ ذلك يؤدّي إلى تعزيز قواعد الظلم في الأُمّة على مستوى التشريع والتنفيذ، فإنّ قوّة الظلم تكبر وتنمو بانضمام أفراد من الأُمّة للظالم الذي يستفيد من ذلك لدعم حكمه وظلمه، ولذلك فلا بدّ من دراسة الخطوات الإيجابية التي يتحرّك بها الناس مع الحكم الظالم، تحت ضغط الظروف الذاتية أو الخارجية الطارئة، وذلك بالتدقيق في تأثير تلك الخطوات على واقع الظلم، ومدى تقويتها للحكم والحاكم، سواءً كان الوصول إلى تلك النتائج مقصوداً من قبلهم أم لم يكن مقصوداً، لأنّ العبرة في مثل هذه الأمور النتائج لا النوايا. وعلى ضوء هذا، فإنّ التعامل مع الظالم في المجالات العامّة والخاصّة استجابةً لمطالب التعايش، أو العيش المشترك، يخضع في شرعيّته وعدم شرعيّته للطبيعة العملية للنتائج الواقعية الإيجابية لمصلحته، فقد يختلف باختلاف الظروف، في تأثيرها الإيجابي أو السلبي على الواقع، وقد يختلف باختلاف الشكل، أو النيّة للتعامل أو العلاقة، ممّا يفرض على الناس ملاحظته بدقّةٍ وحذرٍ، لئلا يتحوّل ذلك إلى حالة ركونٍ للظالم واستسلام له، من حيث يريد الناس أو لا يريدون، فيتعرّضون لعقاب من حيث لا يشعرون، {فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} جزاءً لهذا العمل السيِّئ الذي يفسد حياة البلاد والعباد، في الحاضر والمستقبل، بإفساح المجال للظلم أن يقوى وينتشر، وللظالم أن يبسط سلطته على المستضعفين، {وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء}، في ما يمكن الاستعانة به من القوى المحيطة بالإنسان من أهله وذوي قرباه، أو من أصدقائه، {ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} لأنّهم لا يملكون أيّة قوّةٍ أمام الله، خالق القوّة للحياة كلّها، فكيف يمكن أن تقف تلك القوى أمامه؟ **** 2 ـــ الاستقامة في خطّ التوحيد والدعوة: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ*نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ*نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ*وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ*وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ*وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ*وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [فصلت: 30 ـــ 36]. **** معاني المفردات: {تَدَّعُون}: تطلبون. {نُزُلاً}: ما يعدّ للنازل. {نَزْغٌ}: النخس بما يدعو إلى الفساد. **** {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا} هذا هو الإسلام في كلمةٍ مختصرة تحدّد المنطلق والأُفق وخطّ السير، فالتوحيد هو المنطلق الذي يوصل الإنسان بآفاق الله الذي ابتدأ الوجود بكلمته، وعاش كلّ حركته وامتداده بحكمته ونعمته، وأوحى للإنسان بالرسالة المنفتحة على الحياة كلّها برحمته. وفتح لفكره وروحه وشعوره مطالع الشروق، في إيحاءات الحقّ بعلمه ومعرفته، ورعاه في كلّ مواقع الحركة في داخل وعيه، وخارج ذاته، بلطفه وقوّته. وهكذا تنطلق بداية خطّ السير من الله لتطلّ على الأُفق الواسع الممتد الذي يشمل الحياة كلّها، بكلّ قضاياها ومشاكلها ووسائلها وأهدافها، وأفراحها وأحزانها وخطوطها المتحرّكة في أكثر من اتّجاه، ليكون الله هو النور الذي يشرق في كلّ فكرةٍ، وفي كلّ عاطفةٍ، وفي كلّ منهجٍ، وفي كلّ علاقةٍ وخطّةٍ، ويكون الإنسان على نورٍ من ربّه في كلّ مرحلةٍ من مراحل الطريق. وهكذا كان الاعتراف بالله وبوحدانيّته هو الذي يحدّد للإنسان وجهة السير، ثمّ تكون استقامته على الخطّ ذاك بحيث لا ينحرف ذات اليمين وذات الشمال، ولا يلتفت إلى أيّ شخصٍ مهما كانت عظمته وقدرته، ولا ينتمي إلى أيّ تيّار مهما كانت إغراءاته، على مستوى الشريعة والسياسة والاقتصاد والعلاقات الشخصية، فلا شريعة له إلاّ شريعة الله، ولا سياسة له إلاّ السياسة التي تنسجم مع العناوين التي يرضاها الله، ولا اقتصاد إلاّ في حدود الحلال والحرام، ولا علاقات شخصية بالآخرين إلاّ إذا كانت في طريق الله، بحيث يكون ارتباطه بالناس من خلال الله، وهكذا لا يجد الإنسان غير الله في كلّ أموره. إنّه خطّ التوحيد، والاستقامة في اتّجاهه، التي تختصر الرسالة في كلّ تفاصيلها المتعلّقة بالحياة الناس، باعتبار أنّ تلك التفاصيل هي المضمون العمليّ الذي يجسّد التوحيد الخالص. **** ملائكة الرحمن تتولّى الموحّدين المستقيمين: إنّ هؤلاء الذين يعيشون الالتزام بهذا العمق، وهذه الاستقامة {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ} عندما يواجهون موقف يوم القيامة {أَلَّا تَخَافُوا} من أهوال الحشر ومن سوء العذاب، {وَلَا تَحْزَنُوا} من النتائج السلبية التي قد يلاقيها العباد في هذا اليوم الصعب وما قد يصيبهم من آلام ومشاكل، لأنّكم في منجًى من ذلك كلّه، {وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ} فها هي الجنّة الموعودة أمامكم بكلّ نعيمها وسعادتها ولذّاتها ومشتهياتها، وبكلّ ما تحتويه من ألطاف الله ورضوانه الذي يشيع في الروح الطمأنينة والاستقرار. {نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} فقد أرادنا الله أن نتولّى أمركم في الحياة الدنيا ونرعاكم ونسدِّد خطواتكم في طريق الحقّ، في ما وضعه في أيدينا من أسباب على ذلك، كما أرادنا الله أن نستقبلكم في الآخرة، بالولاية والرعاية التي تستجيب لكلّ حاجةٍ أو رغبةٍ لديكم، فلن ينقص عليكم شيءٌ ممّا تريدون وتحبُّون، فنحن على استعدادٍ لتلبية رغباتكم فادخلوا الجنّة بسلام الروح، واطمئنان النفس. {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ} ما تشتهيه من اللّذات والمتع الحسيّة {وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ} أي كلّ ما تطلبون وكلّ ما يخطر ببالكم من أشياء يتطلّبها الإنسان في عقله وروحه وشعوره. {نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} وهو من أعدَّ لكم كلّ هذا النعيم، وأنزل عليكم هذه الرحمة، فغفر لكم ذنوبكم التي ألممتم بها في الدنيا، ورحمكم بالجنّة التي أعدَّها لعباده المؤمنين الصالحين في الآخرة. ***** الدعوة إلى الله والإسلام أحسن الأقوال: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ} من موقع إيمانه الذي عاش عمق العقيدة في عقله ووجدانه، وتحرّك في حياته من موقع المسؤولية في خطّ الدعوة، عاملاً على فتح عقول الناس وقلوبهم على الله ليعرفوه ويؤمنوا به ويتحرّكوا في طريق طاعته، وكان ذلك همّه الأساس الذي يحوِّل العقيدة إلى حالةٍ في الذّات، وحركةٍ في الرسالة، لأنّ كلّ مؤمنٍ رسولٌ في حجم قدرته على أداء الرسالة، والإيمان في مضمونه شأن من شؤون الدعوة إلى الله، {وَعَمِلَ صَالِحاً} باعتبار أنّ العمل الصالح هو التجسيد الواقعي للإيمان الذي لا يريد الله له أن يكون مجرّد حالةٍ عقليةٍ في الفكر، أو شعوريةٍ في الإحساس، بل يريده أن يكون موقفاً في العمل، وحركةً في الذّات، ولهذا رأينا القرآن يركّز دائماً على العمل الصالح إلى جانب الإيمان، فلا يكتفي بالإيمان وحده، كما لا يكتفي بالعمل وحده {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} لله في كلّ أموري في الحياة، فلا أملك فكراً غير ما أوحاه الله من الفكر، ولا أتحرّك في عاطفةٍ أو شعورٍ إلاّ في الخطّ الذي أرادني أن أُحرِّك مشاعري فيه، فلا أحبّ إلاّ من يحبّ، ولا أبغض إلاّ من يبغض، ولا أبني علاقاتي العملية إلاّ في الدائرة التي تبني للأُمّة القواعد التي تشدّ الناس بعضهم إلى بعض، وتجمعهم في العمل والحركة من أجل بناء الحياة على أساس ثابت في مواضع رضى الله، ولا أنتمي إلاّ إلى المحور الذي تنطلق في داخله رسالة الله في حركيّتها الفاعلة في مواجهة المحاور الأخرى التي تلتزم نهجاً غير نهج الإسلام، وتتحرّك في دوائر الكفر والشّرك والاستكبار، وذلك هو تجسيد العبودية المطلقة التي يعيشها الإنسان المؤمن في إسلامه المطلق لله في كلّ حياته. وربّما نستوحي من قوله تعالى: {وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} أنّ الله يريد للإنسان المؤمن إعلان انتمائه إلى الإسلام كلاميّاً، تماماً كما يريد له تأكيد ذاك الانتماء عملياً، لأنّ للإعلان الكلامي دوراً تربوياً في ترسيخ الانتماء في العقل والوجدان، وفي تأصيل الشخصية الإسلامية عندما تعطي نفسها عنواناً واضحاً، لا لبس فيه ولا غموض، وتمنعها من الانحراف تحت عناوين يوحي بها الكفر لإبعاد الإنسان المؤمن عن الالتزام الصريح بالإسلام، باعتبار أنّ صراحة الانتماء قد تعزل الإنسان المسلم سياسياً، أو اجتماعياً، أو تعقّد علاقاته مع المجتمع الذي يعيش في داخله، أو بعد الصراحة تلك، تعبيراً عن فقدان المرونة والتصلّب ممّا لا يتناسب مع عقلية الانفتاح. فالكفر يعمل على جعل موقف المؤمن الحركيّ حيادياً في الشكل، تماماً كما لو كان بلا لونٍ ولا صفةٍ ولا شخصية، ما يجعل التعبير العلني عن الانتماء ردّاً لكلّ هذه المحاولات الهادفة إلى إبعاد الإسلام عن واجهة الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية. **** لا تستوي الحسنة ولا السيّئة: {وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ} في أسلوب الحركة في ساحة الصراع الواقعي عندما يختلف الناس في مواقع الفكر، أو في مواقع الحياة العامّة والخاصّة، فتثور المشاعر، وتتعقَّد المواقف، حتّى تتحوّل إلى خطرٍ كبيرٍ على العلاقات الإنسانية في المجتمع، ويتّجه الموقف إلى الصدام الذي يهدّد حياة الجميع، ويقطع التواصل بين أفراده. وهو موقفٌ يمكن مواجهته بأسلوبين، أوّلاً: أسلوب السيّئة الذي يعمل على إثارة الانفعال الذي يحرّك الحقد والعداوة والبغضاء، ويدفع الموقف إلى القطيعة الجزئية أو الكليّة، وهو أسلوب يعتمد الكلمة الحادّة، والنظرة الغاضبة، واليد المعتدية. ثانياً: أسلوب الحسنة الذي يعمل على الدراسة العقلانية لكلّ مفردات الصراع المتناثرة من أفكار ومواقع ومواقف، ومحاولة اكتشاف العناصر الداخلية والخارجية التي تضيّق الهوّة بينها، أو تردمها، وتجمع العقول والقلوب على قاعدةٍ فكريّةٍ وحياتيةٍ واحدةٍ، وهو أسلوب يعتمد الكلمة الطيّبة، والنظرة الحانية، واليد المصافحة، والالتفاف على كلّ المشاعر السلبية بالمشاعر الإيجابية التي يختزنها الواقع. وهما أسلوبان في إدارة الصراع، يريد القرآن الكريم للإنسان أن يقارن دائماً بينهما ويوجّهه إلى اختيار أسلوب الحسنة وهو الأسلوب الأفضل الذي لا يثير المشاعر في حركةٍ عدوانيّةٍ، بل يحتويها في حركة صداقةٍ وأُخوّة. **** ادفع بالتي هي أحسن: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} فإنّ الإيمان يفرض على الإنسان أن يختار الأحسن في العلاقات، كما يريده اختيار الأحسن في حركة الحياة، {فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} وهذا هو الهدف الكبير من استخدام هذا الأسلوب، وهو تحويل الأعداء إلى أصدقاء، سواء في إطار العلاقات الشخصية أو الرسالية أو العملية العامّة. ولعلَّ تحقيق هذا الهدف يحتاج من الإنسان إلى كثير من الجهد النفسي والفكري والعملي للتمرّد على الضغوط الداخلية والخارجية التي تقوده إلى التفكير العدواني، والشعور الانفعالي، وهذا ما عبّرت عنه الآية التالية: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا} على مشاعر الحرمان التي يفرضها الانفتاح على الآخرين، ومجاهدة النفس ضدّ رغباتها العدائية، وعلى بعض الأوضاع الطارئة الصعبة التي قد تحصل للإنسان من خلال ذلك، وعلى الوقت الطويل الذي يحتاجه الفكر الهادئ المتّزن للوصول إلى الحلول العملية التي تتناسب مع طبيعة المشاكل الموجودة في الساحة، {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} من الإيمان والوعي والإنسانية النابضة بكلّ معاني الخير والإحسان. **** استجر بالله من تسويلات الشيطان: وقد يكون من الطبيعي أن يعمد الشيطان إلى الدخول على هذا الخطّ وتحريك كلّ العوامل التي تمنع الإنسان من الاستقامة، وتدفعه إلى الانحراف، وتثير فيه حالة الإرباك الداخلي، ممّا قد يغفل عنه الإنسان المؤمن عندما يندمج في هذا الجوّ الانفعالي، فيبتعد عن التفكير العاقل الهادئ المتّزن، إلى التفكير المجنون الهائج، وقد يضعف ـــ تبعاً لذلك ـــ عن اتّخاذ الموقف السليم.. وهذا ما أرادت الآية التالية أن توجّه التفكير إليه: {وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ} والنزغ ـــ كما قيل ـــ هو النخس، وهو غرز جنب الدابة، أو مؤخّرها بقضيب ونحوه لتهيج. وعلى ضوء هذا، فإنَّ التعبير يكون كناية عن تسويل الشيطان الذي يدخل ـــ من خلاله ـــ إلى مشاعر الإنسان بطريقةٍ تثيره ليأخذ بالأسلوب الأسوأ، ويوجّه الموقف إلى القطيعة بدلاً من التواصل، وإلى العداوة بدلاً من الصداقة، {فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ} الذي يعيذ عباده المؤمنين الذين يستجيرون به، من كلّ ما يحذرون منه أو يخافونه {هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فهو الذي يسمع سؤال عباده، ويعلم حاجاتهم وأفعالهم. 3 ـــ النبيّ وتقديم التنازلات: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً*وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً*إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} [الإسراء: 73 ـــ 75]. **** معاني المفردات: {لَيَفْتِنُونَكَ}: لَيَصْرفونك. {لِتفْتَرِيَ}: لتخترع. **** هذا حديثٌ عن الأساليب التي كان المشركون يمارسونها مع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، من أجل الانحراف به عن الخطّ الصادق في تبليغ وحي الله إلى الناس بكلّ دقّة من دون زيادةٍ أو نقصان. فقد كان الصادق الأمين الدّقيق في قول الحقّ والانسجام معه، مهما كانت طبيعة هذا الحقّ الذي يريد نقله إلى الناس، من ناحيةٍ مضمونيّةٍ أو عاطفيّةٍ أو ذاتيّةٍ، فكيف لا يكون صادقاً في كلام الله؟! ولكنّ المشركين كانوا يجادلونه كي ينحرف عمّا أنزله الله، ليسلك اتّجاهاً آخر في كلمات يصوغها لتقترب من أفكارهم. وكانت المحاولة تفشل، ولكنّهم ـــ على ما يظهر ـــ لم يتراجعوا، بل كانوا يصرّون على تجديد المحاولة، بتغيير الأساليب التي تخاطب فيه الجانب العاطفي الحميم، وكانوا يعملون على الضغط عليه بواسطة أقربائه، ومنهم عمّه أبو طالب الذي كان السفير بينه وبينهم، ولكنّ النبيّ لم يتراجع عن موقفه، بل تابع الصلابة في الموقف، إلى جانب المرونة في الأسلوب بالكلمة الحلوة واللّفتة والنظرة، والبسمة والحركة، من دون أن يقدِّم أيّ تنازلٍ، وذلك ما توحي به الكلمة الحاسمة التي قالها لعمّه (أبي طالب): "والله ـــ يا عمّ ـــ لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتّى يظهره الله أو أهلك دونه". **** كيف نفسّر الآية؟ ذكر صاحب تفسير الميزان، عن عيون أخبار الرضا، بإسناده عن عليّ بن محمّد بن الجهم، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، أنّ المأمون سأله: أخبرني عن قول الله: {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [التوبة : 43] قال الرضا (عليه السلام): هذا ممّا نزل بإياك أعني واسمعي يا جارة، خاطَب الله بذلك نبيّه، وأراد به أُمّته، وكذلك قوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [الزمر: 65] وقوله تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} قال: صدقت يا بن رسول الله(1). وعلى ضوء هذا، فإنّ الجواب عن المشكلة، أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ليس هو المعنيّ بالأمر الذي تضمّنته الآيات، بل المعني به هو المسلمون، في ما يواجههم من أساليب الكفّار بالانحراف عن الخطّ المستقيم للحصول على محبّتهم وصداقتهم. ولكن لا بدّ لنا من التأمُّل في هذه الآيات، لندرس طبيعة الأسلوب الذي جاءت به، للوصول إلى هذا الخطاب للأُمّة من خلال النبيّ، فنلاحظ أنّ الآية الأولى قد أثارت وجود أساليب مؤثّرة، لفتنة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عمّا أوحى الله إليه، وهي أساليب توحي بقوّتها وتأثيرها بالمستوى الذي يمكن له أن يضغط على المشاعر والأفكار، التي لا تعيش الالتزام العميق بالرسالة، والثبات الصّلب على المبدأ، والوعي المنفتح على الأساليب الملتوية المحيطة به، لذا يمكن أن تكون واردةً في مقام تصوير الحالة في ذاتها، من خلال طبيعة العناصر الموجودة في داخلها، بقطع النظر عن خصوصيّة الشخص الذي توجّه إليه، في ما يملك من قوّة ذاتية مميّزة، وذلك للتنبيه على أنّ الكفّار يمكن أن يثيروا أمام الداعية إلى الله بعض الأساليب الساحرة المثيرة، التي تضغط على مشاعره وأفكاره بطريقة لا شعورية، ما يفرض عليه أن يحترس من ذلك باللّجوء إلى إيمانه وعقله، ليأخذ منهما الوعي الذي ينفتح على المسألة من موقع العمق لا من موقع السطح. فهي تعالج الحالة من مواقع النظر إلى الإنسان في طبيعة مواجهته للأسلوب في ذاته، ولذلك تحدّثت عن تثبيت الله للنبيّ، الذي لولاه لتأثّر بتلك الأساليب. ومن الطبيعي أنّ التثبيت لم يكن حالةً طارئةً، كما توحي به الروايات التي تضمّنت نزول الآية للتحذير من هذه الحالة، مع أنّ الظاهر هو أنّها جاءت إخباراً عن حالةٍ سابقةٍ، بل كان التثبيت ناشئاً من قوّة الإيمان في شخصيّته التي أودعها الله فيه من خلال لطفه ورعايته له، الأمر الذي يوحي للداعية المسلم أن يكون حذراً في مواجهة أساليب الإغراء والتخويف التي تمارس معه أو ضدّه، لئلا يسقط أمامها بطريقةٍ غير إراديّةٍ. **** إغراء النبيّ لتقديم التنازلات: {وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ}، فيواجهونك بالأساليب التي تثير الاهتزاز والانحراف في مسيرتك، {عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ} ليصرفوك عنه، {لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ} لتزيد فيه، فتقول علينا ما لم نقله ولم ننزله إليه، {وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} وصديقاً، لانسجامك معهم واستجابتك لهم، كما ينسجم الإنسان مع صديقه ويستجيب له. وهذا هو الأسلوب الإغرائي الذي يحاولون من خلاله أن يستميلوا النبيّ أو الداعية في ما يمكن أن يحقّقه من نتائج، أو يبلغه من غايات. وهذا ما نجده في الأساليب المتّبعة في واقعنا، فالدعوات الفكرية أو السياسية أو الاجتماعية التي تريد أن تؤكّد امتدادها في الساحة، توحي للآخرين بأساليب المودّة الحميمة من أجل تقديم بعض التنازلات هنا، وبعض المواقف هناك، ليكون ذلك سبيلاً للاستفادة منهم في بعض المواقف والأهداف، باعتبار أنّ الأجواء الحميمة تستطيع أن تحقّق للإنسان ما لا تحقّقه الأجواء الفكرية من نتائج على صعيد الأهداف. وهذا ما يجب أن يتنبَّه له العاملون في سبيل الله، لأنَّ هؤلاء لن يفتحوا قلوبهم لهم حتّى يكونوا معهم في كلّ شيء، ولن يحصلوا منهم على شيءٍ بهذه الطريقة. **** ماذا توحي لنا الآية: وقد نستطيع استيحاء قاعدة عامّة من أجواء الآية، وهي أنّ الإسلام لا يريد للمسلم أن يفكّر بالصداقة بطريقة ذاتيّة، بل يريد له أن يفكِّر بها ويمارسها على أساس اتّصالها بالخطّ الفكري والعملي له، بحيث لا تؤثّر عليه تأثيراً سلبياً من أيّة جهةٍ كانت، لأنّ الله يريد من المؤمن أن يخلص له ولرسوله ولدينه، أكثر من إخلاصه لأيّ شخص، فالإيمان يتحرّك في الجانب الشعوري من شخصية الإنسان، كما يتحرّك في الجانب العقيدي والعملي لديه. {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً} إنّها العصمة الإلهيّة التي وضعت في شخصيّتك الخصائص الفكرية والعملية التي تمنعك من التأثُّر بأيّة حالة من حالات الخديعة والإغراء والانحراف. ولولاها لكان لهذه الأساليب، التي أثاروها أمامك، تأثيرٌ كبيرٌ على شخصيّتك كإنسان، لأنّ الإنسان يتأثّر بالأساليب العاطفية التي تخاطب فيه العاطفة، وتثير لديه حالات الانفعال. ونلاحظ أنّ الآية عبّرت بكلمة "كدت" التي تعني القرب والدنوّ، ما يوحي بأنّ الثبات سابقٌ عليها، وأنّ المسألة تتّصل بالأسلوب في قرب التأثير. {إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ} أي ضعف العذاب في حال الحياة أو الموت، أي لو أنّك ركنت إليهم، لعذّبناك ضعف ما نعذّب به المجرمين في حياتهم، وكذلك بعد مماتهم، أيّ في الدنيا والآخرة. {ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} ينصرك منّا ليخلّصك من العذاب الأليم. **** الإسلام والمسلمون المسلمون: التحدّيات المختلفة، الأُمّة الوسط، الشهادة ـــ الأُمّة الإسلامية أُمّة قائدة ـــ الإيمان والعمل الصالح أساس النجاح ـــ الإيمان الشكلي والإيمان الحقيقي ـــ المؤمن يبيع نفسه لله ـــ المسلم يعيش الطمأنينة ـــ الدور الحقيقي للمؤمن ونتائج ذلك ـــ واقع المسلمين الممزَّق ـــ المؤمنون إخوة والإصلاح بينهم واجب. 1 ـــ المسلمون: التحدّيات المختلفة ـــ الأُمّة الوسط ـــ الشهادة {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ*وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ*قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ*وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ*الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ*الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ*وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ*وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ*كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ*فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ} [البقرة: 142 ـــ 152]. **** معاني المفردات: {السُّفَهَاء}: الناقصو العقول، الحمقى الذين يفتقدون الميزان الصحيح في النظرة إلى الأمور والأحداث. {وَلاَّهُمْ}: ولاّه عنه: صرفه وفتله. {وَسَطاً}: الوسط: السّواء والعدل والنَّصفة. {شُهَدَاء}: من الشهادة التي هي الحضور مع المشاهدة، إمّا بالبصر أو بالبصيرة. {الْقِبْلَةَ}: مأخوذة من الاستقبال، وهي كلّ جهة يستقبلها الإنسان فيقابل غيره عليها، ثمّ صارت عَلَماً على الجهة التي تستقبل في الصلاة. {عَقِبَيْهِ}: العقب: مؤخّر القدم. والانقلاب على العقبين كناية عن الإعراض. {لَكَبِيرَةً}: ثقيلة وشاقّة. قال الراغب: تستعمل الكبيرة في ما يشقّ ويصعب(1) {لَرَؤُوفٌ}: الرأفة أشدّ الرحمة. رأف به: أشفق عليه من مكروه يحلّ به. {تَقَلُّبَ}: التحرّك في الجهات. قال الزمخشري: "{تَقَلُّبَ وَجْهِكَ} تردّد وجهك وتصرف نظرك في جهة السَّماء"(2)، {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً} أي: صيرناك تستقبلها بوجهك. {شَطْرَ}: جهة، ونحو، وشطر المسجد الحرام نحوه وتلقاءه. {الْمُمْتَرِينَ}: الشاكّين المتردّدين. {حُجَّةٌ}: الحُجّة: الدلالة المبيِّنة للمحجّة أي المقصد المستقيم. {تَخْشَوْهُمْ}: الخشية: خوف يشوبه تعظيم. {وَيُزَكِّيكُمْ}: ينمّيكم ويطهّركم. {وَالْحِكْمَةَ}: قال الراغب: "إصابة الحقّ بالعلم والعقل". {أَذْكُرْكُمْ}: ذكر الله للنّاس هو أن يذكّرهم بتسديده وتوفيقه وعفوه وغفرانه. {وَاشْكُرُوا}: الشكر ثلاثة أضرب: شكر القلب، وهو تصوّر النعمة، وشكر اللّسان، وهو الثناء على المنعم، وشكر سائر الجوارح، وهو مكافأة المنعِم بقدر استحقاقه. والشكر تصوّر النعمة وإظهارها، ويضاده الكفر وهو نسيان النعمة وسترها. **** من خلال هذه الآيات القرآنية، يريد الله سبحانه أن يربّيَ المسلمين في المجتمع الجديد الذي يعيشون فيه في المدينة، على مواجهة التحدّيات الآتية من الآخرين حول بعض التشريعات الإسلامية الصادرة من رسول الله أو بعض الأوضاع العامّة التي كانت تواجه المسلمين آنذاك، وتثير بعض التساؤل والحيرة واللّغط، ممّا قد يؤثّر على تماسك الجماعة المسلمة ويفسح في المجال لمزيد من الارتباك والاهتزاز. وقد تبرز أهمية هذا الاتجاه في الملاحظة التالية، وهي أنَّ التحدّيات الكافرة قد تحدث في المراحل التي يعيش فيها المسلمون البساطة في الوعي والثقافة، والسذاجة الروحية والفكرية في مواجهة المشاكل المستجدّة، ولا سيّما إذا كانت نظرتهم إلى تلك الفئات المتحدّية، نظرة تتّسم بالاحترام الداخلي لمعلوماتهم العامّة، من خلال الاعتقاد بأنّهم يملكون المعرفة الشاملة بالكتاب المتضمّن لأحكام الله وآياته، باعتبارهم أهل الكتاب، فقد يترك ذلك تأثيراً كبيراً على نظرتهم إلى القضايا المثارة أو المشاكل المطروحة، عندما يواجهون ذلك كلّه من خلال العجز الفكري عن المناقشة والتحليل. أمّا القضية التي انطلقت هذه الآيات لمعالجتها، فقد شغلت المجتمع الإسلامي والمجتمع الكافر المضادّ، لأنّها كانت صدمةً لهم جميعاً، وذلك لأنّ المسلمين كانوا يتّجهون في عباداتهم منذ بداية الدعوة، إلى بيت المقدس الذي يتّجه إليه اليهود والنصارى من أهل الكتاب، فجاء التشريع الجديد لينسخ ذلك ويحوّل القبلة إلى الكعبة، فأدّى ذلك إلى إثارة أهل الكتاب لأنّهم كانوا يجدون في صلاة المسلمين إلى بيت المقدس نوعاً من أنواع التبعيّة العملية لهم، وسبيلاً من سُبُل إضلال البسطاء من المسلمين بالإيحاء إليهم بأنَّ ذلك يدلّ على أنّ الحقّ معهم، كما أنّهم اعتبروه خسارةً لأحد مواقعهم العملية التي تؤكّد أصالتهم ومواقعهم المتقدّمة من الكتاب والنبوّات. أمّا المسلمون فقد عاشوا صدمة ذاتية، لاشتمال ذلك على أسلوب جديد غير مألوف لديهم في التعامل مع التشريع الذي ساروا عليه مدّة طويلة، بإلزامهم بالوقوف منه موقف الرفض العملي الذي يستبدل موقفاً بموقف، فيعتبر السير على التشريع ـــ على أساس ذلك ـــ انحرافاً عن الخطّ الصحيح، ممّا لم يكن لهم سابق معرفةٍ به، ولم يكونوا في إعداد نفسي له، بل جاء مفاجاةً كبيرةً لهم، وصدمةً نفسية إيحائيةً من خلال أساليب اليهود الذين حاولوا أن يثيروا أمامهم المشكلة الفكرية في النسخ، فإذا كان حكم الله هو التوجّه إلى بيت المقدس، فمعنى ذلك أنّه الحقّ وأنّ غيره هو الباطل، فكيف يتغيَّر حكم الله إلى شيء آخر لتنقلب النظرة إليه في النظرة إلى الحقّ والباطل في القضية نفسها، وكيف يمكن أن ينسب ذلك إلى الله الحكيم في كلّ ما يفعله من أفعال وما يشرِّعه من أحكام ما دامت المصلحة لازمة للأشياء وما دام الحكم تابعاً للمصلحة التي تمليه؟! ولم يكن لدى المسلمين من المعرفة بأسس التشريع وطبيعة مساره ما يمكِّنهم من الدخول في جدل أو مناقشة حول ذلك مع هؤلاء.. وهكذا عاش المسلمون جوّاً من الريب والحيرة، وبدأوا يواجهون حالةً متوتّرة من الضوضاء والقيل والقال، بالمستوى الذي تحوّل الموقف فيه إلى عُقدة كبيرة تهدّد المسيرة الإسلامية في ذلك المجتمع. وكان القرآن بالمرصاد لذلك؛ فقد خاض المعركة بكلّ الأساليب الضرورية التي يحتاجها الموقف، سواء في ذلك الأساليب الفكرية التي تواجه طبيعة التشريع، أو الأساليب العاطفية التي تخاطب مشاعر المسلمين وعواطفهم، أو الأساليب العملية التي تواجه المسلمين بالواقع الداخلي لأهل الكتاب في ما يمارسونه من أساليب اللّف والدوران والتضليل ضدّ المسلمين، وتعرّفهم الموقع الذي يريد الله للأُمّة أن تقفه في الكون في قيادة العالم إلى الشاطئ الأمين، ما يجعل من القضية مدخلاً قرآنياً لتربية المجتمع المسلم على مواجهة التحدّيات بالفكر والعاطفة والواقعية، ولتأكيد الخطّ القرآني الذي لا يترك المسلمين في حَيرة أمام علامات الاستفهام التي تثور في وجدانهم حول قضايا العقيدة والتشريع، بل يعمل على أن يجد لهم الأجوبة التي ترضي قناعاتهم الفكرية، وتمنحهم الشعور بالرضى والاطمئنان والثقة بما يعتقدون ويعملون، من أجل تركيز هذا التشريع في وعي الناس، وتربية المجتمع المسلم على الانطلاق إلى الحياة من خلال القواعد الثابتة المنطلقة من أمر الله ونهيه في كلّ ما يريد الله أن يغيّره أو يبدّله من تشريع أو غيره، ليعيَ المجتمع من خلال ذلك طبيعة علاقته بالله وحدودها، ويعرف أنَّ المسلم لا يملك أمام كلمة الله أيّة إرادة تقوده إلى الرفض أو التشكيك؛ بل هو التسليم المطلق في كلّ شيء كما توحي به الآية الكريمة: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً} [الأحزاب: 36]. وقد حدَّثنا الله في هذا الفصل عن الكلمات التي يمكن أن تقال، وعن التصوّرات التي ينبغي للمسلم أن يعيشها أمام تلك الكلمات، وعن طبيعة هذا التبدّل في التشريع، في حكمة الله، وفي نتائجه العملية على سير الدعوة، وعن التصوّرات والاهتمامات النفسية التي كانت تشغل بال النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قبل ذلك، وعن الدور الكبير الذي أعدَّه الله لهذه الأُمّة في حملها للرسالة وشهادتها على النّاس وشهادة الرسول عليها أمام الله. وفي هذا الجوّ المتنوّع، ينطلق القرآن ليربط المسلمين بالخطّ الأصيل الذي يسيرون عليه، فلا يتزحزحون ولا ينحرفون عن الخطّ الإسلامي الحقّ إلى خطوط الآخرين، بحُجّة أن يجلبوا الآخرين إلى صفوفهم، مهما كانت نسبة الانحراف ضئيلة، وذلك بالعمل على الانطلاق بعيداً في تحليل واقع المجتمع المضادّ بالمقارنة مع الواقع الذي يعيشه النبيّ والمسلمون إزاء عقيدتهم، وتحليل طبيعة العلاقة التي تشدّهم إلى الله وتربطهم به، فهو الذي يجب أن يخشوه ويلجأوا إليه ويطلبوا رضاه. ثمّ يتابع التأكيد في تكرار ملحوظ على المسلمين بالالتزام بهذا التشريع، ليكون ذلك رمزاً لوحدتهم في الموقف والشعور، لأنّه يمثّل القاعدة الروحية التي يرتبطون بها ويتّجهون إليها، وهي هذا البيت الذي انطلق بالتاريخ الديني الرسالي الأوّل من أجل أن تبدأ الرسالة منه من جديد في عهدها المحمَّدي الجديد. السفهاء يثيرون المشكلة: تصوّر الآية الأولى الحالة النفسية والذهنية التي كان يعيشها فريق من الناس من أهل الكتاب إزاء هذا التشريع الجديد، ممّا يدفعهم إلى أن يطرحوا مثل هذا التساؤل في مرارة وإنكار.. وفي ذلك إيحاء بانخفاض المستوى الثقافي الذي يمكنهم من خلاله مواجهة الأمور التشريعيّة من جانبها الفكري على أساس الركائز الثابتة التي تقدّم عليها قضايا التشريع. وقد صاغت الآية الفكرة المضادّة بصيغة التساؤل الذي يشوبه الاعتراض والإنكار، كأسلوب من أساليب إثارة الجوّ ضدّ التشريع بشكلٍ بريء، فهي لا تطرح الفكرة بصورة الرفض المطلق لتوحيَ للآخرين بالموقف المضادّ الذي تستثيره حالة المعارضة، بل تطرحها بصورة السؤال لتستطيع إثارة الشّك والبلبلة في أذهان المسلمين، تماماً كأيّة قضية من القضايا التي يدور فيها الجدل من أجل الوصول إلى نتيجة حاسمة، في أسلوب إيحائي بإخراج الموضوع من جوّ القداسة التي تفرض الالتزام والتسليم المطلق. وهذا ما نواجهه في كثير من الأساليب التي يستعملها الأعداء ضدّ الأحكام الشرعية من أجل وضعها في مواقع الشّك والريب، وذلك بإثارة الجوانب السطحية التي تبتعد بالإنسان عن التعمّق في خلفيات التشريع البعيدة المدى، ليكون ذلك بداية للانفتاح على حالات الشّك التي تبعد المسلم تدريجيّاً عن روحية التسليم المطلق لله... وقد لا يظهر الجانب السلبي في هذا العرض الاستفهامي، باعتبار أنَّ الإسلام لم يتنكّر للشّك كأساس للوصول إلى الحقيقة، ولم يواجه التساؤلات التي كان المسلمون يثيرونها أمام بعض الأحكام الشرعية بالردّ والرفض العنيف، بل عمل على أن يواجه الإنسان، كافراً أو مؤمناً، الفكرة العقيديّة والفرعية، من موقع التساؤل البريء، لتتكوّن القناعة الفكرية في العقيدة والتشريع على أساسٍ متين. {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ} الذين لا يفكّرون في الأمور بطريقةٍ متوازنة، ولا يميّزون بين الوحي الإلهي في تشريعه المنطلق من المصلحة التي تتغيّر حسب تغيُّر الأزمان والأحوال، ما يجعل الشيء ذا مصلحة اليوم بلحاظ عنوان أو ظرفٍ معيّن، ولا يكون ذا مصلحة في يومٍ آخر بلحاظ عنوان جديد أو ظرف طارئ؛ وبين الرغبة الذاتية التي تتحرّك من موقع الأهواء التي لا تخضع لقاعدة. {مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا} في صلاتهم، فكيف تتغيَّر القبلة بين وقتٍ وآخر، وكيف يتبدّل التشريع الإلهي إذا كانوا ينسبون القبلة إلى وحي الله، وهل يمكن أن يبدّل الله شريعته وهو العالم بحقائق الأشياء بعيداً عن كلّ الحالات الطارئة؟ فإذا كان التوجّه إلى الكعبة مصلحة، فكيف كان بيت المقدس قبلةً في التشريع الأوّل؟ ولكنَّنا لو دقَّقنا في هذا الموقف، لاكتشفنا الاتجاه السلبي الذي يتحرّك من خلاله السؤال، ولرأينا أنَّ السلبية تكمن في إعطاء الموقف جوّاً من الإثارة التي تدفع للاعتراض، بالإضافة إلى أنّه يسيء إلى الجانب التربوي الذي ترتكز عليه الشخصية الإسلامية التي تعتبر تكوين الأساس العقيدي منطلقاً للالتزام الفكري والعملي بالتشريع، باعتباره صادراً من خالق الإنسان الذي يعرف ما يصلحه وما يفسده أكثر من الإنسان نفسه، وبذلك كانت الفكرة المطروحة إسلامياً لمن يحاول فهم الأحكام الشرعية: التزم واعمل ثمَّ ناقش واسأل. إنّهم يتساءلون عن الأساس الذي صرف المسلمين عن قبلتهم، ويثيرون أمام هذا التساؤل نقطتين: الأولى: إنّهم يوجّهون الحديث إلى المسلمين كما لو كانت القضية تعني سلوكاً شخصياً لهم. الثانية: إنّهم لا يحاولون التدبّر في طبيعة التشريع الأول والثاني، ليجدوا أنّهما ينطلقان من الله في تعيين أيّة جهةٍ من الجهات ليتوجّه الناس إليهما في عبادتهم، وليستا منطلقتين من خصوصيّةٍ ذاتية لهذه الجهة أو تلك ليمتنع الانتقال من جهة إلى جهة على أساس ذلك. وعلى ضوء ذلك، فلا مجال لأيّ اعتراض؛ فإنَّ الله يملك المشرق والمغرب معاً وليس له اختصاص بجهةٍ دون جهة، فله أن يعيّن المشرق لنتوجّه إليه، وله أن يعيّن المغرب لنتوجّه إليه، وذلك ضمن الخطّة التي يضعها للإنسان في تنظيم عباداته ومعاملاته، ممّا يمكن أن يختلف فيه وجه الحكمة والمصلحة حسب اختلاف الخطّة الموضوعة، فقد يكون في الاتجاه إلى جهةٍ ما مصلحة في داخل خطّة معيّنة، وقد لا يكون فيه مصلحة بلحاظ خطّة أخرى. {قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ} فهو الذي يوجّه عباده إلى هذه الجهة أو تلك، ليمنحها القداسة من خلال ذلك، فلا قداسة لجهةٍ دون جهة بعيداً عنه، وهو الذي يعلم صلاح عباده في كلّ مرحلةٍ من المراحل، فيوجب عليهم شيئاً في وقت ليبدّله بشيءٍ آخر في وقتٍ آخر، تبعاً للمصالح التي تتبدّل مع التغيّرات الظرفية المتنوّعة، وإذا كان بيت المقدس متميّزاً بأنّه موطن الأنبياء، فإنَّ الكعبة هي أوّل بيت وُضِعَ للناس بأمر الله نبيّه إبراهيم (عليه السلام) ببنائه وبدعوة الناس إليه للحجّ، فقد تتعلّق حكمته بإبقاء بيت المقدس قبلةً للمسلمين كما كان قبلة لغيرهم في الماضي، للتدليل على اعتراف الدِّين الجديد بأهمية هذا المكان المقدّس في وعي المسلمين، ليؤكّد هذا التعبير في خطّهم الفكري، ثمَّ يأتي التشريع الجديد ليجعل الكعبة قبلةً جديدةً من أجل تأكيد الخصائص العبادية التي تختزنها في وجودها القدسي، بالأمر الإلهي المباشر الصادر إلى خليله إبراهيم ممّا لا تملكه القِبلة القديمة. وخلاصة القضية، أنّ على الإنسان أن يعرف أنّ الله لا يريد له إلاَّ الخير ولا يأمره، إلاّ بالسير على الخطّ المستقيم، في ما يهديه إليه من تشريعات وأحكام، ممّا يقتضيه التسليم والإذعان المطلق لله، فإنَّ الله الذي يملك المشرق والمغرب هو الذي يختار لعباده ما يصلحهم {يَهْدِي مَن يَشَاءُ} منهم {إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}، وهو الدِّين الحقّ الذي يؤدّي بالنّاس إلى مواقع رضاه وإلى الجنّة الموعودة لديه. **** لماذا وصفهم القرآن بالسفهاء؟ وقد قدَّم القرآن أمام عرض الفكرة سؤالاً وجواباً، صورةً عن طبيعة تكوينهم الداخلي، ما يوحي بأنَّ الفكرة لم تنطلق من أساس مشكلة فكرية لتبعث على الاحترام، بل انطلقت من واقع ذاتي منحرف يواجه فيه هؤلاء كلّ القضايا من موقع السَّفَه الذي يعني فقدان الميزان الصحيح، الذي يستطيع الإنسان من خلاله أن يَزِنَ الأمور ويحاكمها في جانب الفكرة والممارسة معاً، ما يبعث على النظر إلى الفكرة بعيداً عن الاحترام. وقد يثور أمامنا سؤال: إنَّ استباق المناقشة بإعطاء مثل هذه الصفة يبعد الموقف عن الحياد الفكري الذي يفرضه الأسلوب العلمي في الحوار والمناقشة، لأنّه يخلق جوّاً نفسياً مثيراً ضدّ أصحاب الفكرة في ما يشبه أسلوب القهر على طريقة حرب الأعصاب. والجواب عن ذلك، أنَّ الموقف ليس موقف مواجهة المشكلة من موقع فكري فحسب، بل الموقف هو موقف إبعاد هؤلاء عن التدخّل في حياة المجتمع المسلم من خلال الخطّة المرسومة لديهم في زلزلة المسلمين وإبعادهم عن الخطّ المستقيم، ما يستدعي العمل على إبعاد المسلمين عنهم نفسياً قبل إبعادهم عنهم فكرياً، ليواجهوا الموقف في المستقبل من موقع النظرة غير المحترمة عندهم، ليبتعد الجوّ بذلك عن الاهتزاز والارتباك، وقد لاحظنا في هذا النطاق الأسلوب الأمثل الذي يركّز على تصوير طبيعة هؤلاء الذين يثيرون السؤال بصورةٍ غير محترمة، ليبعد الفكرة عن جانب التأثير الشخصي بالجماعة، إلى مواجهة الفكرة في نطاقها الفكري. أمّا كيف وصفهم القرآن بالسفهاء، فلأنَّ شخصية السَّفيه تتمثّل في عدم استقامة العقل وعدم توازن الرأي، ما يجعل التصرّفات العملية في الفكر والعلاقة والمعاملة بعيدةً عن الاستقامة والاتّزان، ولا شكّ في أنَّ الانحراف عن خطّ الله الذي يؤدّي إلى سلامة المصير في الدنيا والآخرة، لا يمثّل الاستقامة في أيّ خطّ من خطوطها، بل هو ـــ على العكس من ذلك ـــ يمثّل اختيار الخطّ الملتوي الذي يضرّ بالإنسان في كلّ مجالاته. **** الأسلوب القرآني في صراعنا الحاضر: وقد نشعر بالحاجة إلى اعتماد هذا الأسلوب في الواقع العملي، الذي يخوض فيه الإسلام صراع التحدّيات الفكرية والعملية مع التيّارات الكافرة والمنحرفة، عندما تلجأ إلى مواجهة الإسلام بأساليب الإثارة، التي تعمل على خداع المسلمين وإضلالهم وإبعادهم عن الخطّ المستقيم، فنحاول أن نواجه الموقف كما واجهه القرآن، بالتركيز على الصفات الواقعية التي تكشف حقيقتهم، وتبعد المسلمين عن التأثُّر بهم والخضوع لأساليبهم، ثمَّ مواجهة القضية من جانبها الفكري بعيداً عن التأثيرات الذاتية الضاغطة. ولا بدَّ لنا ـــ ونحن نثير هذا اللّون من الأسلوب ـــ من التدقيق جيّداً في طبيعة الواقع الموضوعي الذي تنطلق فيه المشكلة وتتحرّك فيه عمليات الإثارة، لئلا نخطئ في استعماله في ما لا ينسجم مع المصلحة الإسلامية العليا في الدعوة والعمل(1). الأُمّة المسلمة هي الأُمّة الوسط: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} تقف في الموقع المميّز بين سائر الأمم من خلال الموقع القيادي للرسالة القائدة والدور القائد في الدعوة والحركة، كما كان الرسول كذلك بالنسبة إليهم في تبليغه وهدايته وقيادته. {لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} بفعل المهمّة الموكولة إليكم في حركتكم القيادية في اتّجاه النّاس ممّا يستدعي المواكبة والمراقبة والمتابعة بالمستوى الذي يؤهّلكم للشهادة عليهم من موقع الإشراف على حركتهم في الخطّ الفكري والعملي، {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} لأنّه هو الذي صنع الأُمّة في وجودكم عندما أطلق الرسالة لتكون عنواناً لكم، وحمّلكم مسؤوليّتها لتحدّد لكم الدور القيادي، ليشهد عليكم أمام الله كيف كانت مواقعكم ومواقفكم وأوضاعكم ودعوتكم إلى دينه. في هذه الآية حديث عن الأُمّة المسلمة بأنّها "وسط" في ما جعله الله للمسلمين من موقع قيادي في الحياة، وأنّها شاهدة على الناس، وحديث عن الرسول بأنّه شاهد على الأُمّة.. فكيف نفهم هذه "الوسطيّة" وهذه الشهادة؟ جاء في مجمع البيان: "الوسط: العدل، وقيل: الخير ومعناها واحد، لأنَّ العدل خير والخير عدل، وقيل: أخذ من المكان الذي يعدل المسافة منه إلى أطرافه، وقيل: بل أخذ من التوسّط بين المقصر والغالي فالحقّ معه، قال مؤرّج: أي وسطاً بين الناس وبين أنبيائهم، قال زهير: هُمُ وَسَطٌ يرضى الأنام بحكمهم إذا طرقت إحدى اللّيالي بمُعظم قال صاحب العين: الوسط من كلّ شيء أعدله وأفضله..."(1). وقد جرى بعض المفسّرين في تفسير هذه الآية مجرى التفسير اللّغوي البحت، فأخذوا منه معنى العدل والتوازن على أساس ما تمثّله الشريعة الإسلامية من الوسطية بين الاتجاه الروحي المتطرّف الذي يمثّله النصارى، وبين الاتجاه المادي المتطرّف الذي يمثّله المشركون واليهود، لأنّ الإسلام يأخذ من الروح جانباً ومن المادة جانباً، لتكون الحياة ـــ كما خلقها الله ـــ نتيجة التزاوج بين الروح والمادّة، وتتمثّل في التوازن بين الاتجاه الجماعي المتطرّف الذي يلغي دور الفرد، والاتجاه الفردي المطلق الذي يلغي دور المجتمع في الحياة، فأعطى للفرد دوره في ما يحقّق ذاته من دون أن يغمط(2) حقّ الجماعة في نطاق قضاياها العامّة، وأعطى للجماعة دورها في ما لا يلغي للفرد نوازعه الذاتية الطبيعيّة. ويمتدّ الخطّ الوسطي إلى التوازن بين الدنيا والآخرة؛ فللمسلم أن يُقبِل على الدنيا ويستمتع بطيّباتها من دون أن يسيء إلى خطّ الآخرة في السير مع شريعة الله في ما يفعل وفي ما يترك، وله أن يستغرق في الآخرة بما لا يمنعه من بناء الحياة والاندفاع معها على الأُسس التي يريدها الله.. ويمضي الكثيرون في استيحاء الكلمة من خلال ما في الإسلام من توازن في مختلف جوانب الحياة من حيث العاطفة والعقل، ومن حيث التفكير العقلي والطرق التجريبيّة، ومن حيث الزمان والمكان.. وهكذا.. وفي ضوء ذلك، يمكن للأُمّة أن تؤدّيَ دور الشهادة على الناس باعتبارها تقف في نقطة التوازن التي ترجع إليها بقيّة الأطراف، كما يكون النبيّ شهيداً على الأُمّة لأنّه المثال الأكمل الذي يوزن به حال الآحاد من الأُمّة. ويعلّق صاحب تفسير الميزان على هذا التفسير للآية، بأنَّ هذا المعنى "هو في نفسه معنى صحيح لا يخلو من دقّة، إلاَّ أنّه غير منطبق على لفظ الآية؛ فإنَّ كون الأُمّة وسطاً إنّما يصحّح كونها مرجعاً يرجع إليه الطرفان، وميزاناً يوزن به الجانبان، لا كونها شاهدة تشهد على الطرفين أو تشاهد الطرفين، فلا تناسب بين الوسطية بذاك المعنى والشهادة، وهو ظاهر على أنّه لا وجه حينئذٍ للتعرّض بكون رسول الله شهيداً على الأُمّة، إذ لا يترتّب شهادة الرسول على الأُمّة على جعل الأُمّة وسطاً كما يترتّب الغاية على المغيَّا(1) والغرض على ذيه"(2). وإنّنا نتّفق مع صاحب الميزان في هذه الملاحظة، لأنَّ قضية التفسير هي أن يدرس المفسِّر الكلمة من خلال الجوّ الذي تعيش فيه، ليتحقّق الترابط بين الآيات في كلماتها وأجوائها. ونحن نرى أنَّ هذه الآيات تتحرّك في نطاق الإيحاء للمسلمين بأصالة موقعهم في الحياة من خلال الدور الذي أعدَّه الله لهم في قيادة البشرية إلى الأهداف الكبيرة التي تتمثّل بالإسلام، الأمر الذي يجعلهم يتحرّكون في الحياة من هذا الموقع، ليكونوا شهداء على الناس في أفكارهم وأعمالهم باعتبار أنّهم يدخلون في ضمن مسؤوليّتهم، كما كان الرسول شهيداً على المسلمين من خلال مسؤوليّته الرسالية عنهم في ما بلَّغهم إيّاه وفي ما أرشدهم إليه.. وفي هذا الجوّ، لا نجد للوسطية معنى في ما حاوله هؤلاء المفسّرون من الحديث عن التوازن الفكري والتشريعي في المواجهة الإسلامية للحياة، لأنَّ القضية ليست قضية المضمون الإسلامي في صياغة الشخصية للإنسان المسلم، بل هي قضية الإيحاء للمسلمين بأنَّ عليهم أن لا يستسلموا للآخرين في الحصول على الثقة بالتشريع وبالمسار العملي، لأنّهم لا يمثّلون التبعيّة للآخرين في مواقعهم، بل القضية هي أنَّ الآخرين يدخلون في نطاق مسؤوليّتهم باعتبار أنّهم يحملون الرسالة القائدة، والدور القائد في التبليغ والتنفيذ، كما كان الرسول بالنسبة إليهم في ما يبلّغه وفي ما يهدي إليه.. إنّنا نتصوّر الآية في هذا الموقع من خلال الأجواء العامّة التي وردت فيها، ما يجعل من ذكر كلمة الوسط مقدّمة لتقرير فكرة الشهادة، ويوحي بأنَّ معناها يدخل في معنى العدل والفضل انطلاقاً ممّا ذكره صاحب كتاب العين: "إنَّ الوسط من كلّ شيء أعدله وأفضله"، فكأنَّ هذه الكلمة استُعيرت للأُمّة المسلمة من أجل تأكيد الثقة في نفوسهم، على أساس ما حباهم الله من هداية إلى سبيله، لئلاّ ينهاروا أمام تضليل المضلّلين وتشكيك المشكّكين.. وقد يوحي بذلك وقوع هذه الصفة بعد الحديث عن هداية الله لمن يشاء إلى صراط مستقيم، للتدليل على أنَّ الله أراد لهم هذه الهداية التي جعلتهم في هذا الموقع.. ولعلّ طبيعة الشهادة على الآخرين أمام الله تقتضي أن يكون الشاهد في الموقع الأفضل من حيث الدور الذي أوكل إليه، ومن حيث السلوك الذي سار فيه، كما هي حال الأنبياء بالنسبة إلى أُممهم. وهذا ما يؤكّد المعنى الذي ألمحنا إليه؛ وربّما يؤكّد ذلك ويوضحه ما ورد في الآية الكريمة: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} [الحج : 78]. فإنّنا نلاحظ تفريع شهادة الرسول عليهم وشهادتهم على النّاس إنّما هي على أساس اجتباء الله لهم وانضباطهم على الخطّ وقيامهم بالدور الموكل إليهم في العمل لأنفسهم وللآخرين؛ أمّا الحديث عن التوازن في الإسلام، فهو حقّ، ولكنّ ذلك لا يعني أنَّ الآية تسير في هذا الاتجاه في مضمونها الفكري. وقد ذكر صاحب تفسير الميزان في معنى "الوسط": "أنَّ كون الأُمّة وسطاً إنّما هو بتخلُّلِها بين الرسول وبين الناس"(1). ولكنّنا قدَّمنا أنّ الوسطية هنا لا يُراد بها ذلك، بل يُراد بها ـــ في ما نفهمه ـــ الموقع الأفضل الذي وضع الله فيه الأُمّة بالنسبة إلى النّاس؛ والله العالِم بحقائق آياته. **** شهادة الأُمّة كيف نفهمها؟! أمّا الشهادة، فقد ذكر لها عدّة معان، منها: أنَّ المعنى: لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا فيها الحقّ في الدنيا وفي الآخرة. كما قال: {وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء} [الزمر : 69]، وقال: {وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر : 51]، وقال ابن زيد: الأشهاد أربعة؛ الملائكة والأنبياء وأُمّة محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والجوارح. كما قال: {يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم} [النور : 24] الآية. ومنها: أنَّ المعنى: لتكونوا حُجّة على الناس، فتبيّنوا لهم الحقّ والدِّين، ويكون الرسول عليكم شهيداً مؤدّياً للدّين إليكم، وسُمِّي الشاهد شاهداً لأنّه يبيّن، ولذلك يقال للشهادة بيِّنة. ومنها: أنّهم يشهدون للأنبياء على أُممهم المكذّبين لهم بأنّهم قد بلغوا وجاز ذلك لإعلام النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إيّاهم بذلك(2).. وإنّنا نستقرب من هذه المعاني المعنى الأوّل، لأنَّ الاتجاه العام في آيات الشهادة هو الإيحاء للنّاس بأنّهم مطوّقون في يوم القيامة بالشهادة على ما فعلوه في الدنيا من جميع الجهات، وذلك من الجهات المألوفة لديهم في الشهادة في ما يشهد به الأنبياء والمبلّغون، أو من الجهات غير المألوفة لديهم وهي شهادة الله والملائكة والجوارح، ليشعروا في الدنيا بالحاجة إلى الانضباط في كلّ ما يعملونه أو يتركونه، وليتعمَّق إحساسهم الداخلي بالرقابة الموجّهة إليهم من جميع الجهات. وقد جاءت آيات الشهادة في سياق واحد حتّى لا يشعر الإنسان بوجود فارق بين واحدة وأخرى مع اختلاف شخصية الشهود، كما نلاحظه في الآيات التالية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَـؤُلاء شَهِيداً} [النساء : 41]، {وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} [النحل : 84]. {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [الزمر : 69]، {مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} [المائدة : 117]. وهكذا نلاحظ أنّ القضية تتّجه إلى يوم القيامة بين يديّ الله، للإيحاء بالإحاطة الكاملة بالإنسان من جميع الجهات التي يتصوّر حضورها لديه من خلال المعاينة أو من خلال الإيمان، وذلك على أساس أنَّ الشهادة في تجربة الشهداء تتحرّك في الدنيا في الموقع القيادي الذي يتمثّل فيه الشاهد الواقع كلّه في حركة الناس في الحياة ومدى التزامهم بالوحي الإلهي في خطّ الرسالات في دائرة السّلب والإيجاب، ليقدّموها بين يديّ الله في موقف الحساب، فلا تنافي بين مفهوم الشهادة في واقع الدنيا التي يتحرّك فيها الشهداء بين الناس وبين حركتها الفعلية الأدائية في موقف القيامة أمام الله. وفي ضوء ذلك، نفهم أنَّ المعنيّين الآخرين لا ينسجمان مع الأجواء العامّة للآيات، ولاسيّما المعنى الثالث الذي يركّز على حاجة النبيّ للشهادة على الأُمم بأنّه بلَّغهم، إذا أنكرت الأمم ذلك، إذ لا معنى لحاجة النبيّ لذلك مع اعتباره شاهداً أساسياً تُطلب شهادته بشكلٍ أصيل، ما يعني اعتبار شهادته قاعدةً للحكم على الأمم من خلال دخولهم ضمن مسؤوليّته التي منحه الله الثقة في القيام بها بكلّ أمانةٍ وصدق. **** اعتراض وجواب: وقد أثار المفسّرون اعتراضاً في هذا المجال، وخلاصته أنَّ الشهادة تفرض الموقع المتميِّز للشاهد على المشهود عليه، ونحن نعلم أنَّ الأُمّة تضمّ في جماعتها المطيع والعاصي والجاهل والعالم، فكيف يمكن أن يكون الجميع شهوداً في موقع الشهادة؟ والجواب أنَّ الأسلوب القرآني قد جرى على الحديث عن البعض بصفة الكلّ، باعتبار اشتمال الكلّ عليه، تماماً كما قد حدَّثنا عن بني إسرائيل، مع أنَّ الصفات التي ذكرها كانت صفات البعض.. وعلى هذا، فإنَّ كون الأُمّة شاهدة يتحرّك في نطاق وجود العناصر الكثيرة في داخلها ممّن يصلحون لمثل هذا الموقع الكبير، وهم الطليعة الواعية المؤمنة التقيّة المنضبطة التي تفهم الإسلام حقّ الفهم، وتعيه حقّ الوعي، وتمارسه حقّ الممارسة، وتحمله بروح رسولية رائدة. إنّها النخبة الواعية الموجودة في كلّ زمان ومكان، التي يقف في طليعتها الأئمّة الطاهرون والعلماء الواعون والأولياء الطيّبون والمجاهدون العاملون الذين يحملون هذه الشهادة إلى الله، لأنّهم يعيشون روح الرسالة، ويعيشون من خلالها الوعي لكلّ حياة الناس، كما هو الرسول في رسالته وفي وعيه لأُمّته. **** تشريع القِبلة امتحان لطاعة الأُمّة: ويستمرّ الحديث عن هذا التشريع الجديد من خلال التركيز على الطبيعة التربوية التي تحكم هذا التنوّع في التشريع من موقعٍ للقبلة في بداية الدعوة إلى موقع جديد في امتدادها الطويل.. ويتّجه الخطاب إلى النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) باعتبار أنّه رسول الله إلى الأُمّة، المكلّف بتوضيح الصورة لهم: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا} وهي بيت المقدس، {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ}. فقد أراد الله أن يختبر المسلمين ليربّيهم على الطاعة المطلقة له، التي تتمثّل في التسليم لأحكامه من دون أيّ ريب واعتراض؛ فأمرهم في البداية بالتوجّه إلى بيت المقدس، ثمَّ حوّلهم عنها ليبرز الأشخاص الذين يعيشون الإسلام فكراً وشعوراً وممارسة وطاعة مطلقة.. وليتميَّزوا عن الأشخاص الذين يعيشون الاهتزاز في إيمانهم، ويواجهون الرسالة كأيّة فكرة بشرية قابلة للأخذ والردّ، ويفهمون الإيمان ارتباطاً شكلياً بالله وبالرسول، حتّى إذا وقفوا في مواقع البلاء، تحوَّلوا عن مواقفهم ومواقعهم الإيمانية إلى مواقع الكفر والنفاق. ولا نريد أن نخوض طويلاً في ما خاض فيه المفسّرون من إثارة التساؤل حول كلمة {إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ} في الآية، حيث إنَّ الله لا يحتاج إلى أيّة وسيلة عملية لمعرفة طبيعة الأشخاص، لأنَّ هذا التعبير جار على الأسلوب القرآني الذي يتحدّث عن الوسائل التي توضح الأشياء الخفيّة وتُظهرها باعتبارها أساساً للعلم الذي يريد الله أن يحصل عليه من خلال ذلك، وذلك على سبيل الاستعارة لقيام الحُجّة على الإنسان بذلك، للتدليل على أنَّ الله لا يعاقب الناس ولا يحاسبهم إلاَّ على أساس ما يظهر له من أفعالهم وأقوالهم، وهذا ما عبّر عنه قوله تعالى: {الم*أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} [العنكبوت: 1 ـــ 3]. وهكذا كانت القبلة الجديدة اختباراً للإيمان المستقرّ في قلوب المؤمنين الذين يسلّمون أمرهم لله، فلا يعترضون على ما يأتيهم الرسول به من تشريعات، لأنّهم يؤمنون بأنّه {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} [النجم: 3 ـــ 4]. {مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} هذا كناية عن الذين يتراجعون عن خطّ الإيمان ويسقطون أمام التجربة وتثيرهم الشكوك وتنحرف بهم عن الخطّ، لأنّهم لا يعيشون الإسلام تسليماً فكرياً وروحياً وعملياً، ولا ينفتحون على الرسول التزاماً وطاعة. {وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ}. الظاهر أنّها إشارة إلى هذه الحادثة التي تتمثّل في تحويل القِبلة إلى الكعبة، باعتبار أنّها هزَّت المجتمع المسلم من ناحية فكرية وعملية، فأثارت في داخله الشعور باهتزاز التشريع وعدم ارتكازه على أساسٍ متين من المصلحة والحكمة الثابتة التي لا تغيِّرها الظروف والأحوال في ما كان يوحيه اليهود للمسلمين من نظريّتهم حول النسخ، كما كانوا يوسوسون لهم بأنَّ صلاتهم التي كانوا يتوجّهون بها إلى بيت المقدس قد ضاعت عليهم، لأنّها كانت إلى غير القِبلة الحقيقيّة، فأشبهت حالهم حال الذين لا يتوجّهون في صلاتهم إلى الكعبة الآن، ولكن الذين هداهم الله وعرَّفهم حقيقة شريعته وطبيعة ارتباط التشريع، وهو الذي يعرف وجه الحكمة في ما يحرِّم وفي ما يحلِّل، انطلاقاً من اختلاف المصلحة في بعض الأشياء حسب اختلاف الظروف والأحوال، انطلقوا في الموضوع انطلاق تسليم وانقياد وطاعة مطلقة، ووعي منفتح على خلفيّات التشريع الحكيمة. أمّا قضية ضياع إيمان المؤمنين، في ما تمثّله الصلاة من روح الإيمان، فليس وارداً في حساب الله، {وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ}، لأنّهم قاموا بالصلاة على أكمل وجه؛ فإنَّ العبرة بحصول الشروط في حال القيام بالصلاة، فلا يتبدّل الحال من هذه الجهة إذا تبدّلت الشروط، لأنَّ الشرط الجديد لا يترك أثراً رجعياً على الأعمال السابقة، بل يقتصر تأثيره على الصلوات المقبلة، وهذا ما ينسجم مع رأفة الله ورحمته بعباده، حيث يحفظ لهم أعمالهم ويثيبهم عليها إذا كانت واجدةً لشروطها الكاملة {إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}. **** الامتحان وسلامة المسيرة: وقد نستوحي من هذه الآية أنَّ اختبار القاعدة الإسلامية في حركتها في الواقع مع القيادة، من حيث صدق انتمائها وجديّة إيمانها وصلابة التزامها، قد يكون حاجة مهمّة لسلامة المسيرة الإسلامية ونجاح الخطط المرسومة، باعتبار أنَّ ذلك يتكفّل بمعرفة القوى المنحرفة التي قد تدخل في الحركة الإسلامية أو في جهاز المرجعية، أو في المواقع الاجتماعية الحسّاسة، ليرصد كلّ خطواتها ويعرّيها ويفضحها حتى لا تكيد للمسيرة، ولا تربك الواقع، ولا تعبث بالطيّبين الساذجين من الناس المؤمنين لتوظّفهم بطريقة سلبية ضدّ الأهداف الإسلامية، ولا تعيث في الأرض فساداً، وذلك بالطريقة التي جرى عليها التشريع في القِبلة بأن تتحرَّك التعليمات الحركية بالأسلوب الذي يثير الارتباك والتعقيدات، ولكن مع الحذر في اختيار المضمون والأسلوب والمرحلة، بالمستوى الذي لا يؤدّي إلى النتائج السلبية على الحركة في الوقت الذي تتحرّك فيه للحصول على إيجابيات الواقع. وهذا ما عبَّرت عنه الآية. **** وحدة القِبلة: وحدة الأُمّة والاتجاه كان النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في ما توحي به الآية الكريمة وفي ما تتحدّث به الروايات، يعاني أزمة نفسية في موضوع القبلة؛ فقد كان يواجه التحدّي اليهودي للمسلمين، الذي يتمثّل في تعييرهم لهم بتبعيّة قبلتهم وفي تفاخرهم بذلك عليهم، ممّا كان يترك تأثيراً سلبياً على نفسية المسلمين. ولم تكن القضية قضية انفعال مضادّ ضدّ التشريع بالتوجّه إلى بيت المقدس، بل كان تطلُّعاً روحياً إلى قِبلة جديدة تنسجم مع أجواء الرسالة الإسلامية التي انطلقت من البلد الحرام والمسجد الحرام، واعتُبرت امتداداً للخطّ الإسلامي الذي بدأه إبراهيم في مُنطَلقِه الروحي من الكعبة.. وكانت مشاعره تتصاعد في ابتهال داخلي كمثل الدعاء الصامت الذي يعبّر عن نفسه بالنظرات الخاشعة التي توحي وكأنّها تنتظر شيئاً كمثل الهاجس الداخلي الذي يشبه الوحي. {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء} في تطلّع ابتهالي ينفتح في روحية دعائية على ربّه، في تعبير عن الرغبة العقلية التي تنطلق من حسابات دقيقة في مصلحة الرسالة ومن إيحاءات شعورية في وعي التحدّي اليهودي ضدّ الإسلام، وذلك في دعاءٍ هادئ يرتفع إلى الله، من دون اعتراض على تشريعه للقبلة الأولى، وتوسّل إليه أن يبدلها إلى القِبلة الجديدة ـــ وهي الكعبة ـــ التي تنسجم مع موقع الرسالة الذي يتجذّر في حركة الأُمّة، من خلال الإحساس بأنَّ الدِّين الجديد بحاجة إلى قِبلة جديدة تمثّل رمز الوحدة الحركية للأُمّة. فإنَّ الله الذي أراد لإبراهيم أن يؤذّن في الناس بالحجّ إلى الكعبة، أعطاها معنى الطهارة والقداسة والخصوصيّة المميّزة في اعتبارها بيته المحرّم الذي طهَّره ـــ من خلال إبراهيم ـــ للطائفين والعاكفين والركّع السجود، كما جعله مثابةً للناس وأمناً، وغير ذلك من الخصوصيات الداخلية والخارجية التي تميّزه عن بيت المقدس. فقد صنعت الكعبة على عين الله ولم يكن ذلك لبيت المقدس.. وهكذا تقبَّل الله ابتهالاته ودعواته، وجاء الوحي ليقرّر التشريع للقبلة الجديدة التي يرضاها الله كما رضيها رسوله: {فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ} يا محمَّد {شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، أي حوِّل نفسك في توجّهاتك العبادية نحو المسجد الحرام الذي يحتوي الكعبة ـــ القِبلة باعتبارها جزءاً منه؛ {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ} أيّها المسلمون، {فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} وتوّجهوا إليه، ليكون رمز وحدتكم في اتّجاهكم نحو بيت الله الذي هو المسجد العالمي، سواء كنتم في البحر أو في البر، أو في السهل أو في الجبل، أو في الجوّ أو في الشرق أو في الغرب، ولا تنحرفوا عنه إلى غيره يميناً أو شمالاً ولا تستدبروه. وقد انطلق التدقيق بالقبلة من خلال التحديد الصريح في ضرورة التوجّه إلى المسجد الحرام حتى أصبح هناك ما يقارب تأسيس علم القِبلة. وهكذا كانت القِبلة الجديدة في حركة التشريع استجابةً للتطلّعات الروحية النبويّة بالإضافة إلى ما تشتمل عليه من المصالح الإلهية التي يريد الله للنّاس أن يحصلوا عليها من خلال ذلك.. وهكذا وجّه الله نبيّه إلى جهة المسجد الحرام لاشتماله على الكعبة، وهو قائم يصلّي في مسجد بني سالم في ما تنقله روايات أسباب النزول، ودعا المسلمين إلى التوجّه إليه في أيّ مكانٍ كانوا.. وأثار أمامه قضية أهل الكتاب الذين لا ينطلقون من الواقع في ما ينطلقون فيه من حديث وإثارة، بل ينطلقون من العناد والمكابرة والكذب.. {وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ} ولا سيّما اليهود الذين بادروا بالاعتراض وأوحوا للمنافقين أن يرفعوا الصوت عالياً بذلك، بعد أن كانوا يتحدّون النبيّ ويستعلون عليه لتوجّهه إلى قبلتهم نحو بيت المقدس، {لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ}. قال في مجمع البيان: "أي يعلمون أنّ تحويل القِبلة إلى الكعبة حقّ مأمور به من ربّهم، وإنّما علموا ذلك لأنّه كان في بشارة الأنبياء لهم أن يكون نبيّ من صفاته كذا وكذا، وكان في صفاته أنّه يصلّي إلى القبلتين. ورُوي أنّهم قالوا ـــ عند التحويل ـــ: ما أُمِرْتَ بهذا يا محمّد وإنّما هو شيء تبتدعه من تلقاء نفسك مرّة إلى هنا، ومرّةً إلى هنا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وبيَّن أنّهم يعلمون خلاف ما يقولون"(1). وربّما كان وصفهم بأهل الكتاب في الآية إيحاءً بأنَّ تحويل القِبلة موجود في الكتاب، لأنّهم يعلمون أنَّ الخطّ الذي تسير عليه في العقيدة وفي التشريع هو الحقّ من ربّهم، وذلك في ما تحدّثت به التوراة التي يعرفونها جيّداً ويخفونها عن الناس، وهم يظنُّون أنَّ الله يغفل عنهم في ما يدبِّرون، ولكنَّ الله لا يغفل عنهم وعن أعمالهم في أيّ حال، {وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ} من الخطط التخريبيّة العدوانية التي يخطّطونها في حركتهم المضادّة للنبيّ، من أجل أن يصدّوا عن سبيل الله ويفتنوا الناس عن دينهم الحقّ. فهو المطّلع على كلّ شيء من أمور عباده. **** موقف العناد والجهود الضائعة: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} لأنّهم لا يريدون الانفتاح على رسالتك، فقد أغلقوا كلّ النوافذ الروحية والفكرية التي تطلّ على الحقّ، ولذلك فإنَّ الجهد الذي تصرفه معهم من أجل أن تقنعهم بالحقّ الذي معك، هو جهد ضائع لا يؤدّي إلى النتيجة المطلوبة؛ فالقضية ليست قضية الدلائل والبيّنات التي تقدّمها إليهم كثرةً أو قلّة، بل هي الباب المغلق الذي يقفون خلفه ولا يريدون الخروج منه، فلو أنّك قدّمت لهم كلّ الآيات ما اتّبعوا قبلتك. كما أنَّك ـــ من خلال الحقّ الذي تؤمن به ـــ لا تتّبع قبلتهم. ثمَّ إنَّ القضية ليست قضية العناد الذي لا يلين للحقّ معك، بل إنَّ الموقف الذي يحكم علاقة بعضهم ببعض يتّخذ الأسلوب نفسه، فإنَّ اليهود يستقبلون صخرة بيت المقدس أينما كانوا، أمّا النصارى فيستقبلون المشرق أينما كانوا دون أن يتنازل أحدهم للآخر، {وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ}. وتنطلق الآية أخيراً في مواجهة الموقف بأسلوب التهديد لأيّة حالة من حالات الاستسلام للضغوط المتنوّعة التي يمكن أن يخضع لها المسلمون في مثل هذه المجالات... وتزداد المواجهة حدّة وتأكيداً بتوجيه الخطاب إلى النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كأسلوب من أساليب القرآن في الإيحاء للأُمّة بخطورة القضية، فإنَّ القوم لا ينطلقون من موقف فكري للحقّ بل يتحرّكون من خلال أهوائهم. {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} الذين يظلمون أنفسهم فيبتعدون بها عن الحقيقة الأصيلة التي انفتحوا عليها من خلال المعرفة العميقة الواسعة، ويظلمون العقل الذي يمثّل القاعدة لوجودهم الإنساني، الذي يركّز لهم كلّ خطواتهم في الحياة ويضعها على الدرب المستقيم، ويظلمون مصيرهم الذي يتحرّكون به إلى النّار بدلاً من الجنّة. فكيف يمكن لمن يملك وضوح الرؤية للموقف أن يستسلم لأهواء الآخرين؟! إنَّ النتيجة ستكون استسلاماً لنوازع الظلم للذّات وللقضية وللأُمّة، ما يجعل المصير في اتّجاه مصير الظالمين. **** أهل الكتاب يعرفون النبيّ ورسالته حقّ المعرفة: ويؤكّد القرآن من جديد أنّ أهل الكتاب لا يعيشون حالة جهل للنبيّ ولرسالته، فقد عرَّفتهم التوراة صفاته جيّداً، فعرفوه في وضوح من الرؤية كما عرفوا أبناءهم، ولكنَّهم يكتمون الحقّ وهم يعلمونه نتيجة عنادهم وتمرّدهم وضلالهم. ويختم الموقف بأنَّ الحقّ من الله، فلا مجال فيه للشكّ والريب، والتوقّف أمام أيّ موقف من مواقف التحدّي الذي يمارسه الباطل ضدّ الحقّ؛ ثمّ يحدّد القضية بشكلٍ حاسم، فلكلّ إنسان وجهة في حياته يصرف وجهه إليها ويتّجه نحوها؛ فأهل الباطل يتّجهون إلى رموز الباطل وعلاماته، وأهل الحقّ يتّجهون إلى رموز الحقّ وعلاماته. ولكلّ واحد منهم عمل، فأهل الخير يتحرّكون في اتجاه الخير ويتسابقون نحوه، وأهل الشرّ يتحرّكون في اتجاه الشرّ ويستبقون إليه. ثمَّ يطرح النداء الحاسم للمؤمنين أن يستبقوا الخيرات في كلّ موقف وفي كلّ منعطف، ليعرفوها ويعيشوها فكراً وشعوراً وعملاً، وستكون نهاية الجميع عند الله، فإنَّ الله لا يفوته أحد ولا يعجزه مطلوب؛ مهما ابتعد ومهما نأى، فسيأتي به الله لأنّه على كلّ شيء قدير. {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ} وهم العلماء منهم، {يَعْرِفُونَهُ} أي رسول الله في صدقه في نبوّته، {كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ} في وضوح الرؤية وإشراقة اليقين من خلال بشارة التوراة والإنجيل به، وحديثهما عنه بأوصافه ودلائله التي تشير إليه، وقد جاء الحديث في القرآن الكريم عن ذلك في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الأعراف: 157]، وقوله: { وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُّبِينٌ} [الصف: 6]. واحتمل بعضهم أن يكون الضمير في {يَعْرِفُونَهُ} عائداً إلى الكتاب، ولكنّه غير ظاهر لأنّه لا مناسبة له في السياق العام في موضوع الجدال الذي يدور حول النبيّ والنبوّة أمام مفردات التشكيك التي تُوجّه إليه، كما أنَّ تشبيه هذه المعرفة بمعرفة الأبناء قد يوحي بذلك، فإنّه يُقال في الإنسان إنَّ فلاناً يعرفه كما يعرف ولده ولا يُقال ذلك في الكتاب. {وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ} الذي قامت الحُجّة عليهم به بمعرفته اليقينيّة {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} لأنّهم لا يملكون أساساً لأيّة شبهةٍ في ذلك. {الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} الذي أنزله إليك وبيَّنه لك في وضوح الوحي وإشراقته، {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} الشاكّين في أيّ شأن من شؤونه. والظاهر أنّ الخطاب ـــ كما ذكرنا ـــ موجّه لرسول الله الذي جاء بالصدق وصدَّق به، وهو جار على أسلوب خطاب الأُمّة من خلال خطاب الرسول، ما يوحي بأنَّ على الأُمّة أن لا تقع تحت تأثير عناصر الشكّ التي يحاول الكافرون من أعداء الإسلام إثارتها في وجدانهم الفكري. {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا} أي أنَّ لكلّ قومٍ وجهةً يتّجهون إليها من خلال القاعدة الفكرية الإيمانية التي يرتكزون عليها في ما يأخذون به أو يتركونه، أو ينطلقون به من مواقع ومواقف وعلاقات بالحياة وبالإنسان، سواء في ذلك الأنبياء الذين ينطلق كلّ واحدٍ منهم بملّته ووجهته التي تختلف في خصوصيّاتها فتتعدَّد جهاتها، ولكنّها تلتقي في الإسلام الذي يجمع الرسالات كلّها عند الانقياد لله في كلّ شيء، وهذا هو ما ينبغي للمسلمين أن يتحرَّكوا فيه في انفتاحهم على الكعبة التي أراد الله لهم أن يتوجّهوا إليها، بعيداً عن كلّ عناصر الشكّ التي يثيرها اليهود والمنافقون في عملية تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، ليعرفوا أنّه ليس من الضروري أن يتبعوا القبلة التي شرَّعها الأنبياء من قبلهم، لأنّه من الممكن أن يختلف اتّجاه القبلة بين رسالةٍ وأخرى، وبين نبيٍّ وآخر، {فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ} فهذا هو الوجه الذي أراد الله لكم أن تستقبلوه في كلّ مواقع حياتكم في رسالتهم التي حمّلكم الله إيّاها من خلال رسوله بالمسارعة إلى الخيرات التي تمثّل حركة الحياة في إيجابيّاتها الروحية والأخلاقية في الإنسان بعلاقته بالإنسان الآخر، وبالكون من حوله، عندما يقدّم من عقله وقلبه وروحه وجهده الكثير من الأفكار والمشاعر والعواطف والأعمال التي تفتح آفاقه على عوالم جديدة كما توجّه خطواته إلى دروب جديدة، وترتفع بحياته إلى الدرجات العليا على مستوى تطوير طاقاته وتنميتها وتحويلها إلى عناصر حيّة في كلّ اتّجاه من اتّجاهات الحركة في الحياة. إنّها الخيرات، العنوان الكبير لاستقامة الحياة على الخطّ الصالح الذي يربط بين الله والإنسان والحياة في دائرة المسؤوليات العامّة التي يريدها الله للحياة من خلال الإنسان، لتكون على الصورة التي أراد لها أن تتمثَّل فيها على أساس الحقّ الذي أقام عليه الكون كلّه. وهذا ما ينبغي للمسلمين أن يتنافسوا فيه ويلتقوا عليه ليواجهوا مسؤوليّتهم أمام الله غداً، فيحاسبهم على ما قدَّموه من الخيرات التي أمرهم الله بالسعي إليها والعمل بها، عندما يقوم الناس لربّ العالمين. {أَيْنَ مَا} في أيّ مكان وموقع {تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللّهُ جَمِيعاً} حيث يبعثكم كما خلقكم، وأماتكم {إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فلا شيء خارج قدرة الله تعالى، وليس البعث بأصعب من الخلق، وليس الجمع بأصعب من التفريق. **** لا مجال للتراجع: وتعود الآيات مع التشريع الجديد في خطابٍ حاسمٍ للنبيّ، لتؤكّد له أنّه الحقّ من ربّه، فلا مجال للتراجع عنه مهما حشد اليهود من ضغوط ومهما اتّبعوا من أساليب التضليل، فإنَّ الله لا يغفل عمّا يعمله عباده إزاء تكاليفه من طاعة أو معصية... ويعود الخطاب من جديد للنبيّ أوّلاً وللمسلمين ثانياً بالقوّة الآمرة نفسها، وبتعليل جديد؛ فإنَّ بعض الأحاديث الواردة في تفسير الآية تتحدّث عن تعاليم واردة في الكتب الدينية السابقة التي تذكر أنّ النبيّ سيصلّي إلى الكعبة، ما يجعل من الانحراف عن ذلك حُجّة للآخرين على المسلمين، لأنّه يكشف أنّهم ليسوا الأُمّة الموعودة في الكتب السّماوية. ثمَّ استثنى من هؤلاء الناس الظالمين الذين لا يريدون أن يستسلموا للحقّ الذي يعرفونه في كتبهم، بل يسيرون في طريق العناد والظلم للحقيقة وللمؤمنين، فلا تخشوهم أيُّها المؤمنون، لأنّهم لا يستطيعون أن يوقفوا المسيرة ولا يملكون أن يضرُّوكم شيئاً، بل اجعلوا خشيتكم من الله الذي يملك لكم كلّ شيء. وتلتقي الآية بالنعمة التي يريد الله أن يُتمَّها على المسلمين من جهة إكمال التشريع الذي يبني لهم حياتهم على أساسٍ من الاستقرار والطمأنينة والسعادة الروحية والمادية. وفي هذا دلالة على أنَّ تدرّج التشريع وتطوّره يعتبر تدرّجاً بالنعمة، فكأنَّ الله لا يريد أن يعطيَ النعمة دفعة واحدة، بل يريد أن يجعل من كلّ نعمة ينزلها على الإنسان في تشريعه إعداداً لنعمةٍ جديدة في الطريق الأرحب نحو التكامل. {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ} من أيّ موقعٍ من البلدان التي تبتعد بك عن المسجد الحرام أو عن مكّة، {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} في صلاتك وفي كلّ عمل مشروط باستقبال القبلة؛ {وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ} فهو القِبلة التي شرّعها الله وجعلها القاعدة التي تتوحّدون فيها وتتوجّهون إليها في موقع من مواقع الإلزام الشرعي الذي لا مجال للانحراف عنه تحت تأثير أيّة حالة ذاتية أو أيّ ضغطٍ خارجي، {وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فلا تغفلوا عن الحقيقة الإيمانية في مراقبة الله لكم في كلّ الأمور. {وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} فهذا هو التشريع المؤكّد الذي يزداد تأكيداً على مستوى الفريضة اليومية التي يجب عليكم أن تنفتحوا عليها في وعي الفكرة، وتلتزموا بها في وعي العمل، لتتحوّل لديكم إلى عادةٍ جديدة تنسخ العادة السابقة، لتشعروا بأنَّ التشريع الجديد قد تحوّل إلى واقع جديد، وتلك هي مهمّة التشريع في حياة المسلمين، بأن يتحوّل إلى حالةٍ تغييرية في حياة الأُمّة لتكون في حجم العادة التاريخيّة المتجذّرة في وجودها العملي، لا مجرّد حالة طارئة في الواقع، ليلتقي الخطّ في فريضة النبيّ الذي لا بدَّ من أن يكون أوّل مسلم في وعي التشريع وحركته، وفي فريضة الأُمّة {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} في صلاتكم وعباداتكم الأخرى المشروطة بالتوجّه إلى القبلة، وعليكم أن تتابعوا ذلك وتلتزموه دائماً، {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} من خلال التاريخ الذي كان يتحدّث به اليهود ـــ كما روي ـــ أنَّ النبيّ الموعود يصلّي إلى قِبلتين، أو ما كان يتحدّث به المشركون ـــ كما قيل ـــ ويتساءلون كيف ترك محمّد الكعبة وهو المؤهّل ـــ كما يقول ـــ لإحياء ملّة إبراهيم التي سار عليها، فإذا التزمتم بالكعبة قبلةً أبطلتم حجّة هؤلاء المضادّة ممّن ينفتح على الحوار ويقف أمام الحُجّة، {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ} ممّن يعيش في مواقفه المضادّة على أساس العناد الذي لا ينطلق من حُجّة أو برهان، بل من ذهنية العدوان الذاتي من خلال العقدة المستحكمة في نفسه ضدّ الحقّ وأهله. فليست المشكلة عندهم نوعية الاتجاه إلى بيت المقدس أو الكعبة، بل المشكلة هي التزامكم بالدعوة الجديدة والدِّين الجديد الذي يلغي امتيازاتهم الناشئة من الفكر الباطل والخطّ المنحرف، فهم الظالمون في مواقفهم وفي كلّ اتّجاهاتهم الفكرية والعملية، {فَلاَ تَخْشَوْهُمْ} لأنّهم لا يملكون لكم ضرّاً ولا نفعاً {وَاخْشَوْنِي} لأنّي ربّكم الذي يملك وجودكم ومصيركم كلّه، ما يفرض عليكم الالتزام بالدِّين الذي أنزلته والرسول الذي أرسلته، {وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ} في استقامة التشريع على الخطّ الذي تتكامل فيه قضاياكم ومواقفكم وخطواتكم في الحياة، باعتبار أنّ الله يريد للنّاس أن يتابعوا نعمه في تشريعاته، كما يتابعونها في أوضاعهم العامّة والخاصّة؛ {وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} بما يوفّره الله لكم من وسائل الهداية في امتحانه لكم واختباره لثباتكم على الإيمان، وذلك إذا أخذتم بأسباب الهدى في ما يشرّعه الله لكم من أحكامه ويوضحه لكم من مفاهيمه. **** الرسول الكريم نعمة عظيمة: ثمّ يعطي للمسلمين الصورة الكاملة المتجسّدة للنعمة التامة الشاملة في هذا الرسول العظيم الذي جاء من أجل أن يرفع مستوى الإنسانية في ما يتلوه من آيات الله، ويزكّي ضمائر الناس وحياتهم، ويعلّمهم الكتاب والحكمة وما لم يعلموه من حقائق الحياة في الدنيا والآخرة.. وينتهي الفصل بأمرهم لأن يذكروا الله في وجدانهم وفي ألسنتهم، وفي وعيهم لمسؤوليّتهم أمامه في الحياة ليذكرهم بنعمه وعفوه وغفرانه، ودعاهم إلى أن يشكروا نعمته عليهم ولا يكفروا بها ويجحدوها لئلا يعاقبهم الله بإزالتها عنهم. {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ} فهذه هي النعمة الكبرى التي تتفرَّع عنها كلّ النِّعم الصغيرة في تفاصيل التشريع، لأنّه يفتح لكم الأُفق الكبير الذي يطلّ بكم على كلّ جمالات الحقّ وروائع الإيمان، {يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا} التي توحي إليكم بكلّ الحقيقة الصافية، وترتفع بكم إلى الدرجات العليا من المعرفة، وتمهّد لكم سبل الحياة القويمة، وتعرّفكم ما يصلح أمركم أو يفسده، وتقرّبكم إلى الله وإلى الخطّ المستقيم للسعادة في الدنيا والآخرة. {وَيُزَكِّيكُمْ} وينمّي أرواحكم بالخير، ويربّي نفوسكم على الطهر والنقاء، ويبتعد بكم عن كلّ الرذائل والنقائص الأخلاقية. {وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ} الذي أنزله الله على رسوله ليكون المنهج الذي تأخذون به في كلّ خطواتكم في الحياة، {وَالْحِكْمَةَ} التي تعرّفكم كيف تركّزون أقدامكم على الصراط المستقيم وتضعون كلّ شيء في موضعه، فلا تخطئون في موقع، ولا تنحرفون في طريق، {وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ} من فنون المعرفة في عالم الغيب والشهادة، ممّا لم يسبق لكم معرفته في تجاربكم الماضية. {فَاذْكُرُونِي} في كلّ ما يفتح عقولكم وقلوبكم على معنى الألوهية والربوبيّة في ذات الله، ليدفعكم ذلك إلى الوعي العميق للحضور الشامل لله في كلّ حياتكم العقلية في معنى الفكر، وفي حياتكم العملية في خطّ الواقع، لتذكروا كلّ صفاته العليا، وأسمائه الحسنى، ونعمه الوافرة، وآياته الكثيرة، ولتتحرّكوا في اتّجاهه في كلّ موقع وموقف، فهو الذكر الذي يخرجكم من الغفلة ويفتح لكم أبواب المعرفة، لتعيشوا معه في عالم الشهود من خلال الوعي الروحي المنطلق من عالم الغيب، وهو الذكر الذي يجعل الإنسان قريباً إلى الله بروحه وجسده، ليكون الله معه في كلّ حال وليراه مع كلّ شيء وخلف كلّ شيء. {أَذْكُرْكُمْ} بالرحمة والنعمة والمغفرة والرضوان، ما يجعلكم تحت رعايتي بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، {وَاشْكُرُواْ لِي} نعمتي التي أنعمت عليكم بالكلمة والفعل والموقف، ليكون الشكر باللّسان في الكلمة المعبّرة، وبالفعل في الطاعة لله وامتثال أوامره ونواهيه، وبالموقف في موالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وإعزاز الحقّ وإذلال الباطل، وفي غير ذلك ممّا يكون موقعاً لرضوان الله. {وَلاَ تَكْفُرُونِ} ولا تجحدوا النعمة بأساليب التمرّد والطغيان والمعصية، فإنَّ ذلك يعرّضكم للغضب الإلهي والعذاب الشديد، بينما يؤهِّلكم الشكر للزيادة في أعماركم وأرزاقكم وكلّ أوضاعكم المتّصلة بكلّ شؤونكم في الحياة. **** الذكر والشكر بين الكلمة والموقف: وقد جاء كثير من الأحاديث المأثورة ـــ إلى جانب المدلول الحيّ للآية في الموقف القوي أمام الكافرين والمنافقين من خلال الموقف الخاضع لله ـــ لتخرج الذكر لله والشكر له من مدلوله اللّفظي إلى موقف عملي يتمثّل فيه ذكره بالانضباط العملي في حالات الاهتزاز النفسي التي يتعرّض فيها الإنسان لضغوط الانحراف الروحية والعملية، فيكون الشعور العميق بحضور الله في نفسه، من خلال الإحساس بحضوره المهيمن على الكون كلّه، دافعاً للإنسان إلى الالتزام بأوامره ونواهيه، ومانعاً له عن الانسياق وراء تيّارات الضلال والانحراف؛ وهذا ما عبَّر عنه الحديث المروي ـــ في عدّة الداعي ـــ عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه خرج على أصحابه، فقال: "ارتعوا في رياض الجنّة، قالوا: يا رسول الله وما رياض الجنّة؟ قال: مجالس الذكر، اغدوا وروحوا واذكروا، ومن كان يحبّ أن يعلم منزلته عند الله، فلينظر كيف منزلة الله عنده، فإنَّ الله تعالى ينزّل العبد حيث أنزل العبد الله من نفسه، واعلموا أنَّ خير أعمالكم عند مليككم وأزكاها وأرفعها في درجاتكم، وخير ما طلعت عليه الشمس ذكر الله تعالى، فإنّه تعالى أخبر عن نفسه فقال: أنا جليس من ذَكَرَني، وقال سبحانه: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ}(1).. وعن الحسن البزّاز قال: "قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): ألاَ أخبرك بأشدّ ما فرض الله على خلقه (ثلاث)؟ قلت: بلى، قال: إنصاف الناس من نفسك، ومواساتك أخاك، وذكر الله في كلّ موطن، أمّا إنّي لا أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر، وإن كان هذا من ذاك، ولكن ذكر الله في كلّ موطن إذا هجمت على طاعة أو على معصية"(2)... وليس معنى التأكيد للجانب العملي للذكر، هو التهوين من الجانب الآخر الذي يتمثّل في الذكر باللّسان في كلمات التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار، بل قد يكون هذا مقدِّمة لذاك، لأنَّ الاستمرار في ذكر آلاء الله ونعمائه وعظمته يخلق لدى الإنسان حالةً رائعة منفتحةً على الله حتّى ليحسّ به في كلّ شؤون حياته، ما يؤدّي به إلى الإحساس بضرورة طاعته في كلّ شيء. وفي ضوء ذلك كلّه، نفهم أنَّ المقابلة بين ذكر الله لعبده وبين ذكر العبد لله تعطينا الفكرة الإسلامية التي توحي للعبد بأنَّ استحقاقه لرعاية الله له بنعمه وألطافه، مشروط بانضباطه العملي أمام أوامره كما هي الحال في ميثاق الله لعباده، وعهد العباد أمام ربّهم في قوله تعالى: {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} [البقرة: 40]. وإنّنا نشعر في هذا التأكيد على ذكر الله في الكلمة والموقف، بأنَّ حركة الإيمان في داخل نفس المؤمن وحياته، تحتاج إلى الارتباط العميق بالله، ليكون للإيمان أصالته في نفسه، فتتركّز القاعدة على أساسه، وتنطلق الأعماق من خلاله بعفوية وبساطةٍ ووعي. ذكر الله وشكره في أساليب التربية الإسلامية: وقد نحتاج، في سبيل الوصول إلى هذا الهدف، إلى إفساح المجال للأساليب التربوية التي تريد صنع الشخصية الإسلامية لدى الأطفال والشباب والشيوخ، لنؤكّد ذكر الله من خلال الكلمة في إطارٍ من الوعي لمعانيها، وذكره من خلال الموقف في تدريب الإنسان المسلم على أن يمارس التجارب اليومية لأوضاع حياته في هذا الجوّ المنفتح على ذكر الله، وذلك بإعطاء الدروس الفكرية والعملية من خلال موجّهين واعين يعرفون كيف يحرّكون الكلمة في اتّجاه الموقف، ويدفعون الموقف نحو الإحساس بالله.. أمّا الشكر، فهو الدعوة الثانية التي يختم بها الله هذه الآيات، ليوجّه الناس إلى أن يشكروه ولا يكفروا به، وليست الدعوة لكلمة الشكر، بل هي دعوة إلى موقف الشكر؛ وذلك بأن يقوم بالطاعة ويجتنب المعصية، ويعبد الله كما ينبغي له، وهذا هو ما نستوحيه من الحديث المأثور عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في ما رواه أبو بصير عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: "كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عند عائشة ليلتها، فقالت: يا رسول الله لِمَ تتعب نفسك وقد غَفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ فقال: يا عائشة ألاَ أكون عبداً شكوراً؟ قال: وكان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) يقوم على أطراف أصابع رجليه، فأنزل الله سبحانه: {طه*مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ}(1) [طه: 1 ـــ 2]. وقد رُوي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "شكر النعمة اجتناب المحارم، وتمام الشكر قول الرّجل: الحمد لله ربّ العالمين"(1)، ورُوي عنه، في ما رواه أبو بصير، قال: نعم، قلت: ما هو؟ قال: يحمد الله على كلّ نعمة عليه في أهل ومال، وإن كان في ما أنعم الله عليه في ماله حقٌّ أدّاه"(2)... وهكذا يلتقي الشكر في الكلمة بالشكر في الممارسة، ليتأكّد الأسلوب الإسلامي التربوي الذي لا يحوّل العلاقة بالله إلى كلماتٍ تقليدية بما ينتهي الأمر فيها إلى الجمود، بل يبعث فيها الروح الذي يجعل منها تجسيداً حيّاً للمبادئ الروحية في خطوات الإنسان العملية في كلماته وأفعاله. وقد يكون من المفيد أن نشير إلى أنَّ شكر الله يمتدّ حتّى يتمثّل في شكر الإنسان للنّاس على ما قدّموه له من خدمات في حياته الخاصّة والعامّة، حتّى أنَّ الإنسان الذي لا يشكر الناس لا يشكر الله، فقد جاء في الحديث عن الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: "إنّ الله يحبّ كلّ قلب حزين، ويُحبّ كلّ عبدٍ شكور، يقول الله تبارك وتعالى لعبدٍ من عبيده يوم القيامة: أَشَكَرْتَ فلاناً؟ يقول: بل شكرتك يا ربّ، فيقول: لِمَ تشكرني إذ لم تشكره، ثمّ قال: أشْكَرُكُمْ لله أشْكَرُكُمْ للنّاس"(3). ولعلّ من المعروف لدينا أنّ هذا الاتجاه التربوي في اعتبار شكر الإنسان على عمله شكراً لله، يتحرّك في الخطّ الإسلامي الذي يدعو الناس إلى تشجيع المحسنين على إحسانهم، لأنَّ من طبيعة الإنسان العامل في الخير أنّه يحبّ أن يجد صدى عمله في مواقف الآخرين منه، وإن لم يكن ذلك عن عقدة ذاتية، فإذا لم يحصلوا على ذلك، بل وجدوا إهمالاً وجحوداً، كان هذا موجباً لتثبيطهم عن السير بعيداً في هذا الاتجاه، وقد ورد في وصيّة الإمام عليّ (عليه السلام) لمالك الأشتر (عليه السلام): "ولا يكونَنَّ المحسن والمسيء عندك بمنزلةٍ سواء، فإنَّ في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان"(1).. ولا يتنافى ذلك مع الروح الإسلامية التي تدعو الإنسان إلى أن يعتبر الله هو السبب الأعمق في الأشياء، فلا يملك العبد من أمره إلاَّ ما ملّكه، لأنَّ الله يريد ـــ في الوقت نفسه ـــ أن لا يغفل الإنسان دور الواسطة التي جعلها الله أداة لإيصال نعمه إليه، ولهذا أمر الإنسان بأن يشكر والديه كما يشكر ربّه في قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} [لقمان : 14]. وقد يكون من أسباب التركيز على هذا الجانب، أنّ الإنسان عادةً يحسّ بتأثير الأشياء المحسوسة لديه أو القريبة من إحساسه، فإذا لم يتأثّر أو ينفعل بالخدمات المباشرة المحسوسة لديه ممّن يعيش معهم، فإنَّ ذلك يكشف عن فقدان حسّ الشكر لديه، الأمر الذي يؤدّي إلى أن يفقد روح الشكر لله سبحانه في نهاية المطاف. **** الإيحاءات والدروس: وفي ختام هذا الفصل، نقف عدّة وقفات لنتأمّل الأفكار الأساسية فيه في عدّة نقاط: 1 ـــ إنَّ أعداء الله في بداية الدعوة كانوا يحاولون إثارة كلّ نقاط الضعف لدى المسلمين من أجل أن يدفعوهم نحو الانحراف عن الإسلام. 2 ـــ إنَّ الإسلام ـــ في القرآن الكريم ـــ قد واجه القضية المثارة أمام التشريع الجديد مواجهة حاسمة في ما حشده من الأساليب المتنوّعة التي تكشف الخلفيات الذاتية والفكرية المنحرفة الكامنة وراء ذلك كلّه. 3 ـــ إنَّ الفصل بأكمله وحدة متكاملة، نجد فيها القرآن يتحرّك في اتّجاه تشويه صورة أعداء الله من جهة وتحليل طبيعة التشريع من جهة، ثمَّ يدفع بالأُمّة إلى الواجهة ليوحيَ لها بموقعها من بقيّة الأُمم، ومنهم اليهود الذين يستدعي منهم التحرّك من موقع الفعل لا الانفعال.. وتتحرّك من جديد لتفلسف التشريع ولتربطه بالجانب التربوي للأُمّة وبالتطلُّعات الروحية للنبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وتتنوَّع الأساليب التي تكشف للنبيّ الصورة الحقيقيّة للموقف اليهودي بالمستوى الذي لا يبقى معه مجال للتجربة.. ويظلّ الفصل مشدوداً للتشريع في عملية إصرار وتأكيد، ليظلّ المسلمون معه بعيداً عن كلّ اهتزاز وارتباك. 4 ـــ إنَّ المسيرة الإسلامية المعاصرة تلتقي بكثير من الأساليب المماثلة التي يثيرها خصوم الإسلام وأعداؤه ضدّ التشريعات الإسلامية في بعض الحالات وضدّ الأساليب العملية المتنوّعة المتغيّرة للعاملين في سبيل الله، حسب حاجة العمل إلى التغيير والتبديل، ممّا يشابه كثيراً الأجواء التي كان يثيرها اليهود أمام النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم). 5 ـــ إنَّ علينا التوفّر على دراسة هذا الفصل كنموذج للأساليب الإسلامية العملية في مواجهة حالات التشكيك والتضليل والإثارة، واعتباره أسلوباً رائداً في هذا المجال من خلال التأكيد على ملاحظة الطبيعة المشابهة للظروف الموضوعية هنا وهناك، بالمقارنة مع الظروف المختلفة في كلتا الحالتين. 6 ـــ إنَّ دراستنا لأسلوب المعالجة للحالة الصعبة التي عاشها المسلمون أمام هذا التحدّي الكبير، تؤدّي بنا إلى التركيز على حيويّة الأسلوب الإسلامي للعمل ومرونته الحركية، فلا يقف أمام عنصر واحد من عناصر المواجهة، ولا يتجمّد عند حالة عاطفية أو عقلانية واحدة، بل يحاول أن ينتقل من جوٍّ إلى جوٍّ ومن عنصر إلى عنصر، لتتكامل كلّ العناصر وتتجمَّع كلّ الأجواء التي تساعد على حلّ المشكلة ومواجهة التحدّي. وفي ضوء ذلك، يمكننا أن نقرّر خطأ الفكرة التي تعمل على إخضاع أسلوب الدعوة أو أسلوب المواجهة للقواعد الفنيّة الموضوعة للأسلوب من وحدة الموضوع ووحدة الجوّ، وما إلى ذلك ممّا قد يتّفق مع الموضوعات التي تريد أن تعالج فكرة واحدة أو موضوعاً محدّداً، ولكنّه لا يتّفق مع القضايا التي يُراد من خلالها التأثير على الحالة الداخلية المعقّدة للإنسان وعلى الأجواء الخارجية المحيطة به. فإنَّ مشكلة التعامل مع الإنسان تختلف عن التعامل مع الفكرة المجرّدة، لأنَّ الإنسان كائن متغيّر متنوّع في عواطفه وتأثّراته، ما يقتضي منّا التحرّك معه في كلّ الاتجاهات التي يمكن أن تهبّ منها الريح، أو تتأثّر بها الأجواء. 7 ـــ إنَّ الطابع العام لكلّ هذا الفصل هو التذكير الدائم بموقع الإنسان ـــ في كلّ أعماله وأقواله ـــ من الله في ثوابه وعقابه، ما يعطي الموقف جوّاً روحيّاً يتحرّك فيه الإنسان في مواجهة الحالة من موقع المسؤولية الإيمانية، لا من موقع التفكير المجرّد الذي يخاطب فيه الإنسان الحالة كقضية موضوعية مجرّدة لا مجال فيها إلاَّ للحسابات الفكرية الجافة. **** 2 ـــ الأُمّة الإسلامية أُمّة قائدة: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} [آل عمران : 110]. **** معاني المفردات: {كُنتُمْ}: قال الزمشخري في الكشاف: "كان عبارة عن وجود الشيء في زمان ماضٍ على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدم سابق ولا على انقطاع طارئ، ومنه قوله تعالى: {وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء : 96]؛ ومنه قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ}؛ كأنَّه قيل: وجدتم خير أُمّة، وقيل: كنتم ـــ في علم الله ـــ خير أُمّة. وقيل: كنتم في الأمم قبلكم مذكورين بأنَّكم خير أُمّة، موصوفين به"(1). {أُخْرِجَتْ}: أظهرت، "ومزيّة هذه اللّفظة ـــ أي الإخراج ـــ أنَّ فيها إشعاراً بالحدوث والتكوّن، قال تعالى: {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} [الأعلى : 4]؛ كما قال صاحب الميزان(2). **** إنَّ قيمة كلّ أُمّة بالنسبة إلى الأمم الأخرى، هي في المبادئ التي تؤمن بها وفي الدور الكبير الذي تقوم به في حياة الناس. وعلى هذا الأساس، جاءت هذه الآية لتؤكّد أفضلية الأُمّة الإسلامية على سائر الأُمم، لا من خلال الجانب الذاتي الذي يقوم على تفضيل شعبٍ على شعب لصفاته الذاتية، أو لامتيازات غيبيّة خاصّة كما هو شأن اليهود في اعتقادهم بأنَّهم شعب الله المختار، بل من خلال الدور الذي أُنيط بها في تغيير الواقع الفاسد بكلّ الوسائل الممكنة، سواء كان ذلك بالإقناع القائم على أساس المحبّة، أو بالقوّة التي تحطّم الحواجز التي يقيمها الآخرون أمام حريّة الإسلام في الدعوة، أو التي تواجه التمرّد المنحرف الذي يقوم به الأفراد في المجتمعات الإسلامية، فهي أُمّة قائدة لمجتمعها ومجتمعات الآخرين من حيث الدور الذي أُنيط بها، بينما كانت الرسالات الأخرى، في ما حدّثنا القرآن عنه من حديث الأنبياء، تعمل على أساس التغيير بالموعظة والكلمة الطيّبة والأساليب الهادئة ما يجعل منها رسالة دعوة مجرّدة، تماماً كما هي الآية الكريمة: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ} [البقرة : 143]؛ وإذا كانت قيمة الأُمّة من حيث الدور لا من حيث الذّات، فإنَّ الحكم على واقعها العملي تابع لقيامها بهذا الدور، ولكنّ ذلك لا يمنع من بقاء هذه الصفة من حيث الخطّ الذي وُضِعَ لها.. وقد أثار المفسِّرون ـــ في تفسير هذه الآية ـــ الحديث حول كلمة "كان"، هل هي متضمّنة للزمان في معناها، فيكون الحديث عن التفضيل في زمانٍ سابق، أو هي غير متضمّنة له، فتكون واردة لبيان أصل المبدأ؟! وقد اختار بعض المحقّقين من المفسِّرين الوجه الأوّل، واستظهر أنَّ "الآية تمدح حال المؤمنين في أوّل ظهور الإسلام من السابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، والمراد بالإيمان هو الإيمان بدعوة الاجتماع على الاعتصام بحبل الله وعدم التفرُّق فيه في مقابل الكفر به، على ما يدلّ عليه قوله قبل: {أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} الآية(1)، وكذا المراد بإيمان أهل الكتاب ذلك أيضاً، فيُؤول المعنى إلى أنَّكم معاشر أُمّة الإسلام كنتم في أوّل ما تكوَّنتم وظهرتم للنّاس خير أُمّة ظهرت لكونكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر.."(2). وذهب أكثر المفسِّرين إلى الوجه الثاني، وقالوا: إنَّ كلمة "كان" قد تتجرَّد عن الزمان في بعض الحالات، كما في الآيات التي تتحدّث عن صفات الله، مثل: {وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} [النساء : 96]. ولكنّنا نلاحظ على هذا الموضوع، أنَّ الظاهر من الآية هو ورودها لبيان دور الأُمّة وقيمتها من خلال ذلك، وهذا قريبة على أنّ القضية لا تتّصل بالزّمن، لأنَّ خصوصية الزمان في مثل هذه الأمور تابعة للجانب الواقعي العملي الذي تختلف فيه الأُمّة من زمنٍ إلى زمن، وهذا غير مُراد من الآية ـــ في ما يظهر ـــ. أمّا ما ذكره صاحب تفسير الميزان فهو مخالف للظاهر، من خلال ما استظهرناه من جهة، ومن جهةٍ أخرى، فإنَّ الآية نزلت في الوقت الذي كانت حركة الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر موجودة مستمرّة في حياة المسلمين ولم تكن منفصلة عن ذلك الجوّ، فكيف يمكن أن تتكلَّم عن الموضوع بصفة الماضي، الذي قد يوحي بتبدّل الصفة إلى نقيضها؟! أمّا تفسير الإيمان بالله، بالاعتصام بحبل الله وعدم التفرّق، فغير واضح، بل ربّما كان من القريب جداً أن يكون المراد منه معناه الحقيقي، على أساس ارتباط الدور بالجانب العقيدي الفكري الذي يمثّله الإيمان بالله، وبالجانب التطبيقي العملي الذي يمثِّله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. {كُنتُمْ} أيُّها المسلمون في انطلاقكم في الحياة كجماعةٍ موحّدة على أساس الخطّ الفكري والعملي من خلال رسالة الله التي أراد للنّاس ـــ من خلالها ـــ أن يتوحّدوا في أوضاعهم العامّة والخاصّة، {خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أي خير جماعةٍ ظهرت للنّاس في وجودها الحركيّ القياديّ الذي يتحوّل فيه كلّ مسلم إلى داعيةٍ لله، وعاملٍ في خطّ التغيير الفرديّ والاجتماعيّ، بعيداً عن الفردية الذاتية في اهتماماتها الخاصّة على أساس عبادتها وأخلاقيّتها في خطّ الإيمان، لأنَّ الإسلام يريد للمسلم أن يحمل في داخل شخصيّته شخصية الأُمّة في حركة مسؤوليّته عن الأُمّة كلّها في حدود استطاعته، وبهذا تكون الأفضلية أو "الخيريّة" منطلقةً من خصوصية المضمون الفكري والدور العملي لهذه الجماعة، لا من خصوصيّة الذّات في ذاتيّة الانتماء من حيث ذاته. وقد تعدَّدت التطبيقات في التفاسير في مصداق هذه الجماعة من حيث اختصاصها بأشخاص معيّنين، أو شمولها للمسلمين كلّهم، فقيل(1): هم المهاجرون خاصّة، عن ابن عبّاس والسدّي؛ وقيل: نزلت في ابن مسعود وأُبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة ـــ كما تقدّم في أسباب النزول ـــ وقيل: أراد بهم أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) خاصّة، عن الضحّاك؛ وقيل: هو خطاب للصحابة ولكنّه يعمّ سائر الأُمّة؛ وقيل ـــ كما في الدّر المنثور ـــ: أخرج ابن أبي حاتم عن أبي جعفر: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: أهل بيتي النبيّ(1). وجاء في قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الآية، عن أبي عمرو الزبيري عن الصادق (عليه السلام) قال: يعني الأُمّة التي وجبت لها دعوة إبراهيم (عليه السلام)، وهم الأُمّة التي بعث الله فيها ومنها وإليها، وهم الأُمّة الوسطى، وهم خير أُمّة أُخْرِجَت للنّاس(2). والظاهر أنَّ المراد بالكلمة: الجماعة المسلمة المميّزة بالتزامها الرسالة في إيمانها وفي حركيّة الدعوة إلى الله، ومن الطبيعيّ أن يكون مصداقها منطبقاً على الصحابة المجاهدين وعلى الأئمّة الطيّبين من أهل البيت (عليه السلام)، كما هي منطبقة على المسلمين السائرين في خطِّ الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون التفسير الوارد في هذه المصاديق تفسيراً بالمصداق أو المصداق النموذجي الأعلى، لا تفسيراً بالخصوصيّة المعيّنة المنحصرة في هذه الفئة أو تلك، لأنَّ الصفات المتأخّرة المذكورة في الآية: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} تشمل المسلمين كلّهم. **** الأمر والنهي موقف قيادي تغييري: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} باعتبارهما الصفتين اللّتين توحيان بالموقع القيادي التغييري الذي تقف فيه الجماعة المسلمة لتعمل على قيادة الناس من خلال خطّ الدعوة تارّة، والحركة أخرى، والموقف ثالثة، إلى الأخذ بالمعروف والابتعاد عن المنكر، وعدم الاكتفاء ـــ في ذلك ـــ بالكلمة المعبّرة، ثمَّ أن لا ننكفئ عن الواقع إلى العزلة والبُعد عن ساحة الصراع. وإذا كانت الأفضليّة التي توحي بالتقدّم على الآخرين في الموقع والدور تنطلق من هاتين الصفتين، فلا بدَّ من أن يكون لها دور القاعدة في استمرار هذا الموقع: {خَيْرَ أُمَّةٍ}، فإذا أهملوا ذلك فتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سقطوا كما سقط الآخرون،لأنَّهم لا يمثِّلون ـــ آنذاك ـــ أَيّة فائدةٍ للإنسان. **** وتؤمنون بالله: {وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} فإنَّ الإيمان بالله الواحد يكون في العقيدة التوحيديّة التي تحرّر الإنسان من عبوديّته للإنسان الآخر وللأصنام وللظواهر الكونية كالشمس والقمر والكواكب وغير ذلك، فيبقى ـــ في موقع إنسانيّته ـــ الأصيل الذي يتعامل مع الناس الآخرين ومع الكون كلّه كتعامل الندّ للندّ، والمخلوق مع المخلوق، في عملية تكامل في خصوصيّات الوجود التي تجعل الإنسان يسير في خطّ الكمال الإنسانيّ الشامل في دائرة النظام الكوني الواسع، فيُعطي الكون من عقله وجهده كما يأخذ منه، كما يقدّم للإنسان الآخر جهده الذي ينتفع به في مقابل ما يأخذه من جهده لحاجته في حياته الخاصّة والعامّة. وقد جاء في تفسير الكشاف للزمخشري تعليق على هذه الفقرة: {وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} قال: "جعل الإيمان بكلّ ما يجب الإيمان به إيماناً بالله، لأنَّ مَن آمَنَ ببعض ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب أو عقاب أو ثواب أو غير ذلك لم يعتدّ بإيمانه فكأنَّه غير مؤمن بالله، {وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً*أُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً} [النساء: 150 ـــ 151] والدليل عليه قوله تعالى: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ} مع إيمانهم بالله {لَكَانَ خَيْراً لَّهُم} لكان الإيمان خيراً لهم ممّا هم عليه"(1). ونلاحظ عليه هنا أنَّ التعايش ليس في كون الإيمان الكامل في الإسلام هو الإيمان بكلّ التفاصيل العقيدية والخطوط العامّة للإسلام، إذ إنَّ الآية ليست ـــ على الظاهر ـــ واردة في مقام الحديث عن التفاصيل، بل هي ـــ والله العالِم ــ واردةٌ في مقام بيان النقطتين البارزتين في الخطّ الإسلامي الذي يلتزمه المسلمون في خطّهم العملي: {تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، باعتبارهما العنوانين لحركية الإنسان المسلم في دوره القيادي، الذي يجعله في مركز القيادة للإنسان وللحياة، وفي مركز الإشراف على الواقع لتغييره من الفساد إلى الصلاح، ومن المنكر إلى المعروف والإيمان بالله الذي يفتح عقله وقلبه وحياته على الله، ليلتزم المنهج التوحيدي في مواجهة الشرك كلّه. أمّا الاستدلال بقوله تعالى: {وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ} فلعلّ المراد منه إيمانهم بالله في مقابل الذين يلتزمون الكتاب اسماً وانتساباً ولا يلتزمونه مضموناً ممّن تحدّث القرآن عنهم بقوله تعالى: {وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُم} ما يوحي بوجود مثل هذه الفئة، وممّا يؤيّد ذلك قوله تعالى في الآية: {مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ} فليس المراد منهم الداخلين في دين الإسلام ـــ على الظاهر ـــ المؤمنين بالله السائرين على نهجه؛ والله العالِم. أمّا الحديث عن أهل الكتاب فينطلق من انحرافهم عن الخطّ الإلهي في أكثر نماذجهم، ما يفقدهم الدور الكبير الذي يتخيَّلونه لأنفسهم، بينما لو كانوا منسجمين مع خطّ الإيمان بالرسول والرسالة، لكانوا جزءاً من هذه الأُمّة القائدة التي أوكل الله إليها هذا الدور، و{لَكَانَ} ذلك {خَيْراً لَّهُم} في الدّنيا والآخرة، ولكنّ القليلين {مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ}، بينما ركبت الكثرة الكاثرة رؤوسها واختارت جانب الفسق والضلال {وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ}. ولا تزال الآية تفرض نفسها على الساحة لتدعوَ المسلمين إلى أن يرتفعوا إلى هذا المستوى من خلال انسجامهم مع خطّ الإيمان وقيامهم بهذا الدور... ولكنّ الواقع الإسلامي في أكثر نماذجه قد ابتعد عن ذلك بالسير مع الدعوات القومية والعنصرية والإقليمية، وغيرها من الاتجاهات المنحرفة عن خطّ الإسلام، ما جعل الفكرة المطروحة في الساحة هي رفض الإسلام كأساس للشخصية، وكنظام للحياة ومنطلق للحركة، والاكتفاء به كإطار للعبادات والأخلاقيات العامّة التي لا تُلامس الحياة إلاّ من بعيد. وبذلك فقدت الأُمّة دورها الرائد بابتعادها عن شخصيّتها الحقيقيّة وخطّها الأصيل. إنَّ الآية تؤكّد على جانب الخطّ إلى جانب الحركة؛ فلا قيمة للحركة بدون القاعدة؛ كما أنَّ القاعدة لا تمثّل مركز قوّة إذا لم تتحرّك في اتجاه تحريك الساحة من حولها على أساس المفاهيم الأساسية للفكر والعمل. **** 3 ـــ الإيمان والعمل الصالح أساس النجاح: {وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ*إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 ـــ 3]. **** معاني المفردات: {وَالْعَصْرِ}: قيل إنّ المراد بالعصر عصر النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهو عصر طلوع الإسلام على المجتمع البشري وظهور الحقّ على الباطل. وقيل: المراد به وقت العصر، وهو الطرف الأخير من النهار، لما فيه من الدلالة على التدبير الربّاني بإدبار النهار وإقبال اللّيل وذهاب سلطان الشمس. وقيل: المراد به صلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى التي هي أفضل الفرائض اليومية. ولكن هذا الوجوه لا تنطلق من أساس في اللّفظ، في ما يمكن أن يتخصَّص به المعنى ببعض خصوصيّاته التي تميّزه عن المعنى الآخر. والظاهر أنّ المراد به هو الدّهر، لأنّه المعنى الذي يتناسب مع المعنى الشمولي للإنسان الذي عاش مع الزّمن كلّه، وكان الزّمن يمثّل المسؤولية الشاملة في كلّ القضايا المتّصلة بالحياة كلّها؛ والله العالم. **** هذه السورة القصيرة في كلماتها، الكبيرة في معانيها، تلتفت إلى الزّمن كلّه الحاوي للإنسان كلّه، ليمنحه الفرصة الواسعة التي تدفعه إلى الفلاح في الدنيا والآخرة. ثمّ توجّه الإنسان إلى أنّ الخسارة سوف تحيط به من كلّ جانب، إذا لم يأخذ بأسباب الربح التي تؤكّد له حركة إنسانيّته في اتجاه بناء الحياة على الحقّ في عمق وحيه الفكري والعملي، في الانفتاح على الله في خطّ الإيمان والعمل الصالح، في ما يمكن للإنسان أن يأخذ به في حياته الفردية في ذاتيّة الروح الإيمانية، وفي خصوصية فكره وشعوره، وفي حركية الإيمان في خطّه العملي في ما يمثّله العمل الصالح، وفي التعمّق في المسؤولية الاجتماعية التي تلتقي عند الحقّ عندما يضعف تأثيره في الواقع بفعل التيّارات المتنوّعة التي تملك القوّة المادية، فتحيط بالحقّ لتضغط عليه بمختلف الضغوط وأقساها، لتضعف تأثيره في نفوس أصحابه، فيتواصون بالحفاظ عليه والالتزام به والإصرار عليه. وتلتقي عند كلّ أوضاع الحرمان ومواقع الآلام التي قد تدفع المؤمنين إلى السقوط تحت تأثير ذلك كلّه. وربّما ينفرد الطغاة بجماعةٍ هنا ليسلّطوا عليها كلّ العذاب، وبجماعةٍ هناك، ليطبقوا عليها بكلّ الحرمان، ليسقطوا بفعل الضعف الغريزيّ الإنسانيّ، فيتواصون بالصبر ليشدّ بعضهم بعضاً، ويقوّي بعضهم بعضاً، ليستمرّوا على الإيمان والعمل الصالح، فتستمرّ الحياة على الخطّ المستقيم. **** {وَالْعَصْرِ*إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ} لأنّ الأساس في مسألة الربح والخسارة أنّهما معادلتان خاضعتان لأسباب معيّنة، فمن لم يأخذ بأسباب الربح، التي ترتفع به إلى المستوى الأعلى، أو المستوى الجيّد في كلّ حسابات الحياة المنفتحة على القيمة الكبيرة في الجانب المعنوي في مصير الإنسان، فلا بدّ له من أن يقع في قبضة الخسران الذي يمثّل السقوط إلى هاوية الانحطاط إلى الدرك الأسفل. وهكذا يعيش الإنسان الخسارة إذا لم يلتزم بالعناصر الحيّة التي جعلها الله أساس الفلاح في الدنيا والآخرة. **** {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} وهذان هما العنصران اللّذان يمثّلان القيمتين الكبيرتين في الجانب الوجداني للإنسان في دائرة فكره وشعوره، وفي الجانب الحركيّ في دائرة حركته في الخطّ العمليّ من حياته. فالإيمان هو الحالة الفكرية المنطلقة من قناعات الإنسان في حقائق الكون، المنفتحة على الله من خلال حركة عقله الذي يتأمّل في أسرار الكون، ليكتشف الله من خلالها باعتبار أنّه خالق الكون ومدبّره، ويتأمّل في كيان الإنسان وحركته في الوجود، فيجد الله في كلّ خفقة من قلبه، وفي كلّ هزّةٍ من شعوره، وفي كلّ نبضة من حياته، وفي كلّ نعمةٍ داخليةٍ ممّا تختزنه ذاته، وفي كلّ نعمة خارجية ممّا تحيط بوجوده وتتحرّك فيه، وذلك باعتباره الخالق المنعم الذي لولاه لما كان الوجود ولما استمرّت حركة الإنسان فيه، أمّا العمل الصالح، فهو الإيمان المتجسّد بكلّ معانيه وإيحاءاته وخطواته في الواقع، لأنّه ليس مجرّد فكرةٍ في العقل، أو خفقةٍ في القلب، أو حركةٍ في الشعور، بل هو موقفٌ ينطلق من فكرة، وفعلٌ يتحرّك من إحساس، وحركةٌ تتجسّد في واقع. وبذلك، لا ينفصل العمل عن الإيمان، ولذلك يأخذ منه ملامحه ومعناه، فالإيمان بالله لا يتمثّل بكلّ عمل كيفما كان، بل يتمثّل بالعمل الصالح الذي يرضاه الله ويحبّه، ليكون مظهراً للإخلاص له تعالى، في العبادة وفي الموقف وفي الانتماء، لتكون الحياة كلّها لله في حركة الإنسان المؤمنة المسؤولة فيها. **** العمل الصالح تجسيدٌ للإيمان: وفي ضوء ذلك، فإنَّ الإنسان لا يعيش الاثنينيّة في الإيمان والعمل الصالح، بل يعيش الوحدة العميقة المتجسِّدة في معنى واحد، لأنّ الثاني نتيجةٌ للأوّل، بل هو تجسيدٌ له، فالإيمان بالله يوحي للإنسان بالشمولية التي تتّسع للكون كلّه، لأنّه خَلْقُ الله الذي تتمثّل فيه قدرته وحكمته وتدبيره، وهو ـــ بعد ذلك ـــ المسؤولية التي يحسّ بها بكلّ كيانه في إحساسه بعبوديّته لربّه، فيجد نفسه مسؤولاً عن أن يتعبَّد له في روحه وفي قلبه وفي عمله، فيعرف أنّ الخلق كلّهم عيال الله، فيعمل على أن يجعل حياته بركةً ومنفعةً وخدمةً لهم في كلّ أمورهم، ليحصل ـــ من خلال ذلك ـــ على أن ينال الدرجة العليا في محبّة الله له، لأنَّ أَحَبّهم إِليهِ أَنْفَعهم لِعِيالِه. ثمّ يلتقي الإيمان والعمل الصالح في وحدة القِيَم الروحية والأخلاقية على صعيد السلوك الفردي الذاتي والسلوك الجماعي، في ما يمكن أن يكون أساساً للتعاون على بناء الحياة على البرّ والتقوى والابتعاد بها عن الإثم والعدوان، في ما يرضاه الله للإنسان من الأعمال التي تقوم على أساس عناوين الرحمة والمحبّة والخير والصدق والأمانة والعفّة والسّخاء والتواضع، وغير ذلك، ممّا يحقّق للحياة توازنها، ويحلّق بالروح في آفاق الكمال، ويمنح الإنسانية صفاء الحقّ وإشراقة العدل وخطّ الاستقامة. إنّ هاتين الكلمتين تختصران الرسالات كلّها في ما انطلقت فيه من الدعوة إلى الإيمان بالله الواحد، والاستقامة على هذا الخطّ التوحيدي في الإخلاص لله بالعبادة والطاعة، والابتعاد عن الشّرك كلّه وعن الانحراف كلّه. وهكذا يستقيم الإنسان الفرد الفلاح الدنيوي، لأنّ الإيمان والعمل الصالح يمثّلان المصالح الحقيقيّة للإنسان في الدنيا، كما يستقيم له الفلاح الأخروي، لأنّهما يتحرّكان في الخطّ المستقيم الذي يؤدّي به إلى واقع رضى الله في آفاق طاعته. **** التواصي بالحقّ: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} وهذه هي الصفة الأولى التي تثبت الخطّ المستقيم في قيمة الفلاح الاجتماعي، عندما تهتزّ الأرض من تحت الحقّ، ويبدأ الزلزال النفسي والفكري والشعوري ليدفع الناس إلى التساقط أمام الأهواء الجامحة والزخارف الخادعة، والأفكار الضالّة، والعقائد المنحرفة، والسياسات الخائنة، لأنّ التهاويل المخيفة والأشباح المرعبة، والطرق الملتوية، والظلمات الدامسة، تطوّق الواقع كلّه، حتّى لا يكاد الإنسان يبصر طريقه، أو يتعرّف على ملامح الحقّ في دائرة الوضع. ويبقى كلّ فرد مع نفسه حائراً خائفاً متزلزلاً، وتتحوّل الجماعات إلى مِزَق متناثرة لا تركن إلى وحدةٍ في الفكر وفي الموقف. وهنا تأتي هذه القيمة الاجتماعية التي يتحرّك فيها المؤمنون العاملون بالصالحات للتواصي بالحقّ، ومن مواقع الإيمان والصلاح، للدعوة إلى الالتزام به، بعد أن عرفوا فيه المصلحة الحقيقيّة للإنسان، كما عرفوا فيه مواقع رضى الله، سواء كان الحقّ حقّاً في العقيدة، أو في الشريعة، أو في العلاقات، أو في المناهج، أو في السياسة، أو في الاقتصاد والاجتماع، أو في السِّلم والحرب، ونحو ذلك، حتى يثبت الناس على الفكر الحقّ، وعلى وعي الحقّ، وعلى الانفتاح على كلّ مواقعه على صعيد النظرية والتطبيق، ليبقى الالتزام به السّمة البارزة للمجتمع المؤمن، الذي يوحّد الفكر والموقف والنظرة إلى الأشياء على أساس الحقّ، فلا يعيش المؤمنون الانحراف عنه باسم الاستقامة، ولا يختلط عليهم الحقّ بالباطل، ولا يتحرّكون في خطّ الازدواجيّة الفكرية عندما تتحرّك الأفكار في خطّين متوازيين أو متناقضين، ممّا يؤدّي إلى ازدواجيّة الشخصية أو انفصامها. وهذا ما يقوّي أهل الحقّ في موقفهم، وفي إصرارهم على الثبات، وفي استمرارهم على الخطّ. **** التواصي بالصبر: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} والتواصي بالصبر، يمثّل العنصر الثاني للفلاح للمجتمع المسلم الذي يواجه الضغوط الصعبة التي تضغط على حريّته وعزّته وصلابته في موقعه، وذلك من خلال القوى الداخلية العاملة لمصلحة الكفر والاستكبار، والقوى الخارجية العاملة لاحتواء الأُمّة الإسلامية في دائرة مصالحها وتحويلها إلى أُمّة ضعيفة لا تملك أيّ موقع للثبات والتوازن في تأكيد شخصيّتها المستقلّة، لتكون مجرّد هامشٍ من هوامشها السياسية التي تحارب معها من أجل الحفاظ على مصالحها. وبذلك، تحاول كلّ هذه القوى أن تصادر كلّ وسائل القوّة وكلّ مواقعها، من أجل أن تمنع عملية صنع القوّة في خطط التكامل السياسي والثقافي والاقتصادي والأمني والعسكري، لأنّ المطلوب هو المنع من بناء القاعدة القوية الثابتة التي يرتكز عليها البناء الفوقي. وقد يكون من الطبيعيّ أن تشتدّ الضغوط، وتكثر المشاكل، وتهتزّ الأرض تحت أقدام العاملين في سبيل الدعوة إلى الله، والمجاهدين في سبيله، وتتعمّق الآلام، وتضعف النفوس، ويصاب المؤمنون بالزلزال النفسي الذي قد يتأثّر ـــ بشكلٍ سلبيّ ـــ بالزلزال السياسي والعسكري والاقتصادي، فتنطلق نقاط الضعف لتعمل عملها في إعداد المجتمع للسقوط تحت تأثير الروحية المنهارة في داخل عقلية الهزيمة. وهنا يأتي دور الصبر الذي هو من عزم الأمور، باعتبار أنّه يمثّل القوّة الداخلية التي تتمرَّد على قساوة الضغوط ومرارة الآلام وضراوة التحدّيات، فلا تصرخ ولا تهتزّ ولا تنهار، بل تبقى هادئةً واعيةً لكلّ ما حولها ومن حولها، مطمئنّةً إلى مواقفها، منطلقةً إلى أهدافها، عارفةً بأنّ هذه المعاناة هي جزءٌ من الثمن الذي يجب أن يدفعه الدُّعاة والمجاهدون في سبيل الله، وهي نوعٌ من البلاء الذي ينزله الله على عباده الصالحين، ليختبرهم، وليمتحنهم حتّى يؤكّد صدقهم في التجربة، وإخلاصهم في حركة المعاناة. ولن يكون ذلك إلاّ بالصبر الجميل الذي يشدّ أعصاب الإنسان ومشاعره إلى الثبات على الموقف. **** بالصبر نواجه حالات الاهتزاز: وإذا كانت المسألة مسألة الضعف الخفيّ أو البارز الذي يثيره الأعداء بوسائلهم الخاصّة في روحية الأُمّة، فلا بدّ من مواجهتهم بالوسائل الإيمانية التي تمنعهم من إيجاد حالة الاهتزاز في أفراد الأُمّة، وذلك بالتواصي بالصبر الذي يقدّم الوصية بالأسلوب العاطفي الذي يعالج المشاكل النفسية المعقّدة، وبالأسلوب الفكري الذي يحلّل الأمور المثارة بطريقة عقلانية، وبالدراسات السياسية والاجتماعية، وبالشعارات الإسلامية ـــ الروحية، أو السياسية، وبغير ذلك من الوسائل والأساليب والأفكار التي توحي بأنّ الصبر لا يمثّل موقف ضعفٍ بل موقف قوّة، كما أنّه لا يتمثّل بالموقف الخاسر، بل هو موقفٌ رابحٌ، لأنّ المشكلة في كثير من الأجواء النفسية، أنّها قد تتعقَّد وترتبك من خلال ارتباك المفاهيم، أو التطبيقات في داخلها، ممّا لا يكون التواصي بالصبر أمامها، مسألة بسيطةً، لأنّ حلّ التعقيدات النفسية أكثر صعوبة من حلّ التعقيدات الفكرية، ما يفرض على العاملين في هذا الاتجاه أن يكونوا واعين للمشكلة في داخلها، وفي ما حولها، أو في من حولها، ليستطيعوا الوصول إلى النتائج الحاسمة على هذا الصعيد. وهكذا تبقى هذه السورة برنامجاً عمليّاً للخطّ الذي يتحرّك فيه الفلاح للفرد والمجتمع في عدّة نقاط، تمثّل الدائرة الواسعة التي ينطلق فيها المؤمنون، هي الإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحقّ، والتواصي بالصبر. وقد يكون من المفروض للعاملين الحركيّين الإسلاميّين، أن يحوِّلوا هذه النقاط إلى برنامج حركيّ، تدخل فيه التفاصيل والمفردات التي تفتح للفرد المسلم وللمجتمع المسلم أكثر من نافذةٍ على قضايا الحياة التي تؤدّي بالإنسان إلى الفلاح في الدنيا والآخرة. **** 4 ـــ الإيمان الشكلي والإيمان الحقيقي: {الم*أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ*وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ*أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ*مَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ*وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ*وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 1 ـــ 7]. **** معاني المفردات: {أَحَسِبَ}: الحسبان: الظنّ. {يُفْتَنُونَ}: الفتنة: الامتحان، وقد تطلق على المصيبة والعذاب. {لِقَاء اللَّهِ}: المراد به: البعث، وقيل: ملاقاة جزاء الله من ثواب أو عقاب، وقيل غير ذلك. **** ليس الإيمان كلمةً ليقتصر دور الإنسان على التلفُّظ بها في التأكيد على صدق إيمانه، ولكنّه فكرٌ يتحرّك في عقل الإنسان، وعاطفةٌ تجيش في قلبه، وكلمةٌ تعبّر عن موقفه، وحركةٌ في الخطّ المستقيم الذي يربط بين البداية والنهاية في ما هو عمق الفكرة وامتدادها في الحياة، في كيانه ووجوده. وفي ضوء ذلك، لا بدّ من علاماتٍ واضحةٍ، تدلّ على كلّ هذه العناصر في ذاته، في ما هو الجانب الخفيّ من شخصية الإنسان، الذي لا يظهر إلاّ بالتجربة الحيّة المتنوّعة المتحرّكة على أكثر من صعيد، وفي أكثر من أُفقٍ، بحيث تعمل على أن تجرح داخله بالألم والمعاناة، وتهزّ مواقعه بالكثير من مواطن الاهتزاز، وتربك خطواته بالعديد من أوضاع التعقيد، وتثير انفعالاته في أكثر من موقعٍ مثير، ليكون ذلك كلّه امتحاناً للعمق الداخلي للإيمان في فكر الإنسان وحركته. **** تنوُّع التجارب: فهناك التجربة الفكرية، التي تثير أمامه الشبهات في خطّ العقيدة وتفاصيلها، وفي خطّ الشريعة ومفرداتها، وفي مناهج الحركة وأساليبها، في ما يفكّر به الآخرون من التيّارات الفكرية المضادّة والمنحرفة، وفي ما يرسمونه من علامات استفهامٍ، تحرّك الشكّ في الفكر، وتزرع الاهتزاز في القلب، وتحوّل الاطمئنان الداخلي إلى قلقٍ مجنونٍ، لتكون حركته ضائعة بين خطوط الكفر وخطوط الإيمان. وهناك التجربة العاطفية التي تقترب فيها الانفعالات من إيمانه، على مستوى الحالة النفسية التي تتحرّك من خلال النوازع الذاتية في علاقات الإنسان بأقربائه وأصدقائه ورغباته، ممّا قد ينحرف به الإنسان عن خطّ الاستقامة في العاطفة، فيحبّ من لا يحبّه الله، ويبغض من لا يبغضه الله. وهناك التجربة الواقعية التي تتحرّك فيها المصالح والأهواء والشهوات الذاتيّة، لتعبِّر عن نفسها في الضغط العملية التي تضغط على المواقف الرسالية وتنحرف بالكثير من المواقع الإيمانية عن الاتجاه الصحيح، وفي الاهتزازات الحركية التي تمنع الإنسان عن الثبات والتوازن والاستقامة في علاقاته وشؤونه وأوضاعه، وفي التخطيط المعقَّد الذي يخطّط للمشاريع العامّة والخاصّة في دائرة العُقَد النفسية المنطلقة من الارتباكات الداخلية والخارجية المحيطة به. وهكذا تتحرّك كلّ هذه التجارب في حياته، لتصنع له أكثر من عاصفةٍ تهزّ أوضاعه الإيمانية، فتزلزل عقيدته، وتضلّل مسيرته، وتبعده عن أهدافه.. ولتثير في حياته أكثر من عنصر من عناصر الإغراء التي تفتنه عن دينه، وتوجّهه إلى الخضوع للجانب الغريزيّ في حياته، ما يوحي بأنّ إيمانه من صنف الإيمان المستودَع الطارئ لا من صنف الإيمان العميق المستقرّ. أمّا إذا تمرّد على الخضوع لذلك كلّه، فاستقام في مواقع الانحراف، وثبت في مواضع الاهتزاز، واهتدى في الدروب الضائعة إلى مواقع الهدى، فإنّه يؤكّد صدق إيمانه، وقوّة موقفه، وسلامة خطّه. **** إنّ مسألة المؤمنين في مسؤولية الإيمان في حياتهم، هي مسألة السابحين ضدّ التيّار القويّ الجارف، فلا يثبت أمامه إلاّ الأقوياء الذين يملكون فنّ السباحة في الأمواج الهائجة التي تتلاعب بها التيّارات، ويتمتّعون بقوّة العضلات التي يستطيعون من خلالها أن يضربوا اندفاع التيّار، ويتلقّوا ضرباته، أمّا الضعفاء الذين تعوَّدوا السباحة في الماء الهادئة، في مجرى التيّار، واستراحوا لنقاط ضعفهم في شخصيّاتهم الخائفة وعضلاتهم الخائرة، فإنّهم سوف يسقطون في قلب الأمواج ليدفعهم التيّار إلى أعماق البحر. وهكذا يريد الله أن يقول للذين آمنوا بالكلمة وبالانتماء الشكلي للإسلام، إنّ الدخول في الإسلام ليس نزهةً ينتقل الإنسان في أجوائها في الأرض المعشبة الخضراء الزاهية بألوان الورود، وليس استرخاءً يرتاح فيه الإنسان للخُمول وللكسل ليعيش أحلام اليقظة البهيجة، أو ليغطّ ـــ من خلاله ـــ في نومٍ عميق، وليس هروباً من واقعٍ تزدحم فيه مشاكل الحياة، إلى واقع بعيدٍ عن المشاكل، بل هو حركةٌ في داخل المعاناة، ورحلةٌ طويلة إلى الله في الدروب الشائكة والمواقع الخطرة، حيث يتنقّل فيها بين العقبات والصعاب، في أعماق الوديان، وفي عورة الجبال في الليالي المظلمة، وفي الأيام القاتمة المليئة بالغيوم، ما يفرض على السائرين معها الكثير من الصبر على الآلام، والتمرّد على الحرمان، والاستمرار في السير على الطريق المستقيم، والتباعد عن الطفيليّات النفسية التي تستنزف روحية الإنسان المسلم فتبعده عن الآفاق الروحية في رحاب الله. وقد يلتقي الإنسان المسلم في ما يلتقي في طريقه إلى الله، القوى المهيمنة على الواقع كلّه، في دوائره الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تحاول أن تفرض سيطرتها على المسلمين جميعاً، وتدعوهم إلى الخضوع لمفاهيمها وللانسحاق تحت إرادتها، بحيث لا تبقى لهم أيّة إرادةٍ، وتزرع في نفوسهم مشاعر الخوف والقلق والضياع لتبدّد من داخلهم أيّ شعور بالأصالة الإسلامية كخطٍّ ثابت يحتوي الإنسان والحياة، ليعيشوا كهامشٍ جانبيٍّ على امتدادات الطريق للآخرين، وقد يسقط الكثيرون أمام ذلك، وقد يبقى البعض منهم متماسكاً متوازناً ثابت القدم، قويّ العزيمة، منفتح الروح، رحب الأُفق.. من خلال انفتاحه على الله سبحانه. وفي هذه الأجواء، لا بدّ من دخول الإيمان ساحة الامتحان، في مواقع فتنة الفكر والروح والجسد، ليظهر جوهره الأصيل في دائرة الثبات والاهتزاز في حركة الحقّ والباطل في الحياة. **** 5 ـــ المؤمن يبيع نفسه لله: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ*التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 111 ـــ 112]. **** معاني المفردات: {أَوْفَى بِعَهْدِهِ}: أكثر إتماماً له ومحافظة عليه. {السَّائِحُونَ}: الذين يسيحون في الأرض، أي يسافرون وينتقلون. وقيل: الصّائمون. **** كيف يواجه المؤمنون الموقف مع الله، في ما يملكونه من نفسٍ ومال؟ وهل للجنّة ثمنٌ عند الله، أو أنّ المسألة تنتهي بطريقةٍ مجانيّة؟ وما هو الثمن، وكيف تتمّ عملية المقايضة؟ هذه أسئلةٌ تتوالى في الفكر، وتجيب عنها الآيتان. **** المؤمن بائع والله يشتري: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} فهناك عملية بيع وشراء مع الله، فالمؤمن هو البائع الذي باعَ نفسه وماله لله، والله هو المشتري الذي جعل الجنّة عوضاً عن ذلك. وإذا كان الله يملك الإنسان في ماله ونفسه، فكيف نتصوّر مسألة البيع هذه؟ ويمكن الجواب عن ذلك بأنّ الله أراد الإيحاء للإنسان بأنّه يترك له الحريّة في ما يتصرّف به من ماله ونفسه، ليحدّد هو طبيعة تصرّفاته فيهما. ولمن يكون البيع، هل هو للمالك الأصلي الحقيقي، أو هو للمالكين الطارئين الذين لا يملكون شيئاً من نفسه وماله؟ وفي هذا الجوّ، يتمثّل إيمان الإنسان، في مدلوله العميق، بيعاً للمال والنفس، لله تعالى، وهذا ترجمة لمعنى العبودية الحقّ لله تعالى، هذا المعنى الذي يؤكّد معنى المملوكية المطلقة لله، حيث لا يملك العبد، في جنب الله، حريّة التصرّف في ماله ونفسه وكلّ ما تحت يديه في غير المجال الذي أراده الله منه، وهو خطّ الجهاد، وفي المقابل، فإنّ العبد سيفوز بالجنّة لقاء العبد ما يدفعه ثمناً لها. {يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ} ويجاهدون بالمال والروح {فَيَقْتُلُونَ} أعداء الله، {وَيُقْتَلُونَ} بأيديهم في معركة الكفر والإيمان. **** تشريع الجهاد ثابت في كلّ الرسالات: {وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً} ثابتاً لا يمكن التراجع عنه أو التردُّد فيه {فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ} فليست القضية وقفاً على أهل دين بعينه، أو جماعةٍ بعينها، أو مرحلة زمنيّة محدودةٍ، بل هي شاملة لكلّ الأديان والجماعات والأزمنة، فقد أنزل الله ذلك على موسى في التوراة، وعلى عيسى في الإنجيل، وعلى محمّد في القرآن، لتتحرّك خطّة الجهاد على مراحل يتّصل بعضها ببعض، ويقَوِّي بعضها بعضاً، ما يوحي بأنّ الجهاد هو شريعة الله في كلّ العصور وبرنامج الرسل في كلّ مراحل التاريخ. فالله يريد القوّة للحقّ الذي أنزله، ولا قوّة بدون جهادٍ، ولا جهاد بدون استعدادٍ للعطاء والتضحية. وبهذا نستطيع أن نعرف خطأ الفكرة التي تقول إنّ الجهاد فريضةٌ إسلامية في التشريع الإسلامي الذي انطلق في رسالة محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، لنخلص إلى الفكرة التي ترى فيه الفريضة الدينية في جميع الرسالات، فلا بدّ للمؤمن من أن يقدّم نفسه وماله لله. من أجل إعلاء كلمته، بالدعوة إلى دينه، والعمل في سبيله، والجهاد من أجل إقامته على أساسٍ ثابتٍ متين في كلّ أنحاء الأرض. **** المتاجرة مع الله رابحة: {وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ} عندما يعاهد عبده على الوفاء. {فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ} لأنّه التجارة التي لا خسارة فيها، بل هو الرّبح كلّه والغنم كلّه، وأيّ ربح أعظم من ربح المصير في الآخرة، وأيّ غنيمةٍ أعظم من الجنّة، وأيّ بيع أعظم من أن يبيع الإنسان نفسه لله؟! {وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} الذي يربح الإنسان فيه نفسه ليجد في النهاية أنّه يملك نفسه التي بذلها في سبيل الله، كما يملك عوضها وهو الجنّة. **** صفات المؤمنين الذين باعوا أنفسهم لله: ولكن مَن هم هؤلاء الذين باعوا أنفسهم لله، وما هي صفاتهم؟ {التَّائِبُونَ} الذين صدقوا الله التوبة بالندم والإخلاص والإصرار على الثبات وعدم العودة عنها إلى أيّ شيء يسخط الله {الْعَابِدُونَ} الذين عاشوا عبوديّتهم لله في أجواء العبادة الخالصة {الْحَامِدُونَ} الذي يحمدون الله على ما أولاهم من فضله ونعمه اعترافاً بآلائه {السَّائِحُونَ} الذين لا يتجمّدون في مواقعهم التي نشأوا فيها لتبقى آفاقهم ضيّقة في حدودهم المعيّنة، بل ينطلقون في رحاب الله، في آفاق الله، ليحصلوا على العلم من ينابيعه الأصيلة، وينفتحوا على الحياة في مجالاتها الرحبة، ويعيشوا مع الله في آفاقه الواسعة، في سياحةٍ مستمرّة تحمل معنى التجدّد والسموّ والانفتاح على أكثر من تجربة جديدة واسعة {الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ} حيث يعيشون العبودية لله، ركوعاً يجسّد الخضوع له في كلّ شيء، وسجوداً يمثّل الانسحاق أمام إرادته في كلّ مجال، {الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ} في ما يثيره الأمر بالمعروف من حمل مسؤولية الحياة من أجل إقامة الحقّ على ما يوحيه المعروف من خطّ الحقّ، {وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ} في ما يعنيه النهي عن المنكر من محاولةٍ جادّةٍ لحماية الحياة والإنسان من كلّ انحرافٍ وتدميرٍ وتخريب، في قِيَم الفرد والجماعة، في أجواء السياسة والفكر والاجتماع والاقتصاد وغير ذلك {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ} الذين يقفون حيث يريد الله أن يقفوا، ويتحرّكون حيث يريد الله منهم الحركة، فلا يتجاوزونها إلى غيرها، لأنّهم يخافون عقاب الله ويرجون ثوابه، {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} الذين تنتظرهم البشارة بالجنّة والرضوان من الله، من خلال إيمانهم به وعملهم الصالح وتواصيهم بالحقّ وتواصيهم بالصبر. **** 6 ـــ المسلم يعيش الطمأنينة: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ*الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد: 28 ـــ 29]. **** {الَّذِينَ آمَنُواْ} بالله، ووعوا حقيقة الإيمان، وعرفوا موقع الله من وجود الكون والإنسان، وسيطرته المطلقة على مقدّرات الأمور، فلا يوجد شيء إلاَّ من خلال إرادته، فإذا أراد شيئاً كان، وإذا لم يرد لم يكن، ولا يملك أحد أن يتدخّل في ما يريد أو في ما لا يريد، ومن خلال ذلك يشعر المؤمنون بالطمأنينة النفسية مع الله، من موقع الإيمان بقدرته ورحمته ورعايته وتدبيره، فلا مجال للشعور بالقلق والضياع والحيرة ونحوها من المشاعر النابعة من حالات الاهتزاز النفسي، أمام أحداث الحياة ومشاكلها، لأنّ الله هو الذي يتكفَّل بحلّ ذلك كلّه، على أساس القاعدة الصّلبة التي أقام عليها نظام الإنسان والحياة، وفتح له الآفاق التي يلجأ فيها إليه، ليرحمه ويلطف به، حتّى في قضاياه الجزئية، ووعده بالاستجابة له، إذا دعاه، في حدود مصلحته في دنياه وآخرته، وكلّ شيء عنده بمقدار. وهكذا يرجع المؤمنون إلى الله كلّما أصابهم حزنٌ، أو أحاطت بهم المشاكل، ويذكرونه بالتسبيح والدّعاء في حالةٍ من الخشوع والإيمان والانفتاح، {وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} فتسكن إلى رحمته، وتهفو إلى لطفه، وتستسلم لرعايته وتدبيره، وهذا ما نستوحيه ممّا حدّثنا الله به عن رسوله ليلة الهجرة في غار حراء {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا} [التوبة: 40]. فقد كانت ثقته بالله وبرحمته ورعايته، هي الأساس في هذه الطمأنينة التي هزمت الخوف والحزن معاً، بدلاً من أن تسقط مهزومةً أمامهما، وليس المراد بالذكر هنا ـــ كما يظهر ـــ الذكر بالكلمة، بل المراد به الذكر في المواقف، حيث يعيش الإنسان الشعور بحضور الله في داخله، فلا يغيب عنه، في أيّ موقف من مواقف الاهتزاز أمام تحدّيات الحياة ومشاكلها، فيتماسك ويتوازن ويقوى ويشتدّ ويثبت أمام الله، ليحسّ بالثقة بين يديه.. وذلك هو زاد المؤمن في الحياة، وتلك هي قيمة الإيمان الروحية، التي تجعله يختزن عناصر الثقة بالحياة من خلال الثقة بالله. {الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ} بما تعنيه الكلمة من الموقع الطيّب، وهو الجنّة التي وَعَدَ الله بها عباده المتّقين، {وَحُسْنُ مَآبٍ} يرجع إليه مصير الناس حيث يستريحون ويشعرون بالروح والراحة والرضا والطمأنينة والأمان في ظلّ رحمة الله ولطف عنايته واستحقاق مثوبته، وذلك هو الفوز العظيم. **** 7 ـــ الدور الحقيقي للمؤمن ونتائج ذلك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ*وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَّهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ*ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ*أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا*ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ*إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [محمّد: 7 ـــ 12]. **** معاني المفردات: {فَتَعْساً}: التعس: الانحطاط والعثار. {مَثْوًى}: منزل. **** ما هو دور المؤمن، وما هي مسؤوليّته تجاه الإيمان بالله؟ هل هو الاستسلام للجوّ العباديّ الروحيّ الذي يستسلم للّذّة الروحية في حالة السلم والاسترخاء الأمني، أم هو الاندفاع في خطّ مواجهة التحدّيات الصعبة التي تثيرها معركة الإيمان والكفر، ليقف بقوّة يستمدّها من روحه المرتبطة بالله، لأنّ الروح ليست مجرّد حالةٍ في المزاج، بل هي ـــ في العمق ـــ موقف متّصل بقوّة الله وعظمته؟ إنّ الآية الأولى تتحدّث عن نصرة الإنسان المؤمن لله، وذلك بنصرة دينه وأوليائه، ومواقع طاعته ورضاه، فذلك هو الموقف الحاسم الذي لا بدّ للمؤمن من أن يقفه في ساحة الصراع. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ} هل يحتاج الله إلى نصرة وهو ناصر المؤمنين؟ النصرة هنا ليست نصرة الذّات الإلهية التي هي فوق العالمين جميعاً، بل هي نصرة الموقف الذي يرتبط بالله في مواقع الرسالة، عندما يندفع المؤمنون ليواجهوا أعداء الله، ليكون الدين كلّه له. وبذلك يمدّكم الله بأسباب النصر بعين رعايته وعنايته {وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} فلا تهتزّ أمام تهاويل الرعب التي يحشدها الأعداء في وجوهكم، وزلزال الخوف الذي يثيرونه في أفكاركم وقلوبكم، ولن يفلح الكافرون الذين يخطّطون ويتحرّكون في ساحتكم. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَّهُمْ} فهم غارقون في وحول التعاسة التي تثقل أرواحهم، وضائعون في متاهات الخيبة والخذلان والخسرات التي تضيع فيها مواقفهم، وأيّة تعاسةٍ أشدّ من أن يتطلَّع الإنسان إلى مستقبله، فلا يرى إلاّ الفراغ القاتل والضياع الهائل، وينظر إلى مصيره، فلا يبصر إلاّ النار، ويلتفت في الأعالي، فلا يجد إلاّ غضب الله وسخطه والدعاء عليه بالتعاسة المطلقة في كلّ شيء؟ {وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ} لأنّها في طبيعتها في خطّ الضلال، لا علاقة لها برحمة الله في شيء، {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ} من قرآنه وشريعته ونهجه في تنظيم حياة الإنسان، لأنّه لا يّتفق مع مزاجهم الشهواني، ومع امتيازاتهم الذاتية أو الطبقيّة، ومع انفعالاتهم العصبيّة التي نشأوا عليها بفضل قِيَم الكفر والشّرك، حتى أصبحت من ذاتيّاتهم الشخصية المفتوحة على كلّ آفاق اللّذّات والأطماع والشهوات، والمنغلقة على كلّ دعوات الأديان والرسالات، {فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} وأبطلها، حتّى لم يبقَ منها أيّ شيء، ولم ينتج عن الجهد المبذول فيها أيّ ثواب يرجوه العاملون عادة من أعمالهم لا في الدنيا ولا في الآخرة، فتحوّلت إلى رمادٍ اشتدت به الريح في يومٍ عاصف لا يقدرون على شيءٍ ممّا كسبوا. وتلك هي القاعدة التي ترتكز عليها إنتاجية الأعمال الصالحة التي يقوم بها الناس في الدنيا، فإنّ كلّ عمل لا ينطلق من الإيمان الداخلي العميق بالله ويمتدّ إلى الواقع على هذا الأساس، لا يملك عمقاً في رضى الله ولا امتداداً في قضية المصير، فلا بدّ من أن ينفتح الإنسان على محبّة ما أنزله الله، ليتجذّر الحبّ في الوجدان، ويتجسّد حركةً في الواقع، ليكون عمله صالحاً منتجاً، وإلاّ كان الإحباط في العمل. **** الله مولى المؤمنين، والكافرون لا مولى لهم: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ} مسيرة فكرة وتأمُّل وملاحظة عميقة واعية تلاحق الحقيقة في الظواهر الإنسانية في ولادة المجتمعات وحركتها وهلاكها، {فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ} ممّن كفروا بالله ورسله ورسالاته، وتمرَّدوا على أوامره ونواهيه، {دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} أهلك كلّ ما يتعلّق بهم من أهلٍ ومالٍ وأولاد ومساكن، {وَلِلْكَافِرِينَ} الذين كفروا بالنبيّ {أَمْثَالُهَا} من العقوبة، بسبب كفرهم، لأنّه لا فرق في مسألة الكفر التي يستحقّ عليها الناس التدمير من الأوّل والآخر. {ذَلِكَ} الذي يرعى الله به المؤمنين من نصره، ويوقع بالكافرين من عذابه {بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا} يلطف بهم ويحنو عليهم ويرحمهم، ويتعهّدهم بالرعاية الدائمة التي تنفتح على كلّ قضاياهم في آلامهم وآمالهم، {وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ} لأنّهم ابتعدوا عن الله، ولم يكن لهم أولياء من دونه، لأنّ الولاية لله وحده، فلا ولاية لغيره في كلّ شيء. {إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} لما يفرضه الإيمان والعمل الصالح من نتائج طيّبة على مستوى المصير، ما يعوّض الكثير من ألوان الحرمان المادي الذي عانى منه المؤمنون في الدّنيا، بما فيها من طعام وشراب ولذّات وشهوات حسيّة في أجسادهم، {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ} بالحياة الدنيا في شهواتها ولذّاتها، {وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ} إشباعاً لجوع الغريزة الكامنة في أجسادهم، الباحثة عمّا يسدّ رمقها ويرضي شهوتها، دون أيّ هدفٍ آخر يتّصل برضوان الله في حركة المسؤولية، تماماً كما هي الأنعام التي تتمتّع وتأكل من غير هدفٍ معنوي، لتكون نهايتها الذبح، {وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} في نهاية المطاف، حيث تأكل النار أجسادهم ولذّاتهم وشهواتهم ولا يبقى منها شيء. **** 8 ـــ واقع المسلمين الممزَّق: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [آل عمران : 103]. **** معاني المفردات: {فَأَلَّفَ}: الإلف ـــ كما قال الراغب ـــ اجتماع مع التئام(1) {شَفَا}: طرف وحرف، وشفا الحفرة حرفها، ويضرب به المثل في القرب من الهلاك، لما كان بينهم من الحروب والمنازعات والصراعات المستمرّة الدامية. **** في هذه الآية يؤكّد القرآن الأساس الذي تنطلق منه الوحدة في أسلوب إيحائيٍّ يربط الهدف بالقاعدة، في مسار لا يترك مجالاً للانحراف أو الضلال... ثمَّ في توجيه المجتمع المؤمن إلى أن يدخل في عملية مقارنةٍ بين الماضي والحاضر، فقد كان الماضي يحمل في داخله الحقد والعداوة والبغضاء، بينما يتحرّك الحاضر على أساس المحبّة والإلفة والأخوّة.. وكان ذلك الواقع المظلم خاضعاً لممارسات تقف به على مشارف النار، فأنقذه الله منها برحمته في ما أنزله من وحي، وما أطلقه من مفاهيم، وما وجّهه من تعاليم. وقد ورد أنَّ "حبل الله" كناية عن كتاب الله الذي هو حبل ممدود من السّماء إلى الأرض، ما يجعل من الدعوة إلى الاستمساك به انطلاقة للاعتصام بالإسلام كأساس للوحدة بعيداً عن كلّ الجهات الأخرى من عائلية وإقليميّة وقوميّة. وفي ضوء ذلك، نعرف أنّ وحدة المجتمع في الإسلام ليست مطلباً فارغاً من المضمون، كما يفعله المندفعون مع الشعارات التي تلتقي مع أيّ مضمون، لأنَّ القضية تتّخذ لنفسها صفة الإطار الذي يعيش مع أيّة صورة، أمّا الإسلام فهو الإطار والصورة معاً، فلا مجال معه لأيّ طرح آخر خارج حدود إطاره الطبيعي. **** نعمة الإسلام: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً} فهو في مضمونه الشامل الذي يشمل الإسلام كلّه، في مضمون الكتاب وحركة القيادة في خططها العملية، يمثِّل العروة الوثقى التي لا انفصام لها ولا انقطاع، فلا بدَّ لكم من التمسّك به والارتباط به، واعتباره الخطّ الذي يتواصل به الجميع والرابط الذي يربط بين الأفراد الذين قد يختلفون في خصوصيّاتهم ومواقعهم، {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} ليقف كلّ واحدٍ منكم في ناحية بعيدة عن الناحية التي يقف فيها الآخر على أساس العصبية الذاتية أو العائلية أو القومية أو العرقية أو الوطنية أو الإقليميّة.. وغير ذلك ممّا يختلف عليه الناس في قضاياهم العامّة والخاصّة، فإنَّ التفرّق والاختلاف يؤدّيان إلى الضعف تارةً وإلى السقوط أخرى، وإلى الابتعاد عن الخطّ المستقيم ثالثة، {وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ} بالإسلام الذي هداكم إليه، وما كنتم لتهتدوا لولا أن هداكم الله، وجمعكم بعد فرقة ووحَّدكم بعد تمزّق، {إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء} لا تلتقون على موقف، ولا ترتكزون على قاعدةٍ، يحقد بعضكم على بعض، ويلعن بعضكم بعضاً {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ} بما أودعه في داخلها من الإسلام المنفتح على الله الذي يشيع الإلفة الروحية من خلال العقيدة الواحدة والشريعة الواحدة والخطّ الواحد والهدف الواحد، {فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} متراحمين، متناصحين، مجتمعين على أمرٍ واحدٍ، متحابين خاضعين لعنوان واحد، وهو الأخوّة في الله التي تفتح القلوب على بعضها البعض، وتزيل الحقد والعداوة والبغضاء. {وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ} أي: على حافة الهاوية التي تكاد أن تسقطكم في النار، من خلال الكفر الذي كنتم تقيمون عليه، وتتحرّكون في دائرته، وتختلفون فيما بينكم من خلال نوازعه وأوضاعه، {فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا} بالإسلام الذي فتح لكم أبواب الخير كلّه وأبواب رضوانه الذي ينتهي بكم إلى الجنّة ويُبعدكم عن النار، {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ} التي توضح لكم سبيل السلامة في الدنيا والآخرة، وموارد الهلاك، لتأخذوا تلك وتتركوا هذه {لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} إلى الحقّ والصواب، بالمعرفة الواضحة والحُجّة القويّة والمنهج القويم. **** من وحي "الاعتصام بحبل الله": وقد نستوحي من كلمة "الاعتصام بحبل الله" وإلحاقها بكلمة: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ}، أنّ من الضروري للمسلمين أن يتلمَّسوا الركائز التي ترتكز عليها الوحدة من خلال ما يلتقون عليه من مبادئ الإسلام ومفاهيمه العامّة، ليشعروا بالوحدة الفكرية والعملية التي تجمعهم، ويتركوا ما اختلفوا فيه من ذلك، فيرجعوا فيه إلى الله والرسول في ما أفاض فيه القرآن من أساليب وقواعد للحوار من أجل الوصول إلى الحقيقة، ويبتعدوا عن الاستغراق في خلافاتهم من مواقع العقدة الطائفية المشبعة بالحقد والضغينة ومختلف عوامل الإثارة.. فإنّ السير على هذا الخطّ ينطلق من الاعتصام بحبل الله، الذي يجمع ولا يفرّق. وقد يبدو للبعض أنّ مفهوم "الاعتصام بحبل الله" يفرض الالتقاء على المبادئ الأصيلة في الكتاب والسُنّة، فلا يشمل الحالات التي يشعر فيها كلّ فريق بأنّ الفريق الآخر لا يصدُر عن الحقيقة في عقيدته وفي علمه، ما يجعل الالتقاء به ـــ على هذا الصعيد ـــ التقاءً مع الانحراف والضلال.. ولكنّنا نحسب أنّ هذه الفكرة غير دقيقة، لأنَّ المفهوم من "الاعتصام بحبل الله" هو اعتبار الكتاب أساساً للوحدة في المبادئ المتّفق عليها، وفي أسلوب الوصول إلى الوفاق في المبادئ المختلف عليها، لأنّ الرجوع إلى الكتاب يعني الالتزام بقواعده وتشريعاته في طبيعة الفكرة وفي أسلوب الوصول إليها. وإنَّنا نعتقد أنّ السبب في ما وصل إليه المسلمون من تناحر واختلاف وتفرّق هو أنّهم انطلقوا من موقع العقد الذاتية التي تتحكَّم بأعصابهم وانفعالاتهم، ولم ينطلقوا في مواجهة خلافاتهم من موقع الحوار الإسلامي على هدي القرآن وطريقه. **** ما هو حبل الله؟ وقد اختلف المفسِّرون في المراد بــ "حبل الله" على أقوال: أحدها: إنّه القرآن، وثانيها: إنّه دين الله الإسلام، وثالثها: ما رواه أبان بن تغلب عن جعفر بن محمّد الصادق (عليه السلام) قال: نحن حبل الله(1). والأولى ـــ كما يقول صاحب مجمع البيان ـــ "حمله على الجميع، والذي يؤيّده ما رواه أبو سعيد الخدري عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، أنّه قال: أيُّها الناس، إنّي قد تركت فيكم حبلين إن أخذتم بهما لن تضلّوا بعدي أبداً، أحدهما أكبر من الآخر؛ كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ألاَ وإنّهما لن يفترقا حتّى يَرِدا عليَّ الحوض"(2). وقد يؤيّد هذا الوجه أنّ أهل البيت (عليهم السلام) قد قالوا في كثير من رواياتهم، إنّا إذا حدَّثنا حدّثنا بموافقة الكتاب، فلا تقبلوا علينا حديثاً إلاَّ ما وافَقَ كتاب الله، ما يعني أنَّ كلامهم ينطلق من خلال كتاب الله لفظاً ومضموناً، بحيث يكون التمسّك بهم من خلال الالتزام بكلامهم تمسُّكاً بكتاب الله تعالى. **** المقارنة الواعية بين الماضي والحاضر: ثمّ تنطلق الآية في تعميق الفكرة في داخلهم من خلال ربط المبدأ بالتجربة الحيّة في حركة الواقع، وذلك بالمقارنة بين الحياة التي كانوا يحيونها، حيث كانت علاقاتهم خاضعةً للعوامل الذاتية المنطلقة من المصالح والأنانيّات والنوازع الشرّيرة، التي يفقد الإنسان معها الحسّ العميق بالروابط الطاهرة التي تربطه بالآخرين، فتدفعه إلى رعايتهم والتفكير بهم والشعور بآلامهم ومشاكلهم والتعاون على مواجهة الواقع، وقد تؤدّي بالإنسان إلى أن يعيش روح العداوة والبغضاء تجاه إخوانه إذا اصطدمت مصالحه بمصالحهم أو مشاعره بمشاعرهم، ويتحرّك نحو التقاتل والتباغض.. وبين الحياة التي يعيشونها الآن، حيث بدأوا يشعرون بالرابطة الوثيقة التي تحكم علاقاتهم الروحيّة والاجتماعية من خلال العقيدة الواحدة والمصالح المشتركة والهدف الواحد والمسيرة الواحدة، فلم يعد الإنسان في ظلّ هذا الواقع فرداً مستقلاًّ يملك مصالح خاصّة تتّصل بأنانيّته، بل تحوّل إلى جزءٍ من أُمّة تتشابك قضاياها ومصالحها في قضية واحدة، وتعيش فيها المشاعر في وحدة شعورية رائعة. وهذا ما عبّرت عنه الآية بقوله تعالى: {فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ}، فإنَّ هذا التأليف بين القلوب لم ينطلق من حالةٍ طارئة ساذجة في حساب العواطف، ولم يخضع لمعجزة إلهية خارجة عن النواميس الطبيعيّة للعلاقات؛ بل انطلق من القاعدة الفكرية الروحية الجديدة المرتكزة على أساس فكر الإسلام وروحه، وتلك هي القاعدة الأساسية التي تبني للمجتمع شخصيّته الاجتماعية المتكاملة على صعيد العلاقات العامّة والخاصّة. إنّ الآية تدعوهم إلى الدخول في عملية المقارنة الواعية بين علاقات الماضي والحاضر، ليعرفوا النتائج الإيجابية والسلبية، ليعمِّقوا الإيجابيات التي تفرضها العلاقات الجديدة، ويخفّفوا السلبيات المتحرّكة في حياتهم من خلال علاقات الماضي، ليكونوا على وعيٍ كامل عميق لكلّ الأساليب التي يُراد منها إثارة النوازع والعصبيّات القديمة من خلال الرواسب الكامنة في الأعماق، ممّا قد يُعيد للماضي في نفوسهم ضراوته وشدّته. فإنَّ وعي الأُمّة للواقع من خلال المبادئ العامّة يمنح التحرّك في نطاق العلاقات قوّة كبيرة وامتداداً عميقاً نحو الهدف الكبير الشامل.. وهذا ما أراد الله للأُمّة أن تعيَه جيّداً، لتفهم أنّ الحالة الماضية كانت تضع المجتمع على حافّة الهاوية التي تشتعل وتتأجَّج بالنار التي تحرقهم في الدنيا والآخرة، وأنّ المسيرة الجديدة في خطّة العقيدة الجديدة تعتبر عملية إنقاذ من ذلك كلّه، ليعيش الناس روحيّة الجنّة في علاقاتهم ومصيرهم.. وتختم الآية الحديث بالإشارة إلى أنَّ هذه هي آيات الله التي يريد منها أن يضع للأُمّة العلامات الواضحة البيّنة على مفارق الطريق في مسيرة الحقّ أو الباطل، لتكون الهدى للنّاس عندما تضيع الخطوط أمام الرّمال المتحرّكة التي تخفي عن الناس معالم الطريق، ويريد للنّاس أن يجدوا الهدى في خطواتهم العملية التي تحوّل الفكرة إلى موقف، وتركّز الموقف على أساس التقوى والإيمان. إنَّ الآية تعود إلى الحديث عن الاعتصام بالله، ولكن بأسلوب آخر، وهو الاعتصام بحبل الله، لأنّ القضية التي تعالجها هذه الآية ليست قضية المسلم الفرد في ما يلتزم به ويحقّق له سلامة المصير الفردي، كما هو الحال في الآية السابقة، ولكنّها قضية المسلمين في حياتهم الاجتماعية، في وحدتهم وتضامنهم على الخطّ الواحد؛ ولهذا كان الحديث ينطلق في ما تتمثّل به هذه الوحدة التي يرتبط بها الجميع، أو يُراد للجميع أن يعيشوا روح الارتباط بها من ناحية عملية لا من ناحية فكريّة مجرّدة، لأنّ الاقتصار على الجانب الفكري الذاتي لا يوحي بوحدة الحركة أو الموقف في كثير من الحالات، بل يبقى مجرّد حالة فكريّة توحي بالتعاطف والتلاقي في مجال الحوار والتأمُّل، ولذلك كان لا بدّ من أن يتحوّل الفكر إلى ممارسة ومعاناة وحركةٍ تعيش في ساحة الواقع، وتتدخّل في المشاعر والعلاقات والانتماءات والحركة.. حتّى يشعر الجميع بأنَّ حياتهم تخضع للفكر في حالة اليقظة والنوم، والحرب والسلم، وفي الحياة الفرديّة والاجتماعيّة والسياسيّة، فلا ينفصل جانب عن جانب، كما لا يبتعد إنسان عن آخر في مصالحه ومشاكله وآماله وآلامه، فليست هناك مصلحة قومية لبعض المسلمين تصطدم بمصلحة قومية أخرى، وليست هناك مشكلة لبعضهم تصطدم بمشكلة خاصّة للبعض الآخر، بل لا بدّ من أن تكون الخطّة متكاملة في النطاق الإسلامي الشامل الذي يرتفع عن الخصوصيّة إلى التعميم، ويُعالج الخصوصية بروح الشمول؛ ولهذا كان التعبير بـــ "حبل الله" الذي يمثّل التجسيد الحيّ للخطّ الواحد الذي يتمسّك به كلّ الذين يخافون من الوقوع في الهاوية. وقد أكّد الفكرة بكلمة {وَلاَ تَفَرَّقُواْ} التي هي الوجه السلبي للتعبير عن الفكرة الإيجابية للوحدة. **** الآية وواقع المسلمين الممزّق: وربّما نستوحي من هذه الآية في واقعنا الإسلامي، الفكرة التي تدفع المسلمين إلى دراسة الواقع الممزّق الذليل الذي يجعلهم فِرَقاً متباعدة متشاحنة خاضعة لقوى الكفر والطغيان في أوضاعها الفكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة.. حتّى تحوّلوا إلى لعبةٍ بيد تلك القوى في صراعاتها مع بعضها البعض، وفي تخطيطاتها لأساليب السيطرة على ثرواتها ومواردها، ما يحوّل البلاد الإسلامية إلى سوق استهلاكية لمنتوجاتها. ومن هنا تأتي الدعوة إلى الوقوف ضدّ أيّة نزعةٍ استقلالية في المجال السياسي أو الاقتصادي، بل في كلّ المجالات الأخرى.. وقد يتّجه التخطيط إلى إثارة المشاكل الطائفية والسياسية بين المسلمين من أجل استنزاف طاقاتهم وتعطيل فعاليّتهم بغية إبقاء السيطرة كاملةً عليهم من خلال حاجتهم إلى الاستعانة بهذه الجهة أو تلك في التغلّب على بعضهم البعض. ربّما يحتاج المسلمون إلى وقفة تأمُّل أمام هذا الواقع كلّه، ليفكّروا في حبل الله الذي يجب أن يعتصموا به ويرجعوا إليه في هذه الفوضى الفكرية والسياسية التي يعيشون فيها، ليعرفوا مواطن الوفاق فيلتقوا عليها، ويكتشفوا عناصر الخلاف فيتفاهموا عليها، ويتفهَّموا طبيعة الساحة التي يدور حولها الصراع من خلال الظروف الموضوعية المحيطة بها، ونوعية القوى الطاغية الكافرة المتحرّكة فيها وعلاقتها بتفجير الواقع الإسلامي من الداخل ضدَّ المصالح الحقيقية للإسلام والمسلمين.. فقد يجد المسلمون في ذلك كلّه سبيلاً للقاء على أساس الاعتصام بحبل الله، وقد يقف الواعون منهم وقفة مقارنةٍ بين ماضي الإسلام وحاضره، ولكن بطريقة معكوسة، لأنَّ الآية تدفع إلى الإصرار على الإخلاص للواقع الحاضر على أساس دراسة تجربة الماضي، بينما يفرض علينا الواقع أن نتخلّص من واقعنا السيّئ على أساس التجربة التي عاشها الإسلام في الماضي.. إنَّ الاعتصام بحبل الله يمثِّل القاعدة الصلبة التي يمكن للمسلمين أن يستندوا إليها من أجل توحيد المسيرة وتوحيد الهدف في نطاق توحيد الأُمّة، وذلك في ظلّ التخطيط الواعي الذي يتجاوز السلبيات إلى الإيجابيات، ويقف مع السلبيات وقفة فكر لا وقفة عاطفة، ويعتبر أنَّ وضوح الرؤية لدى أيّة جهة لا يعني وضوحها لدى الآخرين، ما يستدعي مزيداً من الصبر والتحمّل في سبيل الوصول إلى وحدة الرؤية للأشياء وللمواقف في اتّجاه وحدة الهدف الكبير، وذلك هو ما يبعدنا عن متاهات النظريات والتحليلات التي يثيرها الآخرون في أجواء غير إسلامية ممّا استحدثوه واستنتجوه من تجارب ذاتية، أو أهواء منحرفة.. ففي القرآن الكثير الكثير ممّا نستطيع أن نتعلَّمه ونعمل به، وفيه الكثير ممّا يمكن أن يحلّ لنا مشاكلنا الفكرية والعملية إذا أَحْسَنَّا النظرة والأسلوب في كيفية التعامل مع الأشياء من خلال الأجواء القرآنية الواقعية. **** 9 ـــ المؤمنون إخوة والإصلاح بينهم واجب: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ*إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9 ـــ 10]. **** معاني المفردات: {بَغَتْ}: البغي: الظلم والتعدّي بغير حقّ. {تَفِيءَ}: ترجع. {وَأَقْسِطُوا}: اعدلوا. **** للمجتمع الإسلامي أخلاقيات تحكم علاقات الناس فيه، هدفها المحافظة على وحدته وسلامته، ومنها الإصلاح في ما يتنازع فيه الناس ويتقاتلون عليه، والوقوف ضدّ الباغي عندما يتمرّد البعض فيه على الآخرين، والحكم بينهم بالعدل في مجال الصلح والحسم، واعتبار الأُخوَّة علاقة أساسية بين المؤمنين، بحيث يتحمّلون مسؤولية الإصلاح على خطّ التقوى الذي يشمل كلّ أوضاعهم وعلاقاتهم. {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا} كما يفعل الناس عادة جرّاء خلافهم حول القضايا الخاصّة أو قضايا المال أو الرأي أو العرض أو العصبية أو نحو ذلك، عندما يدخل الشيطان بينهم ويثير العداوة والبغضاء ويؤدّي بهم ذلك إلى حمل السلاح ضدّ بعضهم البعض، {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} بالوسائل التي تملكون تحريكها في جمع الشمل ولمّ الشعث وتأليف القلوب وتقريب المواقف، أو توحيدها، وقد وضع الإسلام الإصلاح بين المؤمنين في مرتبة عليا تتقدّم على المستحبّ من الصلاة والصيام، وقد بلغ الاهتمام به حدّاً كبيراً، بحيث أجاز للمصلحين الكذب إذا توقّف الإصلاح عليه. {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى} وامتدّت بالعدوان، فلم تقبل بالصلح، ولم ترجع إلى ما تملكه من مواقع الحقّ {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} من الوقوف عند الحقّ أو القبول بالصلح، لأنّ إبقاء الأمور معلّقة في المجتمع، وعدم اللّجوء إلى ما يلغي الخلافات من موقف حاسم تتّخذه القوّة الاجتماعية على مستوى القيادة أو القاعدة، قد يهدِّم قواعد المجتمع، ويدفع به إلى الانهيار، ويجعل الإسلام في موقع الخطر، وهذا ما جعل الأمر بالقتال موجّهاً إلى أفراد المجتمع كلّه على نحو الوجوب الكفائي الذي إذا قام به البعض سقط عن الكلّ، وإذا تركوه أَثِموا جميعاً. {فَإِن فَاءتْ} ورجعت الطائفة المعتدية إلى أمر الله، {فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ} وذلك بالرجوع إلى الأحكام الشرعية المجعولة في موارد الخلاف {وَأَقْسِطُوا} بينهما ليأخذ كلّ فريق منهما ما يملكه من حقّ، أو ما يفرضه الصلح في ما يتراضيان به، {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} الذين يعملون على أساس تحقيق التوازن بين أفراد المجتمع، وإرجاع القضايا إلى نصابها الطبيعي، وإعطاء كلّ شخصٍ ما يستحقّه، لأنّ ذلك هو ما يجعل الناس خاضعين لأوامر الله ونواهيه، وهو ما يمنحهم محبّته ورضوانه ويقرّبهم إليه. **** {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} فقد جعل الله الإيمان من أُسس الأُخوّة، تدخل في إطاره الحقوق التي فَرَضَها للأخ على أخيه، فإنّ الإيمان لحمةٌ كلحمة النسب، وقد كثرت الأحاديث التي تؤكّد على أنّ "المؤمن أخو المؤمن عينه ودليله، لا يخونه ولا يظلمه ولا يغشّه، ولا يَعِدُه عِدَةً فيخلفه"(1)، وأنّ "المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يغشّه ولا يخذله ولا يغتابه ولا يخونه ولا يحرمه"(2). والمراد بالمؤمن في كلّ موارد القرآن، المسلم الذي عاش الإيمان عقيدةً في قلبه والتزم بالإسلام في حياته، ما يجعل الوحدة بين المسلمين تترسَّخ عبر الأخوّة الإسلامية الإيمانية التي جعلها الله قاعدةً للعلاقة فيما بينهم. وإذا كان المؤمنون إخوة، فإنّ النداء الإلهي يتوجّه إليهم جميعاً ليصلحوا {فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} باعتبار أنّ الإصلاح من حقوق المؤمنين على بعضهم البعض، ومسؤوليّتكم في الحياة الاجتماعية الإسلامية، التي يعتبر الجميع معنيّين بتوازنها وتماسكها واستقامتها في خطّ الصلاح والإصلاح والوحدة، {وَاتَّقُوا اللَّهَ} في كلّ أموركم وعلى مستوى العلاقات كي لا تختلفوا بالباطل، وفي خلافاتكم لتحلُّوها على قاعدة التقوى المرتكزة على شريعة الله في ما جعله الله من الحقوق في الحياة العامّة والخاصّة للنّاس، {لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} لأنّ الله جعل رحمته للمتّقين والملتزمين بالسير على خطّ رضاه، ولمن يلتزمون شريعته في أوضاعهم الفردية والاجتماعية، لأنّ ذلك سبيل الوصول إلى النتائج الإيجابية على مستوى السلامة العامة للحياة، الأمر الذي يربط الناس بالإسلام من خلال الرحمة الإلهية في شريعته، واللّطف الإلهي في رحمته ورضوانه. **** الامتداد الزمني للإنسان القوانين الإلهية تحكم المسيرة الإنسانية ـــ الصراع بين الحقّ والباطل من سنن الله في المجتمعات ـــ تكذيب الأنبياء ظاهرة تاريخيّة ـــ الاستكبار وسنن التاريخ ـــ العبرة من أخبار الماضين ـــ الاستغراق في التاريخ القديم ـــ مسؤولية السنّة الحسنة والسيّئة. 1 ـــ القوانين الإلهية تحكم المسيرة الإنسانية: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ} [آل عمران: 26 ـــ 27]. ***** معاني المفردات: {وَتَنزِعُ}: النزع قلع الشيء من الشيء. {وَتُولِجُ}: الإيلاج، الإدخال، والوليجة، بطانة الرجل، لأنّه يطلعه على دخلةِ أمره. ***** في هاتين الآيتين تقريرٌ لحقيقةٍ كونيةٍ إلهيّةٍ تدخل في صلب النظام الكوني للأشياء، للإيحاء للعاملين من أجل تغيير الواقع الفاسد بأنّ إرادة التغيير عندما تتحرّك في اتجاه الواقع العملي، فإنّها ستلتقي بالنتائج الحاسمة في نهاية المطاف إنْ عاجلاً أو آجلاً، لأنّ الله قد خلق الحياة في مظاهرها الكونية، سواءٌ في ذلك الظواهر الكونية، كما في الليل والنهار، أو الحياة والموت، أو الظواهر الإنسانية الاجتماعية، كالملك والعزّ والذلّ، أو الظواهر الحياتية في حركة الحياة، كالرزق، وجعلها خاضعةً لسنّة التغيير من خلال الأسباب الطبيعيّة التي زوّد بها الكون، فجعل بعضها خاضعاً لإرادة الإنسان في نطاق الظروف الموضوعية المحيطة به وبالأشياء، بينما ظلّ بعضها خاضعاً للأسباب الطبيعيّة المودعة في الكون الواسع. وإذا كانت القضية سائرة في هذا الاتجاه، فلا بدّ من التطلُّع إلى المستقبل من قاعدة خضوعه لهذه السنّة التي تجعله قابلاً للتغيير والتبديل، كما تدفع الإنسان إلى تحريك هذه السنَّة بتحريك إرادته نحو ذلك. وهذا ما نستوحيه من هذه الآية في خطواتنا العملية نحو تغيير الحياة على أساس شريعة الله، وهذا ما استوحاه المفسّرون في نزول هذه الآية في أجواء المعارك الإسلامية التي كانت تستشرف المستقبل الذي تنطلق فيه الدعوة الإسلامية قويّةً فاتحةً حاكمةً للأرض في ما يصل إليه الفاتحون الداعون إلى الله بالحكمة والموعظة الحَسَنة في نطاق القوّة الرحيمة الحكيمة العادلة الواعية. **** جعل الله للواقع الاجتماعي والسياسي والاقتصادي قوانين تحكمه في مسيرته، وجعل لإرادة الإنسان الدور الكبير في حركة الواقع، وذلك في ما قاله الله سبحانه في القرآن الكريم: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11]، فإذا كان هناك حكمٌ عادلٌ، فإنّه يكون منطلقاً من الظروف الموضوعية المتحرّكة في حياة الناس وإراداتهم، وإذا كان هناك حكم ظالم، فإنّه يكون راجعاً إلى الأسلوب والاتجاه نفسيهما. وهكذا الحال في تغيّر الأمور في الجوانب العامّة والخاصّة في قضايا الفرد والمجتمع. وقد وردت الإشارة إلى ذلك في الحديث المعروف: "كما تكونون يُوَلَّى عليكم..." أو الحديث الآخر: "لتأمرن بالمعروف، ولتنهنّ عن المنكر، أو ليسلّطن الله شراركم على خياركم، فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم"(1). والحديث الآخر: "مَنْ عَذَرَ ظالماً بظلمه سلَّط الله عليه مَن يظلمه، وإنْ دعا لم يستجب له ولم يأجره الله على ظلامته"(2). وهكذا نلتقي بالآيات الكريمة التي تقول: {وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ} [النحل : 112] {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم : 41]، فإنّ الأحاديث المتقدّمة لا تعني أنّ الله يولّي على الناس أمثالهم، أو يسلّط عليهم شرارهم، أو يسلّط على الإنسان من يظلمه بالمعنى المباشر للكلمة التي توحي بأنّ ذلك يمثّل جانب الجزاء أو العقوبة، بل تعني أنّ كثيراً من النتائج تأتي تلقائياً عند حصول مقدّماتها، فإذا كان المجتمع شرّيراً، فإنّه ينتج الحاكم الشرّير، لأنّ الحاكم نتاج مجتمعه في الغالب، كما أنّ ترك المنكر دون ردع سينتهي بالنتيجة إلى امتداد المنكر وقوّة فاعليه الأشرار وضعف الخيّرين الذين يستريحون في حياتهم للدّعة والطمأنينة وحبّ الراحة، من دون أن يعملوا على صنع القوّة الخيّرة وإضعاف القوّة الشريرة. وبذلك يكون تسلّط الأشرار نتيجةً حتمية لذلك. أمّا هؤلاء الذين يعذرون الظالم بظلمه، فإنّهم يسمحون للظلم بالامتداد من خلال إيجاد المبرّرات له. وهكذا يتحوّل الظلم إلى قوّة ترتدّ على المشجّعين لها، وهذا ما نستوحيه من الآيتين اللّتين تحدّثنا عن الأوضاع القلقة للحياة في واقع الناس الفاسد من الخوف والجوع والفساد، كنتيجة طبيعيّة لأعمال الناس. في هذا الجوّ، يمكننا أن نقول أنّ الأشياء كلّها ترجع إلى الله، لأنّه الذي خلق السبب وربط بينه وبين المسبّب، ولكنّه ترك للإنسان فرصة المباشرة بإيجاد السبب، فلولا أنّه خلق الإنسان وخلق معه الإرادة، لما كانت هناك معصية ولا طاعة، ولولا أنّه خلق العلاقة بين الإرادة المحاطة بظروفها العادية وبين الفعل المراد، لما تحقّق الفعل، ولكنّ ذلك كلّه لا يمنع من نسبة الفعل إلى الإنسان الذي يملك أن يريد أو لا يريد، فيصنع المأساة، أو يصنع الفرح، وبهذا الأسلوب يؤتي الله المُلْك مَن يشاء وينزع الملك ممّن يشاء، من خلال الظروف السلبية والإيجابية الاختيارية وغير الاختيارية من دون أن يعني ذلك موافقةً على نتائج هذا أو ذاك في ما إذا كانت النتائج بعيدةً عن خطّ الخير. وهكذا إذا تحدّثنا عن العزّ والذلّ، فإنّ الله يذلّ من يذلّ نفسه ويعزّ من يعزّ نفسه بطريقةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرة. ويظلّ الإنسان هو الذي يصنع مصيره من خلال حسن اختياره للأسباب وسوء اختياره لها، سواء في ذلك الإنسان ـــ الفرد في القضايا المتّصلة بالمصير الفردي، أو الإنسان ـــ المجتمع في القضايا المرتبطة بالمصير الجماعي، وبعد ذلك، لا معنى للسؤال كيف يؤتي الله الظالم الملك، وكيف ينزع الملك من العادل، فإنّ القضية واقعة في نطاق إرادة الله من خلال طبيعة الربط بين النتائج والمقدّمات، ولكنّها تنطلق في خطّ إرادة الإنسان من خلال ممارسته للمقدّمات التي توصل إلى تلك النتائج. وقد جاءت الأحاديث المأثورة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في موضوع العزّ والذلّ في مدلولهما الروحي والمادي ورجوعهما إلى سوء اختيار الإنسان وحسن اختياره. فقد ورد في بعض الكلمات المأثورة، "مَن أراد عزّاً بلا عشيرة، وغنى بلا مال، وهيبةً بلا سلطان، فلينتقل من ذلّ معصية الله إلى عزّ طاعته..."(1). وفي بعض الأحاديث عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، أنَّ الله فوَّض إلى المؤمن أموره كلّها ولم يفوِّض إليه أن يذلّ نفسه، قيل: وكيف يذلّ نفسه؟ قال: يتعرَّض لما لا يطيق، أو يدخل في ما يعتذر منه. وجاء في الكلمات القصار في نهج البلاغة: "الطامع في وثاق الذلّ"(2). **** 2 ـــ الصراع بين الحقّ والباطل من سنن الله في المجتمعات: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ*وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ} [الأنعام: 112 ـــ 113]. **** معاني المفردات: {جَعَلْنَا}: حكمنا حكماً تكوينياً بحسب سنن الصراع وقوانين التغيير، وليس فعلاً تشريعيّاً. {زُخْرُفَ الْقَوْلِ}: القول المموّه، المزيّن الذي يستحسن ظاهره ولا حقيقة له ولا أصل، والكلمات الحلوة المعسولة المزوّقة التي تنفذ إلى القلب في أعمق مشاعره لتحرّك نوازع الشرّ فيه. {غُرُوراً}: لأجل الغرور والخداع الذي يجعل الإنسان يسعى من أجل هلاكه، وهو يظنّ أنّ فيه خيره وصلاحه. {وَلِتَصْغَى}: الصغو: الميل. {وَلِيَقْتَرِفُواْ}: الاقتراف: اكتساب الإثم. **** جاءت الآية الأولى لتتحدّث عن هذه السلسلة التاريخيّة الطويلة من أعداد الرُّسل والرسالات، فقد أشارت إلى رسول الله في ما واجهه من مظاهر العداوة من جحود وكفر ونكران، ومحاولة لإضلال المؤمنين به، وبيَّنت له أنّ المسألة لا تختصّ به، بل تشمل كلّ الأنبياء من قبله، لأنّها سنّة الله التي أودعها في نظام المجتمعات وحركتها. {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ} فهناك الذين ينسجمون مع الخطّ الرساليّ، وينفتحون على جميع معانيه ومفاهيمه، وهناك الذين يتنكّرون له ويتمرّدون عليه ما يجعلهم معقّدين أمامه، ليتحوّل ـــ بعد ذلك ـــ إلى عقدةٍ ضدّ صاحب الخطّ ورسوله، سواءٌ في ذلك شياطين الإنس الذين يعملون في السرّ والعلن من أجل التخطيط للقضاء على الرسول والرسالة، أو شياطين الجنّ الذين يتبعون سبيل الوسوسة في إبعاد الإنسان عن الحقّ والعدل، وتزيين الباطل له، وتشويه القِيَم الروحية والأخلاقية في الحياة، وإثارة الشهوات من أجل تحريك كلّ نقاط الضعف فيه. ويتلاقى هؤلاء الشياطين في اجتماعات صغيرةٍ أو كبيرةٍ، مغلقةٍ أو مفتوحةٍ، ليتحدَّثوا فيما بينهم في أقرب الوسائل للضغط على الرسول، وفي أفضل الكلمات التي تحرِّك النوازع الخبيثة التي تمنع الإنسان من الانفتاح على الله، وفي أكثر الأساليب خداعاً وتغريراً. {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} في عملية إيحاءٍ بالشرّ والضلال في أجواءٍ حميمة محبّبةٍ إلى النفس، وفي كلماتٍ حلوةً تنفذ إلى القلب في أعمق مشاعره وأدقّ نبضاته، وهكذا يبدأ الضلال في عقول الناس، كلماتٍ حلوةٍ، وأساليب جميلة، وأجواء حالمة، وشهوات محمومة، ممّا تزيّنه الشياطين وتثيره وتحرّكه في حياة الناس البسطاء الطيّبين الساذجين الذين لا يعرفون فنون الحيل وأساليب الخداع، بل يقبلون على كلّ ما يسمعونه بالطيبة التي توحي بالثقة، وبالطهارة التي تقود إلى الاستسلام. حتّى إذا اكتشفوا وجه الحيلة في نهاية المطاف، أصابتهم الدهشة، وأثارهم العجب، وتساءلوا: كيف يمكن أن يوجد في الكون مثل هؤلاء الناس الذين يخدعون عباد الله ولا يخافون الله في ما يقولون وفي ما يفعلون، وفي ما يدبّرون من مكائد ومصائد؟ وقد كان للأنبياء أعداءٌ لا يعرفون من الحيلة إلاّ الأساليب الخفيّة التي سرعان ما تنكشف للنّاس، فيبطل مفعولها من خلال ذلك، كما تحدّث لنا القرآن عن صاحب إبراهيم (عليه السلام) عندما قال ـــ على ملأٍ من قومه ـــ جواباً لإبراهيم (عليه السلام) الذي قال: {رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِـي} قال: {أَنَا أُحْيِـي وَأُمِيتُ} كأسلوبٍ من أساليب تضليل البسطاء من الناس الذين يرون أنّ أمر الحياة والموت بيد الملوك الذين يستطيعون أن يهبوا الحياة للمجرم فيرفعوا عنه القتل، وأن يسلبوا منه الحياة ليحكموا عليه بالموت. {قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258]. وهكذا رأينا كيف كانت أساليب فرعون الظاهرة والخفيّة، في الكيد لموسى (عليه السلام). وتتوالى الأحداث مع الأنبياء. ويكون الحلّ الأخير لأعدائهم هو القوّة التي قد تنجح أحياناً، وقد تفشل في كثيرٍ من الحالات عندما تتدخّل القوّة الغيبيّة لتنقذ النبيّ من كيدهم وطغيانهم. **** في كلّ زمان قافلة مؤمنة تواجه أعداء الله: ومرّت قافلة الأنبياء. وجاء بعدها الأئمّة والأولياء والعلماء الذين حملوا الرسالات بقوّةٍ وصدق. ووقفت قافلة أعداء الله في الطريق. تواصل مسيرة التصدّي والتحدّي والكيد والتخريب، وتنوّعت وسائل ذلك، فاستخدمت كلّ أدوات العلم والفنّ والإعلام في سبيل المزيد من سياسة التشويه والتمويه والترغيب والترهيب، والتخييل والإيهام، وتغيير الواقع بما يتناسب مع أفكار الكفر والضلال. وما زالت المؤامرة على الإسلام والمسلمين مستمرّةً. وما زال الناس يتساقطون، في دينهم وعقيدتهم وسلوكهم أمام عناصر المؤامرة وأساليبها، بفعل القوّة المدمّرة، والاحتواء الشامل لكلّ الساحة، في جميع أوضاعها ومجالاتها. وما زال المجاهدون الدُّعاة إلى الله في قلب المعركة، معركة الأنبياء مع شياطين الإنس والجن الذين يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً. **** دور أعداء الرسالات في الحياة: وتلك هي إرادة الله في ما أقام الكون عليه من سننه الحتمية التي تترك للنّاس أن يختاروا ما يحلو لهم، فلا يشلّ قدرتهم على الاختيار، بل يوجّهها في نطاق الحريّة المسؤولة، فإذا انحرفوا عن الطريق، لم يتدخّل بإرادته الفاعلة ليمنعهم عن الانحراف، وذلك هو مفهوم الآية الكريمة: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ} لأنّهم لم يتمرَّدوا على أنبياء الله ورسله من موقع قوّةٍ ذاتيةٍ يملكون ـــ من خلالها ـــ مجابهة الله في سلطانه، وإنّما فعلوا ذلك في نطاق السُّنن الكونية التي أودعها الله في الكون، فهم يتصرّفون في نطاق حركة القدرة الإلهية، في ما أعطاهم الله من حريّة الإرادة، وحركة الاختيار. {فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} ودعهم، لا تلتفتْ إليهم، لأنّهم لن يضرُّوك شيئاً، ما دمت سائراً في طريق الله بقوّةٍ وعزيمةٍ وإخلاصٍ، إنّهم يعيشون مع أفكارهم الشيطانية، ويحسبون أنّها تجلب لهم الفلاح والنجاح. ولكنّها لن تفيدهم شيئاً ولن تغيّر شيئاً من مصيرهم، فذرهم وما يفترون من أفكار وآراء. فإنّ وحي الله معك. فهو النور، هو الحقيقة. {وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُواْ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ}. وهذه هي النتائج التي ينتظرها عدوّ النبيّ في كلّ زمان ومكان. أن يجد أُذُناً تصغي إليه، وقلباً يرضى بزخرفه وغروره، وأُناساً يسيرون على خطّته، ويقترفون الجرائم التي يأمرهم بارتكابها. إنّ دوره أن يحرّك السّاحة لمصلحة الكفر، ويحقّق لها شروط نموّها وتطوّرها في الاتجاه الذي يريده، فقد نجد في بعض الحالات مجموعةً من الناس تعيش في أجواء الكفر، ولكنّها لا تجد القيادة التي تستفيد من هذه الأجواء من أجل الحصول على نتائج كبيرة، ولا تجد الظروف الموضوعية التي تنمّي فيها قابلية الانطلاق. فتقف في الظلّ طويلاً تتطلّع إلى الفرص القادمة. فإذا جاءها ذلك كلّه، تحوّلت إلى حركةٍ قويّةٍ متمرّدة، في ما تسمع وفي ما تؤيّد وفي ما تعمل. وتلك هي سنّة الله في الحياة. في ما أراده من تنظيمٍ للكون في أن يمارس الإنسان عملية الإرادة من موقع الحريّة. وأن تتحرّك الحريّة في الأجواء التي تحمل في ساحاتها فرص الهدى. وفرص الضلال. **** 3 ـــ تكذيب الأنبياء ظاهرة تاريخيّة: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ*وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ*وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ*فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ*أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 42 ـــ 46]. **** معاني المفردات: {نَكِيرِ}: النكير: الإنكار. {خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا}: خالية، أي: ساقطة جدرانها على سقوفها، فهي خربة. {مَّشِيدٍ}: المشيد: قيل: المرتفع من الأبنية، وقيل: إنّ المشيد ما طلي به الحائط من جصّ. **** هذا حديثٌ عن المسيرة الطويلة للنبوّات قديماً التي استخدمت في انطلاقتها الحكمة والموعظة الحَسَنة والجدال بالتي هي أحسن، وبالكلمة الطيّبة التي تفتح عقول الناس وقلوبهم على الحقّ، فواجَه المجتمع ذلك بالرفض والتعسّف، أو اللامبالاة والاستهزاء، ولكنّ الأنبياء لم يتراجعوا ولم يسقطوا، بل أكملوا المسيرة حتّى أتاهم أمر الله. وهي قصّة الدعوة إلى الله في كلّ زمانٍ ومكان، التي تصدم تخلّف المجتمع، بما يحمله من أفكار، أو ما يعيشه من أوضاع، أو يلتزمه من مواقف، ما يجعل الناس يخافون أيّة فكرةٍ جديدةٍ تسعى إلى التغيير، لأنّهم لا يريدون الخروج من أجواء التخلّف التي أَلِفوها حتّى تحوّلت إلى جزء من تكوينهم الشخصي، ولهذا فهم يهربون من الأنبياء والمصلحين بكلّ الوسائل، بالامتناع عن الاستماع إلى كلامهم، أو الرفض للحوار معهم، أو العمل على اضطهادهم، أو السخرية منهم، أو إخراجهم من بينهم، لأنّهم يرون فيهم التحدّي لواقعهم، والهزيمة لمفاهيمهم أو لعاداتهم وتقاليدهم الموروثة من الآباء والأجداد، وقد يموت الأنبياء والمصلحون بعد ذلك، ولكنّ الرسالات تبقى وتنفذ إلى الأعماق بطريقةٍ خفيّةٍ من حيث لا يشعر الناس، لأنّ الرفض للفكرة يختزن ـــ غالباً ـــ وعياً عميقاً لمفرداتها يؤمّن التفاعل معها بهدوء، لتتحوّل إلى قناعات فكرية بعد ذلك، وهذا ما يمنع الدُّعاة إلى الله من اليأس عندما يواجهون الرفض في الطريق، لأنّهم يرصدون أملاً جديداً للدعوة في المستقبل عندما تسقط الأغشية عن عيون الرافضين تحت تأثير ما ينفذ من مفردات الدعوة إلى منطقة اللاشعور فيهم. وقد يمتدّ بالكافرين الزمن، ولكنّ الله يتدخّل لنصرة رسله، بوسائل العقاب الدنيويّ الذي ينزله عليهم بعد استكمال الحُجّة، ليفسح المجال لجيل جديد، لا يحمل النفسية المعقّدة التي يحملها الجيل القديم. والله في آياته هذه يتحدّث مع رسوله محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) عن كلّ هذا التاريخ، ليعيش هذه التجربة الطويلة، وليعرف أنّ ما يحدث له الآن، قد حدث للأنبياء من قبله، وأنّ الله سينصره كما نصرهم، وأنّ الرسالة لا بدّ من أن تستمرّ حتّى تفتح قلوب الناس على الله، وحياتهم على الحقّ. **** إن يكذّبوك فقد كذّبوا من قبلك: {وَإِن يُكَذِّبُوكَ} يا محمّد، في ما يواجهك به قومك من أساليب الرفض المتنوّعة للرسالة، {فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ*وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ*وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى} ولم يتراجع كلّ أولئك الأنبياء، بل تابعوا الدعوة وأكملوا المسيرة حتّى تمكّنوا من تأكيد رسالتهم وفرضها. {فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ} وتركت لهم مجال الامتداد في كفرهم ليستكملوا كلّ التجربة، وليأخذوا وقتهم بحيث تقوم الحُجّة عليهم، ولا يكون للنّاس على الله حُجّة على هذا المستوى، لجهة الفرصة التي يملكونها، أو المدّة التي يأخذونها، ولكنّ الله يمهل ولا يهمل، {ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ} بالعذاب بكلّ قوّةٍ، {فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} في ما يمثّله من الإنكار البالغ في شكله وطبيعته، ومن الأخذ الشديد. {فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} فتطّلعْ إلى ما حولك من بقايا البلاد التي كان يسكنها هؤلاء، فكم من قريةٍ من قراهم أهلكنا أهلها وأخذناهم بالعذاب، {وَهِيَ ظَالِمَةٌ} كونها واجهت الرسالة مواجهة شديدة ورفضت كلّ مفاهيمها وشرائعها، فظلمت نفسها، كما ظلمت الحياة من حولها، فاستحقَّت بذلك العقاب الشديد، والهلاك المحتوم، {فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا} سقطت جدرانها على سقوفها، {وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ} أي وكم من بئر معطّلة باد أهلها وماتوا، فليس هناك من يستقي منها، أو ينزل عليها، {وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ} أي وكم من قصرٍ مشيد لا ترى فيه أيّة حركةٍ، فقد هلك كلّ سكّانه، فلا تبصر لهم شبحاً، ولا تسمع لهم حسيساً.. ولعلّ تنويع الحديث عن البئر والقصر، يعود إلى أنّ أصحاب الآبار هم البدو، وأنّ أصحاب القصور هم الحضر. **** المعرفة وليدة الفكر والحسّ الواعي: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا} لأنّ العقل يتغذّى من الملاحظات الدقيقة التي تكوّنها آثار التجارب التي عاشها الآخرون، وممّا يمكن أن يستخلصه منها من نتيجة حاسمة على صعيد حركة الإيمان بالله في الحياة، فإنّ الله خلق للإنسان العقل ليحرّكه في دراسة الأشياء واستنتاج الأفكار منها، لا ليجمّده في أجواء الغفلة، أو في ما يرضي الذّات. {أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا} في ما يستمعون إليه من آيات الله التي يتلوها عليهم الأنبياء، أو من المواعظ البليغة التي يقدّمها الوعّاظ ممّا ينفعهم ولا يضرّهم، أو من النصائح التي يقدّمها إليهم الناصحون ممّا يعود عليهم بالخير في الدنيا والآخرة، فإنَّ الله قد خلق للنّاس الآذان لتكون النوافذ التي تطلّ على القلوب، فتعطيها كلّ ما فكَّر به الآخرون أو أثاروه في حديثهم، لتكون بذلك انطلاقة في الوعي، وحركة في الفكر، ووضوحاً في الرؤية للأشياء. ولكنّ مشكلة هؤلاء أنّهم يعيشون العمى في حياتهم، فيتخبّطون في أفكارهم ومواقفهم، ويفقدون الرؤية الواضحة للأشياء، وليس هذا العمى ناشئاً من فقدان النور في عيونهم، فهم يملكون عيوناً حادّة البصر، ولكنّه عمى القلب الذي يغلق فيه الإنسان بجهله وعناده كلّ نوافذ المعرفة التي تطلّ به على الله. وذلك هو العمى كلّ العمى، لأنّ عمى البصر لا يُسقط الإنسان تماماً، ولا يمنعه من التعرّف على ما حوله من الأشياء، كونه يستطيع تحسّسها بيده، أو بعصاه، أو بالاستعانة بالآخرين، أمَّا عمى القلب، فإنّه يمنعه من تحديد الموقف أمام كلّ القضايا المطروحة التي تتّصل بالمصير، ما يجعل من الإنسان لعبةً للرياح التي تعصف بالواقع، أو خشبةً تتقاذفها الأمواج، فلا يملك معها أن يحدّد طريقه في اتّجاه النجاة.. ولهذا جاءت الآية لتؤكّد هذه الحقيقة: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}. وهذه اللّفتة القرآنية التي تؤكّد قيمة العقل الكبيرة ـــ الذي يعبّر عنه القرآن بالقلب ـــ في حياة الإنسان التي تدفعه إلى أن يعقل ويهتدي به، فلا يجمّده ويستسلم إلى رواسبه المتخلّفة ليشدّه ذلك إلى عمق الهاوية في المصير. إنّ هذه اللّفتة توحي بأنّ للعقل مركزاً حيوياً في معرفة الإسلام، باعتباره القوّة الحقيقيّة التي تخطّط للحياة من موقع الثبات والتوازن والعمق والانفتاح. وأنّ المجتمع العاقل هو المجتمع الذي ينفتح على الإيمان بالله من أقرب طريق، ويتحرّك في الحياة من موقع المسؤولية. من هنا، كانت الفكرة التي تقول إنّ المجتمع الجاهل هو مجتمع الإيمان فكرة خاطئة لا أساس لها، وإنّ هذه اللّفتة القرآنية في تأكيدها على دور العقل، تفرض على القائمين على شؤون الإسلام في الدعوة والواقع العمل على التخطيط لحركةٍ عقليةٍ نشيطةٍ داخل الشخصية الإسلامية، ليستطيع المجتمع الإسلامي أن ينمو ويتطوّر من مواقع العقل الذي يحقّق له استقلال الإرادة في التفكير، وفي اتّخاذ القرار المتوازن، كما يحقّق له القوّة في مجالات الصراع الفكري بين الإسلام وخصومه الفكريّين، وفي مواجهة التحدّيات القادمة من مواقع المستكبرين في الأرض، لأنّهم إذا لم يتوفّروا على ذلك، بالرغم من السلبيات الناتجة عنه، فسوف يسقط المجتمع في وحول التخلُّف، ولا يستطيع معه المحافظة على مواقعه، فضلاً عن التقدّم إلى الأمام لاحتلال مواقع جديدة، لأنّ التخلُّف لا يمكن أن يثبِّت موقعاً، ولا يستطيع أن يربح أيّ موقع. **** 4 ـــ الاستكبار وسنن التاريخ: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً*فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً*ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً*إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً*عَسَى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً} [الإسراء: 4 ـــ 8]. معاني المفردات: {وَقَضَيْنَا}: أي أعلمنا وأوحينا. {وَلَتَعْلُنَّ}: العلوّ لغةً الارتفاع، وهو في الآية كناية عن الطغيان بالظلم والتعدّي، يستفاد ذلك من عطفه على الإفساد عطف تفسير. وهو شبيه بقوله تعالى في حديثه عن فرعون: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً} [القصص: 4]. {أُوْلِي بَأْسٍ}: البأس والبأساء: الشدّة والمكروه. {فَجَاسُواْ}: الجوس: التخلّل في الديار. يقال: تركت فلاناً يجوس بني فلان، ويجوسهم ويدوسهم أي يطأهم. قال أبو عبيد: كلّ موضع خالطته ووطأته فقد حسته وجسته. قال: وقيل: الجوس طلب الشيء باستقصاء(1). {الْكَرَّةَ}: الرجعة. {نَفِيراً}: النفير: العدد من الرجال. {وَلِيُتَبِّرُواْ}: والتتبير: من التبار وهو بمعنى الهلاك والدمار. {لِيَسُوؤُواْ}: من المساءة، يقال أساء زيدٌ فلاناً إذا أحزنه. {حَصِيراً}: حابساً. كان من حديث الله لبني إسرائيل ـــ في ما أوحاه إلى موسى في الكتاب ـــ أنّه أجرى الحياة على سنّةٍ اجتماعيةٍ، تخضع لها كلّ المجتمعات في عملية العلو والسقوط، وفي حركة التقدّم والتأخّر. فالاستغراق في الفساد، والامتداد في العلوّ على الناس، والاستكبار عليهم، كلّ ذلك يولّد مشاكل وسلبياتٍ كثيرة لهؤلاء المفسدين والمستكبرين، وذلك لما تنتجه من آلامٍ للنّاس، وتدميرٍ لأوضاعهم، واهتزازٍ لمواقعهم، كما تُنتج ـــ في مقابل ذلك ـــ ألواناً متنوّعة من الفساد الذاتي الذي يضعف مواقعهم الاستكبارية، فيستسلمون لحالة استرخاءٍ ولهوٍ واستسلامٍ للراحة والدِّعة، ويخضعون للأجواء التي توحي لهم بالأمن والسلام، بينما تتحفَّز القوى الأخرى المضادّة للاستفادة من ذلك الواقع كلّه في ظلم المستكبرين وتململ المستضعفين، فتأتيهم الهزيمة من حيث لا يشعرون، فلا يستطيعون دفاعاً، ولا يملكون ثباتاً في أيِّ موقفٍ أمام الثورة الهائجة التي تدمّر كلّ شيء من حولهم وتقضي عليهم. **** التدخّل الإلهي وقانون السببيّة: وتلك هي سنّة الله في الحياة، في ما أودعه في الكون من سننه في قوّة الأمم وضعفها وحياتها وموتها، ولم يميّز الله المؤمنين عن بقيّة خلقه في هذا القانون الاجتماعي الكوني، بل أراد لهم أن يسيروا كما يسير الناس، ليحصلوا على النتائج السلبية بسبب ما يتحرّكون فيه من فسادٍ، أو على النتائج الإيجابية بسبب ما يمارسونه من صلاحٍ، وبذلك لا يكون تدخّل الله في المسألة بشكلٍ مباشر، بل يكون تدخّلاً بطريقةٍ غير مباشرةٍ، من خلال ما أودعه في الحياة من قانون السببيّة الذي يربط بين المسبّب والسبب، والنتائج ومقدّماتها. ولكنّ الله ينسب كلّ شيء إلى نفسه، للإيحاء بأنّه السبب الأعمق وراء كلّ سببٍ، والقوّة المهيمنة على كلّ ظاهرةٍ، ولتأكيد جانب التوحيد في مواجهة عقلية الشرك، التي قد تنسب الكثير من الظواهر إلى غير الله، ممّا يشرك به الناس في عبادته، على أساس النظرة السطحية التي تنسب بعض الأشياء إلى مقارناتها، أو إلى الجهات المتّصلة بها بشكلٍ مباشرٍ. وقد أخبر الله بني إسرائيل، بما سيحدث لهم في مستقبل أمرهم من بلاءٍ وتدميرٍ، بسبب ما يصدر عنهم من علوٍّ واستكبارٍ، وجعل ذلك خطّاً عمليّاً مستمرّاً مع الحياة ضمن القانون الإلهي التكويني الذي يربط الظاهرة السلبية أو الإيجابية بأسبابها الكونية. وهذا ما نحاول أن نثيره في معرض تفسير الآيات الآتية. **** بنو إسرائيل والإفساد في الأرض: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} أي عهدنا إليهم وأعلمناهم بشكلٍ حاسم لا شكّ فيه، ممّا نحيط به علماً من حوادث المستقبل المتّصلة بحياتهم، والمتحرّكة من خلال الأسباب الطبيعية الموجودة في الواقع الزمني المقبل. {لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} أي لتفسدنّ حياة الناس بالكذب والنفاق والغشّ والخداع والظلم والكبرياء والبغي بغير الحقّ، على مستوى الاجتماع والاقتصاد والفكر والعقيدة والسياسة والسلوك. {وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً} من خلال الشعور المعقَّد بالتفوّق على الناس المرتكز على أسطورة شعب الله المختار التي تغذّي لديهم الشعور بالاستكبار والعلوّ الذاتي على الآخرين، الأمر الذي يؤسّس لاستضعاف كلّ من عداهم وإهدار كراماتهم، وتدمير أوضاعهم على جميع المستويات. إنّها نبوءة المستقبل التي توحي إليهم بأنّهم سينحرفون عن تعاليم الكتاب، الذي يريد لهم أن يتّخذوا مفاهيمه وشريعته قاعدةً لبناء الحياة على أسسٍ ثابتةٍ لا على أسسٍ مهتزّةٍ، ومنهجاً لإصلاحها لا لإفسادها، ولكنّها شهوات اللّحم والدم التي تبتعد بالناس عن خطّ التوازن في النظرة إلى الأشياء، ثمّ هناك انفعالات الفكرة الشوهاء التي تثير فيهم الغرور، وتدفعهم إلى العصبية، وتقودهم إلى العدوان. وهكذا عاشوا لعنة المستقبل الذي سيصنعون شروره بأيديهم، وسيسقطون في هزائمه بتصرّفاتهم، وسينتظرون أن تحلّ بهم اللّعنة مرتين، لأنّ الفساد الأكبر سيتكرّر بهذا المستوى. **** عقاب الدنيا والآخرة: وبدأت التفاصيل {فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا} فتمرّدوا على الله، وتجبّروا على العباد، وبغوا في الأرض بغير حقّ، وأكثروا فيها الفساد، وضجّت البلاد منهم {بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} يملكون القوّة والسلطة والمنعة، {فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ} وتخلَّلوا فيها واستباحوها، فقتلوا من قتلوا منهم، ونهبوا ما نهبوا منها، ودمّروها تدميراً. {وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً} لا بدّ له من أن يتحقّق بأسبابه الكونية، وبإرادة الله الذي جعل الأمور مرهونةً بأوقاتها والأشياء مرتبطةً بأسبابها. وليس في نسبة الفعل إلى الله، بالرغم من تحقّقه بالأسباب الطبيعية، أيُّ مساس بعدالته ورحمته، لأنّه بمثابة جزاء لهم على ما فعلوه من إفسادٍ واستعلاءٍ واستكبار، ولا مانع من أن يعاقبهم الله في الدنيا بيد خلقه، كما يعاقبهم في الآخرة بواسطة ملائكته، وكِلا الأمرين عدل. وقد ذكر بعضهم أنّ المستفاد من قوله تعالى: {عِبَاداً لَّنَا} أنّ هؤلاء المهاجمين كانوا من عباد الله المؤمنين، وذلك بلحاظ نسبتهم إليه. ولكنّنا نعرف أنّ الكفّار هم عباد الله، كما هم المؤمنون كذلك، وإن لم يقوموا بما تفرضه عليهم العبودية من فروض الطاعة والالتزام. {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} فهزمتموهم كما هزموكم، ودمّرتموهم واستبحتم ديارهم ونهبتم أموالهم، كما فعلوا معكم في ما رزقكم الله من نعمه العظيمة، وأغدق عليكم رحمته من جديد. {وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً} لأنّكم رجعتم إلى الله، وأحسنتم سياسة الناس، وحملتم مسؤولية الحياة كما يريدها الله من عباده، وذلك هو خطّ الحياة في سُنّة الله للنّاس في ما يحسنون أو يسيؤون. {إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا} لأنّ نتائج أفعال الخير أو الشرّ تعود للإنسان الفاعل. {فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ} وأفسدتم الحياة من جديد، واستكبرتم على العباد، واستعليتم على الناس بغير حقّ، فستقعون مجدّداً في التجربة المرّة، ويهاجمكم الأقوياء الآخرون الذين يملكون البأس الشديد، {لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ} ليطبعوها بطابع الحزن والمرارة، ويسموها بِسِمَة الذلّ والمهانة من خلال سيطرتهم عليكم، {وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، والمراد به ـــ في ما يظهر ـــ المسجد الأقصى، الذي هاجمه أعداؤهم مرّتين واستباحوا حرمته، وأخرجوهم منه، ودمّروا كلّ أوضاعهم، وقد نستوحي من هذا التعبير أنّ المهاجمين أوّلاً، هم المهاجمون ثانياً، {وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً} وهو ما يوحي بالدمار الشامل الذي لا يبقى معه شيء. **** أبواب الرحمة الإلهية: إنّ المسألة ليست مسألة خصوصية بني إسرائيل بل هي مسألة الفساد في الأرض الذي ينتج المشكلة للمفسدين، من خلال الفئات التي تعاني من ضغط الفساد على واقعها، وتأثيره على حياتها، فيدفعها ذلك إلى استجماع القوّة من مواقع الضعف لتهجم على الذين صنعوا لها الذلّ والألم والعذاب، لتدمّر وجودهم بكلّ قسوة وقوّة، أو من خلال الفئات التي تترصَّد عوامل الضعف لتنال من مواقع القوّة للأقوياء. وقد تبدأ عملية التآكل الذاتيّ عندما يستسلم فيه هؤلاء إلى اللّذات والشهوات، ويكفّون عن تنمية عوامل النموّ والقوّة، فتجد الفئات المتربّصة بهم الفرصة الذهبية التي تتيح لها التغلُّب عليهم، وهزيمتهم بكلّ سهولة. وهذا ما عاشه المسلمون في أكثر من موقع من مواقع تاريخهم عندما هزموا في الأندلس، أو عندما هزمهم التيّار، أو عندما هزمهم اليهود في فلسطين. وهكذا تتحرّك كلّ عوامل الضعف التي تفقد معها الشعوب والأمم الرغبة في الموت، وتسترخي فيها لحبّ الحياة، لتسقط كلّ إمكانات القوّة لدى الكبار بأيدي الصغار، وتلك هي سُنّة الله في خلقه وفي الحياة. **** 5 ـــ العبرة من أخبار الماضين: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [البقرة: 211]. قد يكون الحديث عن المستقبل في واقع هؤلاء الذين يتحدّث الله عنهم بالزلل والانحراف، غير كافٍ في إبعادهم عن ضلالهم، فربّما يكون للحديث عن الماضي ـــ كتجربة حيّة للآخرين من موقع التجربة نفسها التي يعيشها هؤلاء ـــ بعض الأثر. فقد كان تاريخ بني إسرائيل ماثلاً أمام الناس في كلّ ما واجههم من قضايا الكفر والإيمان مع أنبيائهم، وفي كلّ ما فعلوه ضدّ مسيرة النبوّة في تاريخهم القلق الدامي؛ فلعلّ هذه الآية أرادت أن تطلب من هؤلاء الناس، بأسلوب الطلب من النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أن يجلسوا إلى بقاياهم ويسألوهم، هل كان هناك نقص في البيّنات التي أنزلها الله عليهم؟! وليس المراد به الاستفهام، بل المقصود هو تقرير الحقيقة من خلاله، فإنَّ الله قد أرسل إليهم رسلاً كثيرين بالحجج الواضحة، فكذَّبوا واستكبروا وواجهوا عقاب الله. ثمّ تعطي الآية الإيحاء بأنَّ البيّنة التي توضح للإنسان طريق الحقّ، هي من نِعَمِ الله التي أنعمها على الإنسان، وأراد منه أن ينسجم معها، ويستجيب لها، ولا يبدّلها بالضلال في القول والعمل، فإنّه إذا بدّل الحقّ الذي توحي به الحُجّة بالباطل الذي لا حُجّة عليه، فعليه أن ينتظر عقاب الله، فلا يستسلم للاسترخاء بالشعور برحمة الله، فإنَّ الله شديد العقاب في موضع النكال والنقمة، كما هو أرحم الراحمين في موضع العفو والرحمة. وربّما تكون الإشارة إلى بني إسرائيل وتاريخهم المتمرّد، لوناً من ألوان الحديث عن خطوات الشيطان في إضلاله وفي إغوائه. {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} هؤلاء الذين يمثّلون نموذجاً من الأمم التي تعيش التمزّق الروحي والاجتماعي والضلال الديني، {كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} من البيّنات التي توضح لهم الحقيقة وتقودهم إلى الإيمان؟! وتلك هي النعمة التي ينبغي لهم أن يشكروها، وينفتحوا على الله من خلالها، فلا يكفروها. {وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ} في الإيمان {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ} في وحي الله وفي حركة الرّسل؛ {فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} في الدنيا من خلال السنّة التاريخيّة التي تربط النتيجة بالمقدّمات. فالكفر بنعمة الإيمان يجتذب النتائج السلبية على واقع الإنسان، لأنّه يبتعد به عن الخطّ المستقيم الذي يؤدّي إلى الخير والسعادة والاطمئنان، وذلك من خلال ما أودعه الله في الحياة الإنسانية من سننه التاريخية التي لا بدّ للنّاس من أن يأخذوا بها ليتعرَّفوا منهج الحياة في ما يقبلون عليه من خير أو شرّ. وهو شديد العقاب في الآخرة جزاءً على كفرهم بالحقّ لمّا جاءهم، وانحرافهم عمّا يفرضه عليهم في سلوكهم في أنفسهم وفي واقع الناس ومع الله. 6 ـــ الاستغراق في التاريخ القديم: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [البقرة: 134]. **** إنَّ التاريخ هو تاريخ الأمم السابقة في ما عملت وفي ما كسبت، ولستم مسؤولين عن كلّ أعمالهم في قليلٍ أو في كثير، بل هم المسؤولون عن ذلك كلّه في ما استقاموا به وفي ما انحرفوا عنه، أمّا أنتم فلكم تاريخكم المستقلّ المتمثّل في أعمالكم التي تكسبون بها الجنّة أو النار، فعليكم أن تواجهوا مصيركم من خلال ذلك وتحدِّدوا خطواتكم العملية من خلال دراستكم للنتائج المصيرية لخطوات الآخرين، لتأخذوا منها العبرة في طبيعة الأشياء ونتائجها في كلّ المجالات. {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ} وذهبت مع التاريخ بعد أن عاشت تجاربها وقامت بمسؤوليّاتها، وأدّت رسالاتها، وتحرّكت في الدروب التي فتحتها أو كانت مفتوحة لها، {لَهَا مَا كَسَبَتْ} من نتائج أعمالها، {وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ} ممّا تحملون من مسؤوليّتكم في كلّ التكاليف الموجّهة إليكم، والمهمّات الموكولة إليكم في ساحات الخير والشرّ، والحقّ والباطل، وفي كلّ مجالات حركية الصراع مع الآخرين، {وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} لأنّ الجيل الجديد لا يتحمّل أوزار الجيل القديم ولا علاقة له بحسناته، لأنَّ التجربة السلبية أو الإيجابية مختصّة به من خلال حركة إرادته الذاتية. وفي ضوء هذا لا معنى للقول بأنَّ الأبناء يتحمّلون المسؤولية السلبية تجاه ما قام به الآباء من السيّئات. وربّما يُطرَح سؤال: لماذا لم يتحدّث الله عن مسؤولية الآباء عن عمل الأبناء؟ والجواب: إنَّ الخطاب هو للأبناء الذين يُراد لهم أن ينفتحوا على التاريخ كعبرة يعتبرون بها، لا كمسؤولية يتحمّلونها، مع ملاحظة أخرى، وهي أنَّ الآباء قد يتحمّلون مسؤولية الأبناء عندما يتحرّكون ببعض الأوضاع التربوية أو البرامج التعليمية التي قد يؤدّي إلى ضلال الأبناء بنحو التسبيب العملي. **** من وحي الآية: وفي هذه الآية إيحاء بأنَّ على الأُمّة ـــ في أجيالها الجديدة ـــ أن لا تستغرق في تاريخها القديم ليغيب وعيها في داخله، وليشغلها ذلك عن عملية صنع التاريخ في الحاضر، {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [الأنعام: 164]. **** معاني المفردات: {رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ}: جاء في المجمع: الربّ إذا أطلق أفاد المالك بتصريف الشيء بأتمّ التصريف، وإذا أضيف فقيل: ربّ الدار وربّ الضيعة فمعناه المالك لتصريفه بأتمّ تصريف العباد، وأصله التربية، وهي تنشئة الشيء حالاً بعد حال حتّى يصير إلى الكمال، والفرق بين الربّ والسيّد، أنّ السيّد المالك لتدبير السواد الأعظم، والربّ المالك لتدبير الشيء حتى يصير إلى الكمال مع إجرائه على تلك الحال(1). {وَازِرَةٌ}: نفس آثمة مذنبة، والوزر: الذنب. {وِزْرَ}: ثقل. **** يريد الله لكلّ إنسانٍ ـــ من خلال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ أن يعبّر عن عمق التوحيد في فكره وعقيدته، في صورة التساؤل الإنكاري الذي يثيره كردٍّ حاسمٍ على هؤلاء الذين يريدون منه أن يؤمن بربوبية غير الله. {قُلْ أَغَيْرَ اللّهِ أَبْغِي رَبّاً} ولا بدّ للربّ من أن يكون غنيّاً في ذاته عن الحاجة إلى غيره في أصل وجوده وفي استمراره، ولا شيء غير الله إلاّ وهو مربوبٌ له، {وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} فكيف يمكن أن يكون المربوب شريكاً للربّ في ربوبيّته؟ وعلى كلّ إنسانٍ أن يتحمّل مسؤوليّته الفردية في قضية العقيدة، فإنّ الله جعل كلّ إنسان مسؤولاً عن عمله، ولم يجعل أحداً مسؤولاً عن عمل إنسان غيره، فإذا أحسن فإنّ إحسانه له، وإذا أساء كانت إساءته عليه. **** {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. وتلك هي قاعدة العدالة في الإسلام التي يريد الله للإنسان أن يعيشها في علاقاته مع الآخرين في الحياة الدنيا، كما يريد له أن يواجه حساب المسؤولية من خلالها أمامه في الآخرة. {ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من شؤون العقيدة والحياة، ويواجه كلّ واحدٍ منكم بمسؤوليّته في ذلك كلّه، عندما يكون الموقف منطلقاً من موقع القناعة القائمة على البرهان، أو من موقع الفكرة القائمة على الشبهة من غير علم ولا سلطان. وهناك سؤال قد يُطرح أمام فكرة المسؤولية الفردية التي تؤكّد أنّ الإنسان لا يحمل وزر غيره أو أنّه لا ينتفع إلاّ بعمله، فإنّنا نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: {لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل : 25] وقوله تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت : 13] فإنّها تدلّ على أنّ الإنسان يحمل أوزار الناس الذين يشارك في إضلالهم أو في خداعهم عن الحقّ. ونقرأ في السنّة الأحاديث المؤكّدة عن الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنَّ مَن سنَّ سُنّة حسنة كان له أجرها وأجر مَن عمل بها، وقال في ضدّه: ومَن سنَّ سُنّة سيّئة كان عليه وزرها ووزر مَن عمل بها. وهذا ما روي عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: "مَن استنَّ بسُنّة حَسَنة فلهُ أجرها وأجر مَن عَمِل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومَن استنَّ بسُنّة سيّئة فعليه وزرها ووزر مَن عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيء"(1). فهذه الأحاديث توحي بأنّ الإنسان يحمل أوزار العاملين بالسُنّة السيّئة التي سنّها، ويستفيد من حسنات السائرين على خطّ السنّة الحَسَنة التي صنعها، ما يختلف عن مفهوم الآية التي تؤكّد على المسؤولية الفردية في العذاب والعقاب. ولكنّ الجواب عن ذلك أنّ هذه المفاهيم لا تنافي المبدأ الذي قرّرته الآية، لأنّ الآيتين السابقتين تؤكّدان على أنّهم يحملون أوزار الذين يضلّونهم ويخدعونهم، ما يوحي بأنّ هذه الأوزار كانت نتيجة الضلال الذي دفعوهم إليه والخداع الذي أوقعوهم به، فهو فعلهم ـــ بشكلٍ غير مباشر ـــ ما يجعل تلك الأوزار أوزار ذلك الفعل على مستوى علاقة النتيجة بالسبب، فلا بدّ من أن يتحمّل مسؤوليّته في النتائج السلبية. وهكذا تتّضح المسألة في أحاديث "السُنّة الحَسَنة" و"السُنّة السيّئة"، فإنّ أعمال الآخرين الإيجابية والسلبية كانت نتيجةً لِمَا قام به العامل من العمل الذي يمثّل القاعدة التي انطلق منها الآخرون في عملهم الإيجابيّ والسلبيّ، فهو عمله في خطّ الامتداد، كما كان عمله في خطّ الحدوث. وهناك سؤال آخر يتحرّك في هذا الاتجاه، وهو أنّ هناك أحاديث تدلّ على أنّ الإنسان قد يستفيد من أعمال الآخرين الطيّبة، كما في أعمال الولد الصالح التي تكون سبباً للغفران لأبيه أو للحصول على نتائج طيّبة أو في ما يهدى إلى الأموات أو الأحياء من قِبَل بعض الناس من الأعمال الصالحة، فكيف نفسّر ذلك على أساس الخطّ الفكري الذي تؤكّده الآية {وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا}، لا سيّما أنّ الثواب قد يكون منطلقاً من دلالات العمل الصالح على الروحية التي يعيشها الإنسان المؤمن العامل بالصالحات في علاقاته بالله بما يقرّبه إليه، فكيف يحصل على الثواب على عملٍ لا علاقة له بقربه من الله وبكلّ المعنى الروحي الذي يختزنه في نفسه؟ والجواب: أنّ الإنسان قد يكون مشاركاً في بعض ما يتمثّل في الناس الصالحين باعتبار انتسابهم إليه وتربيته لهم وعلاقته بهم كالولد الصالح، وقد يكون نوعاً من تفضَّل الله عليهم بلحاظ ما يتّصفون به من صفات طيّبة صالحة وصلوا إليها بأعمالهم وبجهودهم الذاتية، ما جعل المسألة بمثابة الثواب على ذلك الأمر الذي يرتبط بالعمل بشكلٍ غير مباشر. وقد تكون المسألة بعنوان الهديّة التي يقدّمها إنسان إلى إنسان، فكما تتمثّل الهديّة بالأشياء المادية فيمكن أن تتمثّل بالأشياء الروحية، وقد دلَّت الأخبار على أنّ الله يكرم عبده المؤمن على الروحية التي حملها في إهداء عمل خير إلى من يحبّه، فيتقبّل ذلك منه ويمنحه للمهدى إليه، فلا منافاة في ذلك للآية التي تتحدّث عن أنّ الإنسان يجني نتيجة كسبه الذاتي ولا يجني نتيجة كسب الآخر من ناحيةٍ ذاتية لا بعنوان ما يقدّمه الآخر إليه على نحو الهدية ممّا قرَّره الله وأمضاه. والله العالِم. البلاء مفهوم الابتلاء في الإسلام ـــ البلاء مدرسة وامتحان ـــ الإيمان في أجواء المعاناة ـــ الإيمان في مواجهة التحدّيات ـــ النِعَم وفلسفة البلاء الإلهي. 1 ـــ مفهوم الابتلاء في الإسلام: {وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} [آل عمران : 154]. ***** هذا هو المفهوم الإسلامي للابتلاء الذي يبتلي به الله عباده، فليس هو ـــ في جميع مظاهره ـــ نقعمةً وعذاباً، بل قد يكون رحمةً يبني بها الله للإنسان شخصيّته الصلبة من خلال المعاناة التي يُعانيها أمام البلاء، كما يكشف له طبيعة المشاعر والأحاسيس والأفكار التي تعيش في داخله، فيكتشف الزيف من الإخلاص، ويعرف الأشياء العميقة في داخل كيانه من الأشياء الطافية على السطح. وهذا ما ينبغي للعاملين في سبيل الدعوة إلى الله وفي حقل التربية الإسلامية أن يواجهوه في ما يخوضونه من تحدّيات، وما يواجهونه من عقبات وصراعات، وما يدفعون إليه العاملين الآخرين من مهمّات ومسؤوليّات، فقد يكون من الأفضل أن لا ينهزموا أمام المصاعب، وأن لا يتعقَّدوا منها. كما قد يكون من الخير لهم أن يوكلوا إلى العاملين معهم بعض القضايا التي تثير المتاعب والمشاكل في بعض مراحل الطريق من أجل بناء شخصيّتهم الإسلامية بالصدمات القوية التي توقظ في داخلهم حسّ المواجهة للأخطاء والانحرافات، وتدفعهم إلى الوقوف بقوّة أمام الأعاصير القادمة من بعيد. ***** 2 ـــ البلاء مدرسة وامتحان: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ*أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 ـــ 157]. معاني المفردات: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ}: البلاء: الاختبار، يكون بالخير والشرّ. {الْخَوفْ}: انزعاج النفس لما يتوقّع من الضرر. {وَالْجُوعِ}: ضدّ الشبع، وهو المخمصة والمجاعة، وحقيقة الجوع الشهوة الغالبة إلى الطعام، والشبع زوال الشهوة. {وَنَقْصٍ}: النقص: نقيض الزيادة، والنقيصة: الوقيعة في الناس، والنقيصة: انتقاص الحقّ، وتنقصه: تناول عرضه، وأصل النقص: الحطّ من التمام. {وَالثَّمَرَاتِ}: الثمرة: أفضل ما تحمله الشجرة. {مُّصِيبَةٌ}: المصيبة: المشقّة الداخلة على النفس لما يلحقها من المضرّة، وهو من الإصابة، كأنَّها تصيبها بالنكبة. {رَاجِعونَ}: الرجوع: مصير الشيء إلى ما كان، يُقال: رجعت الدار إلى فلان إذ ملكها مرّة ثانية وهو نظير العود. {الْمُهْتَدُونَ}: الاهتداء: الإصابة إلى طريق الحقّ. ***** يطرح القرآن للإنسان المشكلة التي تتحدّاه في قوّة إنسانيّته وصلابتها، ويشير إلى الموقف الذي يخلق الجوّ الملائم للحلّ في نطاقٍ من الروح الإيمانية التي لا تنسى الله في المواقف الحرجة والتحدّيات الصعبة، بل تعيش حضوره المهيمن العميق في فكرها ووجدانها وتطلُّعاتها للحياة، لتلتقي به ـــ من خلال هذا الجوّ الروحي ـــ فتجد لديه الصلوات الإلهية التي تغدق الرحمة والمغفرة والرضوان على الإنسان الذي يعرف الهدى في طريقه ويسير عليه. {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} أي نختبركم في حجم الإرادة التي تملكونها وصلابتها أمام المخاوف والأهوال لتعيشوا التجربة الصعبة التي ينجح فيها الأقوياء في عزيمتهم وإرادتهم وإيمانهم، ويفشل فيها الضعفاء الذين لا يملكون عناصر الوعي للواقع، والتوازن للحركة، والإرادة للقرار، {بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ} الذي يتحدّى عنصر الأمن الداخلي في نفوسكم فلا تملكون الطمأنينة الروحية الأمن الخارجي في حياتكم، فتعيشون الاهتزاز الجسدي في كيانكم والخطر السياسي والاقتصادي والعسكري في نظامكم، حيث تفقدون أمامه التوازن في المواقف، والانسجام في الخطى، والثبات في المواقع، الأمر الذي قد يدفعكم ـــ بفعل ضغط الذين يصنعون الخوف في الواقع ـــ إلى تقديم التنازلات من إيمانكم والتزامكم وحريّتكم واستقلالكم وإنسانيّتكم {وَالْجُوعِ} الذي يمثّل الحرمان من الغذاء الضروري في الحاجات الطبيعيّة للإنسان كشرط لاستمرار حياته، ما يؤدّي إلى إضعاف قوّته وضراوة الآلام في جسده، ووصوله إلى مرحلة الخطر على حياته، {وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ} في الخسائر المتنوّعة التي تؤدّي إلى ذهاب الأموال ونقصها بفعل الحوادث الاجتماعية، والكوارث الطبيعية، والحروب الشديدة، {وَالأنفُسِ} من رجالكم ونسائكم وأطفالكم الذين تقضي عليهم الحروب والأمراض والزلازل والبراكين والفيضانات ونحوها، {وَالثَّمَرَاتِ} قيل: إنَّ المراد بها ذهاب حمل الأشجار وقلّة النبات وارتفاع البركات، وقيل: أراد به الأولاد لأنَّ الولد ثمرة القلب، وعلّله بعضهم بأنَّ تأثير الحروب في قلّة النسل بموت الرجال والشبّان أظهر من تأثيره في نقص ثمرات الأشجار، ولكن الظاهر من الآية أنّها غير مختصّة بحالات الحرب، بل هي عامّة لكلّ واقع البلاء في حياة الإنسان. وإذا كان الهدف من الآية هو توجيه المؤمنين إلى أن يتحمّلوا نتائج الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله ممّا يؤدّي إلى النتائج السلبية على حياتهم العامّة والخاصة، فإنَّ ذلك لا يعني الاختصاص بهذا الجوّ الخاص، بل المقصود هو الصبر في الخطّ العام للوصول إلى النتائج الإيجابية في الصبر في المورد الخاص. {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} الذين يعيشون صلابة الموقف، وقوّة التحمّل، والتمرّد على الحرمان والثبات في مواقع الزلازل، حيث تبقى إنسانيّتهم في صمود عزيمتهم، ليتابعوا رسالتهم في الحياة من دون تراجع أو انهيار أو انحراف. إنَّ الله يمتحن إيمان الإنسان في ما يمرّ عليه من الخسائر والمصائب والمحن، ليرى كيف يواجه ذلك كلّه؛ أبالصبر أم بالجزع، أبالرضى أم بالاحتجاج؟ وكيف يفهم البلاء الذي ينزل به في مختلف صوره وجهاته، هل هو عذاب وانتقام، أم رحمة إلهية في نطاق النظام الكوني الذي يربط المواقف بأضدادها من خلال التحدّيات الصعبة التي تواجه العاملين السائرين على الخطّ المستقيم في الحياة؟ فإنَّ للاستقامة ضرائبها الثقيلة في مختلف جوانب الحياة، حيث تتحرّك قوى الانحراف وعوامله لتقف حاجزاً بين الخطّ المستقيم وبين الامتداد في اتّجاهه السليم.. وهنا يأتي دور الصبر الذي يمنح الإنسان قوّة الثبات والصمود والتماسك أمام العقبات التي تقف في مجالات التحدّي، فلا ينهار ولا يتجاذل ولا يضيع ولا تتبعثر خطاه في الرمال المتحرّكة للبلاء، بل يمتصّ ذلك كلّه بروحه الرسالية الإيمانية التي تنفتح على الواقع لتعرف أنّ الطريق ليس مفروشاً بالورود، فتتعلَّم كيف تتعامل مع الأشواك الحادّة في لغة الجراح النازفة، وفي أسلوب الآلام العميقة، فلا تسمح للجراح بأن تبكيَ ولا ترضى للآلام بأن تصرخ، بل تحاول أن تعلّمها كيف تبتسم في فرح الرسالة وهي تتقدّم على الرغم من كلّ الأشواك والآلام. وهكذا أراد الله للمؤمنين الذين ينطلقون في رسالتهم أن يقفوا أمام قوى الكفر والشرّ والطغيان في العالم من أجل أن يغيّروا العالم على أساس شريعة الله وتعاليمه، فدعاهم إلى أن لا يواجهوا البلاء الذي يصيبهم بنقص {مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} مواجهة الأشياء المفصولة المعزولة عن جذورها وأسبابها، بل يواجهونها من خلال طبيعة حركة التغيير التي تنطلق في حياة الناس لتكون اختباراً لقوّتهم الذاتية ولمبادئهم ولمواقفهم العملية عندما تتعرّض للتحدّي من القوى المضادّة، فإنَّ من الطبيعي أن يتحرّك الآخرون ليدمّروا وليقتلوا وليضغطوا ويحرقوا الأخضر واليابس انتقاماً وثأراً وحقداً، ولكن خطوات الحقد والثأر والانتقام ليست طويلة، بل هي قصيرة جداً، لأنّها تعبّر عن ردّات انفعالية حماسية لا تلبث أن تتبخَّر في الهواء، فلا بدّ من الصبر الذي يدفع المؤمنين إلى المقاومة والتحمّل والثبات من أجل أن يصلوا إلى نهاية المطاف، ليصعدوا إلى القمّة عندما تتهاوى دعوات الباطل على أقدام السفوح. ***** البلاء ونسبته إلى الله: وقد يتساءل البعض: هل البلاء الذي يتحدّث الله عنه في هذه الآية وغيرها فينسبه إلى نفسه ويعتبره اختباراً وامتحاناً لإيمانهم وثباتهم على الخطّ، هو من صنع الله بشكلٍ مباشر، بحيث إنَّ الله يوجّهه إلينا من دون أن تكون هناك ظروف موضوعية تقتضيه، أم القضية هي أن يكون امتحاناً تماماً كما هي الأعمال التي يكلّف بها الناس في فترات التدريب والامتحان؟ وقد نستطيع الجواب عنه، بالقول إنَّ الحياة في كلّ ما يحدث فيها، من أرباح وخسائر وأفراح وآلام، مشدودة إلى إرادة الله وقضائه وقدره من خلال الأسباب والقوانين الطبيعيّة التي أودعها الله في الكون، فلكلّ عمل من الأعمال التي يقوم بها الإنسان في هذه الحياة نتائج سلبية أو إيجابية على مستوى حياته الفردية أو الاجتماعية، سواء في ذلك جانب الممارسات الذاتية أو العلاقات الخاصة والعامة، فلا بدّ للإنسان من أن يتألّم إذا عاش في الظروف التي تفرز مثل هذه الآلام، ولا بدَّ له من أن يجوع إذا تحرّكت الأسباب التي تنشر المجاعة في الكون، ولا بدّ له من أن يخاف إذا عاشت الحياة أجواء الخوف. فليست النتائج معزولة عن مقدّماتها، بل هي وليدة تلك المقدّمات. ***** ما معنى البلاء في الأوضاع الطبيعيّة؟ وهنا يثور سؤال: إذاً ما معنى أن يكون مثل ذلك ابتلاءً بعد أن كان أمراً طبيعياً تماماً كما هي مظاهر الطبيعة الكونية الموجودة في الحياة؟ والجواب عن ذلك: إنَّ القضية، كلّ القضية، هي في موقف الإنسان أمام هذه الظروف الطبيعية التي تفرزها حركة المبادئ والرسالات في الحياة، فذلك هو سرُّ البلاء في حياته. فهل يتجاوز المرحلة التي تتحرّك فيها الآلام والخسائر والمخاوف بأعصاب هادئة ومواقف ثابتة بعيداً عن كلّ اهتزاز وانحراف، أم يسقط صريعاً أمام ذلك كلّه لتسقط معه رسالته ومبادئه كنتيجة لاهتزاز نقاط الضعف في كيانه وانسجامها مع قوى الانحراف والتحدّي المضادّ؟ إنّ الواقع بأسبابه الطبيعيّة يعتبر امتحاناً واقعياً للإنسان، تمتحن به إرادته ورسالته. وقد نستوحي من كلمة {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ} ـــ في ما تعطيه كلمة البلاء من معنى ـــ أنّ الموقف يحمل للإنسان قيمة التجربة في تركيز شخصيّته وتقوية إرادته، في ما يثيره لديه من مشاعر القوّة في داخله من خلال الإيحاء له بما يحمله الامتحان له من نتائج على مستوى الدنيا والآخرة، ولاسيّما إذا لاحظنا أنّ طبيعة هذا الامتحان ليست شكلية يمكن للإنسان أن يقوم بها بدورٍ تقليدي ساذج من دون وعي أو روح، بل هي طبيعة حقيقيّة أساسية تقتحم كلّ حياته الداخلية والخارجية لتحوّلها إلى ما يشبه حالة الطوارئ في ما تثيره من نقاط الضعف والقوّة، وفي ما تخلقه من عوامل الإثارة والتحدّي، وبذلك تتحوّل نتائج الامتحان من عملية اكتشافٍ للقدرات الذاتية إلى عملية تنمية هذه القدرات وتقويتها في خطّة عملية لصنع الإنسان. ***** الصابرون وعلاقتهم بالحقيقة الإيمانية: وتنطلق الآيات لتثير أمام الصابرين الذين لا تهتزّ مواقفهم أمام التحدّيات، البشارة من الله من دون أن تدخل في تفاصيل البشارة في البداية، إمعاناً في الإبهام الذي يثير المشاعر في عملية انفتاح على ألوانٍ متنوّعة من ألطاف الله ورضوانه، ثمّ تحدّد لنا بعض ملامح الصابرين لتربط الصبر بالوعي للعقيدة والإيمان بالله، فلا يخضع لضغط الأمر الواقع في عملية استسلام للمصائب من دون رضى واقتناع، بل يرتفع في إيمانه ليثير في نفسه الحقيقة الإيمانية الكونية التي تربط الخلق كلّه بالله، فالخلق كلّه ملك الله، والإنسان هو بعض من هذا الخلق الذي يملكه الله، ما يجعلنا نحسّ أنّنا لا نملك من أمرنا شيئاً، لأنَّ الملك كلّه لله، فله الحقّ كلّ الحقّ في أن يبتليَ خلقه بما يشاء، وعليهم أن يشعروا أنَّ في ذلك كلّه المصلحة كلّ المصلحة والخير كلّ الخير، لأنّه الحكيم الرحيم الذي يدبّر أمر عباده بالحكمة والرحمة. ثمَّ يثير في نفوس هؤلاء الصابرين بعد ذلك الحقيقة الكونية الإيمانية الأخرى، وهي أنَّ العباد سيرجعون إلى الله وستنتهي الحياة كلّها ليعود الملك إليه ـــ تعالى ـــ من دون أن يملك الإنسان أيّ نوع من أنواع القدرة على مواجهة هذا المصير. فإذا كان الإنسان ملكاً لله فما معنى الاعتراض؟ وإذا كانت الحياة ستنتهي بكلّ آلامها إلى الله ليلتقيَ الإنسان برضوانه وثوابه، فما معنى السقوط والجزع؟ لا بدّ من الصبر والرضى والقناعة بقضاء الله ليلتقيَ الإنسان بالله عند رجوعه إليه ليلقى عنده الرحمة والمغفرة والثواب الجزيل، حيث الصلوات التي تمثّل الحنوّ والعطف والرأفة، وحيث الرحمة المنسابة في مشاعر الإنسان وحياته انسياب الضوء في قلب الكون، وحيث تنطلق الشهادة التي تعبّر عن حقيقة إنسانية هي أنَّ الصبر الواعي الذي يعرف قيمة الرسالة والإيمان وما تتطلّبه من تضحيات وآلام وما تنتجه من خير وبركات على صاحبها في الدنيا والآخرة، هو السبيل الحيّ للهدى كلّ الهدى الذي يمنح أتباعه ذلك الوسام الرائع {وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} الذين عرفوا الطريق من خلال الرسالة، وذلك هو سبيل الذين يسيرون وعيونهم تحدّق بالشمس المتدفّقة بالدفء والحياة والضياء. {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ} من مصائب الحياة في أنفسهم وأموالهم وأوضاعهم {قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ} فنحن ملك الله من موقع أنّنا خلقه، فله أن يتصرّف بنا كما يشاء وعلينا أن نتقبّل ذلك بكلّ رضى من دون اعتراض، وأن نؤمن بأنّه ـــ في موقع رحمته ـــ لا يريد بنا إلاّ خيراً ممّا يقرّبنا إلى المصلحة ويبعدنا عن المفسدة، {وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} فسنصير إلى الله في نهاية المطاف ونتخفَّف من كلّ هذه الآلام، فنجد عنده الخير الكثير الذي نحصل فيه على كلّ السعادة التي يذوب معها كلّ حزن وألم ممّا عشناه في الحياة، وبذلك لا يبقى لآلام الحياة قيمة في إحساسنا الذاتي، لأنَّ انتظار لقاء الله في روح رضوانه ونعيم جنّته يطرد كلّ المشاعر الذاتية الخائفة والحزينة والقلقة في أجواء المصائب. وقد جاء عن الإمام عليّ (عليه السلام) في نهج البلاغة: "إنَّ قولنا: {إِنَّا لِلّهِ} إقرار على أنفسنا بالملك، وقولنا: {وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} إقرار على أنفسنا بالهلك"(1). {أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ} والصلاة من الله لعباده ـــ على ما قيل ـــ الانعطاف إلى العبد بالرأفة وذلك بالمغفرة والرعاية له، والتفريج لكربته وقضاء حاجاته، وشفاء مرضه، ممّا يدخل في الحنوّ والتعطّف الصادر من الله الذي يوحي بالشمول الرعائي للعبد بكلّ ما يخفّف عنه قلقه وحزنه ليمنحه الطمأنينة الروحية في الدنيا والآخرة. وقد ورد الحديث عن صلاة الله وملائكته على عباده في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً} [الأحزاب: 43]، وفي هذا دلالة على أنَّ الصلاة تفتح حياة الإنسان المؤمن على النور بعد أن تحاصره الظلمات لينقذه منها برأفته وعطفه وحنانه ورحمته، وهي العطيّة الإلهية المطلقة، والموهبة العامة الربّانية التي انطلقت من ذات الله وصفاته العليا، فأعطت الإنسان ـــ كما أعطت الكون ـــ وجوده، وأفاضت عليه بالنِّعم، وفتحت له أبواب الهداية، ووجّهته إلى الأخذ بأسباب السعادة للحصول على رضوان الله ونعيمه في جنّته، {وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} الذين اكتشفوا طريق الحقّ وساروا فيه، وتحمَّلوا كلّ مصاعبه وآلامه، وتقرَّبوا إلى الله في ذلك كلّه، ليصلوا إلى مواقع القرب عنده، ومواطن الرضى لديه، وذلك هو الهدى كلّ الهدى الذي لا يضلّ سالكه ولا يخيب المنطلق إليه. ***** وممّا نستوحيه من هذه الآيات: القِيَم الأخلاقية قوّة روحية: 1 ـــ إنّ القرآن يعتبر القِيَم التي يؤمن بها الإنسان، لوناً من ألوان القوّة الروحية التي يمكن للإنسان أن يستثيرها ويستعين بها عندما تثور أمامه نوازع الضعف. وبذلك يوجّه الإنسان إلى أن يدرس كلّ خصائصه الروحية والفكرية في عملية إحصاء دقيقة، ليعرف مقدار القوّة التي يملكها في مواجهة القوى الشرّيرة الأخرى، سواءٌ في ذلك القوى المضادّة الكامنة في داخل نفسه كالشهوات والأطماع، أو القوى البارزة على ساحة الصراع في الحياة. ثمَّ يمتدّ الموقف في إثارة إيحائية ليعرف من خلال ذلك أنّ القوّة لا تنحصر في ما تعارف عليه الناس من القوّة المادية المتمثّلة بالسلاح والرجال والمال والمراكز وغيرها، بل هناك القوّة الروحية التي تتمثّل بالقِيَم والتعاليم الكبيرة التي يؤمن بها الإنسان في داخل ذاته، فهي التي تحميه من نقاط الضعف في نفسه، كما تحميه من وسائل القوّة التي يثيرها الآخرون ضدّه لتحتاج إيمانه ورسالته وموقفه، حيث تتحفَّز تلك القِيَم لتوحيَ له بالثبات مع الخطّ مهما كانت السلبيات والخسائر الصعبة. ***** دور الشعور بالآخرة في تربية الوجدان: 2 ـــ إنّ من الأساليب القرآنية المرتكزة على أساس من العقيدة الإسلامية الحقّة في ما بعد الموت، محاولة إثارة الشعور بالحياة الآخرة كحالة وجدانية في نفس المؤمن، من أجل تفريغ الفكر والقلب والوجدان من الإحساس بالخوف والوحشة من ظلام الموت وهوله الذي يمنع الإنسان من الحركة في ما يعرّض الحياة للخطر، وذلك في حالات الجهاد في سبيل الله، ولا بدَّ لنا من التركيز على هذا الأسلوب لتحقيق هدفين: الأوّل: تنمية العقيدة في داخل المؤمن بتعميق الإحساس بتفاصيلها، بالأسلوب الذي يجعلها حالة وجدانية كما لو كان الإنسان يواجه الموقف بالإحساس البصري المباشر، فيحوّلها ـــ أي القرآن الكريم ـــ عن الحالة الفكرية المجرّدة التي قد لا تثير المواقف الحاسمة في أغلب المجالات. الثاني: التغلّب على نقاط الضعف التي تثور في داخل الإنسان من خلال النوازع النفسية الذاتية المتّصلة بحبّ الحياة، ومن خلال الأجواء الخارجية التي يثيرها الآخرون في مجالات الصراع من حالات الخوف والفزع. وفي ضوء ذلك، يتحرّك الأسلوب القرآني في إحساس عميق بالحياة كأفضل ما تكون الحياة في كلّ ما تجسّده من المتع واللّذات الحسيّة والمعنوية، فيتحوّل الموقف من حالة الهروب من الموت إلى شوق كبير له ولما يحمله من فرصة الحياة الأفضل والأنقى والأصفى. البلاء للمؤمن عامل تنمية واختبار: 3 ـــ التركيز على إثارة روح التحدّي للبلاء والمصائب في نفس المؤمن من خلال اعتباره تجربة حيّة من تجارب الحياة الطبيعية بعيداً عن كلّ إحساس سلبي بالألم والعذاب، أو النظر إليها كمظهر من مظاهر العقوبة الإلهية كما هي في عقيدة بعض المؤمنين الساذجين، وبذلك يبتعد الإنسان عن الشعور بالانسحاق أمام البلاء، ليكون، بدلاً من ذلك، عامل تنميةٍ واختبار للقوّة من أجل الحصول على النتائج الكبيرة في مجال تربية الشخصية الإسلاميّة، وارتفاعها في منازل القرب من الله سبحانه. وهذا ما نحتاجه في الصراعات التي يخوضها العاملون في سبيل الله ضدّ قوى الكفر والانحراف في كلّ المجالات، حيث يتعرّض هؤلاء لما كان يتعرّض له المسلمون الأوّلون في بدايات الدعوة الإسلامية من النقص في الأموال والأنفس والثمرات، ليصبروا على ذلك كما صبر أولئك، وليحصلوا على نتائج النصر في الدنيا والسعادة في الآخرة، لأنَّ ذلك هو سبيل الوصول إلى الأهداف الكبيرة التي يستهدفها أصحاب الرسالات السّماوية. ***** علاقة الصبر بالجانب الروحي للعقيدة: 4 ـــ إنَّ الدعوة إلى الصبر في الشدائد والأهوال لا تشبه الدعوات التي يوجّهها الآخرون في أساليبهم المتنوّعة، حيث تؤكّد المعاني الإنسانية الذاتية في الحديث عن النتائج السلبية والإيجابية، بينما نجد القرآن يربط الموضوع بالعقيدة ودلالتها وإيحاءاتها وعلاقة ذلك كلّه بالجوّ الروحي الذي يتطلّع إلى رضى الله ومحبّته ورحمته، لئلا يتجمّد الإنسان في مواقفه على النوازع المادية التي تربطه بالحياة الدنيا، فيخلد إليها في استسلام مهين، ويبتعد بذلك عن أخلاقية الإسلام المتّصلة بالحياة من خلال اتّصالها بالله، المرتكزة على الأسلوب الإسلامي التربوي الذي يجعل الهدف الإنساني مرتبطاً بالعلاقة الحميمة بالله، في سير الإنسان الأخلاقي، الأمر الذي يدفعه إلى التغلّب على كلّ النتائج السلبية على مستوى الحياة الدنيا إذا كانت النتائج إيجابية على مستوى الحياة الأخرى في رضوان الله وعفوه وغفراته، لتبقى الحوافز الدافعة إلى الالتزام والانضباط حيّة قويّة في مختلف الظروف والأوضاع من دون الاستسلام لأيّة نقطةٍ من نقاط الضعف الإنساني. ***** 3 ـــ الإيمان في أجواء المعاناة: {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 179]. ***** معاني المفردات: {لِيَذَرَ}: ليدع ويترك. ***** لما كان الإيمان ـــ في وعي الحقيقة القرآنية الإلهية ـــ موقفاً وليس كلمةً، كان من الطبيعي أن يحرّك المؤمنين إلى تجسيده في حياتهم العملية، وذلك من خلال الظروف الصعبة، والتحدّيات الشديدة، والطرق الطويلة الضائعة، التي تواجه مسيرتهم في ما يأخذون به وما يتركونه، ليتميَّز الطيّبون الذين يعيشون الإيمان فكراً وشعوراً وحياةً تشمل كلّ أوضاعهم وعلاقاتهم، فيثبتون أمام المزالق، ولا يسقطون أمام قسوة الظروف وتحدّياتها، ولا ينحرفون تحت تأثير الطرق الملتوية؛ بل يبحثون عن الهدى في موقع الهدى، ويسيرون عليه في اتّجاه الخطّ المستقيم، وبذلك يتبيَّن الخطّ الخبيث في سلوك الخبيثين الذين قد يخادعون الناس في الحالات الرخيّة السهلة التي لا تكلّف الإنسان شيئاً من تضحية أو جهد، فيُمكن له أن يتّخذ لنفسه مظهراً يبتعد به عن الحقيقة المرعبة التي تختفي في داخله؛ ولكنّهم لا يستطيعون السير طويلاً في خطّة الخداع هذه، لأنّ المواقف التي تضع الإنسان بين اختيارين ـــ لا ثالث لهما ـــ لا تترك المجال واسعاً أمام اللاعبين، بل تحدّد لهم الساحة التي لا تسمح لهم باللّعب فيها بحريّة... وهكذا يجدون أنفسهم أمام الاختيار الصعب الذي يتحرّكون فيه من مواقع الخبث الداخلية في نفوسهم، فينكشف الزيف، وتتحرّك المواقف في عملية فرز حقيقيّة، ليميّز الله من خلالها الخبيث من الطيّب من حركة التجربة التي لا تترك مجالاً للشكّ عندما يتبدَّد الضباب أمام إشراقة النور المتفجّر من قلب الشمس. ***** حكمة الله في كشف غيبه وكتمانه على المؤمنين: وربّما كان يدور في عقول المؤمنين، أنّ الله يعلم غيب الناس في ما يسرّون وفي ما يعلنون، ويميّز الخبيث من الطيّب بما يعرفه من سرائرهم، فلو أطلعهم على هذا الجانب من غيبه لوفَّر عليهم عناء الدخول في التجربة الصعبة. ولكنّ الله يثير أمامهم القضية الحاسمة من سننه التي أخضع لها الأشياء، فقد أجرى سنته في حياة الناس، أن يسير بهم في أمورهم على أساس الأسباب الطبيعيّة في المعرفة، فإذا أرادوا المعرفة فعليهم أن يبتغوا إليها الوسيلة من مصادرها الواقعية، لأنَّ لذلك صلة وثيقة بالنموّ العقلي والعملي لشخصيّتهم التي تعطيها التجربة والمعاناة انفتاحاً كبيراً على الحياة، فتلتقي المعرفة بالتجربة في وحدةٍ ذاتية غنيّة بالعطاء. ولا سبيل إلى المعرفة الغيبيّة التي تنتظر النتائج من دون عناء، لأنّهم يخسرون الكثير من حياتهم في هذا المجال من خلال ما يفقدونه من الوسائل الواقعية للمعرفة. ولكنّ الله لا يحجب الغيب عن رسله الذين يجتبيهم ويختارهم من بين خلقه ليقودوا الناس إلى سواء السبيل، فقد تمسّ الحاجة الرسالية إلى أن يكونوا على معرفة بما حولهم ومن حولهم من الناس والأشياء ممّا لا طريق لديهم إلى معرفته، وذلك من أجل أن يدفعوا عن الرسالة شرّاً، أو يجلبوا لها خيراً، من خلال التخطيط الواعي للحركة في امتداد الحياة، ممّا قد يستدعي المعرفة الخفيّة بحقائق الأشياء. ***** أجر التّقوى عظيم: وتنطلق الآية ـــ من خلال هذه الحقيقة الإيمانية ـــ لتدعو الناس المؤمنين إلى أن يعيشوا الإيمان كأعمق ما يكون، فيتحوّل إلى تقوى، ويتحرّكوا من التقوى في مواقفهم العمليّة ليُعطيهم الله أجر التقوى المرتكزة على الإيمان. ولن يكون الأجر عادياً يشبه ما يأخذه الناس من أجرٍ على أعمالهم، بل هو الأجر العظيم الذي يحسب حساب العمل من موقع الإيمان الذي ينطلق مع النفس الطيّبة التي تعيش الآفاق الرحبة بين يديّ الله. {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ} أي ليدعهم ويمنحهم حريّة الاسترخاء في نوازعهم الذاتية وأوضاعهم العادية، فليس من شأنه ـــ في مواقع حكمته ورحمته ـــ أن يهمل عباده المؤمنين ليعيشوا الحياة بعيداً عن القوّة والوعي والصلابة في الموقع والموقف، {عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ} في المجتمع الإسلامي الذي يختلط فيه المؤمن والمنافق، من خلال اختفاء الملامح الحقيقيّة للإيمان، لأنّها لا تظهر إلاّ من خلال التجربة القاسية الصعبة التي تظهر دخائل النفوس وحقائق الالتزام؛ فلا يعرف فيه المخلص من غير المخلص، لأنَّ السلوك العبادي الظاهري ممّا يلتقي عليه الجميع، وبذلك يظهر أنَّ ما ذكره صاحب مجمع البيان من أنّ المقصود بكلمة {أَنتُمْ} أهل الكفر، فلا يذرهم على ما كانوا عليه قبل مبعث النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)(1)، فإنّه خلاف الظاهر، لأنّ السياق يتّصل بالمجتمع الإسلامي في التجربة التي عاشها المسلمون في يوم أُحُد في اختلاط الموقف بين أهل الإيمان والنفاق، إلاَّ إذا كان مقصود صاحب المجمع من أهل الكفر، أهل النفاق الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإيمان ممّا يسمح لهم بالامتداد في حياة المسلمين والعبث بهم من خلال الشخصية الخفيّة التي يختفون وراءها، ولكنّه هو ذكر ـــ بعد اختياره ذلك ـــ احتمال أن يكون الخطاب للمؤمنين وتقديره ـــ كما يقول ـــ: "ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق، وعلى هذا فيكون قد رجع إلى الخبر إلى الخطاب كقوله: {حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ}(1) [يونس: 22]. {حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} أي الشخص الذي يعيش الرداءة الداخلية في عناصر الشخصية الفكرية والروحية والعملية، والعمل الرديء الذي يحمل في داخله السوء والشرّ لمن حوله وما حوله، فيعرف ـــ بالتجربة القويّة الصعبة ـــ كلّ حركة الخفايا السلبية في الداخل، {مِنَ الطَّيِّبِ} مقارناً بالشخص الذي يعيش الطيبة النفسية والطهارة الفكرية والانتماء الروحي والاستقامة الأخلاقية، أو هو العمل الذي يحمل تلك المعاني كلّها في ملامحه الداخلية والخارجية، وذلك من خلال المسؤوليات المتنوّعة المتّصلة بحركة الإنسان في ساحة الصراع بين الكفر والإيمان، وميدان التجاذب بين الخير والشرّ، وتعقيدات الأوضاع بين الحقّ والباطل، وذلك بما يكلّفهم الله من ذلك في المواقف الحاسمة التي لا مجال فيها للتردُّد، ولا فرصة فيها للهروب والتمييع بالأساليب الملتوية. فمن كان ثابت الإيمان ثبت في المعركة من خلال إرادته، فلا ينهزم أو يتراجع إلاَّ من خلال نقاط الضعف الطارئة، أو الضغوط القاسية التي يصعب الابتعاد عنها، ومن كان منافقاً في دائرة الاهتزاز في الموقع والموقف والانتماء والالتزام لفقدان القاعدة الفكرية الإيمانية التي تفرض عليها الوضوح والثبات، ابتعد عن المعركة وانهزم عن ساحتها، وانفتح ـــ من خلال نفاقه ـــ على معسكر الأعداء للكيد للإسلام والمسلمين بالتنسيق معهم، لينفّس عن حقده ويعبّر ـــ عملياً ـــ عن عقدته الخبيثة المتأصّلة في شخصيته. وفي ضوء ذلك، نعرف أنَّ الخبث والطيبة ليسا شيئين كامنين في الذّات في أصل الخلق، بل هما عنصران طارئان من خلال العوامل المتنوّعة التي تتحرّك في إرادتهم لتضغط على القرار الذي يتحرّك في مواقفهم لمصلحة الكفر والباطل والشرّ. ***** بين الإيمان والتقوى: {فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ} فهذا هو الذي يحقّق لكم عنصر الطيبة الروحية والشعورية والعملية، لتكونوا من الطيّبين الذين يتميَّزون بالإيمان الشامل في مواجهة الخبيثين الذين يبتعدون عن أصالة الإنسان في معنى الإيمان في الشخصية، فهو الذي يحقّق التوازن في الفكر والعقيدة، فيقدّرون الله حقّ قدره، كما يضعون الأنبياء في منازلهم التي أنزلهم الله فيها، فهم ـــ أي الأنبياء ـــ لا يعلمون إلاّ ما علمّهم الله، ولا يتحدّثون عن الغيب إلاّ بما أخبرهم الله، لأنّهم ليسوا من علم الغيب في شيء من ناحية ذاتية، وهم الأُمناء على إبلاغ الرسالة بكلّ أمانة وصدق وثبات وإخلاص، {وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} فلا بدّ من أن تجتمع لكم هاتان الصفتان؛ الإيمان والتقوى، لأنَّ الإيمان وحده ليس كافياً في استحقاق الثواب، فلا بدّ من الانسجام مع الإيمان في خطّ التقوى الذي يمثّل الانضباط في مواقع طاعة الله في أوامره ونواهيه، لأنَّ قضية الرسالات هي قضية حركية التغيير الإنساني على مستوى الالتزام الفكري والعملي بالله ورسله ورسالاته، فلا يكفي الإيمان وحده، من حيث هو معادلة فكرية وحالة شعورية، بل لا بدّ من أن يتحوّل إلى موقف في الواقع العملي، والتزام في الجانب الحركي. ***** 4 ـــ الإيمان في مواجهة التحدّيات: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيراً وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} [آل عمران: 186]. ***** معاني المفردات: {لَتُبْلَوُنَّ}: البلاء في الأموال: الإنفاق في سبل الخير وما يقع فيها من الآفات، والبلاء في الأنفس: القتل والأسر والجراح، وما يرد عليها من أنواع المخاوف والمصائب. {عَزْمِ الأُمُورِ} العزم والعزيمة: عقد القلب على إمضاء الأمر، يُقال عزمت الأمر، وعزمت عليه واعتزمته، والمراد به هنا: معزومات الأمور، أي: ما يجب العزم عليه من الأمور أو ممّا عزم الله أن يكون، يعني أنَّ ذلك عزمة من عزمات الله لا بدَّ لكم من أن تصبروا وتتَّقوا. ***** إنَّ الإيمان ـــ في حياة المؤمن ـــ موقف لا كالمواقف، لأنّه يمثّل التحدّي الكبير لما تعارف عليه الناس من اتجاهات فكريّة وتيّارات عمليّة، في ما ينطلق فيه من تصوّر شامل للكون والحياة من خلال البداية والنهاية وعلاقة ذلك بالله، وحركة دائبة في أجواء الواقع الإنساني الكبير... وفي هذا الجوّ سوف يلتقي بالكثيرين الذين يعيشون الامتيازات الاجتماعيّة والاقتصادية والسياسيّة على أساس التعصّب لبعض الأفكار المنحرفة والتصوّرات الضالّة والمنطلقات الكافرة، وسيحاول هؤلاء أن يثيروا الصعوبات والعقبات في الطريق أمام المؤمنين، في ما يواجهونه من الكلمات القاسية، والإهانات الجارحة، والأوضاع السيّئة التي تسيء إلى أمنهم واطمئنانهم وتهدر كرامتهم، وتعرّضهم للأخطار الكبيرة في أموالهم المعرّضة للضياع، وفي أنفسهم المعرّضة للموت. {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ} وتؤكّد الآية على أهل الكتاب وعلى المشركين في ما يثيرونه في هذا الاتجاه، باعتبارهم من الفئات البارزة التي تمثّل التحدّي الصارخ في التصوّر والعمل للخطّ الإيماني السليم الذي يتمثّل في الإسلام والمسلمين، {أَذًى كَثِيراً} فقد يتحرّكون في اتجاه إثارة الأذى الكثير في وجه المؤمنين من خلال مسيرتهم الإيمانية، والشكوك التي يحرّكونها في الأذهان، والاتهامات التي يطلقونها في الساحة، والتحريفات التي يشوّهون بها وجه الحقيقة الأصيل، في ما يبتعدون به عن صفاء الوحي وطهر التنزيل، ممّا يستهدفون من خلاله إبعاد المسلمين عن الخطّ المستقيم في الإسلام، وإبعاد الآخرين عن الدخول في الدّين الجديد؛ لتبقى لهم حريّة اللّعب والعبث بمقدّرات أمور الناس في قضاياهم العامّة والخاصّة. {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ} ويريد القرآن للمؤمنين أن يواجهوا ذلك بالصبر والتّقوى، هذان العنصران اللّذان يكون أحدهما نتيجةً للآخر، فلا معنى للتقوى بدون صبر، لأنّها تعني الإرادة الصلبة في حركة الإيمان نحو الله أمام اهتزازات الإغراءات الكثيرة المتنوّعة التي تعمل على أن تهزّ مشاعر الإنسان وأعماقه بطريقةٍ شهوانيّة متحرّكة، ولا بدّ في ذلك كلّه من الصبر الذي يتجسّد في داخل الإنسان كقوّة رائدة تمثّل العزم الكبير في الأمور... ولا معنى للصبر بدون التقوى، لأنّه يعني الخطّ الإيماني الروحي الذي ينطلق في الفكر والشعور، ليُثير في الإنسان الفكر الذي يهدي، والعاطفة التي تحرّك، والخشوع الذي يهزّ، ويوحي بانطلاقة العبودية الخاضعة في آفاق الربوبية الواسعة، فيتحوّل الصبر إلى تقوى تتحرّك في مواقع الإرادة، وتطوف التقوى بالروح وبالفكر وبالنفس لتزرع في أعماقها غراس الصبر التي تنتج الحركة المنطلقة أبداً في اتجاه الحرية الداخلية في ما تريده من خيرٍ وبركةٍ وإيمانٍ. ***** 5 ـــ النِّعم وفلسفة البلاء الإلهي: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً*وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} [الكهف: 7 ـــ 8]. ***** {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا} وذلك بما أنعمنا على الناس من جاهٍ ومال وأولاد، وأعطيناهم من امتيازاتٍ، يستمتعون بها، ويتنافسون فيها، وقد يتقاتلون في سبيل الحصول عليها، كما يتعقَّدون في مواجهة قضايا الحقّ والباطل والخير والشرّ من خلال تأثيرها على مصالحهم وأوضاعهم في خدمة هذه الشهوات والامتيازات. إنّا جعلنا ذلك كلّه لهم، من خلال ما أودعناه في الأرض من ذلك، ولكن لا لأنّه يمثّل رسالة الحياة وهدفها ومعناها في واقع الإنسان، بل من أجل أن يكون موقعاً للتجربة والحركة في اتجاه تأكيد الإرادة، على أساس اختيار القرار الأفضل لمصلحة الالتزام من قاعدة الحريّة الإنسانية في مواقع الصراع، لينطلق التسابق بين الناس من أجل تحديد الأحسن في عملية إثارة للطموح في الاتجاه الصحيح. ***** وجوب عدم الاستسلام للدّنيا: {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} وذلك في ساحة تجربة الحياة التي تتنوّع فيها المغريات، وتختلف فيها الشهوات، وتتكاثر فيها الأطماع، ممّا يعيش الإنسان معه حالة التحدّي الصارخ الذي يواجه إيمانه ويهزّ موقفه، فإذا انطلق ليتحرّك في الاتجاه الأفضل الذي يتمرّد فيه على الشهوة الحرام، والمال الحرام، والجاه الحرام. ويستبدل ذلك بالطاقة التي تخدم الحياة والإنسان في خطّ الله، فإنّه يكون ممّن يعيش التفاضل في العمل تجاه الآخرين، أمّا إذا سقط في التجربة، فإنّه يسقط في المصير. ومهما كان الوضع العملي للإنسان، في نتائجه السلبية أو الإيجابية، فإنّ هذه الحياة الحلوة الرخيّة، التي تشتمل على الزينة المادية والمعنوية التي يستمتع بها الناس، لن تبقى في هذه الأرض، فستعود أرضاً لا تنبت شيئاً، كأنّها تأكل النبات أكلاً، فلا تعطي الحياة شيئاً، ولن تحقّق للإنسان أيّة متعةٍ. {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} أي أرضاً لا نبات فيها، وهو كنايةٌ عن فقدان حركة الحياة فيها، باعتبار أنّ النبات يمثّل الحياة النامية الحلوة التي تمدّ الإنسان بالقوّة عندما تمدّه بالغذاء، وتمنح الوجود جمالاً، من خلال ما تثيره فيه من الخضرة الطافرة الحلوة. وهذه هي الصورة التي يريد القرآن أن يؤكّدها في وعي الإنسان، فلا يستسلم لزينة الحياة الدنيا، فيعتبرها شيئاً خالداً يستريح له، ويطمئن إليه، ويتحرّك معه كهدفٍ يسعى إليه. بل عليه أن يعتبرها مجرّد زينةٍ طارئةٍ، كحالةٍ عابرةٍ، ليستغرق في داخلها في نطاق الفكرة التي يستوحيها، والدرس الذي يأخذه، والعمل الذي يعمله... ليبقى له ذلك منها، كرصيدٍ للدار الآخرة، عندما تتحوّل الحياة إلى شيءٍ لا أثر فيه لأيّة حركةٍ ولأيّة حياة. ***** التقليد العقل أساس المعرفة والمسؤولية ـــ العقل ومنهج اكتشاف الحقيقة ـــ تقليد الآباء ـــ المجتمع وقداسة سنن الآباء والأجداد ـــ موقف الناس من المألوف. 1 ـــ العقل أساس المعرفة والمسؤولية {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171]. ***** معاني المفردات: {كَمَثَلِ}: المثل: قول سائر يدلّ على أنّ سبيل الثاني سبيل الأوّل. {يَنْعِقُ}: النعيق: التصويت، يُقال: نعق الراعي بالغنم إذا صاح بها زجراً، ونعق الغراب: إذا صوَّت من غير أن يمدّ عنقه ويحرّكها. ونغق بالغين بمعناه، فإذا مدّ عنقه وحركها ثمَّ صاح قيل: نعب. {دُعَاءً}: الدعاء: طلب الفعل من المدعوّ. {وَنِدَاء}: النداء: مشتق من ندى الصوت ناداه أي دعاه بأرفع صوته. ***** هذا مثلٌ للكافرين يستهدف كشف الصورة الداخلية الحقيقيّة للكافر في مواجهته للفكر الذي يقدّم إليه، وللإيمان الذي يُدعى إليه، فهو لا يحمل في نفسه مسؤولية الفكر والإيمان ليفكّر ويناقش ويدير الحوار الذي يرتكز على أن يسمع وجهة نظر الآخرين، ويفهم طبيعتها وخصائصها وتفاصيلها، ثمَّ يفكّر فيها من حيث هي خطأ أو صواب. إنّه خاضع لتسلّط الفكرة المنحرفة على وجدانه وضميره، فهي تملأ كلّ جوانب ذاته، ولا يسمح لأيّة علامة استفهام أن تهزّ هذه القناعة المضلّلة عنده، ولا يستمع لأيّ صوت هدى يقتحم عليه ضلاله. ولهذا فهو لا يواجه أصوات الحقّ والخير والهدى، إلاَّ كما تواجه الأنعام أصوات الرّعاة، فلا تفهم من أناشيدهم أيّ شيء ممّا تجيش به صدورهم وتنفعل معه مشاعرهم، بل لا تعي إلاَّ الصوت الذي يرنّ في أسماعها لتتحرّك معه. وتزيد الآية الصورة وضوحاً في طبيعة الحالة العامّة التي تمنعهم من مواجهة الإيمان بالجدّ والإيجابية، فقد عطَّلوا أسماعهم وأغلقوها عن آيات الله، فمثلهم مثل الذين لا يملكون قوّة السمع، وقد عطّلوا ألسنتهم عن الجواب، في ما يوجّه إليهم من كلمات الله بما يحتجّ عليهم به أو يسألهم عنه، فكأنّهم لا ينطقون، وقد أغمضوا عيونهم عن النظر إلى آيات الله في خلقه بما تجسّده من مواطن العظمة، فكأنّهم لا يبصرون. ومن خلال ذلك كلّه، عطَّلوا عقولهم عن التفكير بما جمَّدوه من أدوات الفكر المسموعة والمنظورة والمنطوقة، فكأنّهم لا يعقلون. وقد نجد في هذا المثل الحيّ الفكرة التي يعمل القرآن على تقريرها وتأكيدها في قضية الكفر والإيمان، وهي أنَّ الكفر ليس مشكلة فكرية تواجه الإنسان في ما يواجهه من مشاكل الفكر المعقّدة، بل هي مشكلة ذاتية تنطلق من خلال العقدة النفسية التي يعيشها الإنسان إزاء ارتباطه بفكرة معيّنة ممّا لا يبقي له مجالاً للانفتاح على أيّ شيء آخر مضادّ لها. ***** الكافرون يعطّلون حواسهم عن العمل: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ} في دعوتك إيّاهم إلى الإيمان {كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} أي يرسل الصوت {بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً} كالبهائم التي تسمع أناشيد الرّعاة التي تتضمن معاني عدّة، ولكنّها لا تفهم معناها، ولا تنفتح بها إلاّ على الصوت، فهم لا يفهمون من كلامك الرسالي معناه، بل يقتصرون من ذلك على الصوت المجرّد الذي يشقّ طريقه إلى السمع من دون أن يدخل في العقل، لأنّهم ذاهلون عن دعوتك، منصرفون عن معناها، لاستغراقهم في التفكير الذي ورثوه عن آبائهم؛ فهم متعبّدون له لا ينحرفون عنه إلى غيره حتى لو كان صواباً، لأنّ الصواب لا يمثّل اهتماماتهم في الانتماء والاقتناع، بل هو امتداد الماضي في عقولهم وأفكارهم. ويقول صاحب الكشّاف: "ويجوز أن يُراد بما لا يسمع: الأصم الأصلح الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلاَّ النداء والتصويت لا غير، من غير فهم للحروف، وقيل معناه: ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلاَّ ظاهر الصوت ولا تفهم ما تحته، فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم، ولا يفقهون أهم على حقّ أم على باطل"(1). {صُمٌّ} عن استماع الحُجّة كما لا يسمعون. {بُكْمٌ} عن النطق بها كمن لا ينطقون. {عُمْيٌ} عن رؤية الحقائق البارزة فيها كمن لا يبصرون. {فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} لأنّهم لا يستعملون عقولهم في إدراك الحقّ. ***** أفكار من وحي الآية: العقل أساس المعرفة والمسؤولية: ونستطيع أن نستوحيَ من الحديث في الآية السابقة التي تتساءل عن اتباعهم آبائهم حتى لو كانوا لا يعقلون شيئاً، وفي هذه الآية التي تؤكّد أنّهم لا يعقلون؛ أنَّ المشكلة في هؤلاء أنّهم لا يملكون حركة العقل في وجدانهم حتى يميّزوا به الخطّ المستقيم من الخطّ المنحرف، ولا يفرّقون بين الجهة التي لا تعقل شيئاً ولا تهتدي طريقاً، وبين الجهة التي تملك العقل والوعي والهدى، فيتّبعون تلك ويتركون هذه. ومن هنا، فإنَّ فقدانهم حيوية العقل وجرأته، جعلهم يقلّدون من لا عقل له في حقائق الأشياء. ومن جهةٍ أخرى، فهي تدلّ على أنّ العقل هو الأساس في حركة المعرفة الصحيحة ووعي المسؤولية، فمن لا يعتمد العقل وسيلته إلى المعرفة في مسؤوليّاته الفكرية فلن يصل إلى الحقيقة في عمقها الإيماني. ***** 2 ـــ العقل ومنهج اكتشاف الحقيقة: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ*الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ*رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ*رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ*رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ*فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ} [آل عمران: 190 ـــ 195]. ***** معاني المفردات: {وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}: تعاقبهما، ومجيء كلّ منهما خلف الآخر. {الألْبَابِ}: جمع اللّب، وهو العقل. {جُنُوبِهِمْ}: أصل الجنب: الجارحة، وجمعه: جنوب، ثمَّ يستعار في الناحية التي تليها. {سُبْحَانَكَ}: معناه: تنزيهاً لك من أن تكون خلقتهما باطلاً، وبراءةً ممّا لا يليق بصفاتك. {أَخْزَيْتَهُ}: خَزي الرّجل: لحقه انكسار إمّا من نفسه وإمّا من غيره، فالذي يلحقه من نفسه هو الحياء المفرط ومصدره الخزاية، والذي يلحقه من غيره، يُقال: هو ضرب من الاستخفاف(1). ومصدره الخزي. {الأبْرَارِ}: جمع برّ، وهو الذي برّ الله بطاعته إيّاه حتّى أرضاه. {الْمِيعَادَ}: من الوعد يكون في الخير والشرّ. ***** ما هو المنهج الأصيل الذي يمكن للإنسان أن يكتشف به الحقيقة في وجود الله، وفي اللّقاء به، وفي الشعور بعظمته التي تستولي على الفكر والقلب والشعور؟ هل هو الفلسفة في أسلوبها التحليلي الذي يغرق الإنسان معه في الآفاق التجريديّة، وفي فرضيّاتها التي تقترب من الخيال أو تعيش معه؟ {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ}. إنَّ القرآن يحدّد المنهج في الفكر الذي يُلاحق الظواهر الكونيّة في عملية تأمّل وتدبّر وتفكير، فليس للإنسان أن يحدّق في كتب الفلسفة، بل عليه أن يحدّق في كتاب الكون، ليفكّر في خلق السماوات والأرض وما يتمثّل فيهما من قوانين طبيعية تنظّم لهما المسار، وتربطهما بالحكمة من كلّ الحركات والسكنات والدقائق التي تتعلّق بهما، وليرصد حركة اللّيل والنهار، وكيف تختلف في الزيادة والنقصان حسب اختلاف الفصول والأزمنة، فيعرف أنَّ هناك سرّاً عميقاً وراء ذلك كلّه، فيكتشف أنَّ هناك عقلاً واسعاً كاملاً يخطّط للكون ونظامه، وإرادة قويّة فاعلةً قادرةً تسيطر عليه وتوجّه حركته وتمسكه وتحفظه من الانهيار والضياع، فذلك هو النهج الذي يمكن أن يكون آيةً للعقول التي تفكّر في كلّ ما حولها ومَنْ حولها، ولأصحابها الذين لا يتحرّكون في الحياة ولا يحكمون على الأشياء سلباً أو إيجاباً إلاَّ من خلالها؛ وبهذا يلتقي العلم والدّين في وجود الله، وفي تكامل الإنسان من خلال هذا الوجود، على أساس النتائج التي يتوصّل إليها في أبحاثه ودراساته، لأنّ الدّين لا يدعو إلى الإيمان الأعمى ـــ في ما يدعو إليه من إيمان ـــ بل يعمل على خطّ الإيمان المنفتح الواعي المبنيّ على التفكير والتحليل الدقيق. وفي ضوء ذلك، نستوحي الفكرة التي تنطلق لتؤكّد احترام الإسلام للعقل في ما يريد له أن يقوم به من أدوارٍ تتّصل بالعقيدة الأساس فيه، فلولا ثقته بالعقل في ما يحلّل وما يستنتج، لما اعتبره السمة للنّاس الذين يتحرّكون في اتجاه اكتشاف الحقيقة، ليوحيَ إليهم بأنَّ عظمة الإنسان في عقله، كما أنَّ عظمة العقل في حركته في معرفة الحقّ من دراسته الفطرية للكون الواسع من حوله، في ما يحيط به، وفيمن يحيطون به. فإذا كان العقل هو القاعدة الأساس في أصل العقيدة، فكيف يمكن أن يُنسب إلى الدّين انطلاقه من الخرافة والأسطورة والخيالات المثاليّة التي لا ترجع إلى قاعدة ولا تعود إلى محصل؟ إنَّ أولي الألباب لا ينطلقون في عقائدهم إلاّ من خلال ألبابهم وعقولهم التي تُلاحق الظاهرة الكونية في عملية حساب، كما تُلاحق الظواهر السياسية والاجتماعية والاقتصادية في ربطها بأسبابها وأوضاعها، لتكون العقيدة محسوبة، كما يكون الواقع العملي محسوباً في مقدّماته ونتائجه. وليست العقيدة بالله في شخصية الإنسان المؤمن حالةً ذهنية مترفة مجرّدة، بل هي حالة فكريّة واقعية ترتبط بالله لتحسّ به في حركة الفكر والشعور، كما لو كان ماثلاً أمامها في الحسّ والصورة؛ ولهذا فإنّها تشعر به يحيط بها من جميع جوانبها وفي جميع حالاتها، ما يجعلها تذكره في كلّ صعيد ومع كلّ وضع. {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ} لأنّهم يرونه في كلّ ظاهرة خارج نطاق الجسم، وفي كلّ حركة من حركات الجسد في داخله وخارجه، فلا يغيب عنهم لحظةً واحدة، لأنّه يملك عليهم الحسّ والشعور. وإذا ذكروا الله في ذلك كلّه، فإنَّ هذا الذكر لا يتحوّل إلى حالةٍ صوفيّة متشنّجة تجعل الإنسان يغرق في الذّات في مثل الغيبوبة الروحية التي تربطه باللاوعي، بل يتحوّل إلى وعي كامل للكون من خلال الله؛ فإنَّ الله القادر العليم الحكيم لا يمكن أن يخلق شيئاً عبثاً، فكلّ شيء عنده خاضع لحكمة خفيّة أو ظاهرة. إنّها الفكرة الإجمالية التي تحكم التصوّر الإنساني في شخصية المؤمن. ثمَّ تبدأ التفاصيل الدقيقة تباعاً في حركة الفكر الذي يُلاحق الظاهرة في حركة قوانين الحياة، {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ} فقد انطلقت الحياة من خلال الحكمة في ظواهرها الخاضعة للنظام الكوني الشامل. وهكذا أرادت للإنسان أن يتحرّك على أساس الحكمة في أقواله وأفعاله، باعتباره المظهر الحيّ المتحرّك للحياة النابضة بالروح، لتتكامل الحياة في ظواهرها الكونية والإنسانية، فتنطلق من قاعدة النظام الكامل الحكيم. وإذا كان الإنسان خاضعاً للنظام في الحياة من خلال ما أرادته له من سلوك عمليّ، وما وعدته من مصير مشرق في حالة الانسجام مع خطّ الطاعة، أو مصير مظلم في حالة التمرّد في خطّ المعصية، فإنّنا نحن الذين يؤمنون بك ويرجون رضاك ويخافون عقابك، ندعوك بأن توفّقنا للسير في خطّ رضاك لنحصل على النجاة من النار، {فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} التي تمثّل الخزي كلّ الخزي للإنسان في ما تمثّله من أوضاع مهينة يتحوّل فيها إلى كمية مهملة، وشيء حقير، كأيّة حجارةٍ مرميةٍ في أيّة زاويةٍ من زوايا جهنّم؛ في الوقت الذي يواجه فيه الذلّ والحقارة في صورة العذاب الذي يتعرَّض له. ***** دعاء المؤمنين وابتهالهم إلى الله: {رَبَّنَا إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} ومن هو هذا الإنسان الذي تدخله النّار؟ ما هي صفته؟ إنّه الإنسان الذي يظلم نفسه بالمعصية والتمرّد على الله، ويظلم الناس بالغلبة والقهر، فيكون في عداد الظالمين الذين لا يملكون أيّة قوّة أمام قوّة الله {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ}. ويقف هؤلاء المؤمنون أمام الله في وقفة اعتراف وابتهال، ليشهدوه على إيمانهم الذي انطلق من وعيهم لحقيقته في ما انطلقوا فيه من فكر الحقيقة، فاستجابوا لنداء الدعوة إليه من قبل الرّسل: {رَّبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا} فلم يتطرّق إلينا الشكّ في الله لحظة واحدة، لأنّنا انطلقنا في عقولنا من منطق الوعي، فلم نجمّد حركة الفكر في قضايا العقيدة، بل أطلقنا له العنان ليفتّش ويفكّر ويسأل ويحاور ويناقش الآخرين كلّ الآخرين، فوصلنا إلى القناعة من أقرب طريق. ولكنّ الإيمان فكرة وعمل، ولا بدّ للعمل من إرادة وعزم. وقد تضعف الإرادة أمام اندفاع الشهوة، وقد يتلاشى العزم أمام قوّة التحدّي، فقد تزلّ بنا القدم في مزالق الطريق، وقد تنحرف بنا الخطى عن الصراط المستقيم، وقد نلتقي بالشيطان فيزيّن لنا المعصية، ويشوّه لنا صورة الطاعة، ويصوّر لنا الباطل في صورة الحقّ، ثمّ نتراجع فنعود إلى إيماننا لنحتميَ به، ونرجع إلى ربّنا لنستغفره ونخضع له: {رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا} فإنّك تغفر الذنوب لمن تشاء وتعفو عن السيّئات لمن تشاء، {وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ} الذين يعيشون البرّ في الطاعة عندما يطيعون، وفي التوبة عندما يخطئون ويتراجعون عن خطئهم {رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَى رُسُلِكَ} من المغفرة عند التوبة، والجنّة للمخلصين المطيعين لك في عملهم وفي توبتهم، {وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ} بالوقوف موقف الذلّ أمام أعين الناس، لأنّك لا تخزي التائبين المنيبين إليك، وذلك هو وعدك الحقّ، وأنت أصدق الواعدين {إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الْمِيعَادَ}. ***** جزاء العمل الصالح: ويتصاعد الدُّعاء من أعماق القلوب صافياً نقيّاً حارّاً صادقاً، ويستجيب الله للدّعاء، ولكن القضية ليست قضية ما يتحرّك في الدُّعاء من كلمات، بل في ما يمثّله من مواقف، فإنَّ الله لا يتعامل مع الناس إلاّ من خلال العمل الذي تتحرّك الرحمة في داخله ومن خلاله. فالعاملون الذين يصيبون في عملهم، أو الذين يخطئون وهم يريدون الإصابة، هم القريبون من المواقع الطبيعيّة للاستجابة وللرحمة. أمّا الذين لا يعملون، بل يعيشون الحياة عجزاً واسترخاءً وكسلاً وراحةً، فهم البعيدون عن رحمته القريبون إلى سخطه، لأنّهم تنكَّروا لسُنّة الله في الحياة ولصراطه المستقيم في العقيدة والشريعة. {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى} فلكلّ واحد جزاء عمله من دون فرق بين الذكر والأنثى، لأنّ قضية العمل الصالح لا تختلف في خصائص الذكورة والأنوثة، بل تنطلق من خصائص الإنسانية في حركتها الصاعدة في الحياة. فللأنثى نصيبها من نتائج العمل الصالح، وللذّكر نصيبه منه، فربَّما تتفوّق عليه في عملها فتنال الدرجة العليا لدى الله، وربَّما يتفوّق عليها في عمله فينال ذلك من خلال جهده، {بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ} فقد خلق الله الذّكر من الأنثى والأنثى من الذّكر في عملية التوالد الطبيعي. أمّا العمل الأفضل في حركة الدعوة، وحماية الدّين، وابتغاء مرضاة الله، وتحمّل الخروج من ديارهم، والأذى في سبيل الله، والقتال الذي هو السبيل للتكفير عن السيّئات وللدخول إلى الجنّة {فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِّن عِندِ اللّهِ وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}. ***** ماذا نستوحي من هذه الآيات؟ 1 ـــ قد نستطيع أن نستوحيَ من هذه الآيات الفكرة عن شخصية المؤمن في الإسلام، فهي شخصية الإنسان الواعي المفكّر الذي يحرّك طاقته الفكرية في سبيل الوصول إلى قناعاته الإيمانيّة من وحي التفكير والمعاناة والتجربة والملاحظة، فلا يعتقد بشيء إلاّ على أساس ذلك. وعندما نلتقي بشخصية الإنسان المفكّر المؤمن في خطّ العقيدة، فإنَّ من الطبيعي أن نلتقي بها في خطّ الحياة، فلا ينطلق مع أحداثها إلاَّ في خطّ الفكر والتجربة، لأنَّ ملامح الشخصية لا تتعدَّد في مضمون الأشياء. فإذا كان الإنسان عاطفياً في جانب، فإنّه يتحرّك عاطفياً في بقيّة الجوانب؛ وهكذا تكون القضية في خطّ الفكر في الحياة. ولكن شخصية المفكّر لا تلغي شخصية الإنسان الروحاني الذي يعيش الروحيّة العميقة تجاه الله، من خلال ما يعيش من مشاعر روحيّة، لأنَّ الفكر لا يتحرّك من مواقع الجفاف النفسي، بل ينطلق من أعماق الينابيع المتدفّقة في الحياة في ما يشتمل عليه من أفكار ومشاعر. ولهذا نجد الانطلاقة الروحيّة في هذه الآيات في حركة الانطلاقة الفكريّة في هذه المناجاة الخاشعة التي تلتقي بالله في مغفرته ورضوانه ورحمته لعباده المؤمنين، ليبقى الإنسان منسجماً مع إيمانه في روحيّة اللّقاء بالله والسعي لرضاه، باعتبار هدف الحياة الكبير، كما يعيش الانسجام معه في فكره العميق الذي يطرح من حوله الشكوك والشبهات ويركّز الخطّة الواحدة لحياته من خلاله. 2 ـــ وقد نستوحي من هذه الآيات، أنّ قضية الجنّة تلتقي ـــ في حركة الإنسان المؤمن في الحياة ـــ بالجانب الجهادي الذي يعيش فيه المعاناة نتيجة ما يتعرّض له من اضطهاد وما يتحمّله من أذى، وما يضطرّ إليه من الوقوع تحت ضغط القوى الغاشمة التي تخرجه من داره وموطنه وتدفعه إلى الهجرة قسراً من خلال الضغوط القاسية التي تمارسها ضدّه، وذلك كلّه من أجل الله، وابتغاءً للحصول على رضوانه. ومن خلال ذلك، ندعو أولئك الذين يعيشون الحياة في استرخاء، ويعتبرون الجنّة ملتقى للعابدين الذين يغرقون كلّ همومهم وآلامهم وتطلُّعاتهم في العبادة، وينعزلون عن الحياة في عملية هروب دائمة من التعرّض للخطر في المسير، ليأخذوا لأنفسهم ولمن يتعلّق بهم الأمن والراحة والطمأنينة، في الوقت الذي تهتزّ فيه الساحة أمام التحدّيات الكافرة والضالّة. إنّنا ندعوهم إلى أن يقرأوا هذه الآيات بوعي وتأمُّل، ليعرفوا ـــ جيّداً ـــ أنَّ هؤلاء الذين استجابوا لداعية الإيمان فآمنوا، لم يأخذوا الإيمان في كسلٍ واسترخاءٍ، بل انطلقوا فيه رسالةً وجهاداً ومعاناةً ومواجهةً قوية لكلّ الضغوط والتحدّيات الطاغية، فأوذوا في سبيل الله ولم يسقطوا تحت تأثير الأذى، وأخرجوا من ديارهم وهاجروا من دون أن يتعقَّدوا من الجهاد وخطواته ونتائجه. ولهذا كانت الجنّة ثمناً لكلّ هذا الجهد ولكلّ هذا الجهاد، وكانت دعواتهم المتصاعدة من قلوبهم تمثِّل دعوات المجاهدين الذين يخافون على جهادهم أن يضعف ويهتزّ وينحرف أمام بعض الخطايا التي يرتكبونها من دون قصد، ويخشون على علاقتهم بالله أن تنقطع من خلال الأوضاع التي تحيط بهم فتبعدهم عن الله وتنسيهم ذكره. ولهذا يشعر الإنسان بنبض القلوب يتحرّك في كلّ كلمة من هذه الكلمات، حتّى كأنَّ قلوبهم تحوّلت إلى دعوات وكلمات، وليست كالدعوات التي تنطلق من قلوب هادئة بعيدة عن جوّ المعاناة، حيث يتمثّل الإيمان فيها كما لو كان ترف فكرٍ لا كخفقة روح وشعور. إنَّ هناك فرقاً بين أن تدعو الله من موقع المعاناة في سبيله، وبين أن تدعوه من موقع المعاناة في سبيل ذاتك، وذلك هو الفرق بين الذين يعيشون الإسلام فكراً واسترخاءً، وبين الذين يعيشونه جهاداً وعملاً وموقف حياة. 3 ـــ تقليد الآباء: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة: 170]. ***** معاني المفردات: {أَلْفَيْنَا}: وجدنا وصادفنا. ***** هذا نموذج من نماذج الناس الذين يتبعون خطوات الشيطان في منهج التفكير وفي طبيعة الفكرة، فإنّهم لا ينطلقون، في ما يعتقدون وفي ما يتبعون من نهج في الحياة، من موقع القناعة الفكرية المرتكز على أساس البحث والتأمّل والتفكير، بل يتحرّكون من عاطفةٍ ساذجة وعصبيّة ذاتية تدفع الإنسان إلى تقديس الماضي الذي ينتسب إليه في عاداته وتقاليده وأفكاره ومقدّساته، ما يجعل من ذلك أساساً للقناعة الفكرية والسلوك العملي في ما يتّفق معه، وللرفض الفكري والعملي في ما يختلف عنه، بالمستوى الذي لا يقبل فيه الدخول في أيّ حوار أو نقاش حول تلك القضايا، كما لو كانت من البهديهيّات والمسلَّمات الفكرية. وقد كان هذا المنهج في طبيعة سلوك الشخصية سبباً من أسباب التعقيد الذي يواجه أصحاب الرسالات من الأنبياء ومن السائرين في خطّهم الدعوة إلى الله، لأنّه يغلق على الإنسان نوافذ التفكير، ويحوّله إلى إنسان منغلقٍ على ذاته، بعيدٍ عن التفاعل مع الآخرين في ما يثيرونه من قضايا ويدعون إليه من أفكار ومبادئ، ويدفع المجتمع إلى أن يبقى مشدوداً إلى عجلة الماضي من دون أن يفكّر في الانطلاق إلى المستقبل بأجنحته الطائرة إلى العلاء، ما يجعله يبتعد عن تطوير حياته، وتغيير مسيرته نحو الأفضل في جميع شؤون الحياة، ويتجمّد في عملية تقديس للأخطاء وللانحرافات الفكرية والعملية باسم الإرث المقدّس للآباء والأجداد. وقد حارب القرآن بقوّة هذا الاتجاه في مواجهة القضايا والأفكار، فدعا إلى الانطلاق في الفكر وفي العمل، من قاعدةٍ فكرية ثابتة ترتكز على الحريّة الفكرية البعيدة عن الضغوط العاطفية على أساس الدعوة إلى دراسة شخصية هؤلاء الآباء في مستواهم العقلي، وفي مسيرهم العملي، ليكتشف الإنسان أنَّ كثيراً من هؤلاء لا يعقلون شيئاً، ولا يهتدون، لأنّهم عاشوا في ظلّ العقليات الخرافية المشبعة بالخرافات والأساطير، وانطلقوا في ظلّ أُمِّيّةِ الحرف والثقافة، ليخطِّطوا لحياتهم في جميع ألوانها وقضاياها، فكيف يمكن للإنسان الذي يحترم فكره ومصيره أن يجعل حياته تحت رحمة أفكار هؤلاء ومسيرتهم في الحياة؟ ***** دعوة القرآن إلى عقلنة الموقف من الماضي: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ} للكافرين الذين انطلقت الدعوة الإسلامية الرسالية لتفتح عقولهم على الإسلام فكراً وعقيدة ومنهجاً للحياة، {اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ} من الآيات التي تخطّط لكم منهج المعرفة، ومنهج الحركة في الحياة، وشريعة السلوك العملي في أوضاع الإنسان في قضاياه العامّة والخاصّة، وحاجاته الأساسية، ونظرته إلى الواقع، وتطلّعه إلى الأفق الأعلى في الإيمان بالله والالتزام بشرائعه وأحكامه، واتّباع رسله والانفتاح على الإيمان باليوم الآخر، والقيام بمسؤولية الإنسان في الخلافة عن الله في إدارة الواقع الكوني المتحرّك، وتفجير طاقات الحياة في نفسه، وفي الأرض التي يسير عليها، والأجواء التي يعيش في داخلها، ليكون الإنسان سيِّد الكون في دوره القيادي من أجل تحقيق إرادة الله في حركته في كلّ عمره، {قَالُواْ} في موقف احتجاج واستنكار للدعوة التي تفصلهم عن الماضي الجاهل المتخلّف لتدفعهم إلى الحاضر الواعي المنفتح على تطلُّعات المستقبل للتقدّم والنموّ والازدهار، ومن موقع إصرار على الواقع الجامد الذي يعيشون في داخله: {بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} من أفكار وعادات وتقاليد ومنهج للعلاقات وللمشاعر والمواقف، مهما كانت طبيعته وقيمته وصلاحه وفساده، لأنّ المسألة هي مسألة الإرث المقدّس الذي يأخذ قداسته من قداسة الآباء في وجدان الأبناء، ويثير القرآن التساؤل أمام هذا الموقف الجامد الذي يفتقد المنطق العقلاني الذي يحترم الإنسان فيه عقله ووجوده، {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} فليدرسوا المستوى العقلي لهؤلاء الآباء، وليدرسوا طبيعة المرتكزات الفكرية التي استندوا إليها في ما اختاروه وساروا عليه، فقد يكتشفون أنّهم لا يملكون عقلاً، ولا ينفتحون على هدى، بل ربّما كانت عقول الأبناء أكثر انفتاحاً وقوّة من عقول الآباء، فكيف يتبع العاقل مَن لا عقل له، وكيف يسير الضّال وراء مَن لا هدى له؟! إنّه سؤال للتحدّي وللمعرفة وللوصول بالقضية إلى الموقف الإنساني الذي ينطلق من البعد المعرفي للإنسان في حياته وفي حركة الانتماء عنده. ***** بين الحقّ والصلات العاطفية: وهكذا نرى أنَّ القرآن يريد أن يقرّر للإنسان المنهج في الوصول إلى القناعات الفكرية، ويريد أن يثير قضية الارتباط بالآباء كنموذج من نماذج الضغوط العاطفية التي تضغط على الإنسان لتقوده إلى الخضوع للخطّ الذي يسير عليه الأشخاص الذين يرتبط بهم عاطفياً، سواء كانوا آباءً أو أبناءً أو أصدقاء أو غيرهم ممّن تشدّهم إليهم الصلات العاطفية الحميمة. تلك هي القضية. إنَّ الصلات العاطفية لا تعني الحقّ، ولا تمثّل التبرير للارتباط الفكري، مهما كانت الظروف والأوضاع والأشخاص، لأنَّ هذه "الظاهرة الآبائية" التي تضغط على الوجدان العام في الجانب الفكري ممّا اختزنه الآباء من أفكار، أو في الجانب الشعوري ممّا عاشوه من مشاعر العداوة والصداقة والحبّ والبغض، لا تمثّل أي بُعدٍ عقلاني في الاختيار الإنساني، باعتبار أنَّ المسألة العاطفية في الرابطة الإنسانية قد تتدخّل في بعض العلاقات الذاتية في نطاق العلاقات الاجتماعية أو الذكريات التاريخيّة من خلال الأجواء الحميمة التي تترك آثارها في النفس. أمّا المسائل الفكرية فإنّها تتحرّك من موقع الأُسس العلمية والمفردات الموضوعية التي قد تختلف نتائجها وأبعادها باختلاف المراحل الزمنية أو الخصوصيات المكانية أو المؤثّرات الذاتية، أو الضغوط الاجتماعية المحيطة بالإنسان والواقع، ما يفرض التبدّل في طبيعتها بين وقتٍ وآخر، أو بين بيئة وأخرى، هذا إلى جانب المستوى الثقافي الذي قد يجعل النتيجة متخلّفة من خلال ذهنية التخلّف، أو متقدّمة من خلال عناصر التقدّم، الأمر الذي يفرض إعادة النظر دائماً في كلّ الأمور الخاضعة لتلك المؤثّرات، بل قد تفرض على الإنسان ـــ في بعض الحالات ـــ إعادة النظر في قناعاته الفكرية أو الشعورية بين وقتٍ وآخر عندما تكون الأمور خاضعة للحالات الطارئة في حياته، ليجدّد نظرته فيها لاكتشاف ما يمكن أن يجد فيها من ضعف أو خطأ أو انحراف، فكيف إذا كان الموضوع متّصلاً بقناعات الآخرين. وإذا كان القرآن يركّز على المسألة في نطاق الآباء، فليس ذلك من أجل اختصاص الظاهرة بهم، ولكن الواقع الذي يعيشه الناس ـــ غالباً ـــ في الاتباع الأعمى في تقليد الماضي، هو واقع اتباع الآباء والأجداد الذين يمثّلون في الوجدان العائلي أو العشائري العمق الذاتي للإنسان في جذوره التاريخيّة، بالدرجة التي يشعر معها بأنَّ امتداداتهم الفكرية في حركته تمثّل العنوان الكبير لوجوده، فتكون القضية قضية الحالة الشعورية في طبيعة الانتماء الفكري، وقد تكون القضية في بعض نماذجها متمثّلة في الآباء الحزبيين أو القوميين أو المذهبيين أو الطائفيين الذين يرتبط بهم الإنسان من خلال الحزب أو القومية أو المذهب أو الطائفة، بحيث تكون أفكارهم عنواناً مقدَّساً للدائرة التي تحرَّكوا فيها، حتى إنَّ أيّ ضعف في مفردات هذه الأفكار قد ينعكس على ضعف عنوان الانتماء. إنّها مسألة العصبية التي لا ترى الأشياء إلاّ من خلال ذاتية النسب أو العنوان الذي يطبع الناس بطابعه، لتكون القداسة للعنوان بعيداً عن المضمون في قيمته الفكرية والحضارية. وهذا ما يعطّل عملية التجديد والتغيير ويحبس الفكر في دائرة ضيّقة تتّصل بالماضي ولا تنفتح على الحاضر والمستقبل، الأمر الذي يجعل منها سجناً للعقل وللحركة وللحوار، وخنقاً للحريّة في كلّ الموارد التي يختلف فيها قادة الحاضر عن قادة الماضي. وقد رأى القرآن في هذه "الظاهرة الآبائية" الممتدة إلى كلّ العناوين المتّصلة بالرموز التي يخضع الإنسان لها عاطفياً ويرى أنّ فكرها يمثّل فكره، وعنفوانها يمثّل عنفوانه، وأنَّ الانتقاص من قيمتها الفكرية يمثّل انتقاصاً من مجده، رأى فيها خطراً كبيراً على حركة الرسالات التي تصطدم دائماً بذهنية التخلّف في تقديس الماضي بما يؤدّي إلى التعصّب له ولكلّ مفاهيمه وعاداته وتقاليده، وإلى تجميد الفكر الذي يمنعه من التحرّك بعيداً عن المفردات الكامنة في وجدانه التاريخي الموروث، فيمتنع عن الاستماع إلى أيّ فكر جديد فضلاً عن التفكير فيه بأسلوب المناقشة والحوار، ويتحوّل الموقف في رموز هذا الاتجاه إلى حالةٍ طاغوتية تعمل على قهر كلّ حركة جديدة في أفكارها ورموزها، لأنّها تخاف منها على الامتيازات الشعبية التي اكتسبتها من خلال التخلّف الشعبي، وعلى المقدّسات السخيفة التي لا تملك أيّة قيمة مقدّسة. ***** القرآن ومعالجة "الظاهرة الآبائية": وقد نستوحي من الآيات القرآنية الواردة في هذا الموضوع بعض خصائص هذه الظاهرة في جمودها الفكري، وفي ذهنيّتها العدوانية، وذلك كما في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف : 23] وقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ} [سبأ : 22]، {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} [لقمان : 21]، وقوله تعالى: {قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} [الشعراء : 74]، وقوله تعالى: {قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [يونس : 78]، وقوله تعالى: {قَالُواْ يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَـذَا أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} [هود : 62]، وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [المائدة : 104]. إنَّ المنطق الذي يحكم تفكير هؤلاء هو اعتبار الطريقة التي جرى عليها الآباء من العبادة والعادات والتقاليد أساساً للاقتداء وللاهتداء، من دون أن يقدِّموا أيّ أساس فكري على شرعية ذلك من الناحية الفكرية، بل كلّ ما هناك أنّهم يتعقَّدون من دعوة التغيير لأنّها تخرجهم من دائرتهم التي عاشوا فيها واستغرقوا في خصوصيّاتها، ولذلك فإنّهم لم يدخلوا مع الطرح القرآني في جدل فكري حول الموضوع في مضمون عقيدة الآباء مقارناً بمضمون الدعوة القرآنية، بل أطلقوا كلمة الإصرار الجامد، والاستغراب القاسي للمحاولة الرسالية في إبعادهم عمّا وجدوا عليه آباءهم وعمّا يعبد آباؤهم، وأطلقوا كلمة الجمود التي تريد أن تختصر حركة الحياة في الماضي، فلا مجال لأيّة حركةٍ جديدة في الحاضر والمستقبل، لأنَّ مسؤوليّتهم أن يعيشوا في إرث التاريخ الذي تركه الآباء، فالزمن وقف عندهم، والتطوّر انتهى إليهم، وهذا ما تعبّر عنه كلمتهم التي نقلها الله عنهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا} [المائدة : 104] فلن نفكّر في أيّ شيء خارج تلك الدائرة من أيّة جهةٍ كانت، ومن أيّ شخص كان. إنّه منطق التعصّب الأعمى الذي يواجه الأشياء بالنظرة العمياء. أمّا القرآن الكريم فقد أطلق الحوار معهم من موقع عقلاني متحرّك فقال في آية موحية في قوله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [المائدة : 104]، وفي الآية التي نحن بصدد تفسيرها: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [البقرة : 170] فإنَّ مسألة الاقتداء والاهتداء لا بدَّ لها من أن تنطلق من الموقع الذي يملك أساس القدوة من خلال أنّه يملك مسؤولية الفكر وقوّته، ويلتزم أساس الهدى من خلال العلم الواسع العميق، والعقل المنفتح الدقيق، والرؤية الواضحة الواسعة، والهدى المشرق، تماماً كما هو الرجوع إلى أهل الخبرة والمعرفة الذين تطمئن النفس إليهم، ويستريح العقل والعلم والهدى عندهم، بل ربّما كان آباؤهم أكثر علماً وأوسع عقلاً وأكثر تجربة منهم، ما يجعل من تقليدهم واتباعهم لهم أمراً لا يرتكز على أساس ما يرتبط بالشكل لا بالمضمون، وهذا ما نستوحيه من الآية الكريمة في قوله تعالى: {مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [يوسف : 40] فهي مجرّد أسماء ترنّ في أسماعكم بعيداً عن مضمونها الحقيقي الذي تناقشه عقولكم. وهكذا نجد أنّ القرآن لا يطرح عليهم الرفض المطلق لعقائد آبائهم في البداية، بل يقول لهم ـــ في عملية دعوة للدخول في مقارنة بين ما يعبد آباؤهم، وما يفكّرون به ويسيرون عليه، ودعوة النبيّ للإسلام في عقيدته وفكرته وعبادته ومنهجه، وذلك قوله تعالى: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ} [الزخرف : 24]. إنّه يدعوهم لمناقشة هذا المنهج المتعالي في الهداية والوعي ليرفضوا الفكر الأدنى وليختاروا الفكر الأهدى. وهكذا أراد القرآن لهم أن يفكِّروا ويحاوروا ويختاروا من موقع ذلك، لكنَّ التعصّب الأعمى أغلق عقولهم وجمَّد حركتهم وجعلهم يغرقون في الظلام والجهل والتخلُّف. إنّ المنهج القرآني يرتكز على حريّة الإنسان في تفكيره من خلال مسؤوليته عن قناعاته التي يريد الله له أن ينطلق بها من قاعدة فكرية صلبة، فلا ضغط من موقع العاطفة والقوّة، ولا خضوع للعاطفة وللمصالح، بل هي الحقيقة التي تدعو الإنسان إلى ملاحقتها بالتأمُّل والتفكير والبحث، بعيداً عن تراث الماضي وعن هيمنة الحاضر. ***** موقف الإسلام من المسلمين الذين يقلِّدون الآباء في إسلامهم: وقد يثير البعض في هذا المجال سؤالاً حول الاتجاه الديني في حياة النّاس، فإنّ من الملحوظ أنّ التديّن عند أغلب الناس لا ينطلق من فكر يبحث ويتأمّل ويدقّق، بل يعيش في وجدان أتباعه كعقيدةٍ مقدّسة من تراث الآباء والأجداد، ولهذا نرى الكثيرين من المتديّنين يرثون الدين الذي يعتنقه آباؤهم ويخلصون له، من دون أيّة دراسة للمضمون، أو وعيٍ للتفاصيل في ما هو الحقّ والباطل، تماماً كما هو الانتماء النسبي أو القومي، عندما يمنح الإنسان شخصية لا يملك معها إرادةً واختياراً، بل هي مفروضة عليه من خلال الظروف الموضوعية أو الطبيعية المحيطة به. وقد يجد هذا تشجيعاً لدى المؤسّسات الدينية المتنوّعة التي تحوّلت إلى كيانات رسمية لا تسمح للفكر أن يتحرّك، وللحوار أن يطرح علامات الاستفهام أمام مواطن الشكّ. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو الفرق بين واقع الناس الديني الآن، وبين واقع الناس الذين يتحدّث عنهم القرآن في هذه الآية؟ والجواب: إنَّ المنهج القرآني يوجه الناس إلى اعتبار الفكر أساساً للعقيدة بعيداً عن الطرق غير العلمية ممّا يعتمد على الحدس والتخمين والاحتمال. وعلى ضوء ذلك، فهو يعتبر الاتجاهات المعتمدة على التقليد في العقيدة انحرافاً عن الخطّ الإسلامي في طريق الوصول إلى الحقّ، ولهذا فإنَّ الإسلام لا يعتبر الإنسان معذوراً أمام الله إذا قاده هذا الطريق إلى الخطأ في العقيدة، بينما يرى الإنسان الذي يستفرغ وسعه وجهده في سبيل الوصول إلى الحقيقة معذوراً إذا لم يصل إلى الحقّ كنتيجةٍ للظروف الخارجة عن إرادته، ولكنّه في الوقت نفسه يرحّب بالإنسان الذي يلتقي بالحقّ كنتيجة للطرق التقليدية المشار إليها في السؤال، كأيّ دين يريد أن يمتدّ في حياة الناس لتمتدّ قيمه ومفاهيمه من خلال قناعاتهم الفكرية، بل ربّما نجد أنّه يشجّع الكثيرين الذين دخلوا فيه رغبةً أو رهبةً في عهد الدعوة الإسلامية الأوّل، لأنّه يشعر بأنَّ دخولهم في مساره وأجوائه يمنحهم الفرصة للتفكير من جديد، وللعيش في الواقع الإسلاميّ الذي يفتح لهم مجالات اكتشاف الإسلام من الداخل بدون أيِّ تعقيد أو حواجز نفسية سلبية، ليتعرّفوا من خلال ذلك على خطّ الحوار في الإسلام في آيات القرآن وحركة الشريعة في الحياة. وفي ضوء ذلك، نعرف أنَّ الإسلام لا يشجّع التقليد في العقيدة عندما يشجّع الآخرين على الدخول فيه بدون استدلال برهاني، بل يعمل على أن يحقّق هدفين: أحدهما: تحطيم الحواجز النفسية التي تفصل النفس عن الانفتاح على الإسلام، وذلك بإيجاد روح الإلفة بين الإنسان وبين الأجواء الدينية في الإسلام، ليستطيع ـــ من خلال ذلك ـــ أن يلتقيَ بالمفاهيم الإسلامية ببساطة خالية من التعقيد. ثانيهما: التخطيط للتربية الفكرية من الداخل لتعميق العقيدة من موقع الشعور بالحاجة إلى العمق كنتيجةٍ لتعميق الانتماء إليها على أساسٍ من جديّة الإحساس ومسؤولية التفكير في نطاق الشخصية الإسلامية التي تعيش في داخله، وتمتدّ في حياته. ومن خلال ذلك، نعرف الفرق بين الموقف الذي ترفضه الآية لأنّه يسجن الإنسان في نطاق العصبية العمياء، وبين الموقف الذي يشجّع عليه الإسلام لأنّه يفتح الطريق للالتزام الفكري في نطاق خطّة مدروسة ثابتة. ***** 4 ـــ المجتمع وقداسة سنن الآباء والأجداد: {مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَـكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ*وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ} [المائدة: 103 ـــ 104]. ***** معاني المفردات: {بَحِيرَةٍ}: البحر: الشق، وبحرت أذن الناقة أبحرها بحراً إذا شققتها شقّاً واسعاً، والناقة بحيرة وهي فعيلة بمعنى المفعول، مثل النطيحة والذبيحة. {سَآئِبَةٍ}: فاعلة من ساب الماء إذا جرى على وجه الأرض، ويُقال: سيّبت الدابة أي تركتها تسيب حيث شاءت. {وَصِيلَةٍ}: الوصل نقيض الفصل. فالوصيلة بمعنى الموصولة، كأنّها وصلت بغيرها. ويجوز أن يكون بمعنى الواصلة لأنّها وصلت أخاها، وهذا أظهر في الآية. {حَامٍ}: الحام هو الذكر من الإبل، وقيل: إنّه الفحل إذا لقح ولد ولده. ***** جاء الإسلام ليجعل التشريع بما يحرم وبما يحلّ من الأشياء تابعاً لما يشرّعه الله من أحكام، فلا يحلّ إلاَّ ما أحلَّه الله ولا يحرم إلاَّ ما حرَّمه، {مَا جَعَلَ اللّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ} وبذلك واجه الأمور التي حرَّمها الناس في الجاهلية، ممّا لم ينطلق الأمر فيه من مفسدة فيها، فأنكر تحريمها وأباحها، {وَلَـكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ} فاعتبر نسبتها إلى الله، في ما كان الناس ينسبونها إليه، افتراءً وكذباً، وحكم بأنَّ هؤلاء الكفّار الذين يكذبون على الله {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ}، لأنّهم لم يرتكزوا في حياتهم على قاعدةٍ ثابتةٍ من دين الله، لتكون أعمالهم وأقوالهم راجعةً إليها، بل اتبعوا أهواءهم، فأضلُّوا أنفسهم وضيَّقوا عليها. وهكذا جاءت هذه الآية لتنبّه هؤلاء وأتباعهم بأنَّ هذه الأمور التي حرَّموها على أنفسهم في بعض منافعها أو في جميعها، لم يحرمها الله عليهم، بل أباحها لهم، لأنّه لم يجد فيها أيّة مفسدةٍ تفرض ذلك، ممّا اعتبروه أساساً للتحريم، فلا يجوز نسبتها إليه، ولا يجوز التزامهم بما ألزموا به أنفسهم من موقع التشريع، لأنّه بيد الله أوّلاً وآخراً. وهكذا كانت هذه المحرّمات تمثِّل تاريخ الآباء والأجداد، فلها قداستها في نظر أولادهم، ولذلك كانوا يرفضون مناقشتها في ما يُراد لهم من توضيح الأمر وإرجاعه إلى واقع المصلحة فيها، ليعرفوا ما فيه من خلل وزيف وفساد، لأنَّ الدخول في ذلك ـــ في نظرهم ـــ يُمثِّل اعترافاً ضمنياً بأنَّ الآباء قد يخطئون وقد ينحرفون عن الحقّ، وهو ما يتنافى مع الشعور بالقداسة والاحترام، ويتعارض مع القِيَم السائدة لديهم في التفاخر بالأنساب، واعتبار النسب قيمةً كبيرةً، تتحدّى الآخرين في ما يملكونه منها. ولهذا كان الانتقاص من الآباء انتقاصاً من الأولاد، لارتباط مجدهم بمجدهم، واتّصال تاريخهم بتاريخهم في جميع الأمور التي كانوا يعملونها أو يتركونها. وفي ضوء ذلك، كان التطوّر الفكري مجمّداً عندهم، في ما يفرضه من اكتشاف الحاضر أخطاء الماضي، في محاولةٍ للعمل على تصحيحها وتغييرها، فقد كانت العادات والتقاليد والأفكار إرثاً يحمل خصوصية القداسة المرتبطة بعلاقة الذّات بالتاريخ في آنٍ واحد. ***** ليس لنا من الماضي إلاَّ دروسه وعبره: وجاء الإسلام ليناقش هذا الخطّ في التصوّر والممارسة، وليخطّط للنّاس المنهج الصحيح في ذلك كلّه، فللتاريخ علاقته بالحاضر من موقع العاطفة البسيطة التي تشدّ الإنسان إلى آبائه وأجداده، وحركته في الفكر والواقع، من خلال الدروس والعبر التي يمكن أن يقدّمها للأجيال المقبلة، في ما خاضه الأوّلون من تجارب الحياة، وليس له ـــ في ما عدا ذلك ـــ أيّ دور، بل هو في أشخاصه ورموزه وحوادثه، مجرّد مرحلةٍ من مراحل الزمن الكثيرة الحافلة بالأخطار والانحرافات، تماماً كما هو الحاضر في حركته الفكرية والعملية، وكما هو المستقبل بما يختزنه في داخله من أخطاء محتملةٍ في التصوُّر والممارسة والعلاقات، لأنَّ هذا الماضي كان حاضراً وسيكون الحاضر ماضياً غداً، والمستقبل بعد غد ماضياً من الماضي، الذي يقدّم للتاريخ، في ما يكتبه المؤرّخون، كثيراً من الهزائم والانتصارات، وكثيراً من حالات الفشل والنجاح، والخطأ والصواب، لتستمرّ الرحلة البشرية في هذا الاتجاه إلى نهاية العالم. أمّا الحديث عن المجد والقيمة التي يحملها الآباء، فهو حديث خرافةٍ ـــ في مفهوم الإسلام ـــ لأنّ الإنسان يستمدّ مجده وقيمته من خلال كفاءاته الذاتية في العلم والعمل، ولا يملك أحد أن يعطيه أيّة قيمةٍ إضافيّة، بعيداً عن خصوصياته الأساسيّة. وليس للآباء دور في ذلك من قريب أو من بعيد، فإذا كان الأب صالحاً فصلاحه لنفسه، وإذا كان غير صالحٍ فإنَّه يتحمّل مسؤوليّة ذلك، وهكذا الأبناء بالنسبة إلى الآباء. ولهذا فإنَّ خطأ الآباء في تصوّراتهم لا يضعف قيمة الأبناء إذا اعترفوا بذلك أو غيَّروه، بل يؤكّد قيمتهم، بما يدلّ عليه من استقلاليّةٍ في الفكر وأصالةٍ في الشخصية وابتعادٍ عن الانطلاق مع العاطفة على حساب الأفكار والمبادئ. وجاءت هذه الآية: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}، لتطرح هذا التصوُّر الخاطئ، وهذا المنهج المنحرف، لأنّهم يرفضون الدعوة الجديدة المنطلقة من وحي الله ونهج الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ويمتنعون عن مناقشتها بعيداً عن مسألة الوضوح في الخطّ، في ما يرفضه الإنسان وفي ما يؤيّده، بل لأنّهم لا يريدون أيّ فكرٍ جديدٍ في غير طريق فكر الآباء والأجداد. وأراد الله منهم أن يرجعوا إلى تفكيرهم ليناقشوا الموضوع بهدوء، فمن هم هؤلاء الآباء والأجداد؟ إنَّهم مثل الناس الذين يعيشون معهم، فمنهم العاقل ومنهم غير العاقل، ومنهم المهتدي وغير المهتدي، فكيف يمكن أن يربطوا مصيرهم بهم دون مناقشةٍ ومراجعةٍ تفصيليّة لما يحملونه من أفكار ولما يواجهونه من مواقف؟ فماذا إذا كانوا ممّن {لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ}؟ ماذا إذا كانوا من الذين لا يحملون مسؤوليّة الفكر والحياة؟ هل يجوز للإنسان العاقل الذي يحترم نفسه أن يندفع في هذا الاتجاه؟ وهل يسوّغ للإنسان الواعي أن ينسحق أمام العاطفة ويسير معها إلى المدى الذي يدمّر فيه نفسه ومصيره؟ إنَّ القرآن يطرح التساؤل، لا ليأخذ الجواب، بل ليوحيَ لهم بالجواب الحاسم من خلال جوّ الأفكار لهذا المنهج الذي ينتهجونه في ما يوحيه السؤال من إنكار، ليتحرّك الجواب في خطوات الواقع الذي يتغيَّر بتغيّر الناس في أنفسهم. والله العالم. ***** 5 ـــ موقف الناس من المألوف: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ*الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ} [آل عمران: 59 ـــ 60]. معاني المفردات: {الْمُمْتَرِينَ}: الشاكين المتردّدين. ***** إنَّ الناس ـــ في أغلب أحوالهم ـــ يتعاملون مع المألوف في ما يقبلونه أو يرفضونه، فيعتبرونه القاعدة الأساس في إمكان الخلق واستحالته، فيقبلون ما يتّفق مع قوانينه وسننه، ويرفضون ما لا يتّفق معها. وعلى هذا الأساس أنكر الكثيرون المعاد، لأنّهم لم يألفوا أن يتحوّل التراب إلى عنصر حيّ، وأن يعود الإنسان إلى الحياة بعد أن تحوَّل إلى عظام نخرة. وذلك ما حكاه الله عنهم في قوله تعالى: {أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} [المؤمنون : 82]، {أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ} [الصافات : 17]. ولكنّ القرآن يريد أن يوجِّههم إلى ضرورة التعامل مع الأشياء من خلال القاعدة التي تحكمها وترتكز عليها في ضوء المنهج العقلي الذي يوحّد بين النظائر والأمثال في قضية الإمكان إذا كان الأساس الذي ترجع إليه واحداً. ففي قضيّة المعاد، جاءت الآية الكريمة التي تساوي بين الخلق والإعادة في قدرة الله، وذلك قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ*قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ*الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ*أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ*إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس: 78 ـــ 82]. ***** عقليّة إيمانية: وهكذا أراد الله للإنسان أن يخرج من جوّ الإلفة إلى جوّ التفكير، لأنَّ الإخلاد إلى المألوف يبعد الإنسان عن النفاذ إلى عمق الأشياء، ويربطه بالجانب السطحيّ منها، لتنطلق الحياة في أفكاره من موقع الفكر والتأمُّل. ولمّا كانت قضية خلق عيسى (عليه السلام) من القضايا التي أثارت كثيراً من الجدل والدهشة، بادر قومٌ إلى إنكار ولادته من دون أب، فاتّهموا مريم (عليها السلام) بالسّوء والفحشاء، وحاول قومٌ أن يرفعوه إلى مرتبة الألوهية، فجاءت الآية لتقول لهؤلاء الذين استغربوا ذلك، إنَّ ارتباط تفكيركم بطريقة خلقكم من خلال عملية التناسل الطبيعية، أبعدكم ـــ كمؤمنين بالله ـــ عن خلق آدم الذي ترجعون إليه في النسب، فإنّه انطلق بقدرة الله بشكلٍ مباشر. فكيف تمَّ خلقه، وكيف أمكن أن يتحقَّق بغير الطريقة الطبيعيّة؟ هل هناك شيء غير قدرة الخالق سبحانه؟ فإذا كانت القدرة هي السبب في خلق إنسان بلا أب وأُمّ، فكيف تستبعدون أن تتحرّك القدرة في خلق إنسان بلا أب؟ فكلّما كان الخلق الأوّل شيئاً من إرادة الله التي تمثِّلها كلمة "كن" فكذلك خلق عيسى (عليه السلام)، حتى خلق الإنسان بالشكل الطبيعي، فإذا ابتعدنا عن الإلفة وتجرَّدنا عن جوّها، فإنَّ السؤال الذي يفرض نفسه، كيف تمَّ ذلك؟ ومن الذي ربط بين السبب والمسبّب؟ وهل هناك إلاّ قدرة الله التي أعطت السبب قوّة السببيّة في حركة الوجود؟ ***** عيسى كآدم من خلال قدرة الله: وهذا ما جاءت به الآية الكريمة لتأكيده كحقيقة عقلية في الإمكان، إيمانية في الوقوع: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ} في التدليل على قدرة الله التي لا يعجزها شيء، مهما تنوَّعت خصائصه وأشكاله، {خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} أي: آدم، {ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} من خلال ما تمثِّله الكلمة من معنى الإرادة في كلمة التكوين. وهذه قاعدة عامّة في التفكير الديني في ضوء المنهج العقلي، الذي يضع قدرة الله في الحساب، ويحرّك التفكير في هذا الاتجاه ليربط بين الأشياء كلّها من خلال ذلك. وهذا ما يجب أن تتركَّز التربية الإيمانية عليه، لئلا يستسلم الإنسان إلى القضايا العادية في مشاهداته وتجاربه الحسيّة، فينكر كثيراً من قضايا الغيب من خلال استسلامه للحسّ. ثمَّ يؤكّد الله حركة الحقيقة في نفس الرسول، فيؤكّد ثباتها لأنّها مستمدّة من الله خالق الأشياء، فلا يمكن أن يقترب إليها الريب، أو يطرأ عليها الشكّ: {الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} أي الشاكين المتردّدين، لأنّه لا معنى للشكّ في ما أنزله الله من الحقّ في وحيه. وتلك هي قصّة اليقين في الإيمان لدى المؤمنين، فليس بين المؤمن وبين أن يعيش اليقين في قلبه إلاّ أن يعرف أنَّ هذا هو الحقّ من عند الله، مهما أثار الآخرون أمامه من شكوك وشبهات. وهكذا أراد الله للمؤمنين ـــ من خلال خطابه للنبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ أن لا يكونوا من المرتابين في أمر عيسى (عليه السلام)، في ما حكاه الله عنه من آياته وبيّناته. الحقّ والباطل الحقّ باق والباطل زائل ـــ الحقّ لا بدّ غالب للباطل ـــ هزيمة الباطل بإعلان الحقّ 1 ـــ الحقّ باق والباطل زائل: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ*لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [الرعد: 17 ـــ 18]. ***** معاني المفردات: {زَبَداً}: ما يعلو الماء من الرغوة ويسمّى غثاءً. {رَّابِياً}: عالياً. {جُفَاء}: الجفاء: الباطل. {الْمِهَادُ}: الفراش. ***** للمثل في القرآن قيمة كبرى في تجسيد المفاهيم العامّة السلبية منها والإيجابية، لأنّه يعطي المفهوم صورته الواقعية في حركة الحياة، حيث يمكن للإنسان أن يعيش معناه في الواقع، بدلاً من أن يعيشه في الخيال المجرَّد. وقد صوَّر الله الكافر أعمى، والمؤمن بصيراً، ليتجسّد للإنسان إشراق الفكر في إشراقة البصر، كما تتجسّد ظلمة الكفر في ظلمة البصر، ولكي تمتدّ الصورة في المقارنة بين الكفر والإيمان، تماماً كما هي المقارنة بين الظلمة والنور. أمّا هذه الآية، فإنّها تقارن بين الحقّ والباطل في صورةٍ أخرى. {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاء} ينهمر من السحاب المثقل بالماء، {فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} فامتلأت مساحات الأودية بالماء في العمق والامتداد، {فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَداً رَّابِياً} وهو ما يعلو الماء من الرغوة ويسمّى غثاءً. ومن خصائص هذا الزبد أنّه يتبخّر في الهواء ويضمحلّ تماماً، {وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاء حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِّثْلُهُ}. وهناك زبَدٌ آخر، يعلو المعادن من الذهب والفضّة والنحاس التي تصهر في النار من أجل صنع الحليّ أو الآلات الخاصة، فيبقى المعدن في صلابته، ويتبخّر الزبد ويضمحلّ تماماً. وتلك هي صورة واقع الوجود المادي للأشياء، لجهة ما يبقى منه وما يضمحلّ، وما يثبت وما يزول. {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ}، بما يمثّله الحقّ من صلابة وثبات في عمق صدور الفكرة، وبما يمثّله الباطل من خيال يطفو على السطح، ويتوهّج لبعض الوقت، ثمّ يشحب رويداً رويداً حتّى يتلاشى تماماً، لأنّه لا يملك أيّ أساس في العمق. وتلك هي الفكرة التي نستوحيها من المثل الواقعي {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء} باطلاً لا ثبات له ولا امتداد، عندما يتبخَّر ويضمحلّ تدريجياً، {وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ} من الماء الذي يملك جوهر الخصب والريّ، ومن المعدن الذي يملك جوهر الصلابة والثبات، {فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ} تبعاً للعمق الذي يتمثّل فيه الخير والحياة، {كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ} ليفهم الإنسان الصورة في الفكر ومن خلال الصورة في الواقع، وهذا هو الأسلوب التربوي القرآني الذي يعتبر الواقع أساساً للمعرفة، حيث يكمن التقاء الحسّ بالتصوّر المجرّد، فيخلق التوازن في وعي الإنسان للفكرة. وهكذا يستطيع الإنسان أن ينفذ إلى آفاق المعرفة المختلفة في أنواعها، التي منها المعرفة التجريديّة التي تمثّل ترفاً فكرياً لا فائدة منه في حركة الحياة، سواء على مستوى العقيدة أو العمل، وهو جهد قد يحرِّك الفكر في معادلاته، ولكنّه لا يحقّق له أيّ غنىً في العمق وفي الامتداد، بل يتبخَّر تماماً كما يتبخَّر الزبد الطافي على وجه الماء أو المعدن. ومنها المعرفة الواقعية التي تمثّل تلبية لحاجة فكرية على مستوى إغناء العقيدة وتأسيس القاعدة الفكرية التي ينطلق منها الإنسان في حياته العامّة والخاصّة، وتدفعه إلى إغناء تجربته العملية من خلال وعي أسرار الحياة والظواهر الكونية والإنسانية، والموجودات المتنوّعة من حوله، والاستفادة منها في تطوير وتنظيم أوضاعه الحياتية والاجتماعية والثقافية والحضارية. إنّه الفرق بين المعرفة التي لا يثبت منها شيء ينفع الناس، وبين المعرفة التي تنفع الحاضر والمستقبل. فلا بدّ للإنسان من أن يحسن الاختيار، فلا يختار إلاّ ما ينفع ويمكث في قضايا الحياة والمصير، ويتخفَّف من الثقافة النظرية التي لا تلبّي أيّ حاجة إنسانية على مستوى الفكر والعمل، كما حصل في عصور التخلُّف، التي أغرقت الفكر الإنساني بالكثير من المعادلات الافتراضية والحذلقات اللّفظية، والألغاز والمعميّات وغيرها ممّا لا يسمن ولا يغني من جوع. {لِلَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى}، هؤلاء الذين أقبلوا على دعوة الحقّ في رسالات الله التي جاء بها الأنبياء، فآمنوا بها وعملوا على أساسها وساروا على منهجها، لهم الأجر والثواب، والمنفعة على مستوى الدنيا والآخرة، بما تمثّله دعوة الله من حقٍّ ينفع الناس، ويمكث في الأرض على كلّ صعيد. {وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ} وابتعدوا عنه وأقبلوا على الشيطان في أوهامه وخيالاته، {لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ} أنفسهم ممّا يواجهونه من العذاب الأليم. {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ} نظراً لسوء أعمالهم، {وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} الفراش الذي يفترشونه، من نار تحرق أجسادهم بلهيبها وعذابها. وتلك هي صورة المصير التي يريدنا الله أن نتمثّلها لنختار صورتنا يوم القيامة، من خلال ما نختاره من موقف ومن خطّ عملي نسير عليه في الدنيا. ***** 2 ـــ الحق لا بدّ غالبٌ للباطل: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ*لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ*بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 16 ـــ 18]. ***** معاني المفردات: {نَقْذِفُ}: القذف: الرمي البعيد. {فَيَدْمَغُهُ}: دمغه دمغاً أي: شجّ رأسه حتى يبلغ الدماغ. والمراد بالدمغ هنا: القمع والإبطال. {زَاهِقٌ}: زهق الشيء يزهق أي: هلك. ***** كيف يفكّر هؤلاء الذين يعتبرون الحياة الدنيا فرصتهم الأولى والأخيرة، فيعتبرون أن لا هدف ولا غاية من وجود الإنسان؟ وهم ينكرون أمر المعاد الذي سيواجه فيه الإنسان النتائج الإيجابية والسلبية على أعمال الخير أو الشرّ الصادرة عنه في حياته، لتتوازن الحياة في دائرة الهدف الذي يحكم مسألة الوجود عنده، ومسألة المسؤولية لديه. ما معنى كلامهم هذا؟ إنّهم ينسبون العبث واللّهو إلى خلق الله! فهل عملية الخلق هي لمجرّد أن تثير الانفعالات المرضية في النفس من خلال ما تتوزّعه من حركات ومشاهد وأوضاع، وتخلقه من الأجواء اللاهية ثمّ تنتهي المسألة؟ وليس هناك إلاّ اللهو الذي يملأ الفراغ، ويثير الإحساس.. ولا يترك وراءه أيّ شيء في طبيعة الواقع، وحركة الوجدان؟ ولماذا يعبث الله أو يلعب أو يلهو، لينسبوا ذلك إليه؟ إنّ هذه المعاني وليدة حاجة للإثارة، ولملء الفراغ الذي يعانيه اللاعب أو اللاهي، وللتخلص من حالة السأم والملل التي يعيشها، ممّا لا يطيق معه الطمأنينة إلى الهدوء النفسيّ والسلام الروحيّ، فيلجأ للعب واللّهو، ليلقى عندها بعضاً من الهدوء. ما يدّعيه هؤلاء هو من صفات المخلوقين الذين يعيشون الحاجة والفقر والفراغ والسأم والملل والارتباك، فيتخلّصون من ذلك بالعمل تارّة، وباللّهو واللّعب أخرى. وهذا ما يجعل المسألة في أجواء المستحيل العقلي على الله، ويجعل نسبة ذلك إليه عدواناً على مواقع عزّته وجلاله، ويوحي بالتخلُّف الفكري والسقوط الروحيّ اللّذين يتمثّلان في شخصية هؤلاء المتحدّثين بهذه الطريقة، ويدلّل على أنّهم لم يفهموا طبيعة الأُسس والقوانين الإلهية التي تحكم الكون كلّه، ما يجعل لكلّ ظاهرة قانوناً، ولكلّ حادثة سبباً، وهذا ما أرادت هذه الآيات أن تثيره أمام الإنسان في تصويرها للمفاهيم الخاطئة المنحرفة المتخلّفة التي كان يعيشها الناس في عهد الدعوة الإسلامية، ويواجهها الدُّعاة إلى الله في كلّ زمانٍ ومكانٍ في مجتمعاتهم المتخلّفة. ***** غاية الخلق: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ} إنّه النموذج الأمثل على الجدّ الذي لا جدّ مثله، وعلى الحكمة التي تمتد إلى كلّ خصوصيات الأشياء، وتنفذ في أعماقها، حتى تجد أنّ هناك خطّةً دقيقةً لهندسة الكون من بدايته إلى نهايته، في استقراره واهتزازه، وفي ضعفه وقوّته، وفي نموّه وتطوّره، في الظواهر الكونية والاجتماعية، في ارتفاع المجتمع وسقوطه، وفي الحالات النفسية التي تحكم حركة الإنسان الداخلية، وفي تأثّره بما حوله من الكائنات الحيّة والجامدة. وهكذا يجد المفكّر الباحث في داخل وجدانه، إحساساً عميقاً بأنّ وراء كلّ شيء في الوجود سرّاً وحكمةً، ولذا فإنَّ المشكلة المطروحة لديه ليست هي البحث عمّا إذا كانت الحياة خاضعةً لحكمة أو أنّها مرتكزة على أساس الصدفة أو الفوضى، بل المشكلة هي في اكتشافه نوعية الحكمة، وطبيعة السرّ، بعد أن كان وجوده من بديهيّات الكون، من ناحية المبدأ. ولهذا فإنّ القضية التي تتحدّث عنها الآية تتحرّك لتأكيد نفسها في الوجدان العميق، في خطّين: الأوّل: هو استحالة نسبة اللّعب إلى الله لأنّه لا يتناسب مع حكمته، ولا يليق بجلاله، ولا معنى له، إذ يمثل اللعب حاجة ذاتية لملء الفراغ والحصول على الراحة النفسية ممّا لا يتناسب مع عظمته ـــ سبحانه ـــ وغناه المطلق عن كلّ شيء، وتنزيهه عن كلّ نقاط الضعف مهما صغرت. الثاني: هو الدراسة الدقيقة للظواهر العامة في الكون والحياة والإنسان التي توحي بأنّ الأرض خاضعة للتخطيط الدقيق في عمق الجديّة الحكيمة لأسرار السُّنّة الإلهية، وبأنّ السماء والفضاء الذي يفصل بينها وبين الأرض ـــ فيما اكتشفه الإنسان منهما ـــ خاضع لمثل ذلك، ما جعل الهاجس الذي يحسّ به العلماء والمكتشفون في ملاحظاتهم الدقيقة للظواهر، هو البحث عمّا وراء ذلك الذي يحسُّون بوجوده، بالفطرة والملاحظة، ويعملون على معرفة كنهه. {لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا} أي ممّا نملك من قدرة مطلقة، تمنح الأشياء وجودها، {إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ} ولكنّنا لم نتّخذ ذلك ولم نرده، لأنّنا لا نتّخذ شيئاً إلاّ من مواقع الحكمة التي تخضع لها كلّ أفعالنا في حركة الوجود السلبية والإيجابية. فليس الأمر، إذا لم نفعله، هو النقصان في القدرة، بل الأمر، هو ابتعاد ذلك عمّا يتناسب مع مقام الألوهية في حكمته وغناه وقوّته التي لا ينفذ إليها شيء من الضعف. ***** الحقّ يدفع الباطل: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ} إذ يريد الله للحقّ أن يحتويَ الحياة كلّها من خلال ما أودعه فيها من أسرار، وشرائع أنزلها على رسله، أو من خلال الفطرة الكامنة في أعماق الوجدان الإنساني، والعقل المرتكز في كيانه، فيعطي للحقّ معناه وفاعليّته وقوّته، ويمنع الباطل أن يفرض نفسه على منطق الحياة والوجود، لأنّه لا يملك عناصر البقاء في ذاته، بل يعيش القوّة كحالة طارئة محكومة للأوضاع الخارجية المحيطة به. وبذلك، لا بدّ أن تنتهيَ حركة الصراع فيما بينهما بأن يُسقط الحقّ الباطل، فيفجّره من الداخل، بضربةٍ قويّةٍ في نهاية المطاف، {فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ} أمام الحُجّة القاطعة القويّة التي لا تمنح الواقع الفرصة للخلود، وأمام تفاصيل الوجود التي لا يمكن للحقّ معها أن يسمح للباطل بالنفاذ إلى عمق الوجود. وهكذا تكون النتيجة في النهاية لصالح الحقّ، كما كانت البداية له أيضاً، ما يجعل مسألة الجديّة التي هي المظهر الأعلى للحقّ في معناه وحركته، قانوناً ثابتاً في الكون. وبذلك كانت قضية المعاد، بما تمثّله من الهدف الكبير لحركة الإنسان في الحياة، ضرورةً عقليةً وكونيّة، في ما أرسله الله من رسالات، وبعث من رسل، بالرغم من كلّ الكلمات اللامسؤولة، والخيالات المنحرفة التي يثيرها الكافرون والضالون، {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} من كلمات الكفر والضلال المتمثّلة بجحود أمر الرسالة والمعاد من دون حُجّةٍ ولا برهان. إنّ المسألة التي تفرض نفسها في صراع الحقّ والباطل، هي أنّ الحقّ يحمل في داخله عناصر البقاء من حيث انسجامه مع حاجة الحياة، وطبيعة الأشياء، بينما يمثّل الباطل في حركته ووجوده، الظروف الاستثنائية الطارئة التي قد تتغذّى من أكثر من جهة. ولهذا فقد يكون من الضروري للعاملين في ساحة الصراع أن يحدِّدوا العناصر المحقّة الثابتة لأيّ موضوع، وأن يدرسوا الظروف المتّصلة به من حيث علاقتها بالصورة والموقع والعمق والامتداد، لأنّها ربّما تغيّر طبيعة الأشياء، فمسألة الحقّ والباطل قد تكون نسبيّة في ما يتعلّق بالواقع المتحرّك للإنسان، إذ قد يكون الشيء حقّاً في زمان أو في موقع، وباطلاً في زمان أو في موقع آخر، تبعاً لحركة المتغيّرات من حوله، حتى لا نقع في سوء التقدير أو الفهم للقضايا عندما نواجه الأمور في دائرة المطلق، فيخيّل إلينا أنّ الحقّ باطل والباطل حقّ، لأنّنا لا نملك مقياس العناصر الثابتة والمتحرّكة في هذا المجال. وقد ينبغي لنا أن نواجه الظروف الطارئة التي تمنح الباطل قوّة على مستوى الأوضاع والساحات والأشخاص والأزمنة، لنعرف كيف نحرّك الصراع في مواجهتها، من حيث النظرة إلى طبيعة الفكرة والظروف، حتّى نحدِّد الأدوات التي نستعملها في هذا المجال أو ذاك، لئلا نخطئ من حيث نريد الإصابة، أو نعتبر الإصابة حركة في مواقع الخطأ. وربّما كان من مشاكل الساحة العمليّة، هذه النظرة المطلقة للحقّ والباطل، ما يجعل المسألة في دائرة المثال، فيبتعد بنا عن الدائرة الواقعية التي تتغيَّر فيها ملامح الأشياء تبعاً لتغيّر ملامح الظروف المحيطة بها؛ ثمّ هذا الاستغراق في عمق الباطل في النظرة بعيداً عن الأجواء والأوضاع المحيطة به التي تعطيه قوّة في ذاته، أو تزيده قوّة على قوّة، قد يدفعنا إلى الكثير من الارتباكات والانحرافات في التحرّك نحو الأهداف الكبيرة في مواقع التحدّي في المعركة. ومن خلال ذلك، نستطيع أن نفهم كيف يمكن انتصار الحقّ على الباطل على أساس الأخذ بأسباب النصر، بما نفهمه من طبيعتها وأدواتها وأساليبها والمدى الزمني الذي يجب أن نقطعه، كما نعرف من خلاله الأسباب التي تكمن وراء الهزائم الكبيرة التي تصيب الحقّ وفي أكثر من موقع ابتعد فيه العاملون عن فهم الأسباب الحقيقيّة لعوامل الصراع. ***** 3 ـــ هزيمة الباطل بإعلان الحقّ: {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} [الإسراء : 81] ***** معاني المفردات: {زَهُوقاً}: الزهوق: الهلاك والبطلان. ***** {وَقُلْ جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ} أعلن الحقيقة على الناس دون خوف، لأنّ مسألة إثارة الحقّ في وعي الناس لا يمكن أن تخضع لعوامل الإخفاء، بل لا بدّ من التأكيد على الموقف في ساحة التحدّي، ليعرف الناس كيف يواجهون الحياة من مواقعه، لئلا يضيعوا في غمار الضلال، وهذا ما جعل الأنبياء ينطلقون في دعوتهم للإيمان بالله والسير في طريقه، بكلّ قوّةٍ وإصرار ومعاناة، ويتحمّلون في سبيل ذلك كلّ الصعوبات، ويقدّمون أغلى التضحيات. حتى فقد الكثيرون حياتهم من أجله. إنّه الإعلان المتحدّي؛ لقد جاء الحقّ، ودخل الساحة، وسيفرض نفسه عليها، وسيواجه كلّ الأعداء، وسيهجم على كلّ المواقع، بكلّ أدواته وأساليبه وخطواته العملية، وزهق الباطل وهلك، لأنّ الحقّ سوف يفضح كلّ نقاط ضعفه، وسيكشف عن كلّ الزيف الذي يختبئ داخله، وعن كلّ السحر الزائف الذي يبرز ملامحه بطريقة خادعة. وسيواجه كلّ قواه، وسيسقطه وينتصر عليه، مهما امتدّ الزمن، ومهما ارتكبت المواقف واهتزّت المواقع، فإنّ الحقيقة ستفرض نفسها، ولو بطريقةٍ متحرّكةٍ، تتقدّم حيناً، وتتأخّر حيناً آخر. {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً} لا يحمل عناصر البقاء الحقيقيّة التي تمنحه القدرة على الاستمرار والدوام، إذ إنّه لا يملك عمق الثبات في ذاته، بل كلّ ما هناك، أنّه يستعير عوامل القوّة من الأوضاع الخارجية التي تحيط بالساحة، في عملية تجاربٍ وصراعٍ. وهذا ما يريد الله للمؤمن أن يستوحيه في نفسه، وأن يؤكّده في ساحته، وإن وقفت هذه العوامل في مواجهته على مستوى الفكر والسياسة والاجتماع. ***** الحكم والحاكميّة الحاكمية لله تعالى وحده ـــ بين الحكم بما أنزل الله وحكم الجاهلية ـــ الاحتكام إلى الطاغوت. 1 ـــ الحاكمية لله تعالى وحده: {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ*وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [الأنعام: 114 ـــ 115]. ***** معاني المفردات: {الْمُمْتَرِينَ}: المتردّدين الشاكين. {لاَّ مُبَدِّلِ}: التبديل: وضع الشيء مكان غيره. {صِدْقاً}: الصدق: الخبر الذي مخبره على وفق ما أخبر به. ***** يستنطق القرآن رسول الله، فيصوّره لنا في موقفه الرسالي الذي يوحي للناس بالموقف الحاسم الرافض لكلّ الأشخاص والرموز الذين اعتادوا أن يتحاكموا إليهم عندما يختلفون ويتنازعون ويتطلّبون القول الفصل والحكم العدل الذي يخضع له الجميع، فليس لأيّ واحد منهم حقّ الحاكمية، وليس لأحد منهم أن يتّخذ حكماً في أيّ أمر، لأنّهم لا يملكون الصلاحية في ذلك، فهم مخلوقون لله، خاضعون له، محدودون في رؤيتهم وخبرتهم بالقضايا والأشياء. وهنا يقف رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ليوجّه النداء إلى الكون كلّه، ويعلن موقفه التوحيديّ الذي لا يعتبر التوحيد مجرّد اعتقادٍ ساذجٍ بوحدانية الله، في مواجهة الذين يشركون بالله غيره، لتبقى مجرّد فكرةٍ في عقل الإنسان، تماماً كما هي الأفكار العلمية التي تملأه بالنظريات، ولا تقترب من الجانب العملي المتحرّك، بل يعتبر التوحيد منهجاً للحياة يبدأ من خطّ العقيدة، لينتهيَ إلى آخر موقف من مواقف الإنسان الصغيرة والكبيرة، فلكلّ كلمةٍ من كلماته خطّ توحيد وخطّ شرك، ولكلّ عمل من أعماله علاقةٌ بالشرك وبالتوحيد، حتّى النيَّات التي ينويها، والدوافع التي تدفعه، لها علاقة بذلك كلّه. وفي ضوء ذلك، كانت الحاكمية التي تمثّل القوّة التي يخضع لها الناس، ويسلّمون أمرهم إليها، مظهراً من مظاهر التوحيد والشرك، حسب اختلاف الرمز والشخص الذي يتحاكمون إليه. ويطلق رسول الله صيحة الاستنكار لكلّ رموز الشرك، ليؤكّد موقفه التوحيدي لله تعالى، وليردّ كلّ أمر مهما كان، إليه تعالى، كسُنّة تقود العالم وتهديدهم في مسيرة حياتهم كلّها، ومن خلال هذا كلّه، يطرح الحاكمية التي تعتبر القاعدة التي يرتكز عليها التوحيد لأنّها السرّ العميق في روحيّة الاستسلام لله، لأنّها تعني أنّ الإنسان لا يستقلّ بأيّ فكرٍ أو حركةٍ أو عملٍ أو انتماءٍ، بل يرجع ذلك كلّه إلى الله، فهو الحكم في كلّ شيء. {أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً} وماذا يمثّل غير الله، مهما كان نوعه، من قوّة؟ فالله هو القادر والقاهر والحكيم والخبير والخالق والعليم والمنعم، فكيف أجعل غيره هو الحاكم في أيّ شيء، وماذا يملك غيره؟! وليست هذه الكلمة كلمة رسول الله فقط، إنّه لم يقلها ليعبّر عن موقفه الذاتي، بل ليعبّر عن موقف الرسالة في موقفه، فهي لكلّ إنسان مؤمن يريد أن يواجه قضايا الحياة، ليقولها بقوّة، أمام كلّ الذين يريدون أن ينحرفوا به عن الطريق الحقّ. إنّ آيات الله هي أساس الفكر الذي أحمله، والعقيدة التي أعتنقها، والمفاهيم التي أؤمن بها، لا أمر لي مع أمره، ولا حكم مع حكمه، بل له الأمر كلّه، والحكم كلّه، ولكن كيف تكون حاكمية الله في الحياة؟ هل تُطرح كشعارٍ يتلاقفه الطامحون، ليعطوا لأنفسهم صلاحية الحكم باسم الله كممثّلين له على الأرض في ما يقولون ويدّعون ويخترعون من أفكار، وفي ما يصدرون من أوامر ونواهٍ. كما يحدث في كثيرٍ من أدوار التاريخ؟ أم هل تواجه كلّ حلٍّ واقعيّ للمشاكل الحياتية عندما يتقاتل الناس أو يتخاصمون "بكلمة" لا حكم إلاّ الله"، لتمنع أيّ نوع من أنواع التحكيم بينهم، لأنّهم يعتبرون حكم الله شيئاً معلَّقاً في الهواء، أو في الفراغ، فلا حقَّ لأحد أن يجتهد في تطبيقه أو تحريكه في حياة الناس؟ وتأتي الفقرة الثانية من الآية بالجواب: {وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً} فلم يترك المسألة فوضى يتلاقفها كلّ إنسان من خلال مطامحه وأحلامه، ولم يبعدها عن متناول الإنسان لتبقى معلّقةً في الفضاء، بعيدةً عن متناول يده، بل أنزل الكتاب مفصلاً، يحدّد فيه كلّ صغيرة وكبيرة، ويوضح فيه الأُسس التي تتحرّك من خلالها القضايا، وترتكز عليها الأمور، في ما نريد أن نعرفه ونلتقي فيه من شؤون الحياة. ووزان هذه الفقرة من الآية وزان قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ} [الأنعام: 38] وهنا يتحوّل الأسلوب القرآني إلى الحديث عن هذه الحقيقة، من خلال الذّات الإلهية، بأسلوب المتكلّم، ليؤكّد لنا أنّ الله لم يفرّط في شيء، بل جاء به مفصّلاً شاملاً لكلّ ما يحتاجه الناس، فلا مجال للرجوع إلى غيره في أيّة قضية ممّا يختلف عليها الناس، فبإمكانهم أن يرجعوا إليه ليحدّد لهم الأشخاص الذين يمثّلون خطَّه ورسالته ليحكموا فيما بينهم بما أراد الله، وليبيّن لهم القواعد التي يرجعون إليها في تحديد تفاصيل الحياة. وهكذا يقف الناس مع حاكمية الله في حاكمية رسله وأوليائه، وفي حاكمية دينه وشريعته التي أنزلها الله على رسله. {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ} لأنّهم يعرفون دلائله الواضحة، فيما لديهم من الكتاب الذي أنزله على موسى وعيسى، وفي ما بشَّر به من نبوّة محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، لكنّهم يظهرون الإنكار والشكّ والريبة، حسداً وحقداً وعداوةً {فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} أي: من المرتابين الشاكّين، لأنّ القضية واضحةٌ في وجدانك من خلال نور الحقيقة الذي ألقاه الله في قلبك، ومن خلال ما ألقاه الله إلى رسله وأنبيائه من قبلك. ***** لا مبدّل لكلمات الله: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ} ما هي كلمة الله؟ فقد تحدَّث القرآن عن الكلمة بأكثر من أسلوب، حتّى أنّه أطلقها على عيسى (عليه السلام). الظاهر أنّ المراد بها، هنا، الإسلام الذي أنزله الله على الرسول مفصّلاً، ولم يفرّط في الكتاب من شيء، في ما يحتاجه الناس في أمورهم الخاصة والعامة، {صِدْقاً}، في ما يمثّله من الحقيقة التي لا يقترب إليها الباطل، فهي الصورة الحيّة التي تتطابق مع خطّ الحقّ، فلا شيء إلاّ الصدق، الصدق في الكلمة، وفي الجوّ، وفي الموقف، وفي حركة الحياة، وفي ما يريد أن يبنيه من شخصية الإنسان الذي يصنعه على أساس الصدق، في نطاق الفرد والمجتمع، في المشاعر والكلمات والمواقف، في الصدق مع النفس، ومع الله، ومع الناس، ومع الحياة، وبذلك يكون الإنسان الذي يجسّد الصدق في كلّ حياته كلمة الله، لأنّ الله هو الحقّ، فكلّ ما يمثِّل الحقّ في كلمته وإرادته، ويكون التشريع والفكر والجوّ الذي ينسجم مع خطّ الصدق كلمة الله، لأنّ الله هو الحقّ. وهكذا تمَّت كلمة ربّك صدقاً لأنّ الصدق يحيط بها من بين يديها ومن خلفها وعن يمينها وعن شمالها، وفي عمقها وامتدادها. {وَعَدْلاً} في ما تمثّله من التوازن بين خطّ الدنيا وخطّ الآخرة، وبين جانب المادة وجانب الروح، ومن التوازن بين شخصية الملاك وشخصية البشر في الإنسان، وفي الشخصية الفردية والشخصية الاجتماعية له، وفي المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، وهكذا يتحرّك في حقوق الناس في ما يختلفون فيه ويتّفقون عليه، في حياتهم الداخلية والخارجية، حتى يشمل التوازن. وهكذا رأينا القرآن في أكثر من آية يؤكّد على العدل في الكلمة والشهادة والحكم والمعاملة وفي الحياة الزوجية، وفي الصلح بين الناس، وفي الحرب والسلم وفي كلّ شيء، حتى اعتبر القيام بالقسط ـــ أي العدل ـــ هدف كلّ الرسالات وكلّ الرسل. {لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ} إنّ التبديل إنّما يعرض للأشياء التي تخضع للحدود الزمنية أو المكانية أو تنطلق من الظروف المحدودة أو الخبرة القصيرة النظر، وتلك هي صفة القرارات والكلمات الصادرة عن الإنسان، الذي لا يملك النظرة المطلقة البعيدة المدى، التي لا تتجمَّد في الحدود الضيّقة، أمّا الأشياء التي تتحرّك من قلب الحقيقة، في ما تنطلق فيه المصلحة الممتدة المطلقة للإنسان، بعيداً عن كلّ خصوصياته الزمانية والمكانية والعرقية والشخصية، فإنّها لا يمكن أن تتبدّل أو تتغيّر لأنّها تمثّل الحقّ الثابت الذي لا مجال فيه للاهتزاز وللتحوّل، وتلك هي صفة كلمات الله التامّة التي أراد الله للحياة وللإنسان أن يسيرا عليها من خلال المصلحة الثابتة الممتدّة الدائمة ما بقي للحياة حركة، وما بقي للإنسان وجود. {وَهُوَ السَّمِيعُ} الذي يسمع كلّ شيء، حتى السرّ وأخفى، ويسمع وساوس الصدور، ولا يصمّ سمعه صوت {الْعَلِيمُ} الذي يعلم مفاتيح الغيب، {وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [الأنعام: 59] ويعلم ما يفسد الناس وما يصلحهم، وما ينفعهم وما يضرّهم، فإذا كان الله سميعاً عليماً، فإنّه يركّز كلماته، كلّ كلماته، على أساس علمه بواقع الأشياء وبمصلحة عباده من جميع الجهات، فأين يكون موقع التغيير والتبديل من هذا كلّه؟ ***** 2 ـــ بين الحكم بما أنزل الله وحكم الجاهلية: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ*وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ*وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ*وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ*وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ*وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ*أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 44 ـــ 50]. ***** معاني المفردات: {وَالرَّبَّانِيُّونَ}: جمع ربّاني نسبة إلى الرّب، أي يرضي الرّب بأقواله وأفعاله، وهم العلماء البصراء بسياسة الأمور وتدبير الناس. {وَالأَحْبَارُ}: جمع حبر، وهو العالم، مشتق من التحبير وهو التحسين، فالعالم يحسّن ويقبّح القبيح. قال الفرّاء: أكثر ما سمعت فيه حِبر بالكسر(1) {وَقَفَّيْنَا}: القفو إتباع الأثر يُقال: قفاه يقفوه. والتقفية: الإتباع، قال: قفيته بكذا: أي أتبعته، وإنّما سمّيت قافية الشعر قافية لأنّها تتبع الوزن. {آثَارِهِم}: جمع الأثر، وهو العلم الذي يظهر للحسّ، وآثار القوم ما أبقوا من أعمالهم، والمأثرة المكرمة التي يأثرها الخلف عن السلف لأنّها علم يظهر فضله للنفس، والأثير الكريم على القوم لأنّهم يؤثرونه بالبرّ. ومنه الإيثار للاختيار، فإنّها إظهار فضل أحد العملين على الآخر. {وَمَوْعِظَةً}: الموعظة: هي الزجر عمّا يكرهه الله إلى ما يحبّه والتنبيه عليه. {وَمُهَيْمِناً}: المهيمن على شيء: القائم على شؤونه. {شِرْعَةً}: الشرعة والشريعة واحدة وهي الطريقة الظاهرة، والشريعة هي الطريقة التي توصل منه إلى الماء الذي فيه الحياة، فقيل: الشريعة في الدين: الطريق التي توصل منه إلى الحياة في النعيم، وهي الأمور التي يعبد الله بها من جهة السمع. {وَمِنْهَاجاً}: المنهاج الطريق الواضح، وقال المبرد: الشرعة ابتداء الطريق، والمنهاج الطريق المستقيم. {لِّيَبْلُوَكُمْ}: الابتلاء: الاختبار. {فَاسْتَبِقُوا}: بادروا. {يَفْتِنُوكَ}: أي يميلوا بك عن الحقّ. ***** في هذه الآيات حديث تفصيلي عن الرسالات الثلاث، التي أرسل الله بها أنبياءه موسى وعيسى ومحمّد ـــ صلوات الله وسلامه عليهم ـــ تأكيداً على أنَّ كلّ واحدة منها هي خطّ الحقّ الذي رسمه الله لعباده، وشرعة العدل التي أقامها للحياة، من أجل أن ينفتح الناس على الحلول الواقعيّة العادلة لمشاكلهم التي يتخبّطون فيها. فهي الصورة الحيّة المشرقة لحكم الله الذي يريد الله للنّاس أن يحكموا به في ما يتنازعون فيه من قضايا وأعمال، فليس لهم أن يتجاوزوه إلى غيره، استجابة لأيّ ضغط داخلي أو خارجي، لأنَّ مصلحتهم في الحياة الدنيا من جهة، وعبوديّتهم المطلقة لله من جهةٍ أخرى، تفرض عليهم الالتزام الدقيق به على كلّ حال، واعتبر الانحراف عنه وعدم الحكم به كفراً وفسقاً وظلماً. وحذَّر الأنبياء ـــ في عملية إيحائية بخطورة القضية ـــ من أن يخضعوا للضغوط التي يمارسها الآخرون عليهم، لينحرفوا بهم عن الخطّ المستقيم في إقامة حكم الله بين الناس، وأمرهم بأن يعرضوا عن كلّ من أعرض عن حكم الله، لأنّ الله هو الذي يتكفّل بحسابهم في الدنيا والآخرة. ***** مدخل عام: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ} ممّا بيَّناه من عقائد ومفاهيم وأحكام تهديهم إلى الحقّ وتبعدهم عن الباطل وتنير لهم السبيل إلى المعرفة الحقّة الصافية التي لا ظلمة فيها ولا غموض، وتلك هي صفة كتب الله التي ينزلها على رسله ليخرجوا الناس من الضلال إلى الهدى، ومن الظلمات إلى النور، ولتمثِّل القانون العادل الذي يرجعون إليه في كلّ خلافاتهم ونزاعاتهم في شؤون الحياة العامة والخاصة، وقد أنزل الله التوراة على موسى (عليه السلام) هدىً وأنواراً تمتد إلى مدى الزمن في شرائعها الباقية، {يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ} وأذعنوا له وخضعوا لوحيه بكلّ ما يشتمل عليه ممّن جاء من بعد موسى (عليه السلام). {لِلَّذِينَ هَادُواْ} الذين آمنوا بموسى (عليه السلام) والتزموا بالتوراة كتاباً منزلاً من الله ليفصل بينهم في ما اختلفوا فيه من الحقّ في العقيدة والشريعة، لأنّ هؤلاء الأنبياء يملكون علم التوراة كما أنزلها الله، فلا يملك اليهود المنحرفون إخفاء ذلك أو تحريف ما فيها من أحكام لمصالحهم الخاصة، لأنَّ الأنبياء يفضحون ذلك بما أعطاهم الله من علم الكتاب. {وَالرَّبَّانِيُّونَ} وهم العلماء المنقطعون إلى الله علماً وعملاً الذين يقومون بمهمّة التربية للنّاس بما يملكون من علم، {وَالأَحْبَارُ} وهم الذين يملكون الخبرة من علماء اليهود السائرين على خطّ التوراة، فهؤلاء وأولئك يحكمون بين الناس {بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ} الذي أرادهم الله أن يحفظوه بكلّ حقائقه من دون تحريف أو تغيير كوديعةٍ مضمونة، {وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء} من خلال المعرفة التفصيلية التي يملكونها، والمسؤوليّة التي يتحمّلونها في إبلاغها للنّاس فلا يكتمونها عنهم، {فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} في كتاب الله ورسالته، لأنَّ الله أرادكم أن تأخذوا الكتاب بقوّة، وأن تبلغوا الرسالة بصلابة، فلا تأخذكم في الله لومة لائم، لأنَّ ذلك هو دور رسل الله بما حمّلهم من رسالته، أن يجاهدوا في الله حقّ جهاده بلا خوف ولا وجل، لأنَّ الله ينصر عباده المؤمنين، {وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً} أي لا تستبدلوا ولا تستعيضوا بحيث تبيعون دينكم بالثمن البخس الذي لا يسمن ولا يغني من جوع، أو بمال تحصلون عليه أو جاهٍ تصلون إليه، فذلك هو دليل الإيمان بالله ورسالاته، لأنَّ الإيمان ليس مجرّد كلمةٍ يقولها المؤمن ويتابع سيره من دون التزام عمليّ، بل هو التزام حركيّ حاسم يقف فيه الإنسان مع أحكام الله، فلا يقدِّم رِجْلاً ولا يؤخِّر أخرى حتّى يعلم أنَّ في ذلك لله رضى. ***** للكافر درجات ومراتب: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} بالمعنى العملي للكفر في إيحاءاته والتزاماته ونتائجه، فإنَّ للكفر درجات ومراتب تبعاً لما في الإيمان من درجات تبدأ من الإيمان القلبي، لتمتدّ إلى الإعلان عنه باللّسان، لتصل ـــ في الدرجة العليا ـــ إلى الإيمان العملي الذي يعمل على تغيير واقع الإنسان من الضلال إلى الهدى، ومن الانحراف إلى الاستقامة، هذا كلّه إذا كان عدم الحكم بما أنزل الله ناشئاً من حالة الخوف أو من حالة الطمع، أمَّا إذا كان ذلك ناشئاً من إنكار شرعيّته وواقعيّته أو الاستهانة به من جهة عدم الإيمان بكتاب الله ورسوله، فإنّه يكون كفراً التزاميّاً يشمل العقل واللّسان والحركة. وهذا هو الخطّ المستقيم الذي لا بدَّ للدُّعاة إلى الله من رسل وعلماء ومفكّرين أن يلتزموه، وأن يواجهوا بالتالي، كلّ التحدّيات الكافرة والضالّة والمنحرفة، بالحقائق الإيمانيّة الواضحة بالقوّة الفكريّة والعمليّة، لأنَّ القوّة لا بدَّ من أن تُقابل بمثلها. ***** شرعة القصاص في التوراة: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} أي في التوراة {أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} فمن قتل نفساً كان لوليّه أن يقتله به قصاصاً، {وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ} فمن قلع عين شخص كان له أن يقلع عينه، {وَالأَنفَ بِالأَنفِ} فمن قطع أنف إنسانٍ كان له الحقّ أن يقطع أنفه، {وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ} فمن قطع لأحدٍ أذنه كان من حقِّه أن يقطع له أذنه، {وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ} فمن قلع سنَّ إنسان فله أن يقلع سنّه، {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} أي ذات قصاص، والمراد به حقّ المقاصة في كلّ ما يمكن فيه ذلك ممّا يتحقّق فيه المساواة بدقّةٍ مثل الشفتين والذكر والأنثيين واليدين والرجلين وغيرهما، ويجري هذا التماثل في القصاص بالجراحات: "الموضحة بالموضحة"، وتسمّى الواضحة من الشجاج التي بلغت العظم فأوضحت عنه، والهاشمة بالهاشمة "التي هشمت العظم فتشعب وانتشر وتباين فراشه وهي قشوره التي تكون على العظم دون اللّحم"، والمنقلة بالمنقلة "التي تنقل العظم أي تكسره. ولا قصاص في الضربة المأمومة والجائفة، وهي التي تبلغ أمّ الرأس، والتي تبلغ الجوف في البدن"، لأنَّ القصاص قد يؤدّي إلى هلاك النَّفس لصعوبة التحديد الدقيق في القصاص. وجاء في مجمع البيان: "وأمّا ما لا يمكن القصاص فيه من رضّة لحم، أو فكّة عظم، أو جراحة يخاف معها التلف، ففيه أروش مقدرة"(1). وقد أقرَّ الإسلام هذه الشريعة التوراتية(2) التي لا تميّز بين الناس في القصاص، فالشريف والوضيع سواء أمام القانون، وبالتالي لا طبقية في التشريع الإلهي، ولذا كلّ من يقترف جريمة يؤاخذ بمثل عدوانه من دون زيادةٍ أو نقيصة. وهذا ما يحمي الضعفاء الذين يتعرّضون للقهر من قبل الأقوياء، فإنَّ الإسلام يؤاخذهم بمثل ما ارتكبوا، وقد جاء عن الإمام عليّ (عليه السلام): "الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحقّ له، والقويّ عندي ضعيف حتّى آخذ الحقّ منه"(3). ***** التشديد في القصاص لحفظ الأمن الاجتماعي: وإذا كان البعض يرى في تشريع القصاص قسوةً وتشديداً، فإنَّ الإسلام يريد لهم أن يفكّروا الإيجابيّة التي يحصل عليها المجتمع في استقراره وسلامه وأمنه وطمأنينة أفراده من هذه التشريعات، ليقارن بينها وبين النتائج السلبية التي يتعرّض لها الناس من خلال إهمال القصاص، في الاهتزاز الاجتماعي، وفي الخوف والقلق والخطر الذي يتعرَّض له الأفراد والمجتمعات ممّا قد يؤدّي إلى الهلاك والفساد. إنَّ مشكلة الكثيرين من الناس في حكمهم السلبي على الشرع الإسلامي أنَّهم ينظرون إلى الأمور من جانبٍ واحدٍ ولا يدرسونها من جميع الجوانب، ليعرفوا كيف يحرّكونها في موقع العقل الذي يوازن بين المصالح والمفاسد والحسن والقبح في دراسته للأمور، لا في مواقع العاطفة التي تنفتح على السطح في المشاعر والأحاسيس من دون تدقيقٍ بالنتائج. ***** العفو كمبدأ للعلاقات الإنسانيّة: ويبقى للمعتدى عليه الحقّ في العفو عن المعتدي في عدوانه، انطلاقاً من السموّ الروحي الذي يرتفع فيه الإنسان عن مستوى الثأر لنفسه، أو من الواقع الاجتماعي الذي يفرض عليه التنازل عن حقِّه، أو من المصالح الخاصّة أو العامّة التي تدفعه إلى ذلك، أو من الشفاعة التي يقوم بها بعض الأشخاص القريبين إليه لمصلحة المسيء لاعتباراتٍ خاصّةٍ أو عامّة، وهكذا أراد الله أن يمنح هذا النوع من التنازل عن الحقّ عنوان الصدقة التي يستحقّ بها الثواب عند الله في الحصول على الحسنات والعفو عن السيّئات، تشجيعاً لهذه المبادرة الإنسانيّة بالعفو {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ} أي بالقصاص الذي هو حقّ له {فَهُوَ} أي التصدّق به، {كَفَّارَةٌ لَّهُ} عن ذنوبه. وقد جاء عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) في ما رواه الكافي بإسناده إلى الحلبي قال: سألته عن قول الله عزَّ وجلّ: {فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ} قال: "يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما عفا من جراح أو غيره"(1)، وربّما كان تأثير العفو من الناحية النفسية ـــ في السموّ الروحي للعافي، وفي الانفتاح الإنساني على الندامة لدى المعتدي، إشارةً واضحةً على ضرورة إقامة العلاقات الإنسانيّة على الإحسان، لمردوده الخيّر على الحياة. ***** ظلم الحاكم أخطر من ظلم المحكوم: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} الذين يساهمون في تعميق واقع الظلم في الناس، بالامتناع عن الحكم بمعاقبة الظالم، ممّا يشارك في امتداد الظلم في المجتمع من خلال إعطاء الحريّة للمعتدي أن يتحرّك في عدوانه بكلّ حريّة من دون خوف من عقاب. ونلاحظ ـــ في هذا المجال ـــ أنَّ ظلم الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله من الحقّ والعدل، أكثر خطورةً من ظلم المعتدي، لأنَّ المعتدي يتحرّك في ظلمه من الموقع الفردي الخاص في الجريمة التي ارتكبها، أمّا الحاكم، فإنَّه يقوّي الظلم في المجتمع كلّه في مبادرات الظالمين من خلال منعه عن الحكم على الظالم لمصلحة المظلوم، ما يؤدّي إلى انتشار الظلم في الناس، حيث يزداد الظالمون قوّةً وجرأةً على الظلم، ويزداد المظلومون ضعفاً وسقوطاً بفعل الواقع الظالم الذي لا يملكون له دفعاً من ناحية ضعفهم، ومن ناحية الحكم الذي يقف ضدّهم لمصلحة الظالمين. ***** الإنجيل كتاب هدى أيضاً: {وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ} روح الله وكلمته التي ألقاها إلى مريم، أي أتبعنا على آثار النبيّين الذين أسلموا الله بهذا الرسول المميَّز في خلقه وفي دلائل الإعجاز في شخصيّته، فقد جاء ليكمل المسيرة الرسالية في خطّ الرسالات الإلهيّة، لا ليهدم الخطّ الذي سار عليه الرّسل، لا سيّما موسى الذي جاء بالتوراة وحياً من الله، فكان {مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} فأكَّد للنّاس أنّها الحقيقة الإلهية التي لا بدّ لهم أن يؤمنوا بها ويلتزموها في أفكارهم وشرائعهم، لأنّها كتاب الله الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ} [فصلت : 42]، وهكذا كانت النبوّات تتتابع ليصدق بعضها بعضاً، تأكيداً لتآخي الرسل والرسالات، لأنَّ النور لا ينقلب إلى ظلمة، ولأنَّ الهدى لا يتحوّل إلى ضلال. {وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ} الذي أنزلناه على عيسى {فِيهِ هُدًى} ممّا يرفع عن الناس غشاوة الضلال، ويفتح لهم آفاق الهدى، {وَنُورٌ} يضيء لهم ظلمات الطريق، فلا يترك مشكلة إلاّ ولها حلّ عنده، ولا شبهة إلاَّ ولها مزيل لديه، وهكذا رأينا التوراة الرساليّة تشمل الكتب الإلهيّة، فالتوراة نور والإنجيل نور والقرآن نور على ما جاء به قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة : 15]. فهذه الكتب جاءت من أجل أن تعطيَ الإنسان النور لعقله وقلبه وإحساسه وحياته في الخطّ الفكري والشعوري والعملي، فلا يبقى متخبِّطاً في ظلمات الشكّ والشبهة والضلال، بل ينفتح على كلّ الإضاءات التوراتيّة والإنجيلية والقرآنيّة لتحلّ له كلّ مشكلة ولتزيل كلّ شبهة، ولترفع أيّة ظلمة. و{وَمُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ} وهكذا كان الإنجيل مصدقاً بالتوراة، كما كان عيسى مصدقاً بها، فالتقى الرسول بالرسالة في هذا الجانب، وربّما كان في التكرير إشارةٌ إلى أنّ الإنجيل تابع لشريعة التوراة، فلم يكن في الإنجيل إلاّ الإمضاء لشريعة التوراة والدعوة إليها، إلاّ ما استثناه عيسى المسيح في قوله: {وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} [آل عمران : 50]، {وَهُدًى} يهدي به الله من اتّبعه إلى الحقّ وإلى صراط مستقيم، {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} تلين القلب بذكر الله، وترقّق الشعور بآياته، وتفتح العقل على آفاق القرب منه، فتدفع الناس إلى الطاعة، وتبعدهم عن المعصية، وتقرّبهم منه، وتبعدهم عن الشيطان. {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ} من الحقّ، لأنّه يمثِّل كلمة الله فلا يحرّفوه عن مواضعه، وقد جاء في تفسير الميزان في تفسير هذه الفقرة قال: "وقد أنزل فيه تصديق التوراة في شرائعها إلاّ ما استثني من الأحكام المنسوخة التي ذكرت في الإنجيل النازل على عيسى (عليه السلام)، فإنَّ الإنجيل لما صدَّق التوراة في ما شرّعته، وأحلّ بعض ما حرَّم فيها، كان العمل بما في التوراة في غير ما أحلّها الإنجيل من المحرَّمات عملاً بما أنزل الله في الإنجيل وهو ظاهر"(1). وما ذكره ليس ظاهراً، لأنّ الظاهر أنَّ مضمون الحكم موجود في التوراة التي أمر الإنجيل بالأخذ بها، وربَّما كان المقصود بالحكم بما في الإنجيل هو الخطوط العامّة للعدل وللخير والمحبّة وغيرها من المفاهيم الأخلاقيّة والروحيّة التي تتمثّل في مسألة السلوك الإنساني على صعيد العلاقات. ***** هل لأحكام الإنجيل سيادة في وقتنا الحاضر؟ وقد أثار المفسّرون حديثاً أنّ الآية لا تأمر أهل الإنجيل ـــ وهم النصارى ـــ أن يواصلوا العمل بأحكام الإنجيل في عصر الإسلام، لأنَّ ذلك مناقض لآيات القرآن الأخرى، ولوجود القرآن نفسه الذي أعلن نسخ الدين القديم بالإسلام. ولذلك فإنَّ المراد ـــ حسب قولهم ـــ أنّ الآية تتحدّث عن مرحلة نزول الإنجيل، فقد أمر الله الناس آنذاك أن يعملوا به وأن يحكِّموه في جميع قضاياهم. ولهذا قالوا بالتقدير: "وقلنا: وليحكم أهل الإنجيل... الخ". ولكنَّ الظاهر أنّ الآية واردةٌ في مقام إقامة الحُجّة على المنتمين إلى الإنجيل في التزاماتهم الفكرية والعملية من حقائق الإيمان والأخلاق، ومفاهيم الكون والحياة، ممّا يثبت حقائق الإسلام التي تلتقي بها ومنها نبوّة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) التي بشَّر بها عيسى (عليه السلام). وليس من المعلوم أنّ الإنجيل قد تعرَّض للنسخ في آياته، لا سيّما أنَّ مضمونه ليس متضمّناً للشريعة المفصّلة، بل هو أخلاقٌ ومبادئ وقِيَمٌ عامّةٌ في البعد الروحي والإنساني، فلا مانع من أن يتوجّه القرآن إليهم بالحكم بما في الإنجيل لأنّه يلتقي بالحكم بما في القرآن، الأمر الذي يشدّهم ـــ من مواقع اللّقاء ـــ إلى ما في القرآن على أساس "الكلمة السّواء". والله العالم. ***** اليهود والنصارى سواء في رفض الدين الحقّ: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} الذين خرجوا عن خطّ الاستقامة في الدين، لأنَّ الحكم بما أنزل الله هو النتيجة الطبيعيّة للالتزام العقيدي العملي الذي يتجسّد في السير على نهج العقيدة في مفاهيمها وأحكامها وخطوطها العامّة في حركة الإنسان والحياة، فإذا كان الإنسان ملتزماً بدين الله، فلا بدّ من أن يستهديَ أحكام الدين وقوانينه في أحكامه، لأنَّ هذا هو معنى الانتماء الذي يمثِّل الارتباط العضوي بالخطّ الديني، ولهذا كان الخروج عنه فسقاً وانحرافاً عن خطّ الطاعة إلى خطّ المعصية. ***** القرآن مهيمن على ما عداه: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ} وجئت ـــ يا محمَّد ـــ في ختام الرسالات لتكون خاتم الرُّسل الذي يجمع في الكتاب، الذي أنزل عليه الحقّ، في كلّ آياته، كلّ ما يبقى من خطوط الكتاب الأوّل الذي هو التوراة في بعدها التشريعي، والإنجيل في بُعده الروحي والأخلاقي، ليصدقه في كلّ المضمون الفكري والاتجاه العملي، باعتبار أنّه كلمة الله المنفتحة على الحقّ كلّه. وربّما كان المراد الكتاب كلّه الذي يضمّ الكتب المنزلة على الأنبياء، ومنها صحف إبراهيم وزبور داود ونحوهما، {وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} أي أميناً وشاهداً عليه وحافظاً له، فهو الذي يرتفع بالقيمة الأخلاقية والروحيّة إلى المستوى الأعلى الذي يصل بالإنسان ـــ من خلالها ـــ إلى درجة الكمال، باعتبار أنّه يمثِّل الخطّ التصاعدي الذي يرافق التطوّر الإنساني في حاجاته الروحيّة والمادية ليخطّط له المنهج الذي يتحرّك فيه في انفتاحه على الواقع بما لا يبتعد به عن المثال، وفي توازن القيمة في العناصر الفردية التي تغذّي في الإنسان ذاتيّته الاجتماعية التي تحدّد له مكانه في المجتمع من خلال مسؤوليّاته فيه، وهكذا تتمثّل الهيمنة في الحفاظ على أصالة الكتاب وإبعاده عن التحريف، وفي صيانة القِيَم التي تضمّنها الكتاب والارتفاع بها إلى الأفق الأوسع، والمجال الأرحب. ***** وجوب التزام الحقّ في الحكم: وعلى ضوء ذلك، كان القرآن هو الذي تنطلق منه القاعدة ويتحرّك معه الخطّ المستقيم، ويدفع بالحكم إلى مواقع الحقّ {فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ} من الكتاب عليك، لشموليّته لما في الكتب السماوية، فلا يشعر اليهودي بغرابة الحكم الشرعي الذي يصدره الحاكم المسلم عليه، لأنَّ التوراة ليست غريبة عنه، ولا يجد النصراني أيّ إشكال في القضاء الإسلامي في القضايا التي يتحاكم فيها إليه، لأنّها لا تبتعد عن أجواء المفاهيم العامّة في الإنجيل، {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ} فقد يحاولون أن يجتذبوا عاطفتك لبعض رغباتهم وأهوائهم وأوضاعهم التي لا ينطلقون فيها من كتاب، ولا يرتكزون فيها على فائدةٍ من الحقّ، ولا بدَّ لك من أن تكون حذراً من كلّ أساليبهم وإغراءاتهم، لأنّ المسألة ليست مسألة حالةٍ اجتماعية أو شخصية خاضعة للمجاملة، بل هي مسألة حقّ يراد إقامته، وباطل يراد إبطاله، وهو خطّ الرسالات الذي يريد من الناس كلّهم تحكيم الحقّ فيما بينهم. ***** المراد بالشرعة والمنهاج: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً} فلكلّ نبيٍّ شريعةٌ وطريق، والمراد بالشرعة أو الشريعة ـــ في الأصل ـــ الطريق الذي يؤدّي إلى الماء وينتهي به، وهي في هذه الآية الدين المشتمل على الحقائق والتعاليم والشرائع المؤدّية إلى تطهير الإنسان من رذائله وعيوبه وانحرافاته، فكأنّه يسير به إلى ينبوع المعرفة الذي يغسل له كلّ قذارات الجهل والتخلُّف. أمّا المنهاج، فهو الطريق الواضح الذي يوصل الإنسان إلى الهدف الكبير في دنياه وآخرته، وهو السعادة الروحيّة والماديّة. فكرة الابتلاء وتعدُّد الشرائع: {وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي لجمعكم على ملّةٍ واحدة في دعوة جميع الأنبياء، لتلتقوا عليها في الرسالة الخاتمة التي تجمع الخطوط العامة للرسالات كلّها، وذلك بطريقة القدرة الحاسمة التي لا يملك فيها الإنسان اختياره في الانتماء، {وَلَـكِن لِّيَبْلُوَكُمْ} أي ليمتحنكم، {فِي مَا آتَاكُم} من تعدُّد الشرائع حسب اختلاف الزمن، ليظهر عمق الإخلاص له لدى المؤمنين، وسطحية الإيمان به من المتعصّبين المتخلّفين، فينجح المؤمنون بالله وكتبه ورسله ورسالاته، ويفشل المتعصّبون الذين يتجمّدون في المرحلة الزمنية التي بعث بها رسولهم، فلا ينفتحون على رسولٍ آخر ورسالةٍ أخرى، فيحيا من حيي عن بيِّنةٍ ويهلك من هلك عن بيِّنةٍ، {فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ} التي انطلقت من الله في رسالاته، وتنافسوا في الحصول على الدرجة العليا فيها، لأنّ ذلك هو الذي يمنحكم المواقع المتقدّمة في القرب من الله والوصول إلى رضوانه في مرحلة الوفادة إليه، {إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً} فيجمعكم يوم الجمع في موقف المسؤوليّة والحساب {فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} من أمور دينكم، ممّا أحصاه ونسيتموه، ليجزي الذين استقاموا على خطّ الإيمان والعمل الصالح باستقامتهم، ويجزي الذين انحرفوا وابتعدوا عن الخطّ المستقيم بانحرافهم، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وليبادر المبادرون. ***** تأكيد على الحكم بما أنزل الله: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ} في نداءٍ تأكيديّ لتقرير المبدأ وتعميق المسؤوليّة في كلّ الموارد التي يختلفون فيها، ويتحاكمون إليك في حلّها، وإعطاء الحكم الحاسم فيها، {وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ} لأنّك تمثِّل الحقّ في الرسالة التي أنزلها الله لتحرّك الإنسان في مسيرة الحقّ بامتداده في الزمن كلّه والإنسان كلّه، لأنَّ الله هو الحقّ الذي خلق السماوات والأرض بالحقّ، ويريد للإنسان أن ينسجم مع الوجود كلّه في قيامه ـــ في الأرض ـــ في حياته الفرديّة والجماعية على أساس الحقّ، فلا مجال للخضوع للحالات العاطفيّة التي تستجيب لرغبة هذا لمصلحةٍ هنا، أو تبتعد عن ذاك لمشكلةٍ هناك، أو لإغراء يندفع في أحلامٍ وتمنّياتٍ ووعودٍ ببعض المكاسب الصغيرة والكبيرة، فقد أرسلك الله لتركّز للنّاس أهواءهم على أساس رضى الله لا على أساس السقوط أمام تأثيراتها العاطفيّة في وجدانك الشخصي، فإنّك لا تملك نفسك، ولكنّ رسالتك هي التي تؤكّد حركتك مع النّاس كلّهم. ***** تحذيرٌ للرسول من مغبّة الافتتان: {وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ}، وذلك بالمراقبة الدائمة لكلّ الخلفيات التي تكمن وراء كلماتهم وحركاتهم، والدراسة العميقة للتطلُّعات التي يتطلّعون إليها في مواقفهم من الرسالة والرسول، والمتابعة الواعية لكلّ الخطط التي خطَّطوها أو يخطِّطونها للوصول إلى غاياتهم الشرّيرة، لأنّهم لا يريدون بك وبالرسالة خيراً، انطلاقاً من عصبيّتهم للباطل واستعلائهم على الناس. إنَّ من واجب الرسول الداعية إلى الله، العامل في سبيل الله هداية الناس إلى الحقّ وشموليّة سلطة الله على الواقع كلّه، أن يأخذ بكلّ أسباب الحذر في حركته في الساحة العمليّة، لأنَّ الآخرين يخطّطون ويتآمرون ويتلوَّنون بألوان مختلفة، ليحصلوا على مآربهم وليبتعدوا بالرسول وبالداعية عن الحقّ الذي أنزل من الله، ببعض الأساليب الخادعة والوسائل المغرية ليفتنوه عن دينه وليقترب منهم ومن باطلهم. ***** الآثار الاجتماعية للذنوب: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} وأعرضوا عن القبول بالحقّ الذي تقضي به، أو رفضوا التحاكم إليك، فلا تحزن ولا تأس عليهم، ولا تسقط أمام انفعالات الإحباط من خلال سلبيات الواقع، لأنَّ المسألة ليست مسألة فشلك في حركة الدعوة بالحقّ، ولكنّها مسألة انحرافهم الذاتي والفئوي عن رسالة الله، وابتعادهم عن مصالحهم الحقيقيّة في السير على خطّ العدالة في حكم الله والرسول، ما يؤدّي بهم إلى الكثير من المشاكل التي تصيبهم في كلّ مواقع حياتهم الخاصة والعامة، فإنَّ ذلك هو سُنّة الله في خلقه إذا انحرفوا وابتعدوا عن الحقّ. {فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ}، ويعاقبهم عليها في الدنيا من خلال الارتباط العضويّ بين الأفعال السيّئة وعناصرها السلبية بحسب العلاقة بين المقدّمات والنتائج، فإنَّ الذنب يختزن في داخله السلبيّة التي تصيب صاحبه، فتتعبه في حياته وتعقّد له أموره، وتوقعه في الكثير من المشاكل، وتؤدّي به إلى المزيد من الخسائر، وهذا ما حدث لليهود الذين تتحدّث عنهم هذه الآيات في تعاملهم مع النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وخيانتهم له ونقضهم لعهودهم معه، وتحريك الفتنة بين المسلمين، وغير ذلك من الذنوب التي تفصلهم عن المجتمع، وتعزلهم عن قضاياه، وتباعد بينهم وبينه في المصالح المشتركة التي تقرّب الناس إلى بعضهم البعض. وفي ضوء هذا، نعرف كيف تحدَّث الله عن إصابتهم ببعض ذنوبهم، لأنَّ القضية قد لا تكون عقاباً من الله لهم بشكلٍ مباشر، بل القضية هي العقاب الذاتي الذي يكمن في داخل الذنب ممّا يحدث للخاطئين في الدنيا من خلال أعمالهم، كما جاء في قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم : 41]، فإنَّ الله يتحدّث عن الاختلال في النظام الاجتماعي للنّاس بسبب كسبهم السيّئات التي تحمل في داخلها عناصر الفساد الذي يصيب العاملين به، فيذوقون النتائج السيّئة الكامنة في داخل أعمالهم، كحقيقةٍ واقعيّةٍ في علاقة العمل السيّئ بالنتيجة السلبيّة في حياة الإنسان، {وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} خارجون عن خطّ الحقّ إلى متاهات الباطل في إصرارهم على الانحراف عن الرسالة والرسول، ما يجعلهم في موقع الفسق العملي الذي يخرج به الإنسان عن قاعدة التوازن في الحياة. وقد يرد هنا سؤال: لماذا هذا التحذير للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ وهو المعصوم ـــ من أن يفتنه الآخرون عن بعض ما أنزل الله إليه، والنهي له عن اتّباع أهوائهم؟ فهل كان النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في الموقع الذي يمكن فيه أن يتّبع أهواء هؤلاء اليهود، أو أن يفتنه هؤلاء عن دين الله؟ والجواب: إنَّ هذه الآية ـــ والآيات المماثلة في القرآن ـــ لا تتحدّث عن الحالة الشخصية للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في اهتزازها بالعناصر الضاغطة التي يحرّكها هؤلاء، وفي انفعالها وتأثّرها بالإغراءات والأساليب الحميمة التي يثيرونها في وجدانه، بل هي ـــ والله العالم ـــ واردةٌ في تصوير الواقع الموضوعي في الوسائل والأساليب التي يحرّكها هؤلاء في ساحته، ممّا يخطّطون فيه لإخضاعه لأهوائهم ولفتنته عن بعض ما أنزل الله إليه، بما تشتمل عليه من الضغوط الهائلة التي تزلزل الإنسان العادي الذي لا يملك قاعدة نفسيّة من العصمة الروحيّة المانعة عن الاهتزاز والانحراف، ما يجعل النهي عن اتباع أهوائهم، والتحذير من فتنتهم، مرتبطين بالمسألة الموضوعيّة في العناصر المثيرة التي يوجِّهونها إليه، لا بالحالة الذاتيّة التي يعيشها في وجدانه الرسالي الذي يملك القوّة التي لا تضعف أمام التحدّيات. ***** الحكم حكمان: حكم الجاهلية وحكم الله: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ} أي يريدون منك إصداره في القضية التي تحاكموا إليك فيها، وهم ـــ في أجواء الآية ـــ اليهود الذين كانوا إذا سرق الشريف تركوه وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحدّ كما في قصّة أسباب النزول، بحيث كان للمركز الاجتماعي للشخص دور كبير في طبيعة الحكم الصادر له أو ضدّه، تبعاً للامتيازات الطبقيّة والأهواء الذاتيّة أو الفئويّة، بعيداً عن حكم الله في التوراة الذي أكّده الإسلام في القرآن والسُنّة، وهو الحكم العادل الذي ينظر إلى طبيعة القضية من خلال عناصر الإثبات فيها، من دون الالتفات إلى طبيعة الشخص في دائرتها الواقعيّة، وهذا ما يشعر فيه الناس بالأمن على حقوقهم وقضاياهم، لأنّهم متساوون أمام الشريعة في ساحة الواقع والقضاء، {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً} في عناصره الحيّة من حيث انسجامه مع المصلحة الإنسانيّة في صعيد القِيَم الروحيّة والأخلاقيّة والحاجات الحيويّة للإنسان، ممّا يفرض الخضوع له، والانفتاح عليه، والثقة به، {لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} بالعدالة الإلهيّة في الحكم والتشريع من موقع إيمانهم بالربوبيّة المطلقة لله التي ترعى كلّ المخلوقين بالحكمة واللّطف والرحمة على صعيد العدل الذي ينطلق من الجانب الموضوعي للمسألة في الواقع الإنساني العام، من دون تفريقٍ بين قويٍّ وضعيف وكبير وصغير وغنيّ وفقير، لأنَّ الجميع عباده، فلا حاجة لديه إلى أحد دون أحد ليظلم هذا أو ذاك، فإنَّ الظلم شأنُ الضعيف الذي يعيش الضعف أمام الآخر والخوف منه فيلجأ إلى ظلمه، والله هو القويّ القادر على كلّ شيء. وقد ورد في أكثر من حديثٍ التأكيد على حكم الله في مقابل حكم الجاهليّة، فقد ورد الحديث عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: "الحكم حكمان: حكم الله وحكم الجاهليّة، فمن أخطأ حكم الله حكم بحكم الجاهليّة"(1). وأخرج البخاري عن ابن عباس قال: "قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): أبغض الناس إلى الله مبتغٍ في الإسلام سنّة جاهليّة، وطالب امرئ بغير حقّ ليريق دمه". ونستفيد من ذلك أنّ الجاهلية ليست مرحلةً زمنيّةً تتمثَّل في شرائعها وعاداتها وتقاليدها وأحكامها، بل هي نهج في الخطّ الفكريّ الذي يتحرّك في كلّ قضاياه وأوضاعه بعيداً عن الله بحيث لا يستهدي الله في ذلك، ولا يخضع لرسالاته ورسله، بل ينطلق في تشريعاته وأحكامه من العوامل الذاتيّة، ومن المواقع السلطويّة التي تفرض نفسها على الناس بالقوّة من دون أن تملك أيّة شرعيّة في مواقعها وتحرّكاتها. وعلى ضوء ذلك، فإنَّ النظرة الإسلاميّة تؤكّد أنّ أيّ حكم في المجال التشريعيّ أو القضائيّ لا ينسجم مع حكم الله هو حكم الجاهليّة، ولو كان صادراً في العصر الحاضر، فإنّ كلمة الجاهليّة تتحوّل ـــ من خلال هذه النظرة ـــ إلى ذهنيّة مادية متحرّكةٍ مع الواقع المادي في الحياة في الاتجاه الذي لا يجد للدين أيّ دورٍ في أحكامه وقضاياه، تماماً كما لو لم يكن موجوداً في حياة الناس. وهذا ما أشار إليه القرآن الكريم في موردٍ آخر في تعبير آخر وهو حكم الطاغوت، وذلك قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} [النساء : 60]. وفي ضوء ذلك، يمكن لنا أن نواجه كلّ الواقع التشريعي الوضعي الذي يتحرّك في بلاد المسلمين في خطّ العلمانيّة لنعتبره داخلاً في حكم الجاهليّة أو حكم الطاغوت، وخارجاً عن حكم الله وعن ولايته، وهذا ما ينبغي للمسلمين أن يحذروا منه، وأن يلتفتوا إلى الموقف الذي يجب أن يتّخذوه ويلتزموه في رفضهم وتأييدهم، لاسيّما في المشاركة في المجالس النيابيّة بتأييد الذين يعيشون ذهنيّة الجاهليّة في أحكامها وقوانينها لا ذهنيّة الإسلام. ***** ماذا نستوحي من هذه الآيات؟ وقد نستوحي من هذه الآيات بعض اللّمحات الفكريّة والعمليّة التي تفيدنا في حركة العمل الإسلام في الدعوة إلى الله: أوّلاً: إنّا نأخذ من هذه الآيات النموذج الحيّ للنّاس الذين يقفون ضدّ العاملين في سبيل الله ويعملون على إقامة الحواجز النفسية والمادية ضدّ التحرّك الإيماني، سواء كانوا من الذين يختلفون معنا في الدين، أو من الذين لا يدينون بأيّ دين، بل يلتزمون الإلحاد كمنهج للحياة، أو من الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، لنتّخذ منهم الموقف الذي أراد الله لرسوله أن يتّخذه من معاصريه من هؤلاء، فلا ضعف ولا نهون أمام كلّ الأوضاع السلبية التي نواجهها منهم، بل نتعامل معهم وفق قاعدة التعامل الواقعي التي تقتضي الانتباه جيّداً لكلّ وسائلهم وأوضاعهم، في كلّ ما يريدون إثارته في الساحة من قضايا ومواقف، لنضع الأمور في نصابها الصحيح، ولنكون في وعيٍ دائم لكلّ ما يحيط بنا من أمور وأوضاع، وبذلك تتحوّل هذه الأيام إلى حركةٍ متنوّعة الاتجاهات في طريق العمل الإسلامي الطويل، فلا تقتصر على الوقائع والفئات في حدود الزمان والمكان اللذين عاشا في داخل التاريخ. ثانياً: إنَّ هذه الآيات تؤكّد ما في الكتب المنزلة من حقيقةٍ فكريّةٍ وتشريعيّة، وتعتبر الانسجام مع تلك الحقيقة أساساً للخطّ الإيماني الصحيح في مسيرة الإنسان، ما يوضح القاعدة الصلبة للشخصية الإيمانيّة التي ترتكز على المنهج في الفكر، وعلى الخطّ في السير، سواءٌ في ذلك الذين يتبعون التوراة أو الإنجيل أو القرآن، وتؤكّد ـــ في بعض لمحاتها ـــ على تداخل هذه الكتب في مفاهيمها العامة وآفاقها الواسعة، بحيث لا يعتبر الإيمان بكتاب، منافياً، في إيحاءاته الفكرية والعمليّة، للإيمان بالكتب الأخرى، لأنَّ الخصوصيّات التي تختلف فيها هذه الكتب لا تمسّ الخطوط العامّة، بل تمسّ التفاصيل التي أوضحت هذه الكتب على أنّها قد تتغيَّر وتتبدّل تبعاً للحاجات التي يفرضها عامل الزمان، ممّا ينتهي فيه حدّ المصلحة الباعثة إلى الحكم تارّة، أو ممّا تتبدّل فيه المفسدة إلى مصلحة أخرى. وعلى ضوء هذا، كانت الدعوة إلى أن يحكم أهل الإنجيل والتوراة والقرآن بما فيه من الحقّ، لأنَّ ذلك هو الذي يلتقي عليه الجميع، فيكون الابتعاد عنه ظلماً وفسقاً وكفراً، ولهذا كان الإلزام القرآني لكلّ فريق من الفرقاء الذين ينتمون إلى هذا الكتاب أو ذاك، بالمعاني التي يلتزم بها الكتاب، لأنّ كلّ واحدٍ منها يمهّد الطريق للآخر ويدعمه في كلّ الجوانب الحيّة فيه. ثالثاً: إنَّ على الدّعاة لله والعاملين في سبيله، أن يكونوا في حالة حذرٍ دائمة ورصد مستمرّ لكلّ الأساليب الملتوية التي يحاول دعاة الكفر وأولياؤهم أن يضلِّلوا بها المؤمنين عن دينهم، في ما يثيرونه حولهم من الأجواء المحمومة التي تثير المشاعر وتهزّ النفوس، أو في ما يحشدونه من المعلومات الكاذبة التي يريدون من خلالها توجيه الأمور في غير وجهتها الصحيحة، لينحرفوا بالحكم عن الحقّ، وذلك من أجل اكتشاف اللّعبة الملتوية المزخرفة التي تتمثّل في أكثر من أسلوب، وأكثر من وجه. رابعاً: إنَّ الحكم حكمان؛ حكم الجاهلية، وهو الحكم الذي يرتكز على الباطل ويبتعد عن وحي الله، ممّا يصنعه البشر لأنفسهم انطلاقاً من مصالحهم ومنافعهم وأنانيّتهم، بعيداً عن الله؛ وحكم الله الذي شرّعه لعباده في ما أوحى به لرسله، ممّا ينسجم مع مصالح الإنسان كإنسان بعيداً عن كلّ الخصوصيات التي ترهق إنسانيّته وتعطّل مسيرته نحو الخير. ولا بدّ لنا من الدخول في عملية المقارنة دائماً بين هذين الحكمين، ليبقى الناس على وعيٍ عميقٍ منفتح بما يمثّله حكم الله من خير وبركة ورحمة للإنسان وللحياة ـــ كما توحي به الآية الأخيرة ـــ وليبقى الهاجس الذي يعيش في همّ المجتمع من أجل تأكيد استمراره في حركة الحياة في ما يحكم به الحكّام، وفي ما يطبّقه الناس، من أجل حفظه ورعايته وإصابته، وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "إنّ الحكم حكمان: حكم الله وحكم الجاهليّة، ثمّ قال: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة : 50] قال: فأشهد أنَّ زيداً قد حكم بحكم الجاهلية، يعني في الفرائض"(1). ***** 3 ـــ الاحتكام إلى الطاغوت: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً*وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً*فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً*أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً*وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً*فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً*وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً*وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً*وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً*وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً*ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيماً} [النساء: 60 ـــ 70]. ***** معاني المفردات: {يَزْعُمُونَ}: الزعم في أصل اللّغة: القول حقّاً كان أو باطلاً، ثمّ كثر استعماله في الظنّ والاعتقاد اللّذين يعتقد ببطلانهما، أو يشكّ بصدقهما. ولم يستعمل في القرآن إلاّ في الكذب والباطل. {الطَّاغُوتِ}: ذو الطغيان، على جهة المبالغة في الصفة، فكلّ من يُعبد من دون الله فهو طاغوت، وقد يسمّى به الأوثان كما يسمّى بأنّه رجس من عمل الشيطان، ويوصف به أيضاً كلّ من طغى بأن حكم بخلاف حكم الله. {ضَلاَلاً}: الضلال: الهلاك بالعدول عن الطريق المؤدّي إلى البغية لأنّه ضدّ الهوى الذي هو الدلالة على الطريق إلى البغية. {تَعَالَوْاْ}: أصله من العلو، فإذا قلت لغيرك: تعالوا إليَّ، فمعناه ارتفعوا إليّ. {صُدُوداً}: إعراضاً. {يَحْلِفُونَ}: الحلف: القسم. {وَتَوْفِيقاً}: جمعاً وتأليفاً وقطع المشاجرة. {بَلِيغاً}: يبلغ من نفوسهم مبلغاً حسناً يوضح لهم أبعاد موقفهم الخاطئ وعواقبه السيّئة. {شَجَرَ}: التبس واختلط من قضايا وآراء وأحكام. {حَرَجاً}: ضيقاً وامتعاضاً. {تَثْبِيتاً}: ترسيخاً واستقراراً لنفوسهم وقلوبهم. {وَالصِّدِّيقِينَ}: الذين لا يكذبون قط، فلا يفعلون إلاّ ما يرونه حقّاً، فهم يشهدون الحقّ، ويقولون الحقّ، ويفعلون الحقّ، فهم شهداء الحقائق. {وَالشُّهَدَاء}: جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل الله. {رَفِيقاً}: الرفيق: الصاحب. {الْفَضْلُ}: الفضل ـــ في أصل اللّغة ـــ هو الزيادة على المقدار، وقد استعمل في النفع أيضاً. ***** {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} وهذا حديث عن بعض نماذج المنافقين، فلم تتوافق دعواهم إلى الإيمان برسالة الرسول محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والرسالات السابقة التي جاء القرآن وأكّد على الإيمان بها كجزءٍ من الإيمان بالإسلام، مع السلوك العملي من خلال ما يقبلون وما يرفضون من الأشياء، وما يواجهونه من مواقف عملية في التزامهم بأحكام الله عندما تقترب من مصالحهم، وتؤثّر على ما هم فيه من أطماع وشهوات. وقد حدّثتنا هذه الآيات حديثاً وافياً عن ملامحهم الحقيقيّة، فها هم يُدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، لأنّهم يزعمون أنّهم يؤمنون به وبالكتب المنزّلة قبله، ولكنّهم يرفضون الانصياع إليه، لأنّه لا يؤمن لهم رغباتهم المنحرفة، {يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ} الذي يمثّل الحكم القائم على الطغيان، في ما يرتكز عليه من التشريعات المنحرفة الباطلة؛ {وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ} في الوقت الذي أراد منهم الإسلام ـــ الذي يزعمون الإيمان به ـــ أن يكفروا به فكراً وشريعةً وعملاً، فقد رأوا في حكم الطاغوت ما يؤمّن لهم أطماعهم وشهواتهم، وعاشوا الحياة من أجل هذه الأطماع والشهوات بعيداً عن خطّ الإيمان الحقّ، انطلاقاً من الخضوع لإرادة الشيطان في ما وسوس لهم وما خطَّط لحياتهم، {وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً} ليضلّهم ضلالاً بعيداً ويبعدهم عن الارتباط بالقاعدة الفكرية والروحية التي تحدِّد لهم ما يفعلون وما يتركون، من موقع المصلحة الحقيقيّة للحياة والإنسان، بعيداً عن القضايا الذاتية، لأنّه إذا ابتعد الإنسان عن القاعدة الثابتة في حياته لم يجد لحياته أساساً من الهدى، ممّا يدفعه إلى الابتعاد كثيراً عن الخطّ المستقيم ويسلمه إلى الضياع الفكري والروحي والعملي، ليغرق في الرمال المتحرّكة مع الرياح في الصحراء، حيث لا أرض صلبة يقف عليها، ولا علامات واضحة تحدّد له ملامح الطريق. وقد ذكر صاحب مجمع البيان أنّه "كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى محمّد، لأنّه علم أنّه لا يقبل الرشوة ولا يجور في الحكم، فقال المنافق، لا، بل بيني وبينك كعب بن الأشرف، لأنّه علم أنّه يأخذ الرشوة"(1). ولعلَّ جوّ الآية يوحي بمثل هذه القصّة. وهذا ما نواجهه عند كثير من المسلمين الذين يتحاكمون إلى القوانين والشرائع الكافرة، التي استطاع الكافر المستعمر أن يخطّط لها في البلدان الإسلامية وينفذها بقوّة الدولة، وذلك لإبعاد التشريع الإسلامي عن حكم المسلمين كأسلوب شيطاني لإبعادهم عن دينهم، عندما تتحرّك حياتهم العملية اليومية في اتجاه غير الاتجاه الإسلامي. وقد تتمثّل نماذج هؤلاء المسلمين في فريقين: الأوّل: الفريق الذي يرفض التحاكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ويفضِّل الرجوع إلى حكم القانون المدنيّ، عندما يوازن بينهما بالنظر إلى ما يتحقّق له من أطماع وغايات شخصية، فيجد ذلك لدى حكم الطاغوت، فيعمل به ويدعو إليه. الثاني: الفريق الذي يرفض العمل من أجل إقامة حكم الله، ويعمل على محاربة السائرين في هذا السبيل، لأنّه يستريح إلى الأوضاع القائمة التي تجلب له الراحة، وتؤمّن له سبل العيش الرغيد، فيحاول تبرير التخاذل والتقاعس بكلّ ما أوتيه من قوّة، ويشتدّ على المؤمنين العاملين في هذا الاتجاه أكثر من اشتداده على الكافرين، بل يبرّر لهؤلاء العذر في بعض ظلمهم بما لا يبرّره للمؤمنين في جهادهم، وذلك هو الضلال البعيد الذي يريد الشيطان أن يوقعهم فيه. إنّ هذه الآية تحدّد للمؤمنين الخطّ الفاصل بين الإيمان والنفاق؛ فالمؤمن هو الذي يلتزم بحكم الله وينطلق نحوه مهما كانت الظروف والنتائج؛ أمّا المنافق فهو الذي يلتزم بمطامعه وشهواته، فهي التي تحدّد له الالتزام بالقوانين الموجودة حوله، سواء كانت قوانين الله أو قوانين البشر؛ وفي ضوء هذا، لا يمكن للمؤمن أن يعطي الحكم الكافر ـــ الذي هو حكم الطاغوت ـــ أي نوع من أنواع الشرعية، بعدما أمر الله أن يكفر به جملةً وتفصيلاً؛ ممّا يدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من الممارسات التي يمارسها البعض ممّن يتولّون المهمّات الدينية الرسمية في بلاد المسلمين، فيبرّرون للحكم أوضاعه وخططه، ويتحدّثون عن شرعيّته، تماماً كما يتحدّثون عن شرعية الإسلام؛ ممّا يجعلنا نتحفّظ أمام هؤلاء، لنتعرّف في ملامحهم هذه ما تؤكّده الآية من ملامح النفاق والمنافقين. ***** الله يكشف باطن المنافقين: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ} وكان المسلمون يقولون لهؤلاء: {تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ} ليحكم بينكم، فذلك أقرب إلى خطّ الحقّ، وأبعد عن خطّ الضلال {رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُوداً}، ولكنّهم لا يستجيبون لذلك ولا يسمحون بالدخول في مناقشة حوله، لأنّ القرار لم يكن صادراً عن خلل في القناعة، بل هو عن عناد وإصرار على التمرُّد، ولذلك تراهم يصدّون عن رسول الله صدوداً غير عابئين بكلّ النتائج على مستوى الدنيا والآخرة. ويمتدّ بهم المجال في سعة من العيش وراحة في البال، حتّى {إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ}، ورأوا أنّ السير في بعض مراحل طريق الضلال قد أتعبهم وأوقعهم في مشاكل كثيرة، لجأوا إلى تبرير ما فعلوه، ليمكّنهم ذلك من نيل شيء من الثقة من الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ومن المؤمنين، ليحصلوا من ذلك على بعض مكاسب الإيمان وامتيازاته. {ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللّهِ} جاؤوا إلى النبيّ يقولون: {إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً} إنّنا لم نرد من خلال ما فعلناه السوء والشرّ لمن حولنا أو للإسلام، بل أردنا الإحسان والتوفيق؛ فتلك هي نوايانا الحقيقيّة، وتلك هي مقاصدنا في كلّ التحرُّكات التي قمنا بها. وربّما خيّل إليهم أنّ الحيلة قد تنطلي على المجتمع المسلم الذي يتمتّع أفراده بطيبة الإيمان وطهارته، فيحملهم على الخير إذا كان محتملاً للخير والشرّ، {أُولَـئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ} ولكنّ الله يعلم ما في قلوبهم ويكشفه لنبيّه وللمسلمين، ليعرفوا كيف يتعاملون مع هذه النماذج بطريقة واقعية، وكيف يردّون كيدهم في نحورهم دون أن يثيروا أيّة سلبيات على مستوى العلاقات العامّة {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ}؛ وهكذا أراد الله لنبيّه أن يعرض عنهم ولا يبالي بهم، فهم لا يستطيعون أن يضرّوا الإسلام والمسلمين شيئاً {وَعِظْهُمْ}، ولكنّه أراد له ـــ في الوقت ذاته ـــ أن يعظهم ويبيّن لهم حقائق الأمور، ويكشف لهم باطن أمرهم {وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً}، فربّما كان هذا الأسلوب باعثاً لهم على التراجع والإقبال على حقائق الإيمان في أفكاره ومواقفه، وتلك هي الطريقة الإسلامية في التعامل مع المنافقين والمنحرفين، فلا مجال للتهاون والإهمال، ولكن مع استمرار الرسالة في مخاطبة الجانب الطيّب في الإنسان، فربّما استطاعت أن توقظه من غفوته، أو ترفع عنه الركام الهائل من الأوضاع القلقة، التي حجبت عنه الرؤية الصحيحة للحقيقة. ***** طاعة النبيّ من طاعة الله تعالى: ثمّ يتابع القرآن تأكيد الفكرة في الدور الذي أراده الله للرسول، فلم يرسل الله رسله ليكونوا مجرّد شخصيات مقدّسة، يقدّم لهم الناس فروض الاحترام والتقديس والتعظيم في مظاهر عبادية واحتفالية، دون أن يكون لهم أيّ أثر عملي في حياة الناس، كما يفعل الكثيرون من العوام في علاقتهم بالأنبياء والأولياء، عند زيارتهم لهم في قبورهم ومشاهدهم، فليس هناك إلاّ تقديم مراسيم الخضوع والنذور والقرابين، من أجل العلاقة الذاتية التي تتوسّل إلى رغباتها بالوسائل التي يحاول الناس بها الوصول إلى أغراضهم من بعضهم البعض، ثمّ لا شيء بعد ذلك ممّا يتّصل بالخطّ الذي يتبنّاه هذا النبيّ أو الإمام أو الوليّ؛ فذلك أمر لا علاقة له بالدور الذي يتمثّله الناس في الحضور العاطفي لهذه الشخصيات في حياتهم. وهذا ليس هو الدور الذي جعله الله للأنبياء في علاقة الناس بهم، بل هو دور الأتباع والطاعة لهم {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ} فإنَّ الله لم يرسل أيّ رسول {إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ} لتكون طاعته ـــ في ما يأمر به أو ينهى عنه ـــ طاعةً لله، فنحن نطيعه لأنّ الله أذن لنا في ذلك، لا من خلال صلة شخصية أو عاطفية. وهذا خطّ إسلامي يرسمه الله لنا في حركة الطاعة للأشخاص في حياتنا؛ فإنّ الله لم يجعل لنا حريّة الطاعة لأيٍّ كان، لئلا تختلط علينا الأمور في مسيرتنا العملية، تبعاً لاختلاط أشكال الطاعة وأوضاعها في علاقاتنا العامّة والخاصّة، بل لا بدّ لنا من أن ندرس حالة أيِّ شخص يطلب منّا أن نطيعه، فإن كان يؤدّي عن الله بحُجّة شرعية ثابتة، فلنا أن نطيعه من خلال أنّ الله أراد لنا ذلك؛ وإن لم يكن ممّن يؤدّي عن الله في ما يؤدّيه من شؤون الفكر والحياة، أو لم نستوثق من ذلك من خلال ما يثبت لنا من وسائل الثقة، فإنّ علينا أن نتوقّف أو نتحفَّظ لئلا نقع في أحابيل الشيطان، من حيث نريد أو لا نريد. {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُم} ثمّ يثير القرآن أمام موقف هؤلاء المنافقين المنحرفين الذين يحاولون أن يبرِّروا أعمالهم بالباطل، إمكانية أن يتراجعوا ويصحِّحوا مسارهم الطبيعي، من دون حاجة إلى اللّف والدوران؛ {جَآؤُوكَ} وذلك بأن يقفوا أمام الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بعد أن ظلموا أنفسهم بمعصيتهم لله، وتمرُّدهم على الرسول، {فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ} ليستغفروا الله ويتوبوا إليه ممّا عملوه حتى يستغفر لهم الرسول، ليؤكّد قبوله لهم ومسامحتهم في حقّه، فيدعو الله لهم بالمغفرة، كما يدعونه ليغفر لهم، {لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّاباً رَّحِيماً} وسيجدون الله عند حسن ظنّهم فيتوب عليهم إذا عرف منهم صدق التوبة، ويرحمهم بمغفرته وعفوه ورضوانه، وبذلك يمكنهم أن يتخفَّفوا من ثقل الذنوب التي أرهقت نفوسهم وظهورهم، وينطلقوا إلى الحياة خفافاً من كلّ وزر، أطهاراً من كلّ رجس. ***** ميزان الإيمان الحقّ: الانصياع المطلق لحكم الله ورسوله: ويعود القرآن ـــ من جديد ـــ ليحدّد للمؤمنين الحدّ الفاصل بين الإيمان وعدمه، {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ} بكلمة الإيمان التي يقولونها، أو بمظاهره وشعائره التي يحملونها، بل لا بدّ من الموقف الصعب الحاسم الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح {حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ}؛ فإذا اختلفوا في أيّة قضية من قضايا الحياة، وتعدَّدت الآراء التي يدلي بها هذا الفريق أو ذاك، فإنّ علامة إيمانهم أن يجعلوك الحاكم في ما يأخذون أو يدعون، وذلك من خلال صفتك الرسالية، ليكون رجوعهم إليك وتحكيمهم لك رجوعاً إلى الرسالة وتحكيماً لها في جميع أمورهم التي يختلفون فيها. فإنَّ معنى ذلك أنّهم لا يجدون لأنفسهم الحقّ في الاستقلال في رأي ما، بعيداً عن الرسول والرسالة، ولا يتطلّعون في جميع قضاياهم الحياتية إلى أيّ شخصٍ آخر، أو أيّ فكرٍ آخر، وذلك هو معنى الإيمان الذي يلتزم بالقاعدة ولا يلتزم بأيّة قاعدة غيرها. فإذا حكمت بينهم بأمرٍ، ممّا يلتقي برغباتهم الذاتية أو ممّا لا يلتقي بها، فإنّهم سيرتفعون ـــ عند ذلك ـــ عن الخضوع لمشاعرهم الخاصة، فلا يقومون بأيّ عمل سلبي ضدّ هذا الحكم، ولا يتعقّدون في داخلهم من أجله، بل يتقبّلونه برحابة صدر ورضا نفس، ويستسلمون لحكم الله في دعةٍ واطمئنان، لأنّه يملك منهم ما لا يملكونه من أنفسهم. وهذا هو معنى قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيماً}. ***** من علامات إيمان المؤمن: وقد نستوحي من هذه الآية، أنّ من علامات إيمان المؤمن أن يقف أمام المراحل الصعبة التي يقطعها في مجالات الجهاد والدعوة إلى الإسلام، ليحدّد موقفه من خلال حاجة المرحلة؛ فقد تفرض عليه أن يكبت انفعالاته ويجمّد حماسه عندما تقتضي مصلحة الإسلام ذلك؛ وقد تفرض عليه أن يتقدّم في بعض المواقف ويقف في بعضها الآخر، فلا يخضع لهوى نفسه ولرغبة مزاجه، بل يجعل الإسلام نصب عينيه من خلال ما يفرضه عليه حكم الله ليسير على هدى ذلك، باعتبار أنّه الحكم العدل الذي لا ينحرف ولا يزيغ. ***** القرآن يخاطب المواقف الحقيقيّة للمنافقين: {وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} وماذا بعد ذلك؟ إنّ القرآن يخاطب مواقفهم الحقيقيّة، ليحرّك أعماقهم بما تختزنه من رواسب التمرّد ومشاعر الانحراف، فلو كانوا مؤمنين كما يزعمون، لانطلقوا مع خطّ الإيمان في مواقعه المطلقة التي تعبر عن الاستسلام لله في كلّ شيء، ولكنّهم ليسوا كذلك، فلو أنّ الله دعاهم إلى أن يقتلوا أنفسهم في ساحات الجهاد أو بطريقةٍ ذاتية، أو طلب منهم أن يخرجوا من ديارهم لأيّ هدف كان، لما أطاعوه في ذلك، إلاّ قليل منهم ممّن انفتحت آفاقهم على الله فرجعوا إليه. وهذا دليل عدم الإيمان، لأنّ الإسلام يعني التسليم الذي تمثّل في موقف إبراهيم وولده إسماعيل، كما حدّثنا الله عنه {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ*فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ*وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ*قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ*إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ} [الصافات: 102 ـــ 106]. {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ} من الخير والعمل الصالح، {لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً} لنفوسهم وقلوبهم بالإيمان، لأنّ الإيمان يثبت بالموقف الصلب والعمل الصالح، ولحصلوا من الله على الأجر العظيم، ولهداهم إلى الصراط المستقيم، لأنَّ الله يهدي الإنسان الذي يطلب الهدى ويتحرّك في سبيله {وَإِذاً لَّآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّـا أَجْراً عَظِيماً*وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً}. ***** جزاء المطيعين: وفي ختام هذا الفصل، تحدّثنا الآية الأخيرة عن الجوّ الذي أعدَّه الله في الآخرة للطائعين الذين يطيعون الله ورسوله، وعن الدرجة الرفيعة التي يضعهم الله فيها {وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ} الذين أخلصوا لله الإيمان والعمل، {وَالشُّهَدَاء} الذين أرادهم الله أن يكونوا شهداء الأعمال يوم القيامة، {وَالصَّالِحِينَ} الذين ساروا في خطّ الصلاح والفلاح. {وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقاً}، وأيّ رفقةٍ أعظم من هذه الرفقة الروحية في الجنّة، حيث الكرامة الإلهية في رضوان الله ومغفرته {ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ عَلِيماً} بعباده العاملين المخلصين. ***** الحوار منطق الحوار في الدعوة ـــ الهدف الرسالي من الحوار ـــ أسلوب الحوار الإسلامي ـــ الحوار المنفتح على القلب ومواطن اللّقاء ـــ الحوار المفتوح للاهتداء إلى الحقيقة ـــ الحوار وامتلاك المعرفة ـــ اختيار الأحسن تجنّباً للتباغض ـــ الإسلام ينفتح على الاستجابة أمام إثارة التساؤلات ـــ الدعوة من خلال أسلوب السؤال والجواب ـــ طريقة القرآن في إثارة القضايا. 1 ـــ منطق الحوار في الدعوة: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران : 64] ***** معاني المفردات: {كَلِمَةٍ}: قال الزجّاج: معنى كلمة: كلام فيه شرح قصة وإن طال، ولذلك تقول العرب للقصيدة: كلمة(1). {سَوَاء}: عدل، أي: كلمة عادلة لا ميل فيها، وقيل: سواء: مستوٍ، هو مصدر وضع موضع اسم الفاعل، ومعناه: إلى كلمة مستوية بيننا وبينكم، يقف الجميع أمامها على قاعدة واحدة من حيث طبيعة الفكرة التي ترتبط بالخطوط التي يلتزم بها الجميع. ***** في هذه الآية حديث مع أهل الكتاب في أسلوب جديد من أساليب الحوار التي أراد الله للنبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في ما خاطبه به في وحيه، أن يواجه به هؤلاء الذين يريد الإسلام الوصول معهم إلى نقطة اللّقاء على أساس القناعة في الفكرة الواحدة، أو التعايش في موقف التفاهم وإقامة الحُجّة الواضحة التي لا ريب فيها ولا التباس. ولعلَّ قيمة هذه الآية في ما تعالج من أسلوب، أنّها تمثِّل للإنسان الداعية منهجاً للحوار والعمل في كلِّ مواقفه العملية في الحياة، فإنَّ القرآن عندما يطرح أيّة قضية في أيّ مجال من مجالات الحوار مع الآخرين، سواء أكانوا من المشركين أم كانوا من أهل الكتاب، لا يتحدّث عن التاريخ لمجرّد حكاية التاريخ، بل يريد أن يفسح المجال للمفاهيم العامّة الحيّة كي تتحرّك في الساحة من خلال النموذج الحيّ، الذي ينقل إلينا الفكرة والتجربة معاً، لتكون الفكرة جاهزة للحياة وللحركة في ضوء حركتها الفاعلة في التاريخ. وتلك هي قصّة التاريخ في الإسلام في سلبياته وإيجابيّاته في ما نأخذ منه من عبرة للحاضر على أساس حركة الواقع في الماضي، بعيداً عن كلّ لهو بالقصة، أو استرخاء مع الحدث الغارق في ضباب الماضي. والآن، نحن مع الآية في هذا الأسلوب الجديد من منهج الحوار. إنّها تطرح مع أهل الكتاب فكرة اللّقاء على قاعدة مشتركة، لنتمكَّن من خلال ذلك من اكتشاف وجود لغة وقناعات مشتركة ومشاعر قريبة إلى بعضها البعض، ما يوحي بوجود أساس واقعي للتفاهم، لأنّ القضايا المسلّمة لدى كلّ فريق يمكن أن تتدخّل لتحسم الخلاف في القضايا المتنازع فيها، فهي تدعونا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم، فنحن نؤمن بالوحدانية كما تؤمنون، وبذلك نلتقي معاً في نطاق عبادة الله الواحد، فلا نشرك في العقيدة ولا نشرك في العبادة. وعلى ضوء ذلك، نلتقي على عدم اتّخاذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله، لأنّ ذلك يعني الشرك لله في خلقه، فلا مجال لأن نحلّ ما حرَّمه الله علينا، أو نحرّم ما أحلَّه الله لنا، إذا أمرنا هؤلاء بذلك، فإنَّ ذلك يعني الخضوع والعبادة اللّذين يؤدّيان إلى الشرك في نهاية المطاف. وهذا ما استوحاه أحد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في هذه الفقرة في ما يروى عنه في الجواب عن سؤال قُدِّم إليه، وخلاصته: إنَّ اليهود لا يتّخذون بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله، فكيف يطرح عليهم هذه الصيغة التي تشعر بوجود شيء لديهم من هذا القبيل، فيريد الله أن يخلّصهم منه ويفرض عليهم منهجه الحقّ؟ وكان الجواب يتلخَّص في التأكيد على هذا الجانب، فإنَّهم أحلُّوا لهم حراماً وحرَّموا حلالاً فاتبعوهم في ذلك، فكانت تلك ربوبية عملية. وهذا ما نواجهه في ساحة العمل المنحرف، في التزامنا بما تصدره بعض المؤسّسات أو الحكومات من قوانين تتنافى مع قوانين الإسلام ومفاهيمه، فإنَّ ذلك يمثِّل إشراكاً في جانب العمل وإن لم يكن إشراكاً في خطّ العقيدة. ***** الدعوة إلى مواطن اللّقاء في الحوار والعمل: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ} الذي أنزله الله ليكون هدىً ونوراً للناس يقفون عند مفاهيمه، وينطلقون منه ويتحرّكون في خطوطه ويرجعون إليه، ويلتقون عليه إذا تنازعوا، ليكون المرجع لهم في كلّ ذلك. فنحن نؤمن به كما تؤمنون به، لأنّنا نؤمن بالكتاب كلّه، فلا نفرّق بين كتاب وكتاب باعتبار أنّه كلمة الله، ولا بين رسول ورسول لأنّ الجميع رسل الله {تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ} لتكون قاعدة اللّقاء على الأرض الفكرية العقيدية المشتركة التي نلتزمها معاً، على أساس وحدة المبدأ من دون الدخول في التفاصيل التي تثير النزاع في الجزئيات هنا وهناك. وإذا شئتم المبدأ العام في اللّقاء، فإنّه قد يُحدث جوّاً نفسياً إيجابياً ملائماً، يفسح المجال للانفتاح على الآخر من موقع الإيحاء بأنّ هناك فرصةً للقاء في ما يختلف فيه، على أساس واقعية اللّقاء من خلال ما اتّفق عليه، ليكون الحوار من مواقع اللّقاء أقرب إلى حلّ المشكلة الفكرية والعملية من الانطلاق من مواقع الاختلاف، {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ} فهذه هي القاعدة المشتركة في خطّ عبادة الله الواحد بعيداً عن عبادة أيّ موجود آخر، لننطلق في كلّ طقوسنا وعاداتنا وتقاليدنا من ذلك، فلا نأخذ بأيّة وسيلة من وسائل التعبير عن العادة ممّا يشير إلى الشرك أو يلتقي به مهما كانت، {وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً} في الفكر والعمل، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وهذه هي العقيدة التوحيدية التي توحي بأنّنا نتوحَّد بالله، لأنّه ربّنا جميعاً، بقطع النظر ـــ في البداية ـــ عن خلافاتنا في شخصية الإله، وإذا ما كان تجسّد في عيسى، وغير ذلك من الخلافات الجزئية في العناوين التفصيليّة للعقيدة، {وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ} فلا يكون الإنسان ربّاً للإنسان مهما علا شأنه، وتضخَّمت قوّته، وامتدت سلطته. لأنّ ذلك كلّه لا يرفعه إلى درجة الربوبيّة، فهو مخلوق من مخلوقات الله، كما أنَّ ما يملكه من مالٍ وجاهٍ وقوّةٍ وسلطان، هو نعمة من نِعَم الله. وفي ضوء ذلك، لا مجال لأيّ خضوع لذاته، ولا طاعة لأوامره ونواهيه، ولا التزام بخطّه في حركة الحياة والإنسان على مستوى الانتماء إليه في ذلك كلّه، لأنّه يمثِّل الانحراف عن الحقيقة التوحيديّة، التي تؤكّد وحدانية الله في الربوبية ووحدة الإنسان في عبوديّته لله، وفي مساواة كلّ تنوّعاته على صعيد الإنسانية؛ فليست هناك إنسانية في الدرجة الفوقية وأخرى في الدرجة التحتيّة من حيث الذّات، بل إنَّ التمايز ينطلق من الصفات المكتسبة أخلاقاً وفكراً وعملاً. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} وأعرضوا عن هذا الخطّ المشترك، ولم ينسجموا مع هذه الروح التي تجمع ولا تفرّق، وتُقرِّب ولا تُبعِّد؛ فلا تتشنَّج منهم، ولا تحقد عليهم، بل حاول أن تواجههم بالموقف النفسي الحاسم، {فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} وذلك بالإعلان عن الموقف الحقّ، الذي يحمّلهم المسؤولية من خلال تحميلهم مسؤولية الشهادة أمام الله، بأنَّ النبيّ وأتباعه مسلمون في كلّ ما يعتقدون وما يقولون وما يفعلون، فلم ينطلقوا من عقدة الذّات أو الحقد، أو اللّعب بالكلمات والمواقف. بل انطلقوا في هذا الموقف الصلب من موقع إسلامهم لله في الفكر والقول والعمل. هذا الإسلام الذي يفتح قلوبهم على الحياة وعلى الإنسان من خلال انفتاحه على الله سبحانه. وربّما كانت قيمة هذا الأسلوب في الإعلان عن الموقف بعد إقامة الحُجّة على الطرف الآخر، هو الإيحاء بقوّة الموقف، وعدم الانهزام أمام الحالات السلبية أو الأوضاع الاستعراضية التي يقوم بها الطرف الآخر من أجل تحطيم أعصاب الداعين إلى الله والعاملين في سبيله. وهكذا يُعطي الإسلام للحوار خاتمته من دون أن يُغلق بابه أو يسيء إلى الآخرين، بل كلّ ما هناك أنّه يحاول التأكيد لهم بأنَّ إعراضهم لا يغيّر من الموقف شيئاً، لأنّه لم ينطلق من خلال قناعات الآخرين وتشجيعهم، بل من داخل القناعة الذاتية المرتكزة على وضوح الرؤية، ما يجعل من استمراره نقطة تحدٍّ حاسمة. وفي ضوء ما قلنا آنفاً، ليس هذا الطرح في أسلوب الحوار منطلقاً من خصوصية أهل الكتاب، بل هو مستمدٌّ من المنهج العام للأسلوب الإسلامي الذي يؤكّد على نقاط اللّقاء في رحلة الوصول إلى الحقيقة، ولا يؤكّد على نقاط الخلاف إلاّ في نهاية المطاف. ***** الأسلوب والممارسة المعاصرة: وعلى هذا الأساس، فلا بدَّ للدّعاة إلى الله في حركتهم نحو الهدف الكبير من الدعوة إلى الله في كلّ زمانٍ ومكان، وذلك بأن يتلمَّسوا بأيديهم وأفكارهم المجالات المشتركة في العقيدة والأسلوب والحياة التي تربط المسلم بالآخرين وتربطهم به، لتُقرِّبهم إليه، ولتوحيَ لهم بأنَّ هناك مرحلةً من الطريق يمكن أن تمثِّل وحدة السُبُل في المرحلة الأولى أو الثانية، فإنَّ ذلك كفيل بإلغاء الكثير من التعقيدات، وتجميد الكثير من الحساسيات، وتقريب الكثير من الأفكار. حتّى إذا انتهى الأمر إلى نقطة الافتراق، كانت الطريق ممهّدة أمام الطرفين للوصول إليها كمقدّمة للسير عليها من موقع القناعات المشتركة التي تصنع الأرض المشتركة. ولعلَّ من الضروري أن يتحرّك العاملون في هذا الاتجاه، على أساس صنع شخصيّتهم الإسلامية، بحيث تلتقي المواقف لديهم من خلال الطابع الذي يميِّز شخصيّتهم، لا كحالة طارئة يمكن أن تأتيَ وتزول من دون قاعدة ثابتة. فيتحرّك المسلم في هذا الجوّ ويُمارسه مع اختلاف الأديان الموجودة في الساحة الدينية، واختلاف المذاهب التي تعيش في الساحة الإسلامية، واختلاف المبادئ والأفكار السياسية والاجتماعية والفلسفية في الساحة الفكرية العامّة، ليصل إلى النتائج الحاسمة بأفضل طريق وأروع أسلوب. وكمثالٍ على ذلك خلافات الساحة الإسلامية، كما في الخلافات بين السُنّة والشيعة، فقد لا يكون من الحكمة أن نبادر إلى طرح قضايا الاختلاف بينهما في بداية الحوار، سواء ما يتعلّق منها بتفاصيل العقيدة، أو بموضوع الخلافة، أو بمفردات الشريعة، بل علينا أن نعمل على طرح موارد الوفاق، لأنّنا إذا اتّبعنا الأسلوب الأول، فإنّنا نوحي إلى الطرف الآخر بأنَّ الموقف هو موقف صراع يبحث فيه كلّ طرف عن أدواته التي يُحارب بها الطرف الآخر، أو عن الكلمات والمواقف التي يحاول أن يُسجّل من خلالها نقطة على حساب الفريق الثاني، فتكون الروح التي تحكم الساحة هي روح المعركة الحادّة. أمّا إذا اتّبعنا الأسلوب الآخر، بأن آثرنا القضايا المتعلّقة بأسس العقيدة والشريعة، وأكّدنا عليها في استعراض شامل يستوعب أكثر هذه الجوانب، فإنّنا سنعيش الجوّ الروحيّ الواقعيّ الذي ننفتح من خلاله على القاعدة الإسلامية التي نقف عليها من خلال الأُسس التي ترتكز عليها القاعدة، مع إثارة الأجواء الروحية التي تفتح أمام الإنسان آفاق التقوى، وتحريك الأجواء الحميمة التي تثير المشاعر الإنسانية بالعاطفة. ما يحقِّق للموقف مزيداً من المرونة والشعور بالمسؤولية، فيُساعد على الوصول إلى القناعة الموحّدة أو المتقاربة، لأنّ هذا الأسلوب يجعل القضية سائرةً في الاتجاه الفكري الذي يلاحق أدوات الفكر وروحيّاته وأساليبه، ولا يجعلها سائرة في الاتجاه الانفعالي الذي يعتمد على عناصر الإثارة في المشاعر والأفكار والكلمات. وبذلك نبتعد عن أجواء التعصّب الذي يتجمّد فيه الإنسان أمام قناعاته، ولا يتحرّك خطوةً واحدة إلى الأمام في مجال المناقشة والحوار، بل يعمل على المحافظة بكلِّ ما في طاقته على مواقعه الفكرية والعملية، بروح متزمّتةٍ حاقدةٍ. ويمكننا في هذا الاتجاه أن نلتقيَ بالأساليب الهادئة المتّزنة التي تحتفظ بأفكارها من موقع الانفتاح على الأفكار الأخرى ومناقشتها وتحصيل القناعات من خلال ذلك كلّه. ***** 2 ـــ الهدف الرسالي من الحوار: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ*إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 168 ـــ 169]. ***** معاني المفردات: {طَيِّباً}: خالصاً من شائب ينغِّص، قال الطبرسي: "وهو على ثلاثة أقسام: الطيّب المستلذ، والطيّب الجائز، والطيّب الطاهر"(1) {بِالسُّوءِ}: كلّ فعل قبيح يزجر عنه العقل أو الشرع. {وَالْفَحْشَاء}: ما عظم قبحه من الأفعال والأقوال. ***** الرزق الحلال والتحذير من اتّباع خطوات الشيطان: في هاتين الآيتين نداء ربّاني للنّاس، يستشعر فيه الإنسان الرحمة في وحيه له بأنَّ الله لا يريد أن يضيّق عليه سبل الحياة، بل يريد أن يوسِّع له آفاقها الرحبة ومواردها الخصبة، فقد خلق له الأرض في كلّ ما تنتجه من رزق، وفي ما تحتوي عليه من نِعَم، وأباح له التمتُّع بالرزق الطيّب الحلال، والنِّعم الكثيرة الخالصة، فلم يحرّم عليه شيئاً من طيّباتها ممّا يحتاجه في استمراره حياته ونموّ جسمه؛ بل دعاه إلى أن يأكل منها ما يشاء، وذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً}. ولكنّه حذّره من خطوات الشيطان التي تتّجه به إلى ما فيه فساد حياته، وضرر جسمه وعقله، بالاستمتاع بالشهوات المحرّمة، والأكل من الخبائث المضرّة، ممّا يزيّن له فعله ويغريه بالإقبال عليه، بما يثيره أمامه من الأجواء الحميمة، والإغراءات اللذيذة التي يدعوه إليها بلهفة شديدة، وشوق حميم، بطريقة تحجب عنه ما في الداخل من خسارة وضرر وفساد، ويبرّر القرآن للإنسان كلّ هذا الحذر بالحقيقة الدينية الحاسمة التي توضح عداوة الشيطان الواضحة البيّنة للإنسان، ليشعر بأنَّ هذه الخطوات التي يثيرها أمامه ليست في مصلحته مهما أظهر له من إخلاص أو مودّة. {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} في إيحاءاته ووساوسه وخططه الإغوائية الإغرائية ممّا يزيّن به للإنسان من أقوال وأفعال وأفكار بعيدة عن خطّ الاستقامة، وعن مواضع رضى الله، وقريبة من موارد سخطه التي تؤدّي إلى عذابه وإبعاده عن رحمته. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} فقد أخرج أبويكم من الجنّة، وأعلن عزمه على أن لا يدخل أحد من بني آدم الجنّة من خلال أساليبه الضالّة ووسائله المنحرفة، {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر : 6]. ثمّ يفصِّل القرآن للإنسان في الآية الثانية بعضاً ممّا أجمله في الآية الأولى من خطوات الشيطان: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} فيعدّد لنا نماذج ثلاثة من أوامره: فهو يأمر الإنسان بالسوء الذي يمثّل كلّ فكر سيِّئ أو عمل شرّير، وبالفحشاء التي تتمثّل فيها الأعمال المنكرة التي تجاوزت الحدّ الطبيعي للأشياء، سواء كانت من المنكرات المتعلّقة بالعلاقة بين العبد وربّه في معاصي الله، أو كانت من المنكرات المتعلّقة بين الناس وبين الشخص، في الجوانب المالية أو الاجتماعية أو السياسية والاقتصادية والأخلاقية، ولا سيّما في ما يتعلّق بالعرض وبالخيانة والكذب. أمّا الأمر الثالث، فهو نسبة الأحكام أو العقائد أو الأعمال إلى الله باعتبارها شيئاً موحى به من قبله، وثابتاً في وحيه، مع أنّهم لا يعلمون شيئاً من ذلك، لأنّهم لا يملكون طريقاً إلى المعرفة في هذا الاتجاه. ولعلّ من الطبيعي، في مثل هذه الحالة، أن يؤكّد القرآن خطورة مثل هذا الواقع على مسيرة الإنسان المسلم في الحياة، لأنّه يغريه بالزيف والنفاق والكذب والخيانة في ما يوحي إليه به من أساليبه الذكية الشيطانية، ويدفعه إلى الارتباك في مواجهة خطّ الانحراف لاختلاط الحقّ والباطل أمامه، ما يعطّل عليه طريق الوصول إلى الهدى الحقّ، ويجعله يتقلّب في أجواء غامضة من الضباب الكثيف. وقد ينطلق التعبير القرآني بهذا الأسلوب ليريد به الشرك وأمثاله من العقائد المضادّة للحقّ ممّا ثبت بطلانه بالدليل والحُجّة ليدلّل بكلمة: {السُّفَهَاء وَلَـكِن لاَّ يَعْلَمُونَ} [البقرة : 13]، أو {وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ} [الحج : 71]، أو بكلمة: {قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ} [البقرة: 113]، التي يصف بها المشركين للإيحاء بأنَّ هؤلاء لا ينطلقون من موقع الحُجّة والبرهان في ما يعتقدونه من عقيدة، وفي ما يحملونه من صفات وأخلاق، كأسلوب من أساليب إثارتهم نحو البحث عن الحقيقة والخروج من أجواء الغفلة، بالطريقة التي هي أحسن، حيث لم يعبّر عنهم بتعابير توحي بالجحود والإنكار والعناد الذي يربطهم بجوّ التعصُّب ويخرجهم عن أجواء التفاهم ويبعدهم عن روحية الحوار. ***** وهذا هو الأسلوب القرآني الذي يجب أن نتعلّمه، وهو أن نختار الكلمات الخفيفة بدلاً من الكلمات الثقيلة في المجالات التي نشعر فيها بالحاجة إلى أن نقود الأفكار المضادّة إلى ساحة الحقيقة والحوار، لأنَّ الهدف الرسالي من الحوار مع الناس هو الوصول إلى عقلهم بالطريقة التي يدخل فيها إلى قلوبهم التي تنفتح بالكلمة الهادثة المتّزنة التي تشير إلى الفكرة بعيداً عن أيّة إساءة حادّة، أو انفعال شديد، أو قسوةٍ عنيفةٍ، ما يهيّئ الجوّ النفسي للاستماع إلى وجهة النظر المخالفة وإلى الدخول في حوار هادئ حول القضايا المختلف عليها، وربّما كانت المشكلة الصعبة التي يقع فيها بعض الدُّعاة، في جدالهم مع الآخرين، أنّهم ينطلقون من عقدة ذاتية، لا من ذهنيةٍ رسالية، الأمر الذي يدفعهم إلى المزيد من كلمات السباب والفحش ونحوهما، من خلال الزعم بأنَّ ذلك هو الطريقة الشرعية للتعبير عن رفض الباطل وتحقيره من دون دراسةٍ للنتائج السلبية على أجواء الحوار وأساليبه، حيث تزيد هذه العقدة في عداوة الطرف الآخر الذي يُراد الدخول معه في الحوار، فيبتعد عن الاستجابة لعملية الأخذ والرّد، أو يدخل معنا في أجواء التشنُّج والانفعال التي تسقط كلّ النتائج الإيجابية على مستوى المقدّمات والنتائج. ***** 3 ـــ أسلوب الحوار الإسلامي: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ*إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ*فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} [آل عمران: 61 ـــ 63]. ***** معاني المفردات: {أَبْنَاءنَا}: الذين ولدوا منّا، وقد طبّقه النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) على الحسن والحسين (عليه السلام) باعتبار أنّهما ابناه، وقال أبو بكر الرازي: هذه الآية دالّة على أنّ الحسن والحسين (عليه السلام) كانا ابني رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وَعَدَ أن يدعو أبناءه، فدعا الحسن والحسين، فوجب أن يكونا ابنيه. فثبت أنَّ ابن البنت قد يُسمّى ابناً(1). {وَنِسَاءنَا}: اللاتي ينتسبن إلينا، وقد أراد بها رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ من ناحية تطبيقيّة ـــ فاطمة الزهراء (عليها السلام) باتّفاق المفسّرين. {وَأَنفُسَنَا}: والمقصود بالكلمة الذين يجسِّدون الذات في معنى التمثُّل الحيّ لكلِّ ما يمثِّله النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من صفات روحية وأخلاقية وعملية، بحيث تكون الذّات هي الذّات حتى لتكاد تكون هي في المعنى والصورة من الداخل؛ وقد طبّق النبيّ هذا العنوان على عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فلا أحد يدَّعي دخول غيره مع زوجته وولديه. {نَبْتَهِلْ}: نتضرَّع ونجتهد ويخلص كلّ منّا في الدعاء إلى الله أن يلعن الكاذب منّا. ***** مناسبة النزول: ورد في قصّة الحوار الذي أداره النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) مع بعض النصارى من أهل الكتاب، أنّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قد سَلَكَ مسلكاً جديداً في معالجة الموقف معهم بعد وصول الحوار إلى الطريق المسدود، وهو أسلوب المباهلة، الذي حدَّثتنا عنه هذه الآية الكريمة. أمّا قصّة هذه الآية فتشرحها لنا عدّة روايات قد تختلف في طولها وفي قصرها، ولكنّها تتّفق في الفكرة العامة التي نريد أن نستخلصها منها؛ ولذا فإنَّنا سنكتفي بذكر بعضها، وهي رواية المحدّث الجليل عليّ بن إبراهيم القمّي التي رواها في تفسيره عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، قال: إنَّ نصارى نجران لمّا وفدوا على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ـــ وكان سيِّدهم الأهتم والعاقب والسيِّد ـــ وحضرت صلواتهم، فأقبلوا يضربون الناقوس وصلّوا، فقال أصحاب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): يا رسول الله، هذا في مسجدك؟ فقال (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): دعوهم. فلمّا فرغوا دنوا من رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فقالوا: إلامَ تدعو؟ فقال: إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأنّي رسول الله، وأنَّ عيسى (عليه السلام) عبدٌ مخلوق يأكل ويشرب ويُحدِث، قالوا: فمن أبوه؟ فنزل الوحي على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فقال: قل لهم: ما تقولون في آدم، أكان عبداً مخلوقاً يأكل ويشرب ويُحدِث وينكح؟ فسألهم النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) فقالوا: نعم. قال: فمن أبوه؟ فبهتوا، فأنزل الله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ} [آل عمران : 59] الآية، وقوله: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ} إلى قوله: {فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}. فقال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): فباهلوني، فإن كنت صادقاً أنزلت اللعنة عليكم، وإن كنتُ كاذباً أُنزلت عليَّ. فقالوا: أنصفت، فتواعدوا للمباهلة، فلمّا رجعوا إلى منازلهم قال رؤساؤهم السيِّد والعاقب والأهتم: إن باهلنا بقومه باهلناه فإنّه ليس نبيّاً، وإن باهلنا بأهل بيته خاصة لم نباهله، فإنّه لا يقدم أهل بيته إلاّ وهو صادق. فلمّا أصبحوا جاؤوا إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليه السلام)، فقال النصارى: من هؤلاء؟ فقيل لهم: هذا ابن عمّه ووصيّه وختنه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، وهذه ابنته فاطمة، وهذان ابناه الحسن والحسين (عليهما السلام)، ففرّقوا فقالوا لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): نعطيك الرضى فاعفنا من المباهلة، فصالحهم رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) على الجزية وانصرفوا"(1). ***** ولعلّ قيمة هذه القصّة، أنّها تجسِّد لنا الأسلوب الإسلامي في الحوار، حين يريد الاحتجاج لفكره من جهة، ومواجهة الأفكار المضادّة من جهة أخرى، وتعرّفنا مبلغ التسامح الإسلامي الذي يريد لأتباعه أن يمارسوه مع الآخرين، انطلاقاً من الممارسات النبويّة الرائعة، من مركز القوّة لا من مركز الضعف. فقد قدم هؤلاء إلى مركز الإسلام القويّ، من أجل أن يناقشوا الدين الجديد، فأعطاهم النبيّ كلّ الحرية في ذلك، إلى مستوى السماح لهم بأداء طقوسهم وعباداتهم في مسجد النبيّ تحت سمعه وبصره في مجتمع المسلمين الكبير، حتّى أنّ النبيّ لم يستجب لتساؤلهم وإنكارهم لذلك، بل طلب منهم أن يتركوا لهم الحريّة في ذلك، ليُشعرهم ـــ على الطبيعة ـــ كيف يحافظ الإسلام على مشاعر الآخرين وحريّاتهم في الإطار العام للنظام الكامل، وليعطيهم انطباعاً ذاتياً، أنّه لا يؤمن بالقوّة كسبيل من سُبُل إدخال الآخرين في الإسلام من دون اقتناع منهم بذلك. وهكذا كان، وبدأ النبيّ حواره معهم من موقع الدليل والحُجّة والبرهان، كما تنقله لنا القصة. سؤالاً وجواباً، في حوار هادئ قويّ، يستجيب للسؤال في البداية، ثمّ يطرح السؤال عليهم من جديد ليُلزمهم بالحُجّة من خلال ذلك. وقد نفهم من الآية الكريمة، أنّ الحوار لم يقتصر على هذا الجانب فحسب، بل تعدّاه إلى جميع الجهات التي يختلف فيها المسلمون والمسيحيون في نظرتهم إلى عيسى (عليه السلام)، وإلى الطبيعة الاعتقادية، لأنّ الآية تتناول المحاجّة فيه بكلّ ما جاءه من العلم. ويظهر من الآية ومن جوّ القصّة أنَّ هؤلاء لم يريدوا الاقتناع، بل دخلوا في جدلٍ عقيم لا يحقّق أيّ هدف، ولا يصل إلى أيّة نتيجة؛ ما دعا النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى طرح المباهلة عليهم، كأسلوب من أساليب التأثير النفسي الذي يُشعرهم بالثقة المطلقة بالعقيدة الإسلامية وبمفاهيم الدعوة الجديدة. حتّى إنّ النبيّ كان مستعداً لأن يعرِّض نفسه للموقف الصعب عندما يقف مع أهل بيته ليواجهوا الآخرين بالوقوف بين يديّ الله في ما تنازعوا فيه، فيطلبون منه ـــ سبحانه ـــ أن يجعل اللعنة على الكافرين. وقد أراد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أن يزيد الموقف تأثيراً في الإيحاء النفسي لدى الآخرين بالثقة، فلم يقتصر على تقديم نفسه للمباهلة والملاعنة، بل طرح القضية على أساس اشتراك أهل بيته معه في ذلك، مع أنَّ بإمكانه أن يحصر الأمر بنفسه، دون أن يترك ذلك أيّ تأثير سلبيّ في الموقف. ولكنّه ـــ كما أشرنا ـــ أراد أن يُعطيهم الإيحاء بالاطمئنان الكامل بصدق دعواه، لأنّ الإنسان قد يعرِّض نفسه للخطر، ولكنّه لا يعرّض أبناءه وأهل بيته لما يعرّض له نفسه ممّا يمكن أن يتفاداه. ولهذا أدرك القوم الموضوع وأبعاده، فاهتزَّت أعماقهم بالخوف من الخوض في هذه التجربة التي تستتبع اللعنة الفعلية التي تتجسَّد في عذاب الله وعقابه، فأقلعوا عن الأمر وقبلوا الصلح. ***** موقع التحدّي الكبير: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ} ـــ في عيسى ـــ في أنّه "هو الله"، وأنّه "ابن الله"، و"أنَّ الله ثالث ثلاثة"، ولم يبلغ الحوار نهايته الفكرية في قناعتهم الوجدانية، أو أنَّه عبد الله ورسوله، وأنَّ الله لا إله إلاّ هو الأحد، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ*وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ} [الإخلاص: 3 ـــ 4]، {مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ} الذي قدّمته إليهم من القرآن والآيات البيّنات على الحقّ، فليكن للمحاججة أسلوب آخر حاسم تنطلق فيه من موقع التحدّي الكبير الذي يقف فيه الإنسان بين يديّ الله في مواجهته للإنسان الآخر في قضية العقيدة المرتبطة بقضية الإيمان بالله في مضمونه التوحيدي الحقيقي، وهو الأسلوب الذي أخلص الإنسان في الأخذ به والاستعداد لنتائجه السلبية، التي قد تمثِّل الخطر عليه وعلى من يتّصل به ممّن يقدّمهم أمامه من أهله ليكونوا طرفاً في المباهلة، فهذا ما يمثِّل النهاية الحاسمة التي تتمثّل في الواقع الإيجابي المنفتح لصاحب الحقّ والواقع السلبي المنغلق في حياة المضادّ للحقّ {فَقُلْ تَعَالَوْاْ} يا نصارى نجران، هلمّوا إلى موقف آخر يتمثّل فيه العمق العميق للرأي القوي والعزيمة الحازمة، {نَدْعُ أَبْنَاءنَا} الذين يجسِّدون أعمق علاقة حميمة يعيشها الإنسان في علاقته بالناس، بحيث تتّصل حياته بامتداد حياتهم، وعاطفته بالمعنى العميق لوجودهم؛ فيتعب ليرتاحوا، ويجوع ليشبعوا، ويظمأ ليرتووا، ويضحّي بحياته ليعيشوا بعده. وها أنا أقدّم بين يديَّ للمباهلة ولديّ الحسن والحسين اللّذين يمثِّلان كلّ حبّي في العاطفة، وكلّ شعوري في المحبة، وأملي بمستقبل الرسالة، فهما سيِّدا شباب أهل الجنّة، وريحانتاي في الدنيا. {وَأَبْنَاءكُمْ} ممّن تختارون منهم للحضور والابتهال في هذا الموقف الصعب، {وَنِسَاءنَا} اللاتي يمثّلن أقرب موقع للانتماء الإنساني الروحي من النساء في حياتنا الخاصة، وها أنا أقدِّم بين يديّ ابنتي فاطمة سيّدة نساء العالمين، التي هي بضعةٌ مني، يريبني ما رابها ويغضب الله لغضبها ويرضى لرضاها، لأنَّ غضبها في مواقع غضب الله ورضاها في مواقع رضاه. إنَّني أقدّمها في هذا التحدّي الكبير للدلالة على أنّني على يقين من صدق دعوتي، لأنّ الإنسان لا يقدّم أحبّ الناس لديه في مواقع احتمال الخطر إلاَّ إذا كان واثقاً من النجاة. {وَنِسَاءكُمْ} ممّن تختارون من النساء في مجتمعكم الخاص {وَأَنفُسَنَا} ممّن هم في موقع النفس من حيث المنزلة والمحبّة والإعزاز، وهو عليّ (عليه السلام) لأنّه يمثّل الصورة الحيّة الصادقة لكلّ الكمالات والتطلُّعات والسلوكيات والملكات التي أمثّلها، لأنّني ربّيته وأنشأته منذ طفولته على صورتي في أخلاقي وروحياتي وأقوالي وأمثالي، فكان منّي بمنزلة النفس من النفس، والذّات من الذّات، والروح من الروح، والعقل من العقل. وليس هناك في الساحة غير عليّ (عليه السلام) الذي عاش معي كما لم يعش أحدٌ غيره معي، وكان منّي "بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبيّ بعدي"(1)، و{وأَنفُسَكُمْ} ممّن يمثّلون وجودكم وذواتكم في حياتكم الخاصة، {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} وندعو الله ونجتهد في الإخلاص له والخضوع بين يديه، {فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} منّا ومنكم، فذلك هو الذي ينتهي بالأمور إلى نهاياتها الأخيرة من دون نزاع ولا خصام. ***** المباهلة في الخطّ الإسلامي العام: وإذا كانت الآية مختصّة بالنبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في الواقعة الخاصة مع وفد نصارى نجران، فإنّها لا تختصّ ظاهراً به، بل يمكن أن تنطلق في كلّ موردٍ مماثلٍ لم يصل فيه الحوار إلى نهاية حاسمة لعدم استعداد الطرف الآخر للاقتناع بالحُجّة ـــ بعد إقامتها عليه ـــ فتكون المباهلة هي الخيار الأخير في ساحة التحدّي، فإنَّ الله قد طرح المسألة على رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من خلال أنّها وسيلة من وسائل المواجهة لإسقاط موقف الآخرين في خطّ الباطل لمصلحة موقف الحقّ، لا لخصوصيةٍ في المورد الخاص. وقد ورد في الرواية عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنّه قال: إذا كان ذلك ـــ أي إذا لم يقبل المعاندون للحقّ ـــ فادعهم إلى المباهلة قلت: وكيف أصنع؟ فقال: أصلح نفسك ثلاثاً، وأظنّه قال: صُم واغتسل وابرز أنت وهو إلى الجبّان، فشبّك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه، وابدأ بنفسك فقل: اللَّهم ربُّ السماوات السبع وربُّ الأرضين السبع، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم؛ إن كان (فلان) جحد حقّاً وادّعى باطلاً، فأنزل عليه حسباناً من السماء أو عذاباً أليماً، ثمّ رُدَّ الدعوة عليه، فإنّك لا تلبث أن ترى ذلك فيه(2). ***** القصص الحقّ: {إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ} الذي يقصّ عن الحقّ، ويؤكّد مفاهيمه ويقود إلى الهدى، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وذلك هو دور القصة في حياة الإنسان، فليست لهواً ولا عبثاً ولا حاجة لملء الفراغ، بل هي خطّ للوعي، ومنطلق للهدى، وحاجة للانفتاح على حقائق العقيدة والحياة في واقع المعرفة الإنسانية، حيث يؤكّد القرآن للرسول وللمؤمنين، أنَّ قصّة عيسى (عليه السلام) التي أوضحها الله سبحانه في كتابه، في موضوع بشريّته التي تبتعد به عن الألوهية في أيّ جانبٍ من الجوانب، هي الحقُّ الذي لا مجال لإنكاره، لأنّه يرتكز على منطق العقل ومنطق الوحي. فإنَّ الله هو الإله الواحد الذي لا شريك له، وهو العزيز الذي لا ينال أحدٌ من عزّته في أيّ شأن من شؤون القوّة، لأنَّ القوّة له في كلّ شيء، وهو الحكيم في ما يقدره في خلقه من تنوُّع الأسباب في مظاهر قدرته في خلق الإنسان في نموذج آدم وعيسى وبقيّة أفراد الإنسان، فإنَّ هذا هو الحقّ، فادع إليه ـــ يا محمَّد ـــ وأثر لهم كلَّ أساليب الإقناع في ما ألهمك الله من الحُجّة والبرهان. {وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ اللّهُ} فهذه هي الحقيقة التوحيديّة التي تنفي كلّ ربوبيّة لغيره، لأنّه ـــ وحده ـــ الخالق لكلّ شيء، فكيف يكون المخلوق له شريكاً في ربوبيّته، {وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} الذي تنطلق عزّته من قوّته وقدرته، فلا يملك أحدٌ أن ينقص منها، وتتحرّك حكمته من علمه فلا يعزب عنه شيء. وقد تحدّث الله عن عزّته وحكمته هنا، للتدليل على أنَّ الإله لا بدَّ من أن يكون العزيز في كلّ مواقع القوّة، فلا يملك أحد القوّة معه أو فوقه، ولا بدّ من أن يكون الحكيم لينطلق خلقه في السنّة الإلهية التي تعطي كلّ موجود حاجته، وتضع كلّ شيء موضعه، لينتظم الوجود كلّه بكلّ موجوداته في النظام الكوني الذي تتكامل فيه الأشياء، فلا ينحرف بعضها عن الخطّ بحيث يؤدّي إلى اختلال الخلق كلّه. {فَإِن تَوَلَّوْاْ} وأعرضوا فلم ينفتحوا عليك من خلال الدعوة، ولم يستجيبوا لك في خطّ الحوار الذي يوصل المتحاورين إلى الحقيقة، وذلك بالهروب منه، أو بالدخول في الجدل الفارغ والمهاترات وغير ذلك ممّا لا يؤدّي إلى نتيجة، فلا تلتفت إلى إعراضهم، ولا تضعف أمام ذلك كلّه، فإنَّ ذلك سوف يُعبّر عن حقيقة سلبية في مضمون إنسانيّتهم في الطاقات التي منحهم الله إيّاها، وجعلها في تصرّفهم وطوع إرادتهم، ليوجّهوها إلى الصلاح ليقوموا بإصلاح أنفسهم في معنى العقيدة، وحياتهم في خطّ الشريعة، وعلاقاتها بالكون والحياة وببعضهم البعض، في امتداد الحياة، وإصلاح الواقع من حولهم من خلال دورهم الفاعل في الحركة والبناء، ووجّههم إلى توحيده باعتباره الفكر الذي يمثِّل إشراقة الوعي الكامل في وجدانهم، لينطلقوا في وجودهم من معنى الوحدة في الإله إلى الوحدة في المسؤولية من خلال وحدة الإنسان في دوره الريادي في الأرض، ليتّجه الكون كلّه ـــ ولا سيّما الكون الحيّ في وجود الإنسان ـــ إلى غاية واحدة، وشريعة واحدة، ونهجٍ واحد، من خلال الله الذي يقف الناس كلّهم في موقع الطاعة له والعبودية له، والسير في طريقه المستقيم، لأنَّ ذلك هو سبيل الإصلاح، فإنَّ تعدُّد الآلهة يؤدّي إلى فساد الذهنية الحركية في الواقع كلّه، فإذا واجهت أمثال هؤلاء الذين لا يعيشون الفكر مسؤولية، والصلاح هدفاً ودوراً، ورأيتهم غافلين عمّا فيه نجاتهم وصلاح أمرهم، فأعرض عنهم واترك أمرهم لله، {فَإِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ} الذين يفسدون الأرض بعد إصلاحها بإفساد العقيدة وإفساد الحياة من خلال ما يثيرونه من عقائد الباطل وأساليب الضلال، وهو قادرٌ على أن يُعاقبهم بما يستحقّون بعد أن قامت عليهم الحُجّة من جميع الجهات، والله لا يحبُّ المفسدين. ***** الدرس الذي نأخذه من هذا الأسلوب: أمّا الدرس الذي نستفيده من ذلك كلّه، فهو العمل على توظيف الجانب الإيماني، بعد ممارسة الجوانب العملية والفكرية، في الحوار الهادئ العميق بين الإسلام وخصومه، انطلاقاً من الفكرة الحاسمة الواقعية التي تقول: إنَّ على الداعية أن لا يهمل أيّ عنصر من عناصر التأثير على الآخرين في إيصالهم إلى الحقيقة، أو في الإيحاء إليهم بالاطمئنان إلى قوّة هذه الحقيقة.. حتّى ليقف الإنسان في أشدّ المواقف حراجة في مجالات التحدّي لثقته بأنَّ الدعوة في المستوى القوي لمواجهة التحدّي بأقوى منه. ***** 4 ـــ الحوار المنفتح على القلب ومواطن اللّقاء: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة : 136]. ***** {قُولُواْ} أيّها المسلمون لكلّ الذين يجادلونكم في الدين: {آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ} فنحن نؤمن بالله الواحد ونؤمن بكلّ ما أنزل إلينا وإلى هؤلاء {وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى} من التوراة والإنجيل {وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ} ممّا أنزله الله عليهم وكلَّفهم به {لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ}، لأنّنا نؤمن بالرسل كلّهم مهما اختلفت خصوصيّاتهم ومراحلهم، كما نؤمن بالكتاب كلّه مهما تنوّعت آياته، {وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}، فإنّنا نسلم إلى الله كلّ حياتنا وكلّ أمورنا، لأنّ الإسلام هو دين الله في كلّ مواقعه في حركة الرسل في التاريخ. وهذه الآية تمثّل أنموذجاً لأسلوب الحوار في الإسلام، وخلاصته البحث عن مواطن اللّقاء في بداية الحديث من أجل الإيحاء بوجود قاعدة مشتركة للفكر المتنوّع، وأرض مشتركة للموقف المتعدّد، ما يوحي للآخر بأنّك إذا اختلفت معه في إيمانك بما أنزل إليك من القرآن، فإنّك لن تختلف معه في إيمانك بما يؤمن به ـــ من ناحية المبدأ ـــ من التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم، وتعاليم النبوّات المشتركة بين الأديان من خلال الأنبيباء الذين يلتقون على رسالات الله، فيلتقي المؤمنون على الإيمان بهم. وهذا الأسلوب من أوضح الأساليب وأكثرها حكمةً وانفتاحاً، لأنّه يخلق جوّاً نفسياً ملائماً يؤدّي إلى حالةٍ حواريةٍ حميمةٍ تفتح العقل من خلال النافذة المطلّة على القلب، باعتبار أنّ أقرب طريق إلى عقل الإنسان هو الطريق الذي يؤدّي إلى قلبه، لأنّه إذا أحبّك أحبَّ فكرك، وإذا انفتح عليك ـــ من الناحية الشعورية ـــ انفتح عليك من الناحية العقلية. ولعلّ مشكلة الكثيرين من الناس أنّهم يركّزون على مواقع الخلاف التي تغلق القلوب بدلاً من مواقع الوفاق التي تفتحها، لأنّهم لا يعيشون المحبّة للآخرين في الرسالة، بل ينطلقون بها من موقع العقدة والحقد والانفعال، حتى أعطوا الحقد ـــ الذي لا قداسة له ـــ معنى القداسة. ***** 5 ـــ الحوار المفتوح للاهتداء إلى الحقيقة: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} [التوبة : 6]. ***** معاني المفردات: {اسْتَجَارَكَ}: طلب منك الأمان. {مَأْمَنَهُ}: ديار قومه التي يأمن فيها على نفسه وماله. ***** إجارة المشركين المستجيرين: لم تكن البراءة التي أعلنها الله ضدّ المشركين وسيلةً تعسُّفيةً لتصفيتهم من ناحيةٍ ذاتية، بل كانت سبيلاً من سبل الضغط عليهم ليتخلّصوا من رواسبهم التاريخيّة التي تضغط عليهم، وتمنعهم من الانفتاح على الإيمان والتوحيد والإسلام، ولذلك فقد أفسح لهم المجال ليتفهَّموا ويتعلَّموا ويناقشوا ما أشكل عليهم من أمور العقيدة والدين الجديد، فجعل للرسول وللمسلمين معه، أو من بعده، أن يجيروا المشرك الذي يطلب الأمان من أجل أن يسمع كلام الله، فإذا انتهت المهمّة التثقيفيّة ـــ إنْ صحَّ التعبير ـــ فعلى المسلمين أن يُبلغوه مواقع الأمان التي يملك فيها حريّة الحركة وحريّة القرار، ثم يكون حاله بعد ذلك حال المشركين الذين يصرّون على الشرك أو الذين ينتقلون إلى خطّ الإيمان، وهذا هو ما أثاره الله في هذه الآية. ***** إبلاغ المأمن لسماع كلام الله: {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ} بعد مضي الأشهر الأربعة ليسمع دعوة الإسلام من خلال الوحي، وحُجّة الرسالة من خلال الحوار {فَأَجِرْهُ} ولا تعرض له بسوء، لأنّ ذلك هو أحد أهداف الإسلام في إعلان البراءة، في ما يريده من تحطيم الحواجز النفسية التي تحول بين المشركين وبين الانفتاح على الإسلام كدعوةٍ ومنهج حياة. فإذا استجاب أحدهم إلى ذلك، فلا بدّ من التجاوب معه {حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ} لأنّ ذلك هو ما يدعو إليه الله عباده، بأن يسمعوا كلامه ويتأمّلوا فيه ليعرفوا سبيل الهداية ومفتاح الإيمان. ولعلّ من البديهيّ أن نقرّر في هذا المجال أنّ مجرّد السماع وحده لا يكفي في إقامة الحُجّة، إذا احتاج السامع إلى المزيد من الإيضاح والمناقشة والتفكير، ولذلك فإنّنا نفهم من سماع كلام الله، المعنى الذي يحقّق للسامع كلّ عناصر القناعة الفكرية، بحيث لا يبقى لديه شيءٌ يريد أن يسأل عنه أو يستوضحه، فإذا لم يذعن بعد ذلك، كان متمرّداً أو جاحداً بلا أساس، لأنّ القضية ـــ في الدعوة ـــ ليست مجرّد كلمات تُقال أو تُسمع بطريقة تقليديّة جامدة، بل هي قضية عقيدة يُراد لها أن تتركَّز وتتعمَّق في فكر الإنسان وروحه وضميره، أو تشكِّل ضغطاً فكرياً يعمل على إثارة تطلُّعات المعرفة في شخصية الإنسان {ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ} ليشعر بأنّ الإسلام لا يريد أن يستغلّ ضعف موقعه، بل يترك له الحريّة في هذا الموقع، كما ترك له ولغيره الحرية في الأشهر الأربعة {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ} وتلك هي مشكلتهم، إذ يجحدون حقائق الإيمان وينحرفون في ممارسات الانتماء أو العبادة، إنّها الجهل الغارق في ظلمات التخلّف في النظرة إلى الأشياء، وفي التعامل مع حركة العلاقات في الحياة. ولهذا كان من مهمّة الدُّعاة إلى الله أن يعملوا على رفع مستواهم الفكري، وتوجيههم إلى السُّبُل التي تقودهم إلى آفاق المعرفة الواسعة المنفتحة على وحي الله وشريعته. وربّما كان لنا أن نستوحيَ ـــ في هذا الاتجاه ـــ أنّ علينا أن نقوم بحملةٍ تربويّةٍ تثقيفيةٍ عامةٍ للشعوب المتخلّفة التي استطاع التخلُّف أن يغرقها في ظلمات الجهل ويقودها ـــ من خلال ذلك ـــ إلى عقائد الكفر والضلال، ما يجعل من التعليم الذي يتيح للإنسان أن يفكّر ويتأمّل ويناقش، سبيلاً للوصول إلى الإيمان، كمبدأ في بدايات الطريق، أو للتأكيد على ثباته واستمراره في حركة الدعوة الممتدة في الحياة. وبذلك يمكن لنا أن نعرف قيمة الخروج من الوضع التقليدي للدعوة الذي لا يدرس المشكلة في مسألة الكفر والإيمان من جذورها التي تتدخّل فيها بشكلٍ غير مباشرٍ، بل يقتصر على مواجهتها بطريقةٍ مباشرةٍ بعيدةٍ عن العمق والامتداد. ***** وقد استطاع الإسلام أن ينجح في هذا الأسلوب الضاغط على مجتمع الشرك ومسيرته، فلم يمضِ وقتٌ قصير إلاّ وكان المشركون يدخلون في الإسلام تحت تأثير هذا الجوّ الحاسم، من البراءة الحاسمة التي انطلقت من الله ورسوله، ما يجعل لها قوّة التأثير على الشعور والوجدان، ويدفع بالإنسان المشرك إلى التفكير بطريقةٍ حازمةٍ، لا تحتمل الكثير من حالات اللامبالاة أو الاسترخاء أو اللّف والدوران. ولم تنقل لنا السيرة، عن حالاتٍ معينة، قليلةٍ أو كثيرة، اضطُرَّ المسلمون فيها إلى أن يواجهوا مشركاً متمرِّداً، بعملية قتلٍ أو ملاحقةٍ أو حبس، بل رأينا القضية تتحرّك في الاتجاه الصحيح بطريقةٍ طبيعيّة هادئةٍ. وقد لا يكون البعض من هؤلاء مقتنعاً بالإسلام كلّ الاقتناع، لا لشبهةٍ دخلت في فكره، بل لأنّه لا يريد أن يخضع حياته لالتزام دينيّ معيّن، كما نجده في الكثيرين الذين يريدون أن يعيشوا الحياة خارج نطاق الانتماء، ليأخذوا حريّتهم في ما يشتهون أن يفعلوه أو يتركوه، ولكن الإسلام كان يريد لأمثال هؤلاء أن يعيشوا الانفتاح على الإسلام من خلال الأجواء النظيفة الطاهرة التي تخضع لسيطرة الإسلام، بعيداً عن أيّة سيطرة أخرى ضاغطة في اتجاه تنمية الكفر والشرك في نفوس المشركين والكافرين، ما يقودهم إلى المزيد من التفكير والتأمّل الذي ينتهي بهم إلى الإسلام في نهاية المطاف. وقد وجدنا بعضاً من هؤلاء ممّن حسُن إسلامه وقوي إيمانه، بعد أن اكتشف الجانب المشرق في الإسلام الذي يضيء فكره وروحه وقلبه، وابتعد عن الأجواء المضادّة المظلمة التي تثير فيه الكثير من هواجس الانحراف والضلال. وإذا كان البعض من الناس يثير مسألة الحرية أمام مثل هذه الإجراءات الضاغطة التي يضغط بها التشريع الإسلامي على المشركين، فإنّنا نحاول أن نثير أمامهم الفكرة التي تقرّر أنّ قضية الحرية في معتقدات الإنسان، في ما يحتاجه من عناصر الإقناع والاقتناع، بالكلمة والأسلوب والجوّ، الذي يهيّئ للحوار الإيجابي المنفتح، هي قضيةٌ مكفولةً في الإسلام بشكلٍ حاسم، فللإنسان الحرية في مواجهة كلّ علامات الاستفهام في نفسه، لتكون له الأجوبة الكافية الشافية من قِبَل القائمين على شؤون الدعوة والعاملين في مجالاتها الفكرية، حتى لا يبقى هناك شيءٌ غامضٌ يوحي له بالقلق والحيرة، لأنّ الله يريد لعباده، أن لا تكون لهم الحُجّة عليه، في ما يريدون معرفته، ممّا يريدهم أن يؤمنوا به. أمّا الحرية بالمعنى المطلق، الذي يريد الإنسان ـــ من خلاله ـــ أن يثير فكره، في كلّ الساحات، أو أن يستسلم لبعض الحالات المعقّدة، التي لا تخضع لحالةٍ فكريةٍ، فإنّ الإسلام يرى أنّ مصلحة الإنسان في الحياة تفرض بعض التحفُّظات والقيود والضغوط التي تساهم في تصحيح المسار من جهة، وتمنع عملية الإفساد من جهةٍ أخرى. ولكنّ ذلك لن يكون خاضعاً لنزوة شخصٍ معيّنٍ، أو لتحكُّم سلطةٍ خاصة، بل هو خاضع للأوضاع التشريعية في الخطوط العامة للإسلام، وللأوضاع التطبيقية في ما يمارسه القائمون على شؤون المسلمين من أُولي الأمر الذين ينطلقون من مواقع الإسلام، في ثقافةٍ واسعة عميقة، والتزام عمليّ دقيق، وفهم واعٍ للواقع، فإذا أخطأوا، ردّتهم الأُمّة إلى مواقع الإسلام بالأساليب الإسلامية الحاسمة. ***** 6 ـــ الحوار وامتلاك المعرفة: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ*هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ*مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ*إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَـذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 65 ـــ 68]. ***** معاني المفردات: {تُحَآجُّونَ}: قال الطبرسي ـــ في مجمع البيان: ـــ "الفرق بين الحجاج والجدال، أنَّ الحجاج يتضمّن إمّا حُجّة أو شبهةً في صورة الحُجّة، والجدال هو فتل الخصم إلى المذهب بحُجّة أو شبهة أو إيهام في الحقيقة، لأنّ أصله من الجدل، وهو شدّة الفتل، والحُجّة هي البيان الذي شهد بصحّة المقال، وهو والدلالة بمعنى واحد"(1). {حَنِيفاً}: من الحنف وهو الميل من شيء إلى شيء، وهو في المصطلح القرآني الميل من الضلال إلى الهدى. {أَوْلَى}: هو بمعنى أفعل من غيره، ومعنى قولنا: هذا الفعل أولى من غيره، أي: بأن يفعل، وقولها: زيد أولى من غيره معناه: أنّه على حال هو أحقّ بها من غيره(2). {اتَّبَعُوهُ}: الاتّباع: جريان الثاني على طريقة الأول من حيث هو عليه، كالمدلول الذي يتبع الدليل في سلوك الطريق، أو في التصحيح، لأنّه إن صحَّ الدليل صحّ المدلول عليه بصحّته، وكذلك المأموم الذي يتبع طريقة الإمام. ***** هذا أسلوب آخر في حوار القرآن مع أهل الكتاب، يستهدف كشف الزيف الذي كانوا يمارسونه في تضليل الناس باستغلال الصفة الروحية الكبيرة والموقع القدسيّ العظيم لبعض الشخصيات النبوية، فيسبغون عليه انتماءهم الديني ليوحوا للبسطاء بقداسة مواقعهم، وسلامة طروحاتهم الفكرية والعملية، من أجل كسب هؤلاء البسطاء إلى صفوفهم وتحويلهم عن السير في خطّ الإسلام. وقد أراد القرآن الكريم أن يواجههم بأسلوب التأنيب الهادئ الوديع الذي يطرح التساؤل في أسلوب الاستفهام الإنكاري، كأسلوب لمواجهة الإنسان نفسه بالحقيقة في تسجيل نقطة هنا تدفع نحو التفكير، ونقطة هناك تدفع نحو التأمُّل من خلال إثارة المنهج في ملاحقة الحقيقة، وتقرير المبدأ في مواجهة الواقع. وهذا ما نحاول أن نتلمَّسه في دراستنا لهذه الآيات. فقد طرح أهل الكتاب شخصية إبراهيم ـــ النبيّ ـــ الذي يُعتبر من الشخصيات النبويّة المحترمة لدى كافّة الناس، بما فيهم مشركي مكّة، الذين ينتسبون إليه باعتبار أنّ قريش من ولد إسماعيل، وكان لهذا الاحترام دوره الكبير في ارتباط الناس بالفكر أو الدين الذين ينتسب إليه هذا النبيّ العظيم. ولهذا حدث التنافس في نسبته إلى هذا الفريق أو ذاك من الديانات المطروحة في الساحة الدينية، فقد كان اليهود يقولون إنّه يهودي، ويريدون من خلال ذلك أن يدفعوا الناس إلى اعتناق اليهودية، على أساس اعتناق إبراهيم لها. وكان النصارى يقولون إنّه نصراني، ليقودوا الناس إلى النصرانية من خلال ارتباطه بها. ولم تكن القضية لدى الطرفين مطروحة للمناقشة حتى يفيض الناس فيها بالحوار والنزاع، بل كانت مطروحة للإيمان الأعمى الذي يقبل كلّ شيء من دون معارضة، انطلاقاً من الفكرة القائلة بأنّ الإيمان فوق العقل. وجاء القرآن ليفضح اللعبة ويضع النقاط على الحروف، فطرح القضية للمناقشة في جانبها التاريخي الزمني، ودعاهم إلى استنطاق عقولهم في ذلك، فإنَّ اليهودية انطلقت من التوراة التي أنزلت على موسى (عليه السلام) بعد وقت طويل من عهد إبراهيم، كما أنّ النصرانية استندت إلى الإنجيل المنزل على عيسى (عليه السلام) بعد ذلك الزمن بوقت بعيد جداً؛ فكيف ينتسب إبراهيم إلى هذا أو ذاك في الوقت الذي يسبق زمانه زمانهما؟! وكيف يمكن أن ينتسب السابق إلى اللاحق، في ما يوحي به العقل من موازين ومقاييس؟! {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجّون فِي إِبْرَاهِيمَ} لتقدّموه كشخصية يهودية او نصرانية تجتذب الناس إليكم من خلال ما يتميَّز به من تقديس واحترام والتزام بنبوّته في وجدان الناس، {وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ} التي ينتسب اليهود إليها في دينهم، {وَالإنجِيلُ} الذي ينتسب إليه النصارى في التزامهم الديني، {إِلاَّ مِن بَعْدِهِ} فهناك فاصلٌ زمني كبير بين إبراهيم وموسى وعيسى (عليهم السلام)، فكيف يمكن انتسابه إليهما، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} ذلك، لتتحرّكوا في دائرة تقديم الحُجّة من منطق العقل الذي يضع الأشياء في مواضعها الطبيعية من الزمان والمكان عندما يدخل في المقارنة بين الأشخاص والأشياء؟! وهذه إشارة إلى أنَّ القرآن الكريم يقدّم العقل كأساس في مجال الجدال بين الناس والاحتجاج للعقائد والأفكار، فلا ينطلق الموضوع الذي يقع محلاً للنزاع من حالة عاطفية أو مزاجية أو استعراضية بقصد التأثير على الجوّ النفسي بعيداً عن المحاكمة العقلية. ***** الآية في حركة الواقع: ونلتقي ـــ في خطّ هذا الأسلوب ـــ بالكلمات التي تُثار أمام البسطاء من خلال ما يطرحه الكفر والانحراف من مبادئ كالشيوعية والاشتراكية والديمقراطية وغيرها من المبادئ الفلسفية والاقتصادية والسياسية، فيحاولون الإيحاء للمسلمين البسطاء بالتقاء الإسلام بها وانتمائه إليها في مفاهيمه وتشريعاته، من أجل أن يضلّلوهم ويسدّوا عليهم طريق الاعتراض والمناقشة. وقد يضيفون إلى ذلك الحديث عن انتماء الإمام عليّ (عليه السلام) وأبي ذرّ الغفاري إلى الاشتراكية، لأنّهما كانا ينطلقان في كلماتهما من موقع المواجهة للواقع الاقتصادي الاستغلالي الفاسد، ممّا يحاول البعض تفسيره بما توحي به هذه المبادئ من شعارات وأفكار. ولكنّ القضية لا بدّ من أن تُعالج بما عالج به القرآن الكريم قصّة مزاعم أهل الكتاب في قضية إبراهيم (عليه السلام)، بالتأكيد على الفرق الكبير في الفاصل الزمني بين الإسلام وشخصياته، وبين مبتدعي هذه المبادئ، ثمّ بمحاولة إيضاح المفاهيم الإسلامية والاقتصادية والاجتماعية بالمقارنة مع مبادئ الكفر والانحراف المتمثّلة في تلك المبادئ، والإعلان لهم بأنَّ عليّاً وأبا ذرّ لم يطرحا في معارضتهما للواقع الفاسد إلاَّ المنهج الإسلامي الذي يُعالج المشكلة الواقعية بالحلّ الإسلامي لا بغيره. وهكذا نجد في هذه الآية الكريمة خطّاً إسلامياً ممتدّاً في حياتنا الرسالية في مجال الدعوة والعمل، وحركة الوعي المنفتح على الواقع والإنسان. ***** لِمَ تُحاجُّون في ما ليس لكم به علم؟! {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء} يا أهل الكتاب {حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ} ممّا تملكون علمه من دينكم من خلال ما قرأتموه في التوراة أو الإنجيل، وهذا من حقّكم، كما هو حقّ كلّ إنسان ينتمي إلى فكرٍ يملك علمه ليُجادل الناس فيه. وربّما كان هذا الكلام إشارة إلى الجدل الواقع بين اليهود والنصارى في تأكيد كلّ منهما عقيدته ونفي العقيدة الأخرى، كما كان يفعله اليهود في إنكار أن يكون عيسى (عليه السلام) ربّاً أو ابناً لله، أو ما كان يفعله النصارى من نفي امتداد اليهود إلى ما بعد السيّد المسيح (عليه السلام). وربّما تكون مسألة العلم ـــ هنا ـــ تعبيراً عن الثقافة، بعيداً عن فرضية الصواب، باعتبار أنّهم يملكون الجدال حوله من خلال ذلك. {فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ} لأنّه لا يمثّل أيّة حقيقة دينية أو تاريخية. وهذا ما لا ينبغي للإنسان العاقل أن يفعله، لأنّه يؤدّي إلى التخبّط في مواقع الجهل والابتعاد عن الحقيقة، والاستغراق في متاهات الضلال. {وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} فهو المحيط بكلّ شيء، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة، فأرجعوا الأمر إليه في ما أنزل من وحي يتضمّن الحقائق ويشير إلى خطّ اليقين، أمّا أنتم، فلا تملكون العلم إلاَّ من خلال ما يسّر لكم من سُبُله، فلا تندفعوا في طريق لا تعرفون طبيعته ولا تبلغون مداه. ***** الآية في منهج الحوار: ويتحرّك الحوار في استعراض المنهج الذي ينبغي للحوار أن يسير عليه، فلا بدَّ للمتحاورَيْن في أيّ موضوع، من أن يكونا محيطَيْن به من جميع جوانبه، لينطلق الحوار من منطلق الفكر، فيصل بهما إلى النتيجة الحاسمة، ويساعدهما على الهدوء في الكلمة، والحكمة في الأسلوب، والعمق في الفكرة، فإنَّ ذلك هو سبيل العلماء الواعين للعلم ولرسالته. أمّا إذا كان الطرفان لا يملكان المعرفة في ما يتحاوران به، فإنَّ الموقف سيتحوّل لديهما إلى حوار بالشتائم والكلمات اللاذعة والاتهامات الفارغة التي يُحاول الضعيف أن يُغطيَ بها ضعفه، ليربح القضية بالباطل إذا لم يتمكّن من الحصول عليها بالحقّ. وبذلك لن يؤدّيَ الحوار إلى نتيجة طيّبة، بل يؤدّي ـــ بدلاً من ذلك ـــ إلى المزيد من التعقيد والعداوة والخوض بالباطل. وعلى ضوء ذلك، فلا بدَّ للأجهزة أو القيادات المشرفة على حركة الدعوة إلى الله، من أن تختار العناصر الجيّدة التي تملك كفاءة الفكر والأسلوب والرؤية العميقة المنفتحة على الواقع، لتستطيع أن تربح الموقف لصالح الإسلام من موقع قوّة الفكر والحُجّة وعمق النظرة، فتحقّق للإسلام هدفه في الوصول إلى قناعات الناس من جهة، وتُعطي للدعوة الوجه القويّ المنفتح من خلال ما تبرز به للنّاس من سماحة الحوار وقوّته. ولعلَّ ذلك هو السبب في ما كان يقوم به الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) من نهي بعض أصحابه عن الكلام، ودعوة بعض آخرين إلى الخوض فيه، لضعف أولئك وقوّة هؤلاء، فإذا خاض الضعيف الحوار، كان ضعفه حُجّة للمبطل على المحقّ، فيؤدّي ذلك إلى ضعف موقف الحقّ وانهزام المؤمن نفسياً أمام ذلك. أمّا إذا خاض القويّ الموقف، فإنّه يُعطي الحُجّة من موقع الحقّ، ويمنح الحقّ قوّة الموقف. وقد لا يكفي ـــ في هذا المنهج ـــ أن يملك الداعية قوّة الحُجّة في سبيل الجدل ولو بالباطل، فإنَّ القضية ليست قضية ربح الساحة على كلّ حال؛ بل لا بدَّ من أن يملك قوّة الحُجّة بالحقّ، لأنَّ الهدف هو الوصول إلى خطّ الهدى في حياة الإنسان، وذلك بأن نقوده إلى الموقف الحقّ في العقيدة والشريعة والحياة. وهذا ما دعا الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) إلى نقد أحد أصحابه الذي كان يُجادل خصمه بالحقّ والباطل ـــ والإمام يستمع إليه ـــ فقال له: "يمزج الحقّ بالباطل، وقليل من الحقّ يكفي عن كثير من الباطل"(1). وقد خاطب الله أهل الكتاب ـــ في هذا الخطّ المنهجي ـــ بأنّهم انحرفوا عن الخطّ الصحيح في نهاية المطاف، فقد كانوا يحاجّون في ما يملكون أمر المعرفة به ممّا اطّلعوا عليه من التوراة أو الإنجيل، وليس في ذلك أيّ بأس، ولكنَّ الأمر تطوّر عندهم في خطٍّ منحرف إلى أن بدأوا يجادلون في ما لا يملكون العلم به، إمّا لأنّه لا يخضع لأيّ أساس، ولا يقف مع أيّة حقيقة، وإمّا لأنّهم لا يملكون أمر الإحاطة به والوصول إلى نهاياته. وهذا أمرٌ لا يسمح به منطق العلم والحوار، فإنَّ عليهم إذا لم يحيطوا بعلم شيءٍ ما، أن يحاولوا الوصول إليه بالمعرفة من خلال وحي الله، فإنّ الله يعلم بحقائق الأشياء، وأنتم لا تعلمون إلاّ البسيط الذي علَّمكم إيّاه. وهذا ما ينبغي لنا أن نخاطب به الآخرين من خصوم الإسلام الذين يوجّهون إليه الاتّهامات الباطلة من غير علم، ويثيرون الشبهات حوله من موقع الجهل، لنقودهم ــــ بمختلف أساليب الإنكار والإحراج التي تكشف عن جهلهم، وتخبّطهم بالباطل ـــ إلى السير في خطّ المعرفة الإسلامية من مصادرها الأصيلة، ولندفعهم إلى الاستماع إلى الحُجّة والبرهان بأقرب طريق. ولا بدّ لنا ـــ إلى جانب ذلك ـــ من الالتفات إلى العاملين في سبيل الله، وتوجيههم إلى دراسة مبادئ خصومهم، بالإضافة إلى مبادئ الإسلام، لينطلقوا في الحوار عن علمٍ بكلّ مجالات الأخذ والردّ، لئلا يخوضوا في ما لا علم لهم به، كما أشرنا إلى ذلك في صدر الحديث. ***** إبراهيم حنيف مسلم: {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً} فلا يمكن أن يكون إبراهيم يهودياً، لأنَّ اليهودية تحرَّكت مسيرتها في مواقع الشرك، وانحرفت عن خطّ الرسالة التي جاء بها موسى (عليه السلام)، {وَلاَ نَصْرَانِيّاً} إذ لا يمكن أن يكون نصرانياً، لأنَّ النصرانية انطلقت في تفاصيل وأجواء ابتعدت بها عن القواعد الصحيحة التي جاء بها عيسى (عليه السلام). {وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً} ولكنّه كان حنيفاً مائلاً إلى الحقّ عن الباطل، مخلصاً لله، في كلّ ما يعنيه الإخلاص لله من صفاء التوحيد في العقيدة والإسلام لله في كلّ شيء؛ وذلك من خلال ما حدَّثنا الله به في آيةٍ أخرى: {إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ*وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 131 ـــ 132. ومنه انطلقت صفة المسلمين لكلّ من أسلم وجهه وحياته لله، فاتَّبع أمر الله ونهيه في كلّ شيء، ولم يُشرك بعبادة ربّه أحداً؛ وذلك هو قوله تعالى: {مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ} [الحج : 78]. وبذلك كان انتماء إبراهيم الأصيل إلى الإسلام الحقّ الذي يمثّل الخطّ العريض لكلّ الديانات السماوية من قبله ومن بعده، لأنّها تدعو إلى عبادة الله والإسلام إليه وحده. وهكذا كانت رسالة محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إسلاماً لله، لأنّها تمثِّل الدعوة الخالصة إلى التوحيد في كلّ مجالات العقيدة والعاطفة والعمل. وربّما كان قوله تعالى: {وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} إشارة إلى ما كان يدّعيه المشركون من عرب الجاهلية، ولا سيّما من كان منهم في مكّة من القرشيين، أنَّهم على دين إبراهيم والدين الحنيف، حتى كان أهل الكتاب يسمّونهم بالحنفاء، وبهذا اتّخذت كلمة الحنفاء معنى مغايراً للمعنى الحقيقي، فأصبحت تدلّ على الاتجاه الباطل الذي يميل فيه الناس عن الحقّ إلى الباطل، باعتبار أنَّ العرب كانوا يلتزمون "الحنفية الوثنية"، فجاءت هذه الآية لتنفيَ هذه النسبة إلى إبراهيم (عليه السلام)، فهو لم يكن يهودياً يحمل خطّه انحراف اليهودية، ولم يكن نصرانياً يلتزم انحراف النصرانية، ولم يكن مشركاً ينسجم مع طريقة أهل الشرك في عبادة الأصنام بحُجّة أنّها تقرّبهم إلى الله زلفى، بل كان حنيفاً بالمعنى الأصيل لهذه الكلمة التي تعني في كلِّ مضمونها الاستقامة على طريق الحقّ في العقيدة، والعمل بالميل عن خطّ الانحراف إلى خطّ الاستقامة، وكان مسلماً بالمعنى الشامل للإسلام الذي يعني إسلام الفكر والقلب والحركة والحياة لله في كلِّ أموره. وهو الخطّ التوحيدي في العقيدة والعبادة والطاعة الذي يمثِّل إبراهيم (عليه السلام) عنوانه في كلّ كلماته ومواقفه ومنطلقاته. ***** الاتباع يحدّد العلاقة: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ} ثمّ يطرح الله سبحانه علاقة إبراهيم بالناس وعلاقة الناس به، فليست العلاقة بأصحاب الرسالة علاقة نسب تمنح الآخرين أولويّة به، وتعطيهم امتيازاً على بقيّة الناس في رابطة القرب به، لأنّ هؤلاء العظماء يفقدون خصوصيّاتهم باندماجهم بالقضايا العامّة، فتتحوّل علاقتهم بالآخرين إلى علاقة رسالة وفكر وعمل، ويتحوّل الانتماء إليهم إلى الانتماء لما يمثِّلونه من رسالة الفكر والعمل، لأنّها أصبحت كلّ حياتهم. وفي ضوء ذلك، يقرّر الله لأهل الكتاب القول الفصل في خطّ هذه الحقيقة، فليس أولى الناس بإبراهيم (عليه السلام) هم الذين ينتمون إليه بالنسب، بل هم الذين ينتمون إليه في العقيدة والعمل من الذين اتّبعوه في حياته وبعد مماته، {وَهَـذَا النَّبِيُّ} الذي يحمل رسالة الإسلام التي أوحى بها الله إليه سائرٌ على الخطّ نفسه الذي سار عليه إبراهيم (عليه السلام)، وبعمق الروح التي انطلق معها، إن لم تكن أعمق، {وَالَّذِينَ آمَنُواْ} بهذا الرسول، لأنَّ الإيمان به إيمان بالخطّ الرسالي الإسلامي الذي يمثِّله إبراهيم (عليه السلام) في رسالته وفي حياته، ويلتقي الجميع في خطّ الولاية لله، {وَاللّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ} بما يرعاهم برعايته، ويهديهم بهدايته، ويمنحهم لطفه ورحمته ورضوانه. ويعلّق الإمام عليّ (عليه السلام) ـــ في ما روي عنه ـــ على هذه الآية بقوله: إنَّ وليّ محمّد من أطاع الله وإن بعُدت لُحمته، وإنَّ عدوّ محمّد من عصى الله وإن قرُبت قرابته(1). وبذلك يُعطي الإمام عليّ (عليه السلام) امتداداً في ما يستوحيه من الآية، فإذا كان أولى الناس بإبراهيم الذين اتّبعوه وهذا النبيّ والذين آمنوا، فإنّ ذلك لا يقف أمام شخص إبراهيم (عليه السلام)، بل يمتدّ مع كلِّ نبيّ أو رسول أو عامل في سبيل الله، في ما تمثِّله القرابة في حياته في خطوط القرب والبعد، من حيث علاقة ذلك بالسير على خطّ الرسالة والابتعاد عنه. ولهذا أمكن أن نستوحي الآية في كلّ شخص تمتدّ حياته إلى أبعد من حدود ذاته، كما أكَّد رسول الله من خلال القرآن الكريم على بُعد أبي لهب عنه مع قربه من نسبه، وأثار قرب سلمان الفارسي منه، من خلال الحديث المأثور عنه: "وإنَّما صار سلمان من العلماء لأنّه امرؤ منّا أهل البيت فلذلك نسبه إلينا"(1) مع بُعده عن نسبه. وهذا هو الأساس الذي تتحرّك فيه العاطفة الإسلاميّة، وتنطلق منه الروابط الإسلاميّة، فيكون الإسلام هو الذي يربطك بالآخرين، كأقوى ما تكون الرابطة، بحيث تعلو عن سائر الروابط الأخرى من عائلية أو إقليميّة أو قوميّة، في كلّ ما تفرضه الرابطة القوية من نصرةٍ وتأييدٍ وحركةٍ وانتماء. وهذا هو المفهوم الإسلامي الذي نستوحيه من الآية في ضوء ملاحظة الإمام عليّ (عليه السلام). ***** 7 ـــ اختيار الأحسن تجنُّباً للتباغض: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} [الإسراء: 53]. ***** معاني المفردات: {يَنزَغُ}: يفسد. ***** كيف تكون الكلمة التي يطلقها الإنسان في الحوار أو التخاطب الاجتماعي؟ هل هي الكلمة التي يوحي بها المزاج، في لحظة انفعالٍ، أو نزوة هوى، أو هي الكلمة التي يخطّط لها العقل، ويحرّكها الإيمان؟؟ إنّ للكلمة مدلولها في حسابات الفعل وردّ الفعل، وأثرها السلبي أو الإيجابي في حركة العلاقات الخاصة والعامة، وفي إثارة المشاكل أو في حلّها. وهذا ما يريد القرآن توجيه الإنسان إليه في دراسة الفكرة التي يريد أن يحرّكها في المجتمع، ليختار الفكرة الأفضل التي تفتح القلوب على المحبّة، والمشاعر على الرحمة، والعقول على الخير والحقيقة. ثمّ يدرس الكلمة الأحسن التي لا تختزن الحساسيّات المعقَّدة، ليقول الكلمة الأحسن في اللّفظ والمدلول. ولا بدّ له ـــ في ذلك ـــ من دراسة المسألة من جميع جوانبها بطريقةٍ مقارنةٍ، ليرفض السيِّئ والأسوأ، ويختار الحسن والأحسن. {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} قل لهم ـــ يا محمّد ـــ من موقع الإلزام في مواضعه، على أساس المصلحة التي تحمل في داخلها الخير الضروري للنّاس، ومن موقع النصيحة والاستحباب، في مواضع الرخصة، على أساس المصلحة الراجحة التي لا تلزم، فهذا هو السبيل لتركيز المجتمع في علاقاته العملية، على أساس الألفة والمحبّة والخير والرحمة، ولإبعاده عن التناحر والاختلاف والتباغض والتحاقد، لأنّ الشيطان قد يدخل في خلفيات الكلمة وفي مداليلها، وفي إيحاءاتها وحساسيّاتها، ليثير العداوة والبغضاء بين الناس. {إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ} ويفسد علاقاتهم، ويغري بعضهم ببعض. فينبغي الحذر منه، وذلك بالابتعاد عن مداخله وحبائله ووسائله الشيطانية {إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} فهو يحاول الإيحاء له بالكفر والشرك والضلال، الذي يؤدّي به إلى عذاب السعير. ***** 8 ـــ الإسلام ينفتح على الاستجابة أمام إثارة التساؤلات: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [البقرة : 189]. ***** معاني المفردات: {الأهِلَّةِ}: جمع هلال، وهو القمر، يبدو دقيقاً في ليلتين أو ثلاث من أوّل كلّ شهر، ثمّ يزيد حتّى يمتلئ نوراً. ثمّ يعود كما بدأ ولا يكون على حالة واحدة كالشمس. {مَوَاقِيتُ}: جمع ميقات، وهو مقدار من الزمن جعل علماً لما يقدّر من العمل. {الْبِرُّ}: النفع الحسن. {ظُهُورِهَا}: الظهر: الصفحة المقابلة للوجه. {أَبْوَابِهَا}: الباب: المدخل. ***** هذا أسلوب جديد من أساليب القرآن في التربية، وهو أسلوب إثارة السؤال من خلال ما يقدّمه الآخرون من القضايا التي تدور في تفكيرهم، فيحاولون معرفتها بهذه الطريقة، وقد أراد الله للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أن يهتمّ بكلّ الأسئلة التي تطرح عليه، لأنَّ من حقّ الناس عليه أن يبتدئهم بالمعرفة إذا لم يسألوه، وأن يجيبهم إذا توجّهوا إليه بالسؤال، لأنَّ الله قد أرسله من أجل أن يزكّيهم، ويعلِّمهم الكتاب والحكمة، ويفتح لهم أبواب المعرفة على أوسع مدى وأرحب مجال. وقد يكون هذا التأكيد على الأسئلة التي كانت توجّه إلى النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من المسلمين، والأجوبة التي كان يقدّمها إليهم، ونقل ذلك في القرآن، إيحاءً بأنَّ الإسلام ينفتح على كلّ علامات الاستفهام التي تدور في أذهان الناس في القضايا التي تشغل تفكيرهم في حياتهم الخاصة والعامة، فمن حقّ الناس أن يطلقوا كلّ الأسئلة أمام القيادة الإسلامية، حتّى إذا كانت في مستوى النبوّة المتمثّلة بالنبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، لأنّ ذلك هو الذي يحرّك الإنسان في خطوات المعرفة. فقد ترد هناك بعض العناوين التي لا يملك الإنسان وضوح الفكرة فيها، وقد تنطلق بعض الأفكار المضادّة للعقيدة، أو للشريعة، أو للموقف القيادي، أو للواقع العام، ممّا يثير التساؤل أو الرفض.. ولا بدَّ للقيادة الفكرية والسياسية من الاستجابة لذلك كلّه بكلّ انفتاح ورحابة صدر وسعة أُفق، بعيداً عن كلّ تشنُّج أو انفعال؛ فليست هناك محرّمات أمام أيّ سؤال، لأنَّ التحريم يعني سدّ باب المعرفة لدى الناس ممّن لا يملكون الوضوح فيه، فيتحوّل الإسلام إلى حالةٍ معيّنةٍ متخلّفةٍ بعيدةٍ عن أيّة إمكانات للتقدّم والتطوير؛ ويجعل الناس يعيشون حالة التعبُّد في خطوط الفكر في الوقت الذي يقتصر فيه التعبّد على الجانب العبادي وبعض الجوانب العملية في التشريع، مع بعض الملاحظات التي تتحرّك لتتحدّث عن أسرار العبادة أو التشريع بطريقة قريبة إلى الوجدان. إنَّ الله سبحانه يتحدّث دائماً لنبيّه عن أنّه أنزل الكتاب عليه (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ليبيِّن للناس: {وَمَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل : 64]، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [إبراهيم : 4]، {لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَاذِبِينَ} [النحل : 39]. وذلك يعني أنّ على النبيّ أو الإمام أو العالم الداعية، أن يدخل مع الناس في التفاصيل التي يختلفون فيها فتتعدَّد آراؤهم حولها، ليعطيهم الحكم الفاصل في هذا الموضوع أو ذلك، لينطلق الناس في المعرفة على أساس من الوضوح في المبدأ والتفاصيل. إنّنا نلاحظ في الأسئلة التي بدأها القرآن في هذا الفصل، أنّها لا تقتصر على جانب واحد، بل تتنوّع فيها الموضوعات، فقد سألوا عن الأهلّة، وماذا ينفقون، وعن القتال في الشهر الحرام، وعن الخمر والميسر، وعن اليتامى، وعن المحيض، وعمّا أحلّ لهم، وأمثال ذلك ممّا يتّصل بملاحظاتهم التأمليّة، وبأوضاعهم الإنفقاية والقتالية، وبما يشربون وما يلبسون، وبما يطرأ عليهم من حالات جسدية، وبما يتفشّى بينهم من حالة اليتم والحرمان... وسألوا عن الساعة وعن توقيتها، وعن الأنفال من يملكها، وعن الروح ما هي، وعن الجبال كيف يكون مصيرها عند نهاية الكون ممّا يتّصل بالجوّ التأمُلي، وعن القلق المستقبلي والأشياء الموجودة في الطبيعة وعمق الذّات الإنسانيّة... فلا بدَّ من أن تكون هناك حالات وأوضاع وأشياء أثارت هذه الأسئلة في أذهانهم ممّا بيَّنه النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ولم يكن واضحاً في تفاصيله، أو ممّا لم يبيِّنه ممّا ترك للناس أمر السؤال عنه ليبيِّن لهم ذلك في الجواب. وإذا كان الله سبحانه يولي مثل هذه الأمور البسيطة الأهمية البالغة، فينزّل على نبيّه الأجوبة عنها على حسب المستوى الذهني الذي كانوا يتمتّعون به ليستريحوا إليه في ما يتأمّلونه أو يتعلّمونه؛ فهل يمكن أمام ذلك، أن لا يحمّل الله رسله والدّعاة إلى دينه المسؤولية في أن يستجيبوا للأسئلة الصعبة التي تتّصل بالعقيدة في أصولها وتفاصيلها، وعلى الخطوط العامة للمفاهيم الإسلامية لا سيّما في الحالات التي يعيش فيها الواقع الإسلامي الصراع بين الإسلام والتيّارات الأخرى المضادّة أو في داخل الإسلام في اختلاف المذاهب الكلامية والفقهية، بحيث تتحرّك من خلالها علامات الاستفهام في أكثر من موقع أو قضية ممّا يثيره الآخرون أو تفرضه أجواء الخلافات التي تثير الحيرة والقلق الفكري والروحي؟ إنَّ حركة الجواب في السؤال تستطيع أن تؤصّل للإنسان عقيدته وتفكيره، وتملأ بالصفاء روحه وعقله، وتقوّي قدرته على المواجهة والدخول في ساحات الصراع، ليحميَ مواقعه عندما تحتدم الأفكار وتعنّف الكلمات. ***** السؤال والجواب أسلوب تربوي: وقد نلاحظ أنّ أسلوب السؤال والجواب هو من أفضل الأساليب التربوية في تعميق الفكرة في وجدان الإنسان، لأنّك في الجواب تحدّث السائل عن نفسه عندما تعالج أسباب حيرته، فتفتح له أبواب المعرفة في ما يجهله، ما يجعله ينجذب إلى الكلمة انجذاباً وجدانياً بفكره وشعوره، لأنّها تمثّل ردّ الفعل لكلمته، ومفتاح الحلّ لمشكلته؛ فلا يستسلم في انفتاحه على الجواب لأيّة حالة شرود أو ذهول أو غفلة، لأنّ الإنسان لا يسأل عادة إلاَّ عن الأشياء التي تضغط على وجدانه وتنطلق من عمق اهتماماته، بينما نجد هذا الإنسان لا يندفع بمثل هذا المستوى لسماع محاضرة أو درس أو نقاش بين اثنين... فقد يقف موقف اللامبالاة، أو يستسلم لبعض الشروط الفكري أو الذهول الروحي، أو يبتعد عن الجوّ كليّاً من خلال قضايا أخرى أكثر أهمية من هذه القضية أو تلك. ولهذا نجد أنَّ القرآن لم يكتفِ بالجواب عن الأسئلة التي يقدّمها الناس إلى النبيّ، بل بادر إلى أن يطرح الأسئلة على الآخرين، فقد تعدَّدت الآيات التي فرضت الأسئلة التي لو أطلقت أمام الناس الذين قد يكفرون أو يشكِّكون، لانطلق الجواب من عمق الفطرة في إجابة حاسمة تؤكّد أصالة الإيمان في الفطرة كقاعدةٍ للمنهج في حركة التفكير، وذلك في قوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ} [العنكبوت : 61]. وقوله تعالى: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت : 63]. وقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُم مَّنْ إِلَـهٌ غَيْرُ اللّهِ يَأْتِيكُم بِهِ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ} [الأنعام : 46]. وقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ*قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [القصص : 71 ـــ 72]. وقوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاء مَّعِينٍ} [الملك : 30]. إنّها الأسئلة التي تقتحم على الإنسان ذاته في الحالة التي لا يعيش فيها العقدة المرضية التي توحي له بالجحود والعناد، بل يعيش فيها عفوية حركة ذاته مع الآخرين، لينطلق الجواب مع عفوية الحقيقة في أعماقه من خلال فطرته التي ترى الله في كلّ شيء. وتحدّثنا بعض الآيات كيف يطرح الله الجواب التفصيلي عن علاقته بعباده انطلاقاً من السؤال الذي يفرض أنّهم يقدّمونه إلى النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أو إلى كلّ داعية، لأنَّ طبيعة الأمور في إيمانهم بالله تدعو إلى مثل هذا السؤال الذي يحاول أن يستشرف أسرار الغيب في الذّات الإلهية المقدّسة في ما لا يملكون الوسائل العادية للوصول إلى معرفته، وهو قوله تعالى: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} [البقرة : 186]. ولا بدّ للعاملين في حركة التربية والدعوة الإسلامية من أن يأخذوا بهذا الأسلوب التربوي في مناهجهم وأساليبهم، انطلاقاً من المنهج القرآني الذي ينفتح على أقرب الطرق للوصول إلى عقل الإنسان وروحه في الدعوة والحركة. ***** يسألونك عن الأهلّة: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ} في اختلاف أشكال القمر منذ خروجه من المحاق إلى أن ينتهيَ إليه، كيف كان صغيراً ثمَّ يكبر ثمّ يعود صغيراً كما كان، كيف ذلك؟ ولماذا؟ وما الفرق بين القمر في هذا التنوّع في حجمه وبين الشمس في بقائها على حالةٍ واحدةٍ في الوضع الطبيعي في القانون العام؟ {قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} فللشمس وظيفة واحدة في النظرة العامة في رؤية الناس الحسيّة، وهي تحديد الليل في عملية الغروب والشروق. أمّا القمر، فإنَّ وظيفته هي التوقيت المتحرّك على مستوى الأيام في بداية الشهر ونصفه وآخره، وعلى مستوى الشهور، ما يفرض هذا النوع من الاختلاف؛ فهي مواقيت للنّاس في كلّ قضاياهم المتّصلة بنظام حياتهم، وهي ميقات للحجّ الذي يمثّل الاهتمام في الواقع الإسلامي وفي منطقة الدعوة. وهذا ما يفرض اختلاف الأوقات الذي يمكن أن يشير إليه اختلاف الشكل للقمر؛ والله العالِم. ***** 9 ـــ طريقة القرآن في إثارة القضايا: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} [البقرة : 219]. ***** في هذه الآية معالجة لقضايا دار الحوار حولها بين المسلمين وبين النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في بعض الأمور التشريعية ممّا كان يُبتلى به الناس؛ فقد سألوا عن الخمر والميسر، وهما من العادات المتأصّلة الجذور في حياة الناس آنذاك، ما يجعل من تحريمهما، أو الاتجاه نحوه، مشكلةً اجتماعيةً صعبةً. وكانوا يعتقدون، أو يخيّل إليهم، أنَّ التحريم لا يخضع لمصلحة الناس الحياتية، لأنَّ شرب الخمر يخفّف كثيراً من أثقال النفس وهمومها، ويبتعد بها عن أحزانها وواقعها السيّئ. وربّما يجدون في أنفسهم بعض الحاجة إلى الهروب من الواقع المرير إلى واقع لا أثر فيه للمرارة أو للمشاكل، تماماً كما هو النوم في حياة الإنسان، حيث تستريح فيه الأعصاب، ويهدأ معه الفكر، وتتجدَّد فيه القوى. ***** وحاول القرآن الكريم ـــ في جوابه عن ذلك ـــ أن لا يتنكَّر لهذه التصوّرات، ولا يتعسّف في توجيه الحكم الشرعي إليهم، فبدأ بإثارة الجوانب السلبية بإزاء الجوانب الإيجابية ليفكّروا فيها بهدوء، ليتحقّق لهم التوازن في تصوّرهم للأشياء وحكمهم عليها، لأنَّ ذلك هو السبيل القويم في سلامة المعرفة من الانحراف تحت ضغط العادة أو المنفعة أو الشهوة؛ وذلك هو قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ} [المائدة : 49] فإنّه يضع أمامهم التأثيرات السلبية في الحياة الاجتماعية العامة والخاصة، وفي الحياة الروحية التي يعيش فيها الناس مع الله في لحظة العبادة والتأمُّل، لأنَّ الخمر يذهب بالعقل، فيتصرّف الإنسان ـــ معها ـــ بفعل الغريزة التي تجمع الأحقاد وتفجّرها في طريقةٍ لا شعورية؛ بينما يساهم القمار في شعور الخاسر بالحقد تجاه الرابح، لأنّه قد أخذ منه ماله دون مقابل. هذا من جهة؛ ومن جهةٍ أخرى، يشارك الخمر والقمار من خلال الإدمان عليهما، في إبعاد الإنسان عن الذكر وعن الصلاة، وعلى هذا وجَّه القرآن الكريم سؤالاً، يقصد منه الاستنكار وطلب الكفّ عن هاتين العادتين بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} [المائدة : 91] كإيحاء خفيّ بأنَّ العاقل هو الذي يبادر بنفسه، من دون حاجة إلى تعليمات خارجية، لترك ما يفسد عليه أمر حياته وقضية مصيره. ***** القرآن والموازنة بين الإيجابيات والسلبيات: ثمَّ أراد القرآن الكريم أن يوازن بين الإيجابيات والسلبيات، فيحضرهما في وعي الناس في البداية، ثمّ يرشدهم إلى الحقيقة الموضوعية، وهي زيادة نسبة الجوانب السلبية في ممارستهما على الجوانب الإيجابية؛ ويترك للعقل الواعي عملية استخلاص النتيجة التي ستكون إلى جهة التحريم، لأنَّ العقل لا يقبل للإنسان أن يرتكب الفعل الذي يضرّه بنسبة كبيرة، لتحصيل منفعة ليست بذاك المستوى من الأهمية. أمّا كيف ذلك؟ فإنّنا قد نجد إلى جانب منفعة الخمر والقمار مفاسد لا تمثّل المنفعة القليلة ـــ معها ـــ شيئاً، فهناك المشاكل الصحية والمشاكل الاجتماعية التي قد تحدث كنتيجة طبيعيّة لغياب العقل في بعض الحالات مع بقاء الإنسان جزءاً من الحياة الاجتماعية في تصرُّفاته وحركاته، ما يسبّب كثيراً من الجرائم والانحرافات العامة والخاصة؛ إذ ليس في المجتمع محاجر عقلية تحجّر على المدمن حريّته في حال سكره، فتمنعه من قيادة السيارة أو غيرها، أو تمنعه من حمل السلاح، أو أن يعيش في بيته مع أطفاله، فليس هناك إجراءات تجعل المجتمع يتجنَّب نزوات السكّير وانحرافاته، كما يحصل مع الذين يفقدون عقلهم نهائياً، في مدّة قليلة أو كثيرة. هذا هو الخمر. وأمّا القمار، فقد نجد فيه ـــ إلى جانب ما ذكرته الآية السابقة ـــ انحرافاً اجتماعياً خطيراً، عندما يتحوّل الإنسان إلى كسب قوّته من طريق القمار تاركاً العمل وراء ظهره، ما يفقد المجتمع معه طاقة كبيرة أو صغيرة نافعة، ويؤدّي ـــ بالتالي ـــ إلى تدمير حياة المقامر وحياة أُسرته، لأنّها لا ترتكز على أساس متين لاعتمادها على "الشطارة الذهنية" للمقامر أو على غباء ملاعبه. وهكذا تنتهي عملية التوازن بين الربح والخسارة إلى انخفاض نسبة الربح بشكلٍ كبير جداً، بإزاء ارتفاع نسبة الخسارة بشكلٍ مماثل أو أكبر، ليضع القرآن الناس أمام الحقيقة الكبيرة التي غفلوا عنها، تماماً كما يفعل الذين يتذوّقون حلاوة السمّ، فينشغلون بلذّة الحلاوة عمّا في السمّ من خطرٍ مميتٍ على الحياة. ثمَّ يوحي ـــ من خلال ذلك ـــ إليهم، بأنّ التشريع، في ما يخطّط من تحريم وتحليل، لا ينطلق من نقطة العبث والالتذاذ بتقييد حريّة الآخرين، بل تبدأ انطلاقته وتنتهي في حدود مصلحة الإنسان الخاصة والعامة. فلا تحريم إلاَّ عندما تكون المفسدة أقوى من المصلحة، ولا تحليل إلاَّ عندما تكون القضية على العكس، سواء في ذلك ما اعتاده الناس وما لم يعتادوه، لأنَّ الحرية في التشريع الإلهي ليست مزاجية تخضع لانفعالات المزاج في حالات اللّذة والألم، بل هي واقعية أساسية تخضع للمصالح والمفاسد الحيويّة للإنسان في حركة الحياة وقاعدتها الرئيسية. وعلى ضوء ذلك، فإنَّ القرآن لم يزد شيئاً على تقرير هذه الحقيقة الواقعية في الخمر والميسر، فلم يقل لهم ما يجب عليهم أن يفعلوه، بل ترك الأمر للإحساس الفكري الصافي ببداهة النتيجة التشريعيّة التي تلتقي بالحكم الإسلامي الحاسم بتحريم الخمر والقمار بشكلٍ أساسيّ ونهائيّ، في هذه الآية الكريمة. ***** ما موقف الإسلام من الخمر والميسر؟ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} هل للإسلام موقف محدَّد منها؟ وهل هذا الموقف سلبيّ ينطلق في خطّ التحريم، أو إيجابيّ، في خطّ التحليل؟ لأنَّ هناك عادة عامة في أوساط الناس في الأخذ بهما، في الوقت الذي يتحسَّسون حدوث أكثر من مشكلة اجتماعية منها، {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ} فهما يختزنان في خصوصيّاتهما الذاتية معنى الذنب، في مضمونه الذي يوحي بالنتائج السيّئة التي تؤدّي إلى فساد في العقل أو في المال يعطّل الوضع الطبيعي المتوازن في الحياة، من خلال الضرر الذي يحدثه في واقع الإنسان في التعقيدات السلبية التي تصيب روحه وعقله، فتقعد به عن الحصول على النموّ العقليّ والروحيّ والتوازن في حركته في الحياة. فإنَّ الخمر يترك تأثيراته على عمر الإنسان، من خلال الأضرار التي يحدثها في الجسد؛ وقد يؤدّي إلى الضرر على الجنين الذي يولد من أبوين مدمنين، وإلى الكثير من المفاسد الأخلاقية والأضرار الاجتماعية والاقتصادية، حسب الدراسات الطبّية والنفسية والاجتماعية والاقتصادية. كما أنَّ القمار يترك تأثيره الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي على واقع المدمنين له، فيبعدهم عن العمل المنتج، الذي يحرّك طاقة الإنسان نحو الانتاج في المجالات التي تمثّل حاجات الناس في حياتهم العامة والخاصة. وفي ضوء ذلك، فإنّ كلمة الإثم تختزن في داخلها معنى الضرر. والظاهر أنَّ المراد بها الضرر الدنيوي لا الأخروي، لأنّه تابع للتحريم الذي تستوجب مخالفته العقاب في الآخرة. وهذا ما لم يكن معهوداً قبل الآية، ليتحدّث الله عنه كشيءٍ وجداني معلوم للنّاس في ذهنيّتهم الشرعية، لأنَّ الغرض أنّهم في موقع السؤال عن التحريم كموقف إسلامي، الأمر الذي يجعل الضرر الأخروي نتيجة للآية، لا تحليلاً للمسألة وتقريباً للصورة. وربّما يُستفاد ذلك من "المقابلة في قوله تعالى: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ}، فإنَّ النفع ـــ في مفهومه ـــ يقابل الضرر، فهما يتواردان في الأشياء التي يتطلّبها الناس لخصائصها الإيجابية أو يكرهونها لخصائصها السلبية، ما يجعل من ذكر أحدهما في مورد قرينة على إرادة مقابلة في مجال المقارنة بين الخصائص الكامنة في الشيء. وربّما كان المراد من المنافع حالة الفرج النفسي الذي يحدث في حالة السكر عندما يدخل الإنسان في غيبوبةٍ ذهنية ضبابيةٍ، توحي له بالمرح واللّهو والعبث، بحيث يتخفّف من قيوده الاجتماعية التي يفرضها عليه عقله، فيبتعد بذلك عن ضغط المشاكل النفسية والاجتماعية والاقتصادية ونحوها، ما يجعل من الخمر سبباً في الهروب من الواقع، بدلاً من أن يكون حلاًّ للمشكلة وتركيزاً للواقع. أمّا في القمار، فقد تكون المنافع متمثّلةً في الأرباح التي يحصل عليها أيّ جهدٍ أو تعبٍ ممّا يتكلّفه الناس في حركتهم المعاشية في الأسفار البعيدة والأخطار الكثيرة، بالإضافة إلى ما يستتبع ذلك من الحالة النفسية المرحة في حركة اللّعب الذي يؤدّي إلى الربح. {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} فإنَّ الأضرار التي تحدث للحياة الإنسانية الفردية والاجتماعية في جميع مجالاتها، في الخمر والميسر، أكبر من المنافع الحاصلة منهما، لأنَّ الهروب من الواقع، ونسيان المشاكل في لحظات السكر، قد يخدّر الآلام الكامنة في الواقع، من خلال مشاكل الإنسان الخاصة والعامة، ولكنّه لا يلغيها، بل قد تعود ـــ بعد الإفاقة منه ـــ بقسوة أكبر وألم أعمق، تماماً كما يحدث للمريض الذي يصرخ من الألم ثمّ يهدأ بتناول المخدرات، ليعود إلى آلامه بإحساس أكثر قسوة عند انتهاء مفعول التخدير. كما أنَّ النتائج السلبية الصحية والعقلية والاجتماعية الناتجة من السكر تدخله في أكثر من مشكلة تتعب حياته، وتدمّرها، وتؤدّي بها إلى الهلاك في بعض الحالات. وهكذا نجد القمار، في قضية المنفعة التي يحصل عليها المقامر في الأرباح الطارئة، فإنّها لا بدَّ من أن تلتقيَ في التجربة الثانية والثالثة وغيرها في اللّعب بالخسائر المدمّرة التي تجعل الربح ـــ الذي حصل عليه ـــ لا معنى له أمام خسارته الجديدة التي قد لا يبقى له معها أيّ شيء. وإذا كانت المضارّ أكبر من المنافع، فمن الطبيعي أن يحرّمهما الله، ولا يمكن له أن يحلّلهما، من خلال لطفه بعباده الذي يقرّبهم إلى ما يصلح أمرهم في الحياة، ويبعدهم عمّا يفسدها في أوضاعهم العامة والخاصة، لأنَّ التشريع وسيلة من الوسائل لإدخال الإنسان في ما يحبّه الله من الخير وإبعاده عمّا يبغضه من الشرّ، ويتّصل بالسلامة العقلية والروحية والجسدية للإنسان على الصعيد الفردي والاجتماعي، فالشريعة هي عناوين المصالح والمفاسد الكامنة في أفعال الإنسان، فلا يأمر الله إلاَّ بما فيه صلاح الإنسان، ولا ينهى إلاّ عمّا فيه فساد حياته. ولعلّ هذه المسألة، وهي تغليب الجانب الأقوى على الجانب الأضعف في مسألة التشريع في التحريم والتحليل، هي الطريقة العقلائية التي يجري عليها العقلاء في قضاياهم السلبية والإيجابية. فإذا كانت المصلحة أقوى من المفسدة في الفعل، كان الموقف إيجابياً لحساب المصلحة؛ وإذا كانت المفسدة أقوى من المصلحة، كان الموقف سلبياً لحساب المفسدة. ونلاحظ ـــ في هذا المجال ـــ أنّهم يقبّحون للإنسان اختيار ما كان ضرره أكبر من نفعه، ويذمّونه على ذلك، ويعتبرونه سفيهاً، ولهذا يحجّرون على أموال السفيه وعلى تصرُّفاته العقدية، لأنّه لا يدرك الفاصل بين المضار والنفع، ولا يتحرّك في اتجاه اختيار النفع على الضرر. وفي ضوء ذلك، نستفيد من هذه الفقرة، أنّ الله سبحانه، أراد بيان التحريم بهذه الطريقة، انطلاقاً من الارتكاز العقلائي الذي يتحرّك تلقائياً لتقرير النتيجة من خلال هذه القاعدة بتحريم ما يتمثّل فيه ذلك في حركة الواقع أو في خصائصه الذاتية. الآية في خطّ الدعوة والتربية: وقد نستطيع استيحاء هذا الأسلوب في حركة الدعوة، بأن نثير أمام الناس إيجابيات القضايا بالإضافة إلى سلبياتها، سواء كان ذلك في المسائل التي يطرحها الإسلام في مفاهيمه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أو التي يؤمن بها الآخرون ممّا لا يؤمن به الإسلام في شريعته. فإنَّ التأكيد على الإيجابيات في جانبنا، والسلبيات في جانب الآخرين، يوحي بالتعصّب للموقع الذاتي ضدّ مواقع الاخرين؛ بينما يمثّل التوازن بين الخطّين الاعتدال والموضوعية والعدالة في النظرة إلى مواقع الخلاف؛ الأمر الذي يجتذب الناس إلى الإسلام، انطلاقاً من أسلوبه العقلاني الموضوعي القائم على احترام عقل الآخر وموقعه وانتمائه، بحيث تكون قضية الصراع قضية تجاذب فكري، وحركة إنسانية في دراسة الأفكار المختلفة ومناقشتها، والتأكيد على أنّ الحوار الموضوعي هو الأسلوب المنتج في إيصال الناس إلى مواقع الحقّ في قناعاتنا الفكرية. وهو أسلوب تربوي لا بدَّ من تحريكه في خطّ المنهج التربوي، الذي يربّي الإنسان المسلم على أن لا ينظر إلى الأمور من جانبٍ واحد، لتكون الحياة دائرةً بين الأبيض والأسود بشكل مطلق؛ فلننظر إليها من كلّ جوانبها، فهناك الواقع الذي يحمل اللونين معاً، اللّذين قد يلتقي أحدهما مع الآخر بدرجة متساوية، وقد يغلب أحدهما الآخر فيعطي للفعل أو للشيء صورته الغالبة، الأمر الذي يفرض على الإنسان أن يوازن بين الجوانب، ليكون اختياره منطلقاً من دراسة مقارنة، فلا يخضع للحالات الانفعالية السريعة ولا للنظرة الارتجالية العابرة، بل يخضع للعمق الفكري الذي ينفذ إلى جوهر الشيء ولا يقتصر على سطحه، فيكون اختياره خاضعاً للنتيجة الحاسمة في هذه الموازنة بين الأمور. وهذه الآية توحي بفكرة عامة، وهي أنّه ليس هناك إيجاب مطلق أو سلب مطلق في الحياة، لأنَّ كلّ ما في الكون من موجودات وأفعال هو محدود بحدوده الذاتية والزمانية والمكانية. والله ـــ وحده ـــ هو المطلق، لذلك ليس هناك خير لا شرّ فيه، ولا شرّ لا خير فيه. فقد يختزن الخير بعض الشرّ في ذاته، وقد يختزن الشرّ بعض الخير في مورده، لأنّ طبيعة الحدود تفرض ذلك؛ فتكون خيرية الشيء برجحان جانب الخير فيه، كما تكون غلبة الشرّ برجحان جانب الشرّ فيه، ولا قيمة للعنصر المغلوب أو الضعيف هنا في مسألة التشريع. إنَّ هذه النقطة لا بدّ من التركيز عليها في ما يواجهه المسلمون من النقد الذي قد يوجّهه الكافرون، من إثارة النقاط السلبية في بعض المفاهيم أو التشريعات الإسلامية، ما قد يجعل الدّعاة والمبلّغين في موقف حرج شديد الصعوبة، عندما يجدون صحّة هذا النقد في واقع الإسلام في مفاهيمه وأحكامه، ولكنّنا ـــ أمام الملاحظة المذكورة ـــ نجد أنّ اعترافنا بوجود السلبيات في التشريع أو في المفهوم الإسلامي، لا يعني سقوط التشريع أو خطأ المفهوم، لأنّ ذلك يمثّل واقع الحياة في كلّ حقائقها الفكرية أو العملية؛ ولذلك فإنَّ علينا مواجهة المسألة بالحديث عن الإيجابيات الكامنة في داخل الحقيقة الإسلامية، مع غلبة هذا الجانب الإيجابي على الجانب السلبي. وبهذا نتفادى الكثير من المآزق الجدلية ومن ضعف الموقف، لنحوّله إلى مأزق للآخرين وإلى موقع قوّة يرتكز على النظرة العلمية الموضوعية للأشياء والمواقف. ***** العفو من الإنفاق: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ}: جاء في الدرّ المنثور في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ} عن ابن عباس: "أنَّ نفراً من الصحابة، حين أمروا بالنفقة في سبيل الله، أتوا النبيّ فقالوا: إنّا لا ندري ما هذه النفقة التي أمرنا بها في أموالنا، فما ننفق منها؟ فأنزل الله {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ} وكان قبل ذلك ينفق ماله حتّى ما يجد ما يتصدَّق به"(1). وسألوه عمّا ينفقون من أنواع الأطعمة والألبسة والأموال، فلم يحدّد لهم شيئاً في الجواب، لأنَّ تعيين ذلك لا يمثّل شيئاً في حساب القيمة الأخروية عند الله، ما دامت القضية ترتكز على حلّ مشكلة الفقير من خلال التكافل الاجتماعي من جهة، وعلى تربية المؤمن على روح العطاء من جهةٍ أخرى. ولذلك اكتفى بكلمة "الْعَفْوَ" التي تعني الفضل. {قُلِ الْعَفْوَ}. وقد اختلف المفسّرون في تطبيق هذه الكلمة على الواقع العملي، فقال بعضهم: إنّه ما فضل عن الأهل والعيال، أو الفضل عن الغنى. وقال بعضهم: إنّه الوسط من غير إسراف ولا إقتار، وهو المروي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام). وقال بعضهم: إنّه ما فضل من قوت السنة(2)، وهو المروي عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام). وقد تلتقي هذه المعاني حول معنى واحد، وهو أن لا يترك تأثيره على حاجاته الأساسية ممّا يتّصل بمسؤولياته عن نفسه وعياله على النحو المتعارف. {كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ} الدّالة على حقائق الأشياء ممّا يتعلّق بالتشريع في مسؤوليّاتكم العامة والخاصة، فتتعرّفون حكمة الله في تشريعاته في أقوالكم وأفعالكم، ليظهر لكم كيف يريد صلاحكم. كما يبيّن لكم الآيات المنتشرة في الكون في كلّ مخلوقات الجامدة والنامية والحيّة التي تكشف لكم عن عظمة الإبداع وسرّ الخلقة، {لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ} وتهتدون بالفكر المتحرّك الباحث عن كلّ حقيقة في الأرض وفي السماء وفي الحياة والإنسان، فتحصلون على الثقافة العلمية التي تنمّي مدارككم وفهمكم وانفتاحكم على حقائق العقيدة والإيمان، {فِي الدُّنْيَا} لتعرفوا كيف هي الدنيا في نطاق مسؤوليّاتكم من حيث هي دار ممرّ لا دار مقرّ، وساحة عمل لا ساحة لهو وعبث، ومزرعة للآخرة لا غاية في ذاتها، لتتحرَّكوا فيها في ما تفعلون وتتركون في هذا الاتجاه لتحقيق تلك الغاية. {وَالآخِرَةِ} [البقرة : 219] التي هي دار الحيوان والخلود، فسعادتها هي السعادة وشقاؤها هو الشقاء، فلا بدَّ لكم من الاستعداد لها لتواجهوا نتائج المسؤولية بين يديّ الله. وهذا هو الإيحاء الإيماني الدائم، الذي يوحي به الله للإنسان، ليكون على وعي دائم لنفسه ولحركته في الحياة في الدنيا والآخرة، بعيداً عن أيّة حالة غفلة أو نسيان. وهناك نقطة ثانية لا بدَّ من الانتباه إليها، وهي أنَّ الدعوة إلى التفكير التي تشمل العمل على أساس الوصول إلى معرفة حكمة التشريع وعلل الأحكام، توحي بأنَّ الإسلام لا يريد للإنسان أن يبتعد عن السعي للتعرُّف على المفاهيم الإسلامية والعقائد الإيمانية والأحكام الشرعية، وذلك كي يصل إلى حقائقها وأسرارها بالفكر العميق، ليزداد بذلك إيماناً وهدى، فلا يكلّف الإنسان الإنفاق من ضرورياته المعاشية، بل يكفيه ـــ في إطاعة هذا التشريع ـــ أن ينفق ممّا يزيد عن حاجاته الأساسية، وبذلك كان الإسلام منسجماً مع الطبيعة البشرية التي لا قد تستجيب للإيثار دائماً، وإن كانت قد تسير معه في بعض مراحل الحياة. وقد كان ختام الآية دعوة للتفكير في آيات الله التي يبيّنها للإنسان، ليفكّر فيها فيهتدي بها إلى سواء السبيل. ***** الدعوة: إعداد الدُّعاة تحديد الخطوط العامة للدّعاة في خطّ الرسالة ـــ الدّعاة وضرورة القناعة والتواضع ـــ بين أخلاق الرسول وأخلاق الرسالة ـــ إيحاءات تربوية ـــ الداعية ومواجهة التحدّيات ـــ الدّعاة يتوكّلون على الله ـــ الدّعاة وإغراءات الانضمام إلى المجتمع المترف ـــ الدّعاة في مواجهة الأساليب الملتوية ـــ التغيير يبدأ من الداخل ـــ تحذير من استغلال الدّعاة لمناصبهم. 1 ـــ تحديد الخطوط العامة للدّعاة في خطّ الرسالة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً*وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً*وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [الأحزاب: 1 ـــ 3]. ***** ما هي الخطوط العامة التي يحدّدها الله لنبيّه وللمسلمين من خلاله ليسيروا عليها في التزامهم الإسلامي، ليحتفظوا لأنفسهم بالصفاء الروحي في العقيدة، وبالثبات العملي في الشريعة، وبالاستقامة على الطريقة الواضحة، والاستسلام الكامل لله والانفتاح عليه في كلّ شيء، والثقة برعايته وتدبيره وعنايته في كلّ الأمور؟ إنّها الخطوط العامة التي قد يحتاج المسلم إلى أن يلتزمها في رحلته في الحياة إلى الله، في ساحة التحدّيات التي تحاول أن تهزّ قناعاته، وتزلزل مواقعه، وتبعده عن خطّه، وتنحرف به عن أهدافه، لأنّ النفس قد تميل عن الحقّ بفعل الضغوط النفسية، التي تضغط بها الجماعات المنحرفة أو الظروف القاسية، ما يفرض على المسلم الملتزم أن يبحث عن العناصر التي تثبّته على الخطّ، وتستقيم به على الطريق. هذا ما يمكن أن نستوحيَه من هذه الآيات. ***** اتباع خطّ التقوى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} هذا هو الخطّ الأوّل الذي يشمل كلّ تطلُّعات المسلم في الحياة، وكلّ مشاريعه وخطواته وعلاقاته مع الآخرين، كما يحدّد له طبيعة مشاعره وعواطفه وأفكاره وموقفه من ربّه ومن نفسه. إنّه خطّ التقوى الذي ينطلق من الإحساس العميق الشامل الممتدّ في النفس بالحضور الإلهي الذي يستولي على الوجود كلّه، فلا تحسّ بغيره، لأنّ حضور كلّ مخلوق مستمدٌّ من حضوره ودليلٌ عليه، لأنّه السرُّ الأساس لوجوده. وهذا هو الذي يوحي للإنسان بالرهبة الروحية والرقابة الذاتية الدائمة، عندما يلتفت إلى موقعه من الله ومسؤوليّته أمامه، فيستسلم إليه استسلاماً كليّاً يمتد إلى كلّ موقعٍ من مواقع حياته، ليكون صورة لما يرضى الله له. وهكذا نجد أنّ كلمة التقوى تختصر الإسلام كلّه في جانبه العملي، كما تختصر كلمتا الإيمان والإسلام المعنى في صورته العقيدية والتصوريّة، فقد لا يكفي في الإنسان المسلم أن تكون تصوّراته الذهنية أو الشعورية إسلاميةً، بل لا بدّ له من أن يملك الحركة الإرادية التي تحقّق له الإسلام العملي في صورته الواقعية. ومن هنا كانت التقوى تمثّل الخطّ الأول في حركة الرسالة في شخصية المسلم، لأنّها تختزن الإسلام الحياتيّ الذي يتحرّك من قاعدته في الداخل إلى ساحته الواسعة في الخارج. ***** الهدف من الخطاب بالتقوى للنبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): وإذا كان الخطاب بالتقوى للنبيّ، وهو في قِمّة الممارسة العملية للتقوى في تلك المرحلة من نزول الآية، فإنّ الهدف من ذلك يتحقّق في خطّين: الخطّ الأوّل: تقديم النموذج الأعلى للتقوى، من خلال شخصية النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) التي وصلت في هذا الموقع إلى الدرجة العليا التي لا يقترب منها أحد، ليتطلّع الناس إليها في دائرة الواقع، فيهتدوا بها ويقتدوها في حركتهم نحو الله. الخطّ الثاني: الإيحاء للأُمّة بأنّ الخطوط العامة في الإسلام، في ما شرّعه الله وأراده، ليست مقصورة على الناس المسلمين في مخاطبتهم بالسير عليها، بل هي شاملةٌ للنبيّ قبل أن تشملهم، لأنّه المسلم الأوّل في حركة الإيمان وخطّ العمل، ولهذا كان الأسلوب القرآني ينطلق في مخاطبة الأُمّة من خلال توجيه الخطاب للنبيّ للإيحاء بأنّ القِمّة والقاعدة سواءٌ في الالتزام بخطّ المسؤولية العامة في الإسلام، {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} وهذا هو الخطّ الثاني الذي يعالج الواقع الذي يحيط بالنبيّ، أو بالداعية، أو بالمسلم بشكلٍ عام. فقد يعيش مشكلة ضغط القوى الكافرة في ساحته، أو بالمسلم بشكلٍ عام. فقد يعيش مشكلة ضغط القوى الكافرة في ساحته، أو فيما حوله من الساحات الضاغطة على ساحته، وقد يواجه مشاكل القوى المنافقة التي تعيش في داخل المجتمع فتربك الواقع من حوله. وقد يطرح عليه هؤلاء أو هؤلاء بعض المشاريع التوفيقيّة التي قد تدعوه إلى تقديم بعض التنازلات لحساب خطّهم العقيدي أو العملي، في مقابل أن يحصل على بعض الامتيازات لديهم، في ما يمنحونه من حريّة الحركة في بعض المواقع، أو في ما يتنازلون له عن بعض المواقف، تماماً كما نلاحظه في بعض الأساليب التي يتّخذها الكافرون والمنافقون في دعوتهم المسلمين إلى الاكتفاء بالجانب العقيدي والعبادي من إسلامهم، والانتماء إلى العقائد الأخرى في الجانب السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، أو تأييد شخصية كافرة أو منحرفة أو ظالمة، تحت تأثير بعض الخطوط السياسية التي قد تفرضها الظروف المحيطة بالواقع، أو غير ذلك من الأمور التي تدفع بالإسلام في حياة المسلم، إلى زاويةٍ ضيّقةٍ تحدَّد فيها كلّ مواقعه وتطلُّعاته، لتكون الساحات الكبرى في حياته لغير الإسلام، لينسحب المسلم تدريجياً من الإسلام عندما يعيش داخل أجواء الآخرين الذين يخطّطون لذلك من خلال وسائل الترغيب والترهيب. ولهذا كان الرفض الإسلامي حاسماً في هذا المجال، في الامتناع عن طاعة الكافرين والمنافقين في كلّ مخطّطاتهم، لتأكيد الفواصل الفكرية والعملية فيما بين المسلمين وبينهم، وتوجيه المسلمين إلى السير في الخطّ المستقيم الذي لا مجال فيه إلاّ لطاعة الله وحده. ***** التحرُّك في الشعار من موقع الإسلام: وإذا كان البعض يتحدّث عن موافقة الإسلام لبعض الاتجاهات الأخرى في هذا الموقع أو ذاك، فإنّ هذا لا يعني إطاعة الكافرين والمنافقين الذين يمثّلونها، لأنّ معنى ذلك، هو أنّ الموقف إسلاميٌّ يتّفق الآخرون فيه مع الإسلام، فتكون الطاعة فيه لله، والالتزام به من موقع الإسلام، لا من موقع الآخرين. وهذه النقطة جديرةٌ بالوعي والاهتمام، وهي أنّنا إذا اتّفقنا ـــ كمسلمين ـــ في أيّ شعارٍ أو خطّ سياسي أو فكري مع الآخرين، فإنّ علينا أن نتحرّك في الشعار أو الخطّ من مواقعنا الإسلامية لا من مواقع الآخرين، وذلك بتأكيد الصفة الإسلامية في الحركة، والإيحاء بالملامح التي تميِّز العنوان الإسلاميّ عن عناوينهم اللاإسلامية، لئلا تضيع المسألة في أجواء الوفاق. {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} فقد خطَّط لك الطريق من موقع علمه وحكمته في ما يصلح جمهور الناس كلّهم والحياة كلّها. ***** اتباع وحي الله والتوكُّل عليه: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} وهذا هو الخطّ الثالث الذي يمثّل خطّ السير المستقيم الذي يؤكّد البداية والنهاية وما بينهما، فللمسلم فكره الذي أوحى به الله، وشريعته التي جاء بها الرسول، ومنهجه الذي تحدَّث به القرآن، ممّا يتضمّنه عنوان الإسلام في مضمونه العقيديّ والحركيّ، فليس للمسلم أن ينحرف أو يبتعد عنه، بل لا بدّ له من أن يلتزمه بكلّ دقائقه وتفاصيله، لأنّ ذلك هو المعنى الدقيق للشخصية الإسلامية في ملامحها الواقعية. وذلك هو الذي ينبغي أن يستشعره في داخل وعيه الإسلامي من خلال الإيمان بما أكّدته الآية من اطلاع الله على كلّ ما يعمله الإنسان المسلم في كلّ حياته السرية والعلنية. {وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} في كلّ أمورك، وتابع سيرك، بعد أن تُحكم كلّ أمرك، في ما تحتاجه من عوامل وعناصر وشروطٍ وظروفٍ، ولا تخف من تهاويل الأشباح المخيفة التي يثيرها الكافرون والمنافقون في طريقك، ولا تعش القلق من المستقبل عندما تواجهك احتمالات الخوف في آفاقه، فإنَّ الله هو الذي يضمن لك الرعاية والحماية، في ما لا تملك معرفته أو السيطرة عليه، أو ما يمكن أن يفاجئك به الزمن، أو ما يمكن أن يختفيَ خلف الواقع المنظور. وتلك هي قصّة الإيمان في المؤمن، أن تكون ثقته بالله هي القاعدة التي يرتكز عليها في ثقته بنفسه وبالحركة التي يتحرّكها، على أساس مواجهته لكلّ الاحتمالات من خلال جهده، ومن خلال التوكُّل على الله الذي يملك الأمر كلّه في السماوات والأرض، ويملك حركة عباده، وهو الذي يكفي من كلّ شيء ولا يكفي منه شيء. {وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} فلا يحتاج الإنسان المؤمن إلى وكيلٍ آخر يرعى أموره ويدبّر حياته إذا اعتمد على الله، لأنّه وحده القادر على كلّ شيء. ***** 2 ـــ الدُّعاة وضرورة القناعة والتواضع: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} [الحجر : 88]. ***** معاني المفردات: {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ}: لا تنظر. {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ}: تواضع، خفض الجناح كناية عن التواضع. ***** {لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ} أي ما لدى الكافرين من الزينة والمال والجاه، فإنّ ذلك لا يمثّل قيمة تدعو إلى تعظيمهم وإكبارهم، وتدفع أصحاب النفوس الضعيفة إلى الشعور بالانسحاق والانبهار أماهم، فإنّ ذلك كلّه عرض زائل، لم يمتّعهم الله به لرفعة منزلتهم عنده، ولكن ليبتليهم به، ويختبر كيفية مواجهتهم له بالشكر والانسجام مع مسؤوليّتهم أمام الله. فلا تلتفت إلى ذلك، وأعرض عنهم وعن كلّ ما يحيط بهم من زخارف الحياة الدنيا {وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ} في ما تلقاه منهم من كفر وتمرُّد وابتعاد عن الله، لأنّهم لا يستحقّون ذلك، فقد أقمت عليهم، بما قدّمته إليهم من دلائل وبراهين، الحُجّة من الله، ولكنّهم تمرَّدوا واستكبروا وساروا بعيداً في خطّ الانحراف، ما يجعل قضيّتهم قضية من يرفض الرحمة التي قدّمت إليه، لا قضية من يستحقّ الرحمة لما وقع فيه. إنّها قضية الاختيار السيّئ الذي لا يلتقي بالخير، فلا بدّ من تركه ليمتدّ في طريق الشرّ، ويمعن في السير فيه بعيداً إلى الوادي السحيق. {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} الذين أخلصوا الله إيمانهم، وتحمَّلوا الكثير في سبيل الوصول إليه، وجاهدوا من أجل الثبات على إيمانهم، وعملوا الكثير من أجل الدعوة إليه، إنّ عليك أن تعطيهم الرحمة كلّ الرحمة، والتواضع كلّ التواضع في روحك وكلماتك وأسلوبك في التعامل معهم، حاول أن تجعلهم يسكنون إليك، وينفتحون عليك، فلا يشعرون بالحرج من الحديث معك، عن كلّ ما يحسُّون به من آلامٍ وهموم وآمال، بل يجدون عندك القلب المفتوح الذي يستقبل كلّ أمورهم، ليواجهها بالرّفق والانفتاح والحنان، لتحلّ لهم ما أشكل عليهم من قضايا وتقضي لهم ما يريدونه من حاجات، لأنّهم جناحك الذي به تطير، وقاعدتك التي تنطلق منها نحو المستقبل الذي تتحرّك فيه أجيال المؤمنين، لتحمل عبء الرسالة في الدعوة والحركة والجهاد. وتلك هي دعوة الله لكلّ العاملين الذين يتسلّمون مركز القيادة في الدعوة، أو الحكم، أو الواقع السياسي أو الاجتماعي، ما يحقّق لهم موقعاً متقدّماً في السلّم الاجتماعي يدفعهم إلى الشعور بالعلوّ، أو بالبعد عن المؤمنين المستضعفين الذين يحتلون في حركة حياتهم أسفل درجات السلّم الاجتماعي، لافتقارهم إلى مقوّمات الضغط على الواقع من مال وجاه أو غير ذلك، فليس لهم إلاّ إيمانهم الصادق، وتصميمهم على السير في هداه، بكلّ ما لديهم من عزمٍ وصدقٍ وإرادة. إنّ الله يريد للقادة أن ينفتحوا على القاعدة الإيمانية، باعتبار الإيمان قيمةً ترفع المؤمن إلى أعلى درجات السلّم في المجتمع الإيماني، بعيداً عن كلّ اعتبارات المال والجاه، وإلاّ كان القائد منفصلاً عن الخطّ، وبعيداً عن أجواء الإيمان وأجواء الله. وهذا ما لا يريده الله للعاملين في سبيله الذين يجب أن يعطوا المؤمن كلّ القوّة، لأنّ ذلك الموقف هو الذي يحقّق لحركة الإيمان القوّة، حيث يشعر المؤمن بالمعنى العميق لقيمة الإيمان، وحيث يتحدّى القائد امتيازات المجتمع المنحرف، بالوقوف إلى جانب من لا يملك تلك الامتيازات من المؤمنين. ***** 3 ـــ بين أخلاق الرسول وأخلاق الرسالة: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران : 159]. ***** معاني المفردات: {فَظّاً}: غليظ القلب جافياً سيّئ الخلق، خشن الكلام. {غَلِيظَ الْقَلْبِ}: قاسي القلب. {لاَنفَضُّواْ}: لتفرَّقوا وتباعدوا. والفضّ: تفريق الشيء. والانفضاض: التفرُّق. {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ}: أي: اطلب ما عندهم من الرأي لتقدّم لهم ما عندك منه، فإنَّ معنى المشورة في قولك: شاورت فلاناً: أظهرت في الرأي ما عندي وما عنده. {عَزَمْتَ}: العزم: عقد القلب على الشيء تريد أن تفعله. {فَتَوَكَّلْ}: التوكّل على الله: هو تفويض الأمر إليه والثقة بحسن تدبيره. ***** تلتقي هذه الآية بالصورة المشرقة المتمثّلة في رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، في قلبه الكبير الرحيم الرقيق الذي يتّسع لكلّ مشاكل المسلمين وأخطائهم، فلا يتعقّد ولا يتشنَّج ولا يضيق ولا يقسو، بل ينفتح ويتّسع ويرقّ ويلين، وفي أسلوبه الرقيق الذي يتفايض بالأحاسيس الطيّبة والمشاعر الطاهرة والنبضات الرحيمة، فلا تتحرّك كلماته من موقع قسوة لتؤذيَ المشاعر، ولا تنطلق من حالة فظاظةٍ لتُدميَ الإحساس، بل هو اللّين والرحمة واللّطف والعاطفة الحميمة التي تدخل إلى القلوب بكلّ عفوية وبساطة ومحبّة. وتلك هي شخصية الإنسان الرساليّ في ما يريده الإسلام للرسالة من سمات في حركة الرسول والداعية، فقد ينبغي أن نتعلّم من شخصية رسول الله في خطواته العملية في أسلوبه في الدعوة، أنَّ علينا التوقّف أمام حقيقة إنسانيّة إسلاميّة، وهي أنَّ أخلاقية الرسول أساسيّة في حركة الرسالة، فلا يكفي في نجاحه أو نجاحها أن يملك الفكر العميق الذي يستطيع من خلاله أن يقنع الآخرين بالحُجّة والبرهان، أو يملك القوّة العظيمة التي يسيطر بها على خصومه بالوسائل العنيفة القاسية، بل يجب أن يتّصف بالأخلاقة العالية التي لا تعيش في خارج ذاته بطريقة تمثيليّة ظاهريّة، بل تتعمّق في داخل الذّات رحمةً ومحبّة وانفتاحاً على الناس ووعياً للظروف الموضوعية المحيطة بهم، ليكون التعامل معهم من موقع الفهم الواعي لمشاكلهم الحقيقيّة ولنوازعهم الذاتية، فتتحرّك الرحمة في نفس الرسول، في ممارسته لأسلوب رسالته، في دراسة كلّ المؤثّرات في ما يختاره من الكلمات اللّطيفة والأساليب الحكيمة والأجواء الموحية، لتصل الدعوة إلى قلوب الناس في الوقت الذي تصل فيه إلى عقولهم، لأنَّ قيمة الرسالة في حركة الشخصية الإسلامية، تتمثّل في تحوّلها إلى وعي للفكرة في عمق الذّات وانسجام عفويّ مع كلّ آفاقها وأفكارها، بحيث تنطلق منها انطلاقة النهر من قلب الينابيع والشعاع المتفجّر من قلب الشمس. وهكذا كان رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في أسلوب رسالته الذي يمثِّل أسلوب شخصيّته في خُلُقه العظيم وقلبه الكبير، فاستطاع من خلال ذلك أن يدخل الرسالة إلى كلِّ قلب، وأن يطلق صوتها في كلّ فم، وأن يحرّك شريعته في قلب كلّ مساحة من مساحات الحياة. وهذا هو سرّ نجاح الداعية في الدعوة، فليس له أن يستسلم لنوازعه الذاتية ليفرضها على الدعوة، بل ينبغي له أن يصوغ شخصيّته صياغة إسلاميّة، تنبع من روح الإسلام وخلقه كما تتحرّك مع فكره، ويترك مزاجه الشخصي لأجوائه الفرديّة التي تبتعد عن جوّ الدعوة والعمل. ***** سرّ العظمة في أخلاق النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ} أي فبرحمة وما زائدة بإجماع المفسِّرين ـــ قاله صاحب مجمع البيان ـــ قال: ومثله قوله: عمّا قليل، جاءت (ما) مؤكّدة للكلام، ودخولها تحسن النظم كدخولها لاتّزان الشعر في نحو قول عنترة. يا شاةَ ما قَنَصٍ(1) لِمَنْ حَلَّتْ لَهُ حَرُمَتْ عَلَيَّ وَلَيْتَهَا لَمْ تُحْرَمِ(2) ويكون معنى الآية: أي سبب الرحمة التي رحم الله بها المسلمين الذين اتّبعوك وآمنوا بك، وما أودعه في شخصيّتك الرسالية من محبّة لهم وانفتاحٍ على قضاياهم وإحساسٍ بالمسؤولية في تثبيتهم على الخطّ الإيماني والتزامهم به، وفي إبعادهم عن حالة الاهتزاز النفسي التي قد تحرّكها في الذّات الأجواء السلبيّة، التي قد تسيطر عليها من خلال ردود الفعل على قسوة هنا وغضبٍ هناك، وتشنّج من الداعية في بعض المواقع، {لِنتَ لَهُمْ} فكنت الرقيق في أسلوبك وكلامك معهم وخطابك لهم، والرّقيق في نبضات قلبك أمام آلامهم وأحلامهم ومشاكلهم، والمتسامح معهم إذا أخطأوا، والمتساهل معهم إذا خالفوا تعاليمك. وذلك هو سرّ العظمة في أخلاقه النبويّة وروحيّته الإنسانية وسلوكيّته الإسلامية التي تعمّق إحساس النبيّ بالآخرين في خطّ الانتماء، وانفتاح الإنسان على الناس الذين يلتقي بهم في الخطّ الفكري والعملي، لتأكيد الانتماء والعلاقة القوية وحركية المسلم الداعية في تقوية روحية المسلمين في مواقع الصراع. {وَلَوْ كُنتَ فَظّاً} أي فظّ اللّسان والطباع، خشن المعاملة، سيّئ الخلق، {غَلِيظَ الْقَلْبِ} في قسوة الإحساس الداخلي في خفقاته ونبضاته بالطريقة السلبيّة، {لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ} أي لتفرّقوا عنك، لأنّ الناس يبتعدون عن أيّ شخص يغلق قلبه عنهم، ويقسو في المعاملة معهم، ويضغط بالخلق السيِّئ على مشاعرهم، لأنَّ النفس مجبولة على النفور ممّن يسيء إليها، كما هي مجبولة على حبّ من أحسن إليها. وهكذا كنت ـــ يا محمّد ـــ تمثّل الرسول القائد الذي ينطلق بروحية الرسالة وعفوية الإنسانية لاحتضان الناس الذين اتبعوه وعاشوا معه، كوسيلة من وسائل تأكيد قوّة الرسالة في جمهورها والتزام جمهورها بقيادتهم الحكيمة الحميمة. ***** المسلمون وعفو الرسول عنهم: ولا بدّ للرسول في الدعوة، وللداعية في وعيه للعمل، من أن يعيش الأجواء الواقعية للمسلمين في ما يقعون فيه من الأخطاء، أو يتأثّرون به من الانحرافات، أو يخضعون له من الضغوط الخاصة والعامة، انطلاقاً من حركة الصراع في داخل النفس التي قد تؤدّي إلى الحقّ، وقد تقع في قبضة الباطل، وذلك بإفساح المجال لهم للتراجع عن الخطأ، والاستقامة في مواقع الانحراف، والرجوع إلى الحقّ في مواطن الباطل. بالابتعاد عن الإيحاء الدائم بذلك كعقدةٍ مستعصيةٍ غير قابلة للحلّ، أو كجريمةٍ غير خاضعة للعفو، فلا بدّ من إعطاء المجال للعفو عن كلّ ذلك والمغفرة للفاعلين، للإيحاء لهم بأنَّ الخطيئة ليست ضريبة مفروضة على الإنسان، وأنّ الانحراف ليس قَدَر الإنسان في حركته في الحياة، بل يمكن له أن يتحرّر من هذه أو ذاك في عملية تجديد الشخصية في خطّةٍ روحيّة فكريّة عمليّة، تحتوي كلّ أوضاع الإنسان في كلّ ما يقوله وما يفعله، وهذا ما أراد الله سبحانه أن يثيره أمام رسوله: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ} داعياً له إلى العفو عن المسلمين الذين يخطئون في حالة السلم وفي حالة الحرب في ما يتعلّق بحقوقه كرسول وقائد وحاكم. وإلى الاستغفار لهم في ما يتعلّق بحقوق الله من ترك طاعته والإقبال على معصيته، ليستقيم لهم الطريق من جديد، وتتحرّك الطاعة في حياتهم على طريق الله. ***** وشاورهم في الأمر: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} وهذا توجيه عمليّ آخر يوجّه به الله رسوله، ويوجّه الأُمّة من خلاله، وهو مبدأ المشاورة في الأمور التي تمسّ حياتهم وحياة الإسلام بشكلٍ عام في ما يريد أن يقوم به الرسول من عمل، أو يقرّره من قرار، أو يخطّط له من وسائل وأهداف في حالة السلم وفي حالة الحرب، ليحقّق من خلال ذلك أمرين تربويين عمليين في حركة العاملين في الحياة: الأوّل: التخطيط للسلوك الفردي والاجتماعي على أساس الابتعاد عن الاستبداد بالرأي في اتّخاذ المواقف الحاسمة والقرارات المصيريّة، والتأكيد على أن يرجع الإنسان إلى فكر الآخرين الذين يملكون الفكر السليم، فيحاورهم ويناقشهم ويستثيرهم في كلّ خطوةٍ من خطوات العمل، ثمّ يرجع إلى فكره ليُقارن بين الآراء ويدرس كلّ واحدٍ منها بمفرده بهدوء وموضوعية، لينتهيَ إلى النتيجة الأخيرة بطريقةٍ فكريّة سليمة، فيعمل على أساسها بقوّة وثبات. الثاني: إعداد الأُمّة التي تمثّل القاعدة الواسعة لتفكّر مع القيادة في كلّ ما تريد القيادة أن تقوم به من خططٍ ومشاريع، لتعرف ـــ من موقع الفكر ـــ كيف يكون التحرّك وأين تقع الوسيلة من خطّ الهدف، فتتابع القرارات من بدايتها بوعي وتأمّلٍ وتركيز، وتتدرّب ـــ بذلك ـــ على ممارسة الدور القيادي في المرحلة الفكرية، من أجل أن تعدّ نفسها لاستلام القيادة في حالات الفراغ بكفاءةٍ وقدرةٍ على اتّخاذ القرارات وتخطيط المواقف، وتتعلّم كيف تراقب خطوات القيادة غير المعصومة، أو ترصد قراراتها، لئلا تنحرف أو تغفل أو تخون، فتكون بالمرصاد لها من بداية الطريق، قبل أن تتعقَّد المشكلة ويستفحل الأمر في نهايته، وبذلك يصعب على القيادات المنحرفة التي قد تفرض نفسها على الساحة في المستقبل، أن تُمارس حريتها في التلاعب بمقدّرات الأُمّة واللّعب على عواطفها ومشاعرها بالكلمات المبهمة، لأنَّ الأُمّة أعدّت لترصد الحكم في عملية محاكمة ومناقشة على أساس تحصيل القناعة من قاعدة الحُجّة والبرهان المتمثّل بحركة الحوار الفكري. وتلك هي عظمة التربية الإسلامية التي توحي للقادة، وإن كانوا في مستوى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الذي لا يحتاج إلى فكر أحد، بأن يبحثوا عن القاعدة التي تفكّر وتقتنع لتطيع من خلال ذلك، لا عن القاعدة التي تطيع من دون فهم ووعي، وذلك كوسيلة مُثلى من وسائل التحضير العملي لقيادات المستقبل من بين أفراد القاعدة. ***** 4 ـــ إيحاءات تربوية للدّعاة: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ*ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ*وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ*وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ*وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ} [الأعراف: 54 ـــ 58]. ***** معاني المفردات: {أَيَّامٍ}: جمع يوم، قال الراغب في المفردات: اليوم يعبَّر به عن وقت طلوع الشمس إلى غروبها، وقد يعبَّر به عن مدّة من الزمان أيّ مدّةٍ كانت(1). {اسْتَوَى}: الاستواء ـــ لغةً ـــ استقامة الشيء واعتداله، والمراد به هنا السيطرة والاستيلاء والملك، كما يقال: جلس فلان على العرش، أي سيطر على الملك، وثلَّ عرشه أي خرجت السيطرة من يده وسقط ملكه، وهو عبارة عن إحاطة الله الكاملة وسيطرته على الكون وتدبيره له من موقع القدرة المطلقة على جميع مقدّراته ومواقعه. {الْعَرْشِ}: ـــ في اللّغة ـــ كلّ شيء له سقف وربّما يطلق على السقف نفسه، وقد يطلق على سرير الملك وكرسيّه في مجلس الحكم والتدبير، أمّا استعماله في "عرش الله"، فالظاهر أنّه كناية عن الكون كلّه في عالم الوجود الذي يمثّل الملك المطلق لله في كلّ شيء موجود. {يُغْشِي}: يغطي. {حَثِيثاً}: مسرعاً. {مُسَخَّرَاتٍ}: أي مذلّلات خاضعات لتصرّفه، منقادات لمشيئته. {بِأَمْرِهِ}: أي بتدبيره وتصرّفه. {الْخَلْقُ}: الإيجاد الأوّل المتحرّك في نطاق التقدير الإلهي في تنوّعاته وشروطه وخصائصه في البسائط والمركب. {وَالأَمْرُ}: هو السنن والقوانين المتحرّكة في نظام الوجود في إيصاله إلى غاياته التي أرادها الله، سواء في عالم الظواهر الكونية أو الواقع الإنساني، في السنن التاريخية الحاكمة على مسيرته في أوضاعه العامة والخاصة الصادرة عن الله من خلال أمره التكويني الذي يقول للشيء، في وجوده ونظامه وسننه، كن فيكون، من خلال شأنه وموقعه الربوبيّ في خالقيّته وتدبيره. {تَبَارَكَ}: مأخوذة من البركة وأصلها الثبات، والمراد منه الخير الكثير الثابت، وأمّا مناسبته لله، فهو في وجوده المبارك الأزلي الأبدي الذي هو منشأ الخيرات والبركات ومنبع الخير المستمرّ. {تَضَرُّعاً}: تذلّلاً. {وَخُفْيَةً}: الخفية خلاف العلانية، من: أخفيت الشيء إذا سترته. {لاَ يُحِبُّ}: محبّة الله للعمل ثوابه عليه ومحبّته للعامل رضاه عنه. {الْمُعْتَدِينَ}: المتجاوزين للحدود، والاعتداء: تجاوز الحدود. {وَطَمَعاً}: الطمع: توقّع محبوب يحصل. {الرِّيَاحَ}: جمع ريح، وهو الهواء المتحرّك. {رَحْمَتِهِ}: المراد بها هنا المطر. {أَقَلَّتْ}: أي رفعت. {سُقْنَاهُ}: سيَّرناه. {لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ}: البلد الميّت هو الأرض التي لا نبات فيها ولا مرعى. {نَكِداً}: النكد: كلّ شيء خرج إلى طالبه بتعسّر. {نُصَرِّفُ}: التصريف: تبديل الشيء من حالٍ إلى حال، ومنه تصريف الرياح. ***** في هذه الآيات صورةٌ حيّة كونيةٌ رائعةٌ، توحي للإنسان بعظمة الله من خلال عظمة خلقه، ليستشعر الإنسان ـــ وهو يتأمّل ذلك كلّه ـــ إيمانه بالله في رحاب الكون؛ في النهار عندما تتوهّج الحياة بيقظة النور، وفي الشمس عندما تنشر الدفء والإشراق في كلّ زاويةٍ من زوايا الكون، وفي القمر عندما ينساب نوره هادئاً ناعماً وديعاً في أجواء الليل الهادئة الموحية بالخدر اللذيذ في إغماضة الجفون على الأحلام الجميلة، وفي النجوم التي تتجمّع في ظلام الكون كحبَّات نور متناثرةٍ في الفضاء. وهكذا تتكامل الصورة كلّما امتدّت آفاق المعرفة في وعي الإنسان في ما يشاهده ويلمسه ويعيه من خلق الله. ثمّ تتعاظم الفكرة من خلال الصورة في عقله وشعوره، فيحسّ بالخضوع لله الذي أبدع ذلك كلّه، فيتضرّع له ويخاف منه، ويطمع به، وتتحرّك أحلامه الكبيرة في اتجاه القرب منه. وذلك هو أسلوب القرآن في تحريك الإيمان في قلب الحياة، ليتنامى ويتصاعد وينساب في حياة الإنسان اليومية، كما لو كان شيئاً مرئياً تلمع به العيون، أو مظهراً كونياً تتلاقى حوله العقول. وبذلك تلتقي الفطرة بالإيمان من أقرب طريق. العرش مظهر السلطة الإلهية الأعلى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ}، وهو القادر على أن يخلقها في لحظة، ولكنّه أراد للحياة أن تتدرّج في الوجود من خلال ارتباط بعضها ببعضٍ في طريقة تكامليةٍ. {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} في ما يرمز إليه الاستواء من الهيمنة والسيطرة والسلطة، وما توحي به كلمة {الْعَرْشِ} من مركز الملك والحكم، بعيداً عن أيّ معنى يتّصل بالتجسيد لله، أو بالشكل المادي للعرش، ولا ينافي ذلك ما ورد في الأحاديث المتنوّعة عن منطقة في السماء تسمّى بالعرش، أو ما جاء في الآية الكريمة: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ} [الحاقة : 17] لأنَّ من الممكن أن يكون المراد به المنطقة الأعلى في الكون، باعتبار أنّ ذلك هو مظهر السلطة والسيطرة على الكون على سبيل الكناية؛ والله العالم. ***** اللّيل يلاحق النهار: {يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً}. وهذا من مظاهر قدرة الله، حيث نرى الليل يلاحق النهار بظلامه فيستره، ويطلبه طلباً سريعاً فيدركه؛ تماماً كمن يلاحق شخصاً آخر في عملية ملاحقةٍ سريعة. وربّما كان في هذا إشارةٌ إلى أنّ الليل هو الأصل والنهار طارئ، فلم يكن هناك قبل الشمس ضياءٌ، فكأنّ النهار في مجيئه وإشراقه قد أخذ من الليل سلطانه، فبدأ الليل في محاولة دائمة وطلب حثيث لاسترجاع بعض ما فقده من ذلك. ***** كلّ ما في الكون طوع أمر الله تعالى: {وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ} فقد خلقها الله وحرَّكها بإرادته وقدرته، وسخَّرها بأمره، ليؤدّيَ كلّ واحد منها دوره في حركة الحياة وفقاً للقوانين الحكيمة التي أودعها الله فيها، في نظام دقيق حكيم لا تخلف أوضاعه ولا ترتبك مسيرته، وأراد للإنسان أن ينتفع بذلك كلّه، في ما وهبه من عقلٍ وما مكَّنه من وسائل القدرة. {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ} فلا خالق غيره، ولا يملك الخلق إلاَّ هو، {وَالأَمْرُ} فلا أمر إلاّ أمره، لا أمر لأحدٍ مع أمره. فإذا أراد شيئاً، فإنّه يقول له كن فيكون. {تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} فله البركة التي تمتدّ بكلّ البركات على كلّ العالمين، فهو الربّ لكلّ شيءٍ لا ربّ غيره، ولا إله سواه. ***** من أحبَّ الله أحبَّ عباده: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً} بكلّ خشوعٍ وذلّةٍ ومسكنةٍ، وافتحوا قلوبكم إليه، وأشهدوه على أنفسكم أنّكم عباده الخاضعون المستكينون، وارفعوا إليه أكفَّ الضراعة، ليعطيكم ما تحتاجون إليه من كلّ شيء، لأنّه القادر على كلّ شيء. {وَخُفْيَةً} في أنفسكم، لتعيشوا الشعور الحميم بأنّكم معه في كلّ المشاعر اللاهثة الحارة، وفي كلّ التمنّيات الروحية، وفي كلّ الكلمات المبتهلة الخاشعة. لا يشارككم أحد في هذا الجوّ الإلهيِّ الرائع؛ فلا أحد هناك إلاَّ العبد وربّه، ممّا يعمّق في نفس الإنسان الشعور بعبوديّته الحقيقيّة لله، وانتمائه الصادق إليه بكلّ هدوءٍ وإيمانٍ وإخلاصٍ، وبذلك تفرغ كلّ أفكاره ومشاعره وممارساته من كلّ معاني الاعتداء، فتصفو للنّاس وللحياة بالمستوى نفسه الذي تصفو به لله، لأنّ صفاء الروح مع الله، يحقّق أعمق ألوان الصفاء مع الناس؛ إذ إنّ الإنسان إذا أحبَّ الله أحبَّه عباده، وذلك هو سرّ التفاعل بين العبد وربّه، فإذا أحبّ الإنسان ربّه ترك كلّ شيء لا يحبّه الله، وبذلك فإنّه يترك العدوان، إذ {إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ}. ***** الإفساد عدوان على الحياة: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا} إفساد الفكر والعمل والعلاقات، في المجالات الاجتماعية السياسية والاقتصادية والعسكرية، فقد أعدّها الله إعداداً صالحاً، في ما يريد لها من حركةٍ وحياةٍ، وأراد للناس، من خلال وحي رسله، أن يتابعوا خطوات الصلاح، ولا يستسلموا لكلّ عوامل الفساد والإفساد، لأنّ ذلك يمثّل عدواناً على الحياة، وانحرافاً عن خطّ الله. وتلك هي مهمّة الإنسان في إدارة طاقاته التي وهبه الله إيّاها، بأن تكون كلّ فعالياتها للصلاح والإصلاح. وذلك هو معنى أن تكون أمانةً لله عنده، فلا يحرّكها إلاّ بما يرضي الله، في بناء الحياة لا في هدمها. {وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً} لأنّه هو الذي ينبغي للإنسان أن يخاف من عذابه ويطمع في ثوابه ويرجو رحمته، وذلك ـــ أي الدعاء الذي يمثّل عمق الإخلاص له واللّجوء إليه ـــ ما يجعله قريباً من رحمته، فتكون رحمته قريبة منه، ولكن بشرط أن يعيش الإنسان سلوك الإحسان في ما يقول أو يفعل، لأنّ الرحمة ليست مجرّد حالةٍ عفويةٍ، بل هي لطفٌ من الله، يتّصل بالأُفق الداخلي للإنسان وبالحركة الطيّبة لحياته، وذلك هو قوله: {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} الذين أحسنوا بالروح وبالقول والعمل. ***** التجارة مع الله روحية لا مادية: وقد يثير البعض في هذا المجال تساؤلاً حول معنى أن تكون علاقتنا بالله علاقة خوفٍ وطمع؟ أليس هذا مظهراً من مظاهر العقلية التجارية مع الله، حيث ترتبط به على أساس خوف الخسارة والطمع في الربح؟! أليس من الأقرب إلى خطّ الإيمان أن تكون العلاقة نابعةً من المحبّة الخالصة له، التي تنطلق من استحقاقه للعبادة، لأنّه أهلٌ لذلك؟ ونجيب عن ذلك، بأنَّ الخوف والطمع لا يمثِّلان شعوراً تجارياً، بالمعنى الماديّ للتجارة، ولكنّما يمثّلان شعوراً روحيّاً خالصاً يعكس الإيمان بأنَّ وجود الإنسان مرتبط بالله في كلّ شيء؛ ممّا يجعل من الدعاء لوناً من ألوان التعبير عن هذه الحالة الروحية التي تؤكّد للذّات ـــ دائماً ـــ بأنّ قضية الإنسان مع الله هي قضية الفقر المطلق أمام الغنى المطلق، في إحساس بالذوبان في ذات الله، في وعيٍ لمعنى العبودية في الذّات الإنسانية. وبهذا تفترق التجارة المادية بين الإنسان والإنسان في ما يخافه أو يطمع فيه، عن التجارة الروحية بين الإنسان وربّه، حيث تتحوّل القضايا المادية إلى معنىً روحيّ، في مستوى الإيمان الخالص. ***** حركة الرحمة الإلهية في الكون: وتأتي الآية التالية لتثير أمامنا صورة الرحمة الإلهية كيف تتحرّك في آفاق الكون لتتحوّل إلى طاقةٍ تعطي الخصب والرخاء والحياة للأرض الميتة والبلد الميّت. {وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً}، مبشّرات بالخير والحياة {بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ} التي تغدق البركات من خلال رحمته في ما تثيره في الكون من حركة الرياح التي تتنوّع في سرعتها، وفي طبيعتها، وفي حملها. فهي تتحرّك لأداء المهمّة التي أوكلها الله إليها، وفي الخطّ الذي أرادها أن تسير فيه من خلال القوانين الطبيعيّة التي أودعها في الكون بحكمته وإرادته وقوّته، {حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً} وحملته على ظهرها، وانتظرت الأمر الإلهي التكويني. {سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ} لا ماء فيه ولا كلأ ولا حياة. {فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء} الذي جعلنا من كلّ شيء حيٍّ، {فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ} في ما تتنوّع أشكالها وألوانها وخصائصها. وهنا تأتي اللفتة القرآنية الموحية التي تنقل الفكر من هذه الصورة الحيّة المحسوسة التي يتحوّل فيها الموت إلى حياة، إلى عقيدة الإيمان بالبعث بوصفه حياة بعد الموت في الدار الآخرة، من خلال المقارنة بين الصورة المحسوسة هنا وبين الصورة الإيمانية هناك، {كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} وتخرجون من هذه الغفلة المطبقة التي تبعد عنكم كلّ وعيٍ ومعرفةٍ وإيمان. {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} طيّباً لذيذاً كثيراً، لأنّه يتحرّك من موقع الطبيعة الطيّبة الصافية التي تعيش القوّة، فيخرج نباتها قويّاً قوّة الأرض التي أنتجته. {وَالَّذِي خَبُثَ} في أرضه نتيجة ما تحتويه من عناصر تعيق إنتاجيّتها وتعطّل عملية النموّ والامتداد {لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِداً} أي بصعوبة وجهدٍ؛ وذلك كناية عن القلّة، لأنّ مثل هذه الطبيعة الخبيثة لا يمكن أن تنتج شيئاً كثيراً أمام المعوّقات الطبيعية هنا وهناك. {كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ} ونحوّلها في ما توحي به من فكرٍ ووعيٍ وشعور. {لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ}، فيحوّلون الحياة عندهم إلى طاقةٍ خيّرةٍ منتجةٍ في ما تعطي للحياة وللآخرين. وذلك هو معنى الشكر العملي في حياة الإنسان. وربّما كانت هذه الآية واردةً مورد المثل للذّات الطيّبة التي تنتج الخير من خلال طبيعتها الخيّرة، فتملأ الحياة خيراً كثيراً؛ وللّذات الخبيثة المعقّدة التي تتحرّك من موقع العقدة المرضية، فلا تنتج إلاّ النكد والعذاب الذي لا ينتهي إلى شيء. دروس للعاملين في حقل التربية الإنسانية: وقد نستوحي من اختلاف النتائج الطيّبة في البلد الطيّب والخبيثة في البلد الخبيث في الوقت الذي يستويان فيه في نزول المطر عليهما، أنَّ نزول المطر لا يكفي في الإنتاج الطيِّب وفي الخصب المثمر، بل لا بدّ من أن تكون الأرض صالحةً قابلةً للخير بحسب خصائصها الذاتية التي تنفتح على الرحمة الإلهية، فإذا كانت الأرض سبخةً مالحةً، فلا يزيدها المطر إلاّ ملوحةً من دون أيّة فائدة، وإذا كان للمطر دورٌ في بعض الانتاج، فلن يكون إلاّ شوكاً وحنظلاً لا غناء فيه ولا لذّة. وهكذا الإنسان الطيّب في عقله وقلبه وقابليّته للخير، يستقبل الكلمة الطيّبة، والموعظة الحسنة، والأسلوب الحكيم، بالعقل المفتوح الذي ينتج عقلاً جديداً، وبالقلب الطيّب الذي ينتج حبّاً لله وللإنسان وللحياة، وبالحركة الطيّبة التي تمنح الحياة الكثير من عناصر تقدّمها ونموّها وحيويّتها، بينما ينطلق الإنسان الخبيث الذي عشَّش الباطل في فكره، وتحرّك الشرّ في قلبه، وزحفت الجريمة إلى حياته، ليزداد بالكلمات الطيّبة شرّاً وجريمة وبغضاً وعدواناً. ومن الطبيعيّ، أنّه لا بدّ للعاملين في حقل التربية من دراسة ذلك كلّه، من أجل أن يعرفوا كيف يصلحون الأرض قبل أن يضعوا فيها غراس الخير، وأن يمهّدوا الأرض الخصبة قبل أن يتحرّكوا في عملية الإنتاج الفعلي. إنّ الخبث في الأرض وفي الإنسان ليس خصوصية ذاتية، بل هو شيء طارئ قد يأتي من هنا وهناك من خلال العناصر الخبيثة الخارجية التي تزحف إلى الإنسان بفعل البيئة أو الثقافة أو التربية السيّئة، أو إلى الأرض بفعل العناصر المرَضيّة، وما تحمله الرياح إليها، ممّا تخبث خصائصه فتتعمّق في داخله. ولهذا لا بدّ للعاملين في حقل الخير الإنسانيّ من الاندفاع في طريق تنقية الداخل من كلّ وحول الشرّ وقذارات الجريمة. 5 ـــ الداعية ومواجهة التحدّيات: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ*فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} [التوبة: 128 ـــ 129]. ***** معاني المفردات: {عَزِيزٌ}: شديد، والعزيز في صفات الله تعالى، معناه المنيع القادر الذي لا يتعذّر عليه فعل ما يريده(1). {عَنِتُّمْ}: العنت: المشقّة. {تَوَلَّوْاْ}: أعرضوا. {حَسْبِيَ اللّهُ}: أحسبه أي كفاه. ***** تلك هي صورة النبيّ الإنسان في مشاعره الحلوة الرقيقة التي تنساب بالحنان والعاطفة على الناس من حوله، فيضمّ المؤمنين إليه في حرصٍ كبيرٍ وخوفٍ شديدٍ من أن يمسّهم سوء، أو يعرض لهم مكروهٌ، أو يصيبهم جهدٌ أو مشقّةٌ وعذابٌ، في جوٍّ حميمٍ من الرأفة والرحمة التي تغمر القلوب وتملأ النفوس غبطةً وسروراً، وذلك هو الذي يفسح المجال للسائلين أن يجدوا لديه القلب المفتوح الذي ينفتح لكلّ علامة استفهام تدور في أفكارهم، ليجيب عنها بكلّ محبّةٍ وعمقٍ وانفتاح، وهو الذي يتيح الفرصة للضالين أن يلتمسوا الهدى عنده، فلا يتعقَّدون من أسلوب ولا يتشنَّجون من نظرةٍ، بل يواجهون ـــ بدلاً من ذلك ـــ النظرة الحنونة، والابتسامة المشرقة، والكلمة الطيّبة، واللّفتة الحلوة، فيقتربون إليه بالجوّ الحميم، قبل أن يقتربوا بالفكرة العميقة الموحية، بل يكون هذا الجوّ هو المدخل الذي يتيح للفكرة أن تلج إلى القلب وتتحرّك في العقل، فتتحوّل إلى حركة إيمان في النفس. وهذا هو ما يحتاجه الداعية الذي يتحمّل مسؤولية الدعوة إلى الله، فإنّ عليه أن يعيش الخلق العظيم قبل أن يعيش الفكرة، أو وهو يعيش الفكرة على الأقلّ، فيحبّ الناس من عمق العاطفة ويحرص عليهم، ويرحمهم ويرأف بهم ولا يتعقَّد منهم، ليسهل عليه أمر الوصول إلى قلوبهم وعقولهم من أقرب طريق. وربّما ساهمت ابتسامةٌ حلوةٌ وكلمة طيّبة من داعية في انفتاح إنسانٍ ما على الهداية، كما قد تساهم حالةٌ تشنّجيةٌ وكلمةٌ قاسيةٌ في انغلاق الإنسان وابتعاده عن الخطّ المستقيم، تبعاً للعقدة التي تنحلّ بكلمة وابتسامةٍ، أو تتعقَّد بكلمةٍ وقساوةٍ ونظرة حقدٍ. ***** لقد جاءكم رسولٌ من أنفسكم: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ} فهو ليس من فصيلةٍ غير فصيلة البشر، ولذا فإنّه يعيش أحاسيسكم ومشاعركم وأفكاركم في روحيّةٍ من الانفتاح والامتداد والشمول، {عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}، إنّه يتألّم لأيّة حالةٍ من الجهد والتعب والمشقّة في ما قد تقاسونه في حياتكم {حَرِيصٌ عَلَيْكُم} في ما تستقبلون من قضيّة المصير في الدنيا والآخرة، تماماً كحرص الأُم على أولادها عندما تعمل على أن تبعدهم عن كلّ أذىً ومكروه، فلا يريد لكم الضلال، لأنّ فيه الهلاك، ولا يحبّ لكم الضياع، لأنّ في ذلك الخسران كلّه، {بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} فهو الذي يجسّد الرحمة في أقواله وأفعاله ونظراته وعلاقاته، وفي كلّ خطوات رسالته، حتى كان هو الرحمة للعالمين، كما كانت رسالته كذلك. ***** لا يضرّ الرسالة إعراض الناس عنها: {فَإِن تَوَلَّوْاْ} وأعرضوا عن الاستماع إلى دعوتك، والسير في خطّ رسالتك، بالرغم من كلّ الأجواء الحميمة الحلوة التي تحيط بها في عمق المشاعر وروعة الأحاسيس، فلا تتعقّد من ذلك، ولا تتراجع عن دعوتك في شعورٍ بالخذلان والسقوط، بل انطلق في طريقك انطلاقة الرسول الواثق بربّه، المؤمن برسالته، الذي يرى أنّ من واجبه أداء الرسالة بحسب ما يستطيع، من دون أن يكون مسؤولاً عن النتائج السلبية ـــ إن حدثت ـــ لأنّها لا تكون ناشئةً عن فعل تقصير، بل عن ظروفٍ وأوضاعٍ وأسبابٍ خارجيةٍ عن إرادته، وتحرّك بقوّة، بعيداً عن كلّ مشاعر الضعف، {فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ} فهو ربّ القوّة وخالقها، وهو الذي يكفي الإنسان من كلّ عدوٍّ ومن كلّ شرّ، ويوحي إليه بالثقة المطلقة، وبذلك يكون التوكّل عليه حركةً داخليةً وخارجيةً في خطّ الشعور بالأمن والطمأنينة بسلامة الاتجاه وفاعليّته وروحيّته {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} ومن يتوكّل على الله فهو حسبه في كلّ شيء. وتلك هي نقطة القوّة لدى المؤمنين عندما يتحرّكون في خطّ الرسالة، فلا يشعرون بالضعف إذا خذلهم الناس، بل يجدون الله معهم في كلّ موقف، فيحسُّون معه بالقوّة التي يستريحون إليها وينطلقون معها ويستمرّون من خلالها على الخطّ المستقيم. 6 ـــ الدّعاة يتوكّلون على الله: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ*اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [التغابن: 12 ـــ 13]. ***** خطاب يوجّهه الله إلى المؤمنين أو إلى الناس كافّة من موقع الشرط الأساس للإيمان، فلا إيمان بدونه في ما يتمثّل فيه التوحيد بالخطّ العملي والانفتاح القلبي على التسليم المطلق من خلال الثقة المطلقة بالله. {وَأَطِيعُوا اللَّهَ} في ما شرّعه من شرائع الدين في كتابه، {وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} في ما يأمركم به أو ينهاكم عنه من الأوامر والنواهي التي أوكل الله أمرها إليه في شؤون التشريع وفي أمور الولاية. فذلك هو المظهر الحقيقي للإيمان الذي لا يتمثّل حالةً في العقل فقط، بل يتحوّل إلى حالة في الممارسة العملية في السلوك الحركيّ للإنسان المؤمن. {فَإِن تَوَلَّيْتُمْ} وأعرضتم عن ذلك، وانحرفتم عن الخطّ المستقيم، وانطلقتم لتخطّطوا لأنفسكم خطّاً ذاتياً في خطّ السير، أو لتتبعوا شرائع الآخرين وأفكارهم في حركة الانتماء والتشريع والممارسة، فلن يكرهكم الرسول على القبول بالانسجام معه في خطّ الطاعة، في ما هو أسلوب الدعوة القائم على مخاطبة الإنسان على أساس الإرادة الحرّة في اختيار الموقف، ليتحمّل مسؤوليّته في الجانب السلبي أو الإيجابي، تبعاً للموقف الذي يتبنّاه، حيث تكون مهمّة الرسول، أو الداعية الذي ينطق باسم الرسول القيام بتقديم كلّ الوسائل التي تدفع إلى تكوين القناعة لمصلحة الدعوة، وتوفير كلّ الأجواء الملائمة لذلك، بالكلمة والأسلوب، {فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} من دون ضغطٍ أو إكراهٍ. وهكذا تؤكّد هذه الفقرة من الآية أنّ هناك طاعةً للرسول بالإضافة إلى طاعة الله، ولكن ذلك لا يعني أنّ هناك استقلالاً مولوياً في ما يمثّله الرسول في أوامره ونواهيه، بل يعني أنّ الله أوكل للرسول أموراً معيّنة في تفاصيل التشريع وفي شؤون الولاية، ما يجعل هناك نسبةً خاصةً في الموضوع إلى الرسول الذي لا ينطلق في ذلك إلاّ من خلال الخطوط الواضحة التي وضعها الله، وأراده أن يسير عليها، ويتحرّك من خلالها، بحيث تكون طاعته امتداداً لطاعة الله، وهذا ما جاء في الآية الكريمة {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ} [النساء: 64] وقوله تعالى: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} [النساء: 80]. {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} فهذه هي الحقيقة التوحيدية التي لا بدّ أن تلتزموها في خطّ التصوّر العقيدي، وفي حركة الطاعة العملية، لتكون الطاعة لله في الخطّ المباشر لمعنى التوحيد، وتكون الطاعة للرسول من خلال صفته الرسالية المتّصلة بالله تأكيداً لذلك. {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} ليتوجّهوا إليه في كلّ المواقع القلقة التي تثير القلق في نفوسهم عندما يواجهون المجهول فيما حولهم، ممّا يخافون من تهاويله التي لا يستطيعون الوصول إلى طبيعتها، أو يتطلّعون إلى المستقبل الذي لا يعرفون ماذا يحمل لهم من متاعب ومشاكل، لأنّهم لا يعرفون أعماق الغيب، بعد أن قاموا بكلّ الشروط الموضوعة في تصرّفهم، في ما يتعلّق بتهيئة الأسباب الطبيعية للوصول إلى النتائج. وهنا يأتي التوكّل على الله، بتسليم الأمر إليه من خلال الثقة بقدرته على كلّ مواقع الخوف، واطّلاعه على مفاتح الغيب التي لا يعلمها إلاّ هو، ليشعر الإنسان بالثقة والاطمئنان إلى كلّ المناطق الخفيّة في حياته، الغارقة في عالم الغيب الخاضع لله. 7 ـــ الدّعاة وإغراءات الانضمام إلى المجتمع المترف: {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً*وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} [الكهف: 27 ـــ 28]. ***** معاني المفردات: {مُلْتَحَداً}: ملجأ، حرزاً، محيصاً، ميلاً. {بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ}: في الصباح والمساء {فُرُطاً}: مجاوزاً للحدّ. ***** هذا خطاب للنبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بصفته الرسالية التي تتحرّك في خطّ الدعوة إلى الله، والعمل في سبيله، والإشراف على حركة الواقع في هذا الخطّ. وبذلك يكون خطاباً لكلّ داعية رسالي في طريقه حمله للدعوة، وفي علاقته بالمؤمنين، لأنَّ خصوصية الخطاب للدعوة في خطّه، لا للنبوّة في شخصه. {وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ} وبلِّغ للناس الحقيقة الحاسمة الكاملة من دون زيادة ولا نقصان. {لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ} لأنّ الله هو الذي يوحي بالكلمة من موقع علمه الكامل بالأشياء في ما يصلح الحياة وما يفسدها، فلا مجال لأيّ تغييرٍ أو تبديلٍ فيها، لأنّها لا تنطلق من خلال الظروف المحدودة القابلة للتغيير، أو العلم المحدود الذي قد يكتشف الخطأ في بعض معلوماته. وهكذا يؤكّد الله هذه الحقيقة، ليعرف النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والدّعاة من بعده، أنّ وحي الله هو الحقيقة النهائية التي لا مجال فيها لأيّ تغيير، فينطلقوا في الدعوة من موقع الثقة والثبات، لا من موقع الحيرة والاهتزاز. ***** الله هو المحيط بكلّ شيء: {وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً} ولن تستطيع أن تتّجه إلاّ إليه، لأنّه يحيط بك وبالكون كلّه من جميع الجهات، وبذلك كانت كلماته هي الحقيقة التي لا مجال للمعرفة إلاّ من خلالها في ما تحتاجه الحياة في وجودها المستقرّ، فلا مفرّ إلى أيّ مكانٍ لغير الله ليميل إليه أو يلتجأ إليه. وبذلك، يعيش الداعية وحدة الاتجاه في حركة الرسالة، من حيث وحدة الحقيقة ووحدة المصدر لها، وهو الله، فلا تنحرف خطواته عن الخطّ المستقيم. ***** الرساليّون قوّة الإسلام الحقيقيّة: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} إنّها كناية عن التزام الموقف الرسالي للمؤمنين الضعفاء، الذين آمنوا بالله وبالرسول من موقع اليقين، واتّبعوا النبيّ من موقع الإخلاص، وانفتحوا على الله سبحانه من خلال وعيهم لحقيقة العبودية في وجودهم أمام الألوهية في ذات الله، فابتهلوا إليه في حالات الخشوع، ودعوه في مواقف الخضوع، فهم يمثّلون القوّة الحقيقيّة للإسلام في حركته، لأنّهم الذين يعيشون فكره بعمقٍ وروحانيّته بصفاءٍ، ويتحرّكون في خطّه بإخلاصٍ، ويواجهون التحدّيات في ساحة الصراع بقوّةٍ. وهؤلاء هم الامتداد الرسالي في حركة الحاضر والمستقبل، لأنّ الرسالة لا تمثّل ـــ في وعيهم ـــ الفرصة السانحة للحصول على الامتيازات الاجتماعية أو المنافع الشخصية، بل تمثّل ـــ في حركتهم ـــ الانطلاقة الواسعة نحو المسؤولية القائمة على أساس التضحية بكلّ شيءٍ في سبيل الله من أجل خدمة الحياة والإنسان، في ما يريد الله للعاملين أن يحقّقوه من ذلك. وهكذا يريد الله من رسوله، ومن كلّ داعيةٍ، أن يحبس نفسه مع هؤلاء، ويقرّبهم إليه، ويعيش معهم، ويصبر على مشاكلهم، ويتحمّل سلبياتهم، لأنّهم يعيشون مع الله في حياتهم وهو ما يمثّله انقطاعهم إليه في الدعاء، في مواقع عبادته في الصباح والمساء {يُرِيدُونَ وَجْهَهُ} ولعلّه كنايةٌ عن إرادتهم لله وحده في كلّ وجهتهم في الحياة، سواءٌ في التزامهم الفكري أو العاطفي أو العملي، أو في اتجاههم للحصول على رضاه ومحبّته، فهم في التزامهم وعملهم لا يلتفتون إلى غيره، فالله هو غاية الغايات في حياتهم، فمنه تتحرّك بداية الحياة في كلّ خطواتهم، وإليه ينتهي كلّ هدف وكلّ أمر. وهذا هو الخطّ الذي يريد للدّعاة أن يلتزموه في اختيار المجتمع الذي يكونون جزءاً منه، أو يلتزمون حركته، أو يتعاطفون معه. إنّه المجتمع الذي يخلص أفراده لله في الفكر والروح والممارسة، لأنّه هو الذي يعطي لهم النموّ الروحيّ من خلال الأجواء الروحية، ويحقّق لهم الشعور بالثقة والثبات في الموقف من خلال القوّة التي يعيشها المؤمنون ويمارسونها في داخله، وبذلك يكون المجتمع قوّةً لهم كما يكونون قوّةً له، من خلال ما يعطونه من فكر أو يثيرونه في داخله من مشاعر وأجواء وقضايا. {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي لا تصرف عيناك عنهم فتتركهم إلى مواقع الغنى والثروة والجاه والأجواء اللاهية العابثة التي تنادي الإنسان ليلهوَ ويعبث ويستمتع ويتزيَّن ويستسلم للشهوات ويستريح للمواقع الطبقية التي يعيشها مجتمع الامتيازات الذي يتفاضل فيه الناس بالمال والجاه والنسب ونحو ذلك، فإنّ الاتجاه إلى هذا المجتمع، والاستسلام له، يمثّل لوناً من ألوان البعد عن روح الرسالة، والانحراف عن خطّ الله، ويؤدّي ـــ بالنهاية ـــ إلى احتقار المجتمع الفقير المؤمن، والضيق به، والنفور منه، الأمر الذي قد يساهم في إضعاف الروح الرسالية لدى الرساليّين، وفي الإقبال على الأجواء اللاهية المثيرة التي تربط الإنسان بالجانب المنحرف من الحياة، على أساس القِيَم المنحرفة التي يلتزمها مجتمع اللّهو والعبث. ***** روحيّة مستكبرة: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا} من هؤلاء الذين استسلموا للغفلة في حركة وجدانهم الفكري والروحي، فلم ينفتحوا على الله من موقع الفكر والروح، ولم يصغوا بأسماع قلوبهم إلى آياته، ولم يلتفتوا إلى مواقع قدرته وأسرار عظمته، وعاشوا أجواء اللامبالاة أمام كلّ دعوات الحقّ والإيمان، واستراحوا لما اعتادوه من أوضاع وعادات وتقاليد، ولما حملوه من أفكار ومشاعر، فلا يقبلون أيّ تغييرٍ أو تبديل لذلك، وهذا هو المراد من إغفال الله لقلوبهم عن ذكره، فليس المقصود أنّ الله يريد ذلك لهم بطريق الجبر الذي لا يملكون معه الاختيار، بل المراد حصوله من خلال قانون السببيّة الذي يجعل الغفلة نتيجةً حتميةً للسلوك اللاهي المتمرّد على كلّ دعوة للفكر وللحوار، تماماً كما في نسبة كلّ الأفعال الإنسانية إلى الله، باعتبار أنّ حركة السببيّة في حياتهم التي تربط النتيجة بالمقدّمات، هي التي أودعها الله في كيانهم، في الوقت الذي كانت حركة الأسباب بيد الإنسان. فالحتمية إنّما هي في طبيعة السببيّة لا في حركة السبب. لا تطع ـــ يا محمّد ـــ هؤلاء الغافلين عن ذكر الله، الذين تقودهم غفلتهم إلى الاستغراق في المعاصي والاستسلام للانحراف، ولا تُقبل على أيّ واحد منهم، لأنّه بسلوكه يبتعد عن الله، ويقترب من الشيطان. {وَاتَّبَعَ هَوَاهُ} فلم ينطلق في حياته من قاعدة ثابتة تحكم كلّ تصرّفاته وأوضاعه، بل انطلق ذات اليمين وذات الشمال، تبعاً لهواه الذي يتغيَّر حسب تغيّر الظروف والأوضاع. {وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} متجاوزاً لحدود الحقّ في أفكاره وأقواله وأفعاله، ومنحرفاً عن الصراط المستقيم. فإنّ إطاعته والانسجام معه، يعني الالتزام بخطّ الانحراف الذي يمثّله، لأنّ التفاصيل الجزئية تتبع القاعدة الكليّة في طبيعة الاستقامة والانحراف. وهكذا رأينا ـــ كما جاء في مناسبة النزول ـــ هذه الروحية المستكبرة المتحرّكة من الموقع الطبقي للمجتمع الذي يحتلّه هؤلاء، ورأينا كيف أرادوا أن يثيروا هذا الموقع في ساحة الإسلام، ليؤكّدوا التمايز بين مجتمع المترفين ومجتمع الفقراء، فيعطي النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لهؤلاء دوراً يحتفظ لهم بخصوصيّاتهم وامتيازاتهم، ويعطي الآخرين دوراً يشرف فيه على أوضاعهم ويحفظ لهم كرامتهم، أو يطرد النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) الفقراء من ساحة الإسلام، ليكون الإسلام دين الأشراف من الفئة العليا المميّزة في المجتمع، ليمنحوه موقعاً متقدّماً من خلال الموقع المتقدّم الذي يملكونه. ***** التقوى أساس في التفاضل: ولكنّ المسألة ـــ في هذا الجوّ ـــ ليست مسألة مجلسٍ لهؤلاء أو مجلسٍ لأولئك، ليكون ذلك أساساً لحلّ المشكلة التي أثارها الأشراف المترفون، بل هي مسألة القيمة الإسلامية الروحية التي أرادها الله للمجتمع في دائرة العلاقات الإنسانية، وهي المساواة بين الأفراد في الحقوق والواجبات في ساحة القانون، واعتبار التقوى التي تمثّل الإيمان العملي هي الأساس في التفاضل، بعيداً عن أيّ موقع طبقي أو ماليّ أو اجتماعي، أو غير ذلك. فإنّ الاستجابة لهؤلاء تعني الإقرار لهم بالنظرة الفوقية التي ينظرون بها إلى المؤمنين الفقراء، واعتبار الامتيازات التي يدعونها لأنفسهم حقّاً شرعياً لهم على الآخرين، ما يؤدّي إلى التنازل عن حركة القيمة الروحية الإنسانية في حياة الناس، وهذا ما لا يمكن الموافقة عليه، ولهذا كان جوّ الآية يوحي بالرفض لهؤلاء الأشراف، والإهمال لهم والبعد عنهم في مواجهة رفضهم للمساواة مع المستضعفين المؤمنين، تأكيداً على أنّ قيمة الإيمان المنفتح على الله من موقع الإخلاص هي أعلى من كلّ قيمة أخرى، وعلى أنّ مهمّة الرسول، أو الداعية، أن يلتزم خطّ المخلصين من المؤمنين ويرعاهم، لأنّهم الأساس في انطلاقة المجتمع الإسلامي نحو التوازن والتكامل على خطّ الإسلام، لأنَّ الإيمان يمثّل ـــ في وجدانهم ـــ القناعة الفكرية والروحية التي يعيشون الحياة من أجلها، بينما يمثّل الإيمان ـــ للمترفين ـــ الموقع الاجتماعي القويّ الذي فرض نفسه على الساحة، ويريدون أن يتّخذوا لأنفسهم مكاناً داخله، ليضيفوا على امتيازاتهم القديمة امتيازات جديدة، من خلال ما يمثّله الإسلام من مركز قوّة جديد، ولهذا فهم يتعاملون معه من مواقع الخارج عن عمق الذّات، بينما يتعامل المؤمنون المستضعفون معه من مواقع العمق الداخلي للذّات. وهذا ما يجعل المترفين يبحثون عن بعض أحكام الإسلام عمّا يتّخذونه وسيلة لتبرير ترفهم ولهوهم وعبثهم.. ولو كان ذلك بطريقة التحريف واللّعب على النصوص، بينما يبحث المؤمنون عن أفضل الطرق لتطبيق أحكام الله، ولتغيير أوضاعهم وعاداتهم وتقاليدهم من خلال ذلك، وللاحتياط في تركيز المواقف على خطّ الشريعة، بعيداً عمّا إذا كان ذلك منفعةً لهم أو لا. استيحاء الآية في حركة الواقع؟ وقد نستوحي من هذه الآية كيف يتحرّك المؤمنون العاملون، من علماء أو دعاة، في مواجهة الإغراءات التي يقدّمها إليهم المجتمع المنحرف، ليكونوا جزءاً منه، ولينسجموا مع أوضاعه، وليحصلوا على امتيازاته. ما يفرض عليهم أن يقدّموا كثيراً من التنازلات في أقوالهم وأفعالهم ومواقفهم، وبذلك يبتعدون ـــ نفسياً ـــ عن أجواء المستضعفين، وينظرون إليهم نظرة مستعلية، انطلاقاً من المواقع الجديدة التي ارتفعوا إليها، عندما يتحوّل الموقع الديني إلى مركز من مراكز النفوذ الاجتماعي أو الرسمي الذي يُعطي للشخص الذي يحتله هالةً كبيرةً تفصله عن الجوّ الإيماني الفقير. وقد يؤدّي ذلك إلى الابتعاد عن المواقف الحاسمة في طرح الإسلام بشكلٍ حاسم واضح، في مواجهة الطروحات الكافرة أو الضالّة، لأنّ ذلك قد يسيء إلى نظرة المجتمع الرسمي إليهم، الذي لا يتقبّل أن يقدّم الإسلام كحلٍّ شامل للحياة في مقابل الحلول الأخرى، بل يريد له أن يقدّم كدين بمعناه التقليدي البعيد عن الحياة وعن حركة التحدّيات على صعيد الواقع والإنسان. إنّنا نلاحظ التأكيد على هذا الجانب، من أجل أن يبتعد العاملون عن التجربة القاسية التي تبتعد بهم عن الاتجاه الصحيح إذا سقطوا أمامها، ليحافظوا على جديّتهم في خطّ الالتزام، ورساليّتهم في خطّ الدعوة إلى الله، وانضباطهم في حركة الممارسة، وليكونوا القاعدة التي تغيّر المجتمع بدلاً من أن تكون جزءاً منه. ***** سؤال وجواب: وربّما يتصوّر البعض من العاملين أنّ الاندماج في المجتمع المترف يساعد على ربح مواقع متقدّمة للإسلام، وذلك لما يفتح لهم، من خلالهم، من آفاقٍ ثقافيةٍ واجتماعيةٍ وسياسيةٍ، ممّا يعطي الإسلام قوّةً جديدة في مواجهة الكفر. وقد يساهم ـــ إلى جانب ذلك ـــ في الاستفادة من إمكاناتهم الاقتصادية في تشجيع المشاريع الخيرية العامة، التي يقوم بها العاملون من أجل حلّ المشاكل الاجتماعية المعقّدة، ما ينعكس إيجاباً على حياة المستضعفين الذين يستفيدون من الخدمات التي تقدّمها تلك المشاريع لهم. ولكن هذا التصوّر ليس دقيقاً، بل يحمل بعض الخلل في تفاصيله، لأنّ المسألة التي يثيرها القرآن الكريم، في ما نريد أن نستوحيه من علاقات الداعية بالناس، هي قضية عدم الاندماج في المجتمع المترف اللاهي، البعيد عن روحية الإيمان وفكره، وإهمال المجتمع المؤمن المستضعف الذي يحمل مسؤولية الدعوة في خطّ الإسلام، لأنّ ذلك يؤدّي إلى كثير من السلبيات على صعيد مصداقية الداعية، ومسؤوليّته الإسلامية، وروحانيّته الإيمانية، وتحوّله إلى شخصية اجتماعية، تتحرّك من خلال قِيَم المجتمع المنحرف، وتمنحها شرعيةً إسلامية من خلال الموقع الرسمي. ***** من أساليب الانحراف في الإغراء: ولعلَّ من الأساليب التي قد يلجأ إليها المجتمع المنحرف لاحتواء العاملين الإسلاميين، هو أسلوب التلويح بالإمكانات التي يملكها هذا المجتمع، لمساعدة الأهداف المتنوّعة للعمل الإسلامي على مستوى الدعوة والحياة، فينطلق إليها العاملون من موقع الإخلاص، ولكنّ اللعبة تبدأ في الالتفاف عليهم، والدوران حولهم، من أجل أن تحاصرهم وتجمِّد مشاريعهم، وتجعلهم لاهثين وراء استكمال هذا المشروع أو ذاك، عندما تقدّم لهم المساعدات على دفعات، من أجل أن تبقى الساحة خاضعة لهم بطريقةٍ وبأخرى. وبذلك تأكل الحركة الإسلامية أهدافها، عندما تتحوّل الوسائل إلى أهداف، وتغيب الأهداف في أجواء اللعبة المجنونة للمنحرفين. إنّنا لا نمانع من الاستفادة من الفرص الاجتماعية والثقافية والمادية والسياسية التي يمكن لهذا المجتمع أن يقدّمها إلينا، لأنّنا لا ندعو إلى الانعزال الكامل عنه، بل كلّ ما نريد أن نؤكّده، أن يكون للعاملين وعي الواقع، من خلال وعي حركة اللعبة في داخله، من أجل أن يواجه الموقف بطريقة ذكية واعيةٍ تلتفّ على اللعبة الخادعة لتعطّل حركتها، بدلاً من أن تسمح لها بالالتفاف عليها. إنّ خلاصة الفكرة هي أن يكون مجتمع الإيمان هو الساحة التي يحترمها العاملون الدّعاة إلى الله، ويتحرّكون فيها من موقع أنّ الإيمان هو القيمة، وليس هناك شيء آخر يقترب من مستواها أو يعلو عليها، بحيث يكون اللّقاء بالآخرين من داخل حركة هذا المجتمع لا من خارجه بطريقة مضادّة له. ***** 8 ـــ الدّعاة هي مواجهة الأساليب الملتوية: {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ*وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ*يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} [آل عمران: 72 ـــ 74]. ***** معاني المفردات: {طَّآئِفَةٌ}: الطائفة: الجماعة، وفي أصلها ـــ كما يقول صاحب مجمع البيان ـــ قولان: أحدهما: أنّه كالرّفقة التي من شأنها أن تطوف البلاد في السفر الذي يقع عليه الاجتماع، والآخر: أنّها جماعة يستوي بها حلقة يُطاف حولها(1). {وَجْهَ النَّهَارِ}: أوّله: وسُمّي وجهاً لأنّه أوّل ما يواجهك منه، كما يقال لأوّل الثوب: وجه الثوب، وقيل: لأنّه كالوجه في أنَّه أعلاه وأشرف ما فيه. {يَرْجِعُونَ}: يعودون ويرتدون عن دينهم. هذا أسلوب من أساليب التضليل والتشكيك التي كان بعض أهل الكتاب يمارسونها ضدَّ الإسلام والمسلمين، فقد طلبوا من بعض جماعتهم أن يدخلوا في الإسلام في أوّل النهار، ليحرزوا الثقة لدى المسلمين بذلك، لأنّه يدلُّ على عدم التعصُّب لليهودية، بل يوحي بالحياد الفكري الذي يجعل الإنسان مستعدّاً للانتماء إلى غير دينه وفكره من موقع الحُجّة والقناعة. {وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ} وهم المسلمون {وَجْهَ النَّهَارِ} أي أوّله، {وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} عن دينهم من خلال حالة الاهتزاز التي تُثيرها هذه الحركة في وجدانهم الديني، وذلك قوله تعالى: {وَلاَ تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ} أي: لا تطمئنوا إلاّ لليهود في الحديث عن قضاياكم الخاصة وأسراركم الخفيّة، لأنَّ الوثوق بالآخرين قد يفضح الكثير من الأوضاع الداخلية الذاتية أو الخطط الخفيّة التي يدبّرها اليهود للمسلمين، ما يؤدّي إلى انكشاف السرّ، وإحباط الخطط، وسقوط الموقف. فإذا حصلوا على هذه الثقة وأحرزوها، وضمنوا لأنفسهم امتداداً روحيّاً وجوّاً حميماً في علاقتهم بالمسلمين، قاموا بتغيير الموقف في آخر النهار، فرجعوا إلى ما كانوا عليه من رفض للإسلام، للإيحاء للمسلمين بأنّهم اطّلعوا على عقيدة الإسلام من خلال دخولهم فيه، فظهر لهم ـــ بحسب دعواهم ـــ ما فيه من نقائض ومفاسد وقضايا باطلة، لم يكونوا مدركين لها من قبل، ولهذا كفروا به بعد أن آمنوا به، لأنّهم طلاب حقّ وصدق، ولولا ذلك لما انحازوا إلى خطّ المؤمنين في البداية، ليدفع ذلك المؤمنين إلى التراجع عن الإسلام، أو يدعوهم إلى الشكّ فيه على أبعد التقادير. ولما كانت هذه الخطّة التي وضعوها بحاجة إلى السريّة التي تحمي لها نجاحها، كان لا بدّ من أن يضرب حولها نطاق من السريّة، أن لا يؤمنوا، أي لا يطمئنوا ـــ بقرينة التعدّي باللام ـــ إلاَّ لليهود التابعين، لأنّهم الذين يحافظون على السرّ بإدراكهم خطورته عليهم وعلى طبيعة الخطّة الموضوعية. وهذا ما نستظهره من الآية، بأن تكون الجملة تابعة لما قبلها لأنّها من مستلزمات نجاح الخطّة؛ وربّما كانت جملةً مستقلّة تدعو اليهود إلى الحذر من غيرهم في ما لديهم من أسرار في هذا الموضوع وغيره. وهذه من خِصال اليهود في سائر العصور من خلال ما يمثِّلونه من المجتمع المنغلق على قضاياه الذي وضع بينه وبين الآخرين حاجزاً نفسياً ومادياً من موقع الشعور بالرفعة على ما عداه، ومن موقع الإخلاص لسلامة القضايا التي يعملون من أجلها. ***** إشراقات إلهية: ذلك هو حديثهم في ما أرادوه من الكيد للإسلام، ولكنَّ الله يريد لرسوله أن يردّ عليهم بالكلمة الحاسمة التي تضع القضية في نصابها الصحيح. فليس الهدى حالةً طارئة يحصل عليها الإنسان بأيّ ثمن، بل هو الينابيع الروحية التي تتفجَّر في قلب الإنسان، فتملأ حياته خصباً وحيويّةً وإيماناً، والإشراقات الإلهية التي تفتح قلبه على الحقّ وتضيء له طريق الهدى، والفكر النيّر المنفتح الذي يحلّق نحو الحقيقة لينطلق معها في رحاب الله. {قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللّهِ} فمن الذي يستطيع أن يقف أمامه، أو يطفئ نوره؟! ويقول الرسول كلمته، أو هكذا يريد الله منه أن يقول إذا قام هؤلاء بما يريدون القيام به. ثمّ يتابع الحديث فيما يتناجون به، فقد كانوا يقولون لأتباعهم: لا تطمئنوا إلاّ لمن تبع دينكم، ولا تحدّثوهم بما لا ينبغي الحديث عنه ممّا تعرفونه من قضايا الحقّ والباطل، فإذا حدّثتموهم به، فقد يكون ذلك عليكم حُجّة عند ربّكم يحاجُّوكم به، لأنّكم أقررتم به. وقد أشار القرآن إلى أنَّ من جملة ذلك هو الإقرار بأن يؤتى أحد من غير بني إسرائيل مثل ما أوتيتم من النبوّة والرسالة {أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ}، فقد أُريدَ لهم أن ينكروا ذلك، وهم يعرفونه، ولذا كانوا يزعمون بأنَّ النبوّة مختصّة ببني إسرائيل، فينكرون رسالة الرسول من خلال ذلك. ولكنَّ الله يريد من رسوله أن يردّ عليهم كيدهم وضلالهم، فيعرّفهم أنَّ القضية ليست بيدهم، فالله هو الذي أعطى الرسالة لأنبياء بني إسرائيل، وهو الذي أعطاها لمحمّد رسوله. {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ}، ويعطيه لمن يريد {وَاللّهُ وَاسِعٌ} في عطائه الذي لا يضيق فضله عن أحد، {عَلِيمٌ} يعرف ما يصلح الإنسان وما يُفسده، فيوجّهه إلى ما فيه الخير له في الدنيا والآخرة، انطلاقاً من رحمته التي وسعت كلّ شيء، فهو الذي {يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ} بحسب حكمته {وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}، وهو صاحب الفضل العظيم على الناس كافّةً، وليس لأحد غيره أيّ فضل. فمنه الفصل وإليه يرجع كلّ شيء سبحانه وتعالى عمّا يشركون. ***** الآية في حركة الدعوة إلى الله: أمّا ما نستوحيه من هذه الآيات، فهو التحرّك الواعي من أجل رصد النماذج المماثلة في الساحة الدينيّة والاجتماعية والسياسية، فقد يحاول الكثيرون أن يخلقوا الارتباك والتشويش والبلبلة في صفوف المسلمين بالأساليب المماثلة لهذا الأسلوب؛ فلا بدّ لنا من الوقوف أمام ذلك كلّه بالمنطق القرآني الذي يبعث الثقة في نفوس المؤمنين ويوجّههم إلى الاعتماد على الله في ذلك كلّه، ويوحي إليهم بأنَّ هذه الأساليب لا تضرّ أحداً إذا كان على بيّنة من أمره، ويدفعنا إلى التأكيد على أسلوب التوعية للمسلمين في عقائدهم ومفاهيمهم لئلا يضلّوا من حيث لا يعلمون. وقد نستطيع أن نستفيد من هذا كلّه أنَّ أعداء الله قد يكتمون كثيراً من حقائق الإيمان الموجودة في الساحة من أجل أن لا تكون حُجّة عليهم في الدنيا والآخرة، أو لا يبرز لخطوط الإسلام فضلٌ من فكر أو عمل؛ ليظهروا أمام الناس أنّهم أصحاب الفضل، فلا فضل لغيرهم في أيّ جانب من جوانب الحياة. وفي هذه الحالة لا بدَّ لنا من أن نحتفظ لأنفسنا بجوّ الثقة الذي نستطيع من خلاله أن ننهزم نفسياً أمام هذا الإنكار للخصائص الذاتية الكامنة فينا، عندما نلتفت إلى الله، فنعرف أنّه صاحب الفضل علينا وعلى الآخرين، فهم لا يستطيعون أن يقدّموا أو يؤخّروا شيئاً في الموضوع، ولا يمكنهم إخفاء ما يريد الله إظهاره، أو إظهار ما يريد الله كتمانه؛ فإنّه وليّ الأمر في كلّ شيء. ***** 9 ـــ التغيير يبدأ من الداخل: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} [آل عمران: 199]. ***** معاني المفردات: {خَاشِعِينَ}: خاضعين، والخضوع: هو التذلُّل خلاف التعصُّب. ***** ينطلق القرآن في ساحة الصراع الفكري والعملي بين أتباع الديانات السماويّة، ليؤكّد حقيقةً ثابتةً في مجال الدعوة إلى الله، وهي الابتعاد عن خطّ اليأس من تغيير الواقع عندما نواجه الكثيرين ممّن يتعصّبون لفكرهم ويخالفون فكرنا ويحاربونه ويتعصّبون ضدَّه، فقد نخضع في مثل هذه الحالة إلى حالةٍ نفسيّة سيّئة ضاغطةٍ تجعلنا نفكّر بعدم الجدوى في الحديث مع هؤلاء عن الإسلام ومفاهيمه وأحكامه. ويريد القرآن أن يوحيَ إلينا بأن لا نيأس ولا ننهزم، بل يجب أن نتابع الطريق حتى نهاياته، ونؤمن بأنَّ هناك جانباً طيّباً في نفس كلّ إنسان يمكن أن يلتقيَ بالحقيقة، فيؤمن بها ويتحرّك معها، فلا بدَّ لنا من أن نلاحقه ونستثيره، ونصرّ على التعامل معه، فلا نهزم أنفسنا ومواقفنا قبل أن ندخل في المعركة، بل نتابع المسيرة لنلتقيَ بالجانب الطيّب الإنساني الذي يلتقي بالإيمان في دعوتنا إلى الله. وربّما يحتاج العاملون للإسلام أن يتعاملوا مع هذه الحقيقة في مجال الدعوة، في المجتمعات الضاغطة التي تخضع للسيطرة ـــ شبه المطلقة ـــ لبعض الاتجاهات غير الإسلامية، ما يوحي بأنَّ القضية ميؤوس منها على مستوى الحاضر والمستقبل. فقد يبدو لنا أنَّ مثل هذا التفكير ينطلق من دراسة المستقبل على أساس طبيعة الأمر الواقع في الحاضر، فيتصوّر المستقبل في أجواء الحاضر، ولكن هذا الاتجاه خاطئ في المجال العملي، لأنّ قضية النصر في أيّة معركة تتطلّب منك أن تتصوّر المستقبل من خلال المعطيات الجديدة التي تستقبل الكثير من المتغيّرات السياسية والعسكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يترك أثره الإيجابي أو السلبي على حركة المعركة، كما يفرض عليك التصوّر الواقعي أن تبحث عن نقاط الضعف في الحاضر لدى خصومك من أجل أن تنمّيها وتطوّرها وتستفيد منها في عملية التغيير، وتبحث عن نقاط القوّة الصغيرة لديك من أجل أن تثيرها وتوجّهها في الاتجاه الواسع الكبير الذي يتحوّل إلى القوّة الكبيرة الضاغطة. ***** إنّ الشرط الأساسي في حركة التغيير يبدأ من الداخل، وذلك بالشعور العميق بإمكانية التغيير أياً تكن الصعوبات، لأنَّ الصعوبات لا تنطلق في حجم الحياة، بل تتحرّك في حجم المرحلة، ما يجعلك تفكّر في الهدف على أساس سياسة المراحل. فإذا التقيت بمرحلة ضاغطة صعبة، فإنَّ بإمكانك أن تقفز إلى مرحلة أخرى تملك زمام الأمر فيها من أجل الوصول إلى الهدف. إنَّ التحدّيات الصعبة لا تلغي الهدف، بل ربَّما تؤخّره إلى مرحلة جديدة. وهذا ما عاشه الأنبياء في حركة الدعوة إلى الله والعمل في سبيله، فقد دخلوا المعركة والعالم من حولهم يعبد الأصنام ويكفر بالله، ويستسلم للقِيَم المادية التي يفرضها واقع الكفر والشرك، ووقفوا يطلقون الصوت بقوّة، وكانت الأصوات المضادّة أقوى، ولم يخفت الصوت الجديد ولم يتراجع، بل انطلق مرّة ثانية وثالثة ورابعة، واخترق الحاجز المضادّ، وبدأت الأصوات تخفّ، واستمرّ الأنبياء، وخفتت الأصوات كلّها، وبدأ صوت الله يتحرّك في كلّ أذن، ويعيش في كلّ قلب، ويفرض نفسه على كلّ ساحة. لقد آمن الأنبياء بحقيقة إنسانية ثابتةٍ في الإنسان، وهي أنّ في الإنسان ينابيع خير يمكن أن تتفجَّر، وطاقة إيمان يمكن أن تتحرّك وتتنامى، فلا بدّ من التعامل معها بواقعية وصبر، ولا بدّ للواقعية من أن تتحرّك في ضمن خطّة تحسب حساب الرواسب التاريخيّة التقليدية والعقد النفسية الصعبة والظروف الموضوعية الضاغطة، وتصبر على ذلك كلّه من أجل أن تذوّبه تدريجياً، لتعود الأرض صالحةً للغراس الجديدة من دون عوائق أو صعوبات كبيرة. وهكذا انطلقت غراس الإيمان في أرض الإنسان الذي صبر الأنبياء عليه حتّى اكتشف الحقيقة. إنَّ من واجبنا أن نفكّر أنّ الحياة بحاجة إلى الإسلام، ولكنّها تحتاج إلى جهدٍ كبير لتكتشف حاجتها إليه، ولتسعى ـــ بعد ذلك ـــ من أجل الانطلاق إيجابياً مع هذه الحاجة، ولذلك فإنَّ علينا أن نتعامل مع هذه الحقيقة بحجم الحياة وبحجم العالم، فلا نستسلم للقضايا الصغيرة في عملية ضعف واستسلام. إنَّ معنى أن نحمل الإسلام هو أن نشعر بأنَّ دعوته لا بدّ من أن تشمل العالم بعيداً عن كلّ الحواجز الفكرية والسياسية، تماماً كما حمله رسول الله محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وإنّ مهمّتنا هي أن نتقدّم به نحو هذا الهدف، ولو خطوة واحدة، أو بضع خطوات، من أجل أن يسير الآخرون على أساس هذه الخطوات في انطلاقهم نحو الهدف، فإنّ الحياة مليئة بالفرص المتحرّكة في قضية الإيمان لدى الإنسان. وهذا ما أرادت الآية الكريمة أن توحيه من خلال ما تقدّمه من نماذج أهل الكتاب الذين كانوا يمثّلون الخطّ المعادي للإسلام في فكره ومسيرته، ولكنَّهم انطلقوا مع حقيقة الإيمان بعيداً عن التعقيدات، وتحرّكوا مع الخشوع لله الذي يستدعي الخضوع لشريعته، فآمنوا بالإسلام فكراً وشريعة حياة. {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ} فقد كانوا يطلبون الوصول إلى الحقّ، ولكن الطريق مسدودة أمامهم في ما يعيشونه ويلتقون به من حواجز مادية ومعنوية. إلاَّ أنّهم استطاعوا تحطيم تلك الحواجز وخشعوا لله، فخضعوا للحقّ الواحد الذي أوحى به الله في رسالاته، ورفضوا كلّ الحساسيات السلبيّة التي تحول بينهم وبين الإيمان. {لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَناً قَلِيلاً} لأنّهم يؤمنون أنّ قضية العقيدة هي قضية الإنسان في روحيّته وإنسانيّته ومصيره، فلا يمكن أن يتاجر بها لقاء دراهم معدودة، {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ} لأنّهم تمرَّدوا على كلّ مشاعر العصبيّة الضاغطة، وتحرَّروا من كلّ الدوائر الضيّقة التي تحبس فكرهم وشعورهم وتسجنه في الظلام، وعرفوا أنَّ الحياة موقف، وأنّ الموقف يجسِّد للإنسان معنى أن يكون إنساناً أو لا يكون. {إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}. ***** 10 ـــ تحذير من استغلال الدّعاة لمناصبهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ*يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} [التوبة: 34 ـــ 35]. ***** معاني المفردات: {يَكْنِزُونَ}: الكنز: جعل المال بعضه على بعض وحفظه. {يُحْمَى}: الإحماء: جعل الشيء حاراً في الإحساس وهو فوق الإسخان. {فَتُكْوَى}: الكيّ: إلصاق الشيء الحارّ بالعضو من البدن. ***** يقدّم لنا القرآن هؤلاء الذين يملكون الصفة الرسميّة للدين، ويجعلون من أنفسهم هُداةً للناس، في ما يحملونه من علم الكتاب، أو في ما يمارسونه من تدرّبٍ على الجهاد الداخليّ، بالعزلة الروحية التي يفرضونها على حياتهم، أو بالتقشُّف القاسي الذي يخضعون له أجسادهم، أو بالبعد عن شهوات الحياة وزخارفها، وما إلى ذلك من أوضاعٍ وممارساتٍ تجعل منهم القدوة المُثلى في نظر الناس، بحيث يخيّل إليهم أنّهم وكلاء الله على الأرض، فهم الذين يتقرّب الناس بهم إلى الله، وهم الذين يملكون توزيع حصص الجنّة عليهم، كما يملكون توزيع حصص النار لمن لا يرضون عنهم. وهكذا يستطيع هذا الانطباع الذي يحمله الناس عنهم، أن يؤكّد تأثيرهم في المجتمع وسيطرتهم عليه، وبذلك استطاعوا أن يطوّروا الأساليب من أجل استغلال مراكزهم، للاستيلاء على أموال الناس بطرقٍ غير شرعيّة، تتنوّع حسب تنوّع المراحل والأجيال. فقد كان البعض منهم يبيع أراضي الجنّة، وبعضهم يبيع صكوك الغفران، وبعضهم يمهّد للظلَمَة أن يبسطوا سلطانهم على المستضعفين من الناس. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّ كَثِيراً مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ} وذلك من خلال ما يتيحه لهم مركزهم الديني المتّصل بالغيب الذي يخيّل للنّاس من خلاله أنّهم يملكون عالم الغيب كلّه، فيفرضون عليهم باسم الغيب ما يريدون أن يحصلوا عليه منهم من أموالٍ وشهواتٍ، مستغلّين سذاجة الناس وطيبتهم وجهلهم. ومن خلال ذلك، يريد القرآن أن يوحيَ إلينا بعدم الاستسلام الكلّي للفئة التي تملك هذا المركز الرسميّ للدين، بل علينا أن نواجهها بحذرٍ ووعيٍ ومراقبةٍ، لئلا نعيش مثل هذه التجربة في واقعنا العملي، فنقع في مثل ما وقعوا فيه، وننحرف في ما انحرفوا فيه. ولا يريد القرآن أن يعقّد الإنسان تجاه هذه الفئة من الناس ليقضيَ على الثقة التي يحصلون عليها منهم، ولكنّه يريد أن يفتح عيونهم على الواقع، فيثير فيهم الاهتمام بدراسته بطريقةٍ واعيةٍ تضع في حسابها كلّ الاحتمالات، لتتحرّك في إعطاء الثقة للآخرين لهؤلاء أو لغيرهم، من موقع دراسةٍ وتدقيق، انطلاقاً من إمكانات الخطأ لكلّ إنسانٍ غير معصوم، ومن وجود تجارب عمليّة لمثل هؤلاء المنحرفين في الماضي والحاضر، ليتعلّم الناس أن يواجهوا الحياة بوعيٍ، حتى في داخل الأهواء التي تأخذ لنفسها صفة القداسة، ليكون التأييد عن وعيٍ وقناعةٍ، وليكون الرفض عن دراسةٍ واطّلاعٍ، بعيداً عن كلّ حكمٍ عشوائيٍّ، أو تصرّفٍ غير مسؤول. ***** مسؤولية الموقع: وربّما نحتاج إلى إثارة ملاحظةٍ حول كلمة "الباطل" لنستوحيَ منها كلّ الوسائل غير الشرعية التي يتّخذونها سبيلاً لأخذ الأموال من الناس بغير حقّ، فلا تشمل الهدايا والعطايا التي يقدّمها الناس إليهم عن طيب خاطر، إلاّ في ما إذا لم يكونوا بالمستوى الذي يفرضه مركزهم من خدمة الناس في دينهم وفي تثقيفهم وتوعيتهم، كما في الكثيرين الذين يتّخذون من الموقع الديني وسيلةً للبطالة الاجتماعية، فلا يشعرون بأيّة مسؤوليّة تجاه الناس في مجال الدعوة والتبليغ، بل يحاولون أن يتحدّثوا معهم من مركزٍ فوقيٍّ يوحي إليهم بالتّرفّع والمنّة لأقل خدمةٍ يقدّمونها إليهم، ويعتبرون أنّ مستواهم لا يقترب من مستوى الناس البسطاء الفقراء، فيتقرّبون من المترفين والأغنياء، ويبتعدون عن المؤمنين الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجه الله. إنّ مثل هؤلاء لا يستحقّون المال الذي يأكلونه حتى إذا كان من الصدقات والضرائب الشرعيّة، لأنّهم لم يقدّموا للنّاس ولله شيئاً في مقابل ذلك، ولولا الموقع الديني الذي يشغلونه لما أعطاهم الناس شيئاً من ذلك، ما يعني أنّ العطاء هو للموقع لا للشخص. وبذلك نفهم ما معنى مسؤولية الموقع في حركة الشخص في الحياة، {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} لأنّهم لا يريدون للحياة أن تسير في طريقه، بل يريدون لها أن تخضع لشهواتهم وأطماعهم. ***** الذين يكنزون الذهب والفضّة {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ} وهذا نموذج آخر من نماذج الانحراف الذي يلتقي بالفريق الأول، وقد يتمثّل في غيره، وهو نموذج هؤلاء الذين يعيشون الحياة من أجل الحصول على المال بأيّة وسيلةٍ ومن أيّ كان، لأنّ هدفهم هو ادّخار المال واكتنازه وزيادته، لا لهدفٍ كبيرٍ يتّصل بخدمة الحياة في قضاياها الحيويّة أو بخدمة الإنسان في مشاكله المتنوّعة، بل كلّ ما هناك هو إرضاء عقدة الطمع والكبرياء في ذواتهم وشهوة التملّك في نفوسهم، فهم يجمعون ويجمعون ثمّ يدّخرون ويكنزون الذهب والفضّة من طريق مشروع أو غير مشروع {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ} في ما يمثّله "سبيل الله" من أُفقٍ واسعٍ لكلّ المعاني الروحيّة والاقتصادية والتربوية ونحو ذلك ممّا يعتبر خدمةً لله بخدمة عباده، وجهاداً في سبيله، من خلال تأكيد القواعد التي أراد للحياة أن تقوم عليها. ***** الوجهة التشريعيّة لتحريم اكتناز الذهب والفضّة والسؤال الآن: ما هو مصداق هذه الآية في الحياة العامة التي نعيشها؟ هل هم الذين يجمعون المال ويخرجون منه حقوق الله، ثمّ يدّخرونه من أجل تقوية مركزهم الاقتصادي الذي يعطي القيمة لصاحبه، بقدر ما يملك من مالٍ في أسواق المال، أو من أجل تأمين مستقبلهم الذي يتقاعدون فيه عن العمل ليتحوّلوا إلى عنصر استهلاكيّ لا إنتاجيّ، فيحتاجون لما يحفظ لهم ماء وجههم، أو يحقّق لهم استمرار حياتهم بشكل طبيعيّ؟ وقد قيل إنّ أبا ذرّ الغفاري (رضوان الله عليه) واجه معاوية وعثمان بهذه الآية، وكانت وجهة نظر معاوية أنّها مختصّة بأهل الكتاب، وكان جواب كعب الأحبار في مجلس عثمان، أنّها لا تشمل الذين يخرجون الزكاة، وكان ردّ أبي ذرّ حاسماً في رفض الجوابين. أو هم هؤلاء الذين يجمعون المال ويدّخرونه حبّاً في المال، وبخلاً به، من خلال شهوةٍ ذاتيّةٍ في طلبه، فلا يدفعون منه شيئاً من حقوق الله أو من حقوق الناس؟ وبكلمةٍ موجزة، هل هي من الآيات التي تتضمّن تشريعاً عاماً يختلف عن التشريعات التفصيلية في نطاق الضرائب الشرعية كالزكاة والخمس ونحوهما، أو هي من الآيات التي تتحرّك في أجواء هذه التشريعات لتعالج مسألة نوعية العقاب الذي يترتّب على الممتنعين عن دفع الضرائب الشرعيّة، أو هي واردة في اتّجاه آخر؟ ربّما يجد بعض المحقّقين من المفسّرين، أنّ الآية تعالج قضية إخفاء المال عن الأنظار، والامتناع عن تحريكه في أجواء السوق التجارية، أو في مجالات الإنفاق العام الذي قد يتمثّل في الحقوق الشرعية الواجبة، أو في ما يفرضه وليّ الأمر من إنفاقات طارئة بسبب ما يحتاجه أمر الإسلام والمسلمين، ما يجعل من إخفائه مانعاً عن الاطّلاع عليه للاستفادة من ذلك في مواجهة المشاكل الاقتصادية التي تحدث لأولياء الأمور، ويوضّح هذا المحقّق، وهو العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان هذه الفكرة فيقول: "فالآية إنّما تنهى عن الكنز لهذه الخصيصة التي هي إيثار الكانز نفسه بالمال من غير حاجةٍ إليه، على سبيل الله مع قيام الحاجة إليه، وناهيك أنّ الإسلام لا يحدّ أصل الملك من جهة الكميّة بحدٍّ، فلو كان لهذا الكانز أضعاف ما كنزه من الذهب والفضة ولم يدّخرها كنزاً بل وضعها في موضع الجريان يستفيد به لنفسه ألوفاً وألوفاً، ويفيد غيره ببيع أو شراء أو عمل وغير ذلك، لم يتوجّه إليه نهيٌ دينيٌّ، لأنّه حيث نصبها على أعين الناس وأجراها في مجرى النماء الصالح النافع لم يخفها ولم يمنعها من أن تصرف في سبيل الله، فهو وإن لم ينفقها في سبيل الله، إلاّ أنّه بحيث لو أراد وليّ أمر المسلمين لأمره بالإنفاق في ما يرى لزوم الإنفاق فيه، فليس هو إذا لم ينفق وهو بمرأى ومسمع من وليّ الأمر بخائن ظلوم..". ثمّ يتابع قوله: "فالآية ناظرة إلى الكنز الذي يصاحبه الامتناع عن الإنفاق في الحقوق المالية الواجبة، لا بمعنى الزكاة الواجبة فقط، بل بمعنى يعمّها وغيرها من كلّ ما يقوم عليه ضرورة المجتمع الديني من الجهاد وحفظ النفوس من الهلكة ونحو ذلك"(1). ونلاحظ على ذلك، أنّ هذا الرأي ينطلق من الاستغراق في كلمة "الكنز" على أساس ما تتضمّنه من معنىً لغوي، بما توحيه الكلمة من معنى، لتتحرّك في أجواء الامتناع عن بذلها في سبيل الله. ولكنّنا نستوحي منها التحدّث عن ظاهرةٍ عامّة منحرفةٍ تتمثّل في أولئك الذين يعيشون الحياة للمال ويعتبرون جمعه قيمةً حياتيّةً، بعيداً عن أيّ هدف كبير يتعلّق بحياة الناس، الأمر الذي يدفعهم إلى أن يحصلوا عليه بالحقّ، أو بالباطل، كهؤلاء الأحبار والرهبان، ويستغرقوا فيه، كما لو كان هو الهدف للحياة، فيؤدّي ذلك إلى أن يمنعوه عن المجالات العامة التي أراد الله للمال أن ينفق فيها، ممّا أمر الناس أن ينفقوه في سبيله، وهذا هو الجوّ الذي أراد الصحابيّ الجليل أبو ذرّ الغفاري أن يحرّكه في حياة المجتمع آنذاك، لأنّ طريقة الحكم في توزيع الأموال كانت منطلقةً من الإثرة التي تدفع الحاكم إلى أن يتصرّف بالمال على هواه، أو يخصَّ به ذوي قرباه، وتبعث الناس على اكتناز الأموال، واعتبارها قيمةً اجتماعيّةً للتفاضل على حساب أهداف المجتمع الإسلامي وقيمه. أمّا الحديث عن الكنز بمعنى الادّخار الذي يدفع الإنسان إلى حبس المال في صناديق مقفلةٍ، فلم يكن ظاهرةً بارزةً لدى الذين يحبّون تنمية أموالهم تبعاً لأطماعهم، لأنّ ذلك لا يحقّق لهم الغاية المطلوبة في تكثير المال وازدياده، فكيف يمكن أن يكون ذلك هو المعنى المقصود من الآية التي جاءت لتعالج حالةً عامّةً في حياة الناس؟! ومن خلال ذلك، فإنّنا نستوحي منها ـــ والله العالم ـــ الفكرة التي تؤكّد على الانحراف بالمال عن هدفه، من حيث هو طاقةٌ من طاقات الأُمّة التي تتحرّك في نطاق الأفراد الذين يملكونها من أجل أن يحقّقوا الغايات التي أمرهم الله بتحقيقها، ولكنّهم يحوّلونها إلى أطماعهم الفرديّة، وأنانيّاتهم الشخصية، وشهواتهم الذاتية، فهم يجمعونها لتحقيق حالةٍ عامّةٍ. فهي تعالج الروحية التي يعيشها هؤلاء في ما يترتّب عليها من ممارسةٍ وعملٍ، وليست في مجال الحديث عن التفاصيل، من حيث طبيعة الموارد التي يتمثّل فيها الإنفاق في سبيل الله، في ما يقتصر على الضرائب الشرعية المفروضة الخاصة، أو في ما يعمّها ويعمّ غيرها ممّا يبذله الإنسان من خلال ذاته في ما تدعو إليه الحاجة العامة، كما في حالات الجهاد أو الانهيار الاقتصادي أو المجاعة وما إلى ذلك. ***** عذاب الذين يكنزون وربّما كان من الطبيعيّ لأمثال هؤلاء، أن لا يكونوا سائرين على خطّ الإيمان في حياتهم، لأنّ المؤمن الحقّ، هو الذي يستهدف غايات الإيمان في غاياته، فيعتبر الملكية للمال وظيفةً اجتماعية، لا امتيازاً شخصياً، وبذلك فإنّه يعتبره أمانة الله عنده، ليكون حاله حال الأمانات الخاصة التي ينبغي للإنسان أن لا يتصرّف فيها إلاّ بما ينسجم مع رضا أصحابها وتوجيهاتهم. ومن هنا يعتبر سبيل الله في الإنفاق، هو السبيل الذي يجب أن يحكم ملكيته للمال، فليس له أن يبتعد عنه ولا أن يقترب من غيره، لأنّ معنى ذلك اتّباع سبيل الشيطان، في ما يتبع الناس من سبيل الانحراف {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} لأنّهم تمرَّدوا على الله، فخالفوا أمره، وواقعوا نهيه، واتبعوا خطوات الشيطان الذي يأمرهم بالمنكر وينهاهم عن المعروف {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ} لتتحوّل كلّ تلك الكنوز التي ادّخروها ومنعوها عن أهلها إلى نار تحرق الجباه والظهور والجُنُوب، {فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ} ويقال لهم في تلك الحال، إنّنا لم نظلمكم ولم نأتِ لكم بشيء من عندنا، بل كلّ هذا الذي ترونه، هو ما جمعتموه من المال في الدنيا، فتحوّل إلى لهيب في الآخرة، {هَـذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ} ومنعتموه عن الآخرين البائسين المحرومين {فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} لأنّ الإنسان لا يجني إلاّ ثمرة عمله، إن خيراً فخير، وإن شرّاً فشرّ. ***** آية الكنز عامة وشاملة لكلّ الناس وفي ضوء هذا العرض الذي قدّمناه، نفهم أنّ الآية لا تختصّ بأهل الكتاب، وإن جاءت في سياق الحديث عنهم، بل هي شاملة لكلّ الناس، لأنّها في معرض الحديث عن الظواهر العامة التي تمثّل المبادئ الشاملة لكلّ أوضاع الحياة. كما أنّها لا تختصّ بزمانٍ دون زمانٍ، فإنّ مثل هذه القضايا لا تمثّل شريعةً محدودةً لتنسخها شريعةٌ أخرى، بل هي شريعةُ الحياة في ما تحتاجه من قواعد للانطلاق والإبداع والاستمرار. الدعوة: طرق وأساليب الحكمة في الدعوة ـــ من أساليب الدعوة في الإسلام ـــ المرحلية في الدعوة ـــ المرونة في الدعوة ـــ الأسلوب التربوي للدعوة ـــ توجيهات إلهية في خطّ الدعوة ـــ الدعوة من خلال إثارة الوجدان الشعبي ـــ التربية على حبّ الله ـــ المغزى من إنزال القرآن تدريجياً ـــ الدّعاة بين مراعاة السريّة ومواجهة الإشاعات. 1 ـــ الحكمة في الدعوة: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]. ***** {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} في هذه الآية يظهر الخطّ العريض لأسلوب الدعوة في القرآن، والكيفية التي ينبغي بها مواجهة الآخرين وإذا ما كانت تتمّ عن طريق العنف أو عن طريق اللّين والرفق. إنّ الآية تحدّد للأسلوب ثلاثة عناوين، الحكمة، والموعظة الحَسَنة، والجدال بالتي هي أحسن، فكيف نفهمها في حركة الحكمة؟ ***** كلمة الحكمة ودلالاتها: أمّا كلمة الحكمة، فقد أخضعها اللّغويون ـــ على عادتهم ـــ لمعانٍ متعدٍدة، لو دقّقت فيها لرأيتها أشبه بالمصاديق منها بالمفاهيم، وإذا شئنا الوضوح في التعبير، نجد أنّها بدلاً من أن تحدّد معنى اللّفظ، تشير إلى بعض ما يلتقي به وينطبق عليه من الأمور الخارجية وغيرها. وإذا ما استقرأنا كلمات اللّغويين فيها، ماذا نرى؟ نراها تبيّن المعاني التالية: "العدل"، و"الحلم" و"النبوّة" و"ما يمنع من الجهل" و"ما يمنع من الفساد" و"كلّ كلام موافق للحقّ" و"وضع الشيء في موضعه" و"صواب الأمر وسداده" و"معرفة الأشياء بأفضل العلوم" وغير ذلك. هذه بعض المعاني التي ذكرت لهذه الكلمة، فهل باستطاعتنا اعتبارها معاني للكلمة؟ لا نحسب الإيجاب سيكون جواباً لهذا التساؤل، بل قد يكون السلب أقرب إلى الواقع في ذلك من دون الانتقاص في ذلك من قيمة اللّغويين أو القدح بهم، لأنّ مهمّتهم ليست تشخيص المعاني والمفاهيم الحقيقيّة للفظ، بل تشخيص موارد الاستعمال فحسب وبيان الصحيح منها من الفاسد. وإذاً، فلا مانع من أن يضعوا أمام الكلمة عدّة مصاديق للمعنى لا تصلح لأن تكون مفهوماً لها، لمجرّد أنّها استعملت فيها في بعض موارد كلام العرب. فنحن لا نعتبر هذه المفاهيم التي ذكرها اللّغويون معاني للكلمة ـــ فيما يبدو لنا ـــ لأنّنا لو رجعنا إلى موارد إطلاقها، لما وجدنا لهذه المعاني أيّ صدى في نفوسنا وفي أذهاننا عند إطلاقها، فلا نستطيع أن نزعم لأنفسنا عندما نجد كلمة "حكمة" أنّنا نتمثّل معها "العدل" أو "الحلم" أو "العلم" أو "النبوّة" وغيرها، أو ندّعي أنّ لفظ "الحكيم" يمثّل لنا مفهوم "العادل" أو "الحليم" أو "العالم" أو "النبيّ" كمفاهيم لهذا اللّفظ. ولكنّنا ـــ في الوقت نفسه ـــ لا نمانع من إطلاق هذا اللّفظ على هذه الكلمات، لالتقائها جميعاً بالمعنى الواسع للحكمة. فما هو معنى لفظ الحكمة إذاً؟ ما يبدو لنا ـــ من ملاحظة موارد استعمالها ـــ أنّ أقرب هذه المفاهيم إلى المفهوم الذي نعنيه من لفظ "الحكمة" هو "وضع الشيء في موضعه" أو "صواب الأمر وسداده"، فإنّ هذا المفهوم يحضر الذهن لدى سماع هذه الكلمة، ولكنّنا لن ندّعي أنّه هو المعنى نفسه، بل نزعم أنّه أقرب شيء إليه وألصق معنى به من بين المعاني التي ذكرت له، ومن هنا نجد أنّ صفة الحكمة تلتقي في كلامنا بـــ "الخبرة" و"المران" و"التجربة"، فنعتبر الإنسان المزوّد بهذه المعاني إنساناً حكيماً، لأنّ له من تجاربه وخبرته ومرانه ما يساعده على إعطاء الرأي الصائب، ويمنح خطواته وأعماله صفة التركيز وعدم الانحراف والاهتزاز، ويجعلها في محلّها ـــ كما يقول التعبير الشائع ـــ وهو الذي يلتقي بمفهوم "وضع الشيء في موضعه". ويتّضح ما قلناه، إذا لاحظنا التعبير المتعارف: "عالج الأمور بحكمة" أو "سار فيه بحكمة"، فإنّ المفهوم منه هو الطريقة السديدة التي تجعل كلّ شيء في موضعه. وبذلك يمكننا معرفة وجه إطلاق هذا اللّفظ على "الكلام الموافق للحقّ" باعتباره إرجاعاً للأمر إلى نصابه، ووضعاً للحقّ في موضعه، أو باعتبارها صواباً وسداداً. على ضوء ذلك، يمكننا إطلاق هذه الصفة على العالم والعادل والحليم والنبيّ، لأنّ اشتمال الإنسان على المبادئ، وهي العلم والعدل والحلم والنبوّة، تساعده على أن يضع الأشياء في مواضعها، في العلم عندما يبحث ويفكّر، وفي الحلم عندما يعفو ويسامح، وفي العدل عندما يقضي ويحكم، وفي النبوّة عندما يدعو ويبلّغ، فهي من مبادئ الحكمة، لا الحكمة نفسها، ذلك لأنّ الحصول على ملكة وضع الشيء في موضعه ليس أمراً بسيطاً يتعلّمه الإنسان ويمارسه، كما يتعلّم أيّة صنعة أو حرفةٍ ويمارسها، بل هو أمرٌ معقّدٌ جداً يحتاج إلى معايشة للقضايا والحوادث والأفكار، واطّلاعٍ واسعٍ على دقائقها وخصائصها ومداخلها ومخارجها، ومن هنا كان قوله تعالى ـــ في الحديث عن الحكمة ـــ: {يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} [البقرة : 269]، وكانت الحكمة من المنح الإلهية العظيمة التي امتنَّ الله بها على عباده وأنبيائه في حديثه عن داود (عليه السلام): {وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة : 251] وعن آل إبراهيم {فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً} [النساء : 54]. ويلاحظ في الآية الأخيرة مقارنة الحكمة بالكتاب دلالة على أنّها ترقى إلى مستوى الكتاب في السموّ والرفعة، كما يلاحظ ذلك في كثيرٍ من الآيات المتفرّقة. وخلاصة القول: أنّ كلمة الحكمة تشير إلى مفهوم "وضع الشيء في موضعه" أو "صواب الأمر وسداده"، إلاّ أنّ مبادئها تختلف، كما أنّ مجالاتها تتعدَّد. المراد من الدعوة بالحكمة في القرآن الكريم: ذلك ما نفهمه من لفظ الحكمة في اللّغة حين نطلقها في كلّ مجال، فما الذي يريده القرآن منها هنا، حين ينصح أو يأمر بأن تكون الدعوة بالحكمة؟ هل الحكمة هنا محتوى للدعوة أو مضمون، أم هي أسلوبٌ وطريقة؟ حاول بعض المفسّرين أن يجعل الحكمة مضموناً للدعوة ومحتوىً لها، لا أسلوباً من أساليبها، فقد ذكر الشيخ الطوسي (رضي الله عنه)، في تفسيره "التبيان" أنّ الحكمة هي "أن يدعوهم إلى أفعالهم الحسنة التي لها مدخلٌ في استحقاق المدح والثواب عليها، لأنّ القبائح يزجر عنها ولا يدعو إليها والمباح لا يدعو إلى فعله لأنّه عبث، وإنّما يدعو إلى ما هو واجب أو ندب، لأنّه يستحقّ بفعله المدح والثواب". وفي "مجمع البيان" للشيخ الطوسي: "أي بالقرآن.. وسميّ القرآن حكمة لأنّه يتضمّن الأمر بالحسن والنهي عن القبيح"(1). وفي "الكشّاف" للزمخشري: الحكمة هي "المقالة المحكمة الصحيحة وهي الدليل الموضح للحقّ المزيل للشبهة". ثمّ قال: "ويجوز أن يريد القرآن أي ادعهم بالكتاب الذي هو حكمة..."(2). وفي الوجيز: "الحكمة هي الحجج الكاشفة عن دينه". هذا نموذج من التفاسير التي حاولت أن تجعل من الحكمة مضموناً للدعوة، ومتعلّقاً لها، فهي تارّةً، أمرٌ بالحسن ونهيٌ عن القبيح، وأخرى، الإتيان بالآيات القرآنية في مقام الدعوة، وثالثةً إقامة الأدلّة والبراهين على الحقّ. ولكن يبدو لنا أنّها لا تنسجم مع طبيعة غرض الآية وهدفها الأخير، فهي ليست في مجال التحدّث عمّا يلزم على النبيّ أن يدعو له فيأمر به أو ينهى عنه، لأنّ ذلك أمرٌ واضحٌ معلوم للنبيّ باعتباره نبيّاً مرسلاً من قِبَل الله سبحانه، برسالةٍ تتضمّن أمر الله ونواهيه وتعاليمه المتعلّقة بأمر معاش الناس ومعادهم، كما أنّ من المعلوم لديه أنّ القرآن يدخل ضمن نطاق الدعوة باعتبارها المعجزة البيانية الخالدة للرسالة الإلهية العظيمة. ولعلّنا نلمح في كلمة {إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ} ما يرشدنا إلى ذلك، فإنّ سبيل الله الذي تجب الدعوة إليه هو الإسلام بكلّ تعاليمه ومبادئه، والقرآن بما فيه من أحكام وتعاليم. أمّا التفسير بالحجج والأدلّة والبراهين، فهو غير وارد أيضاً، لأنّه ليس أمراً جديداً على الدعوة وعلى النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، لأنّ أساليب القرآن ترتكز على ذلك، كما أنّ طبيعة الدعوة تعتمد عليه، لأنّها انطلقت مع أدلّتها وبراهينها منذ اللحظة الأولى. ***** فما الذي يراد بها أوّلاً؟ يبدو لنا ـــ من خلال ما قدّمناه ـــ حول مفهوم الكلمة، أنّها تعبيرٌ عن طبيعة أسلوب الدعوة وضرورة اتّصافه بالحكمة، وسلوكه طريقها. فكأنّ الآية محاولةٌ للإرشاد إلى طريقة الدعوة العملية في هداية الناس وإرشادهم وكسب أكبر عددٍ ممكن منهم إلى صفّ الدين والعقيدة، وللإشارة إلى أنّ الحقيقة المجرّدة العارية، والواقع البسيط المجرّد، لا يمكن إلقاؤهما إلى الناس دون مقدّمات، ودون ملاحظةٍ للظروف ودراسة لجوّ العمل ومجالاته. وعلى ضوء هذا، فإنّ المراد بالحكمة ـــ كما نفهمه منها ـــ هو السير على الطريقة الواقعية للعمل، ونعني بها تلك التي تلاحظ الواقع الخارجي للمجتمع الذي تعيش فيه، وتدرس ظروفه العقلية والفكرية والنفسية والاجتماعيّة، وتضع كلّ ذلك في حسابها قبل بداية العمل. وإذا ربطناها بالدعوة، فسنجد أنّها محاولة لتنبيه الدّعاة إلى الله، إلى أن لا يكون الأسلوب المتّبع لديهم في العمل واحداً من حيث النوع، بل لا بدّ من أن يختلف حسب اختلاف الواقع الذي تعيشه الدعوة، أو يعيش فيه الدين، فإنّه من الواضح أنّ الدعوة لن تكون فعّالة، إذا حاولت أن تساويَ بين الجاهل والمثقّف في الفكرة التي تُلقى، والأسلوب الذي يُتَّبع، فإنّ الأدوات التعبيريّة والمخزون الفكري الذي يملكه كلٌّ منهما، يختلف عمّا يملكه الآخر، وأيضاً، فقد تقتضي بعض المواقف الجوّ الحماسي والاندفاعي الصرف، بينما يقتضي بعضها الآخر، الجوّ الهادئ المتّزن الذي يتيح للفكر أن ينطلق، وللروح أن تطمئن، وللإنسان أن يفكّر بهدوء. وقد يدفعنا الجوّ ـــ في بعض الحالات ـــ إلى عرض الفكرة بكامل تفاصيلها، بينما يدفعنا ـــ في حالاتٍ أخرى ـــ إلى الاكتفاء بعرض الخطوط الرئيسية فقط، تاركين للمستقبل وضع النقاط على الحروف. ذلك ما نفهمه من الحكمة هنا، والذي قد يلتقي مع كلمة "المرونة" في كثيرٍ من مدلولاتها، لأنّ المرونة تقتضي عدم انتهاج الداعية أسلوباً واحداً لا يتعدّاه في مجالات العمل، بل تتطلّب منه أن يكون مرناً يلاحظ طبيعة الجوّ، وطبيعة الموقف، وطبيعة الإنسان المخاطب. وقد نجد في تعبير علماء البيان عن البلاغة بأنّها "مطابقة مقتضى الحال" ما يوضح لنا معنى الحكمة ويقرّبها إلى أذهاننا لأنّه يلتقي بها من أقرب الطرق. ولا بدّ لنا ـــ في ختام الحديث حول هذه الكلمة ــــ من الإشارة إلى أنّ المرونة التي ذكرناها ومطابقة مقتضى الحال وغيرهما، لا تعني أن نصل إلى استخدام وسائل تتنافى والمبادئ العامّة للإسلام الذي يرتكز على قواعد أخلاقية متينة، فإنّ هذا شرط لا بدّ منه على كلّ حال. ***** الموعظة الحسنة: ما هو المراد من كلمة "الموعظة الحسنة"؟ إنّ بعض المفسّرين يقولون: إنّ الوعظ الحسن هو الصرف عن القبيح على وجه الترغيب في تركه والتزهيد في فعله، وفي ذلك تليين القلوب بما يوجب الخشوع. ويقول بعضهم الآخر: إنّها التي لا يخفى عليهم أنّك تناصحهم بها وتقصد ما ينفعهم بها. ولعلّنا نجد في تفسير الموعظة الحَسَنة ـــ بما ذكر ـــ تعبيراً عنها بما ينطبق عليها، وأنّ هذا المعنى الذي يذكرونه، من جملة مصاديق الموعظة الحسنة، ولكن لا بأس بذلك بعد أن كان المقصود هنا الإشارة إلى المراد القرآني للكلمة لا المفهوم اللّغوي المجرّد. ولذلك فلا بأس علينا من الجري على هذا التفسير مع التأكيد على التفسير الأخير الذي يعني بوضوح أنّ الموعظة الحسنة هي طريقة من طرق التبليغ، وأسلوب في الدعوة يحبّبها ولا ينفّر عنها، ويقرّب إليها ولا يبعّد عنها، وييسّرها ولا يعسّرها، وأخيراً لا آخراً، فهو الأسلوب الذي يشعر المخاطَب أنّ دور المخاطِب معه دور الرفيق به الناصح له الباحث عمّا ينفعه ويسعده. إنّها كما قال أحد الكتّاب المعاصرين "التي تدخل القلب برفق، وتعمّق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي قد تقع عن جهل أو حسن نيّة، فإنّ الرفق في الموعظة كثيراً ما يهدي القلوب الشاردة ويؤلّف القلوب النافرة ويأتي بخير من الزجر والتأنيب". ونزيد على ذلك، أنّ اللّطف والرّفق واللّين في مقام الدعوة يشعر الإنسان بإنسانيّته، ويوحي له ـــ بطريقة عفويّة ـــ أنّه أمام دعوة تفيض بالحبّ والحنان والخير. ***** الجدال بالتي هي أحسن: أمّا الفقرة الثانية وهي قوله تعالى: {وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل : 125] قد نستطيع اعتبارها بمثابة الإرشاد إلى الطرق التي يواجه بها الداعية المسلم ردّ فعل المخاطَب على الدعوة نفسها. لقد أخذ القرآن الكريم بعين الاعتبار الكفّار وأصحاب العقائد الإسلامية، وعرف أنّ الداعية سيصطدم بهم، نتيجة اختلاف أفكارهم مع دعوته واتّجاه الدعوة لتحطيم معتقداتهم. لقد أخذ القرآن الكريم كلّ ذلك بعين الاعتبار، وهو يعلم ما سينتهي إليه الداعية ـــ لو ترك وطبيعته ـــ في هذه الأجواء من ميل للثأر لعقيدته، حيث لا يمكن أن تربح الدعوة إلاّ مزيداً من المشاكل ومزيداً من عوامل الإثارة العاطفية التي هي في غنى عنها. لذا توجّه القرآن إلى هذه الناحية، وحاول أن يروّض نفس الداعية ويوسِّع آفاقه، فيخرجه من نطاق ذاته إلى نطاق الحقيقة الواسع ويبعد عنه الكبرياء الكاذبة التي تعتريه عندما تهاجم ذاته، ليأخذ بيده إلى التسامح ومراعاة ظروف الآخرين وملاحظة واقعهم النفسي والعقلي. وهو يحاول أن يلقي في روح الداعية تقبل مهاجمة دعوته من قبل خصومها كأمر طبيعي جداً ينبغي تقبله كما الأمور الطبيعية التي نعيشها في حياتنا، وأنّ من وظيفته ـــ كداعية ـــ أن يكسب هؤلاء الخصوم إلى صف الدعوة، ويقرّبهم إلى عقيدتها، ويربح فكرهم وإيمانهم، لا أن يحطّمهم ويقتلهم ويغلبهم، فليست مهمّة الداعية هي مهمّة من ينشد الغلبة على خصمه لإشباع نزوعه إلى التفوّق وإحساسه بالعظمة، بل هي مهمّة الإنسان الذي يمارس إنسانيّته بإعانة خصمه على التحرّر من رواسب كفره، والأخذ بيده نحو هذا السبيل، ليصبح صديقاً له ورفيقاً في رحلة الدعوة إلى الله. وبهذا كان الجدل بالتي هي أحسن هو الطريقة المثلى للوصول إلى ذلك الهدف وبلوغ تلكم الغاية، فإنّنا نلاحظ أنّ طرق الجدل التي تعتمد التماس نقاط ضعف الآخر واستغلالها في توجيه الضربات المتلاحقة إليه، بأسلوب عنيف لا يحترم ذات الآخر وفكره، لا تملك أن تقدّم للعقيدة ـــ أيّة عقيدة كانت ـــ مؤمناً يعيش الإيمان بروحه وعقله، وذلك لأنّ هذه الطرق تطعن كبرياء الإنسان وكرامته في الصميم وتوحي له بأنّه يقف موقف المغلوب في فكره وعقيدته، وموقف المهزوم في ميدان الصراع الذي يشعر بأنّه لا يستطيع ربح المعركة ولكنّه لا يعتقد بأنّ الحقّ في جانب خصمه، ومن الطبيعيّ جدّاً أن يتغلّب كبرياء الإنسان وعناده في كثير من الأحيان، على رغبته في الوصول إلى الحقّ، وهنا لا يمكن للموقف أن يقدّم لنا سوى مزيد من المناقشات اللّفظية والهامشية التي لا تقدّم ولا تؤخّر شيئاً في الموضوع. من هنا، وبوحي من شعورنا بعقم الطريقة السابقة، نجد أنّه لا بدّ من طريقة تشعر المخاطب بأنّه رفيق في رحلة الوصول إلى الحقّ، وأنّه محترم في ذاته وتفكيره، حينئذٍ لا تقف الكبرياء عقبة في الطريق، لأنّ الإنسان لا يشعر في هذا الجوّ بالاضطهاد، وإنّما يشعر ـــ بدلاً من ذلك ـــ بالعزّة والكرامة، لأنّه على طريق كشف الحقيقة والوصول إلى سبيل أفضل، دون أن يكون في البين مهزوم ومنتصر أو غالب ومغلوب، وإنّما هو الهدف المشترك والسبيل الواحد. ***** اختيار الأحسن شعار المسلم في الحياة: والدعوة إلى سلوك الطريق الأحسن في مقام الجدل والصراع الفكري، ليست بدعاً في القرآن، وليست دعوة تقتصر على هذا المجال، بل هي دعوة قرآنية تخاطب كلّ مجال من مجالات الصراع في الحياة وتتّصل بكلّ علاقة من علاقات الإنسان بأخيه الإنسان. إنّها دعوة الله إلى الإنسان في قوله تعالى: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ} [فصلت : 34]، {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} [الإسراء : 53]، {وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء : 86]، {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم} [الزمر : 55]. هذه الدعوة الصافية التي توحي إلى الإنسان أنّ مهمّته في الحياة هي أن يثير في الإنسانية عوامل الخير ويلتقي بها في عملية استثارة واستثمار، بدلاً من إثارة عوامل الشرّ التي تهدّم ولا تبني وتضرّ ولا تنفع، وتدفعه ـــ في الوقت نفسه ـــ إلى أن يجعل "اختيار الأحسن" في كلّ شيء وفي كلّ جانب من حياته، شعاره الذي يرفع في كلّ مكان وزمان. وعلى ضوء هذا، نجد أنّ سلوك الأسلوب الأحسن في مجالات الدعوة، هو جزء من الأسلوب العام للسلوك الإنساني الذي شرّعه الإسلام في الحياة الاجتماعية. ***** منهاج الدعوة العام: وفي نهاية ا لمطاف، نجد أنّ باستطاعتنا مع هذه الآية الكريمة أن نضع أيدينا على دستور الدعوة وأسلوبها الذي شرّعه الله في القرآن ورسمه للنبيّ الكريم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وللدّعاة من بعده، فهو الأسلوب الذي يحاول أن يبنيَ عقيدةً، ويخطّط تفكيراً، ويربح إيمان الإنسان وعقله. وهو ـــ إلى جانب ذلك ـــ الأسلوب اليقظ الحذر الذي يملك دقّة الملاحظة، وعمق النظر، فيلاحق الحوادث بسرعة، ويعيش الواقع بحذر، ويعالج المشاكل برفق ولين وحكمة. وأخيراً، لا آخراً، فهو الأسلوب الذي يؤمن بأصالة جانب الخير في نفس الإنسان، وإمكان استثارته ورفع الحجب عنه، وبأنّ على الدّعاة إلى الله أن يفسحوا المجال لهذا الجانب في البروز والظهور باتّباع الأوضاع الملائمة لذلك. ومن الطريف ما ذكره بعضهم أنّ الطرق الثلاث المذكورة في الآية مترتّبة حسب ترتّب أفهام الناس في استعدادها لقبول الحقّ؛ فمن الناس "الخواص"، وهم أصحاب النفوس المشرقة القوية الاستعداد لإدراك الحقائق العقلية، والشديدة الانجذاب إلى المبادئ العالية، والكثيرة الألفة بالعلم واليقين، فهؤلاء يُدعون بالحكمة وهي البرهان. ومنهم "عوامٌّ"، وهم أصحاب نفوس كدرةٍ، واستعدادٍ ضعيفٍ، مع شدّة ألفتهم بالمحسوسات وقوّة تعلّقهم بالرسوم والعادات، قاصرون عن تلقّي البراهين من غير أن يكونوا معاندين للحقّ، وهؤلاء يدعون بالموعظة الحسنة. ومنهم "أصحاب العناد واللّجاج" الذين يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحقّ، ويكابرون ليطفئوا نور الله بأفواههم، رسخت في نفوسهم الآراء الباطلة، وغلب عليهم تقليد أسلافهم في مذاهبهم الخرافية، لا تنفعهم المواعظ والعبر، ولا تهديهم البراهين، وهؤلاء أُمِر بمجادلتهم بالتي هي أحسن. ولكن هذا الرأي لا يرتكز على أساس واضح في الآية، فإنّنا قد نلاحظ تأثّر أصحاب العناد واللّجاج بالمواعظ وبالأساليب العاطفية، كما قد يتأثّر الخواص بذلك، وربّما تأثّر القسم الثاني، بما يمكن أن يتأثّر به الأول والثالث. فإنَّ النفس الإنسانية قد تخضع في كثير من حالات الضعف للكثير من الأجواء التي قد لا تنسجم مع مستواها الفكري أو العاطفي، فقد نجد مفكّراً كبيراً معانداً يؤمن بالإسلام، انطلاقاً من نقطةٍ شعورية مربوطة بالجانب العاطفي من حياته، وقد يتأثّر بموقفٍ سياسيّ طارئ يتّصل ببعض نوازعه الذاتية، ونحو ذلك، لأنّ النفس الإنسانية لا تحكمها حالة خاصة محدّدة. {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}، وعلى ذلك فهو أعلم بالأساليب التي تهدي الإنسان إلى الحقّ، وتقوده بعيداً، عن خطّ الضلال. ***** 2 ـــ من أساليب الدعوة في الإسلام: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ*قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ*قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ*قُلْ جَاء الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ*قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} [سبأ: 46 ـــ 50]. ***** معاني المفردات: {مَثْنَى وَفُرَادَى}: اثنين اثنين، وواحداً واحداً. {جِنَّةٍ}: الجنون. {يَقْذِفُ}: القذف: الرمي. {يُبْدِئُ}: بدأ الشيء فعله ابتداء. {يُعِيدُ}: يكرّر. ***** في هذه الآيات، نلتقي بالنبيّ في شخصية الإنسان الهادئ هدوء الجبل الذي لا يزلزل مشاعره انفعال، ولا يهزّ موقفه تحدٍّ، ولا تثور أعصابه بفعل الضغوط، بل ينطلق أمام ذلك بالكلمة الهادئة العميقة العاقلة النابضة بالحكمة الهادية، التي تبرّد حرارة الانفعال المضادّ لتقوده إلى أجواء التفكير الهادئ المستقلّ. ونلتقي ـــ به ـــ في شخصية الإنسان ـــ الرسول، الذي يمنح الآخرين كلّ جهده، وكلّ قلبه وعقله وحياته التي تتحرّك في خدمة مصيرهم وسبيل هدايتهم، من موقع الحبّ والإخلاص لله، فهو يحبّ الناس المنفتحين على الرسل من خلال رسالتهم، لذا فلا يطلب منهم عوضاً مادياً أو معنوياً، لأنّه يكتفي بما يمنحه الله له من أجرٍ، في محبّته ولطفه ورضاه؛ ونلتقي بالنبيّ الحاسم في قراره، الواثق بالحقّ الكامن في كلماته وفي رسالته، الرافض للباطل بكلّ قوّة ووضوح. ونلتقي به في شخصية الإنسان الذي تتحرّك إنسانيّته في تواضع الرسول الذي تتجسّد في أسلوبه روحية الإنسان الذي يطرح إمكانية ضلاله الذي لو حدث، لكان هو الذي يتحمّل مسؤوليته، وإمكانية هداه الذي يرجع فيه الفضل إلى الله ـــ وحده ـــ من خلال وحيه وهداه. ***** قل إنّما أعظكم بواحدةٍ: {قُلْ} لهؤلاء الذين تجمّعوا حولك وهم يصرخون إنّك مجنون، أو الذين يلاحقونك، وهم يهتفون خلفك ويشيرون إليك بأنّك مجنون، أو الذين يتحدّثون عنك في غيابك فيتّهمونك بالجنون، قل لهم كلمة العقل والحكمة، وعلَّمهم منهج التفكير وطريقة إدارة القضايا المتنازع عليها في الجوّ والأسلوب والحركة، لأنّ مشكلتهم هي أنّهم لا يحرّكون الأسلوب بطريقة هادئة، ولا يحدّدون المنهج العقلاني الذي يعتمد على الموضوعية في مناقشة الأمور وإطلاق الأحكام، وإلاّ، فإنّك لن تستطيع الوصول إلى أيّة نتيجةٍ حاسمةٍ معهم إذا أردت أن ترد الكلمة المعادية التي يطلقونها ضدّك بشكل مباشرٍ، بل لا بدّ لك من أن تثير أمامهم مسألة المنهج، لتقودهم إلى الطريقة المثلى في إثارة الأمور ومعالجة القضايا ومناقشة الظواهر، والوصول إلى تكوين القناعات من خلال ذلك كلّه. قل لهم: {إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ} فهي كلمة واحدة تحدّد لكم المنهج في التفكير، {أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى} وتنفصلوا عن الجوّ المحموم الضاغط على عقولكم ومشاعركم ومواقفكم، والذي يُشعر كلّ واحدٍ منكم أنّ الدخان يملأ عقله وشعوره وحياته، فلا يرى أمامه شيئاً، فتفرّقوا فرادى، وليجلس كلّ واحدٍ منكم مع نفسه، ليخلوَ إلى عقله ويفكّر، أو تفرّقوا مثنى مثنى، ليجلس كلّ واحدٍ منكم إلى صاحبه، ويفكّر معه بحسابات هادئةٍ متّزنةٍ، ومناقشةٍ عاقلةٍ دقيقة في ظلّ حالةٍ فكريةٍ هادئةٍ، تنطلق منها الشخصية الفردية المفكّرة، ليكون الفكر فكر المجموع من خلال فكر الجميع، لا فكر المجموع من خلال انفعال المجموع، {ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} ليقودكم التفكير إلى قراءة كلام هذا الإنسان في كلماته وأسلوبه، ومضمونه الفكريّ، وإلى دراسة خطواته العملية، وعلاقاته بالناس، وطريقته في التخطيط، ولتستنتجوا من خلال ذلك كلّه، أنّ هذا الإنسان هو في قِمّة التوازن العقلي والشعوري والعاطفي، ولتعرفوا الحقيقة التي تفرض نفسها عليكم، {مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ} لأنّ للجنون علاماته في الكلمة والحركة والأسلوب، فلم يأتكم بشيءٍ يبتعد عن المعقول، بل أتاكم بما أتى به النبيّون من قبله في ما حدّثكم عن الله وعن اليوم الآخر في ثوابه وعقابه، وعمّا ينتظر الكافرين من عقاب شديد {إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} أعدّه الله للكافرين والمشركين. ***** وقد عالجتُ هذا المنهج الذي تتناوله هذه الآية في كتاب "أسلوب الدعوة في القرآن"، بطريقةٍ وافيةٍ، قد تحمل الكثير من اكتشاف أسلوب الدعوة في الإسلام، مع ملاحظة التقاء هذا الأسلوب ببعض النظريات، وقد رأيت من المناسب نقله في هذا التفسير، إكمالاً للفائدة. نحن الآن ـــ مع هذه الآية ـــ بإزاء موقف جديدٍ، تتعرّض له الدعوة في بداية انطلاقتها، فتهمة الجنون التي أُلصقت بالرسول فاجأتها، ووضعتها، ليس أمام فكرة تصادم فكرتها، لتواجهها في نطاق الصراع والجدل الفكري بالفكر القوي المتّزن، ولا أمام قوّةٍ ماديةٍ تصطدم بها في مجال الحرب والقتال، لتعدّ لها ما تستطيع من قوّةٍ دفاعيةٍ، بل وضعتها أمام عدوٍّ يسبّ ويشتم، ويتّهم ويفتري، ولا شيء غير ذلك. ولا يملك الداعية ـــ إزاء ذلك كلّه ـــ أسلوباً مماثلاً لهذا الأسلوب، لسبب بسيطٍ جداً، وهو أنّ ذلك لا يتلاءم مع الدعوة، كدينٍ يعيش في مستوى القِيَم، ولا ينفع في مجال الصراع، لأنّه لا ينتج غير التهويش والتهويل. إنّ الدعوة في مثل هذا الموقف، هي أمام تهمةٍ ظالمةٍ طائشةٍ، يحاول صانعوها أن يلصقوها بالنبيّ وهي تهمة الجنون. إنّه مجنون، إذاً هو لا يفقه ما يقول، ولا يعقل ما يصنع، وإنّما هو اللاشعور ينطلق في عملية إيحاءٍ مرتبكٍ، لا يرتكز على واقع، ولا يستند على أساس، فما الذي تفعله الدعوة مع هذا الأسلوب؟ إنّها تعرف ـــ جيّداً ـــ أنّ مستوى الجماهير لا ينخفض عن السطح إلاّ قليلاً، فهو ليس بعيد القعر ـــ كما يقولون ـــ، وتدرك ـــ إلى جانب ذلك ـــ طبيعة الغوغائية التي تكمن في نفس كلّ واحدٍ منهم، وجانب الانفعال والحماس الذي سرعان ما يطغى ويثور، الأمر الذي يمهّد للتهمة ـــ أيّة تهمةٍ ـــ أن تنتشر وتمتدّ إلى ذهن كلّ واحدٍ منهم من دون محاكمةٍ أو مناقشةٍ، حتى لتنطلق ـــ بعد ذلك ـــ في صورة تيّارٍ قويّ يجرّب المشاعر والأحاسيس ويحوّلها إلى ما يشبه الطوفان، ولذا فإنّ الدعوة تدرك أنّها تعيش في موقفٍ معقّدٍ، لا بدّ لها ـــ في معالجته ـــ من الدقّة والحذر، فماذا فعلت؟. إنّها لم تحاول أن تتّجه إلى الجماهير ـــ في وضع خطابي أو إقناعي ـــ لتدفع التهمة عن صاحبها ورائدها الرسول الأعظم (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وذلك بتقديم الأدلّة والبراهين التي تدحض هذه التهمة، وتدفع هذه الفرية، لأنّ الجماهير لا تفهم لغة الحجج والبراهين في طوفان الحماس والاندفاع، ولذا فهي لا تستمع إليها ولا تلقي بالاً لما تقول. إنّها لم تحاول ذلك ولم ترد أن تقوم بدفع التهمة، لأنّ صاحبها ـــ في حسبان الجماهير ـــ لا يعقل ما يقول.! فكيف تقبل منه الحُجّة بالدفاع عن نفسه؟ بل حاولت أن تدلّ هؤلاء الناس على منهج البحث وطريق المعرفة، وترجعهم إلى ذواتهم وفطرتهم، ولكن، بطريقةٍ لبقةٍ، لا تُشعر الآخرين بالغاية التي تنتهي إليها، فقد دعتهم إلى أن يتفرَّقوا مثنى وفرادى، وينفصلوا عن الجوّ المحموم العاصف الذي يعيشون فيه، فيحاولوا دراسة هذه التهمة، والتفكير فيها، بعيداً عن المؤثّرات العاطفية، ليخلصوا إلى النتيجة الحاسمة التي يمليها عليهم تفكيرهم الخاص وملاحظتهم الشخصية لأفعال النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) وأقواله وسيرته العامة في حياته بينهم، فهي لم تقم بنفي الفكرة ابتداءً، ولم تتّخذ لنفسها صفة الناقد لهم والموجّه لأفعالهم، بل حاولت دعوتهم إلى مناقشة الفكرة، وتهيئة الجوّ الهادئ لأنفسهم للتفكير والمناقشة، فهي، في هذا الجوّ، أشبه بالمتّهم الذي لا يحاول أن يدّعي البراءة لنفسه أمام القضاة، بل يكتفي بمحاولة إرشادهم إلى أن يراجعوا الوثائق والمستندات المتعلّقة بقضيّته، ليحكموا عليه ـــ من خلالها ـــ بما يوحي إليهم ضميرهم بعيداً عن أيّ تأثير، وهو واثق ـــ في الوقت نفسه ـــ أنّ النتيجة ستكون في صفّه. ونحسب أنّ مثل هذا الأسلوب لا ينفصل عن تأدية الغرض والوصول إلى الغاية، من تراجع الآخرين عن غيّهم وضلالهم، لأنّه في الوقت الذي يقدّم لهم المساعدة للوصول إلى الحقيقة، يوحي إليهم بطريقةٍ خفيّة، بقوّة الدعوة الفكرية وثقتها بنفسها، الأمر الذي يبرز واضحاً في هذا الهدوء النفسي الذي تواجه به الدعوة خصومها، وهذا البرود الحماسي الذي تلاقي به الدعوة عناصر الشغب والتشويه التي تقف في طريقها. علاقة الآية بفكرة "العقل الجمعي": أمّا لماذا حاولت الآية الكريمة أن تفرّقهم مَثْنَى وَفُرَادَى وتفصلهم عن الجوّ المحموم، فيحبّ بعض الكتّاب المعاصرين أن يرجعه إلى فكرة "العقل الجمعي" الذي بيَّنه ووصفه الفيلسوف الاجتماعي "جوستاف لوبون" حيث قال: "إنّه مهما كانت منزلة الأفراد الذين يكوّنون مجتمعاً من المجتمعات، ومهما بلغوا من تشابه بعضهم لبعض، ومهما اختلفوا من حيث الميول ومقدار الذكاء والمهنة ونظام الحياة، فإنّ اجتماعهم معاً يمنحهم عقلاً جميعاً، يجعلهم يفكّرون ويشعرون ويعملون بطريقةٍ مخالفةٍ لطريقة تفكيرهم وشعورهم وعملهم، لو كان بعضهم بمعزلٍ عن بعض. وإنّ هناك عوامل ثلاثة أساسية، تعمل على ظهور هذه الروح الجمعية، أو العقل الجمعي، هي: أوّلاً: ما يسمّى بالشعور بعدم المسؤولية، فالفرد في الحشد يلقي المسؤولية على الجمع نفسه، ويتحرّر ـــ عادةً ـــ من التعبير عن ميوله ورغباته وغرائزه، فهو يختفي وراء الجمع ويطلق العنان لما يكنُّه في نفسه من الرغبات. والجمع بكثرة عدده مشجعٌ للأفراد على التعبير عن إحساساتهم في حماسيةٍ ويولد عندهم قوّةً تدفعهم في اتجاه معيّن. ثانياً: ما يسمّى بالعدوى النفسية، ويقصد بهذه العدوى تلك الظاهرة النفسية التي تسري من فرد إلى فرد، فتجعلهم يردّدون الشيء نفسه، وبشكلٍ آلي. ولهذا هو يصفها بأنّها عامل من عوامل "التخدير الاجتماعي"، به ينسى الفرد نفسه في سبيل غايةٍ جمعيةٍ يعمل ويتحرّك لتحقيقها. فالمعتقدات، سياسيةً كانت أو دينيةً، تسري بين الجماعات بالعدوى على الخصوص، وعلى نسبة أفراد الجماعة يكون تأثير العدوى شديداً ولا يلبث المعتقَد الضعيف أن يصبح قويّاً بعد أن يكتسب الأفراد الذين يعتنقونه صفة الجماعة. والمعتقَد بعد أن ينتشر بالعدوى، لا يلتفت إلى قيمته العقلية، لأنّه لما كانت العدوى تؤثّر في دائرة اللاشعور، فإنّه لا شأن للعقل فيها. وفي الغالب تكون العدوى ذات تأثيرٍ فيمن هم أرفع من في الجماعة، ولذلك يجب أن لا نعجب من وجود علماء يدافعون عن أكثر المعتقدات شؤماً ومخالفةً للصواب. ثالثاً: وهناك أخيراً عامل الإيحاء، وهو حالة يفقد فيها الفرد الإحساس بوجوده الشخصي، بحيث يضعف وجوده الذاتي ويصبح تابعاً لا سيّداً، يتحرّك حسب ما يُملى عليه، ويطيع ـــ طاعةً عمياء ـــ الزعيم المسيطر على الجمع الحاشد، ويصبح ألعوبةً في يده، ولهذا تطغى الروح الجمعية عند الفرد على شخصيّته الواعية، وعلى إرادته وأحكامه وأفعاله وتصرّفاته. ويقابل هذه العوامل صفات لا بدّ منها هي من المشخّصات الضرورية للروح الجمعية والعقل الجمعي وهي: أوّلاً: الاندفاع والانسياق بدون تردّد. ثانياً: المبالغة في فهم الحقائق. ثالثاً: عدم الثبات وسرعة التحوّل من رأي لرأي ومن فعل لفعل. ثمّ يتابع هذا الكاتب كلامه فيقول: "بعد كلّ هذا الشرح النفسي للعقل الجمعي، قد بان لنا الحكمة في اشتراط الآية أن يكون التفكير بين اثنين اثنين، أو واحداً واحداً، خوف القضاء على الحقيقة في الزحام، وخفاء وجه صواب الرأي في الاجتماع"(1). ***** التعليق على فكرة "العقل الجمعي": أمّا تعليقنا على ذلك، فيرتكز على نقطةٍ أساسيةٍ واحدةٍ، هي أنّنا لا نستطيع إخضاع القرآن الكريم لمصطلحات وأفكار لا تزال موضع نقاش بين الباحثين، لأنّ ذلك يؤدّي بنا إلى التراجع عن هذا التفسير عند تبادل هذه النظرية، وهكذا دواليك في عملية تبديلٍ وتغيير. ولا يخفى ما في ذلك من الإساءة لقدسية القرآن ومكانته، ولهذا فنحن لا نوافق بأيِّ وجهٍ من الوجوه على المنهج الذي يحاول الكثيرون من كتّابنا الإسلاميين أن ينهجوه في تفسير القرآن بالنظريات العلمية والاجتماعية والنفسية وغيرها. وعلى ضوء ذلك، فلا نستطيع أن نقرّ الكاتب على ما ذهب إليه من ارتكاز هذه الآية في مضمونها على نظرية (العقل الجمعي) التي تنبّه لها "جوستاف لوبون"، لأنّ هذه الفكرة ليست ممّا أجمع عليه علماء النفس(1). وانطلاقاً من ذلك، فلا بدّ لنا من أن نرجع بالآية إلى واقع القضية بعيداً عن المصطلحات والنظريات، وهي "أنّ الجماهير لا تتّصف بمقتضى الحكمة التي يتّصف بها الأفراد التي تتكوّن منهم الجمهرة"(2)، ولذلك أمرهم الله سبحانه وتعالى أن يقوموا مثْنَى وفُرَادى، مثنى ليراجع أحدهما الآخر ويأخذ معه ويعطي في غير تأثّر بعقلية الجماهير التي تتبع الانفعال الطارئ ولا تتلبَّث لتتابع الحُجّة في هدوء، وفرادى مع النفس وجهاً لوجه في تمحيصٍ هادئ عميق. ***** إنْ أجريَ إلاّ على الله: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ} فلست الإنسان الذي يبذل جهده الفكريّ والرساليّ والعملي للناس في مقابل أجرٍ مادي، لأنّي لم أنطلق في رسالتي هذه من خلال ما ينطلق به الناس في مجتمعكم من الحصول على ملكٍ أو جاهٍ أو شهوةٍ أو مال، بل انطلقت من خلال مسؤوليّتي أمام الله في إبلاغ رسالته للناس، امتثالاً لأمره، وطلباً لرضاه، ومحبّة للناس، ورحمةً بهم، وإخلاصاً للحقّ والخير والعدل. فإذا كنتم تفكّرون أنّ هناك أجراً أتطلَّبه وأفرضه عليكم فإنّني مستعد أن أقدّمه لكم، ليبقى عندكم ولكم من دون أن تتكلّفوا منه شيئاً لحسابي، إذ {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} فهو الذي أبذل كلّ حياتي، في خطوطها الذاتية والاجتماعية والرسالية العامة، في سبيله، لأحصل على ثوابه ورضوانه ولطفه ورحمته، لأنّ ذلك هو غاية الأنبياء والصالحين، {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} في حضوره القويّ الشامل الذي لا يغادر كبيرةً ولا صغيرةً إلاّ أحصاها، ولا يغيب عن علمه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، فهو الذي أراقبه في ما أُفكّر وأعمل وفي ما أبلّغكم به من رسالاته. ***** قل إنّ ربّي يقذف بالحقّ: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ} ويرميه في وجه الباطل، في ساحة الصراع بينهما، بما يملكه الحقّ من القوّة الذاتية التي تستطيع أن تبطل كلّ حجج الباطل التي يلفّقها المبطلون، فيزهق ويزول فالله {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} الذي يطّلع على حقائق الأشياء الكامنة في خفايا طبائعها وأوضاعها ومواقعها، فلا يحجبه عنها شيء، ولا يغيب عن علمه منها شيء. {قُلْ جَاء الْحَقُّ} في هذا القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ليتحدّى الآخرين، في ما يُطلق من عقائد ومفاهيم وتشريعات للحياة، ويحرّك من ساحات الصراع القائم على الحُجّة الواضحة والبيِّنة القاطعة، على أساس الخطّ الذي يتحرّك فيه العقل ليدلَّ على الله، وليكشف العمق الخفيّ من آياته، وليوضح مشكلات الأفكار، ويواجه تحدّيات الفكر الآخر المضادّ. لقد جاء ليفتح العقول على الإسلام لتفهمه ولتتأمّل فيه ولتناقشه ولتقتنع به ولتدعوَ له وتلتزم به ليكون الدين كلّه لله. {وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ} فقد سقط أمام الحقّ، فليس له أن يظهر أوّلاً، ليعود فيظهر ثانياً في حركة الواقع. {قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي} من خلال ما قد أخطى فيه من وعي الوحي، فكرةً وتطبيقاً، وليس ذلك من الوحي نفسه، فهو الحقّ الذي لا يقترب من الباطل {وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي} لأنّ الوحي هو الذي يفتح للعقل وللوجدان باب الهدى على الحقّ من أوسع الآفاق، وهو الذي يضيء للحياة الدرب المظلم الذي تتخبَّط فيه، لتعرف كيف تكتشف الطريق المستقيم. وبذلك كان الهدى الذي يبلغه الإنسان هبةً من الله ـــ وحده ـــ لأنّ الإنسان لا يملك القوّة التي تفتح له كلّ أبواب الحقيقة، بل الله هو الذي يملك ذلك كلّه، فيعطي الإنسان منه ما يبلغ به مواقع الصواب {إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ} يسمع الدعوة، ولا يحجبه عنها حاجب مهما كان. ***** 3 ـــ المرحلية في الدعوة: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ*الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ*الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 39 ـــ 41]. معاني المفردات: {صَوَامِعُ}: جمع صومعة، وهي: بناء في أعلاه حدّة كان يتّخذ في الجبال والبراري، ويسكنه الزّهاد والمعتزلون من الناس للعبادة. {وَبِيَعٌ}: البَيع: جمع بيعة ـــ بكسر الباء ـــ وهي معبد لليهود والنصارى. {وَصَلَوَاتٌ}: جمع صلاة، وهي: مصلّى اليهود، سمّي بها تسمية للمحل باسم الحال(1). {وَمَسَاجِدُ}: جمع مسجد، وهو موضع الصلاة اعتباراً بالسجود، ويطلق على معبد المسلمين. ***** كانت المرحلة التي تلت النبوّة في مكّة، مرحلة الدعوة إلى الإسلام بكلّ الأساليب السلمية، وقوامها الكلمة الطيّبة، والأسلوب الهادئ، والابتسامة الحلوة، والقلب المفتوح، والعقل المنفتح، والصبر على التحدّيات، باعتبار أنّ نجاح الإسلام في الوصول إلى الناس في المستقبل أمر محسوم من خلال وضوح أفكاره وتشريعاته ومناهجه ووسائله وأهدافه، وهو وضوح قد يحجبه غبار التخلّف والجهل والعصبيّة المتصاعد، إلاّ أنّه لا يلبث أن ينجليَ ويفرض نفسه في نهاية المطاف. وهكذا كان رسول الله ليّناً في كلامه، رقيقاً في أسلوبه، رحيماً في قلبه، منفتحاً في عقله، لطيفاً في ابتسامته، في الوقت نفسه الذي كان فيه ثابتاً في موقفه، صلباً في رسالته، حاسماً في قراره، مصرّاً على دعوته، يتقبّل التحدّيات بصبرٍ ووداعةٍ وانفتاحٍ وإيمانٍ، ويتحمّل الشتائم والإهانات، والكلمات القاسية الموجّهة إليه من قِبَل المشركين، ويتابع دعوته بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادلهم بالتي هي أحسن، ويقودهم إلى الأخذ بالأساليب الهادئة، وبالتفكير الموضوعي العقلاني في سبيل الوصول إلى الحقائق. وكان المسلمون يتعرّضون للعذاب وللاضطهاد والتعسُّف، فيصبرون تارّةً، ويتشنَّجون أخرى، ويعبّرون عن انفعالهم أمام رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بالكلمات الثائرة والأساليب القويّة، التي تستعجل فتح المعركة مع المشركين، ما داموا قد بدأوها بوسائلهم التعسّفية الضاغطة المثيرة، ويعلنون له بأنّهم قادرون على تحقيق النصر إذا ما اجتمعت كلمتهم على موقفٍ واحدٍ متّحد، أو على إظهار القوّة في ساحة المواجهة، على الأقلّ، ما قد يدفع هؤلاء الذين يتعسّفون في حقّهم ويعملون على اضطهادهم وخنق حريّتهم، إلى أن يحسبوا ألف حساب قبل قيامهم بذلك، لأنّهم سيكيلون لهم الكيل كيلين، والصاع صاعين. وليس مهمّاً أن يموتوا كلُّهم أو بعضٌ منهم نتيجة المواجهة، فإنّ ذلك أهون من الذلّ الذي يعيشونه بين قومهم، وهم يملكون أن يكونوا في موقف العزّ، إذا ما فعلوا ذلك. ولكنّ النبيّ كان يقول لهم: إنّي لم أؤمر بقتال، لأنّ المسألة مسألة رسالة تبحث عن مفتاح سحري تفتح فيه العيون والعقول والآذان على الحقّ في حركتها وفي مفاهيمها وشريعتها وغاياتها، وتريد الوصول إلى هذا الهدف من قِبَل المؤمنين بها والرافضين لها، حيث يقوم المؤمنون بالإعلان عنها، والدعاية لها، بترويج قناعاتهم الإيمانية بأنّها تمثّل الحقّ الذي لا ريب فيه، أمَّا الكافرون، فيثيرون الانتباه إليها، عبر ما يوجّهونه إليها وإلى الرسول من اتّهامات، أو عبر اضطهادهم للمؤمنين بها، ما يثير التساؤل في نفوس من لم يسمعوا بها، أو ينتبهوا إليها، ويحثّهم على الانفتاح على ما تطرحه من موقع التفكير والتأمّل والحوار، الأمر الذي قد يوصلهم إلى الإيمان من أقرب طريق. وهكذا كانت الدعوة الهادئة هي السبيل لانتشار الإسلام في الجزيرة العربية، كرسالةٍ جديدة تثير الجدل، وكحدث بارز يبعث على الاهتمام، لا سيّما وأنَّ الصراع يستهدف قريشاً التي تقف في موقع الزعامة الدينية والثقافية والتجارية لموقع مكّة في حياة العرب، ما يجعل لبروز الرسالة فيها أهمية تفوق الأحداث العادية في مكانٍ آخر، مع أُناس آخرين. وهكذا دخلت مفردات الرسالة العامة في حياة الناس من خلال أسلوب الصراع السلمي الذي قاده رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في تلك المرحلة. وقد يكون موقف المظلوم والمضطهد في بعض الحالات، سبباً في إثارة العطف وتهيئة جوّ التعاطف النفسي معه، أكثر من موقف المقاتل والمعتدي والمتحدّي، وقد يكون تفجير الصراع عبر القتال سبباً في توجيه نظر الناس إلى المعركة، وصرفهم عن عمق المعاني التي تكمن خلفها وتنطلق معها، ما يمنع وصولهم إلى حقيقة القضية التي يدور فيها الخلاف وينطلق منها النزاع. لهذا كان لا بدّ من مرحلةٍ تأخذ الدعوة فيها حريّتها في الحركة والانفتاح، وفي التخطيط الواعي للوصول إلى قناعات الناس وأفكارهم. ولهذا كان النبيّ يأمر البعض بالصبر، ويأمر البعض الآخر بالهجرة. للتخفّف من الضغوط القاسية التي قد لا يتحمّلونها، وللانفتاح بالدعوة على جماعات أخرى، كما حصل في الهجرة إلى الحبشة، أو للقيام بمهمّة الإعداد للمجتمع الإسلامي الجديد، كما في الهجرة إلى يثرب. ***** فكرة الدعوة... محلّ نقاش: على أساس هذا الأسلوب المرحلي الذي اتّبعه النبيّ في الدعوة، يستوحي البعض أنّ العمل للإسلام يستدعي توزيعه على عدّة مراحل، بحيث لا ننتقل إلى مرحلة جديدة إلاّ بعد استكمال المرحلة السابقة، وهو وفق نظرتهم هذه يوزّعون مراحل الدعوة على ثلاث: أوّلها: مرحلة الدعوة التي لا يجوز العمل السياسي فيها ولا الدخول في صراع مسلّح مع القوى المعادية خلالها. ثانيها: مرحلة العمل السياسي للوصول إلى الحكم والهيمنة السياسية على الواقع كلّه، وهي مرحلة تحتاج إلى كثير من الجهد للوصول بالأُمّة إلى النضج في اتّخاذ قراراتها، أو الوصول بها إلى مواقع متقدّمة في ساحة المسؤولية العامة. ثالثها: مرحلة الجهاد المسلّح، الذي تواجه فيه الأُمّة التحدّيات من مركز القوّة على كلّ صعيد. وإذا كان التخطيط في العمل الإسلامي بهدف الوصول إلى الحكم والامتداد في حياة الناس الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ضرورياً برأينا، وكانت دراسة كلّ مرحلةٍ من مراحل العمل بدقّةٍ وموضوعيّةٍ، للتعرّف على طبيعة تأثير الإسلام في الواقع، وتأثّر الناس به، كقوّةٍ فاعلةٍ متحرّكةٍ في ساحة التحدّي، أو ردّ التحدّي، لمعرفة ما يجب علينا أن نفعله أو لا نفعله في المرحلة اللاحقة، أمراً ضرورياً أيضاً، إلاّ أنّ الحديث عن المرحلية بهذه "الطرقة الهندسية" التي تضع حدوداً دقيقة لكلّ مرحلة، بحيث تمنع أيّة مرحلة لاحقة من التداخل مع المرحلة السابقة أو الاقتراب منها، قد لا يكون واقعياً بالمعنى الدقيق للكلمة لعدّة أسباب: أوّلاً: إنّ ساحة الدعوة إلى الإسلام كبيرة وتشمل بلداناً كثيرة من العالم، ما يفرض تنوّعاً في الأسلوب بين البلاد الإسلامية وغيرها، فالدعوة داخل البلاد الإسلامية تتعلّق بالتفاصيل، أو بتشكيل مفاهيم جديدة يستخرجها الداعية من الأحكام الشرعية، ومقارنة تلك المفاهيم مع مفاهيم المبادئ الأخرى، بأسلوب معاصر، في سياق مواجهة التحدّيات الثقافية التي تفرض نفسها على الواقع الإسلامي من الخارج.. أمّا في البلاد غير الإسلامية، فقد تحتاج الدعوة إلى عرض مفاهيم الإسلام العامة، وتوضيح خطوطه العريضة، ولكن بطريقة تختلف عن الطريقة التي استخدمت في صدر الإسلام، وإن كانت تلتقي معها في بعض الأجواء. ثانياً: إنّ حركة المبادئ تختزن في داخلها حركة سياسية، باعتبارها محاولةً لنسف القواعد الفكرية التي يرتكز عليها هذا الفكر السياسي أو ذاك، لأنّ التعقيدات المعاصرة جعلت السياسة جزءاً من الاتجاه الفكري بعد أن كانت شأناً ذاتياً، أو جزءاً من حركة الواقع على مستوى السطح، ما جعل ساحة الصراع السياسي متداخلة مع ساحة الصراع الثقافي، في الخطوط العامة والتفاصيل، وفي حركة الواقع، فلا يستطيع العاملون الابتعاد في حركتهم عن السياسة خلال المرحلة الثقافية، لأنّ الآخرين لا يسمحون لهم بذلك. ثالثاً: إنّ التوعية الفكرية تحوي من التعقيدات ما قد يفرض استخدام أساليب متنوّعة في التثقيف والتعبئة الثقافية لدى الأُمّة، ومنها أسلوبا الجهاد والممارسة السياسية، لتوعية الأُمّة بالقضايا المصيرية وبالتحدّيات الكبيرة التي تواجهها، التي لا ينفع في الوصول إليها أيّ أسلوبٍ آخر، لأنّ هذين الأسلوبين يعطيان للثقافة حيويةً دافقة في تشكيل الوعي، بينما يمثّل الأسلوب التقليدي أسلوباً جامداً تتنقّل فيه الخطوات ببطء، وتنطلق معه المواقف ببرودةٍ وهدوء، الأمر الذي يفرض التداخل بين التحرّك الثقافي والتحرّك السياسي والجهادي. رابعاً: إنّ واقع التحدّي قد يحمل للإسلام بعض الفرص التي تسنح بتحقيق انتصارات حاسمة على الساحة، إذا ما تمّ استغلال تلك الفرص في العمل السياسي أو الجهادي للضغط على مواقع الأعداء وإسقاطهم، ذلك أنّ ترك ذلك في وقته قد يتسبّب في ضياع أكثر من فرصة للتحرير، أو للتثوير، أو في تحقيق مكاسب كبيرة على مستوى المستقبل. من هنا، لا بدّ من التفكير في استخدام أساليب تجمع المسألة الجهادية بالمسألة الثقافية، ليلتقيا بالمسألة السياسية التي تكون عبرهما أرضاً قوية صلبة وثابتة. من خلال هذا العرض الموجز، نريد التأكيد على أنّ حركة الدعوة إلى الإسلام على المستوى الثقافي والسياسي والجهادي، لا تتأطّر في خطوط عامّة ترسم بشكلٍ دقيق، بل تحتاج إلى مرونة تتداخل فيها المراحل، أو تبعاً لما يستدعيه الواقع، ما قد يفرض على الدّعاة ملاحقة تطوّرات الواقع بشكل دائم ودراسة التأثيرات السلبية أو الإيجابية لأساليب العمل المستخدمة في الدعوة إلى الإسلام، للاستفادة من ذلك في الوصول إلى النتائج العملية الحاسمة على أكثر من صعيد، من أجل أن تكون الحركة الإسلامية قريبةً من الواقع، وبعيدةً عن المثالية في التصوّر والممارسة. ***** بدء مرحلة القتال: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} لقد انتهت المرحلة التي كان اللّجوء إلى العنف والقتال في ساحتها أمراً سلبياً، لأنّ ذلك كان يشكّل خطراً على التخطيط لانطلاقة الدعوة في الجزيرة العربية، وللتحضير للمجتمع الإسلامي الأوّل في يثرب، فقد شكّلت يثرب أرضاً صلبة جديدة للإسلام، حيث بدأ يتحرّك في نطاق واسع يملك أكثر من عمقٍ في محيطه، الأمر الذي يحميه من حالة الاهتزاز والسقوط أمام ضغط المشركين، ويجعله قادراً على فرض التحدّي عليهم، أو على مواجهة تحدّياتهم الكبيرة. وهكذا جاء الإذن للمؤمنين بالقتال، معلَّلاً بالحيثيّة الإنسانية التي تبرّره رسالياً كونه شرطاً لتحقيق التوازن الإنساني على مستوى حركة الواقع، فهم يقاتلون كردّ فعلٍ على قتال الآخرين لهم وظلمهم إيّاهم، ويخوضون القتال المفروض عليهم للخروج من الظلم الذي مارسه المشركون بالضغط عليهم وخنق حريّتهم. ولا بدّ لأيّة شريعةٍ سماويّةٍ أو أرضية من أن تمنح المظلومين حقّ الدفاع عن أنفسهم، وتكفل لهم حريّة ممارسة ذلك، إذا أرادت للحياة أن تسير في خطّ العدل، وأرادت للإنسان أن يؤكّد معناه في حركة الواقع، وهي إن لم تفعل ذلك، تحوّلت الحياة إلى فرصةٍ للظالمين يصادرون فيها حريّة المظلومين، وهو أمر تأباه قاعدة التشريع الإنسانية، ولا تقتضيه العدالة الإلهية. {وهكذا لم تكتف الآية بتقرير الإذن الإلهي بالقتال، بل أضافت إليه الوعد بالنصر الحاسم وذلك في قوله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} فلينطلقوا إلى القتال من موقع الشرعية والوعد الإلهي بالنصر، وليعيشوا الثبات والقوّة القادرة، بكلّ اندفاع واتّزان. {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ} وهذا ما يضيف إلى الظلم ظلماً جديداً، فقد يظلمك الظالمون، فيخنقون حريّتك في الكلمة والحركة ووسائل العيش ومواقع الحياة، ويضيّقون عليك الساحة الواسعة، ولكنّهم مع ذلك يتركونك مع أهلك وولدك، في أرضك التي ولدت فيها وترعرعت، وعمّقت جذورك في جذورها، حتى أصبحت جزءاً منها، وأصبحت جزءاً منك، وهكذا فإنّ وجودك في أرضك مع أهلك وأحبّائك، وما تلقاه من المباهج فيها، يشعرك ببعض التعويض عمّا تصادفه من الآلام فيها. ولكنّ الذين يفرضون عليك الغربة، ويخرجونك من أرضك، ويقتلعونك من جذورك، بعد أن يضغطوا على حريّتك، ويمنعوك من اختيار النهج الذي تتّخذه لنفسك في الحياة، والفكر الذي تتبنّاه، والحركة التي تختارها، هؤلاء الذين يشرّدونك ويبعدونك عن ملاعب صباك، لا لشيءٍ إلاّ لأنّك تؤمن بالله الواحد، وتعلن إيمانك هذا تقريراً للحقيقة الكونية التي ينطق بها الكون بأسره وتقول {رَبُّنَا اللَّهُ} في مواجهة كلّ شرك وثنيٍّ يشوّه الحقيقة، ويبعد الإنسان عن صفاء التصوّر للعقيدة وللعبادة وللحياة. هؤلاء هم الظالمون البعيدون عن خطّ العدالة الإنسانية، لذا فإنّ قتالهم ما هو إلاّ لدفع ظلمهم المزدوج، وما هو إلاّ عمل إنساني خدمة للإنسان في الحياة، وخدمة للحياة بتأكيد خطّ العدالة فيها. ***** فطرة التدافع... توازن الحياة: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً}. إنّ حركة الصراع والتجاذب بين الناس، تكفل للواقع التوازن الدائم بين قواه وتحفظ للحياة استقرارها وامتدادها وحيويّتها، حيث لا تعود السيطرة على الناس وقهرهم مقتصرة على قوّة واحدة دون غيرها، وبذلك يقي ميزان القوى الذي يرتفع في موقع، وينخفض في آخر من وقوع ذلك، أو يمنعه بأسلوب مباشر، إذ هو يشكّل عاملاً نفسياً يمنع البعض من الاعتداء على الآخرين تحت عنوان الخوف، أو يدفع البعض لتشكيل قوّتهم لمواجهة القوى الأخرى. من هنا كانت إرادة الله سبحانه تقتضي عدم حصر القوّة في قطب واحدٍ في الحياة، بل وزّعها سبحانه على الناس جميعاً، ليدفع بعضهم عن بعضهم الآخر، في ما يهيّئه من وسائل واقعية تخدم ذلك. ولذلك كان تشريع القتال منسجماً مع هذه السُنّة التي فطر الله الطبيعة الإنسانية عليها، فقد أودع في الإنسان الكثير من الحوافز الغرائزيّة التي تتحفَّز لمواجهة أيّ خطر من الآخرين يهدّد الذّات، بتعطيل أو إرباك أيّ مرفق من مرافق حياتها، أو بالتأثير على أيّة مصلحةٍ من مصالحها، لتستمرّ الحياة الاجتماعية للناس في نظام دفاعي ذاتيّ متوازن. بالتالي، فإنّ هذا الإذن الإلهيّ في القتال، انطلق من طبيعة الفطرة الإنسانية التي تستدعيه، وهي طبيعة قد تنحرف عن الاتجاه السليم، ولكنّ الله أراد أن يؤكّد ضرورة القتال على أساس القِيَم الإنسانية الروحية التي تحرّكه في الاتجاه الصحيح، الذي يحمي الإنسان، ويمنعه من البغي والعدوان. وهكذا، نرى في قوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ} إشارة إلى سُنّة الاندفاع الفطري لمواجهة الأخطار التي تهدّد مصالح الإنسان الخاصة والعامة، وقد لا تكون مختصّة بالقتال فقط ـــ كما يرى البعض ـــ بل بكلّ الوسائل الفكرية والعملية التي يستخدمها الناس في ساحات الصراع، وقد لا تكون هذه السُنّة مقتصرةً على الإنسان، بل تشمل بقيّة الموجودات الحيّة، من حيوانات وغيرها، إذ إنّ الله أودع فيها حافزاً فطرياً للدفاع عن نفسها بأكثر من وسيلةٍ، لتحقيق التوازن في مجتمعاتها من خلال توازن القوى وتكافؤ الفرص، وتساوي المواقع. ولكن دلالة الآية على ذلك قد تكون بالإيحاء لا بالمدلول اللّفظي للكلمة، فالظاهر أنّها جارية في أجواء الدفع القتالي في حركة القوّة، لأنّها أكّدت على منع تهديم المعابد التي هي مظهر حيويّ من مظاهر الحرية الإنسانية على مستوى الالتزام بالإيمان بالله على طريقةٍ خاصّة، وهي حرية ذات تأثير على وجود الإنسان ذاتاً وحركة في الحياة، فمسألة الحرية لا تقع على الهامش بالنسبة لتشكيل الذّات، بل تقع في الصميم، لأنّ مَن لا حريّة له، لا إنسانية له، ذلك أنّ الضغط على الحريّة يمثّل إلغاءً للإنسانية، لا سيّما إذا كان ضغطاً يطال حريّته في الإيمان بالله، وهو إيمان يضع الإنسان على الخطّ المستقيم الذي يعبّر عن سرّ الوجود وفكرته وحركته، وطبيعة العلاقة بالله وبالإنسان والحياة، ما يوحي بأنّ الدفاع عن الإيمان أمرٌ حيويٌّ بالنسبة إلى وجود الإنسان، في سبيل القضايا الكبيرة في حياته، ما يجعل دفاعه دفاعاً عن القاعدة الروحية الثابتة في شخصيّته، باعتبار أنّ إيمانه بالله هو مرجع سلوكه الفردي والاجتماعي النابع من داخله، المتحرّك في حركته في الحياة مع الآخرين.. وهكذا كان دفع الناس بعضهم ببعض تأكيداً على حريّتهم في العبادة في مواجه التحدّيات، ليكون المسجد والصومعة والبيعة، الساحة التي يلتقي فيها الجميع ليعبدوا الله، وليكتشفوا في داخلهم سرّ العبودية لله الواحد، وليتمرَّدوا ـــ من خلال هذا الوعي ـــ على كلّ مظاهر تأليه الإنسان، فتكون الحياة كلّها لله، من خلال كون الدين كلّه له. ولعلّ التعبير بالدفع الذي يعني حركة التحدّي بطريقةً دفاعيةٍ أو وقائية، يوحي بالمعنى الإنساني الذي يبتعد عن العدوان في خطّ الهجوم ويتحرّك في خطّ حماية الحياة والحريّة في دائرة ردّ العدوان. إنّها سُنّة الحياة وفطرة الله التي ينطلق منها الإنسان بشكلٍ طبيعيّ عفويّ لا يحتاج تشكيلها إلى تعقيدات التربية، بل إلى نوعٍ من التخطيط والتنظيم الذي يعرّفه كيفية المحافظة على الخطوط التفصيليّة في أوضاعه وعلاقاته وخطواته، ليحفظ حركته ـــ في هذا الاتجاه ـــ من الاهتزاز أو الانحراف أو السقوط، بفعل العوامل الذاتية أو الخارجية التي قد توحي له بالشرّ في طريق الخير، وبالانحراف في خطّ الاستقامة، ليعرف هل هو سائر في الاتجاه الصحيح أو الخاطئ. ***** الله ينصر من ينصره: {وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ} من خلال ما يهيِّئه له من وسائل النصر من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب، وما يثيره في داخل نفسه من عوامل القوّة الروحية، ممّا قد يحقّق كثيراً من شروط النصر، على المستوى المادي والمعنوي. وربّما تتدخّل القوّة الإلهية ـــ في بعض الحالات ـــ بطريقةٍ غيبيّةٍ تمهّد بعض الأجواء التي قد لا تتحقّق بدونها. وعلى كلّ حال، فإنّ النصر الإلهي مهما اختلفت وسائله، فإنّه لا يبتعد عن السنن الإلهية المودعة في الكون بالطريقة المألوفة، أو غير المألوفة، في ما يأخذ به الإنسان من أسباب النصر، التي هي ـــ في عمقها الكوني والإنساني ـــ من الله الذي خلق الأسباب والمسبّبات، سواء كانت بطريقةٍ مباشرةٍ، أو غير مباشرةٍ. {إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} فلا يستطيع أحد منعه من تحقيق ما يريد، لأنّ قوّته هي القوّة المطلقة التي لا تقف عند حدّ، ولا يملك أحد أن يقف أمام إرادته، في ما يحكم به أو يقدّره، لأنّه العزيز الذي لا يستطيع أحد أن ينتقص من عزّته شيئاً. {الَّذِينَ إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ} لأنّ محاولتهم الحصول على القوّة تنطلق من موقع الإيمان المسؤول، الذي يتحرّك من خطّةٍ دقيقة قوامها الإخلاص لله في العبادة، والمسؤولية تجاه الإنسان في روحية العطاء، ومواجهة الواقع بإقامة الحقّ وإزهاق الباطل، لما يمثّله الأمر بالمعروف من الأمر بالحقّ في حركة الفكر، على مستوى النظرية والتطبيق، ولما يمثّله النهي عن المنكر من رفض للمنكر، على مستوى الخطّ والممارسة. في المجالات العامة والخاصة. هؤلاء الذين يعيشون المسؤولية في مواقع العطاء، ويتحرّكون به في آفاق الإخلاص لله، ويعتبرون ما يملكونه من القوّة فرصةً للوصول إلى أهدافهم الكبيرة، وهي إقامة الحياة على أساس الحقّ المنطلق من الله، لا امتيازاً ذاتياً غايته الحصول على مكاسب ذاتية لجهة تحقيق الأطماع المادية والشهوات الحسيّة. هؤلاء هم الذين ينصرهم الله بنصره، لأنّ في انتصارهم انتصاراً للرسالات، وحمايةً للإنسان من كلّ القوى الشريرة التي تدمّر إنسانيّته، وتنحرف به عن الاتجاه الصحيح. {وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} فهو مالك الأمور كلّها، وهو المبدئ والمعيد، منه البداية وبيده النهاية، وإليه المرجع في كلّ شيء. ومهما امتدّ الإنسان في طغيانه، أو تعاظم في قوّته، أو تمرّد في حركته، فلن يستطيع أن يملك أمر نفسه، فكيف يملك أمر غيره؟! فالله هو المهيمن عليه وعلى حركته، وله عاقبة الأمور كلّها في جميع المشاريع الخاصة والعامة. ***** 4 ـــ المرونة في الدعوة: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً*وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً} [النساء: 80 ـــ 81]. ***** معاني المفردات: {حَفِيظاً}: رقيباً مهيمناً. {بَيَّتَ}: دَبَّرَ ليلاً. ***** {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ} لما كان الرسول لا ينطلق من شخصه، في ما يأمر به الناس أو ينهاهم عنه، بل من خلال صفته كرسول يبلغ عن الله ما يريد من الناس أن يفعلوه ويتركوه، كانت إطاعته إطاعة الله، ومعصيته معصية لله، وتلك هي مهمّته ودوره في حياة الناس. { وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} أمّا حساب الناس على أعمالهم، فليس الرسول مسؤولاً عنه، بل هو على الله، لأنّ الله لم يكلّفه، في خطّ الدعوة إليه والتبليغ لشريعته، بالسيطرة بالقوّة عليهم والهيمنة على أوضاعهم؛ فإذا أعرض الناس عن طاعة الرسول، فإنّهم يتحمّلون مسؤوليّتهم أمام الله. وقد حدّثنا الله عن بعض النماذج التي تظهر الاستعداد للطاعة ما دامت في حضرة الرسول، ولكنّها لم تكن مخلصة في ذلك، {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ} فإذا خرجت من عنده واجتمعت بعناصر السوء التي توافقها في الرأي من المنافقين، دبّرت خطط المعصية ومخالفة الرسول في ما يقوله، {وَاللّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ} ولم يلتفتوا وهم يخفون خططهم آمنين من اطّلاع أحد عليهم، أنّ الله يكتب كلّ ما يبيّتونه للمسلمين من الخطط الشريرة فيعرفها لرسوله الذي يواجه خططهم بالحكمة والتدبير الدقيق. وقد كانت المصلحة الإسلامية تفرض على النبيّ أن لا يفضحهم ويكشف أمرهم، {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ} لأنّ المرحلة قد لا تسمح بالدخول معهم في عملية صراع داخلي قد يسيء إلى توازن المجتمع، في الوقت الذي يخوض فيه المسلمون الحرب والصراع ضدّ المشركين واليهود؛ ولذلك كان الأمر الإلهي بالإعراض عنهم، مع إعداد الخطط الكفيلة لتحذير المسلمين ممنهم ومتابعة المسيرة من دون خوف ووجل، والتوكّل على الله من أجل الشعور الداخلي بالثقة من كلّ الطوارئ المفاجئة التي لم تدخل في الحسبان. وإذا توكّل الإنسان على الله، فإنّه يكفيه من كلّ شيء ولا يحوجه إلى غيره {وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً}. وقد نستوحي من هذه الآية، كيف يمكن أن يمارس العاملون للإسلام دعوتهم إلى الله وجهادهم في سبيله بمرونة وحكمة، فلا يصطدمون بالفئات القلقة التي قد تتواجد في داخل الساحة الإسلامية، إذا كانت الظروف الموضوعية لا تسمح بالأمر بسبب التعقيدات الصعبة الناشئة عن ذلك، ممّا قد يدخل الدعوة الإسلامية في معارك جانبية قد تترك أثرها السلبي على المسيرة الإسلامية الطويلة؛ ولكن ليس معنى ذلك إهمال الموقف كليّاً والاستهانة بهذه العناصر، بل المفروض الوعي والحذر وتطويق كلّ تحرّكاتهم ومواجهتهم بأسلوبٍ هادئٍ بعيد عن كلّ ألوان الإثارة المتعبة، حتى إذا تبدّلت الظروف، أمكن لنا حلّ مشاكلهم معهم بالطريقة القوية الحاسمة. ***** 5 ـــ الأسلوب التربوي للدعوة: {وَإِلَـهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ*إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 163 ـــ 164]. ***** معاني المفردات: {وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}: بالذهاب والمجيء، والزيادة والنقصان. {وَالْفُلْكِ}: السفينة والسفن، تطلق على المفرد والجمع. {وَبَثَّ}: نشر وفرَّق فيها. {دَآبَّةٍ}: كلّ ما دبّ من الحيوان على الأرض، وغلب على ما يحمل ويُركَب عليه. {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ}: تقليبها جنوباً وشمالاً، حارّة وباردة، وتوجيهها إلى الجهات المطلوبة. {وَالسَّحَابِ}: الغيم. {الْمُسَخِّرِ}: المذلّل بأمر الله تعالى، يسير إلى حيث شاء الله. ***** {وَإِلَـهُكُمْ} الذي خلقكم ورزقكم وأبدع الكون كلّه وأوجده من العدم، ومنحه نظامه البديع في دقّته، المتنوّع في أشكاله وألوانه وخصائصه وآثاره، وجعل الفطرة الكامنة في وجودكم العقلي والروحي دليلاً عليه وعلى وحدانيّته، {إِلَهٌ وَاحِدٌ} لا مجال لتعدّده في الاثنينية التي قد يعتقدها البعض، أو في الآلهة التي قد يتصوّرها بعض آخر بأنّها الوحيدة التي لا تقبل التجزئة ولا يمكن أن تنفتح على حركة العدد في امتداده، بل تنفتح على أعمق أعماق معنى الوحدة في العقل والإحساس والوجود. {لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ} فهذه هي الحقيقة التفصيلية للتوحيد التي لا بدَّ لكلّ مؤمن من أن يختزنها في وجدانه الإيماني من أجل نفي الألوهية عن كلّ ما يعتبره الناس إلهاً، أو ما يمكن أن يمنحوه هذه الصفة في المستقبل، كاستغراقهم في خصائص الموجودات الذاتية ممّا تمثّل فيها من عناصر العظمة التي توحي إليهم بالاعتقاد المنحرف، والتصوّر المشرك، وإثبات الألوهية لله وحده في تعينه في ذاته، بحيث تنفي وحدتُه غيرَه من دون حاجة إلى نفي الغير بطريقة خارجية. {الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} الذي أوجدكم برحمته، وأنعم عليكم بنعمهم، وهداكم إلى الحقّ بهدايته، ووعدكم برضوانه وجنّته على امتداد الوجود كلّه. وهذا هو التصوّر الإنساني للتوحيد في مضمونه الذاتي في معنى الله، وفي حركته العامة في مواجهة الآلهة المدَّعاة معه، أو من دونه، للدخول في عملية مقارنة بين الله وبين الآخرين للوصول إلى النتيجة الطبيعية في احتقارهم في حجم وجودهم، وفي قدراتهم الذاتية، وفي كلّ ما يتمثَّل فيهم، أمام عظمة الله المطلقة، فيتخفَّف الإنسان من الشعور بأيّة علاقة كبيرة بهم من خلال المعرفة العقلية والشعورية بأنّهم مجرّد موجودات عادية لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضرّاً إلاّ بالله، وهذا ما جعل شهادة التوحيد ممثّلة بكلمة "لا إله إلاّ الله" دون غيرها من الكلمات. ***** الحقيقة الإلهية بأجلى تعبيراتها: إنَّ الآية تطرح الحقيقة الإلهية ببساطة وعفويّة، لا مجال فيها للتكلُّف والتعقيد؛ فها هي وحدانية الله تبرز واضحة جليّة لكلّ من كان له فكر ونظر، عندما يدرس وحدة النظام الكوني وتناسقه ووحدة الرسالات السماوية وارتكازها على قاعدة واحدة، وضعف القوى المنتشرة في الكون وسيرها إلى الفناء، ممّا لا يجعل لأيّة قوّة مجالاً للاستعلاء الذي يرتفع إلى مستوى الألوهية. أمّا رحمته تعالى، فإنّها تنساب في كلّ مظهر من مظاهر النعمة والرعاية والعناية بالإنسان، وفي كلّ ما يحيط به من أوضاع تتّصل بحياته ومماته، ويقظته ومنامه، وأكله وشربه، وملبسه وملذّاته، وهكذا فإنّها تعطي الصورة الواضحة على انطلاق الخلق كلّه من موقع الرحمة التي تريد أن تبنيَ الإنسان على أساس الرحمة ليعمل الناس على الوصول إلى هذا الهدف الكبير في نهاية المطاف. ***** القرآن والمنهج الفكري للإنسان: وتأتي الآية الثانية حاملةً دعوة إلى العقل لأن يتحرّك في أجواء الكون ليكتشف الله من خلال اكتشافه لأسرار خلقه، وتأكيداً على أنّ قضية الإيمان هي قضية عقل وفكر لا قضية مزاج وعاطفة، وإشارة ذكيّة موحية بأنَّ غفلة الناس عن الله وابتعادهم عن سبيله ينطلقان من تعطيل العقل عن الحركة في اتجاه المعرفة بالابتعاد عن الأجواء والوسائل الطبيعيّة للمعرفة والإيمان، ولا يرتبطان بواقعية الفكرة المضادّة وقابليّتها للامتداد في وجدان الإنسان كحقيقة فكرية حاسمة. ***** ونلاحظ في تفسير هذه الآية عدّة ملاحظات: حركة العقيدة في الظواهر الطبيعيّة: 1 ـــ إنّ الملحوظ في مفردات القضايا والظواهر التي أثارتها الآية الكريمة أمام الإنسان هو أنّها تواجه الناس في حياتهم اليومية، فتلفت أنظارهم بشكل طبيعيّ إلى أنّ الطريق إلى معرفة الله لا يتوقّف على الاستغراق في الأجواء الفلسفية المجرّدة التي تبتعد بالإنسان عن حياته، ليضيع في متاهات الفرضيّات المتنوّعة والأساليب المتضادّة، ولا يخضع للانطلاق إلى أجواء بعيدة عن أجوائه الطبيعية المادية، بل كلّ ما هناك هو الالتفات الواعي إلى ما حوله من ظواهر الطبيعة ومفردات الحياة التي تحيط به. {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ} التي ترتفع فوقه بكلّ ما فيها من كواكب ونجوم خاضعة لنظام دقيق محكم رائع، يدركه الناظر إليه بعفوية في ما يشاهده من نتائجه وظواهره المتّصلة بحياته في نظام الشمس والقمر وغيرهما من الكواكب، ويعرفه المتأمّل الباحث الذي يعرف ما وراء هذه الظواهر من قوانين طبيعيّة حكيمة تضع كلّ شيء في موضعه، وتعطي كلّ قضية أسبابها، {وَالأَرْضِ} التي يعيش الإنسان عليها في ما يتمثّل فوقها من أسباب الحياة، وفي ما يكمن في أعماقها من الطاقات التي تساهم في نموّ الحياة واستمرارها في ما تحشده من شروط الحياة للإنسان في نظام دقيق يعيش الإنسان عظمته من خلال مشاهداته ومعاناته وإحساساته العميقة التي تقتحم عليه كيانه، لتوحيَ له بعظمة الخالق الذي يصنع ذلك كلّه. {وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} في الزيادة والنقصان، {وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ} والقوانين التي تحكم مسيرة الفلك في البحر، وهي التي تحمل ما ينتفع به الناس في معاشهم، {وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}، الماء الذي ينزل من السماء ليرتويَ به الإنسان في شرابه، وترتوي به الأرض من خلال ما يتساقط عليها، وما يختزن في أعماقها ممّا تتفجَّر منه الأنهار والينابيع، {وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ}، والدواب التي بثّها الله في الأرض مع اختلاف أنواعها وأدوارها ومنافعها، {وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ}، أمّا تصريف الرياح فهو تحريكها وتفريقها في الجهات بين حارّة وباردة، وليّنة وعاصفة، وعقيمة ولاقحة، تبعاً للحكمة الإلهية التي تحرّكها من خلال مصلحة النظام الكوني في حاجات الأرض والإنسان والحيوان والنبات والبحار والأنهار، أمّا حركة السحاب المسخّر بين السماء والأرض، فإنَّ لها أكثر من سرٍّ ومنفعة في النظام العام للحياة. وهكذا نجد أنّ في هذه الظواهر الكونية {لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} من خلال ما يدركه العقل من دلالتها على الله، فكأنَّ الآية تريد أن تقول لنا: إنَّ بإمكانكم اكتشاف الله في ما تشاهدونه من آياته التي لو فكّرتم بها بما أوتيتم من عقل لوصلتم إلى النتيجة الحاسمة وهي الإيمان بالله. إنَّ التفكير بالله والوصول إليه لا يكلّفكم جهداً في السفر والتنقيب في الأرض أو النزول إلى أعماق البحار، أو الصعود إلى آفاق الفضاء؛ بل يكفيكم التعامل مع حياتكم اليومية، لتفكّروا في ما يمرّ أو يحيط بكم، لتكتشفوا الله الذي يطلُّ عليكم من خلال ذلك، بحكمته ورحمته وعظمته، حيث يقودكم الفكر العميق إلى أنَّ الصدفة لا يمكن أن تصنع نظاماً، وأنّ القوّة العمياء الجامدة لا يمكن أن تخلق عقلاً ورؤية وامتداداً، وأنَّ الموت الراقد في أعماق العدم لا يفجّر الحياة، بل لا بدّ من العقل المنظَّم القادر الحكيم الذي يبعث ذلك كلّه في قدرته التي لا يعجزها شيء مهما كان عظيماً. الأسلوب التربوي للدعوة في الآية: 2 ـــ إنّنا نستطيع أن نأخذ من الآية أسلوباً عملياً في التربية، وخلاصته أن ينطلق الدّعاة إلى الله في دعوة الناس إلى التفكير من خلال حياتهم العامة في كلّ تفاصيلها اليومية، لجعلهم يفكّرون به في كلّ نعمةٍ يعيشونها، أو ظاهرة يشاهدونها، أو قانونٍ طبيعي أو حياتي يلمسونه في حياتهم، فذلك هو السبيل الأمثل للوصول إلى قناعاتهم الفكرية والروحية بواقعية وعمق وصفاء، بعيداً عن كلّ الحذلقات الفلسفية المعقّدة، لأنَّ الإنسان يحبّ أن يتعامل مع الأشياء الحسيّة التي تحيط به أو تكون قريبةً من حياته. ولعلّ قيمة هذا الأسلوب تتمثّل في فكرتين: الأولى: إنّنا نربط وجود الله بكلّ ما يحيط بنا، فيكون كلّ شيء في الكون دليلاً على وجوده. الثانية: إنّنا لا نشعر بابتعاد الله عنّا، فنحسّ بالجوّ الحميم الذي يغمرنا بروح الله، والسرّ في ذلك أنّك عندما تريد إثبات وجود الله من خلال أشياء بعيدة عن حسّ الإنسان ووعيه وحياته، فكأنّك توحي له بأنّ الله حقيقة لا تدرك، ولا يمكن أن تقترب من حياته، ككلّ شيء عظيم عميق مقدّس يحوطه الغموض من كلّ جوانبه، فلا تشعر به إلاّ كما تشعر بالأشياء البعيدة في الأُفق الغارق في الضباب. أمّا إذا ربطته بالفكرة من خلال حياته اليومية، فإنّه سيشعر بوجوده معه في كلّ التفاصيل التي تمرّ به. وبهذا، لا تقتصر النتائج على حصول الإيمان بالله كعقيدةٍ تعيش في الوجدان، بل هناك الشعور بحضور الله مجرّد فكرة كامنة في وعي الإنسان، أو إيمان ساذج مستقرّ في قلبه، بل يتحوّل إلى فكرة في العقل، وإحساس في المشاعر، وحضور قويّ مهيمن في الحياة والوجدان. الآية لا تفرض فكراً بلا تخطّط له: 3 ـــ إنّ هذه الآية تمثّل خطّاً واضحاً في المنهج الفكري الذي يريد الإسلام أن يصنعه للإنسان في محاولته الدائمة للوصول إلى الحقيقة، فقد لا نجد في القرآن الكريم الكثير من التحليل والتفصيل لأسرار الكون وقوانين الخلق، التي تضع فكر الإنسان في قوالب جاهزة من الفكر العلمي في أسلوب يعتمد على التلقين الجامد الذي لا يحرّك الفكر إلاَّ بمقدار ما يطوف بالفكرة المطروحة؛ بل كلّ ما نجده في الغالب من آياته، أنّه يدعو إلى التفكير والتدبّر والتأمّل واستثارة الطاقات الحسيّة والعقلية من أجل أن تسير في الاتجاه السليم الذي يصنع للمعرفة ظروفها الطبيعية، وآفاقها الواسعة، ووسائلها الصحيحة، لتقود الإنسان إلى تحصيل الحقائق التفصيلية للحياة بنفسه، في ضمن أفكار متعدّدة، ونظريات متنوّعة، تتحفّز للصراع في مجال البحث، لتكون النتيجة للفكرة التي تملك الحُجّة الأقوى. وبهذا استطاع الإسلام أن يبنيَ للإنسان فكره على أساسٍ من الاستقلال والحرية، والثقة بقدرته على الإبداع والاكتشاف والامتداد، فأوحى له أنَّ المساحات التي يمكنه التحرّك فيها لا تنحصر في حدود ضيّقة، بل تتّسع لكلّ جوانب الحياة في ظواهرها الكونية والإنسانية والحياتية، وليس عليه إلاَّ أن يعرف كيف يسير على المنهج الإسلامي المتكامل الذي لا يطرح أمام الإنسان إلاّ شعار التفكير الذي يعيش مسؤولية المعرفة بالتزامٍ وإيمان. ***** هل نشأت الأديان من جهل الإنسان؟ 4 ـــ إنَّ بعض الناس من الباحثين في تاريخ نشأة الأديان، يحاولون أن يرجعوا بتاريخها إلى بدايات وجود الإنسان، ويعودوا بأسبابها إلى الجهل بقانون السببيّة في الكون الذي يرجع كلّ ظاهرة إلى أسبابها الطبيعية، ما دعا الإنسان الأوّل إلى أن يخترع في وهمه، وجود قوى غير منظورة خارج نطاق الطبيعة، فيعتبرها السبب الأعمق لوجود الكون، وأدّى هذا الاتجاه إلى اعتبار القوى الخفيّة أساساً لكلّ ظاهرة من الظواهر. وخلاصة هذه الفكرة: أنَّ فكرة الله انطلقت من الجهل بالأسباب الطبيعية للكون. ويرون، من خلال ذلك، أنَّ الاكتشافات التي توصَّل إليها الإنسان فاستطاع أن يعرف من خلالها القوانين الطبيعية التي تحكم الأشياء، تلغي مبدأ الحاجة إلى هذه الفكرة، لأنّها أجابت عن كثير من الأسئلة الغامضة التي كانت تشغل تفكير الإنسان وتدعوه إلى فرضيّات ما وراء الطبيعة، فلا حاجة إلى جواب الغيب بعد أن حصل الإنسان على جواب الحسّ والواقع. ولكن، ما صحّة هذه النظرية؟ للإجابة عن ذلك نثير الأُسس الفكرية من زوايا ثلاث: 1 ـــ الناحية التاريخية. 2 ـــ الأسس الفكرية للإيمان بالله. 3 ـــ أسلوب القرآن في معالجة الإيمان. وسنرى أنّنا سنصل إلى خطأ هذه النظرية التي ألمحنا إليها. ***** التحليل الشامل للفكرة: 1 ـــ أمّا الناحية الأولى، فإنّنا نجد الوحدانية التي تتمثّل في عقيدة التوحيد سابقة على الوثنية في ما يوحيه تاريخ الديانات من جهة، وفي ما يراه بعض الباحثين في نشأة الدِّين من جهة أخرى. ونلاحظ في هذا المجال، أنَّ الإنسان في مراحله المتقدّمة كان لا يجهل كلّ أسرار الكون، بل كان يعرف بعضها في ما استطاع أن يخوضه من تجارب عملية وأفكار عقلية، فلم يمنعه ذلك من الإيمان بالله، أو السير بعيداً في خطى هذا الإيمان، ثمَّ نلاحظ مراحل نموّ المعرفة الإنسانية، وازدهار عصر الفلسفة، وتقدّم الفكر الإنساني في مجالات الحياة، فنجد أنَّ قضية الإيمان كانت تتقدّم تبعاً لتقدّم الفكر وتطوّر المعرفة، وهو ما يعني أنَّ القضية لا تتعامل مع الجهل، بل تتحرّك في مواكب العلم. وجاء عصر الاكتشافات العلمية التي استطاعت أن تضع أقدام الإنسان على سطح الكواكب، وبقي الإيمان يفرض نفسه على تفكير كثير من هؤلاء العلماء الذين سجَّلوا الكثير من الاكتشافات العلمية، أو ساعدت نظريّاتهم على هذه الاكتشافات، ما يعني أنَّ اتّساع نطاق التجربة، وسعة أُفق المعرفة، لا يغلق على الفكر باب الإيمان، بل يفتحه على أوسع آفاقه، لدرجة نستطيع معها تقرير فكرة حاسمة محدّدة، وهي أن تحوّل الجهل إلى علم، قد يرفع قيمة الإيمان ومستواه وإمكانياته لدى العلماء، لأنّه يمنحهم وسائل جديدة وأدواتٍ جديدة للتجربة الحيّة والفكر الواسع. 2 ـــ وأمّا من الناحية الثانية التي ترتبط بالأسس الفكرية للإيمان، فإنّنا نلاحظ أنَّ الإلهيين الذين قالوا بوجود قوّة وراء الطبيعة، انطلقوا من الأدلّة العقلية القطعية المرتكزة على أساس أنَّ الأسباب الطبيعية للوجود لا يمكن أن تكون نهائية، بل لا بدّ من أن تنتهيَ إلى السبب الأعمق، لأنّها لا تحمل بذور الحتمية في داخلها، بل تتصارع فيها قابلية الوجود والعدم، من دون وجود مرجّح ذاتي لأحدهما على الآخر، الأمر الذي يجعلها بحاجةٍ إلى علّة خارجة عنها من أجل أن ترجّح جانب الوجود على العدم، ويظلّ عنصر الحاجة هو الأساس الذي يحكم قانون تسلسل العلل والمعلومات حتى ينتهي إلى العلّة التي تحمل بذور الحتمية في الداخل، وهي التي نعبّر عنها بــ "واجب الوجود". وفي ضوء ذلك، نفهم أنّ العلماء الذين آمنوا بالألوهية في ما وراء الطبيعة لم يغفلوا عن قانون السببية في الكون ولم يجهلوا طبيعة الأسباب المباشرة التي تستند إليها الأشياء، ولكنّهم كانوا يتساءلون عن السبب الأول الذي أعطى للأشياء المباشرة قوّة السببيّة، فلم تكن القضية لديهم منطلقة من مشاهدات ساذجة، أو حالات جهل بسيط، أو انفعالات طارئة، بل انطلقت من دراسة فكرية عميقة وتأمّلات ذاتية دقيقة. 3 ـــ أمّا الناحية الثالثة، وهي أسلوب القرآن في معالجة الإيمان، فإنّنا نجد القرآن الكريم في حديثه عن ظواهر الكون، ينسب الفعل إلى الله، ولا يغفل دور الإنسان في النسبة في ما يتعلّق بالأفعال التي تتّصل بإرادته بشكلٍ مباشر، وذلك بالتعبير نفسه، كما في قوله تعالى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات : 96] فقد أسند العمل إلينا بالأسلوب نفسه الذي أسند فيه الخلق إلى ذاته المقدّسة، فنحن الذين قمنا بالعمل، وبذلك صحَّت نسبة العمل إلينا، أمّا نسبته إلى الله فلأنه أعطانا الحياة والقوّة والأدوات التي يحتاجها العمل، ومنحنا الإرادة التي تتحرّك نحو العمل بشكلٍ مباشر، للإيحاء بأنّه السبب الأعمق الذي تنتهي إليه الأشياء في سلسلة الأسباب، وهذا ما نستوحيه من قوله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَناً إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال : 17]، فهو ينفي عن الإنسان استقلاله بالفعل بالمستوى الذي يرجع إليه كلّ شيء، ولا ينفي عنه قيامه بالفعل، وهكذا تتنوّع الآيات القرآنية التي تتحدّث عن الأفعال والظواهر الطبيعية في الكون، وفي حركة الحياة والإنسان، ليتحدّث بأسلوب واحد عن السبب المباشر والأعمق الذي يوحي للإنسان بالمنهج الحقّ للمعرفة التي تواجه الأسباب المباشرة التي تعطينا الأسس للنظام الكوني، وتربطنا بالله في النطاق الغيبي لوجوده. 6 ـــ توجيهات إلهية في خطّ الدعوة: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ*أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ*وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ*أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ*وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ*فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ*وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ*بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ*وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 74 ـــ 82]. ***** معاني المفردات: {يَشَّقَّقُ}: أصله يتشقّق: وهو أن ينقطع من غير أن يبيّن. {بِغَافِلٍ}: الغفلة: السهو عن الشيء، وهو ذهاب المعنى عن النفس بعد حضوره، ويُقال: تغافلت على عمد أي عملت عمل السَّاهي. {خَلاَ}: انفرد. {فَتَحَ}: الفتح في الأصل يستعمل للشيء المغلق، والمراد به هنا الحكم؛ يقال: اللَّهم افتح بيني وبين فلان، أي احكم بيني وبينه. {لِيُحَآجُّوكُم}: ليغلبوكم بالحُجّة. {يُسِرُّونَ}: يتحدّثون سرّاً أو يفضون إلى بعضهم البعض سرّاً. {أُمِّيُّونَ}: جمع أُمّي، وهو الرّجل الذي لا يحسن الكتابة. {أَمَانِيَّ}: "واحدها أمنية، ومن معانيها تمنّي القلب، وهو أظهرها وأكثرها استعمالاً، وتستعمل في التلاوة أيضاً"(1) {فَوَيْلٌ}: الويل: في اللغة كلمة يستعملها كلّ واقع في هلكة، وأصله العذاب والهلاك، ومثله: الويح والويس، وقال الأصعمي: هو التقبيح، ومنه: ولكم الويل ممّا تصفون(1). {يَكْسِبُونَ}: أصل الكسب العمل الذي يجلب به نفع أو يدفع به ضرر، وكلّ عامل عملاً بمباشرة منه له ومعاناة فهو كاسب له. ***** هذه الآيات تتحدّث عن مرحلة من تاريخ بني إسرائيل، إذ تمثّل التحجّر الذي أصاب عقولهم وأرواحهم، فأغلقها عن الانفتاح على كلّ وحي إلهيّ، أو فكر إنساني، أو شعور روحي، فليس هناك مجال للحقّ، لأنَّ النوافذ كلّها مشرعة على الباطل، وليس هناك مجالٌ للرحمة، لأنَّ الآفاق كلّها قد امتلأت بالحقد والعداوة والبغضاء، وبالأنانية التي لا تعرف غير الذّات في أطماعها وشهواتها مجالاً للتفكير وللتعاطف. {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً}. تصوير للمدى الذي بلغته القسوة التي تطبع شخصيّتهم بطابعها، فلا يجد في الحجارة مثلاً صالحاً لإعطاء الصورة الصارخة، بعد أن بدأ الموضوع من هذا الجانب، لأنَّ التشبيه يفرض أن يكون وجه الشبه في المشبّه به أقوى من المشبّه، كما تقول: زيد كالأسد، باعتبار أنَّ الشجاعة التي هي وجه الشبه في الأسد أقوى منها في زيد، ما يعطي التشبيه دوراً في إيضاح صورة الشجاعة في زيد بشكل أقوى. أمّا هؤلاء، فإنَّ قلوبهم أقسى من الحجارة، {وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ} فينتشر منها الخصب والجمال في كلّ مكان. {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء} أي الينابيع الصغيرة، التي تسقي من حولها وما حولها. {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ}، وهي تعبير عن انفعال هذه الحجارة التي تتساقط بفعل العوامل الطبيعية، بالخضوع التكويني لإرادة الله في إطار العظمة الكونية الخاضعة له، نظير التعبير بالطاعة في السماء والأرض، والسجود والتسبيح في سائر المخلوقات الحيّة والجامدة. هذه هي قصّة الحجارة التي تبدو قاسية في ملامحها، صلبةً في تكوينها. أمّا هؤلاء، فإنَّ قلوبهم لا تنفتح للرحمة ولا للعطاء، فهم يقتلون الأنبياء بغير حقّ، ويبخلون بأموالهم وعلومهم وقواهم على المستضعفين، ولا يعيشون الخشوع الروحيّ الذي تستسلم فيه القلوب والأرواح والعقول لله استسلام الخاشعين. ولعلّ هذه المرحلة هي مرحلة قتل الأنبياء وتكذيبهم واضطهادهم، وتحويل تاريخهم الديني إلى واجهةٍ لاستغلال المستضعفين باسم الدّين، وهو ما يحدّثنا القرآن عنه في ما نستقبل من حديث. {وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} في انحرافكم العمليّ عن خطّ الاستقامة، وفي تمرّدكم على الرسالة والرسول، وفي وحشيّتكم القاسية في قتل الأنبياء بغير حقّ. ***** التاريخ في خطى الحاضر: وقد نستوحي من هذه الصورة القاتمة القاسية لهؤلاء، أنّ علينا أن نتطلّع في مسارنا العملي إلى النماذج الحيّة المتمثّلة في واقعنا الحاضر، ممّن يقفون ضدّ المؤمنين والمصلحين الذين يدعون الناس إلى السير في الحياة على الخطّ المستقيم، وضدّ الشعوب التي تطالب بالعدل والحقّ والحرية، فيضطهدونهم ويواجهونهم بالقتل والتشريد والسجن والتعذيب، لا لشيء إلاَّ لأنّهم يخافون على امتيازاتهم وأطماعهم واستغلالهم من الدعوات الإصلاحية والثورية، سواءٌ في ذلك الفئات الحاكمة الطاغية التي تقف في مراكز الحكم، أو الفئات المترفة التي تملك زمام الثروة في المجتمع فتمنعها عن الطبقات المحرومة الضعيفة، أو الفئات الكافرة الضالّة التي تملك قوّة النفوذ والسلاح. إنّنا نستطيع أن نجد في كلّ أساليبهم وتصرّفاتهم هذه الصورة التي يقدّمها القرآن لبني إسرائيل، وبهذا لا يعود التاريخ الإسرائيلي الذي قصّه علينا القرآن مجرّد مرحلة من مراحل الماضي، بل يتحوّل ـــ في وعينا ـــ إلى صورة حيّة للإنسان القاسي الموجود في كلّ زمان ومكان. أمّا سبيلنا إلى استحضار هذه الصورة في وعي الناس، فهو التركيز على طبيعة السلوك الإسرائيلي في المرحلة التي تحدَّث عنها القرآن، ودراسة الخصائص الذاتية والعملية في شخصية أولئك الناس، ثمَّ البدء في عملية مقارنة مع النماذج المعاصرة المشابهة لها في طبيعتها وخصائصها وتصرّفاتها، لتتعمَّق الصورة القرآنية من خلال الخطوط العامة، لا من خلال الحالة الخاصة، لئلا نقع في ما يقع فيه الكثيرون ممّن يلعنون التاريخ في نماذجه الشرّيرة، ثمّ يباركون النماذج نفسها التي تأخذ في الحاضر صورة أشخاص ذلك التاريخ، انطلاقاً من الاستغراق في الشخص بعيداً عن العوامل الذاتية التي تثير فينا الشعور معه أو ضدّه. إنّها قصّة الوعي القرآني المتحرّك الذي يجعل الآية تتحرّك في مدى الزمن في صورها الحيّة، وتطلُّعاتها الواسعة، وخطواتها التي تطبع الخير والرحمة والبركة في كلّ مكان وزمان. ***** مرحلة التحريف: ويقف القرآن مع النبيّ والمؤمنين معه، في معالجة قضية الدعوة أمام اليهود؛ فقد كان النبيّ والمؤمنون معه يستشيرون مختلف الأساليب الفكرية والعاطفية في إقناعهم بالإسلام، من أجل أن يؤمن اليهود المعاصرون للدعوة الإسلامية، لأنّهم كانوا يرون بعض ملامح الأمل في بعض كلماتهم وأوضاعهم العامة، وكانوا يبذلون في ذلك جهداً كبيراً، لما يمثّله اليهود في المدينة من قوّة روحية ومادية، ما يجعل من إيمانهم بالإسلام قفزةً كبيرة إلى الأمام في مجال القوّة الإسلامية المتقدّمة. ***** الطمع في إيمان اليهود أمل ضائع: {أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ} وهذا خطاب للنبيّ وللمؤمنين معه الذين كانوا يطمعون في إيمان اليهود في المدينة لأنّهم أهل كتاب، فقد اطلعوا على ما في التوراة من حقائق العقيدة والشريعة والبشارة بالنبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) ممّا جاء القرآن مصدِّقاً له، الأمر الذي يجعل الحقيقة الإسلامية واضحة أمامهم بحيث لا مجال فيها لأيّة شبهة، بل قد تكون المسألة في الوجدان الإسلامي للمسلمين في علاقتهم باليهود أنّهم قد يتحوّلون إلى دعاةٍ للإسلام من موقع الوعي العقيدي المرتكز على العلم الذي حصلوا عليه من التوراة، ولكنَّ القرآن يؤكّد للمسلمين أنَّ المشكلة لدى هؤلاء ليست كالمشكلة لدى غيرهم من الكافرين، وهي مسألة جهلهم بالإسلام وبالحقائق الكامنة فيه، ليحتاج النبيّ إلى جهدٍ كبير في تعليمهم الكتاب والحكمة والدخول معهم في حوار طويل، بل المشكلة مشكلة عنادٍ مع سبق الإصرار، انطلاقاً من أنّ قضية الدِّين لم تكن لديهم قضية التزام فكريّ وعمليّ، بل هي قضية تأكيد للذّات على مستوى ذهنية المهنة التي تمنح صاحبها موقعاً اجتماعياً متقدّماً، وربحاً مادياً كبيراً، ممّا يؤدّي بهم إلى تحريف النصّ الديني إلى غير ما يوحي به من الحقائق، ليسخّروه في خدمة أطماعهم وشهواتهم، ويوظّفوه لهذا الطاغية وذاك المنحرف، ويؤوّلوه على حسب الأوضاع الطارئة الموجودة في واقعهم، كما كانوا يقولون عن المسلمين في حديثهم عن المشركين: {هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً} [النساء : 51] مع وضوح الضلال الإشراكي في عبادتهم للأوثان، والهدى الإسلامي في توحيد الله في العقيدة والعبادة، لذلك فإنَّ قضية الكفر عندهم لم تكن منطلقة من الفكر المضادّ، بل من الذاتيات المنحرفة الغارقة في الأطماع والشهوات، وهذا هو النموذج الذي تمثّله القوى المتقدّمة فيهم. {وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللّهِ} ويدركون معانيه وإيحاءاته ودلالاته التي تقودهم إلى معرفة الحقّ في الدّين الجديد والصدق في النبيّ المرسل، {ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ} ويؤوّلونه، ويبتعدون به عن ظاهره إلى معنى آخر، لا علاقة له بالحقائق العقيدية الإيمانية {مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ} وعرفوه في عمقه وامتداده، بحيث لم تكن هناك شبهة، {وَهُمْ يَعْلَمُونَ} ويجعلون الحرام حلالاً والحلال حراماً، ويقولون: {لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ} [آل عمران : 75] فيحلّون لأنفسهم نهب أموال العرب الذين يطلقون عليهم اسم الأميّين، بحُجّة أنَّ التوراة تبيح لهم ذلك. فكيف تطمعون أن يؤمنوا لكم بعد ذلك، لأنّ الإيمان لا بدَّ من أن يتحرّك من موقع قلق المعرفة الباحثة عن الحقّ، وإرادة الإيمان المنطلقة في خطّ الفكر. وقد كان هذا الاتجاه المتحرّك من موقع الأمل الكبير يشكّل خطورةً على مسار العمل الإسلامي، لأنّ ذلك يضيّع كثيراً من الجهود الفكرية والعملية التي يحتاج الإسلام إلى بذلها في مجالٍ آخر نافع، باعتبار أنّ إيمانهم ليس وارداً في حسابهم في واقع الحال، ولأنّ ذلك يسلم المسلمين إلى السذاجة الروحية، وفقدان الحذر اللازم، عندما يدخل بعض اليهود في الإسلام، فيحصلون على الثقة التي تمنحهم حريّة التحرّك في تخريب الإسلام من الداخل، انطلاقاً من صفة الإيمان التي حصلوا عليها، ولأنَّ إغفال المعرفة الحقيقية لما هُم عليه، يُعطّل على المسيرة الإسلامية التحرّك الفعلي ضدّ المخطّطات التي كانوا يرسمونها في الخفاء للقضاء على الإسلام والمسلمين. وعلى ضوء ذلك، نشعر بأنَّ عملية تعرية الواقع الحاضر، بعد عملية تعرية التاريخ، ضرورة لحفظ الدعوة الإسلامية والمجتمع الإسلامي من أخطار السذاجة والتضليل؛ وذلك بالالتفات إلى أنّ هداية أيّ شخص لأيّة فكرة تتوقّف على شرط الاستعداد النفسي لتقبّل هذه الفكرة أو الإيمان بها، وخاصة في الحالات التي يعيش فيها البساطة الذهنية والقلق الروحي إزاء معرفة المجهول، فعندها يكون مستعدّاً للأخذ والردّ والدخول في عمليات الحوار في مختلف الجوانب. أمّا هؤلاء، فقد أغلقوا نوافذ أفكارهم عن كلّ شيء جديد، لأنّهم لا يتعاملون مع الحقّ بروحية الإيمان الذي يبحث عن الفكرة ليرتبط بها، بل بعقلية التاجر الذي يريد أن يحقّق لنفسه الربح الماديّ الوفير من خلاله، فإذا فقد هذه الفرصة اتّجه إلى التحريف، ليستطيع أن يحقّق لنفسه رغباتها على أساس ذلك، وهذا ما عرفوه من آيات الله في التوراة، فقد عرفوا الحقّ من خلالها كأوضح ما يكون، ولكنّهم حرفوه عندما وجدوا أنّهم لا يستطيعون أن يحقِّقوا لأنفسهم فيه مكسباً ومطمعاً ذاتياً. وفي ضوء ذلك، لا مجال لأيّ تفكير أو طمع رسالي بهدايتهم أمام هذه الروح الغارقة في الضلال. ***** نفاق بني إسرائيل: يمكن للبعض أن يدخل في الإيمان ظاهراً من أجل التوصّل إلى مكاسب ذاتية أو تحقيق مخطّطات تخريبيّة ضدّ الإسلام والمسلمين، وقد يدفعه ذلك إلى إبراز ما تشتمل عليه التوراة من دلائل وبراهين على صدق النبيّ في رسالته للتدليل بذلك على إخلاصه للإسلام، حتّى إذا خلا بعضهم إلى بعض، وأفاضوا في الحديث عمّا قالوه للمسلمين وما قاله المسلمون لهم في نطاق الخطط المرسومة لديهم، وقف أصحابهم للتنديد بهم على هذا الاسترسال في الحديث بما فتح الله عليهم من التوراة، لأنّ ذلك سيكون حُجّةً للمسلمين عليهم أمام الله يوم القيامة، انطلاقاً من إقرارهم بأحقيّة الإسلام، وذلك خلاف الحكمة والعقل. ولكنَّ الله يواجههم بسذاجة تفكيرهم في ما يخافونه من الاحتجاج عليهم بذلك، لأنّهم إذا كانوا يؤمنون بالله، فينبغي أن يدفعهم إيمانهم إلى الشعور بأنَّ الله مطّلع على سرّهم وعلانيّتهم، فلا يحتاج إلى إقرارهم ليقيم الحُجّة عليهم. {وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا} بما جاء به النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، لأنّنا نجد صدقه في ما لدينا من التوراة التي بشرّت به، كما نجد فيها الكثير من تفاصيل الشريعة الإسلامية التي تلتقي مع الكثير من أحكام شريعتنا، ولذلك فإنّنا لا نجد أيّ مبرّر لإنكار الإسلام، {وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ} وتحادثوا بما قالوه للمسلمين من حقائق الإسلام في حقائق التوراة، {قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْكُمْ} من العلم الذي يمكن أن يكون حُجّةً عليكم، إذا انفتح الصراع بينكم وبينهم في ساحاته، كما يكون حُجّة لهم عليكم عند ربّكم، من خلال إقراركم بأنّهم على الحقّ، على أساس ما تملكونه من حقائق التوراة المصدِّقة لما يدعون إليه أو يؤمنون به. {لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ} إذا لم تلتزموا الدِّين الذي يلتزمونه، بعد إقراركم به؛ {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} وتفكّرون بالنتائج السلبية التي تحصل لكم من ذلك كلّه. {أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ}، فليست المسألة في قيام الحُجّة عليهم عند الله أنّهم يحدّثون المسلمين بما في التوراة، بل المسألة هي المعرفة التي يملكونها، فيتحمّلون مسؤوليّاتها تجاه أنفسهم وتجاه الناس الآخرين في الإقرار بالحقّ، والإيمان به، والدعوة إليه في كلّ مكان وزمان. وقد جاء في مجمع البيان: روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّه قال: كان قوم من اليهود، ليسوا من المعاندين المتواطئين، إذا لقوا المسلمين، حدّثوهم بما في التوراة من صفة محمّد، فنهاهم كبراؤهم عن ذلك وقالوا: لا تخبروهم بما في التوراة من صفة محمّد، فيحاجُّوكم به عند ربّكم، فنزلت هذه الآية(1). ***** التوراة والمحرفون: ثمَّ يتحدّث الله عن بعض نماذج أهل الكتاب المعاصرين للدعوة الإسلامية، فمنهم "أُمِيُّون" لم يأخذوا من العلم بشيء، ولا يملكون أيّة معرفة بالكتاب إلاّ من خلال التمنّيات التي تجعلهم يشعرون بالتفوّق على الآخرين في الدنيا والآخرة، لأنّهم "شعب الله المختار" من دون أيّة معرفةٍ يقينية، وليس لهم من ذلك إلاَّ الظنّ الذي لا يغني من الحقّ شيئاً. {وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ} لا يملكون المعرفة الواسعة العميقة التي تربطهم بالحقائق التي يحتويها الكتاب، لأنّهم يقفون عند المعاني الساذجة للكلمات، ولا ينفذون إلى أعماقها {لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ}. ربّما يراد من كلمة الأماني التلاوة، يقال: تمنّى كتاب الله أي قرأه وتلاه، وبذلك يكون المراد بالكلمة أنّهم لا يعلمونه إلاّ ألفاظاً يتلونها من دون وعي المعاني؛ وربّما يراد منها الأحاديث المختلفة المتضمّنة للتحريف. يقال: أنت تتمنّى هذا القول أي تختلقه، فيكون المقصود أنّهم لا يعلمون الكتاب إلاّ بنحو التحريف الذي هو مجموعة من الأكاذيب التي قد تطرح كما لو كانت مدلولاً للكلمات، وقد يقصد بها الأماني جمع أمنية وذلك على أساس أنّهم يتمنُّون على الله ما ليس لهم، كقولهم: {لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} أو {نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ} [المائدة : 18] ليكون المعنى أنّهم لا يعلمونه إلاّ بما يتّفق مع تخيّلاتهم وأحلامهم وأمنياتهم الخيالية التي لا واقع لها. وفي جميع الحالات فهم لا يملكون اليقين الذي يتحرّك في دائرة وضوح الرؤية الذي تسكن إليه النفس وتطمئن إليه الروح؛ {وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ} من خلال تخرّصاتهم وتخميناتهم التي لا ترتكز على أساس المعرفة اليقينيّة الحقّة. ***** اللّعنة والويل جزاء المحرّفين: هؤلاء المحرّفون المتاجرون بالدّين بتحريف آياته ومفاهيمه، الذين يقدّمون للنّاس الجاهلين بحقيقة التوراة الأكاذيب والتحريفات، ثمَّ ينسبونها إلى الله ليصلوا إلى مطامعهم وشهواتهم. إنّهم سيذوقون اللعنة والويل من الله، جزاءً لهم على ما حرّفوه، وما كسبوه من أعمال سيّئة محرَّمة ومال حرام. {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ} يحرّفونه عن مواضعه، ويختلقون ما ليس فيه، ويخلطون في أساليبهم بين الحقّ والباطل ليوهموا القارئ أنّه من الكتاب، وجاء في الحديث عن الإمام محمّد الباقر (عليه السلام) ـــ كما في مجمع البيان ـــ أنّهم عمدوا إلى التوراة وحرَّفوا صفة النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ليوقعوا الشكّ بذلك للمستضعفين من اليهود(1). {ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً} بحيث يعطونه قداسة الوحي الذي يخضع له المؤمنون ويلتزمون به. {فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ} من الباطل الذي صوَّروه بصورة الحقّ، {وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ} من الخطايا والأعمال الشرّيرة، التي لن تجلب لهم إلاّ الويل، في الدنيا والآخرة. ***** زعم اليهود عدم تخليدهم في النار: {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} وهذه هي القاعدة النفسية اليهودية المرتكزة على الذهنية المستعلية التي تنظر إلى الناس من الموقع الفوقيّ، باعتبار أنّهم شعب الله المختار، وأنَّ الناس يقفون في الدرجات الدنيا ليكونوا خدماً لهم يلبّون حاجاتهم وقضاياهم العامة والخاصة. {وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً} فلن يخلّدنا الله في عذاب النار لأنّنا أبناؤه وأحبّاؤه وشعبه المختار، فلا يعاقبنا إلاّ كما يعاقب الأب أولاده، والمحبّ حبيبه، بطريقة تأديبيّة حميمة يمتزج فيها الحبّ بالعقوبة بشكل خفيف لا يستمرّ طويلاً، لأنَّ الرحمة تسبق الغضب عندما يتحرّك في مثل هذه المواقع، وتلك هي التخيّلات النفسية التي تحوّل الأمنية إلى حقيقةٍ في الواقع. {قُلْ} يا محمّد لهؤلاء اليهود، في حوار جدّي يناقش القضية من منطق الحُجّة، {أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللّهِ عَهْداً} بأن لا يعذّبكم إلاَّ أيّاماً معدودة؟ لتكون القضية قضية التزام إلهيّ بالعهد الذي قطعه على نفسه {فَلَن يُخْلِفَ اللّهُ عَهْدَهُ} ولكن أين هو العهد؟ وما مضمونه، وما الحُجّة فيه؟ ولا نجد لديكم شيئاً من ذلك كلّه، {أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ}؟ فتكذبون على الله وتنسبون إليه ما لم ينزل به سلطاناً، وتلك هي الجريمة الكبرى. ***** العمل أساس الخلود في الجنّة أو في النّار: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يؤكّد القرآن في هاتين الآيتين القاعدة للخلود في الجنّة أو في النار، بعيداً عن كلّ الامتيازات، أو الاستثناءات المتوهّمة للأشخاص أو للأُمم، فليس في الآخرة طبقات على المستوى المعروف لدى الناس في الدنيا، لأنَّ الطبقية هنا تنشأ من حصول الإنسان على امتياز ماديّ أو معنويّ، يتميَّز به عن غيره، فيجعل له قيمةً متميّزة لدى سائر الناس؛ أمّا في الآخرة، فالجميع متساوون أمام الله؛ فلا علاقة لأحد بالله أكثر من غيره، من ناحية ذاتية، لأنّهم مخلوقون له، ومن ناحية الصفات، لأنّها هبةٌ من الله، فلا مجال هناك إلاَّ للعمل وحده، فهو القيمة الأولى والأخيرة التي ترفع مستوى الإنسان عند الله، ولهذا كانت قضية الجنّة والنار خاضعةً للعمل لجهة خلود الإنسان في الثواب والعقاب؛ فأمّا الخالدون في النار فهم الذين واقعوا الخطيئة من قاعدة روحية وفكرية وعملية، فهي محيطة بهم من كلّ جانب وليست شيئاً طارئاً ممّا يحدث للإنسان، كنتيجةٍ لنزوة سريعة. إنّهم يعتقدونها ثمَّ يعيشونها فكراً وشعوراً وعملاً، وهؤلاء هم المجرمون المتمرّدون الذين يواجهون الحقّ من موقع الوضوح في الرؤية، ولكنّهم يصرّون على الابتعاد عنه والتمرّد عليه، والمتاجرة بكلماته بعيداً عن روحه، والتحريف لآياته؛ وهؤلاء هم الذين لا يتطلّعون إلى الإيمان بالله بروحية منفتحةٍ تخشع أمام ذكره وتخضع لآياته، وتستسلم لأوامره ونواهيه، بل يمرّون مروراً سريعاً، تماماً كأيّة فكرة طارئة، أو وهم زائل، وهؤلاء هم الظالمون الذين يفسدون في الأرض ويبغون فيها بغير الحقّ، وينازعون الله سلطانه وكبرياءه، عندما يخيَّل إليهم أنّهم آلهة صغار، من خلال نوازع الكبرباء والعظمة الذاتية، التي توحي بها السلطة في مظاهر القوّة والسلطان، أو الذين يشركون بعبادة الله غيره، ممّا يصنعونه بأيديهم من الخشب والحجر وغيرهما ممّا يصنع منه الأصنام، أو ممّا يصنعونه بطاعتهم وخضوعهم من أصنام اللّحم والدم من الطغاة والمستكبرين الذين يصنع منهم الأتباع آلهة وسادة، ولولاهم ما كانوا شيئاً مذكوراً. هذه هي النماذج التي تكسب الخطيئة من موقع القاعدة، هم أصحاب الخلود في النار، وهم الذين تنطبق صفاتهم على هؤلاء اليهود الذين لم يتركوا خطيئة إلاَّ ومارسوها بكلّ قوّة وعزم وتصميم، من التمرّد على الأنبياء، وقتلهم الأنبياء بغير حقّ، وتحريف كلام الله، والمتاجرة بالأكاذيب والبدع. وغير ذلك، ما يدلّ على وجود أساس روحيّ أو فكريّ للتمرّد والطغيان، أو يوحي بأنَّ علاقتهم بالله لا تمثّل شيئاً كثيراً في حياتهم ليندفعوا ـــ من خلاله ـــ في طريق الطاعة والتوبة؛ فكيف يرون لأنفسهم هذا الامتياز الإلهيّ الذي يؤمنهم من الدخول في النار؟ وأمّا الخالدون في الجنّة، فهم الذين عاشوا الإيمان في نفوسهم فكراً وشعوراً وروحانية، فهم يقفون أمام الله موقف المؤمن الذي يحسّ وجوده بمشاعره، كما يتعقّله بفكره، وهم الذين يعيشون الإحساس بالعبودية المطلقة التي تدفعهم إلى الخضوع والخشوع والاستسلام لله في أعمالهم، ولكنَّهم قد يخطئون ويتمرّدون نتيجة نزوة سريعة أو هفوة طارئة ممّا يدخل في حساب الغفلة والنسيان ووسوسة الشيطان، من دون أن يكون هناك أساس نفسيّ أو فكريّ يشجّع على ذلك ويدفع إليه، ولهذا نجدهم يتراجعون عند أوّل حالة انتباه أو تذكّر أو يقظة ضمير، كما حدّثنا الله عنهم في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف : 201] فهؤلاء هم أصحاب الجنّة المتّقون، الذين عاشوا روحيّتها في روحيّتهم، وأخلاق أهلها في أخلاقهم في الأرض قبل أن ينتقلوا إليها. {بَلَى} ليس الأمر كما قالوا وزعموا زعماً بعيداً عن كلّ حقيقة، بل المسألة خاضعة لقاعدة ثابتة في ثواب الله وعقابه، ممّا لا يرجع إلى امتيازات ذاتية لإنسان معيّن أو شعب معيّن. {مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} عميقة الجذور في ذاته بحيث كان لها الدور الكبير في تغيير كلّ فكره وعمله في الاتجاه السلبي، ليكون إنساناً محاصراً من كلّ جهة، فلا ينفذ إلى عقله شيء من الحقّ، ولا إلى حياته شيء من الخير، فقد أطبقت عليه ضلالته {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ} من كلّ جانب، فأينما يتوجّه ويتحرّك فهناك خطيئة في فكره وفي عمله. ولعلّ الشرك الذي لا يغفره الله هو التجسيد الحيّ لهذه السيّئة التي يكسبها الإنسان فتبعده عن الله في توحيد العقيدة والعبادة، ويستغرق في الصنمية التي تحوّل حياته إلى جدارٍ مسدود لا مجال فيه للأفق الواسع، وإلى كهف مظلم لا ينفذ إليه النور من أيّة جهة، فيكون هذا الإنسان خطيئة متجسّدة في حركة الباطل والشرّ والفساد في واقعه الداخلي والخارجي، {فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لأنّ مثل هؤلاء لا يرتبطون بالله بأيّة رابطة تنفذ منها رحمته وينفتح عليهم رضوانه، ما يجعل الخلود في النّار هو النهاية الطبيعية التي ينتهون إليها. {وَالَّذِينَ آمَنُواْ} بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} التي أراد الله لعباده أن يأخذوا بها في حياتهم الفردية والاجتماعية وفي علاقاتهم العامة والخاصة، فكانوا التجسيد الفكري للحقّ، والواقع المتحرّك للخير، الأمر الذي يجعلهم في موقع القرب من الله، فلا يزدادون إلاَّ خيراً وطاعة ومحبّة وانقياداً له، {أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فهم أهلها ومجتمعها، وهم الذين يمثّلون أخلاقيّتها المنفتحة على الروح والرضوان، ويجدّدون لها حيويّتها وحركيّتها في إنسانيّتهم الخيّرة التي عاشت مع الله وانتهت إليه في مواقع القرب عنده. ***** العاملون أمام الامتيازات الطارئة: وقد ينبغي للعاملين في حقل التوعية والدعوة الإسلامية، أن يركّزوا على هذا الجانب في المفهوم الإسلامي الأصيل للقرب من الله والبعد عنه، فلا يسمحوا للامتيازات الطارئة التي توزّع الجنّة والنار بين الناس على أساس أنسابهم ـــ حتى ولو كان السبب مرتبطاً برسول الله ـــ أو على أساس انتماءاتهم المذهبية من دون أن يكون لذلك أيُّ أثر في سلوكهم العملي وتطلُّعاتهم الروحية، لأنَّ ذلك يتافى مع المفهوم القرآني، الذي يعتَبر الأساس في صحّة أيّ مفهوم وفساده، فإذا كان القرآن يطرح القضية في موقع الإيمان والعمل، فكيف يمكن أن نجرّد المقياس من العمل فنعتبره ثانوياً ونبقي على جانب الإيمان وحده؟! ثمّ هل يمكن أن نكتشف الإيمان الحقّ إلاّ من خلال العمل؟! أمّا ما يُخيّل وجوده لدى بعض الناس من عاطفةٍ إيمانية، إزاء بعض المقدّسات أو الروحيات، فإنّها قد تدخل في نطاق التربية العاطفية، التي يعيشها الإنسان في طفولته أو في بيئته، بعيداً عن جانب العقيدة عنده. وقد يحاول البعض أن يُدخل قضيّة الاستثناءات المطروحة في باب العام والخاص أو المطلق والمقيّد، ممّا اعتاد الفقهاء والأصوليون إثارته في كلّ قضية من القضايا الشرعية التي يقف فيها الإنسان بين أمرين، أحدهما يدلّ على الإطلاق، والآخر يدلّ على التحديد، فيحملون المطلق على المحدود، فيركّزون بذلك الاستثناءات في القاعدة. ونحن لا نمانع في القضية من ناحية المبدأ، فإنّ هذه القاعدة اللّغوية تُعتبر من بين القواعد المسلّمة في أساليب اللغة العربية، لأنّ أيّ متكلّم قد يجري في أسلوبه على إصدار القاعدة من دون قيود لتكون أساساً عاماً يرجع إليه في حالات الشكّ، ثمّ يُتبعها بالاستثناءات في أدلّة مستقلّة لتكون دليلاً على التقييد. ولكن هذا لا يجري في الحالات التي تدخل في نطاق الضوابط العامة التي يُراد منها التحديد المطلق من أجل إعطاء المفاهيم الأساسية العامة، فقد يدخل ذلك في سياق العموميات أو المطلقات الآبية عن التخصيص أو التقييد ـــ كما يقول الأصوليون ـــ ولا سيّما في أمثال هذه القضايا التي يشعر معها الإنسان، بأنَّ المفهوم المطروح في الآية ينسجم مع طبيعة العلاقة التي تربط الله بعباده، حيث لا أساس لأيّ شيء ذاتي في هذا المجال، لما ذكرناه من تساوي الخلق أمام الله في كلّ الامتيازات المتوهّمة، فلا يبقى إلاّ العمل المستند إلى الإيمان. أمّا حديث المغفرة في غير حالة الإشراك بالله، فهذا لا يدخل في نطاق حديثنا، لأنَّ حديثنا يرتكز على أساس الاستحقاق. أمّا المغفرة وعدمها، فإنّها تدخل في نطاق التنفيذ، فقد أخذ الله على نفسه ـــ برحمته ولطفه ـــ أن يعفوَ عن المذنبين الذين يستحقّون دخول النار أو الخلود فيها، وذلك بلحاظ بعض الأعمال أو النيّات التي تجعل الإنسان موضعاً لرحمة الله. وخلاصة الحديث، أنّ من الضروري التركيز على هذا المقياس في الثواب والعقاب في التربية الإسلامية للمؤمنين، ليكون ذلك حافزاً لهم على تنمية الإيمان والعمل في حياتهم، ليتقرّبوا بذلك إلى الله طمعاً في نيل رضاه، ولا يستسلموا للامتيازات الطارئة، بحيث يتركون العمل، أو يتهاونون فيه اعتماداً على ما يخيّل إليهم من أسباب الأمان. ***** 7 ـــ الدعوة من خلال إثارة الوجدان الشعبي: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ*وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ*وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ*بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ*قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ*لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ*قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ*قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ*سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ*قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ*سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ*بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [المؤمنون: 78 ـــ 90]. ***** معاني المفردات: {أَنشَأَ}: خلق. {أَسَاطِيرُ}: أباطيل وأحاديث خرافية. {مَلَكُوتُ}: الملكوت: الملك، بمعنى السلطنة والحكم. {تُسْحَرُونَ}: السحر: تخيّل الشيء على خلاف ما هو عليه. ***** لماذا يؤكّد القرآن على أنّ مشكلة الكفر، تتلخّص في الغفلة من جهةٍ، واتّباع الهوة من جهةٍ أخرى؟ إنّ هذه الآيات هي الجواب عن ذلك، لأنّ ربوبية الله للعالم، ووحدانيّته في ذلك، ليست من الأمور التي يحتاج الوصول إليها إلى الكثير من الجهد الفكري، بل كلّ ما تحتاجه وجدانٌ صافٍ، وفطرة نقيّة ينفتح بها الإنسان على وجوده من الداخل أو على الأشياء التي تحيط به من فوقه أو من تحته أو من حوله، فإنّ ذلك ـــ وحده ـــ كفيلٌ بأن يقود الإنسان إلى الإيمان بالله بطريقة فطريةٍ عفويّة لا تعقيد فيها، فهي لا تحوجه إلى البحث عن إجابات صعبة على إشكالات فكرية معقّدة. ***** السمع والأبصار والأفئدة من نِعَم الله: {وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} فكّروا في أنفسكم، في الجسد الذي تتحرّكون به، ألَا ترون أنّ لكم أسماعاً تلتقطون فيها أصوات الموجودات المحيطة بكم، وأنّ لكم أبصاراً تشاهدون فيها كلّ المناظر التي تحيط بكم، وأنّ لكم عقولاً تطوف بكلّ مفردات المعرفة التي تمتلئ بها حياتكم الباحثة أبداً عن الفكر والحقّ والإبداع؟ هل هناك معنى للحياة دون هذه الطاقات التي تتعاون في الوصول إلى هدى الوعي الذي يحرّك حياة الإنسان في الاتجاه السليم؟ فبالبصر والسمع يلتقط الكائن الحيّ كلّ المسموعات والمبصرات وكلّ ما يتحسّسه الإنسان من خلال تجربته الذاتية، بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، عبر ما ينقل إليه من تجارب الآخرين. وبالعقل ينظم كلّ التجارب الحسيّة التي يعيشها ويحوّلها إلى نظم عقلية وملاحظات، ما يفتح للإنسان كثيراً من أبواب الخير والهدى والنجاة. فهل تتصوّرون الحياة دون سمعٍ؟ وكيف تستطيعون التعويض في المعرفة عمّا ينقله إليكم السمع؟ وكيف يكون الوجود الإنساني أعمى بحيث يفقد كلّ تجارب البصر التي تهديه إلى مواقع المعرفة ومنابع النور؟ وما قيمة السمع والبصر وكلّ الحواس الأخرى في جسد الإنسان، إذا لم يكن هناك عقل ينظّم لها كيف تواجه الحياة من موقع النور والقوّة والاستقامة؟ إنّها النعم التي ترتفع بالإنسان، عندما تجتمع له، إلى الآفاق التي تربطه بالقضايا الأخرى، وكليّات الحقائق، وقوانين الوجود، وقواعد المعرفة، وتقوده من خلال عمق العلم ورحابته إلى أن يكون القوّة التي تقود الحياة وتوجّهها في الاتجاه الصحيح، فهل تشكرونها، وهل تعرفون أنّ الشكل في هذا المجال ليس كلمةً تقولونها، وليس التفاتة عرفان بالجميل تتمثّلونها أو تعبّرون عنها بابتسامةٍ، أو انحناءةٍ، أو هديةٍ أو ما إلى ذلك، ممّا اعتاد الناس أن يعبّروا به عن شكرهم للجميل؟! بل هو حالة وجدانية تهزّ الكيان اعترافاً بالخضوع العميق للخالق الذي أبدع وأعطى ودبَّر، وموقف طاعة دقيقة شاملة لكلّ أوامره ونواهيه، تعبيراً عن خضوع المخلوق للخالق في وعيه لسرّ العبودية في ذاته للإله الذي خلقه، إنّه شكر الوجود الإنساني الحيّ المتحرّك بالموقف لخالق الوجود. ولكن ما تعيشونه خلاف ذلك. فأنتم {قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ} فليس هناك إلاّ القليل القليل من الشكر الذي لا يعبّر عن الإحساس بالنعمة. ***** الله يسخّر ما في الأرض للإنسان: {وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ} وأوجدكم فيها وسهَّل لكم سبلها، وأخرج لكم ثروتها، وسخَّر لكم كلّ طاقاتها لتخدم استمرار الحياة في وجودكم، ولم يهملكم ويترككم لتأخذوا حريّة العبث بنظام الحياة، وبطاقاتكم التي أودعها فيكم، بل فرض لكم خطّاً لا تتجاوزونه وحدّاً لا تتعدّونه، وجعل لكم موعداً تلتقون فيه بنتائج المسؤولية في ساحة الحساب. {وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} لتعرفوا أنّ انطلاقة وجودكم بدأت به، وستحشرون إليه في النهاية.. فكيف تواجهون الموقف، وكيف تتمثّلون هذه النعمة؟ ***** الله المحيي والمميت وبيده الملكوت: {وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ} ويمسك بالوجود كلّه، فلا تبتعد الحياة بكلّ مظاهرها وأشكالها عن إرادته، ولا يتحرّك الموت بعيداً عن مشيئته، فهو مالك الحياة والموت. {وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ} وهو الذي أبدع اختلاف الحركة وتنوّع أشكال الوجود، في تتابعه، في ما يحتوي النشاط الإنساني كلّه، وفي ما يثير الإحساس بالزمن الذي يمتد فيه الليل طويلاً تارةً وقصيراً أخرى، ليتبادل حركة الطول والقصر مع النهار، بحيث يلهث الإنسان مع الزمن ويستغرق فيه، ليطلّ من خلاله على حيويّة الحركة، وعلى نهاية الحياة في نهاية المطاف، ليؤمن بأنّ الحياة وإن اختلفت في أشكالها وأوضاعها، فإنّها تبقى خاضعة لتدبير المبدع الذي خلق الوحدة في التنوّع، وأبدع من التنوّع سرّ النظام في الوجود كلّه. {أَفَلَا تَعْقِلُونَ} لتقعوا على عمق المعرفة بالله من خلال التفكير العميق بمظاهر الإبداع في خلقه، ولتؤمنوا بأنّ هذه الحياة التي خضعت للنظام الكوني، لا بدّ من أن يتحرّك فيها الإنسان من مواقع النظام الذي وضع الله شرائعه، وأوحى إليه بآياته، ليتكامل نظام الإنسان مع نظام الكون، ولكنّ مشكلة كلّ هؤلاء أنّهم لا يفكّرون بعقل، بل بانفعال، ويعالجون القضايا الفكرية العميقة التي تحتاج إلى جهدٍ عقليّ دقيق بسطحية. اتّباع المشركين مواقف الأوّلين: {بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ} الذين واجهوا الرسالات بالانفعال نفسه، ولم يواجهوها بالفكر، فقلّدوا موقفهم ذاك، تقديساً للتراث التاريخي، وانسياقاً وراء العاطفة التي تربطهم بالآباء، فتدفع الموقف العقيدي في اتجاه الخطّ العاطفي، دون مناقشة للمضمون الفكري، ودون اعتبار للنتائج السلبية المترتّبة على ذلك في قضية المصير. {قَالُوا أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ} فكيف يتحوّل التراب إلى عنصر حياة؟ وكيف تتحوّل العظام إلى جسد تضجّ الحياة في داخله وتتحرّك فيه ليواجه الحساب هناك، فيسمع ويبصر ويفكّر ويتكلّم ويدافع عن نفسه، ويتذكّر كلّ أعماله؟ {لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِن قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} لجهة ما تحدّث به الأنبياء، ولكنّنا لم نرَ شيئاً منه في ما عشناه من تجارب، فلم يبعث أحد من الأجداد في حياة آبائنا، ولم يبعث أحد من آبائنا في حياتنا، فكيف نستريح لمثل هذا الوعد، وكيف نؤمن به ونقتنع، وليس هناك ما يثبت عمق الحقيقة فيه؟ {إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ} الذين آمنوا بالخرافة، لأنّهم لم يأخذوا بأسباب العلم والمعرفة، ولم يتحرّكوا لمناقشة الأمور. ***** القرآن يدعو المشركين إلى التفكير وإعمال العقل: ولكنّ القرآن أراد إثارة القضية التي اعتبروها بمثابة الأسطورة من جانب آخر، ليفكّروا بها في اتجاهٍ مختلف، ينفذ إلى النتائج بشكلٍ غير مباشر، وذلك بأن يثير أمامهم بعض علامات الاستفهام التي تحرّك تفكيرهم: {قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}؟ هل يملكها أحد ممّن تعتبرونهم شركاء لله؟ وهل تملكونها أنتم؟ ومن الطبيعيّ أنّ السؤال يطال الملك الحقيقي الذي يتأتّى عن الخلق والتصرّف والتدبير، لا الملك الاعتباري الذي يتّصل بالجانب القانوني. {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} وهو الجواب الذي يفرض نفسه عليهم لقناعاتهم الحقيقية بأنّ الله هو خالق كلّ شيء، فهم ليسوا منكرين للخالق، بل جلّ ما لديهم أنّهم يجعلون له شركاء في المرتبة الثانية أو الثالثة، من حيث العبادة، لا من حيث الألوهية. {قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} لتفتحوا قلوبكم على الحقائق، التي تطلّ بكم على حقائق أخرى، قد تختلف عنها بالشكل ولكنّها تتّفق معها بالعمق، لأنّها تستند كلّها إلى القدرة المطلقة التي لا يعجزها شيء، ما يجعل الذاكر لهذه الحقيقة منفتحاً بقناعاته على مفرداتها المتنوّعة. {قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} ويعود السؤال من جديد، إلى الحديث عن السماوات السبع التي يملك الناس في ذهنهم تصوّراً كبيراً عنها في حجمها وارتفاعها وما فيها من مخلوقات ملائكية ونحوها، ويعتقدون أنّها الأقرب إلى الله في ملكوته الأعلى. وعن العرش العظيم الذي يمثّل في وعيهم الشعوري واللاشعوري، المنطقة العليا الرفيعة التي يتمثّل فيها مركز السلطة الإلهية الذي يشرف على الكون كلّه في موقع الإيجاد والتدبير، وربّما كانت له صورة ضخمة غامضة توحي بالكثير من ألوان العظمة، ممّا يسمعونه عنه، أو يتخيّلونه. ويختزنون في أعماقهم الهيمنة الإلهية عليه. {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ} لأنّهم لا يمكن أن يتخيّلوا سيطرة غيره على العرش، وملك غيره له، لأنّه إذا كان لمن يعبدونهم من الأوثان والبشر أيّة ميزةٍ، كما يتصوّرون، فإنّما هي ميزة القرب من الله التي تجعلهم في محلّ الوسائط التي تقضي الحوائج بإذنه، وتقرّب الناس إليه من خلالهم. ولعلّ التعبير بكلمة {لِلَّهِ} بدلاً من كلمة "الله" التي قد تتناسب مع السؤال عن ربّ هذه العوالم، يعود إلى ما تتضمّنه من إيحاء بأنّ السؤال هو عن المالك لها، بسبب ما تحويه كلمة الربّ من معنى الملك. {قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ} غضبه إذا انحرفتم عن خطّ الإيمان، وتحرّكتم في مواقع الكفر، وسخرتم برسله وبرسالاته، وبوعده ووعيده، وتمرّدتم على أوامره ونواهيه. فمن ينصركم منه في يوم الحساب؟ ثمّ ألَا تتّقون التقوى الفكرية التي تدفعكم إلى الإحساس بمسؤولية الفكر في حركته لاكتشاف حقائق الكون والعقيدة، لتفهموا من عمق النظرة، أنّ الذي يملك الأرض ومَن فيها، والسموات السبع والعرش العظيم، لا يعجزه أن يعيد الميّت إلى الحياة، وأن يحوّل التراب والعظام إلى كائنات حيّة من جديد كما بدأها أوّل مرّة عندما أعطاها الحياة؟! {قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ} الملكوت هو التعبير الآخر عن الملك، وهو السلطنة على الأشياء من موقع الخلق والإبداع. والسؤال الذي تطرحه الآية على هؤلاء يستهدف توجيه نظرهم إلى كلّ ما حولهم ومن حولهم، من مخلوقات حيّة أو جامدة، وثابتة أو متحرّكة، وكبيرة أو صغيرة، ليدرسوا نشوءها ونموّها وخصائصها الذاتية، وليكتشفوا القوّة الكامنة فيها، هل هي قوّة ذاتية تنطلق من الداخل، أم هي قوّة مستعارة أو مستمدّة من قوّة أخرى تملكها وتملك كلّ مواقع القوّة فيها؟ إنّ السؤال يطرح نفسه على الإنسان عندما يفكّر، ويطرح نفسه على كلّ من يدعوهم إلى التفكير، ليصل إلى معرفة القوّة التي تمنح الوجود كلّه، بمفرداته الصغيرة والكبيرة، سرّ القوّة والحركة والوجود والحياة، هذه القوّة التي يجسّدها الله تعالى، والتي هي القوّة الوحيدة المستغنية عمّا عداها. {وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} تلك هي خصوصية الملك المطلق الذاتي الذي لا يستمدّ قوّته ومعناه من غيره، فهناك من المالكين من قد يحمون غيرهم ويمنعون عنهم سيطرة القوى الأخرى وعدوانها عليهم، ولكنّ القوى العليا المسيطرة على هؤلاء المالكين الأقوياء تستطيع حماية الناس منهم لو فكّروا في العدوان عليهم، فهؤلاء المالكون لا يملكون القوّة إلاّ من جانب واحد، بينما يعيشون الضعف من الجانب الآخر، فهم قد يمنحون الناس الحماية من غيرهم، ولكنّهم لا يستطيعون منع القوى الكبرى من حماية الناس منهم. ولكنّ السؤال الذي يطرح نفسه ـــ في هذه الآية ـــ: من هو المالك الذي يملك كلّ شيء، ويستطيع أن يجير كلّ أحد من كلّ سوء يعرض عليه، من أيّ سبب في الأرض أو في السماء، ولا يملك أحد أن يجير عليه إذا أراد أن يوقع السوء بأيّ شخص؟ هو الذي يكفي من كلّ شيء ولا يكفي منه شيء، كتعبيرٍ عن القوّة المطلقة التي تملك غيرها بكلّ وجوده وحركته، ولا يملك غيرها شيئاً لديها في جميع الأمور. {سَيَقُولُونَ لِلَّهِ}، فهو الذي بيده ـــ بالمطلق ـــ ملكوت كلّ شيء، فكلّ شيء مملوك له خاضع له ومحتاج إليه، {قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ} أي تتخيّلون الأشياء في سلوككم العمليّ على خلاف ما هي عليه، فإذا كنتم تقرّون بالله الذي يملككم ويملك ما تملكون، ويحميكم من الآخرين ولا يملك أحد أن يحميكم منه، فلماذا تبتعدون عن ساحة رضوانه، ومواقع الإيمان به، والإذعان لقدرته على بعثكم من جديد؟ فكيف يتوهّم عجز من بيده القدرة على كلّ شيء عن ذلك؟ والظاهر أنّ التعبير بالسحر عن حالة التخييل التي تقود إلى الضلال وارد على نحو الاستعارة والكناية، باعتبار أنّ كلمة السحر تتضمّن ذلك. ***** الأسلوب القرآني في إثارة الوجدان الشعبي: وهذا الأسلوب الذي يستخدمه القرآن لإثبات العقيدة من خلال مستلزماتها، يرتكز على إثارة التفاصيل الدقيقة التي تلتقي بالقاعدة وتوضحها من خلال تحريك الجزئيات التفصيلية التي تثيرها في النفس شيئاً فشيئاً، حتى يتعاظم الشعور بها، فتتّضح الصورة للنفس، بعد أن كانت تبدو ضبابية تحت تأثير الأجواء الانفعالية وهيمنتها. وقد يكون هذا الأسلوب ضروريّاً لإثارة الوجدان الشعبي الذي يتأثّر بالأفكار المضادّة التي تشغله عن كثير من الدقائق التي تنطلق منها العقيدة، وذلك من خلال تقديم الجانب المألوف من تجارب حياته كمقدّمة لإثبات غير المألوف الذي يتّصل بالغيب تارة، وبالحسّ البعيد عن تجربته أخرى، فنحتاج إلى الدخول معه بتفاصيل حركة المعرفة، ليمكن توزيع إيحاءات الفكرة ـــ الأساس، على أفكاره ومشاعره بطريقةٍ متدرّجة تربطه بالمبدأ بشكلٍ مدروس، لأنّ الوجدان الشعبي، كما نلاحظ، لا يرتبط بالفكرة من خلال الخطوط الكليّة، بل من خلال الخطوط الجزئية. ***** إنّ المشركين لكاذبون: {بَلْ أَتَيْنَاهُم بِالْحَقِّ} الذي لا يبتعد عن مستوى عقولهم، في ما يريدون أن يفهموه منه، ولا يتجاوز قواعد الدليل الفطري، أو البرهان العقلي، الذي يثبت للآخرين مواقعه في خطّ العقيدة، {وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} في ما يظهرونه من عدم اقتناعهم بفكرة البعث، واعتبارهم إيّاها في دائرة الأساطير، لأنّ من يؤمن بأنّ الله على هذا المستوى من العظمة المهيمنة على الكون كلّه، لا يكون صادقاً في دعواه بأنّ عقيدة اليوم الآخر لا تملك من موازين الحقيقة أيّ شيء. وبذلك، فإنّ أجوبتهم عن علامات الاستفهام التي أثارتها الآيات السابقة، تدلّ على اعترافهم بما يدعون إنكاره، وعلى كذبهم في هذا الادّعاء. ***** 8 ـــ التربية على حبّ الله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ*قُلْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} [آل عمران: 31 ـــ 32]. هذا أسلوب قرآني يوجّه المؤمنين للانسجام مع الخطّ العملي للإسلام في مفاهيمه وأحكامه، من خلال الإيحاء بالمضمون العاطفي للعقيدة ودلالته الروحية في حياة المؤمن، فإنّ الإيمان بالله لا يعبّر عن موقفٍ فكريّ مجرّدٍ من قضية وجود الله، بل يعبّر عن موقفٍ تمتدّ فيه الفكرة إلى عمق الشعور، فتتحوّل إلى إيمان يستجلي عظمة الله وقدرته وعلمه وحكمته ورحمته ونعمه وكلّ صفاته، في إحساس حميمٍ يفيض بالحبّ العميق، ويتدخّل بالروحية الفيّاضة، ما يجعل من العقيدة، علاقةً حميمةً بين العبد وخالقه، لا تستغرق في عمق الذّات فحسب، بل تتحرّك في واقع الحياة، لتعبّر عن نفسها في جوٍّ من المعاناة الروحية المتمثّلة بالعمل الجادّ والانضباط الواعي والسير المتواصل في خطّ الله، لأنّ ذلك هو التعبير الدقيق عن صدق الحبّ. ولكن أين هو الخطّ الذي يتجسّد فيه الحبّ بالعمل، ما دامت علاقتنا بالله لا تشبه العلاقات الإنسانية التي تخضع للمواجهة والمكالمة والتعليمات المباشرة، لأنّها علاقة تتّصل بالروح في حضور الغيب الذي يقتحم على الإنسان وجدانه وإحسانه بعيداً عن السمع والبصر؟! إنّ الآية تطرح الجواب بشكلٍ حاسم، فإنّ الخطّ هو خطّ الرسالة التي جاء بها الرسول ليُخرج الله بها الناس من الظلمات إلى النور، فهو الذي يتجسّد فيه رضاه ومحبّته التي يبادل بها عباده محبّة بمحبّةٍ، ومن الطبيعي أنّ محبّة الله لنا، ليست عاطفةً وانفعالاً، ولكنّها الرحمة والرضا والمغفرة، كما أنّ محبّة الناس لله، في ما تريد أن تثيره الآية، لا بدّ من أن تكون إيماناً وعملاً وانسجاماً مع خطّ الرسالة والرسول، فإذا تحقّق ذلك منهم، باتّباع النبيّ الذي يجسّد ذلك كلّه، فإنّ الله سيمنحهم حبّه ورضاه، وهو الرؤوف بعباده الرحيم بهم. ثمّ تأتي الدعوة إلى طاعة الله والرسول، كخطٍّ عريض للعمل، وللدخول في محبّة الله، تأكيداً للفكرة من جانبها الإيجابي، توضيحاً لمدلولها الذي يجمع طاعة الله وطاعة الرسول في دعوةٍ واحدة، للتدليل على وحدتهما المضمونية في خطوات الإيمان، وبياناً للفكرة من جانبها السلبيّ المتمثّل بهؤلاء الذين يُعرضون عن دعوة الحقّ والطاعة، وينحرفون عن الخطّ المستقيم، وهم الكافرون، عقيدةً أو عملاً، فهؤلاء هم الذين لا يحصلون على محبّة الله في كلّ ما تمنحه المحبّة من معاني الرضا والمغفرة، فإنّ الله لا يحبّ الكافرين. ***** حبّ الله باتّباع رسالته: {قُلْ} يا محمّد، لهؤلاء الذين يتحدّثون عن حبّ الله بطريقةٍ ساذجة عاطفية، كما يحبّ أحدهم صاحبه أو فتاته من خلال معناه الشعوري المتحرّك في الإحساس، نبضةً في القلب، وخفقةً في الإحساس، واهتزازاً في الشعور، فتكون المسألة لديه أن يعبّر عنه بالكلمة أو البسمة، أو الحركات الحميمة في تعابير الجسد نحو الآخر. قل يا محمّد بأسلوب تثقيفيٍّ يضع الأمور في نصابها الصحيح، ويوحي بالفكرة في منطلقاتها الحقيقية، ويحوّل الحبّ لله إلى منهج عملي يتّصل بالواقع الحيّ المتحرّك المسؤول في علاقة الإنسان بالله في كلّ وجوده، في الخطوط العامة والخاصة، من خلال الرسول الذي يفتح للناس أبواب الله في دائرة شريعته ودينه. {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ} فكراً في العقل، وانفتاحاً في الروح، ووعياً في القلب، وإخلاصاً في الواقع، بحيث تكون القضية في عمق الذّات، لا في سطح العاطفة، في الآفاق التي تؤكّد المضمون في النفس. {فَاتَّبِعُونِي} في رسالتي التي بلَّغتكم إيّاها، وفي الشريعة التي أمركم الله باتّباعها، وأراد لكم أن تصوغوا إنسانيّتكم في الحياة على صورتها، وفي المفاهيم العامة عن الإنسان والكون والحياة، وفي النهايات المصيرية التي تطلّ بكم على الدار الآخرة، فإنّها ليست شيئاً ينطلق من صفتي الشخصية، ولا من مبادراتي الذاتية، فإنّي لا أمثل في موقعي عندكم إنساناً ينتسب إلى عائلةٍ وينتمي إلى مكان، بل إنّي أمثل الرسول الذي أرسله الله إليكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور ويهديكم إلى الصراط المستقيم، ويفتح لكم أبواب الجنّة بالدعوة إلى طاعته، ويغلق عنكم أبواب النار بالدعوة إلى البعد عن معصيته، فكلماتي كلماته، وأفكاري إيحاءاته، وطاعتي طاعته، ومعصيتي معصيته، والرادّ عليّ رادّ عليه، والمنفتح عليَّ منفتح عليه، لأنّ الرسول ـــ في صفته الرسولية ـــ لا يمثّل نفسه، بل يمثّل صاحب الرسالة، وهو الله، فإذا اتّبعتموني في كلّ تعاليمه التي أعلّمكم إيّاها، فإنّكم بذلك تؤكّدون اتّباعه، وأيّ حبٍّ أعظم من الذوبان في طاعة من تحبّ، وأيُّ إخلاص أكبر من الانحناء أمام إرادته، فإذا رأى الله منكم هذا الحبّ الواقعي المتمثّل بالعمل الرسالي الخاضع لله ورسالاته {يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، لأنّه يحبّ الصادقين المتّقين المحسنين الخاشعين، لأنّ صدقهم وتقواهم وإحسانهم وخشوعهم له دليلٌ واضحٌ على حبّهم له، وبذلك يمحضهم حبّاً بحبّ. وإذا كان حبّ العبد لله طاعةً له، فإنّ حبّ الله للعبد مغفرةٌ له ورضوان، هذا ما عبّرت عنه الآية التالية {وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} التي أسلفتم في غفلاتكم وضياعكم وحيرتكم في متاهات الطريق {وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فالغفران شأنه والرحمة صفته، لأنّه الرّب الكريم الذي لا يتعاظمه غفران الذنب العظيم. ***** أطيعوا الله والرسول: {قُلْ} يا محمّد، للذين تدعوهم إلى الله ليدخلوا في ساحة رحمته وغفرانه، فينتقلوا من الكفر إلى الإيمان ومن الهدى إلى الضلال {أَطِيعُواْ اللّهَ} الذي خلقكم ورزقكم ومنحكم الحياة في وجودكم الحيّ المتحرّك، وهو الذي يملك موتكم وبعثكم في يوم القيامة الذي يقودكم إلى الجنّة في خطّ الطاعة {وَالرَّسُولَ} فإنّ من أطاع الرسول فقد أطاع الله، وهذا هو الإيمان في الخطّ العملي، فإنّه ليس كلمةً تقال، ولكنّه إقرار بالقلب واعتراف باللّسان وعمل بالأركان {فإِن تَوَلَّوْاْ} وأعرضوا عنك وعن دعوتك وتمرّدوا على الله وكفروا به، فلا تلتفت إليهم، واتركهم لضلالهم وكفرهم بعد إقامة الحُجّة عليهم من قِبَلِك، ولن يحصلوا على حبّ الله لهم لأنّهم لا يفهمون عناصر الحبّ الحقيقي الظاهر، لا سيّما المنفتحة على حبّ الله {فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ} الذين ابتعدوا عن الفطرة وعاشوا في متاهات الضلال، ولم يعرفوا ـــ في أجواء حقدهم ـــ إلى الحبّ سبيلاً. تلك هي بعض إيحاءات هذه الآيات في الأجواء العمليّة التي تتحرّك فيها العاطفة المضادّة في مشاعرها المنحرفة، والعاطفة الملائمة في أحاسيسها الطبيعية، سواءٌ في ذلك في مسارها في حياة الناس أو في علاقتها بالله في النطاق الروحيّ والعمليّ. وبذلك نخرج بنتيجةٍ حاسمةٍ في انطلاقة الشخصية الإسلامية، حيث لا تجزيئية ولا ازدواجية ولا انقسام، بل هي الشخصية الواحدة التي يلتقي فيها الفكر بالعاطفة، وتمتزج فيها العلاقات الفكرية والروحيّة بالمواقف العملية في خطّ العلاقات الإنسانية، وتنطلق فيها المشاعر بالخطوط المتحرّكة في المجال الحياتيّ الذي يحكم الموقف والسلوك، وتتحوّل علاقة الإنسان بالله إلى علاقة حبٍّ من نوعٍ جديد لا يخضع للانفعال الساذج، بل يعيش مع الخطّ المستقيم الذي يواجه الإنسان بالنتائج الإيجابية في الدنيا والآخرة. أمّا المعطيات التي يمكن الاستفادة منها في خطواتنا الإسلامية العملية، فيمكن أن نلخّصها في نقاط: 1 ـــ التأكيد على المؤمنين بأنّ الفواصل الفكرية، تمثّل عناصر أساسية في تكوين الشخصية وتميّزها، وتخلق في داخل الإنسان جوّاً عاطفياً جديداً، يحدّد نوع العلاقات تبعاً لانسجامها مع الخطوط الفكرية وابتعادها عنها، من دون أن يعني ذلك عقدةً سلبيّةً ضدّ اللّقاء في المواقف المشتركة أو في المصالح المشتركة في المجتمعات المتعدّدة الاتجاهات، لأنّ هناك فرقاً بين تحطيم الحواجز النفسية أمام الأفكار المتعدّدة، وبين تحطيمها أمام المواقف الموحّدة، فإنّ الأوّل يمثّل ضياع خطوط الفكرة وتمييعها، بينما يمثّل الثاني حركة الفكرة ومرونتها وإيجابيّتها في خطواتها العملية نحو الهدف الكبير في مراحله المتنوّعة. 2 ـــ الاستفادة من الأسلوب القرآنيّ الوعظيّ الذي لا يقدِّم الفكرة مجرّدة عن دلالاتها الإيمانية، بل يحشد في داخلها وفي خطواتها، كلّ الأجواء التي يلتقي فيها الإنسان بالله واليوم الآخر في أساليب تحذيرية وتصويرية تتنوّع فيها منابع الإيحاء وموارده أمام الترغيب والترهيب، ما يجعل الفكرة في خطّها المستقيم أو المنحرف جزءاً من هذا الجوّ المليء بالروعة والرهبة، فقد نجد أنّ مثل هذا الأسلوب يساهم في تحقيق هدفين: الأوّل: أن تبقى الفكرة مشدودةً إلى أجوائها الروحية، فلا تبقى مجرّد فكرٍ جامد يطرح القضية في ظروفها الموضوعية التي تبعدها عن مسارها الطبيعيّ. الثاني: أن تظلّ الفكرة في حالة حركةٍ إيجابيةٍ في داخل الشخصية المؤمنة، فلا تتجمّد في زاويةٍ من زواياها، بل تتّسع لتشمل كلّ الجوانب، فتحرّك الفكر والمشاعر والخطى لتهزّها ـــ بعنف ـــ نحو الممارسة والمعاناة، فتبعدها عن الاسترخاء والسلبيّة التي قد تصيب المؤمنين من خلال بعض النوازع الخاصة. 3 ـــ الإيحاء بأنّ العلاقة بين الله والناس هي علاقة حبٍّ من نوعٍ جديد، ومحاولة تربية الشخصية الإسلامية على أساس الحبّ لله، بعيداً عن الأجواء الذاتية التي تستغرق في الأفكار والعواطف في ما يشبه الغيبوبة، وقريباً من الأجواء التي تقترب بالإنسان من الأعمال التي تحقّق رضا الله، الذي هو تعبيرٌ إيمانيٌّ عن محبّة الله للإنسان. وفي هذا الاتجاه، يمكن للتربية الإسلامية أن تصنع الشخصية الإنسانية الجديدة التي تهتزّ فيها المشاعر بالفكر والعمل، قبل أن تهتزّ بالتنهّدات والتمنّيات. وربّما يصبح ذلك طابعاً للعلاقات الإنسانية التي تربط الشخصية بالآخرين، فتتحوّل إلى الروابط العملية الروحية بدلاً من الروابط العاطفية الذاتية، ويتّجه الإنسان ـــ من خلال ذلك ـــ إلى علاقات أعمق وأقوى لا يحكمها المزاج بالانفعالات الطارئة، بل يسيطر عليها العقل بالخطوات الهادئة الحكيمة. وفي هذا الجوّ، يمكن للإنسان أن يشعر بأنّ الإيمان الواحد يستطيع أن يصنع العلاقات الأخويّة بين الناس الذين يجتمعون عليه، كما أراده الله سبحانه في قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات : 10]. ***** 9 ـــ المغزى من إنزال القرآن تدريجيّاً: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً*وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} [الإسراء: 105 ـــ 106]. ***** معاني المفردات: {فَرَقْنَاهُ}: فصلناه. {عَلَى مُكْثٍ}: بتمهّل وتأنٍّ. تنطلق الآيتين مع القرآن باعتباره الكتاب الذي أراده الله أن يكون قاعدةً للهدى، وأساساً لحركة الحقّ في الفكر والحياة، لينطلق الإنسان في مسيرته من موقع الثبات القائم على الوحي المنفتح على الكون كلّه في جميع أوضاعه، وعلى العقيدة كلّها في جميع تفاصيلها، وعلى الإنسان كلّه في جميع أفراده وامتداده في حركة الزمن، فهو الحقيقة الثابتة التي لا مجال للشكّ فيها، ولا موضع للزيادة والنقصان في آياتها. {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ} فقد أراده الله أن يكون مصدراً للحقيقة في حياة الإنسان، من خلال ما يمثّله من فكرٍ ومنهجٍ وتشريعٍ، ليركّز الوعي على أساس ثابتٍ قويٍّ لا يهتزّ ولا يزول، فليس هناك عبثٌ ولا لغوٌ ولا باطل في أيّ موقعٍ من مواقعه، لأنّ الله هو الحقّ، ولا يمكن أن يصدر منه إلاّ الحقّ الذي تلتقي فيه الوسيلة بالهدف، والنظرية بالتطبيق في انسجامٍ كاملٍ. {وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} وذلك من خلال ما يبلّغه الرسول من آياته بكلّ صدق وأمانة، فلا يضيف إليه منه أيّة كلمةٍ مهما كانت، لأنّ دوره هو دور المبلّغ الذي لا يملك الحقّ في أيِّ تغييرٍ بالنص الموحى به من الله سبحانه، وهكذا نزل بالحقّ في ما كان يريد أن يؤكّده من مبادئ وأفكار، أو يحقّقه من مواقف ومواقع وأوضاع. وقد أراد الله للقرآن أن يثبِّت الحقّ في الحياة وفي الإنسان، وكان لله ما أراد في حركة القرآن في خطّ التبليغ والحركة والواقع. وإذا كان القرآن قد أكَّد على الحقّ، كأساسٍ للخطّ الذي يتحرّك فيه الإنسان من خلال المضمون الفكريّ والتشريعيّ والعمليّ، فلا بدّ لنا من أن نستوحيَ ذلك في كلّ أوضاعنا العامة والخاصة على مستوى الكلمات والمشاريع والعلاقات والخلفيات النفسية لذلك كلّه، فلا مجال للباطل في شخصية الإنسان المسلم الذي يعتبر القرآن دستوراً له، وعنواناً لحركته في الحياة، ما يفرض العمل على التوازن في التخطيط التربوي على صعيد صنع الشخصية الإنسانية. {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً} لتبلّغ الناس كيف تكون البشارة بالجنّة للعاملين في خطّ الطاعة لله، وكيف يكون الإنذار بالنار للسائرين في خطّ معصيته، وليس لك أن تغيّر أو تبدِّل ما أُرسلتَ به من كتاب. {وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ} أي فصّلناه، ونزّلناه آيةً آيةً وسورةً سورة. {لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} أي على مهل وتُؤدة، ليتفهّموا الفكرة بشكلٍ تدريجيٍّ عندما ينزل القرآن ليرسم الخطوط العامة ويحرّك التفاصيل من خلالها في نطاق المشكلة الطارئة التي تُعتبر كنموذجٍ لمشاكل مماثلةٍ، أو في نطاق السؤال الذي يلتقي بأكثر من علامة استفهامٍ مماثلةٍ، أو ليشجِّع حركةً في آفاق الجهاد، أو ليقوّيَ ضعفاً في ساحات الصراع، أو ليثير جوّاً نفسياً معيّناً في مجالات التحدّي، أو ليؤكّد موقفاً أو يثبّته في حالات الاهتزاز، أو ليعالج قضيةً بارزةً من قضايا الفكر، أو ليفسح المجال لتشريعات متنوّعة في حركة الواقع الإنساني، أو ليضع المنهج للفكر والأسلوب والحركة. وهكذا أراد الله للقرآن أن ينزل ليرافق حركة الرسالة في خطّ الدعوة والجهاد، ليواكب كلّ مراحلها، وليسدّد خطواتها، ويحلّ لها المشاكل المتحرّكة على أكثر من صعيد، على مستوى النظرية والتطبيق. ليوحي بالحركة ـــ النموذج، إلى جانب الفكرة ـــ الخطّ، ما يجعله يمثّل حركيّة الإسلام في امتداد التجربة، وانطلاقته الفكرية والروحية، في حركة الفرح والروح والتشريع. وبهذا الأسلوب استطاع أن يربِّيَ جيل الإسلام الأوّل الذي احتواه القرآن بآياته، حتى عمَّق في داخله أخلاقية الرسالة، وقوّة الإيمان، وفاعلية الحركة، لأنّ الإنسان لم يكن منفصلاً في حياته عنه، بل كان يلاحق خطواته أينما كان، ويفرض نفسه على ذهنه، فلا يستطيع الهروب منه أو الوقوف موقف اللامبالاة أمامه، لأنّ الواقع الذي عالجه كان يتمثّل في صميم حياته. ولو نزل القرآن دفعةً لما كان له هذا التأثير التربويّ، بل ربّما أهمل الكثيرون من الناس قراءته نتيجة ضغط أشغالهم، أو وجود بعض الصوارف الخاصة التي تمنعهم من ذلك، كما يحدث للكثيرين من الناس الآن. وهذا ما ينبغي لنا أن نتمثّله في حركة الدعوة، أو في خطّ الجهاد، أو في ساحة الصراع. فنثير القرآن في كلّ موقعٍ مناسب وفي كلّ حالةٍ ملائمةٍ، لنجعل المسيرة منطبعة بطابعه، ومتحرّكةً بحركته، في سبيل الوصول إلى الشخصية القرآنية المنطلقة من مفاهيم القرآن وتشريعاته. وهكذا أراد الله للنبيّ أن يقرأه على الناس بتأنٍّ ومهل، ليتفهّموه بهدوء، ويعيشوه بعمق، ويبتعدوا بذلك عن طابع السرعة والانفعال. {وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً} أي أنزلناه على مهل، وهذا هو معنى التنزيل في كتب اللغة، وبذلك تكون الجملة توضيحاً لما سبق. 10 ـــ الدّعاة بين مراعاة السريّة ومواجهة الإشاعات: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً} [النساء : 83]. ***** معاني المفردات: {أَمْرٌ}: شأن، والمقصود ـــ هنا ـــ إشاعة الأمن أو إشاعة الخوف التي يبثّها المنافقون لإحداث الخلل والاختلاف والوهن في المجتمع الإيماني. {أَذَاعُواْ بِهِ}: الإذاعة والإشاعة والإعلان والإظهار نظائر، وضدّه الكتمان والإسرار والإخفاء، ورجل مذياع لا يستطيع كتمان خبر. {يَسْتَنبِطُونَهُ}: يستخرجون الفكرة الصحيحة والموقف السليم في ما يصحّ أن يذاع وما لا يصحّ، بما تقتضيه المصلحة الإسلامية العليا. والاستنباط استخراج القول من حال الإبهام إلى مرحلة التمييز والمعرفة. ***** {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} تتطرّق إلى الآية إلى مسألة التخطيط لإلزام المجتمع بالقواعد الأساسية للسلامة العامة، من خلال الحديث عن بعض النماذج القلقة التي انحرفت عن ذلك، وكيف أراد القرآن لها أن تصحّح مواقفها العملية في هذا الاتجاه؛ فقد كان بعض الناس في مجتمع الرسول في المدينة مولعين بنشر كلّ ما يسمعونه وإذاعته، من دون التدقيق في صدقه وكذبه، أو في نفعه وضرره، فيؤدّي ذلك إلى إحداث حالة ارتباك في حياة المجتمع، فقد يكون الخبر متعلّقاً بالأمن من بعض الجوانب، من خلال ما كان يعيشه المسلمون من التحدّيات العسكرية أمام الأعداء، في الوقت الذي تحتاج فيه الساحة إلى الحذر واليقظة والتوتّر الانفعالي والشعور بالخطر، وقد يكون متعلّقاً بالخوف من بعض الأوضاع، في الوقت الذي يؤدّي ذلك إلى سقوط الساحة تحت وطأة الرعب، وانهيار الروح المعنوية تحت تأثير التهاويل التي تثيرها الإشاعة. وربّما تكون قضايا الأمن والخوف متّصلة ببعض القضايا التي تمسّ جانب السلامة للإسلام والمسلمين، عندما تتعلّق بالأسرار العسكرية في الداخل والخارج، ممّا يكون للحديث عنها تأثير سلبي على سلامة المجتمع في حالتي السلم والحرب. وقد وجَّه القرآن المسلمين إلى التحفُّظ في ذلك من موقع المسؤولية، لأنّ الكثيرين منهم لا يحيطون بجوانب الأمور كلّها، فقد يلتفتون إلى جانب منها فَيَحْدُثُ لهم نوع من الإثارة، ويغفلون عن الجوانب الأخرى التي يمكن أن تعطّل مفعول الإثارة في النفس، لأنّها تمثّل عنصراً من عناصر التهدئة والشعور بالسلام. وقد تكون المسألة ذات أبعاد بعيدة عن الأجواء الذاتية التي يعيشها الناس، فلا يعرفون قيمتها السلبية والإيجابية على طبيعة الأحداث العامة في حياة الناس؛ ولهذا توجّه القرآن إلى المسلمين بإرجاع ذلك إلى الرسول الذي يعرف من شؤون الساحة ما لا يعلمه الآخرون، في ما يضرّ وما ينفع؛ وذلك من خلال وحي الله في ما يحتاج إلى نزول الوحي، ومن خلال الإحاطة الواقعية في نطاق الرؤية والتجربة {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ} فيمكن أن يعرّفهم من ذلك ما لا يعرفون، ويبصّرهم ما لا يبصرون، أو يرجعهم إلى أهل الخبرة الذين أعدّهم للمسؤولية في حماية المجتمع وإدارته بقيادته؛ وفي حالة غياب الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، فإنّ عليهم إرجاعه إلى أُولي الأمر الذين يملكون زمام الموقف وشرعيّته من خلال مواقعهم التي وضعهم الله فيها بشكلٍ مباشر أو غير مباشر، وانطلاقاً من الخطّة الإسلامية الموضوعة لتحديد المسؤوليات العملية في الأُمّة؛ {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ} فإنّهم يدرسون ذلك من جميع جوانبه، ويقارنون ـــ في دراستهم له ـــ بين جميع الأمور المتعلّقة بالموضوع، ويستنبطون منهما الفكرة الصحيحة السليمة التي تضع الأمور في نصابها الصحيح، فيوحون بإذاعة الأخبار التي لا ضرر على الموقف منها، ويوصون بالامتناع عمّا يحدث الضرر للنّاس، ويقودون المجتمع إلى الانضباط في ما يصلح أمره أو يفسده. وتلك هي قضية الالتزام بالإسلام في حياة الإنسان المسلم، فليس هو مزاجاً يتقلَّب حسب تقلّب الظروف، وليس شهوة يستسلم لها، بل هو التزام بمصلحة الفرد والمجموع معاً، وانضباط عند حدود الله في ما يأمر به وما ينهى عنه، وإطاعة للقيادة الشرعية في توجيهها وتخطيطها وقيادتها للأُمّة، فلا مجال للتحرّك الذاتي إلاّ بالمقدار الذي لا يسيء إلى مصلحة حركة المجموع، ولا مجال للذاتية في تقييم الأوضاع في علاقتها بالخطّة، بل لا بدّ من الرجوع إلى أُولي الأمر، لأنّهم يملكون من النظرة والإحاطة والعمق ما لا يملكه الفرد أو الأفراد البعيدون عن ساحة المسؤولية. وهذا ما يمكن أن تقصده الآية الكريمة في قوله تعالى: {وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} في هدايتكم لدينه، وتسديد خطاكم بوحيه، من خلال ما رسمه لكم من خطّ للحياة في أمورها الصغيرة والكبيرة {لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ} الذي يقودكم إلى اتّباع هوى أنفسكم والاستسلام لنوازعكم الذاتية التي لا تراقب في الأشياء إلاّ ظواهرها السطحية، أو نتائجها الجزئية، لأنّ دوره هو أن يبعدكم عن الله في حركة الفكر في الذّات وفي حركتها في التطبيق على صعيد الواقع {إِلاَّ قَلِيلاً} منكم ممّن يتوقّفون ليفكّروا وليتأمّلوا وليهتدوا، فيرجعوا إلى الخطّ المستقيم قبل أن تنحرف بهم الأهواء ذات اليمين وذات الشمال. التحرّك من مواقع المسؤولية لا الذاتية: وقد نستوحي من هذه الآية، أنّ على العاملين في سبيل الله الذين يتحرّكون في عملهم في نطاق الخطّة الشاملة، أن يتحرّكوا من مواقع مسؤوليّاتهم، لا من مواقعهم الذاتية، فيحترمون أسرار العمل في كلّ شيء، وينضبطون في أحاديثهم بالتدقيق في كلّ كلمة من كلماتهم، لئلا تتحرّك الكلمات في غير مصلحة الإسلام من دون وعي وتدبُّر، ولا سيّما في الظروف الصعبة التي يملك فيها أعداء الإسلام الأجهزة المعقّدة من المخابرات التي تحاول الاطّلاع على كلّ شيء في الساحة، لتحوّله إلى وسيلة ضغط على الإسلام والمسلمين، كما تملك أجهزة الإعلام التي تصنع الأخبار الكاذبة وتثير الإشاعات المغرضة في قضايا الأمن والخوف ونحوهما، من أجل أن تربك الساحة، وتبلبل الذهنية المسلمة، وتؤدّي بالموقف إلى حالة ضياع وارتباك. وقد لا يقتصر الأمر على المسائل المتّصلة بالعمل الإسلاميّ، بل يمتدّ إلى المسائل المتّصلة بكلّ قضايا المسلمين في العالم سواء منها الذي يتحرّك في نطاق إسلاميّ، أو الذي يتحرّك في نطاق عام، ولكنّه ـــ في نهاية المطاف ـــ يرتبط بمصلحة الأُمّة في حياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، لأنّ من واجب المسلم أن يهتمّ بأمور المسلمين على كلّ صعيد، فيحفظها من كلّ عدوّ، ويصونها من كلّ ألوان الخطر والضياع. وإذا كان الإسلام يرفض من المسلمين التجاوب مع الإشاعات التي يطلقها الآخرون في قضايا الأمن والخوف، فإنّه يريد ـــ من خلال ذلك ـــ الإيحاء بخطورة الإشاعة في الأوضاع الاجتماعية والسياسية من حيث تأثيرها على الذهنية العامة في التصوّرات الخاطئة المضادّة للحقيقة، ممّا يجعلها تضغط على الواقع بالطريقة التي تربك فيها حركته في الاتجاه الصحيح وتعطّل خطط القيادة الصالحة عن تنفيذ ما تريده وتخطّط له من أجل المصلحة العامة. ولعلّ من الطبيعيّ ــ في هذا الاتجاه ـــ أن نقف ـــ بحزم ضدّ الذين يثيرون الإشاعات من أجل فضح أكاذيبهم وتعطيل مخطّطاتهم في الإخلال باستقرار المجتمع، لأنّنا إذا أهملنا هذا الأمر ووقفنا منه موقف اللامبالاة فإنّ ذلك سيتحوّل إلى خطر على المجتمع وعلى الوضع العام كلّه. وإذا كانت الإشاعات سلاحاً بيد الأعداء، فقد تقتضي الحاجة، من خلال المصلحة الإسلامية العليا، العمل على إلحاق الاهتزاز النفسي والسياسي في داخل مجتمعاتهم لإسقاط أوضاعهم العامة والخاصة بذلك، تفادياً للمعركة الأكثر خطورة وللمشكلة الأكبر تعقيداً. ولكن ذلك يحتاج إلى المزيد من الدقّة ودراسة التوازنات في المصالح والمفاسد الكامنة في طبيعة الواقع لأنّ التسرّع في مثل هذه الأوضاع يؤدّي بها إلى النتائج السلبية التي ليست في مصلحة الجميع. ***** الدعوة: مسؤولية وتحدّيات انتشار الدين إرادة إلهية نافذة ـــ مسؤولية الدعوة إلى الخير ـــ الدعوة مسؤولية كلّ مسلم بقدره ـــ التشجيع على الدعوة إلى الخير ـــ تركيز الدعوة على أُسس متينة ـــ ارتباط الدعوة بالعمل والحياة ـــ نشر الدين عبر الدعوة والجهاد ـــ المسلم بين مسؤولية نفسة والالتزام بالأمر بالمعروف ـــ الداعية بين الأكثرية والأقليّة. 1 ـــ انتشار الدين إرادة إلهية نافذة: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ*هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 32 ـــ 33]. ***** {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} من خلال ما يصنعونه من آلهة بأيديهم أو بأوهامهم، ثمّ يسبغون عليه من خيالهم صفات الألوهيّة، ويحدّدون للناس المسار على أساس ذلك، فإذا بالخطط الفكرية والسياسية والاجتماعية تنطلق من قاعدة العبوديّة لهذا الإنسان أو ذاك، أو لهذا الهوى أو ذاك، من أجل أن يثيروا الضباب في وجه الدّاعين إلى الله، ويحرّكوا الظلمة في قلوب الناس، ويثيروا العواصف العمياء الحاقدة، ليطفئوا نور الله ودينه وشريعته بكلماتهم الكافرة المضلّلة غير المسؤولة، في ما يطلقونه من اتّهامات، ويثيرونه من شبهات، وينسجونه من حبائل المؤامرات. ولكنّ الله بالمرصاد لهم في ما يمكرون ويدبّرون {وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ} بإيصاله إلى كلّ قلبٍ وعقلٍ وروح، لأنّ هذا النور هو النور الذي يتحرّك في آفاق الروح والعقل، ليبعث الهدى، ويهدم الضلال، ويحقّ الحقّ، ويبطل الباطل، بكلماته {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ} الذين يكرهون كلّ إشراقات الروح، وفيوضات النور المتفجّر من رسالة الله. {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى} ليبيِّنه للناس في عملية إقناعٍ ودعوةٍ وتوعيةٍ وليدخله في قلوبهم وضمائرهم التي تنفتح للهدى القادم من قلب الرسالات {وَدِينِ الْحَقِّ} الشامل الكامل الذي يتميَّز بالسعة والعمق والامتداد في الحياة، والانطلاق بالإنسان إلى كلّ سماوات الإبداع الروحي والكمال الإنساني، والانطلاق الفكري والتركيز العملي الواعي {لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ} سواء كان دين شرك ممّا انحرف فيه المشركون، أو دين توحيدٍ انحرف في طريقه {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} الذين ينظرون إلى التوحيد نظرة الأعمى الذي لا يبصر طريقه، ولا يعرف بدايته ونهايته. وتلك هي إرادة الله، في ما يريد للحياة من دينٍ يعيشه الناس بأفكارهم ويمارسونه بأعمالهم، لتكون الحياة كلّها له، ولم يرد الله لدينه أن يظهر أو ينتصر بالمعجزة الخارقة، التي تضغط على الواقع ليتغيَّر بشكلٍ غير طبيعيّ، بل أراد له أن يظهر بالوسائل البشريّة الطبيعية المتمثّلة بالإقناع بالحكمة والموعظة الحسنة في مجال الدعوة، وبالجهاد والمواجهة الحاسمة، بمختلف الوسائل الضاغطة، في مجال ردّ التحدّيات والدفاع عن حريّة الدعوة في الوصول إلى كلّ مكان في العالم. وبهذا استطاع المسلمون، من خلال الدعوة والجهاد، أن يصلوا بالإسلام إلى الآفاق التي وصلها، عندما أخذوا بالأسباب العملية في ذلك كلّه، ثمّ توقّفوا وتراجعوا، عندما فرضت عليهم ذهنية التخلُّف أن يتركوا الدعوة ويتخلّفوا عن حركة الجهاد، ليستريحوا إلى أمجاد الماضي وأحلام المستقبل، في عملية استرخاء كسول، تنتظر النصر من الله من دون أن تملك وسائله العملية، ما يتنافى مع سُنّة الله في الكون التي انطلقت من أجل أن تربط النتائج بمقدّماتها، والمسبّبات بأسبابها. وهكذا نجد أنّنا عندما نتحرّك في اتجاه الدعوة لتغيير الفكر الإنساني على صورة الدين الحقّ، فإنّنا نتحرّك في خطّ إرادة الله، تماماً كما هو الحال عندما نتحرّك في اتجاه خطّ الجهاد من أجل مواجهة التحدّيات المضادّة من جهة، ومن أجل تحقيق المبادئ العامة لهذا الدين، في حركة العدل والحريّة للشعوب، من جهة أخرى. إنّها الإرادة الدائمة التي توحي بأنّ النتائج ستتحقّق في الساحة العامة للحياة، عندما ينطلق العاملون على أساس تحقيق المقدّمات، ليكون النصر للإسلام ـــ الدين الحقّ ـــ بإذن الله. 2 ـــ مسؤولية الدعوة إلى الخير: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ*يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ*وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 104 ـــ 107]. ***** معاني المفردات: {أُمَّةٌ}: جماعة قائدة ورائدة لما يملكون من الوعي والعلم والحركة والمسؤولية. {تَبْيَضُّ}: كناية عن المسرّة والفرح والحبور لما يُلاقون من الثواب على الطاعة والإيمان. فابيضاض الوجوه: عبارة عن المسرّة، واسودادها: عن الغمّ والمساءة. ***** تبدأ هذه الآيات في تحويل المجتمع إلى مجتمع منفتح على آفاق الدعوة إلى الخير في الداخل والخارج، لأنَّ ذلك هو دور الأُمّة المسلمة القائدة التي تقود العالم إلى ما فيه الخير والصلاح، لأنّها لا تمثّل القوة التي تختزن في نفسها عناصر القوّة ثمّ تنغلق على ذاتها في عمليّة ذاتية محدودة لا تشعر فيها بالمسؤولية عن فكرها وقيمها وأهدافها، فلا تعمل من أجل تحريكها في حياة الآخرين، وتوسيع مداها في حركة الإنسان الصاعدة؛ بل تمثّل القوّة المسؤولة التي تعتبر مسؤولية صنع الخير والدعوة إليه جزءاً من شخصيّتها الممتدّة التي ترى في امتدادها في الزمن معنى وجودها في الحاضر، وتؤمن بأنَّ حركتها ـــ بعيداً عن الحدود الضيّقة ـــ هي سرّ حيويّتها وتجدّدها ومعنى إيمانها، لأنَّ الإيمان بالله وبرسالاته لا يتجمّد في زمن ولا يقف عند حدّ، إذ إنَّ الإنسان هو عبد الله وخليفته في دوره الإنساني في الأرض، فلا بدّ له أن يستوعب كلّ عناصر الرسالة في كلّ دور من أدوار حياته، وفي كلّ مجتمع من مجتمعاته من خلال ما يبلغه رسل الله من رسالات. ***** من هم الأُمّة؟ وإذا كانت الدعوة إلى الخير هدفاً من أهداف الإسلام من أجل شمول الخير للحياة، فإنّ من اللازم أن تبرز من داخل الأُمّة طليعة واعية تتبنّى خطّ الدعوة إلى الله حسب حاجة الساحة إليها، فقد تحتاج إلى عدد محدود قليل، وقد يزيد هذا العدد، وربّما يشمل الأُمّة كلّها إذا كبرت التحدّيات الشرّيرة المضادّة من قوى الكفر والشرّ. وهذا هو معنى الأُمّة في قوله: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} أي: جماعة من المسلمين الذين يمكن لهم أن يحقّقوا الهدف، ويسدّوا الثغرة بالجهود المبذولة في هذا الاتجاه. وفي ضوء ذلك، نعرف عدم إرادة "الأُمّة" بالمعنى المصطلح الذي يتّسع ليتحدّد في معنى القومية الشاملة التي تنطلق من وحدة اللغة والأرض والتاريخ أو العادات والتقاليد، ما يوحي به المعنى الاجتماعي والسياسية للكلمة، لأنّ ذلك لا مجال له في هذه الآية، التي تؤكّد على الجماعة الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر بحجم الحاجة، فقد تشمل المسلمين كلّهم إذا كانت التحدّيات الثقافيّة والسياسيّة والدينيّة والاجتماعيّة بالمستوى الكبير الذي لا يكفيه أيّة جماعة محدودة، وقد يضيق عن ذلك إذا كان الحجم محدوداً يكفيه قسم معيّن منهم. وقد يتنوّع الموضوع حسب الحاجة الواقعية بين الجهود الفردية التي يدعو فيها بعضهم بعضاً بشكلٍ فردي، وبين الجهود الجماعية التي تنطلق لرعاية الواقع كلّه ومراقبته وتوجيهه في القضايا العامّة التي تحتاج إلى الأُمّة الإسلامية كلّها، تبعاً لاتّساع حدودها وكثرة جماعتها وتنوّع أوضاعها. وقد كان الواقع التاريخي لهذه الجماعة يتمثّل في الدائرة الاجتماعية في البلاد الإسلامية تحت اسم دائرة الحسبة، ويُسمّى أفرادها بالمحتسبين. وقد يُطلق عليهم اسم "لجنة الآمرين بالمعروف"، وكانت مهمّتهم ملاحقة ظاهرة الانحراف الدينيّ والفساد الاجتماعيّ والسياسيّ في واقع الناس والدولة، وهكذا نجد أنَّ حجم هذه الجماعة لا يختصّ بعددٍ محدود، فقد يشمل المسلمين كلّهم في الدائرة العامّة للحاجة. ***** الدّعوة إلى الخير مسؤوليّة كلّ مسلم: أمّا حجم الخير ومداه ونوعيّته، فإنّه يتّسع سعة الإسلام في عقيدته وشريعته وحركته الشاملة للحياة، وذلك قوله تعالى: {يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ}، وبذلك كانت الدعوة مسؤولية كلّ مسلم يحتاج إلى الإسلام إلى فكره وأسلوبه في الدعوة، فليس لأيّ إنسان من أمثال هؤلاء أن يتقاعس ويجمّد نفسه في دائرة ضيّقة أو عزلةٍ خانقة، أو هروب من خطّ المسؤولية، تماماً كما لا يجوز له أن يفعل ذلك في ما يتعلّق بعباداته وفروضة الأخرى. وقد شاركت عصور التخلّف في خلق ذهنية سلبيّة كسولة لا شغل لها إلاَّ البحث والتدقيق في إيجاد المبرّرات للتراجع والتكاسل والبُعد عن المسؤولية، الأمر الذي أدّى إلى أن يفقد الإسلام كثيراً من الطاقات والقابليات ذات الفاعلية الكبيرة في تعزيز الإسلام والمسلمين، ولا يزال بعض هؤلاء يتحرّك من أجل التنديد بالعاملين لأنّهم يشكّلون التحدّي العملي لأمثاله في حمل المسؤولية الإسلامية في الساحة. ***** مصاديق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أمّا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد يلتقيان بالدعوة إلى الخير في الجانب الذي تفرضه الدعوة للمعروف وللبُعد عن المنكر بالكلمة وأمثالها، ممّا يكون حركة إيجابية نحو الخير والمعروف، وحركة سلبية ضدّ الشرّ والمنكر. لأنّ ذلك من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقد يتحرّكان في اتجاه الخطوات العملية التي تعمل على تغيير الواقع بالمواقف الحاسمة التي يقفها العاملون ضدّ المنكر في اتجاه المعروف، بالثورة عليه وبمواجهته بالضغوط القويّة، من أجل إزالته تارّة، أو التخفيف من غلوائه أخرى؛ سواء في ذلك العمل الفردي المنكر المتمثّل في انحراف الفرد عن خطّ الإسلام، أو العمل الاجتماعي الذي يمثِّله انحراف المجتمع ككلّ في الخطّ العملي بشكلٍ عام، أو العمل السياسي الذي يواجه في الأُمّة الحكم الظالم الذي يعمل على السير بقضاياها المصيرية في الاتجاه المنحرف، على غير سيرة العدل في الحكم والحاكمين، الأمر الذي قد يسيء إلى عزّتها وكرامتها، وذلك بإخضاع مقدّراتها للكفر والكافرين بمختلف الوسائل الخفيّة التي تجعلها تحت سيطرة الاستعمار والمستعمرين؛ أو العمل الاقتصادي الذي ينحرف بالاقتصاد عن شريعة الله في مصادر الثروة ومواردها وطريقة توزيع الإنتاج، وإبقاء ثروة الأُمّة تحت سيطرة الاحتكار الجشع في ما يريده وما لا يريده. وفي ضوء هذا المفهوم الشامل، نكتشف الخطّ الإسلامي للمسيرة الإسلامية تجاه رصد حركة الواقع في الجانب الإيجابي والسلبي، فنلاحظ أنّ الله يريد للأُمّة أن تتحمّل مسيرة الخير بمعناه الواسع بالدعوة إليه حتى لا يبقى هناك أحد لم تبلغه الدعوة، ما يعني أن تراقب كلّ المناطق والمجالات التي ليس فيها دعاة أو مرشدون لسدّ هذا النقص الكبير فيها، كما يريد للأُمّة أن ترصد المعروف والمنكر في المجال التطبيقي للإسلام لتتحمّل مسؤولية الأمر بالأوّل والنهي عن الثاني بكلّ الإمكانات المتاحة لها في منطقة الشعور الداخلي بالرفض النفسي للمنكر والتعاطف الروحي مع المعروف، وهو ما يعبّر عنه بالتغيير بالقلب، أو في منطقة التعبير بإطلاق الكلمة القوية التي تؤيّد أو ترفض وهو التغيير باللّسان، أو في مجال المواجهة بالدخول إلى صميم الواقع والضغط عليه بشدّة، وهو ما يعبّر عنه بالتغيير باليد. فلا مجال ـــ بعد ذلك ـــ للقول بأنّ الإسلام يوافق على السلبية الفردية والاجتماعية في هذا المجال، لأنّه يعزل الإنسان في النطاق الذاتي الذي لا يخلق له أيّة مشكلة مع الآخرين على أساس أنّ كلّ فرد مسؤول عن نفسه، فلا مسؤولية له عن غيره إلاّ في نطاق النصائح والتوجيهات الأخلاقية العامة التي تلامس المشكلة من بعيد، بحيث لا تثير أي شعور سلبي لدى المنحرفين والكافرين والظالمين. وقد ختمت الآية هذه الدعوة بإعطاء هؤلاء الذين يقومون بهذه المهمّة صفة الفلاح بقوله: {وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} للإيحاء بأنّ هذه الدعوة للخير والممارسة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تمثِّل خطّ الفلاح للقائمين بها، من خلال أنّها تمثِّل قيامهم بالمسؤولية العامة في ما يريد الله منهم القيام به، مقابل الخاسرين الذين يبتعدون عن مشاكل المسؤولية وأتعابها. ***** نهي عن السير في خطّ الاختلاف: وينهى القرآن عن السير في خطّ التفرّق والاختلاف الذي يؤدّي إلى انهيار المجتمعات وابتعادها عن خطّ الاستقامة، من خلال ما يُحدثه من التمزّق الأخلاقي والسقوط الاجتماعي، الذي يفقد فيه المجتمع توازنه الفكري والعملي، فيسيطر عليه المترفون الذين يعملون على إضلال الناس وإسقاط قيمهم الروحيّة والأخلاقيّة والسياسيّة والاقتصاديّة لمصلحة امتيازاتهم الظالمة، أو يتولّى أمره المستكبرون والكافرون الظالمون فيبتعدون به عن خطّه المستقيم وإيمانه القويم: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ} فلم يلتقوا على قاعدةٍ فكريةٍ واحدة على مستوى العقيدة والمفاهيم العامّة والتصوّر الشامل الدقيق للأشياء، بل أخذ كلّ واحد منهم بشيء من الأفكار المختلفة التي يُناقض بعضها بعضاً، ما يؤدّي إلى التنافر والتنازع والضلال، {مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ} فاختاروا الكفر على الإيمان بعد قيام الحُجّة عليهم من الله سبحانه بالدلائل الواضحة والبيِّنات القوية، {وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} جزاء تمرّدهم على الله وانحرافهم عن خطّه المستقيم. ***** دعوة عامّة أم خاصّة؟ وقد نلاحظ ـــ في هذا المجال ـــ أنّ الله سبحانه لم يطلب من المسلمين كافّة القيام بهذا الدور، بل دعاهم إلى أن يكون منهم جماعة مخصوصة لتقوم بذلك، فكيف نفهم ذلك؟ الظاهر أنّ القضية ليست في مجال التحديد، بل هي في مجال تقرير المبدأ؛ فلا بدّ للأُمّة من دعاة للخير ومن آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر، وبذلك يختلف حجم هؤلاء حسب اختلاف حاجة الساحة إلى تحقيق هذا الهدف، فقد تمرّ الأُمّة بمرحلة عادية لا تحتاج فيها إلى النشاط الطبيعي الذي تقتضيه طبيعة الأشياء ممّا لا ضرورة فيه إلى استنفار الأُمّة بطاقاتها الكاملة. ولكنّها قد تمرّ بحالة طوارئ من التحدّيات الصعبة العنيفة التي يثيرها دعاة الكفر والضلال، بالمستوى الذي تحتاج فيه الأُمّة إلى كلّ طاقاتها لمواجهة ذلك كلّه، ويتحوّل فيه الموقف إلى "الوجوب العيني" الذي يتوجّه إلى كلّ فرد بنفسه من دون أن يقوم فيه إنسان عن الآخرين، بدلاً من "الوجوب الكفائي" الذي إذا قام به البعض سقط عن الكلّ، وإذا لم يقم به الكلّ أثموا جميعاً. وفي ضوء ذلك، انطلقت الآيات والأحاديث الشريفة في التأكيد على الإبلاغ والتذكير، والدعوة إلى الله، والتنديد بالعلماء الذين يكتمون علمهم في الحالات التي تظهر فيها البدع وتتكاثر في المجتمع، لأنّ ذلك هو السبيل إلى استمرار الرسالة حيّةً ناميةً في حياة الناس، وقويّة صلبة أمام التحدّيات الفكرية والعملية، ما يجعل من السكوت في حالة القدرة على الكلام خيانةً للإسلام والمسلمين، لأنّ ذلك يُفقد الموقف قوّة من قواه الجاهزة على صعيد الواقع. وقد لا نستطيع اعتبار مواقف النبيّ والصحابة والأئمّة (عليهم السلام) محصورة في نطاق حياتهم ومرحلتهم في مجال الدعوة، بل هي مواقف ممتدة في الحياة امتداد الرسالة في الزمن، ما يجعل من الدعوة إليها أمانة الأجيال المسلمة في كلّ زمان ومكان. وقد نستطيع التأكيد في هذا المجال على أنّ الرسالة الإسلامية لم تصل إلينا بهذا المستوى الكبير من القوّة والوضوح والامتداد إلاّ بفضل المواقف الرسالية التي وقفها العلماء والمجاهدون في مراحل التاريخ في دعوتهم إلى الخير، وفي أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، ومواجهتهم للقوى الكافرة والضالّة، حتى سقط منهم الشهداء في خطّ المسيرة الطويل. وهكذا يظلّ الإسلام دين دعوة للفكر والإيمان، وتوجيه للعمل والتطبيق في عملية توعية وانفتاح. في الآخرة وجوهٌ تبيضُّ وأخرى تسودُّ: وليست القضية قضية صفة ذاتية عاديّة يُراد منها تقييم الإنسان من ناحية ذاتية، لأنّ طبيعة القضية تتّصل بالجانب العام الشامل لحياة الإنسان، أمّا ذلك الفلاح وهذا العذاب فإنَّما يبرزان بأعلى صفاتهما في مواجهة الإنسان للمصير في موقفه أمام الله عندما يتحدّد للإنسان مصيره من خلال انطباع أعماله على وجهه، فهناك الناس الذين تبيضُّ وجوههم بما عملوا من خير، من خلال ما يمثِّله من صفاء ونقاء وبياض ناصع؛ وهناك الناس الذين تسودُّ وجوههم بما عملوا من شرّ، من خلال ما يمثِّله من سواد وظلمة وقلق، وذلك هو قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} وهذا تعبير إيحائي عن الحالة الروحية التي تترك تأثيراتها على الصورة البارزة للإنسان من خلال عناصرها الخاصّة في الذّات، فإذا كانت الروح منفتحة على الجانب المشرق من النيّات الخيّرة والأعمال الصالحة، فإنَّ ذلك ينعكس على إشراقة الوجه نوراً وإشراقاً وبشْراً، لأنّ هذا الإنسان لا يشكو من عقدةٍ تثقل روحه وتشوّه صورته. وأمّا إذا كانت الروح منغلقةً على الخير ومنفتحةً على الشرّ في الدوافع والأعمال، فإنَّ الإنسان يبدو من خلالها شيطاناً في ملامحه، معبّراً في وجهه، مظلماً في ذاته. وهذا ما يوحي بالحقيقة الإنسانية في تأثير الواقع الداخلي في صورة الواقع الخارجي للإنسان، بحيثُ تتمثّل ملامحه الداخلية في ملامحه الخارجية في الصورة تارَةً، وفي النظرة العامة لحركته تارّةً أخرى. وقد عبَّر الله عن ذلك بطريقةٍ أخرى في صورة المؤمنين يوم القيامة في النور الذي يسعى بين أيديهم وبإيمانهم وذلك هو قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ} وبإزاء هؤلاء نرى المنافقين والمنافقات غارقين في الظلمة يستجدون النور من المؤمنين والمؤمنات {وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ}. وتزداد الصورة وضوحاً في مواجهة الموقف، فيبدو لنا هؤلاء الذين اسودّت وجوههم، فإذا بنا نلمح في أوضاعهم وتقارير أعمالهم وطبيعة السؤال الإنكاري الذي يوجّه إليهم: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ} صورة الناس الذين ساروا في خطّ الإيمان فترة من الزمن، ولكنّهم وقعوا تحت تأثير الضغوط الذاتية من الشهوات والأطماع والأضاليل، فانحرفوا عن الخطّ، ثمّ تحوّل انحرافهم إلى مواجهةٍ مضادّةٍ للخطّ نفسه عندما فرضت عليهم ذاتيّاتهم أن يقاوموه ليرضى عنهم أولياؤهم من الكافرين والضالّين. وفي هذا إيحاء دقيق من بعيد بأنّ على الإنسان أن لا يستسلم للثقة بإيمانه في استرخاء كسول، يؤمن معه بأنّه لا يتزعزع مهما كانت الظروف والضغوط، بل ينبغي له أن يحرسه بالفكر والتأمّل والقراءة والحوار والعمل، لأنَّ الكثيرين من الناس قد ضلُّوا بعد الهدى، وكفروا بعد الإيمان تحت تأثير العوامل السلبية المتنوّعة المحيطة بهم.. فحاق بهم العذاب نتيجة ذلك كلّه، وواجهوا النداء الحاسم من الله: {فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ}. {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ} فقد عاشوا حياتهم مع الله؛ فإذا فكّروا كان الله أوّل ما يفكّرون به في عظمة خلقه وكرمه في نعمه، وفي كلّ شيء يحيط بهم، وإذا خطّطوا لحياتهم كان الله هو الذي يستلهمونه في رسم تلك المخطّطات، وإذا واجهتهم الشهوات، وقفوا منها وقفة التوازن التي تأخذ منها ما يبني للإنسان روحه وجسده في ما ينفع الروح والجسد، وترفض منها ما يهدم للإنسان كيانه في ما يضرّهما؛ أمّا إذا عاشوا مع الناس، فإنَّهم لا يفكّرون بأنفسهم في سجن الأنانية، بل ينفتحون على الحياة الفردية والاجتماعية للآخرين كمنطلق لممارسة المسؤولية المفروضة عليهم من الله في أن تكون حياتهم خيراً وبركةً للآخرين، فلا يصدر منهم أيّ ضرر أو فساد لأيّ إنسان، وإذا وقفوا مع أنفسهم تذكّروا الله قبل ذلك، فعلموا أنَّهم عبيد له، وعرفوا أنَّ من واجبهم أن يعبدوه حقّ عبادته ويطيعوه حقّ طاعته في كلّ ما يستطيعونه ويقدرون عليه من ذلك. فكانوا قريبين من الله في فكرهم وشعورهم وعملهم، فاستحقّوا رحمته الخالدة التي يمنحها للصالحين والمجاهدين من عباده {فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. ***** 3 ـــ الدعوة مسؤولية كلّ مسلم بقدره: {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً*وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} [مريم: 97 ـــ 98]. ***** معاني المفردات: {لُّدّاً}: جمع ألد، وهو الشديد الخصومة. {رِكْزاً}: الركز: الصوت الخفي. ***** للقرآن دوره الخالد في حركة الدعوة إلى الله، في ما يتحدّث به الرسل، وفي ما يثيره الدُّعاة في بلاغهم وفي حديثهم للناس. {فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ} وسهّلنا لك السبيل إلى فهمه ووعيه وتلاوته، تماماً كما لو كان حديثاً تهمس به في ذاك أو يتحرّك في وجدانك، لتستوعب معانيه في خطّ التبشير والإنذار، {لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ} في ما ينتظرهم من الجنّة ومن رضوان الله، جزاءً لطاعتهم وتقواهم وعبادتهم، {وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً} والمراد باللّد، جمع لدد، وهو الخصومة، أي لتحذر الذين يحترفون الجدل والنزاع والخصومة كأسلوب عملي في حياتهم، ولذلك فإنّهم لا يفتحون قلوبهم لوحي الله، بعفوية الحقيقة وبساطتها، بل يتعقّدون منه، ويعملون على إثارة الضوضاء من حوله في عملية هروب وإضلال، ولذلك فإنّ مهمّة الرسول ومن بعده من الدّعاة، هو إحداث الصدمة القوية التي تهزّ القلب والروح والوجدان، لتثير فيها الخوف والقلق في مستوى قضيّة المصير. وهذا ما ينبغي أن يعيشه الحاملون للقرآن، الحافظون له، الذين يتحمّلون مسؤولية إبلاغه للناس، وذلك بأن يتحرّكوا به في المجتمع مبشّرين ومنذرين، لا أن ينعزلوا به في دائرة ذواتهم وأشخاصهم بما لا يتعدّى محيطهم، لأنّهم لا يريدون أن يتحمّلوا مشاكل الدعوة، ونتائج المواجهة والمجابهة؛ إذ لو وقف الناس جميعاً هذا الموقف، ينتظرون بعضهم من يتسلَّم زمام المبادرة في ذلك، لمات القرآن في عقول الناس، ولانكمش في دائرة ضيّقة من دوائر الواقع في الحياة العامة. إنَّ الإنذار لأمثال الناس المعقّدين المجادلين قد يفتح لهم أكثر من بابٍ للتفكير والتأمُّل والسؤال والانقياد في نهاية المطاف، ليدرسوا التاريخ وليتعرَّفوا حركة المستقبل الذي يتّصل بحياتهم، في ما يأتي، ليعرفوا كيف يمكن لهم أن يضبطوا خطواتهم على الصراط المستقيم. {وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ} من هذه الجماعات التي كانت تتجمّع في دوائر محدودة فبادت وتناولتها أيدي الفناء، فلم تبقَ على شيء منها، ولم يعد لها إلاّ ذكريات التاريخ القديم الضائع فلا يحسّ بهم أحد، {هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً} يتحرّك ليدلّ على الوجود. ولكن إذا جاء الموت، فإنّه لا يُبْقي أثراً من حركة الحياة، ومن صوت خفيف أو قويّ يدلّ على مثل هذه الحركة، أو يؤكّد ذاك الوجود. وهكذا تنتهي السورة، لتقود الإنسان إلى التأمُّل في كلّ التاريخ القديم، ولتحثّه على صنع تاريخه الجديد في مستقبل حياته، وذلك بطريقة تستلهم كلّ أفكارها ومعانيها من أجواء التأمُّل، لتأخذ العبرة دائماً، للمستقبل، من حركة الأجيال المتتابعة التي يطلّ منها كلّ جيل في تجربته على الجيل الآخر. ***** 4 ـــ التشجيع على الدعوة إلى الخير: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} [النساء: 85]. ***** معاني المفردات: {يَشْفَعْ}: يساعد ويعاون ويحرِّض. {كِفْلٌ}: نصيب من الشرّ، وكأنّه متكفّل بوزره. {مُّقِيتاً}: مقتدراً، يعطي القدرة ويمنح الرزق. ***** إنّ الله سبحانه ـــ قد جعل للعاملين أجراً في عملهم الصالح، وعقاباً على عملهم السيِّئ، كما أعدَّ لمن يسعى في سبيل ذلك حصّته من العمل؛ فمن يشفع شفاعةً حسنة يمكن له نصيب منها، والشفاعة مأخوذة من الشفع، وهو أن يصير الإنسان شفعاً لصاحبه أي ناصراً له، لأنّه كان أحد الأسباب في حصول هذا الشيء، وذلك لمّا سعى فيه من تشجيع العامل للخير على عمل الخير؛ ومن يشفع شفاعة سيّئة، بأن يساعد الذين يعملون السيّئات بتشجيعهم على ذلك، يكن له كفل منها، والكفل النصيب والحظّ، {وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً} أي مقتدراً. وفي هذا الجوّ الذي توحيه الآية، يقف المؤمنون ليعملوا على الإرشاد والتشجيع والدعوة إلى الخير، بنفس الروح التي يتحرّكون ـــ من خلالها ـــ لعمل الخير نفسه، لأنّ الإنسان الذي يؤمن بالخير يحاول أن يملأ الحياة به من خلال عمله، ولأنّ الثواب الذي يستهدفه من عمله، يمكن أن يحصل على بعض منه، من خلال التشجيع عليه؛ وهكذا ينطلق في الاتجاه المعاكس، لنبذ الشرّ من نفسه ومحاربته في عمل الآخرين بإبعادهم عنه ما أمكنه ذلك؛ وهكذا تتحوّل الفكرة الخيّرة أو الشريرة، في وعي الإنسان المؤمن إلى موقف إيجابيّ أو سلبيّ يتمثّل في خطّين: خطّ الدعوة، وخطّ العمل، ليتحوّل المسلم إلى عامل في خطّ الدعوة وداعيةٍ في خطّ العمل. 5 ـــ تركيز الدعوة على أُسس متينة: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} [الإسراء : 36]. ***** معاني المفردات: {تَقْفُ}: القفو: اتّباع الأثر. هذه قاعدةٌ قرآنيةٌ في منهج المعرفة الذي يكون أساساً للإيمان والعمل، في المجال السلبيّ الذي يتحوّل إلى المجال الإيجابيّ، وذلك بالابتعاد عن المجال الأوّل. وقد أكّد القرآن عليها في أكثر من آيةٍ، وواجه الكافرين والمنحرفين بالمسؤولية، من خلال انحرافهم عنها في ما ادّعوه من إيمان، وفي ما أثاروه من حركة، أو قاموا به من مشاريع، لأنّهم لم يأخذوا بالوسائل المشروعة للمعرفة، بل ارتكزوا على ما لا قيمة له في حساب المسؤولية. {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} أي لا تتّبع في قولك أو عقيدتك أو عملك ما لم ترتكز فيه على أساس من علمٍ يتمثّل بالحُجّة التي تكشف الحقيقة، وتجلو الغموض، وتثبت الفكر، وتؤدّي إلى الإيمان المستقرّ الثابت في عمق الفكر والشعور. وهذا ما يتمثّل في اليقين القاطع الذي لا مجال معه لأيّ احتمال مضادّ، أو في الاطمئنان النفسيّ أو الفكريّ للفكرة بحيث لا يمثّل الاحتمال المضادّ شيئاً مهمّاً أمام المستوى الكبير من الرجحان في جانب الإيجاب، أو في الوسائل العقلانية أو الشرعية التي اعتمدها العقلاء أو صاحب الشريعة كأساس للمعرفة، بحيث تمثّل الحُجّة المقبولة أمام الله. ولعلَّ هذا هو المراد من كلمة "العلم" ـــ في ما جاء في القرآن من هذه الكلمة ـــ فقد لا يكون المقصود بها القطع الذي لا يحتمل الخلاف، بل الوعي للفكرة بالمستوى الذي لا قيمة فيه لهذا الاحتمال، إمّا لضعفه بحيث لا يعتنى به في حركة الوجدان، وإمّا لقيام الدليل في بناء العقلاء وفي تعليمات الشرع، على عدم الالتفات إليه. ويقابله الشكّ والظنّ اللّذان أطلقا على ما لا حُجّة فيه من ناحيةٍ ذاتيةٍ أو جعليّةٍ. وإذا لم يكن ما قلنا مضموناً وضعياً للكلمة، فلا أقل من أن يكون اللّفظ منصرفاً إليه، لكثرة استعماله فيه. وعلى ضوء ذلك، أنكر القرآن العلم على الملحدين والمشركين والمنكرين للنبوّة والرافضين للمعاد، لأنّهم لم يرتكزوا في أفكارهم ورفضهم على أساس من الحُجّة التي تثبت أمام النقد، وتكشف الحقيقة، وتواجه الفكرة المؤمنة بالفكر العلميّ المنفتح، بل اعتمدوا في ذلك على بعض الوسائل التي لا تمثّل شيئاً في حساب القيمة العلمية، كالاستناد إلى عقائد الآباء الذين لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون، والارتكاز على عنصر الاستبعاد لبعض الأفكار التي لم يألفوها لأنّها لا تدخل في نطاق الحسّ في الوقت الذي تؤكّدها المعادلات العقلية، أو الوقوف أمام الأفكار الجديدة التي يثيرها الأنبياء أمامهم، بشأن مسألة النبوّة أو الوحي أو المضمون الفكري أو التشريعي للرسالات، من دون أن يدرسوا البراهين التي يقدّمها الأنبياء، والحجج التي يدعمون بها رسالاتهم ويدعون الناس إلى الدخول معهم في حوار حولها ليتأمّلوا فيها، أو يفكّروا بها، وليناقشوها من موقع الفكر والوعي، فيرفضون ذلك كلّه، ويبادرون إلى الرفض والإنكار والمواجهة، ويجمّدون عقولهم وأبصارهم وأسماعهم عن الحركة في هذا الاتجاه. ولهذا عبَّر القرآن عنهم بأنّهم لا يعلمون، لأنّهم لا يملكون أساس العلم في ما يؤمنون به أو في ما يرفضون، فليست المشكلة لديهم هي الحُجّة المضادّة، بل هي عدم استنادهم في الأمرين معاً إلى الحُجّة البالغة الواضحة. ***** العلم أساس الحياة: ولعلَّ المقصود بالآية، هو توجيه الإنسان إلى الأخذ بأسباب العلم، من خلال النهي عن اتّباع ما ليس له به علم، فإنّ نفي الأخذ بالسلب يؤكّد ضرورة الأخذ بالإيجاب. وهذا ما نريد أن نثيره في ساحة الصراع الفكري، كمسلمين، في ما نريد أن نلتزمه، أو نناقشه، أو نرفضه، وهو البحث في الوسائل التي تكون أساساً للمعرفة، لتكون هي الأساس للأدوات التي نستخدمها في الحوار، لأنّ الابتعاد عن تحديد ذلك يجعل الحوار عقيماً، عندما يلتزم كلّ فريقٍ وسيلةً يرفضها الفريق الآخر، فلا يلتقيان على قاعدة، بينما يعطي التوافق على الوسيلة الثابتة علمياً قوّةً للحوار، وذلك لما يعطيه من إمكانات الوصول إلى نتيجةٍ إيجابيةٍ محدّدةٍ. ***** الحاجة إلى حُجّة قوية في إثبات شؤون العقيدة والأخلاق: وهذا ما ينبغي أن يلتزمه المسلمون في فكرهم العقيديّ والعمليّ على مستوى المفاهيم العامّة والتشريعات العملية والأُسس الأخلاقية، بحيث يؤكّدون على الأساس العلميّ الذي يمثّل جانب الحُجّة المقنعة أو الدامغة، تماماً كما لو كانت المسألة مسألة فتوى شرعية بالوجوب أو بالتحريم، لأنّنا لا نجد فرقاً بين الحديث عن الحكم الشرعي والحديث عن المفهوم الإسلاميّ العقيديّ والأخلاقيّ في اعتباره حكماً إسلامياً على مستوى الفتوى، غير أنّ تلك فتوى في التشريع، وهذه فتوى في العقيدة والأخلاق، فهما سواء في مسؤولية انتساب الرأي إلى الله ورسوله، ممّا لا يجوز إلاّ بحُجّة قويّة واضحة، وربّما كان التسامح في تفاصيل العقيدة أو في مفردات الأخلاق أكثر خطورةً وتأثيراً على الإسلام من التسامح في حكمٍ شرعيٍّ جزئيٍّ على مستوى بعض المجالات العبادية الخاصة. ولعلّ المسألة لا تقف عند هذا الحدّ المتّصل بالجانب الفكري في العقيدة والأخلاق والتشريع، بل تتعدّاه إلى تحديد الواقع الموضوعي لدى الأشخاص والأشياء والمواقف السياسية والاجتماعية على مستوى التقييم والانتماء والحركة، فلا يجوز للإنسان المسلم أن يتبع الوسائل غير العلمية في ذلك كلّه، كما لا يجوز له إصدار الحكم على الأشخاص والمواقف، كنتيجة لبعض الظواهر التي تحمل أكثر من وجه، من دون أن يكون هناك أيُّ سند شرعي يؤكّد ذلك من موقع الحُجّة، فإنّ القاعدة الإسلامية تجعل الاحتمال لصالح المتّهم، لا لصالح المدّعي، انطلاقاً من عدم جواز الحكم إلاّ بالبيّنة الشرعية، ومن لزوم الحمل على الصحّة ما دام ذلك محتملاً بطريقةٍ معقولةٍ، وإذا كان لا يجوز الحكم على أحدٍ بدون دليلٍ، في داخل المحكمة أو في ساحة المجتمع، فلا يجوز أيضاً قبول الأخبار التي تتحدّث عن بعض خصوصيّاته إلاّ إذا كانت الأخبار مشتملةً على العناصر الشرعية التي يخضع لها الموقف الشرعي في قبول الخبر أو رفضه، أو التحفُّظ عليه، وهذا ما تحدّث عنه القرآن الكريم والسُنَّة المطهّرة، وفصّله الفقه الإسلامي في مجالاته الاجتهادية. ***** الوسائل المشروعة للمعرفة: وخلاصة الفكرة أنّ الإسلام يريد للحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية أن تتحرّك على أساس العلم، الذي يستمدّ وسائلة من حركة الحواس وحركة العقل في مجال المعرفة، في واقع الفرد والمجتمع، وفي واقع الحياة العامة والخاصة. {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} وذلك باعتبار أنّ هذه هي وسائل المعرفة الحسيّة والعقليّة التي تعتبر الحُجّة على الحقيقة، فيُسأل السمع عمّا سمع، وكيف سمع، وما النتائج الصحيحة لذلك؟ ويُسأل البصر، عمّا رأى، وكيف رأى، وما النتائج؟ ويُسأل الفؤاد ـــ وهو العقل ـــ عمّا وعاه من حقائق الحياة التي ترصدها الحواس الخمس وتكتشفها الملاحظة، وكيف كانت تفاصيل وعيه، وكيف استطاع أن يحتويَ ذلك كلّه ليحوّله إلى معادلةٍ عقليّة ثابتةٍ كأساسٍ للمعرفة والإيمان؟ إنّ الله سيسأل هذه الوسائل الداخلية والخارجية عن طبيعة النتائج التي اختزنها الإنسان في وعيه، ممّا يتّصل بدورها في عالم المعرفة لديه، فهل هو صادقٌ في ما يملكه من مصادر المعرفة، أو غير صادق في ذلك؟ وستجيب بالحقيقة الموضوعية في حياته، وتتحدَّد ـــ من خلال ذلك كلّه ـــ طبيعة التقييم لقناعته، ونوعية المسؤولية التي يواجهها على هذا الأساس، ولن يستطيع أن ينكر شيئاً من ذلك، لأنّ الشهادة لا تأتيه من الخارج، بل من الداخل الذي يصرخ بالحقيقة من أقرب طريق. ***** 6 ـــ ارتباط الدعوة بالعمل والحياة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ*الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 21 ـــ 22]. ***** هذه دعوة إلى تحديد الموقف من قضايا الكفر والإيمان، بالوقوف مع خطّ الإيمان من خلال العبادة، ومواجهة فكرة الشرك والتوحيد بالأدلّة الواضحة التي تلتقي بالتوحيد في حركة الحياة. ولعلّنا نستطيع تفصيل هذه الفكرة في عدّة نقاط: 1 ـــ إنّنا نلتقي في هذه الآية بأسلوب الدعوة القرآنية، الذي لا يدعو إلى الإيمان من خلال التفكير المجرّد الذي يطرح القضايا من خلال المواقف التأمليّة، التي ينفصل فيها جانب الفكر عن أجواء العمل، فيكون للإنسان مجالان، يتحرّك في أحدهما مع الفكر، وفي الثاني مع خطوات العمل، كما هي طريقة التفكير الفلسفي الذي يبعد جانب الفكر عن جانب العمل، بل يدعو إلى الارتباط العمليّ بالله من موقع العبادة بطريقة إيحائيّة تترك انطباعاً في النفس بأنَّ قضية الإيمان بالله ليست من القضايا الفكرية التي يدخل الإنسان معها في مجال المناقشة التي تحتمل الرفض والقبول، بل هي من قضايا الوجدان الذي يوحي بالفكرة من خلال الإحساس الداخلي النابع من مواجهة الكون الذي يحيط بالإنسان في كلّ مظاهره، حتى يجد الله متمثّلاً في عمق ذلك كلّه، في اللّفتة والنظرة والشعور، حيث ينتقل من جوّ الملاحظة العفوية إلى جوّ العبادة من دون تردّد أو توقّف. 2 ـــ إنّ الآية توحي بأنّ الدعوة إلى الإيمان بالله وإلى عبادته، ليست خاضعة لموقف فكريّ بعيد عن حياة الإنسان وشعوره، ككثير من القضايا الفكرية التي ترتبط بها وتنسجم معها باعتبارها حقيقة من حقائق الحياة التي تفرض نفسها عليه، من دون أن يكون لها ارتباط به من ناحية شعورية، بل هي خاضعة لإحساس الإنسان بوجوده ووجود الناس الذين من قبله، ومرتبطة بحركة حياته، وهو يتنقّل في الأرض ليعيش قضايا الحياة، أو يتطلَّع إلى السماء التي تمنحه الشعور بالعظمة، وتنزل عليه بركاتها التي تحوِّل الأرض إلى خصب يعطي الرزق الذي يفسح للإنسان مجال الامتداد في هذه الحياة. وبذلك يستوحي الإنسان في عبادته لله العظمة المحيطة به في كلّ مظاهر الحياة، والنعمة المتفجّرة من الأرض، والمنهمرة من السّماء، لتعطيه الخير والبركة والرخاء، ما يبعد العبادة عن الخضوع الأبله الساذج، ويربطها بالخشوع الذي يمتزج فيه الشعور بالعظمة، بالإحساس بالنعمة، التي يحتاج معها إلى الاعتراف بالجميل، ويجعل من علاقة الإنسان بالله شيئاً يتّصل بمشاعره الحميمة لا بأفكاره المجرّدة، وهذا ما يحقّق للإنسان معنى التقوى الذي اعتبرته الآية غاية للعبادة، لأنّه يمثّل الانضباط العمليّ على خطّ الله، من خلال الإحساس العميق به، في موقف نفسيّ داخلي يتجسّد فيه الإيمان المسؤول بالجانب العملي في الحياة. وهذا هو ما ينبغي للعاملين في سبيل الدعوة إلى الله أن يسلكوه في أساليبهم العملية في الدعوة، أي عليهم استيحاء الجوّ القرآنيّ الذي يتحرّك فيه الأسلوب بعيداً عن الأجواء الفلسفية المجرّدة التي قد تعطي فكراً قويّاً، ولكنّها لا تمنح الإنسان حركة الإيمان في داخل النفس، وفي أعماق الحياة. 3 ـــ لقد جاء في الآية التعبير عن الأرض بأنّها فراش، وعن السماء بأنّها بناء، وهما استعارتان، أريد بهما التدليل على معنى دقيق، فقد جاءت كلمة فراش لتعبّر عن الراحة التي يحسّ بها الإنسان في وجوده على هذه الأرض بما أودعه الله فيها من قوانين الحياة، تماماً كالراحة التي يشعر فيها الإنسان بالإغفاءة الهانئة على الفراش الوثير بعد تعب يوم مكدود. وقد جاءت كلمة بناء للإيحاء بالتماسك والقوّة التي تمنع من السقوط على الرغم من أنّها لا تعتمد على قواعد ثابتة في الأرض. 4 ـــ إنّ التطلُّع إلى الأرض في ما تمنحه للإنسان من الراحة بفعل القوانين الطبيعية المودعة فيها، وإلى السماء في تماسكها وفي خيراتها التي تغدقها على الإنسان، وفي ما توحيه من عظمة الخالق من خلال سرّ عظمة الخلق، إنَّ ذلك كلّه يدفعنا إلى رفض الأنداد والشركاء لله، عندما نحصل على القناعة الثابتة التي تؤكّد لنا ـــ بما لا يقبل الشكّ ـــ أنّ الله هو وحده صانع ذلك كلّه، لأنّه ـــ وحده ـــ القادر على ذلك كلّه. 5 ـــ ذكر بعض المفسّرين في قوله تعالى: {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} أنّ التقوى هي الغاية للخلق، فيكون المعنى أنّ الغاية من خلق الإنسان هي الوصول به إلى التقوى، ولكنَّ التأمُّل في الآية يؤدّي بنا إلى أنّها غاية للعبادة، لجهتين، الأولى: أنّ الكلام قد سيق للأمر بالعبادة فهي الأصل في الكلام، أمّا الخلق فقد ذكر كصفة من صفات الله التي توحي للإنسان بمسؤوليّته أمام الله في عبادته له، فلا يناسب المقام رجوع الغاية إليه. الثانية: أنَّ الغاية لا بدّ من أن تكون بمثابة النتيجة الطبيعية للعمل، ونحن نعرف أنّ مجرّد الخلق لا يتّصل بالغاية، بل الذي يحقّقها هو العبادة ذاتها التي تثير في النفس الشعور بالله، والخضوع له، ما يوحي له بمسؤوليّته الممتدة أمام الله، ويؤكّد ذلك بممارسته العملية الدائمة المنفتحة على الحقّ. ***** خطاب القرآن بين "يا أيُّها النّاس"، و"يا أيُّها الذين آمنوا": {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} الذين يتحرّكون في الحياة على هدى إنسانيّتهم في أصالتها الفطرية، وشعورها المنفتح على الحقيقة، وجهدها المتحرّك في خطّ الفكر الأصيل، بعيداً عن عناصر الخصوصيّات القومية والجغرافية والعرقية، سواء كنتم مؤمنين أو كافرين، فهذا هو النداء الذي ينفذ إلى أعماقكم ويستثير فيها الحركة نحو عبادة الله. وفي هذا السياق، ثمّة قول ينسب إلى ابن عباس والحسن، أنَّ ما في القرآن من {يَا أَيُّهَا النَّاسُ} فإنّه نزل بمكّة، وما فيه من {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} فإنّه نزل في المدينة. وبعيداً عن ثبوت صدور هذا الرأي عنهما، أو عدمه، فإنَّ مضمونه يحثّنا على الوقوف عند أساس هذه الفكرة، التي في تقديرنا، ترجع إلى كون سورة البقرة مدنيّة كلّها إلاّ آية واحدة، وهي قوله تعالى: {وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ} الآية، فإنّها نزلت في حِجّة الوداع بمنى. وقد يكون الأساس في هذه الفكرة، أنَّ مكّة كانت مرحلة الدعوة التي يتوجّه فيها الخطاب إلى الناس كلّهم من أجل إدخالهم في الإيمان، بينما يتوجّه الخطاب في المدينة إلى المؤمنين من أجل تفصيل مسؤوليّاتهم العملية باعتبارها مرحلة الحركة في الدولة. ولكن لنا ملاحظتان في هذه المسألة: الأولى: أنّ من الممكن مخاطبة المؤمنين في صفتهم الإنسانية لاستثارة المضمون الإنساني الذي ينفتح بهم على القضايا الحيويّة في عناصر الحذر والخوف والرحمة والمحبّة ونحو ذلك التي تتمثّل في خصائص الإنسان من حيث هو إنسان ممّا يتّصل بساحة الدعوة وساحة الحركة معاً. الثانية: أنَّ مرحلة المدينة لم تبتعد عن مرحلة الدعوة، لأنَّ الكثيرين من العرب وغيرهم كانوا لا يزالون مقيمين على الشرك أو الكفر، ما يفرض التوجّه إليهم بين وقتٍ وآخر، فإنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) والمسلمين معه، لم يكونوا مستغرقين في أجواء المدينة، بل كانوا يتطلَّعون إلى الناس خارجها، ويتحرّكون من أجل توعيتهم وهدايتهم إلى الإسلام. ***** اعبدوا ربّكم: {اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ}، فإنَّ الخلق يمثّل العبودية التكوينية من خلال الإرادة الإنسانية في تحقيق معنى المضمون الواقعي لعبودية الإنسان في وجوده لتكون مظهر الوعي المتحرّك فيه، لأنَّ القضية لا تنطلق من حالةٍ فكريةٍ مجرّدةٍ في عقله، بل تتحرّك من حالةٍ وجوديةٍ في ذاته، تماماً كما يتحسّس خصائصه الشعورية الذاتية. {لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} لأنَّ العبادة تفتح وجدانكم على الله في الإحساس بعظمته وربوبيّته ووحدانيّته، الأمر الذي يؤدّي إلى اهتزاز العمق الإنساني في الخضوع لله، والخوف منه، والمحبّة له، بحيث تصبح التقوى حالةً طبيعية في حركة الذّات. {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً} ومستقرّاً ومقاماً تستريحون فيه، وتتقلّبون عليه، في حركتكم، وفي يقظتكم ومنامكم. {وَالسَّمَاء بِنَاء} من فوقكم كما هي القبّة المطلّة عليكم، وخلق فيها الشمس التي تمنحكم النور والدفء والحرارة، والقمر الذي يضيء لكم ظلمات اللّيل ويحدّد لكم المواقيت، {وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} يحيي الأرض بعد موتها، ويمنحها الحيوية التي تعطي العناصر المودعة فيها قوّة النموّ وحركة الخصب، {فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ} من البذور المتناثرة في أعماقها وسطوحها {رِزْقاً لَّكُمْ}، وذلك لتلبية حاجات أجسادكم الغذائية، بما يكفل استمرار حياتكم وتواصلها، لتعتبروا بذلك كلّه، ولتعرفوا حاجتكم وفقركم إلى الله الذي لا يملك غيره أن يعطيكم ما أعطاكم، ويرزقكم ما رزقكم من فضله، ولتؤمِنوا بأنّه الله الذي لا إله إلاّ هو لا شريك له، لأنَّ كلّ مَن عداه فهو مخلوق له، فكيف يكون ربّاً للناس؟! {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً} تحبّونهم كحبّكم لله، وتطيعونهم كطاعتكم له، وتعبدونهم كما تعبدونه، في الوقت الذي لا يملك هؤلاء لأنفسهم من أمرهم أو من أمر الناس شيئاً، لأنّهم عباد أمثالكم لا فرق بينكم وبينهم في معنى العبوديّة لله الواحد الذي لا إله إلاَّ هو، ولا شبيه لا ولا نظير، {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} ذلك كلّه، فكيف تحوّلون علمكم جهلاً بالسير في دروب الجاهلين؟ ***** 7 ـــ نشر الدين عبر الدعوة والجهاد: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122]. معاني المفردات: {طَآئِفَةٌ}: جماعة. {لِّيَتَفَقَّهُواْ}: الفقه: العلم بالشيء، وقد اختصّ بعلم أحكام الشريعة. ***** لا بدّ للأُمّة من التنوّع في سدّ الحاجات التي يتوقّف عليها نموّها وتطوّرها وحركتها الشاملة في الحياة، وربّما كان في مقدّمة ذلك الحاجة إلى المعرفة الدينية الشاملة التي تثير الوعي الديني المنفتح في واقع الناس، فيتحرّكون من خلاله إلى مواجهة قضاياهم العامة والخاصة من قاعدةٍ إسلامية ثابتةٍ تدفع بهم إلى تحويل المواقف إلى حركةٍ حيّة للمفاهيم الإسلامية من جهةٍ، وللأحكام الشرعية من جهةٍ أخرى، وإلى صدق الانتماء إلى العقيدة والشريعة في كلّ شيء، فلا تبقى هناك أيّة ازدواجية بين ما هو الدين وما هي الحياة، كما يحدث للكثيرين الذين يجهلون دينهم في مفاهيمه وفي تفاصيل أحكامه. وهذا ما جعل التفقُّه في الدين واجباً كفائيّاً على الأُمّة كلّها، يفرض عليها أن تُعِدَّ من أفرادها مجموعةً تتكفّل بالحصول على المعرفة الدينية الشاملة التي تجعل من حركة الإسلام في وعي الأُمّة وثقافتها حركةً واعيةً تفرض نفسها على الساحة كلّها حتى تجعلها إسلاماً يتحرّك في كلّ جانب واتجاهٍ. وهذا ما عالجته هذه الآية التي أرادت للمؤمنين أن ينفر بعضهم إلى التفقّه في الدين، عندما ينفر بعضهم إلى الجهاد، فلا يعتبروا الجهاد مهمّة الأُمّة كلّها إلاّ في الحالات الصعبة التي تحتاج فيها الأُمّة إلى كلّ الطاقات المقاتلة للدفاع عن وجودها أمام الأعداء. ***** الجهاد واجب كفائي: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً} إلى الجهاد، لأنّ الجهاد قد يفرض قيام بعض الأُمّة بمسؤوليّاته من خلال الحاجة التي تفرضها المعركة. فقد لا تكون الساحة بحاجةٍ إلى الجميع، بل يكتفى بالبعض منهم، ولذلك فإنّ المسألة تخضع لأوامر القيادة وتخطيطها في مَن يجب عليه الخروج ومن لا يجب عليه ذلك، فإذا أرادت الخروج من أحد، فلا يجوز له التخلُّف، كما قد يحدث في بعض الحالات في ما تحدّثت به الآيات السابقة. أمّا إذا رخّصت لفريق بالبقاء، لعدم الحاجة إليه، أو لحاجةٍ أخرى تفرضها المصلحة الإسلامية العليا في مسألة الجهاد، أو في المسائل الأخرى المتعلّقة بالأمور الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للأُمّة، فيجب عليه البقاء، انسجاماً مع المصلحة الإسلامية في تنفيذ الخطّة الشاملة الموضوعة من قبل القيادة. ***** النفر للتفقُّه: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ} فلا بدّ من أن يكون هناك جماعةٌ تتخصَّص في الأمور الدينية لتحفظ للأُمّة وعي دينها من خلال المعرفة الواسعة في أمور العقيدة والشريعة، لأنّ ذلك هو الأساس لانطلاقة الحياة في سبيل الله على هدى الإسلام بعيداً عن كلّ انحراف أو طغيان في ما يمكن أن يحدث من خلال الجهل الذي يستغلّه المستغلّون، فيصوّرون الحقّ بصورة الباطل وبالعكس، فيتبعهم الجاهلون، لعدم وجود من يميّز بين الحقّ والباطل في ساحة المعرفة الحقّة، فلا يجب على هذه الجماعة أن تنفر إلى الجهاد، بل هي تعيش الجهاد ولكن في موقعٍ آخر، وهو جهاد المعرفة بمواجهة التحدّيات الفكرية التي تواجه الأُمّة من قِبَل أعداء الإسلام، لتثير فيها الشكوك والشبهات، وتبعدها عن الطريق المستقيم، بل ربّما يكون الجهاد في هذا الوجه، أكثر إلحاحاً وأعظم أهميةً من الجهاد بالسيف، لأنّه هو الذي يعطي ذلك الجهاد توازنه وسلامته واستقامته على الخطّ الواضح السليم. ومن هنا ورد في بعض الأحاديث المأثورة: "إذا كان يوم القيامة وزن مداد العلماء بدماء الشهداء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء"(1). ***** مهمّة الفقهاء: {وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} وتلك هي مهمّة الفقهاء الذين يحملون مسؤولية الفقه الديني ليبلِّغوه إلى الأُمّة، في نطاق الإمكانات التي يملكونها في الحركة، لأنّ القضية لا تمثّل حالةً ذاتية تمنحهم الحرية في العطاء وعدمه، بل هي حالةٌ عامةٌ، لأنّهم يحملون في فكرهم فكر الأُمّة وثقافتها ودينها، فلا يجوز لهم أن يمنعوها منه، او يحجبوه عنها، بل ربّما يستوحي الإنسان من الآية، أنّ المسألة لا تقتصر على الجواب عند السؤال، بل تتّسع وتتّسع ليتسلَّموا زمام المبادرة في الإبلاغ والإنذار، لأنّ ذلك هو الذي يفتح آفاقها على الجوانب الخفيّة للمعرفة الدينية، وهو الذي يوحي إليها بعلامات الاستفهام في التفاصيل، باعتبار أنّ الجهل قد يؤدّي إلى الغفلة التي لا يشعر الإنسان معها بالحاجة إلى السؤال. وهذا هو الردّ على الذين يصرفون شطراً كبيراً من أعمارهم في التفقُّه في الدين، حتّى إذا تمّ لهم النضج العلمي والفكري، جلسوا في بيوتهم وابتعدوا عن المجتمع متعلّلين بأنّهم لا يرون الانفتاح على الناس بالتعليم على أساس المبادرة واجباً عليهم، بل يرون الأمر متوقّفاً على السؤال، فيجب عليهم الجواب للردّ على السائل، ولا يجب عليهم تعليم من لم يسأل. ***** 8 ـــ المسلم بين مسؤولية نفسه والالتزام بالأمر بالمعروف: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [المائدة : 105]. ***** هذا نداءٌ للمؤمنين يحدّد مسؤوليّتهم الإيمانيّة في الحياة، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} فلكلّ منهم مسؤوليّته عن نفسه في تهيئة سبل الهداية الفكرية والعقيديّة والمنهجيّة على طريق إنجاز البرامج والخطط والأهداف والخبرة المتعلّقة بها. فإذا تمَّ له ذلك على النهج الذي يرضاه الله ورسوله، فقد أخذ بأسباب الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، ولن يضرّه بعد ذلك كفر الكافرين وضلال الضالّين، لأنّ المسألة لا تتعدّى صاحبها في ما يؤكّده الإسلام من فردية التبعيّة، فلا يتحمّل إنسان ذنب غيره، ولا يؤخذ المهتدي بضلال الضال، مهما كانت درجة قرابته به وعلاقته معه. وهكذا يريد القرآن الإيحاء للإنسان بالاستغراق في هذا الاتجاه من أجل أن يحمل مسؤوليّته عن نفسه كاملةً غير منقوصةٍ، فيعمّق لها مفاهيمها عن الكون والحياة، طبقاً لما أوحاه الله إلى رسوله، ولما بلَّغه الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) إلى الناس، حتّى لا تشتبه عليه الأمور، فيضلّ عن الهدى من غير علم، وينحرف عن الحقّ من دون وعي، وحتّى يمتدّ في خطّ العمل على الصراط المستقيم، فيضبط خطواته عن الانحراف، ويمنعها من الزلل، بالسير في حياته على هدي شريعة الله في ما تأمره به وتنهاه عنه، ليتأكّد لديه الفكر والالتزام، فيصوغ على ذلك شخصيّته صياغة إسلاميّة لا مجال فيها للاهتزاز والارتباك. ويتابع ـــ بعد ذلك ـــ عملية المراقبة والمحاسبة والرصد لكلّ حركة في داخل النفس من أفكاره ومشاعره، وفي خارجها من أقواله وأفعاله، ليستقيم له دورها وفاعليتها بانضباطٍ دقيقٍ بشكل مستمرّ، من دون التفات إلى ما حولها من حالات الانحراف والضلال، لأنَّ ذلك ليس من مسؤوليته في ما يحمِّله الله من ذلك. ***** الآية.. ومبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: ولكن، ماذا عن الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟! فقد حمَّل الله المؤمنين مسؤوليّة هذه الأمور، واعتبر الالتزام بها استقامة على الدرب، وإهمالها انحرافاً عنه، وتوعَّد التاركين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما لم يتوعَّد به على أيّة معصيةٍ أخرى، فكيف نوفّق بين ذلك، وبين ما توحي به هذه الآية من وقوف المسؤولية عند حدود النفس فلا تتعدّاها إلى غيرها؟ فهل هناك ناسخٌ ومنسوخٌ بين هذه الآية وبقيّة الآيات الأخرى كما يتصوّره البعض، وهل هناك تحديدٌ للآية في نطاقٍ معيّن، كما في حالات التقيّة، أو في حالات الكفّار كما في بعض الروايات، أو أنّ القضية تتّجه اتّجاهاّ آخر؟! والجواب عن ذلك، أنّ الآية لا تأخذ وجهة الإهمال لدعوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأنَّ مدلولها يتضمّن مسؤولية الإنسان عن نفسه في القيام بها على أساس الخطّ المستقيم الذي رسمه الله، وذلك في مختلف دوائر وشؤون حياته الإيمانيّة والعمليّة والالتزاميّة، سواءٌ تلك المتّصلة بشؤونه الخاصة أو العامة. فقد كلّفه الله بأن يُمارس نشاطه العمليّ في هداية الناس وإرشادهم، وحفظ خطواتهم من الزلل، ورعاية أمورهم، وتدبير قضاياهم، قدر إمكاناته المادية والمعنوية. وعلى ضوء هذا، فإنَّ مسؤوليّته عن الناس هي جزء من مسؤوليّته عن نفسه، باعتبار أنَّ ذلك من واجبات الإيمان. وليس في الآية ما يدلّ على خلاف ذلك، بل هي واردة للتأكيد على الفصل بين النتائج الإيجابية التي ينتهي إليها الإنسان من خلال القيام بالتزاماته الشرعيّة، وبين النتائج السلبية التي تتمثّل في سلوك الناس مع أنفسهم، سواء كان ذلك من جهة عدم استجابتهم له في ما يدعوهم أو يهديهم إليه، أو عدم انضباطهم في واجباتهم بشكلٍ ذاتي. فلا علاقة له بالنتائج السلبية المنطلقة من تمرّدهم وضلالهم، ولأنّه قد قام بواجبه كاملاً في هداية نفسه وهداية غيره، فلا يضرّه من ضلَّ إذا اهتدى، وبذلك تكون المسألة مرتبطة بحركة الواقع في حياة الضالين والمهتدين، بعد استكمال كلّ الشروط الموضوعيّة التي تقوم بها الحُجّة على الضالين، وتتحرّك بها المسؤوليّة من خلال المهتدين، ولا بدّ من التركيز على كلمة {لاَ يَضُرُّكُم} فإنّها توحي بما قلناه، فيكون مساقها مساق الآيات التي تتحدّث عن إبلاغ الدعوة إلى الناس، باعتبار أنّ ذلك هو ما يستطيع الداعية أن يتحمّل مسؤوليّته، لأنّ هناك شروطاً في حركة الفكر والإرادة للإنسان، كما أنَّ هناك شروطاً في الأجواء المحيطة به. وليس على الداعية إلى الله، نبيّاً كان أو غير نبيّ، إلاَّ أن يبلِّغ بأفضل أساليب التبليغ، وليس من مسؤوليّته ماذا يحصل بعد ذلك سلباً أو إيجاباً. ***** احتمال آخر لحركة الآية.. ونقاش له: وقد ذكر بعض المفسّرين احتمالاً في النطاق الذي تتحرّك فيه الآية، بأنَّ المخاطب هو مجتمع المؤمنين الذي يواجه مجتمع الكافرين بانحرافاته وضلالاته، ليكون المراد بقوله: {عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ} هو إصلاح المؤمنين مجتمعهم الإسلامي باتخاذ صفة الاهتداء بالهداية الإلهيّة من خلال المحافظة على معارفهم الدينيّة والأعمال الصالحة والشعائر الإسلامية العامة، كما قال تعالى: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران : 103]، فإنَّ المراد بهذا الاعتصام الاجتماعي الأخذ بالكتاب والسُنّة، ويكون قوله: {لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} يُراد به أنَّهم في أمنٍ من أضرار المجتمعات الضالّة غير الإسلامية، فليس من الواجب على المسلمين أن يبلغوا الجدّ في انتشار الإسلام بين الطوائف غير المسلمة أزيد من الدعوة المتعارفة، أو أنّه لا يجوز لهم أن ينسلوا ممّا بأيديهم من الهدى من مشاهدة ما عليه المجتمعات الضالّة من الانهماك في الشهوات والتمتُّع من مزايا العيش الباطلة، إذ {لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} وتجري الآية على هذا مجرى قوله تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ*مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ} [آل عمران: 196 ـــ 197]. ولكنَّ الظاهر من الآية أنّها لا تخاطب المؤمنين كمجتمعٍ من حيث إنّهم مجموعةٌ مميّزةٌ مرتبطةٌ ببعضها البعض في مقابل مجتمعٍ آخر على هذا النحو، بل هي في مقام إثارة القضية في حياة كلّ فرد من أفراد المؤمنين لتحديد دوره ومسؤوليّته، تماماً كما هي الآيات الكثيرة في القرآن التي تطلب من المؤمنين أشياءً وتنهاهم عن أشياء، فإنّها جاءت تخاطب الأفراد بطريقة الجمع الذي يختصر الأعداد الكثيرة بكلمة واحدة، لتحدّد لكلّ إنسان منهم دوره بعيداً عن أدوار الآخرين في ما تتمثّل فيه من سلبيات. والله العالم. {إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، فهذا الجزء من الآية موضوع البحث لا يدع مجالاً للشكّ، بأنّ الجميع سائر إلى الله، المؤمن والكافر معاً، وأهل الضلالة معاً، وبالتالي تثبت أنّ جميع الطرق منتهية عند الله تعالى، حيث يوفّى كلّ من سالكيها حسابه، حيث تتباين النتائج وتتراوح ما بين الفوز والفلاح أو الخيبة والخسران، وذلك وفق ميزان الأعمال، وحيث تجد كلّ نفسٍ ما عملت محضراً، وحيث من ثقلت موازينه فأُمّه هاوية.. وأما من خفَّت موازينه فهو في عيشة راضية. 9 ـــ الداعية بين الأكثرية والأقليّة: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ*إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [الأنعام: 116 ـــ 117]. ***** معاني المفردات: {يَخْرُصُونَ}: يكذبون في ما يقولون ظنّاً وتخميناً من دون علم ولا يقين. وأصل الخرص: الحزر والتخمين، والخرص على الكذب. ***** {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} هناك اتجاه يقول: إنّ الأكثرية تمثّل الحقيقة، أو الفكر الأقرب إليها، وبذلك اعتُبرت أساساً للتنظيم في جميع المؤسّسات التي تحتاج إلى وضع القوانين وإصدار القرارات عندما يختلف الأعضاء بين رأي موافق ورأيٍ مخالف، فيكون رأي الأكثرية، ولو بزيادة واحد، هو الخطّ الفاصل بين الحقّ والباطل، سواءٌ في ذلك على مستوى الجمعيات أو الأحزاب أو الشركات أو الحكومات، أو على مستوى الأُمّة كلّها، والاتجاه الديمقراطي يرتكز على هذه القاعدة. ولكنّ القرآن لا يوافق على هذا الاتجاه، بل يعمل ـــ بدلاً من ذلك ـــ على الإيحاء للإنسان بأنّ الحقيقة هي في الجانب المقابل، أي عند الأقليّة، ولذلك كثرت الأحاديث في الآيات الكريمة عن ذلك: {وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} [هود : 17]، أو {وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأعراف : 187]، أو {وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ} [التوبة : 8] لأنّ الأكثرية ـــ عادة ـــ تمثّل التيار الذي يحكم الحياة من جانبها السهل الذي يقف مع الرغبات الحسيّة وغير الحسيّة التي تنادي بها النفس الأمّارة بالسّوء، أمَّا الأقليّة، فهم الذين يتعاملون مع الحياة من موقع المسؤولية الصعبة، ويمثّلون الطليعة في كلّ مجتمع، ولهذا كانوا هم أتباع الدعوات الرسالية والثوريّة والإصلاحية، الذين حملوا الأعباء الكبيرة، وتحمَّلوا الجهد العظيم، وعاشوا في مواكب الشهادة، بينما كانت الأكثرية في الجانب المقابل من الرسالة والثورة والإصلاح، تحارب الأنبياء والثائرين والمصلحين بمختلف ألوان الحرب، وتبعثر خطواتهم على أكثر من صعبد، حتّى إذا تقدّمت الرسالة والثورة والإصلاح وانتصرت، انطلقت الأكثرية لتسير مع الأجواء الجديدة، لتعمل على احتوائها وتوظيفها لمصلحتها، ولتسلك أساليب اللّف والدوران وفنون الخداع والنفاق، ولتعود ـــ من جديد ـــ لتحارب الرُّسل والثائرين والمصلحين، من موقعٍ آخر، وبوسائل أخرى. وهكذا تستمرّ الحياة في صراع الأكثرية السائرة مع التيّار، مع الأقليّة المتحرّكة ضدّه. إنّ القرآن لا يعتبر الكثرة العددية أساساً للنتائج الإيجابية على مستوى الحقيقة، لأنّ للحقيقة أساساً ينطلق من الوحي الإلهيّ من جهة، ومن الفكر الهادئ الموضوعي العميق من جهةٍ أخرى، ولن يكون للأرقام الكثيرة أيّ تأثير في هذا المجال، لأنّها لا تستطيع أن تتقدّم خطوةً واحدةً إلى الأمام، ما لم تنطلق من موقع فكرٍ ينضمّ إلى فكر، لتكون القضية قضيّة شورى يتداول فيها الناس الأفكار في جولة فكريّة تتحرّك في خطّ الحوار، لتقدّم ـــ في نهاية المطاف ـــ الرأي الأفضل، الذي لا يفرض نفسه على القيادة، بل يمنحها فرصة الاقتراب من الخطّ السليم، ولترى رأيها النهائي حول الموضوع سلباً أو إيجاباً. إنّ الأرقام التي تتكاثر تبعاً لتكاثر الأطماع والشهوات والانفعالات، لا يمكن أن تمثّل حركة الإنسان نحو الحقيقة، لأنّها تتعامل مع العاطفة التي تثير أمامه ضباباً كثيفاً يحجب عنه وضوح الرؤية للأشياء، ويبعده عن معرفة الساحة الحقيقية للشخص وللموقف وللمبادئ، إلاّ من خلال ما يريده أولئك الذين يحرّكون الأطماع والشهوات والانفعالات في لعبة الباطل المتعدّدة الأساليب والأشكال والألوان. وفي ضوء ذلك، لا بدّ من التمييز بين الأكثرية الواعية المفكّرة المخلصة، والأكثرية الساذجة المنفعلة المزيّفة، ولا بدّ لنا ـــ في نطاق ذلك ـــ من تحديد المسألة التي تعيش فيها الأكثرية روح الشورى من أجل الوصول إلى الحقيقة، في مقابل الأكثرية التي تعيش روح التنافس والصراع من أجل الحصول على موقعٍ ما بعيداً عن قضية الحقّ والباطل في ساحة الصراع. إنّ الإسلام يحدّد الدور القيادي الذي يعطي للحكم شرعيّته، وللرأي لون الحقيقة، فقد تجد القيادة في الأكثرية سبيلاً إلى تحديد المصلحة في قضايا الناس الحياتية من سياسةٍ واجتماع واقتصاد، باعتبارها النموذج الأمثل للشورى، فتقرّره كأسلوب عمل في الساحة، وقد تجد في رأي الأقليّة من أهل الخبرة والمعرفة والإخلاص الشكل الأفضل للنظام، فتسير عليه، وفي جميع تلك الحالات، تبقى شرعية الأكثرية هنا، والأقلية هناك، مرتبطةً بالهيكل التنظيمي الشرعي للقيادة الفردية أو الجماعية ممّا لا سبيل إلى بحثه الآن. نعود إلى الآية، لنعيش معها في نطاق الجوّ العمليّ للداعية إلى الله، نبيّاً كان أو إماماً أو فقيهاً أو غير هؤلاء من أفراد الأُمّة، فقد يعيش حالة ضعفٍ داخليٍّ وقلقٍ نفسي يجذبه إلى التيّار الغالب في الأُمّة، لأنّه يمثّل القوّة، في المال والجاه والرجال، ما يجعل من الانتماء إليه والارتباط به مصدر قوّةٍ في مقابل إحساسه بضعف هؤلاء البسطاء الطيّبين الفقراء الذين لا يستطيعون أن يمنحوا الحماية لأنفسهم، فكيف يمكن أن يمنحوها للداعية؟! ولكنّ الله يريد أن يفتح عيون الدّعاة إليه، ليدرسوا الموضوع من نقطته الكبيرة، وهي أنّ للداعية إلى الله شخصيّته الرسالية التي يستمدّها من حركة رسالته في الحياة، ما يجعل من مسألة القوّة، بالنسبة إليه، مسألةً لا تتعلّق بشخصه بل برسالته، وبذلك يفقد صفة الانتماء الشخصي للجماعات والمؤسّسات، بل يرتبط انتماؤه بالجانب القوي من رسالته، فإذا كان هؤلاء الأقوياء لا يؤمنون بها ولا يتعاطفون معها، فما الذي يمكن أن ينتظره منهم عندما يرتبط بهم أو يرتبطون به، في الوقت الذي يمثّل فيه الجانب الأضعف بينما يمثّلون فيه الجانب الأقوى مادياً؟ هل يمكن أن يمنحوا رسالته القوّة في الموقف، ويتنكّروا لما هم عليه من فكرٍ وسلوكٍ وهدف؟ إنّ القضية ستكون معكوسة، لأنّهم سيحاولون أن يستغلّوا حاجته إليهم، وضعفه أمامهم، من أجل أن ينحرفوا به عن الخطّ المستقيم، أو يضلّلوه عن أهداف رسالته، وذلك بطريقةٍ قد ينتبه إليها وقد لا ينتبه، عندما يكون غارقاً في ضباب الأجواء الذاتية والعاطفية والمثالية التي يحاولون أن يحيطوه بها، ليشعر ـــ وهو في غمرة الضباب الفكريّ والروحيّ ـــ أنّه يسير في الاتجاه السليم. ولكن، لماذا ينطلق الداعية في هذا الاتجاه؟ ربّما كانت الرغبة في الوصول إلى النتائج الكبيرة سريعاً هو ما يفكّر به، ما يجعل من قضية الاعتماد على القوى الجاهزة الموجودة في الساحة قضيةً لا تحتمل الجدل، ولا تقبل التأخير، لأنّ الفئات الأخرى لا تملك أن تقدّم أيّة خدمةٍ في هذا المجال، بل ربّما تعقّد أمامه الأمور أكثر، وذلك بإغراقه في المشاكل الصغيرة هنا وهناك، ليقدّم تنازلاتٍ لهذا الجانب ولذاك الجانب، وتضيع القضية من بين يديه في نهاية المطاف، عندما تحتويه هذه القوى وتستوعبه جملةً وتفصيلاً. أمّا الإسلام، فإنّه يعتبر هذا الاتجاه اتجاهاً خاطئاً وفي أقصى درجات الخطورة، لأنّ دور الداعية لا يتمثّل في تحقيق النجاح السريع على مستوى السلطة أو الشهرة، من دون قاعدة ثابتة مركّزة تواجه عواصف الزمن وتحدّياته، لأنّ قصّة الرسالة هي قصّة الحياة الممتدّة الواسعة ذات الأبعاد الكبيرة، التي تنتظر الإشراقة الرائعة كما ينتظر الأُفق الفجر الوليد الذي يخترق الظلام، نقطةً هنا ونقطةً هناك، وتتكاثر نقاط الضوء، ثمّ يتدفّق الينبوع ليستوعب الأفق كلّه في حكايات النور. وهكذا تنطلق الرسالة في حركة النموّ الطبيعيّ للأشياء الذي يعطي لها القوّة، ويثبّت جذورها في الأعماق، وتُجَمِّع حولها المؤمنين، واحداً ضعيفاً من هنا، وواحداً فقيراً من هناك. ويتحوّل الأفراد إلى مجتمعٍ صغير، وتتكاثر المجتمعات الصغيرة في هذا الموقع أو ذاك، ثمّ ينطلق المجتمع الكبير ليتحوّل إلى أُمّة، وليتحرّك في آفاق الإنسانية كلّها، ليستوعب الحياة في جميع مراحلها ومشاكلها وقضاياها الكبيرة والصغيرة. وهكذا تبدأ عملية صنع القوّة لكلّ من يريد أن يبحث عن القوّة الحقيقية، ولهذا فلا بدّ لمن يؤمن بالرسالات من أن يصبر طويلاً على مشاكلها ومتاعبها، وتحدّيات القوى المضادّة لها، ليأخذ من كلّ ذلك قوّةً تتجدَّد مع كلّ مشكلة ومع كلّ لون من ألوان التحدّي.. ويبقى ـــ قبل ذلك وبعد ذلك ـــ للرعاية الإلهية في ما يهب الله أولياءه من القوّة والصبر والثبات، الدور الأكبر والأساس في ذلك كلّه. وهكذا يريد الله للرسول الداعية، ولكلّ داعيةٍ في هداه، أن لا يواجه الموقف من هذا المنطلق، بل أن يرفض كلّ هؤلاء مهما كانت كثرتهم وقوّتهم، لأنّها كثرة ضلالٍ، وقوّة كفر، لأنّه لو أطاعهم {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} لأضلّوه، ولأبعدوه عن الله وعن رسالته، ولتركوه مجرّد شخص يبحث عن ذاته، ويلمّ شتات أوضاعه. وماذا عن هؤلاء؟ لماذا ضلّوا، ولماذا انحرفوا؟ {إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} فهم لا يستندون إلى القناعات اليقينيّة التي تمنح الإنسان صفاء الروح ووضوح الرؤية، بل يتبعون الظنّ، فيمنعهم ذلك من التدقيق في الوجه الآخر، لأنّهم لا يتناولون الأمور، واحدةً واحدة ليفحصوا داخلها، وليفهموا طبيعتها، بل يتَّبعون طريقة الخرص والتخمين، من دون حسابٍ وتدقيقٍ، وذلك هو سبيل الضالّين. ويختتم القرآن هذا الفصل بالآية الكريمة: {إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَن يَضِلُّ عَن سَبِيلِهِ} ليؤكّد للرسول الداعية أن يستمرّ في طريق الدعوة إلى الله، ولا يلتفت إلى المعوّقات والعقبات التي تواجهه في الطريق، وذلك بتحديد مسؤوليّته عن النتائج السلبية والإيجابية، بالحدود التي تتناسب مع قدراته، في ما يملك من أساليب الدعوة، أو في ما يستطيعه من وسائل إثارة الأجواء وتحريك الساحة في هذا الاتجاه. أمّا ماذا يحدث بعد ذلك؟ فهو أمرٌ راجعٌ إلى الله، الذي هو أعلم من يضلّ عن سبيله من خلال ما يعلمه من طبيعة الظروف الداخلية والخارجية المحيطة به التي تحرّك إرادته في هذا الاتجاه المنحرف {وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}، في ما ينطلقون به من إرادةٍ صلبةٍ، وتفكير قويّ، وحركة واعية، تقودهم إلى خطّ الإيمان به. وذلك هو السبيل الأقوم الذي ينبغي للعاملين في سبيل الله والدّعاة إليه أن يقتدوا به، ويحدّدوا الخطّ الفاصل بين مسؤوليّتهم في حركة الدعوة، وبين ما هو خارجٌ عن نطاق مسؤوليّتهم فيها، ممّا يرجع أمره إلى الله، لئلا يفقدوا الرؤية الواضحة في ما هو دورهم الطبيعي العملي، فلا يعيشوا العقدة النفسية أمام النتائج السلبية التي قد تحدث لهم لأسباب خارجةٍ عن اختيارهم لعلاقتها بأوضاعٍ وظروف عامّة أو خاصّة بعيدةٍ عن أجواء الدعوة وأساليبها. ***** دور المرأة الاجتماعي والسياسي شرعية العمل السياسي والجهادي للمرأة ـــ هل الضعف سمة المرأة قرآنياً ـــ المرأة والاستقلال العقيدي ـــ المرأة في مستوى المثل للآخرين. 1 ـــ شرعية العمل السياسي والجهادي للمرأة: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ*وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 71 ـــ 72]. ***** معاني المفردات: {عَدْنٍ}: خلود. {وَرِضْوَانٌ}: الرضوان: الرضا الكثير. ***** هذه هي الصورة المشرقة للمسيرة الظافرة للمجتمع الموحّد المتضامن على قاعدة الإيمان بالله، من خلال ما يمثّله من قِيَمٍ ومبادئ وخطٍّ للحياة. {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ} إنّها ولاية الإيمان التي يشعر فيها كلّ واحدٍ منهم بالعلاقة الفكرية والروحية والعملية التي تربطه بالآخر، والتي تتحوّل إلى علاقةٍ وجدانيةٍ حميمةٍ تتعمّق في الفكر والروح والضمير والحياة، لأنّها لا تنطلق من نزوةٍ سريعةٍ أو حالةٍ طارئة، بل من قاعدةٍ ثابتةٍ أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها. وهكذا استطاع الإيمان في مضمونه أن يركّز المجتمع المؤمن، من النساء والرجال الذين حملوا مسؤولية العقيدة على أكتافهم، وتحمّلوا كلّ نتائجها على صعيد الواقع، بكلّ هدوء واطمئنان، وذلك ما يريد الله أن يثيره في أجواء المؤمنين والمؤمنات على مدى الزمن في ما يستقبلهم من أجواء وأوضاع. فقد ينبغي لهم أن يعيشوا مثل هذه الولاية القائمة على أساسٍ متينٍ من الخطّ المستقيم والهدف الواضح. ***** معالم المؤمن: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} من خلال ما يمثّله ذلك من خطّ الرسالات التي جاءت من أجل تغيير المجتمع على أساس هدى الله، في ما يريده لعباده من أجواء الهدى، {وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} التي هي معراج روح المؤمن إلى ربّه، ومظهر عبوديّته له وإسلامه له {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} التي هي الوجه الحيّ لحركة العطاء في روحه، وانطلاقة المسؤولية في وجدانه، وتأكيد التضحية في عمله، {وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ} في ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه، فلا يلتزمون بطاعة غيره، فلا طاعة إلاّ له، ولا خضوع لسواه، {أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ} في ما أخذوا به من أسباب الرحمة، من الإيمان بالله والطاعة لرسوله، والانسجام مع شريعته {إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} فلا ينتقص أحدٌ من عزّته وقوّته، ولا يصدر منه شيءٌ إلاّ عن حكمةٍ عميقةٍ، تضع كلّ شيء في موضعه. ***** جزاء الإيمان جنّة عدن: {وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ} وذلك في مقابل إيمانهم وعملهم الصالح، في ما يمثّله الثواب من جزاء ماديّ، ولكن هناك ثواباً رحيماً يفوق ذلك، ولا يفهمه إلاّ المؤمنون الذين يعيشون الآفاق الروحية للإيمان، فينعمون برضا الله أكثر ممّا ينعمون بجنّته. وقد يجدون الجنّة مظهراً لرضاه، قبل أن تكون موقعاً للنعيم، {وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ} لأنّه غاية كلّ مؤمن، ومصدر كلّ خير، لأنَّ الله إذا رضي عن عبده المؤمن، أعطاه كلّ شيء، ومنحه كلّ خير، {ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} الذي يشعر معه الإنسان بأنّه أقصى غايته، وأفضل أمانيه. ***** المرأة والرجل مسؤولية واحدة: وقد نلاحظ في هذا الحديث عن المنافقين والمنافقات، وعن المؤمنين والمؤمنات، اهتمام الإسلام بالمرأة، في الواقع السلبيّ والإيجابيّ في المجتمع، باعتبارها عنصراً مسؤولاً لا يتحمّل مسؤولية الانحراف في ما تفرضه من نتائج سلبية على مستوى قضية المصير، فالمرأة المنافقة كالرجل المنافق، تسيء إلى المسيرة، من خلال ما تأمر به من المنكر أو تنهى عنه من المعروف، أو تمتنع فيه من العطاء، أو تنسى معه الله، وتتحمّل غضب الله، من خلال ما يفرضه هذا الاتجاه من غضبه وسخطه، كما أنّ المرأة المؤمنة، كالرجل المؤمن، تحقّق للمجتمع النتائج الإيجابية في ما تأمر به من المعروف، أو تنهى عنه من المنكر أوتطيع به الله ورسوله، أو عندما تقوم بالصلاة وإيتاء الزكاة. وقد نستوحي من ذلك دعوة المرأة إلى أن تحمل مسؤولية ذلك كلّه، في انطلاقتها الحركية في الحياة، وإذا كان المعروف يشمل إقامة العدل، والنهي عن المنكر يشمل هدم الظلم، فإنّ ذلك يعني شرعيّة العمل السياسيّ والجهاديّ للمرأة، في ما تحتاجه الأُمّة من طاقاتها ونشاطاتها، وإن لم يجب عليها العمل المسلّح في حالات الحرب في الأوضاع الطبيعيّة. وبهذا يؤكّد الإسلام نظرته الإنسانية إلى دور المرأة في بناء المجتمع على أساس القاعدة الإسلامية التي أكّدها الله ورسوله في الكتاب والسُنّة، ويوجّه الأُمّة إلى الاستفادة من دورها في كلّ المجالات التي تستطيع فيها أن تقدّم خدمةً اجتماعية أو سياسية أو تربويّة أو عسكرية، وعدم الاقتصار على دورها الأنثوي، كأُم وكزوجة وكربّة بيت، فإنّنا في الوقت الذي لا نقّل فيه من هذا الدور المهمّ في حياتنا وحياة الأُمّة، فإنّنا لا نعتبره كلّ شيء، كما لا ننتقص من الأدوار الأخرى الفاعلة على جميع المستويات العامة والخاصة. ***** 2 ـــ هل الضعف سمة المرأة قرآنياً؟ {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ*أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ*وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ*أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} [الزخرف: 15 ـــ 18]. ***** معاني المفردات: {وَأَصْفَاكُم}: أخلصكم. {مَثَلاً}: المثل هو الشبه المجانس للشيء. {كَظِيمٌ}: مملوء كرباً وغيظاً. {يُنَشَّأُ}: يتربّى. {الْحِلْيَةِ}: زينة الأنثى. {الْخِصَامِ}: المخاصمة والمحاجة. هذه هي بعض الأفكار التي كان الجاهليون المتخلّفون يثيرونها في عقائدهم وتصوّراتهم عن الله، وفي منهجهم الذي يركّزون عليه انتماءهم العقيدي في حياتهم، مع الالتفات إلى الأفكار الرسالية التي تواجه ذلك كلّه. {وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءاً} أي ولداً باعتبار أنّ الولد جزءٌ منفصلٌ عن والده بطريقة التوالد المعروفة. {إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُّبِينٌ} فهو يكفر بالحقيقة الإلهية التي لا يمكن أن تقبل التجزُّؤ كي ينفصل جزءٌ من الله ليكون ولداً له، والحقيقة الإلهية تمثّل البساطة بكلّ معانيها والوحدة بكلّ أبعادها، والغنى بكلّ مجالاته، ولكن سيطرة التخلّف على العقل توحي له بتصوّرات لا أساس فكرياً لها عندما يقيس الله بخلقه وينسب إليه ما ينسب إليهم. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل نسبوا إلى الله البنات، فقالوا إنّ الملائكة بنات الله، بينما يرون للبنين قيمةً وميزةً وشرفاً لا يرونه للبنات، فكيف اتّفق لهم ـــ من خلال مفهوهم هذا ـــ الوصول بتفكيرهم إلى أن ينسبوا لله ما هو دون القيمة المثلى ـــ بقطع النظر عمّا إذا كان ذلك صحيحاً أو غير صحيح ـــ مع أنّ التصوّر الدقيق لله الذي يعتقدون ألوهيّته وسيطرته على الكون عبر خلقه له، وتدبير نظامه، يفرض أن يكون المثل الأعلى والقيمة الكبرى. {أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ} كما تقولون {وَأَصْفَاكُم بِالْبَنِينَ} فأخلصهم لكم في ما تريدونه لأنفسكم، فكيف اعتقدتم بأنّ لله البنات، وهو لديكم عيبٌ وعارٌ كما تشير إلى ذلك الآية التالية. ***** قيمة المرأة في الجاهلية: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلاً} في ما نسبه إليه من اعتبار الملائكة إناثاً {ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ} جرّاء ما يحسّ به من غمّ وهمّ وكرب بسبب القيمة المنحطّة للأنثى في نظره، فهي قد تجلب الذلّ والعار لوليّها في حياته في المستقبل فيتجمّع الغيظ في صدره، وهو غيظ لا يملكون ردّه في الواقع. {أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ} أي في الزينة التي تربّى الأنثى على اعتبارها القيمة التي تحملها في وعيها الفكري، فينحصر طموحها الذاتي في دائرة التزيّن وتحصيل الجمال الجسدي لا العقلي والروحي. {وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ} وهو بالتالي نتيجة استغراقه في الجمال الجسدي غير واضح الحُجّة، أو قويّ الموقف، لأنّه لا يملك الفكر القويّ الذي يمكنه من ذلك، فكيف ينسبون هذا المخلوق إلى الله في عقيدتهم؟! ***** وقد نتساءل: هل هذا الوصف القرآني للمرأة يمثّل تحديداً مفهومياً لشخصيّتها، بحيث يعتبرها إنساناً مستغرقاً في الزينة، في إيحاءاتها الرخيّة الناعمة المنفتحة على الجمال الجسدي بخشوعٍ وانبهار في مستوى الطموح، وكياناً يملك الضعف فلا يستطيع الدفاع عن نفسه.. أم أنّ هذا الوصف يمثّل تحديداً واقعياً لصورة المرأة من خلال التربية التي تتربّى عليها، لتعيش حياة تسيطر عليها عناصر الضعف بدلاً من عناصر القوّة؟! قد نستفيد من التعبير بكلمة {يُنَشَّأُ} بأنّ هذا الوصف متعلّق بالتنشئة والتربية والإعداد الذي تتلقّاه الأنثى، في الوقت الذي تملك فيه قابلية الأخذ بأسباب القوّة الفكرية والحركية. كما نلاحظه في ما حدَّثنا به القرآن من النماذج القويّة في مجمل الحياة الاجتماعية التي تضمّ {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} [الأحزاب: 35] وغير ذلك، وفي ما حدّثنا به عن امرأة فرعون ومريم ابنة عمران اللّتين ضربهما الله مثلاً للذين آمنوا من الرجال والنساء في قوّة الموقف، حيث تتجسّد حركية صفات الإيمان والصبر. داخل الشخصية وخارجها، بما تفرضه من معاناة وتمرّد على نقاط الضعف. هذا، مع ملاحظة أنّنا نعرف في التاريخ وفي الحاضر، كثيراً من النساء اللاتي يملكن القوّة في الجدل، والشدّة في الدفاع، والإرادة الحديديّة في مواجهة التحدّيات. ما يبعد الضعف عن أن يكون من لوازم شخصيّة المرأة، ويقرّبه من أن يكون من مقتضيات التربية التي تنمّي نقاط ضعفها الغريزية وتهمل تنمية نقاط القوّة فيها، في الوقت الذي لا ننكر فيه قوّة الجانب العاطفي فيها، ولكن لا بالمستوى الذي يلغي إمكانية التنمية الفكرية والعملية للجانب العقلاني لديها. وفي ضوء ذلك، يمكننا أن نفهم أنّ الآية توجّه النظر إلى الواقع الذي تعيشه المرأة، ما يخلق الانطباع السلبيّ عنها في نظر المجتمع ويثير التساؤل حول المبرّر لنسبة البنات إلى الله في ظلّ هذا المفهوم لديهم. ***** 3 ـــ المرأة والاستقلال العقيدي: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ*وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الممتحنة: 10 ـــ 11]. ***** يمكن أن نستوحيَ من هذه الآيات ما يمنحه الإسلام للمرأة من قيمةٍ كبيرةٍ في الاستقلال العقيدي، فليس لزوجها الحقّ في أن يفرض عليها عقيدته على أساس تبعيّتها له، بل هي إنسانٌ مستقلٌ يملك الفكر المستقلّ الذي يتحرّك في نطاق العقيدة، كما يملك الإرادة التي تؤكّد الموقف والانتماء. كما يوحي إلينا، من الناحية التاريخية، إلى أيّ مدى كانت المرأة مستقلةً في مستوى الإيمان الكبير، بحيث كانت تترك زوجها وأهلها وأولادها، فراراً بدينها، حتى لا تسقط تحت تأثير الضغوط القاسية التي يحاول الكافرون ممارستها ضدّها ليفتنوها عن دينها، فكانت تتحمّل الصعوبات الشديدة والسفر المجهد الطويل، حتى تصل إلى رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) لتجد الحماية عنده، كما تجد المُناخ الذي تستطيع أن تتنفّس فيه هواء الإسلام النقي. وكان الوحي واضحاً في تأكيده على المؤمنين الذين يمثّلون المجتمع الإسلامي بأن يحقِّقوا لهنَّ الحماية إذا عرفوا صدق إيمانهنّ، وثبات موقفهنَّ. وقد يكون في هذا بعض الإيحاء بحماية المرأة من كلّ ضغط يحاول استغلال ضعفها لإبعادها عن تفاصيل الالتزام الإسلاميّ، في ما يعمل له الخطّ الكافر أو الخطّ المنحرف من فرض السفور والخلاعة والانحراف عليها، أو من ممارسة القهر والعنف الجسدي والمعنوي ضدّها لتترك الالتزامات العبادية والأخلاقية. إنّ من الضروري على المجتمع المسلم دراسة الوسائل الكفيلة بمواجهة الضغوط الاجتماعية أو السياسية التي تبتعد بالمرأة المسلمة عن الانحراف، عندما تلجأ إلى الجماعة المسلمة لحمايتها من ذلك، لأنّ مسألة الحماية، في حالة الهجرة من بلاد الكفّار إلى بلاد الإسلام، لا تختصّ بهذا الجانب، بل إنّها تمثّل النموذج في مسألة الانحراف الذي يمكن أن يمتدّ معناه إلى التفاصيل، كما يتمثّل في المبدأ. ***** امتحان المؤمنات المهاجرات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} هذا نداءٌ للمؤمنين، باعتبارهم يمثّلون القوّة الضاغطة التي تملك أمر الحماية الواقعية بقيادة الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، ليواجهوا القوم الذين يأتون إلى المدينة للمطالبة بإرجاع هؤلاء النسوة إلى الكفّار، فلا يستطيعون إلى ذلك سبيلاً. {إِذَا جَاءكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ} معلناتٍ إيمانهنَّ على خطّ الإسلام وفرارهنَّ بدينهنَّ من ضغط الكفّار الذين يعملون لفتنتهنَّ عن ذلك، ولمنعهنَّ عن ممارسة الالتزامات الدينية، {فَامْتَحِنُوهُنَّ} لتتعرَّفوا طبيعة الموقف الحقيقي لهنَّ، إذا ما كان وليد بعض مشاكل شخصية في نطاق العلاقات الزوجية أو الأبوية، أو نحو ذلك ممّا قد يستسلمن فيه لانحرافاتٍ أخلاقيةٍ يخشين من نتائجها، أو لسرقةٍ ماليةٍ، أو لأوضاع نفسيةٍ قلقةٍ، أو أنّه وليد التزام ديني عميق لم يكن يملكن الامتداد فيه ولا الثبات عليه هناك، وكنَّ يُستحلفن "ما خرجت من بغض ولا رغبة عن أرض إلى أرض ولا التماس دنيا وما خرجت إلاّ حبّاً لله ولرسوله"(1). {اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ} فهو الذي يعرف عمق الفكرة الإيمانية لدى المؤمن، فلا يحتاج إلى اختباره وامتحانه من أجل المعرفة، بل إنّ المسألة هي إيكال أمر المعرفة إلى المجتمع المسلم ليحدّد موقفه على ذلك الأساس، في ما يريد أن يتحمّله من المسؤولية. وهكذا نلاحظ أنّ الله لم يجرِ الحركة الإسلامية في موقف المجتمع المسلم من الأحداث الخفيّة على أساس الغيب، في ما يوحي به إلى نبيّه، بل ترك الأمر للوسائل المألوفة للمعرفة، لأنّه يريد من المسلمين أن يعيشوا التجربة الحيّة، في ما يملكون من الوسائل العملية، {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} في ما يظهر من الدراسة التفصيلية لأوضاعهنَّ الواقعية، ولأفكارهنَّ الإيمانية، ولاعترافاتهنّ الإسلامية، ولإعلانهنَّ الاستعداد للسير على خطّ الاستقامة في العقيدة والعمل {فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ} فقد قطع الله العلاقة الزوجية بينهنَّ وبين الكافرين، سواء كانت العلاقة الزوجية سابقةً على الإيمان أو كانت لاحقةً له، في ما يريد الكافرون إجبارها عليها، لأنّ الكافر لا يجوز له الزواج من المسلمة، كما لا يجوز للمسلمة الزواج من الكافر أو المشرك، {وَآتُوهُم مَّا أَنفَقُوا} من المال الذي دفعوه مهراً لهنَّ، وذلك من أجل الحفاظ على طبيعة المعاهدة المعقودة بين المسلمين والكافرين التي تعمل على الإبقاء على الجوّ السلمي فيما بينهم، ما يجعل الامتناع عن إرجاع زوجات الكافرين المؤمنات، خاضعاً للتعويض المالي على الأزواج، ممّا يخفّف من سلبياتها النفسية من خلال النظرة المادية التي تحكم الذهنية الموجودة في ذلك المجتمع في علاقة الرجل بالمرأة. {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} لأنهنَّ يملكن الارتباط بعلاقة زوجيةٍ جديدة بعد انفساخ الزواج السابق بالإسلام، ضمن الشروط الشرعية المعتبرة، ومن بينها المهر الذي يدفعه المسلمون لهنَّ ضمن عقد الزواج. {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ} بالاستمرار على زوجيّتكم لهنَّ، إذا أسلمتم وبقين على الكفر، أو إذا كفرن بعد الإسلام، فإنَّ الله لا يحلّ للمسلم الزواج من كافرةٍ بمعنى الإلحاد أو الشرك، فإنَّ الظاهر من السياق إرادة ذلك من هذه الفقرة في الآية، فلا يشمل أهل الكتاب، لأنّ القرآن لا يستعمل هذا المصطلح في الحديث عنهم، مع ملاحظة أنّ إطلاق الكافرين عليهم ممكن من جهة الكفر برسالة الرسول، وقد عبَّر عن ذلك في سورة البيّنة في قوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة : 1]، ولكنّه أطلق ذلك مع ذكر كلمة "أهل الكتاب". وقد جاء في بعض الأحاديث المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) ما يوحي بشمولها لأهل الكتاب، ممّا جعلها ناسخةً للآية الكريمة التي تبيح نكاح أهل الكتاب، فقد جاء في الكافي بإسناده إلى زرارة عن أبي جعفر "محمّد الباقر عليه السلام" عن قول الله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} فقال: هذه منسوخة بقوله: {وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ}(1). ولكنّنا نلاحظ على هذا الحديث ما لاحظه العلماء، بأنّ النسخ غير واردٍ، لأنّ آية الممتحنة سابقة على آية المائدة نزولاً، فكيف يمكن للسابق أن ينسخ اللاحق، فلا بدّ من تأويل الحديث أو طرحه. {وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ} إذا لحقت المرأة بالكفّار، {وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا} من مهر نسائهم اللاتي هاجرن إلى المسلمين. {ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ} على أساس التوازن في المعاملة المتبادلة بالمثل. {وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فهو الذي يعلم صلاح عباده، يجري تشريعاته على أساس الحكمة في ما يأخذون به أو في ما يتركونه. {وَإِن فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِّنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ } أي إذا لحقت بعض زوجات المؤمنين بالكفار، ولم يتمكّن أزواجهن من استرجاع المهر، {فَعَاقَبْتُمْ} بأن نال الكفّار منكم عقوبة بالغلبة عليهم والحصول على الغنيمة منهم، {فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُم مِّثْلَ مَا أَنفَقُوا} من صلب الغنيمة عوضاً عمّا فاتهم من المهر الذي خسروه بذهاب زوجاتهم ممّا يضطرون معه للزواج من أخرى. وهناك وجوه أخرى لتفسير الآية لا مجال لذكرها، {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} في الوقوف عند حدوده في ذلك كلّه. ***** 4 ـــ المرأة في مستوى المَثل للآخرين: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ*وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ*وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} [التحريم: 10 ـــ 12]. ***** معاني المفردات: {فَخَانَتَاهُمَا}: الخيانة: قال الراغب: الخيانة والنفاق واحد، إلاّ أنّ الخيانة تقال اعتباراً بالعهد والأمانة، والنفاق يقال اعتباراً بالدين ثمّ يتداخلان، فالخيانة مخالفة الحقّ ينقض العهد في السرّ، ونقيض الخيانة: الأمانة، يقال: خنت فلاناً وخنت أمانة فلان(1). ***** في هذه الآيات نلتقي بالمرأة لتكون مثلاً حيّاً للخطّ السلبيّ والخطّ الإيجابيّ في سلوك الإنسان، الرجل والمرأة، فكانت المرأة الكافرة في نموذجين مثلاً للذين كفروا، وكانت المرأة المؤمنة في نموذجين، مثلاّ للذين آمنوا، لنأخذ من ذلك الفكرة الإسلامية التي تتحدّث عن المرأة من موقع القيمة التي تصلح عنواناً للضعف البشريّ، أو تكون وجهاً من وجوه القوّة الإنسانية، لتوحيَ بأنّ الضعف الأنثوي لا يمثّل الحتمية الخالدة في شخصية المرأة، بل يمكن لها أن تنمِّيَ عناصر القوّة في شخصيّتها، لتحصل على الشخصية القوية التي تكون قدوةً ومثلاً حيّاً إيجابياً للرجل والمرأة معاً، ما يلغي الفكرة التي تنظر إلى المرأة من موقع الضعف الذي لا مجال فيه لأيّة قوّةٍ. ***** امرأتا نوح ولوط مثلٌ للكافرين: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَاِمْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ} فكانتا زوجتين لنبيّين من أنبياء الله هما نوح ولوط، {فَخَانَتَاهُمَا} في موقفهما المضادّ للرسالة، حيث اتّبعتا قومهما في الكفر، ولم تنسجما مع طبيعة موقعهما الزوجيّ الذي يفرض عليهما أن تكونا من أوائل المؤمنين بالرسالة، لأنّهما تعرفان من استقامة زوجيهما وأمانتهما وصدقهما وجدّيتهما ما لا يعرفه الآخرون، فلا يبقى لهما أيّ عذرٍ في الانحراف عن خطّ الرسالة والرسول، ولكنّ المشكلة أنّهما كانتا غير جادّتين في مسألة الانتماء الإيمانيّ والالتزام العملي، فلم تنظرا إلى المسألة نظرةً مسوؤلةً، بل عاشتا الجوّ العصبي الذي يربطهما بتقاليد قومهما، فكانتا تفشيان أسرار النبيّين في ما قد يسيء إلى مصلحة الرسالة والرسول، وكانتا تبتعدان في سلوكهما عن منطق القِيَم الروحية الإيمانية لتبقيا مع منطق الوثنية، ما يجعل البيت الزوجيّ النبويّ يتحرّك في دائرة الجاهلية إلى جانب دائرة الإيمان، ولعلَّ ضلال ابن نوح كان خاضعاً لتأثير والدته، ويقال: إنّ امرأة لوط كانت تخبر قومها بالضيوف الذين يزورون زوجها، ليقوموا بالاعتداء عليهم، فكانت خيانتهما للموقف وللموقع. {فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} ولم تنفعهما صلتهما الزوجية بالنبيّين في إنقاذهما من المصير المحتوم، لأنّ المسؤولية لدى الله تبقى في النطاق الفردي الذي يتحمّل فيه كلّ إنسان مسؤولية عمله، من خير أو شرّ، فلا قيمة للعلاقات بالخيّرين إذا كان المتّصل بهم كافراً شرّيراً، كما لا قيمة للعلاقات بالأشرار إذا كان المتّصل بهم مؤمناً خيِّراً. وهكذا واجها الموقف الحاسم الذي يفرضه كفرهما وخيانتاهما العملية للنبيّين، {وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} لأنّ القاعدة التي فرضت دخولهم في النار هي التي تفرض دخولكما فيها. ***** امرأة فرعون ومريم مثلٌ للمؤمنين: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ} التي كانت في موقع السلطة العليا التي يملكها زوجها، فكانت في مقام الملكة لشعبها، وكانت الدنيا بكلّ زخارفها وزينتها وشهواتها ولذّاتها، تحت قدميها، ولكنّها رفضت ذلك كلّه عندما اكتشفت الإيمان بالله، وعاشت في خطّ العبودية له، وذاقت طعم مناجاته في حالة الخشوع الروحي والخضوع الجسدي في لحظات السجود الذي كان يرتفع بروحها إلى الدرجات العليا الروحانية في رحاب الله، فاحتقرت زوجها وملكه، وكلّ هؤلاء الخاضعين له، المتزلّفين له، اللاهثين وراء ماله وسلطانه، ليحصلوا على شيء منهما، ورأت نفسها غريبةً بينهم، لأنّها تعيش غربة الروح والفكر والشعور عن كلّ أوضاعهم وعاداتهم ومنطقهم الكافر، ونظرت إلى الدار الواسعة التي هي في رحابة القصور الملكية التي تحيط بها الجنائن النضرة وتجري الأنهار من تحتها، فشعرت بالاختناق الروحيّ فيها، فصرخت في ما يشبه الاستغاثة في خلوتها الروحية بين يديّ الله الذي كانت تراه بعين إيمانها القلبي، {إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ}، لأنّه البيت الذي أعيش فيه في جنّة رضوانك، وأُحسُّ فيه بسعادة الروح إلى جانب نعيم الجسد، فلا أحسّ بأيّ حزنٍ ممّا يحسّ به الناس في الدنيا، لأنّني لا أجد هناك أيّ حرمان يوحي بالألم أو بالحزن الداخلي، فهذا هو الحلم الكبير الذي أتطلَّع من خلاله إلى السعادة المطلقة، فأنا الإنسانة التي أشعر بالتعاسة القاسية، في ما يشعر به الناس بالسعادة التي تلتقي عندها أحلامهم، وأشعر بالسعادة في ما لا يبالي فيه الناس في أفكارهم. {وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ} في علوّه الاستكباري، وفي ظلمه للمستضعفين من الناس، وفي طغيانه على الحياة والحقيقة، وفي تمرّده على الله، فإنّي لا أُطيق الحياة معه، لأنّي أتصوّره كما يتصوّر الإنسان الوحش إذا أقبل عليه أو عاش معه. ولذا، فإنّ نجاتي منه هي حلم حياتي الكبير. {وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} الذين يمثّلون المجتمع الفرعوني الذين يزيّنون له طغيانه وجبروته، ويضخّمون له شخصيّته، ويدعمون ظلمه واستكباره، ليكونوا قاعدة الظلم الذي يمارسه في ما يشرّعون له من قوانين، وفي ما ينفّذونه من خططه ومشاريعه. وهكذا نجد في هذه المرأة المؤمنة التي عاشت في أعلى درجات السلم الاجتماعي، التي يضعف الأقوياء أمامها فيسقطون وتسقط معهم مبادئهم، المثال الحيّ للمرأة القوية التي تجمّعت فيها كلّ عناصر القوّة، من الروحية العالية، والإرادة الحديدية، والوعي العميق لكلّ خلفيات الواقع الفاسد الذي يحيط بها، لتعطيَ الدرس الكبير لكلّ الذين يتعلّلون في تبرير انحرافهم بالبيئة الفاسدة التي يعيشون فيها، فلا يملكون إلاّ الخضوع لضغوطها الشديدة، لتقول لهم بأنّهم لم يبلغوا في انحراف مجتمعهم ما بلغه مجتمعها الخاص والعام من خطورة الانحراف، ولم يعيشوا في قلب الإغراء كما عاشت فيه، ولكنّ الفرق بينهما وبينهم، أنّهم عاشوا الانبهار بالواقع المحيط بهم، عندما استغرقوا فيه، فسقطوا في أوحاله، أمّا هي فقد ارتفعت بروحها وعقلها عنه، وحدَّقت فيه تحديقة الإنسان الواعي الذي يريد أن يرى العمق الداخلي ليكتشف ما في داخله من أوساخ وأدران ونقاط ضعفٍ، ليتّخذ موقفه من خلال وعي العمق، لا من خلال سذاجة السطح. وبذلك استطاعت أن تتجاوز الضعف الأنثوي، لترتفع إلى درجة القوّة الإنسانية الإيمانية التي تتقدّم فيها على الرجال في إرادتها القوية وقرارها الحاسم، لتكون أمثولةً للرجال والنساء من المؤمنين، ليرتفعوا إلى مواقع السموّ التي بلغتها من خلال الوعي الإيماني في شخصيتها الإنسانية. {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا} في تعبيرٍ كنائيٍّ عن طهارتها وعفّتها التي استطاعت أن تحافظ عليها من خلال قوّتها الروحية الإيمانية، وأن تواجه قومها الذين أرادوا أن يتّهموها في أخلاقها، بكلّ قوّةٍ وصلابةٍ وشموخٍ فلم تضعف أمامهم، فاستمدّت القوّة من الله {فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا} فجلعناها وابنها آيةً للعالمين {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} التي أوحى بها إلى رسله كالتوراة والإنجيل، {وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} الذين خضعوا لله وأخلصوا له العمل، واستمرّوا عليه في الخطّ المستقيم. وهكذا بقيت هذه الإنسانة الطاهرة مثلاً لكلّ الناس في الطهر والإيمان والتصديق برسالات الله، والسير على خطّ طاعته، لتكون النموذج الأمثل الذي يعبّر عن قدرة المرأة التي تعيش القرب من الله، أن تنتصر على كلّ نوازع الضعف التي توحي لها بالانحراف، فتتمرّد عليها بالإيمان الخالص والإرادة القويّة، ليقتديَ بها الرجال والنساء، من المؤمنين والمؤمنات في كلّ زمانٍ ومكان. السلم والسلام الدخول في السلم: المعاني والإيحاءات ـــ أجواء السلم مع المشركين ـــ النّهي عن الدعوة إلى السلم. 1 ـــ الدخول في السلم: المعاني والإيحاءات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ*فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 208 ـــ 209] ***** معاني المفردات: {كَآفَّةً}: جميعاً، واشتقاقه في اللغة ممّا يكف الشيء في آخره. ومن ذلك: كفّة القميص لحاشيته، لأنّها تمنعه من أن ينتشر، وكلّ شيء جمعته فقد كففته. {زَلَلْتُمْ}: تنحيتم عن القصد وعدلتم عن الطريق القويم. والزلّة في الأصل: استرسال الرّجل من غير قصد، وقيل للذنب من غير قصد: زلّة، تشبيهاً بزلّة الرّجل. ***** في هذه الآيات دعوة للمؤمنين بأن يدخلوا في الجوّ الإيماني الذي يحفظ لهم في الحياة الوحدة التي لا خلاف فيها، فلا نزاع ولا خصام على أساس من تعاليم الإسلام وتوجيهاته ومفاهيمه وأحكامه. ولكن كيف نستفيد ذلك منها؟! هذا ما نحاول أن نعرضه ونستوحيه بتفصيل. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً} فإنَّ الإيمان يفرض على صاحبه الالتزام بالخطّ الإلهيّ الذي رسمه الله في دينه، في مناهجه وشرائعه. وقد انطلقت الكلمات المفسّرة في تحديد معنى كلمة "السِّلْمِ" بين ثلاثة اتّجاهات، فقد فسّرها الكثيرون بالإسلام، وفسّرها البعض بالصلح أو ترك المنازعة والخلاف، وفسّرها آخرون بالطاعة التي تختزن معنى الاستسلام، ويقصد بها استسلام الإنسان لربّه بطاعته له وانقياده لأوامره ونواهيه، بحيث يبتعد عن الاستغراق في ذاته، باستغراقه بالخضوع لربّه، وهذا ما يؤدّي إلى السلام مع نفسه ومع ربّه ومع الناس ومع الطبيعة والحياة كلّها. وبذلك اختلف مفهومهم لكلمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، لأنّ التفسير الأوّل لكلمة السلم يخلق مشكلة بيانية؛ فإذا كانوا مؤمنين، فكيف يطلب منهم أن يدخلوا في الإسلام؟! فحاول بعضهم أن يفسّر {الَّذِينَ آمَنُواْ}، بمن آمن قولاً لا عقيدةً وهم المنافقون، وبذلك تكون الدعوة في الآية إلى الالتزام العملي بالإسلام والإيمان به. وذكر الطبرسي في تفسيره أنَّ المراد به: دوموا في ما دخلتم فيه كقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ}(1) [النساء: 136]. وحاول البعض أن يفسّره بأهل الكتاب، فتكون دعوة إلى دخولهم في الإسلام. ولكنّنا لا نجد في جوّ الآية ما يوحي بأيٍّ من المعنيين، بل ربّما نلاحظ في استعراضنا للآيات التي استعملت فيها كلمة السلم، أنَّ الأقرب إلى الجوّ هو المعنى الثاني. كما نلاحظ على التفسيرين لكلمة {الَّذِينَ آمَنُواْ}، أنَّ الظاهر من الآية الكريمة: {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14] هو إرادة الإيمان الذي يطابق فيه القول الفعل، فكيف نحمل الكلمة على خلاف ذلك؟ أمّا حملها على أهل الكتاب، فيتنافى مع المصطلح القرآني الذي جعل كلمة {الَّذِينَ آمَنُواْ} مقابلة لأهل الكتاب والمشركين، كما توحي به الآية الكريمة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى} [الحج: 17] وفي ضوء ذلك، لا نجد هناك وجهاً يبرّر إرادة معنى الإسلام من كلمة {السِّلْمِ}، ما يعني عودة المشكلة البيانية من جديد، كما أنَّ حمل كلمة الدخول على الدوام في ما دخلتم فيه خلاف الظاهر من دون قرينة. وفي هذا الجوّ، يمكننا أن نؤكّد ثانياً إرادة المعنى الثاني، لأنَّ ذلك ما نفهمه من كلمة "السِّلْمِ" التي تعني الوفاق الاجتماعي الذي يبتعد عن جوّ الصراع والخلاف والقتال، فكأنَّ الآية تدعو إلى الدخول في أجواء السلم التي تلتقي بالوقوف على الخطّ الواحد الذي تجتمع عليه الأُمّة بعيداً عمّا يفرّقها ويوزّعها أشتاتاً متنازعة مختلفة، تماماً كما هو جوّ الآية الكريمة: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103]. ثمّ نلاحظ التركيز في أكثر من آية من آيات القرآن على التحدّث عن الأمم السابقة التي جاءها العلم، ولكنّها اختلفت فيما بينها فضلّت وأضلّت، كما في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} [الأنعام: 159] وقوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105] وغيرهما من الآيات التي توحي بالخطّ القرآني الذي يؤكّد على عدم الخلاف بين أبناء الأُمّة الواحدة في قضايا دينها وحياتها، ويعمل على أن يجعل من بني إسرائيل النموذج الحيّ الذي دمّرته الفرقة الخاضعة لأهواء التيّارات الذاتية والفئوية المدمّرة؛ وذلك من أجل الحفاظ على سلامة المجتمع الذي يبني له السّلم حياته في سائر جوانبها العامة والخاصة، وهذا ما يدفعنا إلى استيحاء هذا المعنى من الكلمة في نطاق الجوّ القرآني العام. فإذا أضفنا إلى ذلك انسجامه مع استعمال كلمة السّلم في الآيات القرآنية في هذا المعنى، أمكننا أن نقترب من الاطمئنان للفكرة، وذلك كما في قوله تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمّد: 35]. ومن خلال ذلك نستوحي انطلاق الآية في هذا الاتجاه الذي هو الشرط الأساسي لسلامة استمرار الخطّ الإسلامي في الحياة. فعلى المؤمنين أن يعيشوا في أجواء السّلم في علاقاتهم ببعضهم البعض، في المجالات الفكرية والاجتماعية والاقتصادية، فلا يفسحوا المجال للخصومة والنزاع أن يحكما حياتهم، لا سيّما الخلافات المذهبية في داخل الدِّين الواحد، فإنّها تفرّق الناس، وتجعل من كلّ فئة من الفئات قوّةً تخاصم الفئة الأخرى؛ فيؤدّي ذلك إلى ضعف الدِّين، لأنّ كلّ طاقة دينية تضرب طاقة دينية أخرى، تساهم في النتيجة في إهدار الطاقات الدينية لمصلحة القضايا الشخصية. ولعلّ من الطبيعي أن يكون الاتجاه إلى السلم مرتبطاً بالانسجام مع المفاهيم الإسلامية التي تحكم حياة الناس، وذلك من خلال الأساس الفكري الذي يجمعها ويوحّد خطاها ويشعرها بأنّها تلتقي عنده. وفي هذا النطاق، يمكننا أن نستوحيَ من الدخول في السّلم الالتقاء على خطّ الإسلام الواحد، لا كمفهوم من الكلمة، بل كنتيجة للمفهوم المرتكز على الوفاق؛ فإنَّ السّلم الذي يقوم على المجاملة والعاطفة، وينطلق من إخفاء العقد الذاتية، ومن الهروب بعيداً عن المشكلة، لا يمكن أن يثبت أمام التجربة، ويصمد أمام الرياح والعواصف. وهكذا يفهم الإسلام قصّة السلم في الواقع، وذلك في نطاق الوحدة الفكرية والشعورية التي تتحرّك نحو الوحدة العملية الواقعية. وربَّما كان ابتداء الآية بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ}، إيحاءً بذلك، لأنَّ الإيمان يوحي للمؤمنين بوحدة المنطلق والطريق والهدف؛ الأمر الذي يربط الوحدة بالجذور العميقة للانتماء، ويبعدها عن الارتماء في أحضان الكلمات السطحية الغارقة بالضباب، فيفجّر كلّ الأشياء في الداخل، لتتحوّل إلى الهواء الطلق والنور الباهر. والمراد بكلمة "كآفَّةً" جميعاً، بمعنى أن لا يبتعد أيّ واحدٍ منهم عن الدخول في هذا العنوان الكبير. وهناك احتمال بأنَّ المقصود به ادخلوا في السّلم كلّه، أي في جميع شرائع الإسلام، ولا تتركوا بعضه. ويؤيّد هذا القول ما روي أنَّ قوماً من اليهود أسلموا وسألوا النبيّ أن يبقيَ عليهم تحريم السبت وتحريم لحم الإبل، فأمرهم أن يلتزموا جميع أحكام الإسلام ـــ كما جاء في مجمع البيان(1) ـــ. ولكن هذا خلاف الظاهر، كما ذكرناه من استبعاد إرادة الإسلام من كلمة "السِّلْمِ" أوّلاً، وثانياً لأنَّ كلمة "كآفَّةً" لا تستعمل، غالباً، إلاّ في موقع الكلمة الدالّة على الجمع لفظاً ومعنىً، مع أنَّ كلمة "السِّلْمِ" ظاهرة في المفرد، وتقدير كلمة الأحكام خلاف الظاهر. ***** خطوات الشيطان تصادر خطوات السَّلام: {وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} فإنّه يبعد المؤمن عن خطّ إيمانه بالاستغراق في أجواء اللّهو والغفلة، فيتجمّد إيمانه في داخل ذاته بعيداً عن حركة الحياة من حوله، ليجعل كلّ الخطوات متحرّكة في طريقه السائر نحو الضلال والكفر والانحراف. وذلك بما يثيره في النفس من وساوس الشرّ، ونوازع الشكّ، وعوامل الانحراف؛ فيفقده وعي الإيمان، فيرى الحقّ باطلاً والباطل حقّاً، وتضطرب مقاييسه عندما يختلف لديه ميزان الرؤية للأشياء. ولعلّ من بين هذه النتائج السلبية لذلك، هو ما نواجهه من حرب المؤمن للمؤمن باسم الإيمان، بتسويل الشيطان له بأنّه يحارب الانحراف لدى المؤمن، ولكنَّه لو دقَّق النظر، لاكتشف أنّه يعاديه على أساس مزاجه الشخصي وهواه الذاتيّ. وربّما كان من مظاهر ذلك ما نواجهه من إثارة الخلافات المذهبية والطائفية بين المسلمين، بالمستوى الذي يؤدّي إلى التخاصم والتنازع في المجالات العامة، بحُجّة الدفاع عن الحقّ، في ما يوحيه الشيطان للمعتدي، بينما تكون الساحة مثاراً لخطط كافرة جهنميّة تتحرّك من مواقع الاستعمار تارّة، وقواعد الكفر أخرى، ما يجعل من إثارة هذا الجوّ أساساً لتنفيذ كلّ مخطّطاته القريبة والبعيدة من دون شعور وانتباه؛ تماماً ككثير من كلمات الحقّ التي يقصد بها الباطل أو تتحرّك في خدمته. وفي ضوء ذلك، كان التأكيد الدائم من الله في آياته على مراعاة الدقّة في التعامل مع الشيطان في كلّ خطواته، لأنّه يسلك أخفى الطرق وأدقّ الوسائل في النفاذ إلى وعي الإنسان وفكره، بحيث يتركه ضائعاً بين طريق الحقّ والباطل لتشابه المعالم والملامح بين الطريقين. وهذا ما نجده في بعض الآيات الكريمة كقوله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} [الإسراء: 53]. فقد كان التأكيد على القول الأحسن منطلقاً من استغلال الشيطان لكلّ الثغرات الموجودة في جوّ الكلمة غير المدروسة ومدلولها وحروفها، ممّا يمكن أن يثير بعض المشاعر والأحاسيس الذاتية المعقّدة التي يمكن أن يتفاداها الإنسان بلباقة، باستعمال كلمة أخرى تؤدّي الفكرة نفسها بعيداً عن كثير من السلبيات بأسلوب أفضل وجوٍّ أحسن. {إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ} فهو لا يريد لكم الخير في وساوسه وتسويلاته وتزيينه، بل يريد لكم الشرّ من خلال استغلال نقاط الضعف الكامنة في شخصيّاتكم، ليستثير غرائزها في اتجاه الانحراف، وأحلامها في الخطوط البعيدة عن الواقع، سواء كان ذلك من الناحية الفكرية، أو من الناحية العملية، فيصوّر لكم الباطل بصورة الحقّ لتتبعوه، ويصوّر الحقّ بصورة الباطل لتتركوه، لأنّه يحسن تجميل الصورة القبيحة ببعض وسائله، كما يتقن تقبيح الصورة الجميلة ببعض ألاعبيه. وهذا هو العنوان القرآني العام في كلّ حديث له عن الشيطان، كما في هذه الآية: وربّما كان التعبير بــ {خُطُوَاتِ الْشَّيْطَانِ} يختزن في مضمونه الإيحاء ـــ ولو من بعيد ـــ بالتدريجيّة في طريقة الشيطان في أساليبه الخدّاعة المغرية، بحيث يتحرّك مع الإنسان خطوة خطوة، ليؤدّيَ به إلى الهلاك في نهاية المطاف، إذ إنَّ الإنسان إذا استغرق في الاندفاع في الطريق بالخطوة الأولى، فإنّها تجتذب الخطوة الثانية والثالثة إلى نهاية الطريق، ما يفرض على الإنسان أن يعيَ الخطّة الشيطانية منذ البداية عندما يبدأ حركته في الطريق، فإنَّ الوعي في نقطة الانطلاق هو الذي يحمي الإنسان من نقطة النهاية، لأنَّ الوعي في الحركة الأولى يجتذب وعي الحركة في آخر الطريق. وفي آية أخرى: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 6]. فقد نجد في هذا التركيز على العداوة إشارة إلى طبيعة الحاجز النفسي الذي يجب أن يعيشه الإنسان في كيانه ضدّ كلّ إيحاءات الشيطان، ليثير من خلاله الريبة والشكّ وعدم الثقة، من موقع العداوة المتأصّلة، ليفكّر طويلاً قبل أن يستسلم لأيّة كلمة أو فكرة أو حركة مهما كانت ظاهرة الصدق والبساطة والإيمان، ليكتشف طبيعة الزيف أو الإخلاص في داخلها تبعاً لوعي الفكر وذكاء الشعور، ليرفض أو يؤيّد من موقع المعاناة والتأمُّل العميقين. وجاءت هذه الفقرة في هذه الآية {وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} لتوجّه الإنسان إلى دراسة الطريق جيّداً في كلّ خطواته، لا سيّما إذا كان الجوّ جوّ الدعوة إلى السلام؛ فإنَّ الشيطان يعرف كيف يسخّر الخطوات الساذجة لتسير في الاتجاه الذي يريده، من أجل تخريب خطوات السلام وإضاعتها في مهبّ الرياح الذاتية والحزبية والعصبية، وغير ذلك من الأمور التي تفرّق الناس وتشتِّتهم شِيَعاً وأحزاباً بمختلف الأسماء والألوان والأشكال، كما ألمحنا إليه في بداية الحديث، الأمر الذي يدفعنا إلى أن نحدّد الخطّ الفاصل بين أهداف الشيطان وأهداف الرحمن، لنكتشف طبيعة الخطوات من خلال اكتشاف طبيعة الأهداف ـــ وقد تحدّثنا بعض الحديث عن هذه الفقرة في ما تقدّم من أحاديث هذا التفسير في آيةٍ سابقة ـــ. {فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ} فليس الزلل، عند انسجامكم في خطوات الشيطان، ناشئاً من جهل أو عدم وضوح في الرؤية؛ فقد قامت الحُجّة عليكم من الله في ما أقامه أمامكم من بيِّنات ودلائل، بما منحكم من عقول، وبما أرسله إليكم من رسالات. وبذلك كان الخطاب إليهم بأنَّ عليهم مواجهة الحقيقة الحاسمة، وهي {أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ} لا يستطيعون الانتقاص من عزّته مهما عملوا وانحرفوا، {حَكِيمٌ} لم يترك الأمور لتسير في أجواء العبث والفوضى؛ بل جعل لكلّ شيء ـــ ثواباً كان أو عقاباً ـــ حدّاً لا يتجاوزه في ما يفعل أو يدع. ***** 2 ـــ أجواء السلم مع المشركين: {بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ*فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} [التوبة: 1 ـــ 2]. ***** معاني المفردات: {بَرَاءةٌ}: إعذار وإنذار. {فَسِيحُواْ}: السيح: السير على مهل. {مُعْجِزِي اللّهِ}: جعل الله عاجزاً غير قادر. {مُخْزِي}: خزي الرجل، لحقه انكسار إمّا من نفسه وإمّا من غيره. وهنا الخزي من الله. ***** لقد عاش المشركون في أجواء السّلم مع المسلمين مدّة من الزمن، بعد حروب طويلةٍ بينهم، على أساس العهد الذي عقدوه مع الرسول (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) بأن لا يعرض لهم بسوء، ولا يعرضوا له وللمسلمين بسوء، وأن يأخذوا حريّتهم في حجّ بيت الله، وفي كلّ المجالات العامّة والخاصّة التي تفرضها طبيعة حياتهم وأوضاعهم، في ما يتعلّق بعبادتهم ومعاملاتهم وارتباطاتهم بالأحلاف والمواثيق مع الآخرين، تماماً كما لو لم يكن الشرك مشكلةً للفكر وللحياة. ومرَّت الأيام، وانطلق الإسلام يفرض نفسه الجزيرة العربية في انطلاقته الروحية والفكرية والعملية، في دعوته إلى عبادة الله الواحد، وفي انطلاقته في تنظيم الحياة في قضاياها الكبيرة والصغيرة، في ما يتّصل بالحياة الفردية والاجتماعية، وبدأ الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، من خلال الوعي والقناعة والإيمان، ولم يرتح المشركون لهذا الواقع، ولكنّهم لم يواجهوه مواجهةً مباشرةً، لأنّهم لا يملكون القدرة على ذلك، فكانت الدسائس التي تكيد للإسلام والمسلمين، من خلال ما كان يظهر من خيانةٍ أو من مشاريع مستقبليّةٍ للخيانة، وكانوا يخفون بعضاً من ذلك، يتهامسون به ويتناجون، وكانوا يظهرون بغضهم عند أوّل بادرة ضعفٍ يلمحونها هنا وهناك في حركة الإسلام والمسلمين، وكان النبيّ يراقب ذلك من قريب أو من بعيد، وكان المسلمون يرصدون ذلك ويلاحظونه، وكانوا يتألّمون من ذلك ويبصرون ويتحرّجون من مواجهتهم بالعنف، لأنّهم لا يزالون في عهدٍ معهم، والله لا يريد للمؤمنين أن ينقضوا عهودهم. وربّما كانت الفكرة التي أوحت بتلك العهود التي أعطاها المسلمون لهم ممّا أوجب الله عليهم الوفاء به، هي أنّ الله أراد لهم أن ينفتحوا على الإسلام من خلال أجواء الحريّة التي يأوون إلى كنفها، ويستريحون إلى ظلّها في دعةٍ واطمئنان، بعيداً عن أيِّ ضغطٍ نفسيٍّ أو أمني، ليفكّروا في قضية الإيمان من موقع الحريّة الفكريّة إذا أرادوا أن يحصلوا على القناعة من خلال الفكر، وكان الإسلام واثقاً من النتيجة الحاسمة في حركة الإيمان في الداخل من خلال ذلك، لأنّ بيِّناته واضحة، وحججه ثابتة، كلّ ذلك قائم على أساس العقل وما تقود إليه الفطرة، ولكنّهم لم يزدادوا إلاّ طغياناً وتمرّداً وكيداً للإسلام والمسلمين، لأنّ الشرك لم ينطلق لديهم من حالةٍ فكريةٍ عقلانية، يخضعون فيها لشبهةٍ في العقيدة أو مشكلة في الفكر، بل كان منطلقاً من عقدة جهلٍ، وحالة تخلّفٍ، ونزعة كبرياء، توحي لهم بالامتداد في الكفر والغيّ والضلال. وبذلك لم تكن القضية مرتبطة بمسألة الحرية في الإيمان أو الكفر، بل بالعقدة المرضيّة التي يرفضون من خلالها الحوار والتفكير، ويمتنعون عن تحريك أدوات المعرفة التي منحهم الله إيّاها، في طريق الوصول إلى حقيقة المعرفة. وهكذا أراد الله لهذا الجوّ الهادئ الذي ينعمون به، ولتلك الحرية التي ينطلقون معها، ولهذا الاسترخاء الأمني الذي يعيشون فيه، أن ينتهيَ بإنهاء العهود التي تحقّق لهم ذلك كلّه، ليبدأ هناك عهد جديد للإسلام، الذي انطلقت عقيدته من قاعدة التوحيد، فلا يبقى معها للشرك موضع في أيّ مكان يتحرّك فيه الإسلام، ولا مجال بعد ذلك إلاّ له، وإلاّ فالمواجهة الحاسمة في ساحة القتال، فكانت هذه البراءة، التي توحي بالانفصال التام، فلا مجال لأيّ لقاءٍ أو رعايةٍ أو عناية أو عهد، ولا موقع لأيّة مسالمةٍ، بل هو البعد الفاصل الذي يطردهم عن ساحة أمن الله ورسوله، ويدفعهم إلى الوقوف وجهاً لوجه في ساحة الخطر، فكما لا مكان للّقاء بين التوحيد كمبدأ، والشرك كعقيدة، لأنّهما متضادان يطرد أحدهما الآخر، فلا مكان للسّلم بين المؤمنين والمشركين، لأنّ مواقفهما مختلفة في التوجّهات والأهداف. ***** براءة من الله ورسوله: {بَرَاءةٌ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ} لأنّهما الأساس في التشريع والحكم والولاية، في ما يتحرّك به الناس، أو يقفون عنده، فالله هو الذي يوحي ويشرّع، والنبيّ هو الذي يخطّط من خلال ذلك سياسته ودعوته وينفذ، فكان لا بدّ للمسلمين في براءتهم من المشركين ومن عهودهم، من أساس ينطلقون منه، فكانت هذه البراءة الصادرة من الله ورسوله الموجّهة إلى المسلمين، في ما تشتمل عليه من الإنذار الحاسم {إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ} بإنهاء العهود المعقودة بينهم وبين المسلمين. ولكنّ الله أعطاهم مُهلةً للتفكير في الأمر في ما يريدون أن يختاروه من الإيمان بالإسلام والسير على هداه الذي يكفل لهم الأمن في الدنيا والآخرة، أو البقاء على الشرك الذي يقودهم إلى الهلاك في الدارين معاً، فلم يأمر بمعاجلتهم بالمواجهة، بل أبقى لهم الأمن وحريّة الحركة في أيّ مكان يذهبون إليه، ليعرّفهم بأنّ ذلك لم ينطلق من عقدةٍ تبحث عن التنفيس، بل من خطّةٍ تتحرّك في اتجاه العدل {فَسِيحُواْ فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} وكلمة السياحة تمثّل حريّة التحرّك في الانطلاق بعيداً عن مواقع الخطر بالسفر إلى بلادٍ لا سلطة للإسلام فيها، أو البقاء في أماكنهم ليتدبّروا أمرهم في ما يقرّرونه من قرارٍ، أو يتّخذونه من موقف {وَاعْلَمُواْ أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللّهِ} فإنّ الله لا يعجزه أحدٌ في ملكه، فلا تفكّروا بأنّ الفرار من مواقع الخطر، يمكن أن يحقّق لكم الأمن من عذاب الله ويبعدكم عن ساحة قدرته، فإنّ الله قادرٌ على أن يسلّط عباده المؤمنين عليكم في الدنيا، وأن يذيقكم عذاب الخزي في الآخرة إذا أصررتم على الشرك {وَأَنَّ اللّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ} في الدنيا والآخرة. وقد اختلفت كلمات المفسّرين في هذه الأربعة أشهر من أين تبدأ، هل هي من يوم الحجّ الأكبر أو هي من يوم العشرين من ذي القعدة، أو من أوّل شوّال، لأنّ الآيات نزلت فيها؟ والأقرب إلى جوّ الآية، هو القول الآوّل، لأنّ يوم الحجّ الأكبر هو يوم الإبلاغ والإيذان، فكان من الأنسب أن تبدأ المهلة منه لتتناسب مع التوسعة وإتمام الحُجّة، ومن المعروف أنّ يوم النحر هو يوم الحجّ الأكبر، ما يجعل بدايتها من العاشر من ذي الحُجّة ونهايتها في العاشر من ربيع الثاني، والله العالم. ***** 3 ـــ النّهي عن الدعوة إلى السّلم: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} [محمّد: 35]. ***** معاني المفردات: {تَهِنُوا}: من الوهن، بمعنى الضعف والفتور. {يَتِرَكُمْ}: يقال: وتره يتره وتراً: إذا نقصه. ***** {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ} انطلاقاً من ضعف الإرادة واهتزاز الموقف والخوف من الموت، لتقفوا أمام دعوة الرسول للجهاد موقف الخائف المتخاذل المهزوم نفسياً، الذي يعيش روحية الهزيمة وينهزم قبل دخول المعركة، لتدعوا إلى السلام دون امتلاك قاعدةٍ للقوّة في شروطه ومواقعه وحركته، ممّا لا بدّ من دراسته على أساس المصلحة الإسلامية العليا، على مستوى الحاضر والمستقبل، في ما يمكن أن يحقّق للمسلمين من القوّة في مواقعهم، أو في مواقع الآخرين، لأنّ مسألة الحرب والسلم، ليست من المسائل التي يستغرق الإنسان فيها ليدخل في تفاصيلها المأساوية أو غير المأساوية، بل هي من المسائل التي تحدّد ميزان القوّة في الساحة العامة، في تأثيراتها الإيجابية أو السلبية على الواقع كلّه، ما يفرض على أصحاب القرار من القياديّين، ان يدرسوا الموقف من جميع جوانبه، على أساس الظروف الموضوعية المحيطة به، كما يفرض على الناس الذين هم في القاعدة، أن يلتزموا بالقرار على هذا الأساس، لئلّا يربكوا خطط القيادة المتحرّكة نحو النصر. وهذا ما استهدفته الآية من نهي المؤمنين عن الضعف الذي يسقط الإنسان معه أمام مظاهر المأساة ونوازع الذّات، ويجعله يدعو إلى السّلم، في الوقت الذي لا مصلحة فيه للإسلام والمسلمين، لأنّه يعني الهزيمة في تلك المرحلة أمام العوامل العاطفية والانفعالية التي تترك تأثيرها على الموقف. {وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ} في موقع القوّة على صعيد الخطّ وعلى صعيد الواقع، { وَاللَّهُ مَعَكُمْ} فلستم وحدكم في الساحة، بل تملكون نصرة الله الذي يملك القوّة كلّها، كما يملك أصحاب القوّة في حياتهم العامة، ومن كان الله معه، فلا يخاف أحداً، فانطلقوا بهذه الروحية المؤمنة العالية دون خوفٍ أو اهتزاز، والتزموا بخطّ الله في كلّ شيء، واعتمدوا عليه، فسيحميكم من كلّ سوء، {وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ} أي لن ينقصها، ولن يقطع منها شيئاً، بل يوفّي أجرها كاملاً غير منقوص. ***** الشخصية الإسلامية والرسالية ملامح الشخصية الإسلامية ـــ من الملامح الأساسية في الشخصية الإسلامية ـــ من معالم الشخصية الإسلامية ـــ تكامل الشخصية الإنسانية الإسلامية ـــ تركيز أصالة العمل في الشخصية الإسلامية. 1 ـــ ملامح الشخصية الإسلامية: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً*وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً*وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً*إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً*وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً*وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً*يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً*إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً*وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً*وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً*وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً*وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً*أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً*خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} [الفرقان: 63 ـــ 76]. ***** {هَوْناً}: الهون ـــ على ما ذكره الراغب ـــ هو تذلّل الإنسان في نفسه لما لا يلحق به غضاضة(1). وذكر البعض، أنّه الرفق واللّين. وجاء عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): "هو الرجل يمشي بسجيّته التي جُبل عليها لا يتكلّف ولا يتبختر"(1). {يُسْرِفُوا}: الإسراف: مجاورة الحدّ. {يَقْتُرُوا}: التقتير: التضييق. {قَوَاماً}: القوام: الوسط العدل بين الإنفاق والتّقتير. {مَتَاباً}: مرجعاً حسناً. {قُرَّةَ أَعْيُنٍ}: السرور، لأنّ العين تستقرّ عنده. {الْغُرْفَةَ}: كناية عن الدرجة الرفيعة، والغرفة ـــ لغة ـــ: البناء فوق البناء، ما يجعلها تختزن معنى العلوّ في مفهومها. ***** ما هي الصورة التي يريد الله لعباده أن يتمثّلوها في سلوكهم العملي في الحياة وفي أنفسهم، وعلاقاتهم بالله والآخرين؟ ومن هم هؤلاء الذين اختصّهم الله بانتسابهم إليه في كلمة {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} وجعلهم من المقرّبين إليه، ووعدهم بجنّته في الدار الآخرة؟ إنّ هذا الفصل الأخير من السورة يلخّص لنا بعضاً من هذه الصفات التي تتنوّع في مواقعها من حياة الإنسان وحركته العملية في كافّة جوانبها الروحية والمادية، وتكسبه ألواناً من الحركة في مواجهة الواقع. ***** عباد الرحمن: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ} بما تعنيه الصفة الإلهية من معنى الرحمة التي تمثّل عمق المعنى في ذاته المقدّسة، وما توحي به من لطف الله بالإنسان في روحيّته وفي حركة حياته ووعيه لوجوده وفي عمق المسؤولية التي تربطه بالله، وتجعله يتطلّع إلى آفاق الرحمة الإلهية آملاً أن تحتويه بالخير والبركة والتوازن والانضباط في السلوك العملي بين يديّ الله. {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً} فلا يرون المشي حركةً استعراضيّةً، ولا تنفيساً عن عقدةٍ ذاتيةٍ في انفتاح الذات على شعور العظمة، على طريقة الخلاء والتكبّر، ولكنّهم يرونه مجرّد وسيلةٍ طبيعيّةٍ للانتقال، ولذا فإنّهم يتحرّكون فيها بالطريقة الطبيعية التي تحقّق الهدف، من دون زيادةٍ ولا نقصان، فلا يثقلون الأرض بضربات أقدامهم، ولا يثقلون على أجسادهم بالزهو والخيلاء، ولا يسيئون إلى مشاعر الناس الذين يلتقونهم بحركات الكبرياء، بل يتحرّكون برفق وتواضع، في تذلّل المؤمن عند نفسه، وتواضعه للناس. {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً} فهم لا ينطلقون مع الناس الذين يثيرونهم بالكلام القاسي اللامسؤول، من مواقع ردّة الفعل الغريزية التي تتحرّك بطريقة الإثارة، في مواجهة الكلمة القاسية الغليظة بالكلمة المماثلة في قسوتها وغلظتها، أو في مقابلة الشتم والسباب، بكلمات الشتم والسباب المماثل أو غير المماثل، بل يدرسون المسألة من موقع العقل المتأمّل الواعي المنفتح على الواقع من جميع جوانبه، فإذا رأوا للموقف خطورةً تستدعي الردّ، كان ردّهم لطيفاً حاسماً، وإذا لاحظوا أنّ الجاهلين يتحرّكون ـــ في كلامهم ـــ من مواقع الجهل الذي يتعمّد الإثارة، ليخلق مشكلة، أو يثير فتنةً، أعرضوا عن الردّ المباشر وكانت روح السلام الذي يتفادى المشكلة والفتنة والإثارة، هي موقفهم ومنطقهم، فاكتفوا بكلمة {سَلَاماً} هذا الردّ العاقل المتّزن الموحي الذي يقول للجاهلين لسنا هنا في معرض الانفعال للدخول معكم في حرب، بل نحن هنا، في موقع الإعراض عن جهلكم، بروح السلام. وهذه هي الطريقة الحكيمة التي يواجهون بها خطاب الجاهلين، عندما يحتاج الموقف إلى ذلك، على سبيل الكناية، إمساكاً منهم بالموقف وتحقيقاً لمبتغى المصلحة في ذلك. {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً} فهم المؤمنون بالله، المنفتحون على ألوهيّته في حقيقة التوحيد، الخاشعون في إحساسهم العميق لله سبحانه وتعالى، المتحرّكون في مشاعرهم وأفكارهم في خطّ الممارسة العملية الواعية، الراكعون أمام الله بالخضوع له، الساجدون مع انسحاق الإرادة وذوبانها في جنبه ـــ تعالى ـــ القائمون في استسلام الروح والجسد والقلب والضمير بين يديه، حيث ينام الناس في غفوة الغفلة، واسترخاء الجسد، ويبيتون هم في يقظةٍ منفتحةٍ واعيةٍ في سجود خاشعٍ، وقيامٍ خاشعٍ، وقيامٍ خاضعٍ لله سبحانه، كرمزٍ للقيام الدائم أمامه في حركة الحياة كلّها. {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ} في توسّل العبد بمولاه، وخوفه من عقابه، عندما يعيش قلق المصير أمام خطاياه، فيبتهل إلى الله ليغفر له ذلك ويوفّقه للاستقامة، ليصرف العذاب عنه من موقع المغفرة، والطاعة. {إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً} وهو المصيبة التي تصيب الإنسان، والنائبة التي تنوبه وتلازمه في حياته، ويمثّل عذاب جهنَّم الخلود فيها. {إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً} وأيّ مكان أسوأ من المكان الذي يعيش فيه الإنسان العذاب من جميع جهاته، وأيّ استقرار هو هذا الاستقرار الذي يهتزّ الإنسان فيه أمام لهيب النار؟ {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا} ولم يخرجوا عن الحدّ الطبيعي في الإنفاق، {وَلَمْ يَقْتُرُوا} في حالة بخل غير طبيعيّة، {وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} وهو الحدّ الوسط الذي يمثّل خطّ التوازن بين الزيادة المفرطة والتقليل المفرط، بحيث يعيش الوضع الطبيعيّ في مصرفه على صعيد الحاجة العادية في مثل ظروفه وموقعه في دائرة الضروريات والكماليات {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ} فلا يؤمنون بإلهٍ آخر مع الله ولا يشركون به أحداً، ولا يقدّمون فروض العبادة لغيره في جانب الشرك في العبادة، ولا يرفعون أكفّهم بالدعاء إلاّ له، ليقضيَ لهم حاجاتهم، وييسِّر أمورهم، ويخفّف آلامهم، فهو وحده الإله الذي يُعبد، وهو وحده الإله الذي يُدعى في قضاء الحاجات، وحلّ المشكلات. {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} الذي قرّره الله في الشريعة، ما يوحي بأنّ الأصل في الإسلام هو احترام النفس وعدم جواز إزهاقها إلاّ في الحالات التي وردت الرخصة فيها في الكتاب والسُنّة، بحيث تكون إباحة الدم استثناءً على القاعدة. {وَلَا يَزْنُونَ} فالزّنى هو مسألة انحرافٍ عمليٍّ وخُلُقيِّ عن خطّ الاستقامة الذي حدّده الله للإنسان في العلاقات الجنسية القائمة على مبدأ الزوجية بين الرجل والمرأة وفق ما أراده الله من التوازن في النظام الاجتماعي، من هنا كان الزّنى تجاوزاً لحدود الله، وتمرّداً على شريعته، {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً} وهو نتيجة الخطيئة، وهو الجزاء بالعذاب الذي يلقاه يوم القيامة، وربّما يراد به غضب الله الذي يستلزم الخطيئة، إذ توحي الكلمة بمعنى الحرام اللازم لسخط الله، وقد يكون هذا أقرب، باعتبار أنّ المعنى الأول مذكور في الآية التالية: {يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً} بما يمثّله العذاب من إهانةٍ واحتقار. وقد نلاحظ في الآية التأكيد على الخلود في النار للمشرك والزّاني والقاتل للنفس المحترمة، ممّا قد يتنافى مع الآية الكريمة {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً} [النساء : 48] التي تدلّ على اختصاص الخلود في النار بالمشرك، وأمّا غيره فإنّ المغفرة تلحقه في نهاية الأمر بالإضافة إلى ما اشتهر بين العلماء، بأنّ المسلم لا يخلَّد في النار حتى لو كان زانياً أو قاتلاً. وقد أجاب عنه بعض المفسّرين بأنّه محمول على اقتضاء طبع المعصية، لذلك فالقاتل والزاني يستحقّان الخلود في النار، باعتبار أنّ الزّنى وقتل النفس المحترمة من الكبائر ولكنّ المغفرة تلحقهما، أو يحمل الخلود على المكث الطويل الذي هو أعمّ من المؤبّد أو المنقطع أو على غير ذلك(1). ولكن يمكن أن يقال، إنّ هذه المحامل ليست بأولى من حمل المغفرة لما دون الشرك، على قابلية ذلك للمغفرة، لا على فعليتها، وإلاّ لكان مقتضياً لعدم دخول النار، لأنّ ذلك ينافي المغفرة للذنب؛ مع ملاحظة أنّ الإشارة إلى الخلود في النار قد صرّح بها في القرآن في هذه الآية وفي غيرها في القتل غير المشروع وفي الزّنى، ممّا يرجّح ما استظهرناه على ما ذُكر من المحامل في الاتجاه الآخر، فتكون النتيجة أنّ كلّ شيء قابل للمغفرة ما عدا الشرك. ولكن بعض الجرائم قد لا تلحقها المغفرة بطبيعتها، بل لا بدّ في الحصول عليها من التوبة، كما هو الحال في الشرك. فالأمر فيها قد يكون مثل الشرك في النتيجة مع اختلافه عنه في الطبيعة، والمسألة محتاجة إلى التأمُّل الدقيق، والله العالم. {إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً} يؤدّي به إلى تبديل الموقف على مستوى الحالة الروحية، والممارسة العملية، {فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} لأنّهم بدَّلوا السلوك المنحرف، بالسلوك المستقيم، وانتقلوا إلى رضوان الله بالانتقال إلى طاعته. وبذلك يظهر أنّ التبديل لا يعني أنَّ السيّئة تكون بمنزلة الحسنة، بل المقصود ـــ والله العالم ـــ أنّ الله يمحو أثر السيّئة السابقة ويعطيه، بعمله الصالح، الحسنة، وهي المغفرة التي لا يبقى معها شيء من نتائج المعصية. {وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} فلا يغلق باب رحمته عن عباده، ولا يحجب مغفرته عن التائبين منهم والعاملين في سبيل رضاه، بل يتلقّاهم برحمته ومغفرته ورضوانه بكلّ محبّة وعطف ورضوان. {وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً} إذ التائب عن الذنب بإعلانه عن الندم الذي يوحي بالعزم على التراجع، وبالعمل الصالح الذي يوحي بتبديل الموقف في اتّجاه آخر، يجسّد الرجوع إلى الله في عمليةٍ تصحيحيةٍ واعيةٍ على أكثر من صعيد، فلا غرابة في أن يتقبّله الله ويبدّل سيّئاته حسنات. {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} وهو الباطل الذي قد يتمثّل بصورة الحقّ، وربّما كان الظاهر منه شهادة الزور وهو الكذب في مقام الشهادة، ممّا يريد أن يوحي به الشاهد بأنّه صدق؛ وقد يراد منه اللّهو الباطل كالغناء ونحوه، ممّا جاءت به بعض الأحاديث المأثورة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام). فقد جاء في الكافي عن أبي عبد الله وجعفر الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} قال: الغناء(1). فيكون المعنى والذين لا يحضرون الزور، أي مجالس الباطل.. وقد يكون ذيل الآية في الفقرة التالية يتناسب مع هذا المعنى ـــ كما يقول صاحب تفسير الميزان ـــ(2). {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً} والمراد بالمرور باللّغو، المرور بالذين يمارسون اللّغو، ويشتغلون به، فلا يتوقّفون عندهم ليستمعوا إليهم، أو ليخوضوا معهم فيه، بل يعرضون عنه ويتابعون طريقهم إلى ما يريدون تنزّهاً عن ذلك، لأنّ الإنسان المؤمن لا يفكّر في الحياة إلاّ من موقع الحصول على الفائدة في الدنيا والآخرة، فلا يتوقّف ولا يستغرق في ما لا فائدة فيه ولا منفعة لنفسه وللآخرين(3). {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} التي أنزلها الله على رسله ممّا يفتح قلوبهم على الله وعلى طاعته، وعلى ما فيه صلاح دينهم ودنياهم من حكمةٍ أو موعظةٍ حسنة، من قرآن أو وحي سابق منزل؛ فإذا دعاهم الناس إلى شيء من ذلك ليسمعوه، وليفكّروا فيه، وليعملوا به، أصغوا إليها بمسامع قلوبهم، وفتحوا لها كلّ عقولهم، ولم يعرضوا كما يعرض الكافرون. {لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً} كما يفعل الذين لا يسمعون إذا قُرئ القرآن عليهم، أو الذين لا يبصرون إذا قدّم إليهم القرآن ليقرأوه. وهكذا يتحرّك المؤمن في مصادر المعرفة ليوجّه إليها كلّ عقله وشعوره ليبنيَ شخصيّته ـــ من خلالها ـــ على أساس العلم والإيمان، وليهتديَ بها إلى مواقع الهدى، لأنّ المعرفة عنده مسؤوليةٌ وليست مجرّد حالةٍ طارئة في حركة الحياة من حوله(1). {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ *وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ} بحيث يعيش الإنسان الشعور بالسرور عندما ينظر إليهم وهم يؤمنون بالله ويتحرّكون في خطّ طاعته ورضاه على أساس الالتزام بالحقّ في كلّ أقوالهم وأفعالهم، لأنّ الإنسان المؤمن لا يفكّر في القضايا بطريقةٍ ذاتيةٍ، من خلال العلاقات الخاصة في الحياة بزوجه وولده، بل يفكّر بطريقةٍ إيمانية مسؤولة. وهذا هو ما يخصّص التمنّيات بالجانب الإسلاميّ من شخصية الأزواج والأولاد بالإضافة إلى ما يحبّه الإنسان من جوانب أخرى. {وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً} في ما يحبّه المؤمن لنفسه من التقدّم في مجالات الخير، والدعوة إلى الله والعمل في سبيله، والالتزام بالخطّ المستقيم في العقيدة والشريعة والحياة، بحيث يبلغ الدرجة العليا في ذلك، حيث الإمامة والقيادة. وذلك هو طموح المؤمنين في الحياة، في عملية التسامي في آفاق التقوى في ما يجاهدون به أنفسهم، ويطوِّرون به معارفهم، فلا تتوقّف طموحاتهم على شؤونهم الذاتية في الحاجات الدنيوية الطبيعية، بل تنطلق إلى مواقع رضوان الله، انطلاقاً ممّا دعا الله إليه عباده المؤمنين من استباق الخيرات، والمسارعة إلى المغفرة والجنة والتنافس في درجات الحصول على رضاه. ***** بالصبر نوال النِّعم: {أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً*خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً}. لعلَّ كلمة الغُرفة واردةٌ على سبيل الكناية عن الدرجة العالية في الجنّة، والمقصود بالصبر الذي يبلغ به هؤلاء علوّ الدرجة في الجنّة، الصبر على طاعة الله، والصبر عن معصيته، والصبر على ما يصيبهم من البلاء، لأنّ ذلك يدلّ على الالتزام العميق، والروحية العالية، والإرادة الصلبة، والوعي العميق، والارتباط بالله من أوثق المواقع، ليكون لهم السعادة في الحصول على رضاه، في مواجهة غضب كلّ الناس مع كلّ ضغوط الحرمان المادية والنفسية والمعنوية على حياتهم. وهكذا تؤكّد هذه الآية وغيرها من الآيات أنّ الصبر يمثّل الإطار للمضمون الإيمانيّ في حياة الناس الذي يحتوي كلّ مواقع الحياة الرسالية ومواقفها. فبالصّبر يحصل الفلاح، وبالصبر يتأكّد الخير والحقّ والصلاح، وبالصبر ينال الناس ما عند الله من النعيم والسعادة والرضوان في الجنّة. ويلقّون فيها التحيّة من الله، والسلام من ملائكته، في ما يعبّر عنه من اللّطف والرعاية والرحمة والحنان. وهكذا نرى أنّ عباد الرحمن الذين يختصّهم الله برحمته، ويدعوهم إلى جنّته، ويشملهم برضوانه، هم الذين تتجسّد فيهم ملامح الشخصية الإسلامية في الإيمان بالله الواحد واليوم الآخر، وفي التجسيد العملي في التزام طاعة الله في أمره ونهيه، وتطلُّعهم إلى السموّ الروحي في آفاقه، والارتفاع المتحرّك في طريقه، وفي الاندماج بالمجتمع الذي يلتقي على كلمته. وإذا كان الله قد تحدّث عن بعض صفات هؤلاء الفتية من عباد الرحمن المخلصين، فإنّ الحديث يطرح هذه الأمور كنماذج للصفات الإيجابية والسلبية التي تمتدّ في كلّ أحكام الله في ما تمثّله من قاعدةٍ أخلاقيةٍ متحرّكةٍ في مفرداتها العملية في حياة الإنسان، فإنّ الله يريد له أن يتخلَّق بأخلاقه ويلتزم بكلّ أحكامه ويجعل كلّ حياته صورةً حيّةً لما هو الإسلام، ولما هو الإيمان في مفاهيمه العقيدية والروحية والعملية. ***** 2 ـــ من الملامح الأساسية في الشخصية الإسلامية: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة : 177]. ***** معاني المفردات: {الْبِرَّ}: التوسُّع في فعل الخير. {وَابْنَ السَّبِيلِ}: المسافر المنقطع إذا كان في سفره محتاجاً وإن كان في بلده ذا يسار. قال الزمخشري: وجعل ابناً للسبيل لملازمته له(1). {وَالسَّآئِلِينَ}: المستطعمين الطالبين للصدقة. ويعبّر عن الفقير إذا كان مستدعياً لشيء بالسائل. {وَفِي الرِّقَابِ}: جمع رقبة، وهي أصل العنق، ويعبّر به عن جميع البدن، يقال: أعتق رقبته، ومنه: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [المجادلة : 3]، قال الطبرسي: {وَفِي الرِّقَابِ} فيه "وجهان: (أحدهما) عتق الرقاب بأن يشتريَ ويعتق، (والآخر) في رقاب المكاتبين"(1). وقال الزمخشري: "وفي معاونة المكاتبين حتى يفكّوا رقابهم وقيل: في ابتياع الرقاب وإعتاقها. وقيل: في فكّ الأسارى"(2). {الْبَأْسَاء}: الفقر والشدّة. {والضَّرَّاء}: المرض والسقم والوجع. {وَحِينَ الْبَأْسِ}: وقت القتال وجهاد العدوّ، فالبأس: الشدّة في الحرب، ورجل ذو بأس: شجاع. في أجواء الآية التي تشير إلى بعض هذا الجوّ، نستوحي ملامح الشخصية الإسلامية في ما ترتكز عليه من فكر وإيمان وممارسةٍ في السلوك الذاتي، وفي العلاقة بالناس، وبالمواقف الصعبة في الحياة، وذلك من خلال تحديد طبيعة البِرّ الذي يعني التوسّع في الخير والإحسان، كما يذكر أهل اللّغة، لأنّه يمثّل سرَّ الشخصية لدى المؤمن في ما تنفتح عليه من آفاق التصوّر، وبما تتحرّك فيه من مجالات عملية. ولعلَّ القيمة في مضمون هذه الآية أنّها تجاوزت المفهوم الضيّق الذي يتحرّك فيه البِرّ ليرتبط بالجانب العملي للحياة، فانطلقت به ليشمل الجانب الفكري والروحي الذي يحتضن الفكر والإيمان، فيعتبر ـــ من خلال ذلك ـــ أنَّ في الفكر خيراً وشرّاً، تماماً كما هو العمل خير وشرّ، بل ربّما كان الأساس في البرّ العملي، البرّ الفكري والعقيدي، لأنّه هو الذي يعطي العمل دوافعه ونوازعه، وهو الذي يحدّد له مضمونه وطبيعته. ولهذا انطلق القرآن ليحدّد للإنسان شخصيته من خلال تحديد ملامحه الفكرية والعملية، فلم يكتفِ بالعمل وحده في مجال التقييم بعيداً عن الإيمان، كما لم يكتف بالإيمان بعيداً عن العمل، فبالإيمان والعمل تتكامل الشخصية وتنطلق. ***** بين البرّ والإيمان: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ} لأنّ قضية النفس الخيّرة لا ترتبط بالشكل بعيداً عن المضمون، فما قيمة الصلاة إلى القِبلة، أيّة قِبلةٍ كانت، إذا لم تتحرّك من إيمان عميق بأصول الإيمان، ولم تنطلق في حركة الإيمان سبيلاً وغايةً، لأنّها إذا لم تكن كذلك، تتحوّل إلى إحساس يطفو على السطح ولا يلامس الأعماق، ما يجعل من الموقف موقف استعراض لا موقف ارتكاز، وبهذا، فليس من الضروري أن يثور هذا اللّغط الكثير حول تغيير طبيعة القبلة إلى الشرق أو إلى الغرب، فهي لا تزيد عن أن تكون مجرّد تشريع جزئي كبقية التشريعات الجزئية المتعلّقة بأحكام العبادة في تفاصيلها الخاصة الكثيرة، ومن الطبيعي أن يخضع المؤمنون للتشريع في سلبياته وإيجابيّاته، فلا يعترضوا عليه في قليل أو كثير إذا أحرزوا انطلاقه من مصدر التشريع وهو الله، بل لا بدَّ من أن يتركّز الاهتمام والجدل حول الأُسس التي يرتكز عليها البناء الداخلي للنفس البارّة الخيّرة التي تعيش البِرّ موقفاً شاملاً لجميع مجالات الحياة. ونلاحظ في هذا المجال أنّ الآية قد غيَّرت أسلوبها التعبيري؛ فبينما كان النفي يتّجه إلى استبعاد الشكل عن معنى البِرّ، نرى الإثبات ينطلق في الحديث عن شخصية البارّ وصفته، للتدليل على أنَّ الإسلام ينظر إلى الفكرة من خلال المفكّر، وإلى الخير من خلال النموذج الحيّ المتجسّد بالفكرة شكلاً ومضموناً، ليبتعد الجوّ النفسي عن التركيز على المفهوم النظري بعيداً عن الواقع التطبيقي للنظرية، وهذا هو ما نلمحه في تكلمة الآية في قوله تعالى: {وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ} فلا بدَّ من الإيمان بالأسس العامة للعقيدة، وهي الإيمان {بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} لأنّها تمثّل الحقائق الدينية التي لا يمكن أن يجهلها أو يهملها أيُّ إنسانٍ مؤمن، لأنَّ جميع الرسالات السماوية قد قرّرت ذلك. ***** الإيمان العميق قاعدة الشخصية الإسلامية: وقد لا نحتاج إلى تحليل واسع لنعرف أنّ هذا الإيمان الذي تعتبره الآية أساساً للبِرّ الروحيّ والفكريّ، يمثّل الامتداد والحركة في الشخصية الإسلامية للإنسان المسلم، لأنَّ الإيمان بالله يتّصل بالشعور العميق بانطلاقة الحياة من قوّة حكيمة رحيمة عادلة تخطّط للإنسان حياته كما تخطّط للكون قوانينه، وبذلك يشعر الإنسان بمسؤوليته أمام هذه القوّة الخالقة التي تربّي له وجوده، وتنمّي له جسده وعقله وروحه، ويعيش الإحساس بارتباطه الدائم بالله من خلال حاجته المطلقة له في كلّ شيء، وتتساقط أمام هذا الإيمان كلّ مشاعر الانسحاق والضعف والضياع واليأس والفراغ وعدم الانتماء، لأنّ مثل هذا الإيمان، يملأ في حيويّته المتحرّكة حياة الإنسان بكلّ المفاهيم الإيجابية المضادّة لتلك المفاهيم السلبية، لما يوحيه من الشعور بأنّه يعيش في كون يرعاه خالقه في رحمته وحكمته وقوّته المطلقة، وينتمي إليه كلّ ما فيه من مفردات الوجود. وبذلك نستطيع أن نقرّر أنّ المؤمنين الذين يعيشون المفاهيم السلبية التي تغرق شعورهم بالضياع والفراغ واللاانتماء، يعيشون في غفلةٍ من إيمانهم ويقعون تحت تأثير أجواء البيئة المنحرفة التي تحتضن هذه المفاهيم. أمّا الإيمان باليوم الآخر، فيُثير في داخله الشعور بالمسؤولية وما يترتّب عليها من ثواب أو عقاب، ما يجعل الإنسان واعياً لحياته بشكلٍ أعمق، فلا يعتبرها رحلةً ساذجةً تخضع للمزاج الذاتي وللشهوة الطارئة، بل يراها خطّاً مستقيماً تحكمه بداية المسؤولية ونهايتها في نتائجها العامة والخاصة. وفي هذا الجوّ من الإيمان ينتفي من داخل الشخصية الإسلامية للإنسان المسلم الشعور بالعبث في مسار حياته عندما يواجه كثيراً من الأوضاع التي توحي بمثل هذا الشعور إذا انفصلت عن طبيعة النتائج العملية عند الله، فيتحوّل الموقف إلى إحساس عميق بالجدية المرتبطة بالهدف في كلّ شيء حوله، وهذا ما تمثّله الآية الكريمة {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ} [المؤمنون : 115]. أمّا الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيّين، فيمثّل الإيمان بالحقائق الروحية التي ترتبط بالغيب من جهة وتواجه الواقع من جهة أخرى، وذلك من خلال التصوّر الإسلاميّ للموجودات غير المرئية المتمثّلة في الملائكة عندما يشعر بخفيف أجنحتها في وعيه الديني وهو يتصوّرها في حركة دائبة في أجواء السماء والأرض، وخضوع مطلق لله في ما يوكله إليها من مهمّات كونية تتّصل بالحياة والإنسان، فيتعاظم الإحساس بعظمة التدبير من خلال الأشياء المرئية وغير المرئية، وبروعة هذه الصورة الملائكية التي تمنح الوجود معنى روحياً ينساب فيه انسياب اللّطف والرحمة في المشاعر والأعماق. والإيمان بالكتاب يعني الإيمان بالرسالة الإلهية الواحدة التي تنزلت في كلّ عهود النبوّات، في كتاب واحد بمفاهيمه التوحيدية العامة، وإن اختلفت تفاصيله تبعاً لاختلاف حاجة كلّ عصر إليها. فالوحدة تبقى أساساً للتصوّر الدينيّ في معنى الكتاب والإيمان به وبالنبيّين، كلّ النبيّين، منذ آدم حتى محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، أي الإيمان بوحدة المسيرة في طريق الرسالة الطويلة، فلا اختلاف بين الرسل في الفكر وفي الهدف، لأنَّ الفكرة واحدة، وهي الإيمان بالله الواحد، والهدف واحد هو الحصول على رضاه في ما يحبّه وفي ما لا يحبّه، وهذا ما يحكم الطريق الذي يسيرون فيه، ولكنّ مراحل الطريق تختلف، ومواقفه تتنوَّع، فلا بدَّ لكلّ مرحلة من رسولها الذي ينسجم مع طبيعتها، ولا بدَّ لكلّ موقف من دور يجسّده السائر الذي يقود الناس إليه، وبذلك كانت الفكرة الإسلامية عن الأنبياء فكرة متكاملة من خلال الشعور بأنَّ بعضهم يكمل دور البعض الآخر ولا يعارضه، تماماً كما هي الخطوات المتلاحقة في الدرب الواحد نحو الهدف الكبير. أمّا اختلاف الأديان الذي يحكم عالمنا هذا، فإنّه يمثّل الخطأ في فهم المرحلة، حيث يُعتبر ما هو مرحلة في طريق الغاية، غاية بذاته. ويبقى الإسلام في كلّ آياته يجسّد هذه الحقيقة التوحيدية للرسالات، حيث يدعو إلى الإيمان بالكتاب الواحد الذي يجمع الكتب، والإيمان بالنبوّة الواحدة التي تحتضن جميع الأنبياء: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة : 285]. وتظلّ الشخصية الإسلامية مع هذا التصوّر الإيماني بعيدة عن التشنُّج إزاء أيّ كتاب أو رسول، فكلّها وحي الله، وكلّهم رسل الله. ***** العطاء أحد عناصر الشخصية الإسلامية: {وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ} والعطاء، أحد عناصر الشخصية الإسلامية، ونموذج حيٌّ للبِرّ العمليّ، فإذا كان الإنسان يملك المال، فإنَّ الإسلام يعتبر الملكية وظيفة ومسؤولية، لا امتيازاً وشرفاً ذاتياً، ولذلك جعل العطاء سرّ الشخصية، لأنّه يعني انفتاحها على آلام الحياة ومشاكلها وحالاتها الصعبة وتطلُّعاتها الكبيرة، في محاولة متواضعة، فردية أو جماعية، لإعطاء بعض الحلول وتسهيل بعض الصعاب وتحقيق بعض التطلُّعات، في شعور بأنَّ ذلك هو من حقّ الآخرين عليه في ما يتحمّله من مسؤولية الآخرين. وجاءت كلمة {عَلَى حُبِّهِ} لتؤكّد عمق هذا العطاء في النفس، على أيّ المعنيين كان مرجع الضمير، فإذا أردنا من الحبّ حبَّ الله فإنّه يمثّل العطاء من أجل الله بعيداً عن المنافع الذاتية الطارئة، وإذا أردنا منه "حبّ المال"، فإنّه يمثّل العطاء من موقع الانتصار على الذّات عندما يبذل الأشياء التي يحبّها ويتعلّق بها فلا يمنعه ذلك من العطاء في سماحٍ ومحبّة. أمّا الذين يستحقّون العطاء، فهم ذوو القربى، لأنّ صلة الرحم توجب على الإنسان التعبير عنها في أسلوب عملي، وهو أسلوب العطاء الذي يعني المشاركة، واليتامى الذين هم في كفالة المجتمع الإنساني بعد غياب الكافل المباشر لهم، والمساكين الذين لا يجدون الفرصة الكريمة للعيش الكريم فلا يملكون قوت سنتهم قوّة وفعلاً، وابن السبيل الذي انقطعت به الطريق فلم يجد من المال ما يكمل به سفره، وإن كان غنيّاً في بلده، والسائلين الذين لم يتّخذوا السؤال حرفةً ومهنةً، بل انطلقوا به من واقع الحاجة إلى ذلك، وفي الرقاب التي أثقلها الرقّ وضغطت عليها العبودية، فأراد الإسلام، للذين يجدون المال، أن يصرفوا أموالهم في طريق تحريرها لتعيش الكرامة في الحرية الإنسانية والقانونية. وتلك هي الفئات المسحوقة التي يعتبر العطاء بالنسبة إليها مسؤولية إنسانية وإسلامية، ليعيش المجتمع في نظام إنساني متوازن طبيعيّ شامل. ***** الصلاة تفجّر المعاني الروحية في الإنسان: {وَأَقَامَ الصَّلاةَ} فإنَّ الصلاة تفتح قلب الإنسان ووجدانه على الله سبحانه، لتشرق في داخله كلّ المعاني الروحية الطاهرة التي تحوّله إلى كائن حيّ، تتفجّر مشاعره بالخير، وتنبض بالطهر، وتنطلق أفكاره بالحقّ، فيعيش مع الناس والحياة، من خلال ذلك كلّه، إنساناً يشعر بمسؤوليته عن الناس والحياة من خلال انفتاحه على الله سبحانه. ***** الزكاة عطاء عباديّ عمليّ: {وَآتَى الزَّكَاةَ} التي تمثّل العطاء من حيث هو عبادة عملية لله، وقد يلفت النظر أن يذكر الله إيتاء الزكاة بعد إيتاء المال على حبّه، وقد يفسّرها البعض بأنّها إجمال بعد التفصيل، ولكنّ الظاهر أنّه عموم بعد التخصيص، لأنّ موارد الزكاة أشمل ممّا ذكر في الفقرة السابقة، لا سيّما إذا فسّرنا الزكاة بكلّ الضرائب الشرعية المفروضة، بما فيها الخمس، كما هو رأي البعض من المفسّرين، فإنّها تتّسع لكلّ سُبل الخير في الحياة. ***** العهد ومسؤولية الكلمة: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} فإنَّ الوفاء بالعهد الذي يلتزم به الإنسان في نفسه يمثّل الشعور بمسؤولية الكلمة، في صدق الالتزام الداخلي، وفي الوقوف مع العلاقات القائمة على التعاقد موقف الانضباط والاتّزان، وذلك هو سرُّ سلامة المجتمع في العلاقات الخاصة والعامة التي تحكم أفراده، سواءٌ في ذلك العلاقات القائمة على التعاقد الشخصي، أو العلاقات القائمة على التعاقد في نطاق المبادئ العامة والنظام الكلّي للمجتمع وللأُمّة، ومن الطبيعيّ للمؤمن أن يخلص لالتزامته لأنّه يعتبرها مظهراً حيّاً من مظاهر إيمانه باعتبارها عهداً وميثاقاً بينه وبين الناس أمام الله. ***** الصبر أساس تماسك الشخصية وثباتها: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء} وهي حالة الضيق والفقر، {والضَّرَّاء}، وهي حالة المرض والألم، {وَحِينَ الْبَأْسِ} حالة الحرب، فإنَّ الصبر، كما ورد في بعض الآيات، هو من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، كما جاء في حديث الإمام عليّ (عليه السلام).(1) وهو العنصر الأساس في تماسك الشخصية وثباتها أمام التحدّيات، ولا سيّما التحدّيات التي تواجه الإنسان في عقيدته والتزامه بالخطّ العمليّ الإيمانيّ في الحياة، فإنَّ الضعف الذي يقود إلى الجزع والانهيار في الموقف قد يقود إلى الانحراف، ويبعث على الاهتزاز، ويدفع بالتالي إلى إعطاء صورة مشوّهة عن طبيعة المجتمع المؤمن في قوّته وصموده، ما ينعكس سلبياً على صورة الإيمان نفسه في نفوس الآخرين. وقد يتساءل عن الوجه في نصب كلمة: {وَالصَّابِرِينَ} مع أنّها معطوفة على كلمة: {وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ} ما يفرض الرفع فيها؟ وأجاب صاحب مجمع البيان على ذلك فقال: "وأمّا قوله: "والصابرين" فمنصوب على المدح أيضاً، لأنَّ مذهبهم في الصفات والنعوت إذا طالت أن يعترضوا بينها بالمدح أو الذمّ ليميّزوا الممدوح أو المذموم، وتقديره: أعني الصابرين. قال أبو علي: والأحسن في هذه الأوصاف التي انقطعت للرفع من موصوفيها والمدح أو الغضّ منهم والذمّ، أن يخالف بإعرابها ولا تجعل كلّها جارية على موصوفيها، ليكون ذلك دلالة على هذا المعنى وانفصالاً لما يذكر للتنويه والتنبيه، أو النقص والغضّ ممّا يذكر للتخصيص والتمييز بين الموصوفين المشتبهين في الاسم المختلفين في المعنى"(2). الصدق من لوازم الإيمان: {أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا} في عقيدتهم وفي كلماتهم، وفي التزاماتهم، وفي علاقاتهم، وفي مواقفهم العملية في الحياة، وفي مواجهتهم لقضايا الحاضر والمستقبل في ما يؤيّدون وفي ما يرفضون وفي ما يتحرّكون على المدى الطويل في حياة الفرد والمجتمع والأُمّة كلّها، فإنَّ الإيمان هو صنو الصدق، لأنَّ الإيمان يرتبط بالحقّ، والصدق يجسّد الحقيقة، ولهذا ورد في بعض الكلمات المأثورة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، بأنَّ المؤمن قد يكون جباناً أو بخيلاً ولكنّه لا يكون كذّاباً. وقد ورد في كلمات أخرى، أنّ طريق اختبار الإيمان هو النظر إلى صدق الإنسان في كلماته. ولذلك جاءت هذه الصفة لتكون أساساً للشخصية الإسلامية الصادقة. وربّما كان اختصار كلمة الصدق لكلّ تلك الصفات انطلاقاً من أنَّ حركة هذه الصفات المتّصلة بالجانب الإيماني والعملي، كانت نتيجةً للجديّة التي تفرضها الشخصية الإسلامية في انفتاحها على الحقيقة في الفكر والسلوك بحيث يكون الموقف متطابقاً مع الخطّ المستقيم في دائرة الحقّ، وذلك هو سرّ اتّصاف الشخصية في هؤلاء بكلمة الذين صدقوا. والله العالم. ***** المتّقون هاجسهم رضى الله دوماً: {وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} الذين يخافون الله ويخشونه بالغيب، فتتحوّل خشيتهم له إلى خطّ عمليّ في حياتهم وفي دوافعهم، فيقفون عند ما حرَّم الله عليهم من مال حرام، أو أكل حرام، أو شرب حرام، أو لعب حرام، أو عرض حرام، أو علاقة محرّمة، أو غير ذلك ممّا نهى الله عنه، ويندفعون بالتزام مؤكّد في ما فرضه الله عليهم وألزمهم به من الواجبات في عباداتهم ومعاملاتهم وعلاقاتهم في البيت وفي العمل وفي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، فيخلصون لله في ذلك كلّه، ولا يستسلمون لشهواتهم وأنانيّاتهم، وأطماعهم بل يبقى رضى الله هو الهاجس الدائم الذي يعيش في داخل نفوسهم، يقظة في الضمير، والتزاماً في القلب والفكر، وانضباطاً في الخطى العملية في الحياة. تلك هي عناصر الشخصية الإسلامية التي تمثّل الخير كلّه في مجال الفكر والعمل. وتلك هي الأُسس الثابتة التي تنطلق من خلالها قضايا الحياة الخيِّرة في كلّ تطلُّعات الإنسان وتوجّهاته في حركة الحياة. ***** 3 ـــ من معالم الشخصية الإسلامية: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ*وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ*فَكُّ رَقَبَةٍ*أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ*يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ*أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ*ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ*أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ*وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ*عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ} [البلد: 11 ـــ 20]. ***** معاني المفردات: {اقْتَحَمَ}: الاقتحام: توسط شدّة مخيفة. {الْعَقَبَةَ}: الطريق الصعب الوعر. {فَكُّ رَقَبَةٍ}: عتقها وتحريرها. {مَسْغَبَةٍ}: مجاعة. {مَقْرَبَةٍ}: قرابة بالنسب. {مَتْرَبَةٍ}: من التراب، ومعناها الالتصاق بالتراب من شدّة الفقر. {بِالْمَرْحَمَةِ}: مصدر ميمي من الرحمة. {الْمَيْمَنَةِ}: من اليمن مقابل الشؤم. والمراد بالميمنة هنا جهة اليمين، وأصحاب الميمنة هم الذين يؤتون كتابهم بيمينهم. {مُّؤْصَدَةٌ}: مطبقة. ***** {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ} إنّها الدعوة لاقتحام هذه العقبة التي لو وقف عندها ولم ينطلق إليها، لفقد الجنّة ولم يحصل على رضى الله، وربّما تعرّض لدخول النار، ولكنّه إذا اقتحمها وتجاوزها، فإنّ الطريق إلى رضوان الله سوف تنفتح له بأقرب الوسائل. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ} إنّها تمثِّل القاعدة الكبيرة الثابتة التي هي نقطة الانطلاق إلى علوّ الدرجة ورفعة المقام، في المواقع العليا من رضوان الله. ولهذا كانت في مستوى الأهمية الكبيرة التي ينبغي للإنسان المؤمن أن يعمل من أجل الوصول إليها، والانطلاق منها إلى الله في رحمته ورضوانه. ***** تحرير الرقيق والقرب من الله: {فَكُّ رَقَبَةٍ} أي تحريرها وعتقها لتعود إنساناً حرّاً يملك إرادته وحركته وكلّ شؤون حياته، ما يوحي بأنّ مسألة حرية الإنسان من العبودية في إعتاقه من الرّق، تمثّل مدخلاً لرضى الله، لأنّ مسألة الاسترقاق في الإسلام لم تكن مسألةً اختارها الإسلام في شريعته كواقعٍ تشريعيٍّ يؤكّد على استجابة الناس له، في ما يريد لهم أن يأخذوا به ويسعوا إليه كأمرٍ محبوب لديه، بل هي مسألة الواقع الذي عاش الإسلام في داخله من خلال التاريخ السحيق الذي أوجد للرقّ نظاماً وحشياً لا يتقيَّد بأيّ خُلُقٍ إنسانيّ وأيّة عاطفةٍ روحيّةٍ، بحيث أسقط كلّ إنسانية الإنسان من حساباته التشريعيّة، فعمل الإسلام على تجفيف منابعه، وأبقى بعضها من خلال ما قد تفرضه الضرورات العامة في حركة العلاقات بينه وبين معسكر الكفر في بعض دوائر الحرب والسلم، وجعل لوليِّ الأمر الكثير من الصلاحيات في المنّ والفداء في أسرى الحرب، ووجَّه كلّ التشريع الاجتماعي نحو تحرير الرقيق، كعبادةٍ شرعيةٍ ترفع مستوى الإنسان في درجة القرب عند الله. ولذلك، رأينا الواقع الإسلامي خالياً من العبيد، بفضل الطريقة الواقعية للتحرير التي درج عليها المؤمنون في مختلف مواقع التاريخ الإسلامي، حتى في العصور المظلمة منه من دون حاجةٍ إلى أيّة ثورةٍ للتحرير، كما حدث في أنحاء متفرّقة من العالم. ***** إعانة الفقراء والمساكين، من مظاهر اقتحام العقبة: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ} وهي المجاعة التي يفقد فيها الناس والطعام أو يندر وجوده لديهم، فينتشر الجياع في المجتمع، ويسقطون صرعى الجوع، لا سيّما من الذين لا أب لهم ليسعى في جلب القوت إليهم، ولا عائل لهم ليساعدهم على إشباع بطونهم، فهؤلاء هم الفئة التي يمثل إطعامهم العقبة التي يريد الله من الناس اقتحامها. {يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ} وهو اليتيم الذي يتّصل بالإنسان بصلة القربى {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ} وهو اللاصق بالتراب من بؤسه وشدّة حاله، حتى لا يجد ما يقيه من التراب ممّا يتغطّى به الناس من البرد. وقد لا يكون للإطعام خصوصيةٌ في ذاته إلاّ من خلال كونه مظهراً من مظاهر إعانة الفقير والمسكين في ما يحتاجان إليه من غذاء أو كساء أو شراب، ولعلَّ الحديث عنه من جهة أنّ الجوع يمثّل الحالة الأصعب في المشكلة اليوميّة المتحرّكة التي قد تؤدّي بالإنسان إلى الهلاك، وتوقعه فريسةً للآلام الشديدة. وقد جاء في كتاب الكافي بإسناده عن معمر بن خلّاد قال: "كان أبو الحسن الرضا (عليه السلام) إذا أكل أتي بصَحْفةٍ، فتوضع بقرب مائدته، فيعمد إلى أطيب الطعام ممّا يؤتى به، فيأخذ من كلّ شيءٍ شيئاً، فيضع في تلك الصَّحْفة ثمّ يأمر بها للمساكين، ثمّ يتلو هذه الآية: {فَلا اقْتَحَمَ العَقَبَةَ}، ثمّ يقول: علم الله عزّ وجلّ أنّه ليس كلّ إنسانٍ يقدر على عتق رقبةٍ، فجعل لهم السبيل إلى الجنّة"(1) . وإذا كانت السورة مكيّةً، كما هو المعروف، فإنّ التأكيد على المسألة الاجتماعية في عتق الرقيق وفي إطعام الطعام، يبدو مبكّراً كمدخلٍ للتخطيط الواسع لهذا الاتجاه في شريعة هذا الدين الجديد، الذي ستتحرّك تفاصيله في مستقبله في حلّ المشكلة الإنسانية المعقّدة، ليوحيَ للناس بالحياة الواقعية التي يستريح إليها الإنسان. إنّها الإشارات الأولى التي تفتح المسألة العقيدية على المسألة الاجتماعية في ما خطَّط الله له من تدريجيّة التشريع. ***** الشخصية الإسلامية بين الإيمان والأخلاقية الروحية: وهكذا تابع القرآن التأكيد على تركيز الشخصية الإسلامية على القاعدة الإيمانية من جهة، وعلى الأخلاقية الروحية العملية من جهةٍ أخرى، لئلّا تكون المسألة الاجتماعية في الإسلام مجرّد حالةٍ عاطفيةٍ تتمثّل في عتق الرقيق وإطعام الطعام، بل تمثّل فكرةً في الذهنية، وقاعدةً في الالتزام وحركةً في العمل، وهذا هو ما توحي به الآية التالية. {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} التعبير بـــ "ثمّ" يدلّ على التراخي، وليس المراد به التراخي الزماني، بل التراخي المعنوي، لأنّ الإيمان والتَّواصي بالصبر والمرحمة، يمثّلان البعد الأوسع في المعنى الروحي والخطّ الإنساني من إطعام الطعام وعتق الرقبة، لا سيّما أنّ الإيمان يمثّل العمق الروحيّ للعمل الذي يقرّب الإنسان إلى الله. وربّما كان الإيمان هو الخُلُق الإنساني الذي يوحي بالاهتمام بآلام الناس ومشاكلهم ليقود الإنسان إلى الإيمان بالله، من موقع ارتباطه بالصفاء النفسي وبالقيم الروحية في انفتاحها على الله في ذهنيّته كما ينفتح على الخير في روحه وفي حركته. أمّا الصبر، فهو الأساس في معنى العطاء الذي يمثِّل البذل، كمظهرٍ من مظاهر الانتصار على نوازع الذّات التي تهدّده بتهاويل الحرمان، وأمّا المرحمة، فهي المضمون الداخلي للعتق وللإطعام. وإذا تحقّق الصبر والمرحمة في داخل الشخصية، فلا بدّ من أن يؤدّيا إلى العمل على التَّواصي بهما. إنّ خلاصة الفكرة المحتملة في تفسير التراخي الزمني، على تقدير إرادته، هي أنّ العمل الصالح في ذاته قد يتحوّل إلى معنًى في الإيمان وفي التَّواصي بنتائجه. وإذا أردنا أن ندخل في تفاصيل هذه الفقرة، فإنّنا نجد فيها خطّاً تربوياً في بناء الشخصية الإنسانية في دائرتها الإسلامية. بناء الشخصية الإنسانية الإسلامية: فالإيمان بالله هو الذي يعمّق في العقل وفي الروح والشعور الإحساس بعظمة الله وقدرته ووحدانيّته وتدبيره، ما يفتح للإنسان كلّ آفاق الحقّ، ومعاني الخير، وحركة المسؤولية، ونهج الاستقامة، وتوحيد العبادة، في ما يوحي به ذلك كلّه من توحيد كلِّ أوضاعه وأقواله وأفعاله وتطلُّعاته في اتجاه العلاقة بالله والارتباط بإرادته في أوامره ونواهيه ومواقع رضاه، فيكون سائراً في درب الله ومنهاجه في خطِّ العبودية المطلقة أمام الألوهية المطلقة. أمّا الصبر، فإنّه يمثّل الأساس في الإيمان، في ما يعنيه من الالتزام بكلّ معانيه في العمق والامتداد، وفي الانفتاح على كلّ فروعه الأخلاقية والعملية، التي قد تلتقي بالحرمان المالي والنفسي الذي قد يكون مرفوضاً من ناحية النوازع الذاتية، ما يجعل الصبر أساساً للتعامل مع النفس لإجبارها على الانطلاق مع الالتزامات الأخلاقية العملية، والثبات على الخطّ في حالات الاهتزاز. والتَّواصي بالصبر، هو العمل على تثبيت هذه القيمة الإيمانية الأخلاقية في الوعي الإنساني حتى لا ينساها، ولا يهملها، ولا يبتعد عنها أمام الضغوط القاسية الصعبة التي قد تهزم المواقف الاجتماعية، في ما قد يصيبها بفعل الضعف والتخاذل الذي قد يضغط على الناس، فإذا أوصى بعضهم بعضاً بالتماسك والثبات في المواقف، أعطى ذلك قوّةً في الشخصية الحركيّة من أجل إيجاد قاعدة ثابتةٍ للسلوك الفردي والاجتماعي القائم على الالتزام بالقضايا الحيوية الخاصة والعامة. إنّها المحاولة العملية لإيجاد خطَّةٍ إعلاميةٍ عامةٍ في مسؤولية الجماعة عن تركيز قاعدة الثبات في الشخصية في الواقع الاجتماعي، باستعمال مختلف الأساليب الروحية والفكرية والعاطفية، الضاغطة على كلّ نقاط الضعف الإنساني، المؤثّرة في تكوين ذهنيةٍ واقعيةٍ ترصد نقاط القوّة وتعمل على تحريكها في حياة الإنسان. وأمّا المرحمة، فهي العنصر الحيوي في كلّ القِيَم الإنسانية التي تتفاعل مع آلام الناس ومشاكلهم وحاجاتهم، بحيث تحشد المشاعر العميقة لتثير الفكرة التي تنفتح، وتحرّك الشعور الذي يتعاطف، وتوحي بالعمل الذي يحتوي ذلك كلّه في عملية مشاركةٍ في الحلّ، ومبادرةٍ للتخفيف ولاحتواء كلّ الأجواء السلبية وتحويلها إلى أجواءٍ إيجابية. وقد أراد الله أن يجسّد الاهتمام بها، فاعتبرها من صفاته الكمالية التي يحبّ لعباده أن يذكروه بها في كلمتين "الرحمن والرحيم"، ليتأكّد المضمون العقيدي الأخلاقي في استيحاء علاقة الله بهم في مواقع الرحمة، ليمتدّ ذلك في حياتهم كأساسٍ للقيمة الإنسانية الكبيرة. والتّواصي بالمرحمة، يمثِّل خطوةً تثقيفيّةً تربويّةً، في المستوى الإعلاميّ والعمليّ للسيطرة على كلِّ نوازع الأنانية الذاتية، ومشاعر القسوة المعقّدة الناشئة من جفاف الينابيع الإنسانية في أعماقهم، وسيطرة العناصر الوحشية في شخصيّاتهم، ممّا قد يهدّد سلامة المجتمع. ولعلّ هذه الحركة الاجتماعية التي لا تنحصر في هيئةٍ معيّنةٍ، بل تمتدّ إلى مسؤولية كلّ فرد في الجماعة، هي التي تخلق رأياً عاماً في مسألة الرحمة، وإحساساً عميقاً في روحية المجتمع، بحيث تتحوّل من حالةٍ عاطفيةٍ فرديةٍ، إلى قاعدة أخلاقية اجتماعية في تفكير المجتمع وإحساسه وحركته على مستوى القيمة الكبيرة. ***** بين الأمر بالمعروف والتَّواصي بالصبر والمرحمة: وقد نخرج من التأكيد على التَّواصي بالصبر والتَّواصي بالمرحمة، في بناء الشخصية الباحثة في طبيعتها وفي عملها عن الحصول على رضى الله، بفكرةٍ إسلاميةٍ على مستوى القاعدة، وهي أنّ الإسلام يعمل على توجيه المسلم إلى تحمُّل المسؤولية في إشاعة القيمة الروحية الأخلاقية في الوعي الاجتماعي، بحيث يعمل على إثارة كلّ مفرداتها في مسؤوليّته الإعلامية كجزءٍ من مسؤوليته الدينية في الدعوة إلى الالتزام بالله في رسالته في ما قد يأخذ بعض ملامح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا مجال للمواقف الانعزالية عن مجريات الواقع الإنساني من حوله، البعيدة عن الاهتمام بحركة السلبيات فيه، سواء كان ذلك في نطاق الانحراف الفردي أو في نطاق الانحراف الاجتماعي، بعيداً عن كلّ تهاويل الإثارة الرافضة للتدخّل في شؤون الآخرين في ما يمارسونه من انحرافاتٍ أخلاقيةٍ بعنوان الحفاظ على الحرية الشخصية، لأنّ المسألة تتّصل بالسلامة الاجتماعية. وبهذا، فإنّ القضية لا تختصّ بالصبر والمرحمة، بل تشمل كلّ القِيَم الأخلاقية الأخرى. وربّما كان التأكيد عليهما باعتبارهما عنوانين شاملين للمفردات الأخلاقية الإنسانية في مواقعها العملية، ولمناسبتهما للجوّ الذي يسود السورة. وفي التعبير بكلمة "التَّواصي"، بعض الإيحاء بالأسلوب الهادئ الحكيم الحميم الذي ينفذ إلى الفكر بحكمةٍ واتّزانٍ، ويسرٍ وسهولة على أساس الرفق، لأنّ العنف لا يستطيع أن يغيِّر القناعات والمشاعر، بل يعقِّدها بشكلٍ كبير، فليس هناك إلاّ اللّين في الكلمة والأسلوب والجوّ الذي يحمل عنوان الوصية التي توحي بأكثر من معنى شعوريٍّ حميم، في ما يحمِّل الناس بعضهم البعض المسؤولية عن بعض الأشياء التي يحبّونها لأنفسهم ولغيرهم من موقع المحبّة، وعمق العلاقة، والإيحاء بارتباطات الاهتمام بهذه الأشياء بعلاقتهم العامة والخاصة. ***** أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة: {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ} الذين جعل الله لهم المرتبة الرفيعة لديه من خلال عمق إيمانهم، وصدق التزامهم، وثبات مواقفهم في خطِّ رضاه. وهم الذين يحملون كتابهم بيمينهم، للدلالة على طبيعة درجتهم عند الله. {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا} وكذبوا بها عناداً واستكباراً، {هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ} أي أصحاب الشمال، في ما توحي به مقابلتهم بأصحاب الميمنة، أو أصحاب الشؤم والنحس في ما يمثّله مستقبلهم من مضمون ذلك. وهم الذين يحملون كتابهم بشمالهم، كدليلٍ على انحطاط درجتهم عند الله، وظلام مصيرهم لديه. {عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةٌ} أي مغلقة، لا مجال لخروجهم أو فكاكهم منها، لأنّ القضية قضيّة الخلود في النار التي أعدَّها الله للكافرين المعاندين. وإذا كان الله قد تحدَّث عن الذين كفروا من دون تفصيل، فلأنّ الكفر لا يوحي بأيّ خير، كما أنّ السورة قد قدّمت النموذج للإنسان البخيل الذي يحاول أن يبرّر امتناعه عن الإنفاق بأنّه قد أهلك مالاً لبدّاً، متخيِّلاً أنّه ليس موضع رقابة أحدٍ، كما يخيّل إليه أن لن يقدر عليه أحدٌ. كما أنّه ممّن وقف عند العقبة ولم يقتحمها، فكان جزاؤه جزاء الذين يواجهون نتائج ذلك. ***** 4 ـــ تكامل الشخصية الإنسانية الإسلامية: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} [الزمر : 9]. ***** معاني المفردات: {قَانِتٌ}: قائم بالطاعة. {آنَاء}: جمع آن، أي ساعة من الزمن. ***** {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً} في ما يعنيه القنوت من الالتزام بطاعة الله في روحية الخاشع الخاضع المتمثّل في هذا المظهر العبادي الذي يمثّل الانسحاق تحت تأثير إرادة الله، وفي التعبير العميق للسجود بما يمثّله من الاستسلام الكلّي أمام أوامر الله ونواهيه، في ما يحبّه أو يسخطه، {يَحْذَرُ الْآخِرَةَ} فهو في قلقٍ دائمٍ من خطأٍ يقع فيه أو خطيئةٍ يمارسها، أو انحرافٍ يبتعد فيه عن الاستقامة، فيحتاط لذلك في النظرة والمعرفة والممارسة حذراً من الوقوع في ما يجلب له الهلاك في الآخرة، {وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} من جهة ما يؤمّله من رحمة الله التي وصف بها نفسه كعنوانٍ لعلاقته بعباده لجهة سبقها لغضبه، ولجهة اتّساعها لكلّ شيء، ومن جهة ما يأخذ به نفسه من الوقوف عند مواقع رحمته في ما يحبّه من طاعته، ويبتعد به عن معصيته. هل يستوي هذا العبد المطيع الخاضع الخائف من النار، الراجي رحمة الله، مع الكافر الضالّ المضلّ الذي يتمرّد على الله ويستهين بعذابه؟ وهل يكون الجواب إلاّ أنّهما لا يستويان عند الله، بل يتميّز المؤمن الشاكر على الكافر المتمرّد {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} في القيمة الإنسانية التي يمثّل العلم في حساباتها، المستوى الكبير الذي يفتح شخصية الإنسان على الآفاق الرحبة في الحياة بأسرارها العميقة، وامتداداتها البعيدة، ورحابها الواسعة، وقضاياها المعقّدة، وشؤونها المتنوّعة، وحساباتها الدقيقة، بحيث يملك من خلاله وضوح الرؤية للأشياء، فيفكّر في نور، ويتحرّك في نور، بينما يمثّل الجهل الأفق الضيّق، والظلام الدامس، والتخلّف المتعفّن، والعقلية المعقّدة، والنظرة القلقة الحائرة، وغموض الوعي للأمور، وبذلك يتحرّك الإنسان في الليل المظلم في فكره وشعوره وحركته في خطّ الحياة. فلا يستوي الذين يملكون العلم في القيمة الإنسانية والذين لا يملكونه، بل يتقدّم العلماء على الجهلاء عند الناس وعند الله الذي يريد لعباده أن يأخذوا بأسباب العلم، وينطلقوا في رحابه، ويتعمَّقوا في أسراره، ليحصلوا على الهدى من خلاله، وليصلوا إلى معرفة الله في وعي الإيمان، وحركة الالتزام. وقد استوحى الإمام عليّ (عليه السلام) هذا المعنى فقال: "قيمة كلّ امرئ ما يحسنه"(1)، فأعطى المعرفة دور القيمة، في مقابل الذين أعطوا القيمة للمال وللجاه، ولغير ذلك من متاع الدنيا وقِيَم المادّة. {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} أي العقول، في ما يوحي به ذلك من حركة العقل في حياة الإنسان، في إغناء الذّات بالفكر المتأمّل الذي يفتح الوعي على الساحة من حوله، ليحدّد له الفاصل بين الحقّ والباطل، والخير والشرّ، والحسن والقبح، والهدى والضلال، لتنطلق إرادته في رشد الاختيار، ليتذكّر ربّه، فيعبده حقّ عبادته، ومسؤوليّته، فيقوم بها كما يجب، ومصيره، فيخطّط له على خير ما يرام. وهكذا يبتعد بالعقل عن الغفلة، وينأى عن النسيان والسقوط. وهكذا نجد أنّ هذه الآية جمعت في فقراتها العناصر الثلاثة في تكامل الشخصية الإنسانية الإسلامية: 1 ـــ العقل الذي يبدع للإنسان خطّ التوازن في المعرفة. 2 ـــ العلم الذي يفتح له آفاق الحياة ـــ من خلال حركة الفكر ـــ في موارده ومصادره ومفرداته، ليعيَ ـــ بواسطته ـــ كيف يسلك الخطّ المستقيم في حياته. 3 ـــ الالتزام الدقيق بأوامر الله ونواهيه في عباداته ومعاملاته وعلاقاته العامة والخاصة، وهذا ما يؤمّنه الخوف من الآخرة، والرجاء برحمة الله. وهذه الأمور يريد الله للإنسان أن يحرّكها في حياته، كي يحصل على النتائج الكبيرة في قضيّة المصير. ***** 5 ـــ تركيز أصالة العمل في الشخصية الإسلامية: {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ*وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [البقرة: 81 ـــ 82]. ***** {بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ*وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} يؤكّد القرآن في هاتين الآيتين القاعدة للخلود في الجنّة أو في النار، بعيداً عن كلّ الامتيازات، أو الاستثناءات المتوهّمة للأشخاص أو للأُمم، فليس في الآخرة طبقات على المستوى المعروف لدى الناس في الدنيا، لأنَّ الطبقية هنا تنشأ من حصول الإنسان على امتياز ماديّ أو معنويّ، يتميَّز به عن غيره، فيجعل له قيمةً متميّزةً لدى سائر الناس؛ أمّا في الآخرة، فالجميع متساوون أمام الله؛ فلا علاقة لأحد بالله أكثر من غيره، من ناحية ذاتية، لأنّهم مخلوقون له، ومن ناحية الصفات، لأنّها هبةٌ من الله، فلا مجال هناك إلاّ للعمل وَحْدَهُ، فهو القيمة الأولى والأخيرة التي ترفع مستوى الإنسان عند الله، ولهذا كانت قضية الجنّة والنار خاضعةً للعمل لجهة خلود الإنسان في الثواب والعقاب؛ فأمّا الخالدون في النار فهم الذين واقعوا الخطيئة من قاعدة روحية وفكرية وعملية، فهي محيطة بهم من كلّ جانب وليست شيئاً طارئاً ممّا يحدث للإنسان، كنتيجةٍ لنزوة سريعة. إنّهم يعتقدونها ثمَّ يعيشونها فكراً وشعوراً وعملاً، وهؤلاء هم المجرمون المتمرّدون الذين يواجهون الحقّ من موقع الوضوح في الرؤية، ولكنّهم يصرّون على الابتعاد عنه والتمرّد عليه، والمتاجرة بكلماته بعيداً عن روحه، والتحريف لآياته؛ وهؤلاء هم الذين لا يتطلّعون إلى الإيمان بالله بروحية منفتحةٍ تخشع أمام ذكره وتخضع لآياته، وتستسلم لأوامره ونواهيه، بل يمرّون مروراً سريعاً، تماماً كأيّة فكرة طارئة، أو وهم زائل، وهؤلاء هم الظالمون الذين يفسدون في الأرض ويبغون فيها بغير الحقّ، وينازعون الله سلطانه وكبرياءه، عندما يخيَّل إليهم أنّهم آلهة صغار، من خلال نوازع الكبرياء والعظمة الذاتية، التي توحي بها السلطة في مظاهر القوّة والسلطان، أو الذين يشركون بعبادة الله غيره، ممّا يصنعونه بأيديهم من الخشب والحجر وغيرهما ممّا يصنع منه الأصنام، أو ممّا يصنعونه بطاعتهم وخضوعهم من أصنام اللّحم والدم من الطغاة والمستكبرين الذين يصنع منهم الأتباع آلهة وسادة، ولولاهم ما كانوا شيئاً مذكوراً. هذه هي النماذج التي تكسب الخطيئة من موقع القاعدة، هم أصحاب الخلود في النار، وهم الذين تنطبق صفاتهم على هؤلاء الذين لم يتركوا خطيئة إلاَّ ومارسوها بكلّ قوّة وعزم وتصميم، من التمرّد على الأنبياء، وقتلهم الأنبياء بغير حقّ، وتحريف كلام الله، والمتاجرة بالأكاذيب والبدع.. وغير ذلك، ما يدلّ على وجود أساس روحيّ أو فكريّ للتمرّد والطغيان، أو يوحي بأنَّ علاقتهم بالله لا تمثّل شيئاً كثيراً في حياتهم ليندفعوا ـــ من خلاله ـــ في طريق الطاعة والتوبة؛ فكيف يرون لأنفسهم هذا الامتياز الإلهيّ الذي يؤمنهم من الدخول في النار؟ وأمّا الخالدون في الجنّة، فهم الذين عاشوا الإيمان في نفوسهم فكراً وشعوراً وروحانية، فهم يقفون أمام الله موقف المؤمن الذي يحسّ وجوده بمشاعره، كما يتعقّله بفكره، وهم الذين يعيشون الإحساس بالعبودية المطلقة التي تدفعهم إلى الخضوع والخشوع والاستسلام لله في أعمالهم، ولكنّهم قد يخطئون ويتمرّدون نتيجة نزوة سريعة أو هفوة طارئة ممّا يدخل في حساب الغفلة والنسيان ووسوسة الشيطان، من دون أن يكون هناك أساس نفسيّ أو فكريّ يشجّع على ذلك يدفع إليه، ولهذا نجدهم يتراجعون عند أوّل حالة انتباه أو تذكّر أو يقظة ضمير، كما حدّثنا الله عنهم في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ} [الأعراف: 201] فهؤلاء هم أصحاب الجنّة المتّقون، الذين عاشوا روحيّتها في روحيّتهم، وأخلاق أهلها في أخلاقهم في الأرض قبل أن ينتقلوا إليها. {بَلَى} ليس الأمر كما قالوا وزعموا زعماً بعيداً عن كلّ حقيقة، بل المسألة خاضعة لقاعدة ثابتة في ثواب الله وعقابه، ممّا لا يرجع إلى امتيازات ذاتية لإنسان معيّن أو شعب معيّن. {مَن كَسَبَ سَيِّئَةً} عميقة الجذور في ذاته بحيث كان لها الدور الكبير في تغيير كلّ فكره وعمله في الاتجاه السلبيّ، ليكون إنساناً محاصراً من كلّ جهة، فلا ينفذ إلى عقله شيء من الحقّ، ولا إلى حياته شيء من الخير، فقد أطبقت عليه ضلالته {وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيـئَتُهُ} من كلّ جانب، فأينما يتوجّه ويتحرّك فهناك خطيئة في فكره وفي عمله. ولعلّ الشرك الذي لا يغفره الله هو التجسيد الحيّ لهذه السيّئة التي يكسبها الإنسان فتبعده عن الله في توحيد العقيدة والعبادة، ويستغرق في الصنمية التي تحوّل حياته إلى جدارٍ مسدود لا مجال فيه للأُفق الواسع، وإلى كهف مظلم لا ينفذ إليه النور من أيّة جهة، فيكون هذا الإنسان خطيئة متجسّدة في حركة الباطل والشرّ والفساد في واقعه الداخلي والخارجي، {فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} لأنَّ مثل هؤلاء لا يرتبطون بالله بأيّة رابطة تنفذ منها رحمته وينفتح عليهم رضوانه، ما يجعل الخلود في النار هو النهاية الطبيعية التي ينتهون إليها. {وَالَّذِينَ آمَنُواْ} بالله ورسله وملائكته وكتبه واليوم الآخر {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} التي أراد الله لعباده أن يأخذوا بها في حياتهم الفردية والاجتماعية وفي علاقاتهم العامة والخاصة، فكانوا التجسيد الفكري للحقّ، والواقع المتحرّك للخير، الأمر الذي يجعلهم في موقع القرب من الله، فلا يزدادون إلاّ خيراً وطاعة ومحبّة وانقياداً له، {أُولَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} فهم أهلها ومجتمعها، وهم الذين يمثّلون أخلاقيتها المنفتحة على الروح والرضوان، ويجدّدون لها حيويتها وحركيّتها في إنسانيّتهم الخيّرة التي عاشت مع الله وانتهت إليه في مواقع القرب عنده. ***** العاملون أمام الامتيازات الطارئة: وقد ينبغي للعاملين في حقل التوعية والدعوة الإسلامية، أن يركّزوا على هذا الجانب في المفهوم الإسلامي الأصيل للقرب من الله والبعد عنه، فلا يسمحوا للامتيازات الطارئة التي توزّع الجنّة والنار بين الناس على أساس أنسابهم ـــ حتّى ولو كان النسب مرتبطاً برسول الله ـــ أو على أساس انتماءاتهم المذهبية من دون أن يكون لذلك أيُّ أثر في سلوكهم العملي وتطلُّعاتهم الروحية، لأنَّ ذلك يتنافى مع المفهوم القرآني، الذي يُعتبر الأساس في صحّة أيّ مفهوم وفساده، فإذا كان القرآن يطرح القضية في موقع الإيمان والعمل، فكيف يمكن أن نجرّد المقياس من العمل فنعتبره ثانوياً ونبقي على جانب الإيمان وحده؟! ثمّ هل يمكن أن نكتشف الإيمان الحقّ إلاّ من خلال العمل؟! أمّا ما يُخيّل وجوده لدى بعض الناس من عاطفةٍ إيمانية، إزاء بعض المقدّسات أو الروحيات، فإنّها قد تدخل في نطاق التربية العاطفية، التي يعيشها الإنسان في طفولته أو في بيئته، بعيداً عن جانب العقيدة عنده. وقد يحاول البعض أن يُدخل قضيّة الاستثناءات المطروحة في باب العام والخاص أو المطلق والمقيّد، ممّا اعتاد الفقهاء والأصوليون إثارته في كلّ قضية من القضايا الشرعية التي يقف فيها الإنسان بين أمرين، أحدهما يدلّ على الإطلاق، والآخر يدلّ على التحديد، فيحملون المطلق على المحدود، فيركّزون بذلك الاستثناءات في القاعدة. ونحن لا نمانع في القضية من ناحية المبدأ، فإنّ هذه القاعدة اللّغوية تُعتبر من بين القواعد المسلّمة في أساليب اللّغة العربية، لأنّ أيّ متكلّم قد يجري في أسلوبه على إصدار القاعدة من دون قيود لتكون أساساً عاماً يرجع إليه في حالات الشكّ، ثمّ يُتبعها بالاستثناءات في أدلّة مستقلّة لتكون دليلاً على التقييد. ولكن هذا لا يجري في الحالات التي تدخل في نطاق الضوابط العامة التي يُراد منها التحديد المطلق من أجل إعطاء المفاهيم الأساسية العامة، فقد يدخل ذلك في سياق العموميات أو المطلقات الآبية عن التخصيص أو التقييد ـــ كما يقول الأصوليون ـــ ولا سيّما في أمثال هذه القضايا التي يشعر معها الإنسان، بأنَّ المفهوم المطروح في الآية ينسجم مع طبيعة العلاقة التي تربط الله بعباده، حيث لا أساس لأيّ شيء ذاتي في هذا المجال، لما ذكرناه من تساوي الخلق أمام الله في كلّ الامتيازات المتوهّمة، فلا يبقى إلاّ العمل المستند إلى الإيمان. أمّا حديث المغفرة في غير حالة الإشراك بالله، فهذا لا يدخل في نطاق حديثنا، لأنَّ حديثنا يرتكز على أساس الاستحقاق. أمّا المغفرة وعدمها، فإنّها تدخل في نطاق التنفيذ، فقد أخذ الله على نفسه ـــ برحمته ولطفه ـــ أن يعفوَ عن المذنبين الذين يستحقّون دخول النار أو الخلود فيها، وذلك بلحاظ بعض الأعمال أو النيَّات التي تجعل الإنسان موضعاً لرحمة الله. وخلاصة الحديث، أنّ من الضروري التركيز على هذا المقياس في الثواب والعقاب في التربية الإسلامية للمؤمنين، ليكون ذلك حافزاً لهم على تنمية الإيمان والعمل في حياتهم، ليتقرَّبوا بذلك إلى الله طمعاً في نيل رضاه، ولا يستسلموا للامتيازات الطارئة، بحيث يتركون العمل، أو يتهاونون فيه اعتماداً على ما يخيّل إليهم من أسباب الأمان. ***** شريعة الله الشريعة ميثاق بين الله وعباده ـــ الخطوط العامة للشريعة الإسلامية ـــ هدف التشريعات الإلهية ـــ قسوة التشريع ملازمة لدرجة حفظ سلامة المجتمع ـــ الفارق بين مقتضيات التشريع الدينيّ والتشريع الوضعيّ. 1 ـــ الشريعة ميثاق بين الله وعباده: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ*وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ*ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ*أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} [البقرة: 83 ـــ 86]. ***** معاني المفردات: {مِيثَاقَ}: الميثاق: أخذ العهد ولا يكون إلاّ بالقول. {وَالْمَسَاكِينِ}: الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم. {تَوَلَّيْتُمْ}: أدبرتم وأعرضتم. {مِّعْرِضُونَ}: مدبرون. {تُفَادُوهُمْ}: فاداه مفاداة وفداءً: أطلقه وأخذ فديته. وقيل: المفاداة أن تدفع رجلاً وتأخذ رجلاً، والفِدى أن تشتريه؛ وقيل: هما واحد. {خِزْيٌ}: ذلّ وهوان. ***** أراد الله من بني إسرائيل أن يوحّدوه فلا يعبدوا غيره، وأن تكون علاقاتهم بوالديهم وبأقربائهم وبأيتامهم ومساكينهم مبنيّة على الإحسان الطيّب، باعتبارهم من الفئات التي تحتاج إلى ذلك، إمّا من موقع الحاجة الذاتية، وإمّا من موقع ارتباطها بالجانب الإنساني للعلاقات. ثمّ طلب منهم أن يقولوا للناس حسناً في مجال المعاشرة والمحاورة، لأنّ للكلمة الطيّبة أثرها الكبير في انفتاح القلوب على الخير والمحبّة والإخلاص، وفي انطلاق العقول مع الفكرة بعيداً عن التعصّب والتعقيد والعناد والمكابرة، ما يجعل من الكلمة رسولاً حبيباً إلى القلب والعقل، فترتكز الحياة الاجتماعية ـــ من أجل ذلك ـــ على قاعدةٍ متينة من التفاهم والتحابب والتعاون. وجاء بعد ذلك دور إقامة الصلاة، باعتبارها معراجاً لروح المؤمن إلى الله، حيث ينفتح الإنسان من خلالها يومياً على المعاني الروحية الواسعة الممتدة، التي لا تضيق بالأعباء الكبيرة التي تفرضها الطاعة أو يوحي بها الجهاد، ولا ترتبط بالحياة إلاَّ باعتبارها مجالاً من مجالات العمل والمسؤولية، لأنَّ هذا اللّقاء بالله يملأ النفس شعوراً عميقاً بجديّة الحياة وبارتباطها بالحكمة في كلّ ظواهرها وبواطنها من خلال حكمة الخالق، ما يجعل من السير في طريق الحقّ هدفاً كبيراً لحياة الإنسان. أمّا إيتاء الزكاة، فإنّه يحقّق للنفس إنسانية العطاء عندما لا تختنق في دائرة حاجاتها الذاتية ومطامعها الشخصية في ما أنعم الله عليها من نِعَم المال، بل تعيش الشعور بآلام الآخرين وحاجاتهم ومطامحهم، فتعمل على تلبية حاجات الآخرين، باعتبار أنَّ المال الذي يملكه الإنسان ليس شرفاً وامتيازاً له، بل هو وظيفة ومسؤولية في ما يحتاجه أو يحتاجه الآخرون، وبذلك كانت الزكاة عبادة اجتماعية يشترط في صحّتها ما يشترط في كلّ عبادة من نيّة التقرّب بها إلى الله، كما كانت الصلاة عبادةً يتقرّب بها الإنسان إلى الله في خضوعه لذاته المقدّسة. وتنتهي هذه المجموعة من التشريعات في هذه الآية لتبدأ عملية المحاكمة والمحاسبة والمقارنة، وذلك في لفتةٍ سريعة للواقع الذين يعيشونه، فنلتقي بهم وهم مُعرِضون عن ذلك إلاَّ القليلين منهم ممّن آمنوا إيمان الوعي والإخلاص، فثبتوا على خطّ الإيمان واستقاموا فكراً وعملاً في جانب المعاملة، أو في نطاق العلاقة العامة والخاصة. فإذا انتهى هذا الجانب من الميثاق، بدأ جانب آخر يتّصل بعلاقاتهم الداخلية. ***** حقّ الإنسان بالحياة والحريّة: وأخذ الله عليهم الميثاق باحترام النفس، فلا يعتدى عليها بالقتل، واحترام حريّة الإنسان في بقائه في داره، فلا يخرج منها قهراً بدون حقّ. أمّا السرّ في التركيز على هذين الجانبين، فلأنّهما يمثّلان ـــ في الظنّ الغالب ـــ العنصرين الأساسيين من عناصر الحريات الإنسانية، وهما عنصر حرية الحياة في امتدادها إلى ما يشاء الله من دون اعتداء، وحريّة بقاء الإنسان في أرضه وداره، لأنَّ الحريّات الأخرى متفرّعة عنهما كما يظهر بالتأمّل. لقد أخذ الله عليهم الميثاق بالالتزام بهاتين الحرّيتين فيما بينهم، فماذا كانت النتيجة؟ إنّها تماماً كالنتيجة في الميثاق الأوّل، فلقد انطبعت حياتهم بالعدوان على النفس، وبدأت سياسة الغلبة والقوّة تتحكَّم بهم، فضيَّقوا على حريّة الضعفاء الذين لا يخضعون لطغيانهم وبغيهم، فأخرجوهم من ديارهم بالإثم والعدوان. وهنا تأتي المفارقة التي تمثّل ازدواجية المواقف إزاء علاقاتهم العامّة، فهم في الوقت الذي يستبيحون قتلهم وإخراجهم من ديارهم، نراهم في موقف آخر يمارسون سلوكاً يوحي باحترام الإنسان، وذلك عندما يقع هؤلاء الضعفاء أسرى في يد أعدائهم، فإنّهم يعملون على دفع الفداء عنهم لينقذوهم من الأسر. إنّها مفارقة تلفت النظر؛ فإذا كانوا يؤمنون باحترام الإنسان في نفسه وأرضه، فما معنى السلوك الأوّل؟ وإذا كانوا لا يؤمنون بذلك، فما معنى السلوك الثاني؟ إنّه السلوك الذي لا يرتكز على قاعدةٍ فكرية ثابتة، بل يخضع للعوامل الطارئة من العصبية والحميَّة وغيرهما من حالات الانفعال الإنساني في العلاقات العامة، ولهذا ينطلق القرآن ليشجب هذا الواقع، كما في قوله تعالى: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}، فإنَّ الالتزام بالكتاب يفرض الالتزام بمفاهيمه ومواقفه وتشريعاته، باعتباره القاعدة الأساسية للتفكير والموقف والعمل. هذا بالإضافة إلى أنّ الأخذ ببعض الكتاب والكفر ببعضٍ آخر، يشوّه الصورة الحقيقية للفكرة، وذلك كما يفعله بعض الحكّام الذين يأخذون بقوانين العقوبات في الإسلام كالحدود، فيجلدون شارب الخمر، ويقطعون يد السارق، ولكنَّهم لا يأخذون بالتشريعات الإسلامية في العدالة الاجتماعية، والنظام الأخلاقيّ، والتخطيط الاقتصاديّ، بحيث لا ينطلق السارق من حاجةٍ اقتصاديةٍ ضاغطة بل من عقدةٍ ذاتية مستعصية، الأمر الذي يعطي الصورة المشوّهة القاسية عن الإسلام من خلال الواقع الضاغط أمام التشريع الصعب. وربّما كانت المسألة تمثّل الازدواجية بين العقدة الذاتية المتحكّمة في علاقات بعضهم ببعض، في خلافاتهم العميقة الشديدة التي يمثّلها قوله تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر : 14] وبين الهيكلية الاجتماعية في موقفهم الموحَّد أمام الآخر الذي يهدّد وجودهم فينتصرون لبعضهم البعض في مواجهته. ***** ما معنى الخزي الدنيوي: ثمَّ يعقِّب الله على ذلك {فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}، لأنَّ هذا الواقع سيؤدّي ـــ حتماً ـــ إلى اختلال الأُسس العامة التي يرتكز عليها بناء المجتمع، فإذا أصيب بالتحلُّل والانهيار، وضعف عن الامتداد والتماسك، وقع تحت سيطرة المجتمعات الأخرى، حيث يعاني في ذلك الخزي والهوان، فيسقطون تحت تأثير مفاهيمها الكافرة أو الضالّة، ويندمجون في الاستغراق في خطوطها الفكرية والعملية، فلا يؤمنون بالجهاد لأنّه يؤدّي إلى تعقيد علاقاتهم بها، ولا يدعون إلى تحكيم الله في برامجه وشريعته في الحياة، ولا يعملون على صنع القوّة، فيفقدون الإحساس بوجودهم الحيّ المتحرّك الفاعل الذي يتحوّل ـــ تدريجياً ـــ إلى هامشٍ من هوامش وجود الآخرين. أمّا في الآخرة، فإنّهم سيردون إلى أشدّ العذاب، لأنَّ سلوكهم يمثّل التمرُّد والطغيان على إرادة الله، وهو ما يعني الاستهانة به ـــ تعالى ـــ والانحراف عن خطّ العبودية له. ويختم الفصل بإعطاء القاعدة العامة التي تحكم مثل هذه النماذج، فهم الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة، فلم يعتبروا الآخرة شيئاً كبيراً في حياتهم ليواجهوا مسؤوليّتهم من خلالها، وأخلدوا إلى الأرض وارتبطوا بمقاييسها ومفاهيمها من اللّذة والطمع والبغي والعدوان. وهكذا، فإنّهم لا يواجهون إلاَّ العذاب الشديد الذي لا يخفّف عنهم ولا يجدون لهم من دون الله وليّاً ولا نصيراً. ***** تفاصيل الميثاق بين الله وبين بني إسرائيل: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ} الذي أردنناه الأساس لعلاقتهم بالله في سلوكهم العملي في الحياة، ليعرفوا أنَّ وجودهم فيها يساوي التزامهم بالتعاليم الإلهية كعهد وثيق بينهم وبين الله، {لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ}، وهذا هو التوحيد الذي يمثّل قاعدة الفكر في العقل وحركة الإحساس في القلب، لتكون حياتهم خطّ استقامة في خطّ التوحيد، بحيث يصدرون في كلّ مجالاتها عن النظرة التي تجعل كلّ تطلُّعاتهم وخطواتهم ومشاريعهم وأهدافهم من خلال الطاعة المطلقة للإله الواحد، فلا شرك في العقيدة ولا تعدُّدية في العبادة والطاعة. {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً} فهما السبب المباشر لوجود الإنسان، وعليه مبادلتهما إحساناً بإحسان، {وَذِي الْقُرْبَى} الذين يمثّلون الرحم القريب الذي هو المجتمع الأقرب للمجتمع الإنساني الأوّل الذي يتحمّل الإنسان مسؤولية رعاية أفراده بالإحسان، {وَالْيَتَامَى} الذين فقدوا الآباء الذين يقومون برعاية شؤونهم وحمايتهم من كلّ خطر أو سوءٍ وتوجيههم للحياة الطيّبة الكريمة، ما يفرض على المجتمع أن يقوم بسدّ هذا الفراغ وتعويض هذا النقص النفسي والواقعي، {وَالْمَسَاكِينِ} الذين يعانون من الحاجة المادية ويسقطون تحت تأثيرها في دائرة المستكبرين، ليفقدوا إنسانيّتهم أمام ذلك، الأمر الذي يريد الله فيه للنّاس تدبير أمرهم، والإقامة بإعالتهم، وسدّ حاجتهم، بالطريقة التي تحفظ لهم كرامتهم. {وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً} وهذا هو خطّ التعامل مع الآخرين على مستوى حركة العلاقات الشخصية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، بحيث تكون الكلمة الطيّبة والقول الحسن والأسلوب الجميل، عناوين إنسانيّةً في انفتاح الإنسان على الإنسان الآخر، لأنَّ القول الحسن في اللّفظ والمعنى يفتح القلب، وينعش الروح، ويقرّب الإحساس، ويقوّي الروابط بين الناس. وقد جاء عن الإمام الباقر (عليه السلام) في تفسير هذه الفقرة قال: قولوا للناس أحسن ما تحبُّون أن يقال لكم، فإنَّ الله عزَّ وجلّ يبغض السبّاب الطعّان على المؤمنين، الفاحش المفحش، السائل؛ ويحبّ الحليم العفيف المتعفّف(1). {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ} التي هي وسيلة القرب إلى الله. {وَآتُواْ الزَّكَاةَ} والزكاة هي المضمون الإنساني للتكافل الاجتماعي في حركة العطاء في الشخصية المتفاعلة مع الواقع الاجتماعي في الحاجات الإنسانية العامة. وهذه هي المفردات التي تتضمّن الأوامر الإلهية في حركة الإيجاب في السلوك الإنساني التي أراد الله لكم إطاعتها والالتزام بمضمونها. {ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ} عن الوفاء بالعهد والاستجابة للأمر الإلهيّ في ذلك كلّه. وهناك مفردات تتّصل بالجانب السلبيّ في الحياة، بحيث لا يريد الله صدورها من الإنسان، لأنّها تفسد عليه حياته العامة والخاصة، وتحطّم له نظامه الاجتماعي الذي به يسعد ويتقدّم. {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} في الجانب السلبيّ من السلوك { لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءكُمْ}، لأنّ الله جعل للدماء حرمتها وللنفوس قداستها في الواقع الإنساني، فلا حقّ لإنسان في إزهاق روح إنسان آخر وسفك دمه، إلاَّ بالحقّ الذي يمثّل التشريع الإلهيّ في موارد الرخصة في ذلك. {وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ} لأنَّ الله أراد للإنسان أن يكون آمناً في بيته، حرّاً في اختيار البقاء فيه، فلا سلطة لأحد في إخراجه منه إلاَّ بالحقّ في دائرة التشريع الإلهيّ. {ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ} على أنفسكم بذلك {وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} على ما أخذه الله من الميثاق على آبائكم وعليكم من خلالهم، ما يفرض عليكم الالتزام به كما هو الأمر بالنسبة إليهم. {ثُمَّ أَنتُمْ هَـؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ} فيقتل بعضكم بعضاً، وهو نقض للعهد المأخوذ عليكم. وفي التعبير بـــ "أنفسكم" إيحاء بأنَّ المجتمع يمثّل وحدة قائمة بذاتها، ما يجعل الاعتداء على أيّ فرد منه اعتداءً على النفس كما في قوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنفُسِكُمْ} [النور: 61] أي ليسلِّم بعضكم على بعض. {وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} أي تتعاونون فيما بينكم في تجمّع عدوانيّ لإخراج بعض الناس في مجتمعكم من ديارهم لتشرّدوهم، وهذا ما يوحي بأنّكم لا تلتزمون الوحدة المجتمعية القائمة على أساس التضامن والتعاون والاحترام المتبادل. {وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ}، فإذا رأيتموهم أسارى لدى جماعةٍ أخرى من غير اليهود من أعدائكم، فإنّكم تفادونهم وتتحمّلون مسؤولية تحريرهم منهم، وهذا ما يوحي بالتزامكم بهم كجماعةٍ منكم تحملون مسؤوليّتها الأمنية. {وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ} فقد جاء التحريم من الله في مسألة إخراجهم، فكيف تجمعون بين العدوان الذاتيّ عليهم في داخل مجتمعكم، ومفاداتهم وتحريرهم من غيركم؟! {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ} ممّا لا ينسجم مع الالتزام الإيمانيّ بالكتاب كلّه، الذي يفرض الإيمان به في جميع أحكامه، باعتبار أنّه الوحي الصادر من الله سبحانه. {فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ممّا يفرضه هذا الواقع من هزيمتكم وانقسامكم وتعرّضكم للإذلال من قِبَل الآخرين من المسلمين وغيرهم، عندما تتعرّضون للإخراج من دياركم أو لفرض الجزية عليكم. {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ} جزاءً لانحرافكم عن الحقّ، وعدوانكم على أهله بعد إقامة الحُجّة عليكم من خلال رسوله ورسالته. {وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فهو المطلّع عليكم في كلّ سرّكم وعلانيّتكم، والحافظ لكلّ نشاطاتكم ليحاسبكم عليها ويجازيكم بها. {أُولَـئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ} فاستبدلوا الباقي بالفاني، ورضوا بالعَرَض المحدود الزائل من المال والجاه واللّذات الصغيرة، بدلاً من النعم الكبيرة الواسعة الخالدة والرضوان الإلهي العظيم. {فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ} لأنّهم أصرّوا على العناد والاستكبار على الحقّ، {وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} لأنّ الآخرة ليست فرصة الذين ينتصرون لأنفسهم من عذاب الله بعلاقاتهم البشرية الدنيويّة، لأنّه اليوم الذي لا تملك فيه نفسٌ لنفسٍ شيئاً والأمر يومئذٍ لله. ***** من وحي الآيات: وكخلاصة، فإنّنا نستوحي ممّا تقدّم، ما فيه فائدة لواقعنا العملي حاضراً ومستقبلاً، جملة أمور أبرزها التالي: 1 ـــ إنَّ لكلّ شريعة من الشرائع خطّة متماسكة، تحكم ربط أحكامها وتوزيع مواقعها، فلا تجزئة ولا انفصال، بل هي حلقات متّصلة في سلسلة واحدة يكمّل بعضها بعضاً، ما يجعل الالتزام الكلّي بها أساساً لتحقيق الغاية التي أرادها الله منها، ولعلَّنا نستوحي ذلك من الحديث المأثور عن النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): "مَنْ لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلاَّ بُعْداً"(1)، والحديث الآخر المرويّ في نهج البلاغة: "كم من صائم ليس له من صيامه إلاَّ الجوع والظمأ، وكم من قائم ليس له من قيامه إلاَّ السهر والعناء، حبَّذا نوم الأكياس وإفطارهم.."(2). فإنّنا نستفيد منهما أنَّ قيمة الطاعة تتحدّد بمقدار ما تحقّق من هدف الأمر والنهي، سواء كانت الغاية مربوطة بكيفية أداء الطاعة كما في الصلاة والصوم، أو كانت متّصلة بالواجبات أو المحرّمات المرتبطة بهدفٍ واحدٍ، من حيث علاقتها بتكوين الشخصية الإنسانية على قاعدةٍ واحدة. ولعلَّ الآية التي تحدّثنا عنها أبلغ شاهد على الفكرة، لأنَّ احترام حرية الإنسان في نفسه وفي أرضه ينطلق من فكرة الإيمان بحريّة الإنسان المنطلقة من الإيمان بالله في رسالته وشريعته، فلا معنى لأن يؤمن الإنسان بهذه الحرية في جانب ويكفر بها في جانبٍ آخر، لارتباط المواقف بعضها ببعض في تحقيق هذا المعنى الكبير في الحياة. 2 ـــ إنَّ من الممكن استيحاء الفكرة التي ترفض ما تعارف عليه بعض المسلمين من المتأثّرين بالمبادئ والأفكار الأوروبية، سواءٌ منها الأفكار الرأسمالية أو الماركسية أو غيرها من الأفكار غير الإسلامية المتعلّقة ببعض الجوانب العملية السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وخلاصة ما يثيره هؤلاء، أنَّ بإمكاننا أن نأخذ من الإسلام الجانب الروحيّ والأخلاقيّ في المفاهيم والتشريعات المتعلّقة بالحياة، ولا سيّما ما يتعلّق منها بالجانب العباديّ أو الأحوال الشخصية، أمّا التنظيم الاقتصاديّ والسياسيّ والتخطيط الاجتماعيّ، فلا بدَّ لنا فيه من الرجوع إلى الفكر الأوروبيّ، لأنَّ هذا الفكر يرتكز على قواعد علمية مبنية على دراسة الواقع من خلال المعطيات العامة التي أفرزها التطوّر، ويقرّرون ـــ في هذا المجال ـــ أنَّ التشريعات الإسلامية التي تتّصل بهذه الجوانب لا تفي بحاجة الحياة إلى التنظيم والتخطيط، ولكنّنا نلاحظ أنّ هذا اللّون من التفكير محكوم بعقلية الانبهار بالفكر الأوروبي الذي قد يعتبره فوق مستوى النقد، بل هو باعث الحياة المتطوّرة على صورته. وربّما كان من الأجدر بهم ـــ من وجهة الإخلاص للتفكير العلميّ ـــ أن يدقِّقوا في القواعد العامة الإسلامية التي تضمّنتها نصوص الكتاب والسُنّة، وفصّلتها أبحاث الفقهاء المسلمين المستمدّة من المصادر الأصيلة للتشريع، ليطّلعوا على الإمكانات الفكرية والقانونية التي تستطيع أن تدفع بحياة المجتمع إلى الأمام. وقد لا يكفينا ـــ في إهمال هذه الجوانب من التشريع الإسلامي ـــ أن نلاحظ عدم انسجام الشكل العمليّ للأوضاع الإدارية والسياسية والاقتصادية التي كانت في الماضي ـــ عندما كان الإسلام يحكم الحياة ـــ مع الشكل الموجود الآن، لأنَّ من الممكن للاجتهاد الإسلاميّ أن يلاحظ وجود بدائل من قلب التشريع ممّا يملأ هذا الفراغ. إنَّ المسلم يحمل في وعيه الإسلاميّ فكرة إجمالية عن الحقيقة الإسلامية التالية: وهي أنَّ الله في كلّ واقعةٍ من وقائع الحياة حكماً شرعياً محدّداً يصيبه من يصيبه ويخطئه من يخطئه، وهذه الفكرة وإن كانت صحيحة إجمالاً، فهي لا تتعارض وإمكان وجود فراغ يمارس فيه وليّ الأمر حرية التحرّك في بعض المجالات العملية العامة؛ كما يفرض على المفكّرين المسلمين متابعة البحث عن الأحكام الشرعية، في كلّ ما استحدثه الإنسان من أوضاع الحياة وشؤونها وأساليبها، في الواقع السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ، لئلا يبقى الإنسان المسلم في حيرة أمام حركة التطوّر العام في الحياة، إذ يبقى هذا البحث خاضعاً للمبادئ العامة والتصوّرات الكليّة للشريعة، لا مجرّد اجتهاد آخر خالٍ من أيّ ضوابط مقرّرة. من هنا، فإنّنا لا نبرّر اختيار أساليب الفكر المضادّ في بعض الجوانب، والأخذ بالإسلام في البعض الآخر، لأنّنا نكون مصداقاً لقول الله في حديثه عن اليهود: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ}. 3 ـــ إنَّ الله يعتبر الشريعة ميثاقاً بين الله وبين عباده، لأنَّ الالتزام بها يمثّل الإقرار بمضمونها، تماماً كما هو الالتزام ضمن أيّ عهد من العهود، وبذلك يتحوّل العصيان والتمرّد والانحراف إلى عملية خيانةٍ للعهد ونقض له، ما يجعل الصورة قاتمةً في داخل الذّات، فتوحي للإنسان باحتقار نفسه، كما في أيّة حالة من حالات الخيانة، وقد يكون من الخير لنا العمل على إثارة هذا الجانب في أساليب التربية الدينية، لأنَّ الإنسان قد يقبل لنفسه صفة العاصي، ولكنّه لن يقبل لها صفة الخائن، لما تحمله هذه الكلمة من إيحاءات مسيئة تثقل وجود الإنسان وضميره. ***** 2 ـــ الخطوط العامّة للشريعة الإسلامية: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 157 ـــ 158]. ***** معاني المفردات: {إِصْرَهُمْ}: الإصر: الثقل الذي يمنع حامله من الحركة. {وَالأَغْلاَلَ}: القيود. وتوضع في يدي الأسير أو عنقه. {وَعَزَّرُوهُ}: قال الزجّاج: اختلف أهل اللّغة في معنى قوله: {وَعَزَّرُوهُ}، وفي قولهم: عزّرت فلاناً أعزّره عزراً، فقيل: معناه رددته، وقيل معناه: أعنته، وقيل معناه: لمته، ويُقال: عزّرته بالتشديد: نصرته(1). وقيل: التعزيز هو الإعانة والتوقير. ***** {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ} فينفتحون على ما تُقدّمه إليهم التوراة والإنجيل من دلائل وبراهين على صدق نبوّته ورسالته، فيؤمنون به ويتبعونه في أقواله وأفعاله. {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} الأمر الذي يحقّق الانضباط لحركة المجتمع في علاقاته ومعاملاته وتصرُّفاته العامة، بحيث يكون الطابع العام للمجتمع هو الرقابة على بعضه البعض في تأكيد الخطّ المستقيم في جميع الاتجاهات، وذلك بطريقةٍ عفويةٍ إيمانيةٍ، لا تكلّف فيها ولا ارتباك. {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} في ما يريد تحقيقه للإنسان في حياته من الاستمتاع بطيّباتها في ما يأكلونه ويشربونه ويلبسونه ويتلذَّذون به، ومن الابتعاد عن خبائثها التي تسيء إلى أجسادهم وأذواقهم وأرواحهم، لأنّ الله لم يمنح الإنسان الحريّة في الإساءة إلى نفسه، ولذلك حرَّم عليه ما يؤدّي إلى ذلك. {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ} الذي يثقل عليهم في حياتهم وأوضاعهم من تشريعاتٍ سابقةٍ أو لاحقةٍ، {وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ} في ما كان يقيّدهم به في شرائعهم من الأشياء الشاقّة. ويمثّلون لذلك باشتراط قتل الأنفس في صحّة توبتهم، وقطع الأعضاء الخاطئة، وقرض موضع النجاسة من الجلد والثوب، وغير ذلك من الأمور التي قيل إنّها كانت من التشريعات الصعبة في التوراة. ***** الخطوط العامة التي تميِّز الشريعة الإسلامية: وهذه الخطوط العامة هي ما يميّز الشريعة الإسلامية التي جاء بها النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم)، وهي تتحرّك في حياة الناس في نقاط ثلاث: النقطة الأولى: هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فليس هناك عمل يأمر به الإسلام، إلاّ وهو خاضعٌ لعنوان المعروف، ويعني ما يعرفه الناس في وجدانهم لانسجامه مع المبادئ الخيّرة والقِيَم الروحية، وارتكازه على قاعدة المصلحة الإنسانية، أو ما لو عرف الناس أساسه التشريعي لأصبح قريباً ممّا يعرفونه أو يألفونه في ما يرتبط بحياتهم المستقبليّة. وليس هناك عمل ينهى عنه الإسلام إلاّ وهو خاضعٌ لعنوان المنكر الذي هو ما ينكره الناس في فطرتهم الإنسانية لنتائجه السلبية على حياتهم، ولارتكازه على قاعدة المفسدة والمضرّة التي تسيء إلى حركة التوازن في الحياة. وربّما كان لهاتين الكلمتين "المعروف" و"المنكر" بعض الإيحاء بأنّ التشريع ينسجم مع الخطّ الوجداني للفطرة الإنسانية السليمة التي لا تعرف ولا تألف إلاَّ الخير، ولا تنكر أو ترفض إلاّ الشرّ، فإذا عرفت الشرّ، وأنكرت الخير، فإنّ ذلك يعني الانحراف عن الاستقامة في الفكر والوجدان والشعور. النقطة الثانية: تحليل الطيّبات وتحريم الخبائث، فليس في ما أحلّه الله إلاّ الطيّب الذي يرتاح إليه الذوق الإنساني، في ما يتذوّقه الناس من الأشياء الطيّبة، أو الذي يلتقي بالمنفعة لحياتهم في أرواحهم وأجسادهم، وليس في ما حرَّمه الله إلاّ الخبيث الذي تعافه النفس، ويستقذره الذوق، وترفضه الفطرة. وإذا كان الناس يستطيبون بعض المحرّمات أو يعافون بعض المحلّلات، فلأنّهم كانوا لا ينظرون إلاّ إلى الجانب السطحي من تلك الأشياء، ولا يتطلَّعون إلى أعماقها ليكتشفوا الجانب الخبيث في عناصرها الذاتية التي يستطيبون، وليعرفوا الجانب الطيّب في أعماق الأشياء التي يعافونها، لأنّ المقياس في ذلك كلّه هو في الخصائص الذاتية للأشياء وللأعمال وليس في الجوانب الظاهرية منها. النقطة الثالثة: الإصر وهو الثقل والأغلال، فليس في الإسلام حكم يثقل على الإنسان القيام به، إلاّ بما يفرضه التكليف في ذاته من ثقلٍ طبيعيٍّ يمارسه الإنسان بطريقةٍ عاديّة. وقد رفع القيود التي فرضتها بعض الظروف والأوضاع السلبي لدى الشعوب الماضية، ممّا اقتضى الشدّة في التشريع والصرامة في التحريم. وبذلك كانت الشريعة الإسلامية شريعة التخفيف والتسهيل والتسامح في كلّ أحكامها المتعلّقة بالفرد أو بالمجتمع. ***** الإسلام يختزن في داخله آفاق حركة الحياة: وهكذا نجد أنّ الإسلام يختزن في داخله، في ما يحمل من مفاهيم وما يخطّط من وسائلَ وأهدافٍ، أو يشرّع من أحكام، آفاق حركة الحياة، على أساس تحقيق المعروف وإبعاد المنكر، وتحليل الطيّب، وتحريم الخبيث، ورفع الأثقال، وتحرير الإنسان، ليكون الإسلام هو الدّين الذي يلتقي بالفطرة السليمة للإنسان، وليتحقّق له بذلك سلام الحياة في قضاياها الكبيرة والصغيرة، لأنّ ذلك هو السبيل الذي أراد الله للسائرين فيه أن يحقِّقوا من خلاله إنسانيّتهم على أساسٍ من الشعور العميق بالحاجة إلى الحريّة والوعي والإيمان، ليصلوا ـــ من خلال ذلك ـــ إلى هدف الفلاح في الدنيا والآخرة. ***** المؤمنون هم المفلحون: {فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ} فأعانوه في تأدية رسالته، وعرفوا عظمته فاحترموا مكانته، {وَنَصَرُوهُ} في جميع معاركه ضدّ الكفر والشرك والضلال، {وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ} فانطلقوا مع القرآن في جميع مفاهيمه وتشريعاته التي تضيء للحياة طريق الفلاح والنجاح، واتّبعوا ذلك كلّه، وحوَّلوه إلى برنامجٍ كاملٍ للفكر وللحياة. {أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} الذين أفلحوا في حياتهم الدنيا، لأنّهم أقاموها على قاعدةٍ ثابتةٍ من الإيمان والفكر والصلاح، وأفلحوا في حياتهم الأخرى، لأنّهم انفتحوا عليها انفتاح المؤمن الذي يعي جيداً أنّ طريق الجنّة يمرّ بالإيمان والتقوى والعمل الصالح، لأنّ ذلك هو موضع رضى الله سبحانه في الحياة. وقد نستوحي من هذه الآية أنّ الله سبحانه يريد لهؤلاء الذين عرفوا الكتاب الذي أنزله على رسله، أن يتعرَّفوا صدق النبيّ محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) من خلال دراسة رسالته في ما تأمر به وتنهى عنه، وما تحلّه وتحرّمه، وما تقدّمه للناس من تشريعاتٍ تساعدهم في التخلُّص من أثقال الحياة التي تقيّد حريّتهم وإنسانيّتهم. وربّما يوحي ذلك بأنّ الرسالات تتشابه في خطوطها التشريعية في ما تتحرّك به من مبادئ عامّةٍ، فيمكن للإنسان أن يتعرّف صدق أيّة دعوةٍ رساليّةٍ من خلال دراسة العناصر الحيّة البارزة التي تكمن في خطّ الرسالات، من دون انتظار لمعجزةٍ خارقةٍ أو نحو ذلك، ممّا يدلّ على أنّ العقل الواعي هو الحُجّة القوية التي يرتكز عليها الإيمان. ***** محمّد رسول للعالمين: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً}، فليست رسولاً محليّاً أو قومياً، بل أنا رسولٌ عالميّ يواجه مشاكل الناس كلّهم بالحلول الواقعية المرتكزة على أساس مصالحهم في دنياهم وآخرتهم. وهذا النداء الصادر في مكّة ـــ لأنّ الآية مكيّة ـــ يؤكّد عالمية الرسالة الإسلامية، خلافاً لبعض آراء المستشرقين الذين يرون أنّ دعوة محمّد (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كانت محليّةً في البداية، قبل أن تنطلق خارج النطاق المحليّ في المدينة. {الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِـي وَيُمِيتُ} فإذا كانت له هذه السيطرة المطلقة على السموات والأرض والحياة والموت، وإذا كان هو الإله الذي لا إله غيره، لأنّ كلّ من عداه مخلوقٌ له، فلا بدّ من أن يُخضع له في اتّباع رسوله في رسالته وإطاعة أمره ونهيه، لأنّ ذلك هو مظهر الإقرار بوحدانيّته والاعتراف بالعبودية له. وقد استوحى العلّامة الطباطبائي في الميزان أنّها "بمنزلة تعليلٍ يبيّن بها إمكان الرسالة من الله في نفسها أوّلاً، وإمكان عمومها لجميع الناس ثانياً، فيرتفع به استيحاش بني إسرائيل أن يرسل إليهم من غير شعبهم وخاصةً من الأميّين، وهم شعب الله، ومن مزاعمهم أنّه ليس عليهم في الأميّين سبيل، وهم خاصة الله وأبناؤه وأحباؤه. وبه يزول استبعاد غير العرب من جهة العصبية القومية أن يُرْسَلَ إليهم رسولٌ عربيٌّ. وذلك أنّ الله الذي اتّخذه رسولاً هو الذي له ملك السماوات والأرض، والسلطنة العامة عليها، ولا إله غيره حتى يملك شيئاً منها، فله أن يحكم بما يشار من غير أن يمنع عن حكمه مانع يزاحمه، أو تعوق إرادته إرادة غيره، فله أن يتّخذ رسولاً إلى عباده وأن يرسل رسوله إلى بعض عباده أو إلى جميعهم كيف شاء. وهو الذي له الإحياء والإماتة، فله أن يحيي قوماً أو الناس جميعاً بحياة طيّبة سعيدةٍ، والسعادة والهدى من الحياة، كما أنّ الشقاوة والضلالة موت.."(1). ولكنّنا نتحفَّظ في استيحاء ذلك من هذه الفقرة، لأنّ الظاهر منها، بدليل الفقرات التالية، أنّها واردةٌ في مجال تأكيد القوّة المطلقة والهيمنة الكليّة لله، كأساسٍ للدعوة إلى الإيمان به والاستجابة لرسوله. دعوة للإيمان بالله ورسوله: {فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ} وهذا التفاتٌ من الخطاب إلى الغيبة، فلم يقل آمنوا بي، امتداداً لما سبق من كلامه، لأنّه يريد أن يؤكّد لهم الصفة التي تفرض عليهم موقف الإيمان والالتزام، ويوحي إليهم بأنّ الرسول الذي يدعوهم إلى الإيمان، هو أوّل من يركِّز عقيدته على هذا الأساس، فهو {الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ} في كلّ ما أوحى به من كتبه ورسالاته، كإنسان يعيش الفكرة ويدعو لها، فهو يتحرّك من موقع المعاناة الروحية التي انطلقت من الرسالة، فتحوّلت إلى تجربةٍ حيّةٍ رائدةٍ. وقد جرى القرآن على هذا الأسلوب في تأكيد إيمان الرسول بما يدعو إليه، للإيحاء بأنّ صاحب الدعوة لا بدّ له من أن يؤمن بها ويلتزم قبل أن يدعوَ الآخرين إليها، لا كمن يقود الناس نحو مسؤوليةٍ معيّنةٍ ثم يكون أوّل الهاربين منها. {وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} لأنّه لن يقودكم إلاّ إلى الطريق المستقيم الذي يوصلكم إلى النهايات السعيدة المشرقة في أقرب وقت. وربّما كان التعليل بــ "لعلّ" التي لا تفيد معنى الحسم في النتائج، للإيحاء بأنّ الاتّباع يحمل للنفس الحائرة روح الأمل والرجاء الكبير، الذي يدفع الإنسان للامتداد في هذا الاتجاه كوسيلةٍ عمليّةٍ للوصول إلى الهدى الواضح المشرق في نهاية المطاف. ***** 3 ـــ هدف التشريعات الإلهية: {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ*وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً*يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً} [النساء: 26 ـــ 28]. ***** معاني المفردات: {سُنَنَ}: طرق حياة، ومناهج سير جمع سُنّة وهي الطريقة. {تَمِيلُواْ}: تعدلوا عن الاستقامة وتنحرفوا عن الخطّ الصحيح، لأنّ الشهوات لا تخضع لميزان سليم. {ضَعِيفاً}: الضعف ـــ هنا ـــ من ناحية القوى الشهويّة التي تنازع الإنسان وتبعثه على الاندفاع في الشهوات. ***** إنّه اللّطف الإلهي الذي يفيض بالرحمة والعطف والحنان والرعاية، في كلّ صغيرة وكبيرة من أمور المؤمنين؛ فهو يتعهّدهم دائماً ببيان الوسائل التي يستطيعون من خلالها الانفتاح على الآفاق الواسعة للحياة، في كلّ ما تحمله من عناصر الخير والصلاح، ويلتقوا بالينابيع الصافية المتفجّرة بالماء الذي ينساب في الأرض، لينشر فيها الخصب والرخاء؛ ويرتفعوا إلى القِيَم الروحية التي ترتفع بالإنسان عن الحدود الضيّقة للمادة الجامدة، إلى الأجواء الروحية العالية التي يحدّق فيها في امتداد السماء. {يُرِيدُ اللّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ} لينير لكم السبيل لأنّكم لا تستطيعون معرفة الطريق الواضح المستقيم الذي يحفظ لكم خطواتكم من الضياع ويصونها من الانزلاق في منحدرات الهاوية؛ بل الله هو الذي يهديكم ذلك ويخرجكم من الظلمات إلى النور. ففي كلماته الوحي الذي يفتح القلوب، والضياء الذي يفتح العيون، والهدى الذي يشقّ الطريق إلى حيث الانطلاق الكبير في رحاب الله. وذلك بأن يفصّل الله لكم برنامج الحياة الذي يتضمّن الخلاص في معاشكم ومعادكم بما يبيِّنه من أحكام دينكم في دنياكم، باعتبار أنّه وحده الذي يحقّق السعادة للإنسان في دنياه وآخرته. {وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ} لأنّ الله يريد لكلّ أُمّة أن تكمل الطريق الذي بدأه الآخرون؛ فلا تبقى الأقدام دائماً متحرّكة في عملية تراجعية إلى بداية الطريق. فقد جعل الرسالات متتابعة في حياة الأُمم، ليكون كلّ رسول متمّماً لما بدأه الرسول الذي قبله، ولتكون كلّ أُمّة امتداداً للأُمّة التي قبلها؛ ولهذا أراد الله سبحانه في كلّ كتاب جديد من كتبه أن يحدّث رسوله وأُمّته عن المناهج التي سارت عليها الأُمم السابقة، ليعتبروا ويعرفوا حركة الساحة التي يعملون فيها، في ما عاشته من تجارب، وما واجتهته من تحدّيات، وما بلغته من أهداف، لتكون الرؤية واضحة أمامهم، فلا يحتاجون إلى أن يبدأوا التجربة من جديد، بل كلّ ما هناك أن يفهموا التجارب السابقة ويعتبروا بها، في ما يستقبلون من تجارب الحياة. وتلك هي قصّة التاريخ في مفهوم الإسلام؛ فلسنا مسؤولين عن حركة التاريخ في كلّ مراحل فشله ونجاحه، أو استقامته وانحرافه، بل أن يمتدّ التاريخ في وحيه العملي في حركة المستقبل الجديد الذي نصنعه بإرادتنا وإيماننا. {وَيَتُوبَ عَلَيْكُم} هل التوبة التي هي إرادة الله لنا، هي المغفرة عمّا سلف من ذنوبنا، لتكون الكلمة توجيهاً للإنسان في أن يفتّش عن طريق التوبة، فيحاسب نفسه على الأخطاء التي قد ارتكبها، ليقف بين يدي الله حاملاً مشاعر النّدم، ويطلب منه التوبة على ذلك كلّه. أم هي أسلوب قرآني في التعبير عن المعنى الذي توحي به التوبة، وهو السير على الخطّ المستقيم الذي يؤدّي إلى رضا الله، بكلمة التوبة، فكأنّه يقول: إنّ الله يريد أن يرضى عنكم من خلال استقامتكم، من خلال ما يثيره أمامكم من فرص المعرفة والهداية التي تؤدّي بكم إلى العمل الصالح؟ لا نريد أن نرجّح أحد المعنيّين؛ فلكلّ منهما أساس من اللّفظ والجوّ والسياق، وحسبنا أن نستوحيَ منهما الوقوف عند الحدود التي نستطيع من خلالها الحصول على رضا الله في ما يحبّه ويرضاه. {وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} فهو الذي يعلم ما يصلحنا وما يفسدنا في كلّ ما خلق ومن خلق، وهو الحكيم الذي لا يشرّع لنا في كلّ أمورنا إلاّ ما يتناسب مع الحكمة التي تضع كلّ شيء في موضعه، في الكلمة والفعل والوجود. {وَاللّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ} وتعود كلمة التوبة في خطّ إرادة الله، ولكن هل هي تكرير وتأكيد؟ ربّما كان الأمر كذلك، وربّما كانت التوبة في الآية الأولى بياناً للمنهج الذي وضعه الله لعباده؛ من أجل أن تتكامل لهم المعرفة والهداية والسير على الخطّ المستقيم، بعيداً عن كلّ المقارنات والمعادلات في ما حولهم ومن حولهم. أمّا في هذه الآية، فقد جاءت لتدخل الإنسان في عملية موازنة ومقارنة، في ما يواجهه الإنسان من العناصر الشرّيرة المنحرفة التي تريد أن تضلّه وتبعده عن الله؛ ليوازن بين ما يريده الله له وبين ما يريده له الآخرون؛ فإنّ الله يريد أن يبلغ الإنسان إلى الدرجات العليا التي يحصل بها على رضا الله تعالى، من خلال ما تعنيه كلمة التوبة من مقدّمات ونتائج. {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً} فليس لهؤلاء قاعدة أساسية ثابتة في فكر الإنسان وروحه وضميره، وليس لهم هدف كبير في حياتهم يسعون إليه، ليكون لهم ـــ من خلال ذلك ـــ المستوى الذي يجعلهم موضع ثقة الآخرين ومحلّ اعتمادهم، بل كلّ ما هناك أنّهم يعيشون للجانب الحسّي الحيواني في حياتهم وحياة الآخرين؛ فالحياة عندهم لذّة وشهوة، والإنسان عندهم كائن ذو شهوات، والمبادئ لديهم تتلخّص في العمل على الوصول إلى الارتواء من ينابيع الشهوات ما أمكنهم ذلك. وهكذا اختصر القرآن ذلك كلّه بقوله {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ}، فهي القبلة التي يتوجّهون إليها في كلّ تطلُّعاتهم ومشاعرهم. وإذا كانت الشهوات هي التي يتبعونها ويقودون الناس إليها، فإنّ الغاية التي يستهدفونها هي أن يميل الناس عن الخطّ الصحيح المستقيم ميلاً عظيماً، لأنّ الشهوات لا تخضع لميزان دقيق متوازن، يحفظ للإنسان مصلحته الحقيقية في خطّ الاستقامة، بل إنّها تنخفض وترتبع تبعاً للأجواء الحسيّة المحيطة بمشاعر الإنسان ونزواته، ممّا يؤدّي به إلى أن يفقد توازنه ويميل نحو الهاوية ـــ التي تنتظره ـــ ميلاً عظيماً. وماذا بعد ذلك؟ إنّ القرآن يتابع الخطّ الإلهي الذي ينطلق فيه التشريع، فقد خلق الله الإنسان ضعيفاً في بدنه، ضعيفاً في طاقاته، وذلك لما أودعه الله فيه من الغرائز التي قد تثير فيه نقاط ضعف كثيرة؛ ولم يرد الله له أن يستسلم لها في عملية سقوط وانهيار، بل أراد له أن يرتفع إلى مستوى القوّة، ولكن من خلال الوسائل الواقعية التي تثير فيه الإحساس بالقوّة بطريقة تدريجيّة، من الأعمال والتكاليف والأجواء التي لا تثقل عليه ولا توقعه في الحرج، ولا تبلغ به حدّ العسر، ولا تحمّله ما لا طاقة له به، بل تخفّف عنه وتربطه باليسير من التكاليف، والخفيف من الأعمال، ليشعر بأنّ المسؤولية ليست شيئاً ثقيلاً ينوء تحته، بل هي شيء يتناسب مع طاقاته وينسجم مع الطبيعة الإنسانية لنقاط ضعفه. وهذا ما عبّرت عنه الآية الكريمة؛ {يُرِيدُ اللّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً}. ومن خلال هذا الاستيحاء للآية، نستطيع أن نواجه الفكرة الخاطئة التي يحاول البعض أن يفهمها من هذه الآية، وهي أنّ القرآن الكريم يعمل على أن يعمّق إحساس الإنسان بالضعف، ليشعر بالانسحاق في إنسانيّته تحت وطأة الشعور بضعفه، ممّا يعطّل فيه إرادة القوّة، ويشلّ فيه طموحه الكبير في التطلُّع نحو الأفق الواسع الذي يتّسع لمواهبه الإنسانية الكبيرة التي تخاطب الحياة كلّها. إنّ خطأ الفكرة يكمن في أنّ صاحبها لم يدرس أجواء الآية، التي انطلقت لتوحيَ بأنّ التشريع راعى في عملية التخطيط للإنسان، في ما يريده له من هدى وقوّة، هذا الجانب الذي تتوزّعه نقاط الضعف؛ ولهذا فقد خفّف عنه ليستطيع الوصول إلى طموحاته في القوّة والانطلاق بطريقة واقعية تتناسب مع طاقاته وإمكاناته. ***** وقد تحدّث القرآن عن القوّة في أكثر من آية، في أجواء السلم والحرب، وفي حركة الفرد والمجتمع، ووجَّه الإنسان إلى الأخذ بأسباب القوّة التي أودعها الله في نفسه وفي الحياة؛ وأعطاه الثقة بنفسه في الإمكانات المودعة فيه، ودفعه إلى جهاد النفس الذي يتغلّب الإنسان معه على كلّ نقاط الضعف في الداخل، وإلى مواجهة التحدّيات الخارجية التي تعترضه، وأوحي إليه بأنّ الله جعله خليفته في الأرض لقدرته على القيام بذلك من خلال عقله وإرادته، وسخَّر له السموات والأرض وما فيهما من قوىً وظواهرَ وآفاق، ممّا يجعل من قضية القوّة في حياته قضية أساسية، تدخل في دوره الفاعل في كلّ مجالات الحياة. ***** 4 ـــ قسوة التشريع ملازمة لدرجة حفظ سلامة المجتمع: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} [المائدة : 32]. ***** معاني المفردات: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ}: أي بسبب ذلك. {لَمُسْرِفُونَ}: الإسراف: الخروج عن القصد وتجاوز الحدّ في كلّ فعل يفعله الإنسان، وإن كان يغلب عليه الاستعمال في مورد الإنفاق، كقوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان : 67] على ما ذكره الراغب(1). ***** لقد كانت قصّة ابْنَيْ آدم، التي انتهت بقتل الأخ أخاه بسب حالة الحسد التي سوَّلت له فيها نفسه الاعتداء على حياته، أوّل حادثة في تاريخ الإنسان من نوعها. وقد لاحظ التشريع كيف يمكن للنوازع الذاتية المنحرفة أن تكون خطراً على الحياة، من خلال استهانتها بالقيمة الكبيرة التي تمثّلها في ميزان القِيَم الإنسانية الروحية، التي تفرض على كلّ إنسان احترام حياة الآخرين على مستوى الفرد والجماعة، وذلك على أساس احترام الحياة في ذاتها من حيث هي سرّ ربانيّ يرجع فيه الأمر إلى الله الذي يمنح الحياة ويملك أمرها. هذا من جانب، ومن جانبٍ آخر، بما أنَّ أفراد الإنسان يجسّدون حقيقة واحدة هي حقيقة هذا النوع الإنساني الذي أوجده الله سبحانه وتعالى لغرضٍ معيّن هو استخلافه في الأرض، فإنَّ الاعتداء على حياة أيِّ فرد من أفراد هذه الحقيقة، إنّما هو اعتداء على هذه الحقيقة، وإبطالٌ ضمنيٌّ لغرض الخلقة التي تتوسّل طريقها بتكثير الأفراد عن طريق الاستخلاف. وهذا ما أشار إليه هابيل بقوله الذي خاطب به أخاه: {مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ} [المائدة : 28]، فأشار إلى أنَّ القتل بغير الحقّ منازعة للربوبيّة. بناءً على هذا كلّه، لا يجوز لأحد أن يعتديَ بالموت على حياة أيّ فردٍ من الأفراد إلاَّ بأمره تعالى، كما في الحالات التي أباح الله فيها قتل القاتل قصاصاً، أو المفسد في الأرض من أجل تخليص الناس من فساده، أمَّا في غير هذه الموارد، كما لو لم يصدر من الإنسان أيّ سبب يشكّل خطراً على الحياة، بل كلّ ما هناك أنّه أخطأ في كلمة أو حركة أو علاقة عادية، فإنَّ الله لم يبح دمه لأحد. ولأجل ما تقدّم، ولأجل ما كشفته حادثة هابيل وقابيل، {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} الذين بدأت معهم الشريعة التفصيليّة بما أنزله على موسى (عليه السلام)، وذلك لأنَّ الجوّ الذي يُراد إثارته، ليس هو الحديث عن الكمّ، بل الحديث عن الكيف والنوع والأساس. فإذا كنت تبرّر لنفسك أن تقتل إنساناً بسبب النوازع الذاتيّة المنحرفة، فإنَّ ذلك يبرّر لك التصرّف بالأسلوب نفسه في جميع الحالات الأخرى المماثلة، وذلك لعدم الفرق بين حالة وحالة، أو لأنَّ الاعتداء على الفرد هو اعتداءٌ على النوع في الحقيقة لاشتراك عموم الأفراد في هذه الحقيقة وغرضها في الحياة. {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} لأنّ الشخص الذي يحترم الحياة فينقذها من نفسه، بما تدفعه إليه نوازعه الشخصية، أو يخلّصها من غرق أو من حرق أو من غير ذلك، هو إنسان يؤمن بالحياة كقيمةٍ إنسانيّةٍ كبيرة، ويؤمن بمسؤوليّته عن حمايتها من الهلاك. وتلك هي قصّة التشريع الذي لا يستهدف التأكيد على الحالة الفرديّة في نطاقها المحدود، بل يهدف إلى أن تكون الحالة تعبيراً عن فكرةٍ في الفكر، وقيمةٍ في الروح، وإحساسٍ في الشعور، وبالتالي أن تكون حالة إنسانيّة في عمق المعنى الإنساني الذي يطبع الشخصية بطابعه الأصيل الممتدّ. وفي ضوء ذلك، تبطل الإشكالات التي تتساءل عن السرّ في تهوين قتل الناس جميعاً بتشبيهه بقتل شخص واحد، إذ إنَّ هذا التساؤل يوحي بعدم الفهم للآية، لأنّها تدلّ على المعنى الذي يختفي وراء قتل الفرد، وتؤكّد أنّه يلتقي مع المعنى الذي يختفي وراء قتل الجميع، من حيث التقائهما عند معنى الاستهانة بالحياة كمبدأ، مع الالتزام ـــ طبعاً ـــ بأنَّ تكرير المبدأ في عدّة حالات وأفراد يثير مشاكل أكبر ممّا يثيره وقوفه على حالةٍ واحدة في معرض بحث التفاصيل. وجاء في الحديث عن الإمام الباقر (عليه السلام) في ما رواه الكافي، مرفوعاً إلى محمّد بن مسلم، قال: "سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عزَّ وجلّ: {مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}؟ قال: له في النار مقعد لو قتل الناس جميعاً لم يرد إلاّ إلى ذلك المقعد"(1). وفي هذه الرواية دلالة على أنّ الإنسان يعذب على القتل ـــ من حيث المبدأ ـــ باعتباره الجريمة التي تقتل الحياة، فيعاقب على ذلك بقطع النظر عن عدد الذين يقتلهم. ولا مانع من أن يضاعف عليه العذاب من جهةٍ أخرى، ولكن في المكان نفسه، كما جاء في رواية أخرى: عن حمران، قال: "قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما معنى قول الله عزَّ وجلّ: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}؟ قال: قلت: وكيف فكأنَّما قتل الناس جميعاً فإنّما قتل واحداً؟ فقال: يوضع في موضع من جهنَّم إليه ينتهي شدّة عذاب أهلها، لو قتل الناس جميعاً إنَّما كان يدخل ذلك المكان، قلت: فإن قتل آخر؟ قال يضاعف عليه" (2). وهكذا، ختمت الآية بالحديث عن التاريخ الذي عاشه هؤلاء الذين كتب الله عليهم هذه الشريعة، {وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ} التي تفصِّل لهم الخطط الكبيرة التي تنظّم لهم حياتهم وتحفظها من كلّ عدوان، {ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ} قد تجاوزوا تلك الحدود وأسرفوا في عصيانهم، ولم يقفوا عند حدود الله في ما أمرهم به أو نهاهم عنه. ***** كيف نستوحي الآية؟ تحمل هذه الآية قضيّة مهمّة، ألا وهي قضية الحياة والموت التي قد تتمثّل في حياة الجسد وموته، أو في حياة الروح وموتها في المشاعر الروحيّة، التي قد تستيقظ في داخل النفس على المعاني الإنسانيّة لتبعثها أو لتجمّدها، أو في حياة الفكر وموته في ما يتعلّق بضلاله وهداه، أو بجهله وعلمه، باعتبار أنَّ الضلال موتٌ والهدى حياة، لما قد يعطيه الضلال من جمود، في مقابل ما يعطيه الهدى من حيويّة وانطلاق، كما أنَّ الجهل موتٌ لما يخلقه في النفس من معاني التخلُّف والجمود في مقابل العلم الذي يحقّق لها الانطلاق والحركة في آفاق الحياة. ومن هنا، فإنّه من الممكن استيحاء الآية من خلال معانيها القريبة والبعيدة. أوّلاً: جاء عن الإمام الباقر (عليه السلام) في ما رواه عنه الفضيل بن يسار قال: "قلت لأبي جعفر (عليه السلام) قول الله عزّ وجلّ في كتابه: {أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً} قال: من حرق أو غرق، قلت: فمن أخرجها من ضلال إلى هدى؟ فقال: ذلك تأويلها الأعظم"(1). ثانياً: عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "قلت له: قول الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً}؟ فقال: من أخرجها من ضلال إلى هدى فقد أحياها ومن أخرجها من هدى إلى ضلال فقد قتلها؟(2). ثالثاً: عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن أبي خالد القماط، عن حمران، قال: "قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أسألك ـــ أصلحك الله ـــ؟ فقال: نعم، فقلت: كنت على حال، وأنا اليوم على حال أخرى، كنت أدخل الأرض فأدعو الرّجل والاثنين والمرأة فينقذ الله من شاء، وأنا اليوم لا أدعو أحداً. فقال: وما عليك أن تخلّي بين الناس وبين ربِّهم، فمن أراد الله أن يخرجه من ظلمةٍ إلى نور أخرجه. ثمّ قال: ولا عليك إن آنست من أحدٍ خيراً أن تنبذ إليه الشيء نبذاً، قلت: أخبرني عن قول الله عزَّ وجلّ: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} قال: من حرق أو غرق، ثمَّ سكت، ثمّ قال: تأويلها الأعظم إن دعاها فاستجابت له"(1). ***** معنى التأويل: ويمكن لنا من خلال الروايات فهم "التأويل" بمعناه الحقيقي، لا الباطني كما يحاول البعض تفسيره، فالقرآن قد أنزل على طريقة العرب في التعبير، ليفهمه الجميع بشكلٍ طبيعي، من دون أن تكون فيه أيّة إشارات رمزية، في ما تعارف عليه الأسلوب الرمزي الذي يحمِّل الكلمة غير معناها، ويجري بها في غير مجالها، من دون أساس للاستعارة والكناية والمجاز، لذا فإنَّ التـأويل ليس إلاّ عمليّة استيحاء للمعنى من خلال التقاء المعاني ببعضها البعض في الأهداف التي يستهدفها القرآن في القضايا التي يثيرها أمام الناس، والمفاهيم التي يوحيها إليهم، كما في هذه الآية التي تحدّثت عن الحياة والموت، وعن الناس الذين يعتدون على الحياة، وعن أولئك الذين ينقذونها. فقد يستوحي منها الإنسان الفكرة فيمن ينقلون الناس من الضلال إلى الهدى، أو بالعكس، أو فيمن ينقلونهم من الجهل إلى العلم أو بالعكس، وذلك لأنَّ الله قد أشار إلى ذلك بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال : 24]، كما عبَّر عن الذين يعيشون الضلال في واقعهم بالموتى في قوله تعالى: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} [النمل : 80]. وهكذا يمكن لعملية الاستيحاء هذه أن تأخذ من الحياة والموت كلّ الأجواء التي تشارك هذين المعنيين في تحويل الإنسان من حالة الجمود والهمود، إلى حالة اليقظة والحركة على مستوى الفكر والعمل والحياة. ***** 5 ـــ الفارق بين مقتضيات التشريع الديني والتشريع الوضعي: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ} [المائدة : 3]. ***** معاني المفردات: {الْمَيْتَةُ}: الحيوان الذي مات حتف أنفه بحيث يكون موته بصورة طبيعية. {أُهِلَّ}: أصل الإهلال رفع الصوت بالشيء. ومنه استهلال الصبي وهو صياحه إذا سقط من بطن أُمّه، ومنه إهلال المحرم بالحجّ والعمرة إذا لبّى به، وسمّي الهلال هلالاً لأنّه يرفع الصوت عنده. والمراد هنا بما {أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ}: ما ذكر اسم غير الله عليه. {وَالْمُنْخَنِقَةُ}: الميتة بطريقة الخنق عموماً. {وَالْمَوْقُوذَةُ}: الوقذ شدّة الضرب، والموقوذة المضروبة بعنف حتّى الموت. ونقل القرطبي في تفسيره أنَّ أهل الجاهلية ـــ كما نُقِل عن الضحّاك ـــ كانوا يضربون الأنعام بالخشب للآلهتهم حتى يقتلوها فيأكلوها(1). {وَالْمُتَرَدِّيَةُ}: الردى: الهلاك. والتردّي: التهوّر. والمراد بها التي تموت نتيجة السقوط من مكان مرتفع. {وَالنَّطِيحَةُ}: المنطوحة التي ماتت بفعل النطح من قبل حيوان آخر. {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ}: الحيوان الذي يقتل لهجوم حيوان مفترس عليه. {مَا ذَكَّيْتُمْ}: التذكية: فري الأوداج والحلقوم لما كانت فيه حياة ولا يكون بحكم الميّت، وذلك بشرائطه الشرعيّة. {النُّصُبِ}: الحجارة التي كانوا يعبدونها، واحدها نصاب، وتفترق عن الأصنام أنّها ليست لها أشكال وصور كصور الأصنام. {تَسْتَقْسِمُواْ}: طلب القسمة. {بِالأَزْلاَمِ}: جمع زَلَم وزُلم وهو القِدح. ***** ربَّما كان من خصوصيات الأديان ومن بينها الإسلام بالنسبة إلى المبادئ الوضعية، هذا الشمول في التشريع، بحيث يتدخّل في كلّ خصوصيات الإنسان، فيحدّد له تكاليفه حتّى في مأكولاته ومشروباته وملبوساته وزواجه. فلم يجعل له الحريّة في ممارسة ذلك كلّه إلاّ في نطاق ما أحلَّ الله، فإذا تجاوز بعض ذلك، كان عاصياً مستحقّاً للعقوبة في الآخرة وفي الدنيا في بعض الحالات. وربّما كان الفرق بين فكرة التقنين في المبادئ الوضعيّة أو المبادئ الشرعيّة، هي أنَّ القانون الوضعي ينطلق ـــ غالباً ـــ من دراسة الإنسان من حيث هو كائنٌ اجتماعي، يتبادل المسؤوليّة بينه وبين المجتمع، فهو من جهة مسؤولٌ عن المجتمع، ومن جهةٍ أخرى المجتمع مسؤول عنه، ولا دخل له في حياته الخاصة إلاَّ بقدر ارتباطها بسلامة المجتمع. من هنا، فإنَّ أيّ تشريع يتناول الفرد كفرد يعتبر اعتداءً على الحريّة الشخصية. أمّا الإسلام، فإنّه ينطلق من فكرة أنَّ الإنسان مخلوقٌ لله وعبدٌ له، فليس له الحريّة في أن يعمل أيّ عمل، أو يتحرّك في أيّ مشروع إلاّ من خلال الرخصة التي يتلقّاها من الله. وبذلك كان الله ـــ من خلال شريعته ـــ هو الذي ينظّم له حياته الشخصية والاجتماعية، فيحدّد له كلّ ما يتصرّف فيه من شؤونه الخاصة والعامة، ولم يمنحه الحريّة في الإضرار بحياته، سواء من ناحية الأكل والشرب، أو غيرهما، لأنّه لا يملك نفسه، بل هو ملك الله، فليس له أن يتصرّف في ملكِ الله إلاَّ بإذن منه، وهكذا يتدخّل التشريع في حياة الإنسان الخاصة، ليضغط على حريّته في نطاق مصلحته الحقيقيّة. ***** طاعة الله يجب أن تكون عمياء: وعلى ضوء هذا، نلتقي بهاتين الآيتين في نطاق التحليل والتحريم، فقد حرّم الله على الناس الميتة، وهي ما مات حتف أنفه، والمخنوقة، والمتردّية، وبقايا الفريسة، وما مات بسبب الانتطاح من حيوان آخر، وحرّم إلى جانب ذلك ما ذبح على الأصنام تقرّباً لها، وما ذكر عليه اسم غير الله، والدم ولحم الخنزير. نحن لا نريد تبيان فلسفة هذا التشريع تفصيليّاً، إنَّما نكتفي بالإشارة إلى أنَّ هناك أبحاثاً تتحدّث عن الأضرار التي قد تصيب الإنسان في جسده من خلال أكل الميتة بجميع أنواعها، كما أنَّ هناك أفكاراً تتحدّث عن الأثر الروحي المترتّب على أكل اللّحوم، ما يجعل للذبح معنى روحياً عبادياً، لأنَّ الحيوان خلقه الله، فليس لك أن تذبحه أو تأكله إلاَّ على أساس اسم الله، الأمر الذي قد يعطي إحساسك نبضاً روحياً يوحي إليك بالطمأنينة والانفتاح على معنى العبودية لله في طعامك وشرابك، فإذا ذبحته للأصنام أو ذكرت عليه اسم غير الله، كنت بعيداً عن ذلك الجوّ كلّه، وتحوّلت حياتك إلى حياة تعيش ماديّتها بعيداً عن الروح، وهذا ما لا يريده الله لعباده، لأنّه يبتعد بهم عن الآفاق الروحية التي تشدّهم إليه في ممارستهم لحياتهم العادية، حيث يتحوّل الجانب الروحي لديهم إلى زاويةٍ ضيّقةٍ محدودةٍ من زوايا حياتهم، لتبقى الساحات الأخرى مسرحاً للشيطان. وهذا النوع من التفسيرات لا بأس به، لأنَّ الله تعالى لم يمنعنا من محاولة فهم أسرار شريعته، لكن شريطة أن يظلّ ذلك في نطاق التأمُّل الذاتيّ الذي يحتفظ به الإنسان لنفسه، كما يحتفظ بالكثير من الانطباعات والتأمُّلات الشخصية من دون أن تترك تأثيراً على المسار العملي في ما يفعله أو يتركه. فإنَّ الإيمان يفرض على المؤمن من موقع إحساسه بالعبوديّة، أن يُسلم أمره لله تعالى، وأن يطيعه إطاعة عمياء في كلّ أوامره ونواهيه، سواء عرف سرّ التشريع في موارد الطاعة والمعصية او لم يعرفها، فإنَّ ذلك لا دخل له بالموضوع، وبالتالي يجب أن يكون شعار المؤمن دائماً: عليّ إطاعة الله من منطلقات الله، لا سيّما في ما لم أحط به علماً من مصالح وأسرار. وأحلَّ الله للإنسان، في ما أحلّه من حيوانات، الحيوان الذي يذكّيه الإنسان، وذلك وفق شروط فقهية تحدّد كيفية التذكية، وهذا ما أشار إليه في قوله تعالى: {إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ}: أي إلاَّ ما أدركتم ذكاته فذكّيتموه من هذه الأشياء، وقد جاء عن الإمامين الباقر والصادق (عليه السلام): "إنّ أدنى ما يدرك به الذكاة أن تدركه يتحرّك أذنه أو ذنبه أو تطرف عينه"(1)، وخلاصته أن تكون به حياة بحسب العلامات الدالّة عليه. واختلف المفسّرون في الاستثناء، هل يرجع إلى ما تقدّم ذكره من المحرّمات غير ما لا يقبل الذّكاة كالميتة والدم ولحم الخنزير، أو يرجع إلى فقرة {وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ} والظاهر رجوعه إلى الجميع، وقد روي ذلك عن عليّ (عليه السلام) وابن عباس وقيل ـــ كما في مجمع البيان ـــ "هو استثناء من التحريم لا من المحرّمات، لأنَّ الميتة لا ذكاة لها ولا الخنزير، فمعناه: حرمت عليكم سائر ما ذكر إلاَّ ما ذكيتم ممّا أحلّه الله لكم بالتذكية فإنّه حلال لكم، عن مالك وجماعة من أهل المدينة واختاره الجبائي"(1). إلاّ أنَّ هذا القول يُناقش، حيث يُثار سؤال هنا حول السرّ في تعداد الأنواع التالية في قوله تعالى: {وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ} مع دخولها في الميتة التي حرّمت في صدر الآية، وإن اختلفت أسباب الموت من خنق، أو تردٍّ، أو نطح، أو إهلال لغير الله به، أو ما أكل السبع. وأُجيب عنه ـــ كما في مجمع البيان ـــ "إنَّ الفائدة في ذلك أنّهم كانوا لا يعدون الميتة إلاَّ ما مات حتف أنفه من دون شيء من هذه الأسباب، فأعلمهم الله سبحانه أنَّ حكم الجميع واحد، وأنَّ وجه الاستباحة هو التذكية المشروعة فقط، قال السدي: إنَّ ناساً من العرب كانوا يأكلون جميع ذلك ولا يعدُّونه ميتاً، إنَّما يعدُّون الميت الذي يموت من الوجع"(2). وعلى ضوء ذلك، فإنَّ الميتة في الآية لا تشمل إلاَّ ما مات حتف أنفه، أمَّا الأنواع المذكورة الأخرى، بالإضافة إلى ما ذبح بطريقة غير شرعيّة، فلا يُستفاد حكمها من الميتة، بل يُستفاد من التنصيص عليها وما يُستفاد من حصر الحلّ في التذكية. ولذلك لا يمكن إلحاق الميتة مطلقاً بهذه العناوين من النجاسة أو حرمة البيع أو نحو ذلك، ممّا جعل الميتة موضوعاً له، إلاَّ بدليل خاص، لأنَّ المفهوم القرآني اللّغوي لا يشملها، والله العالم. ***** هل ذبح الحيوان فعل غير إنساني؟ وقد يُثار اعتراضٌ إنسانيٌ على مسألة تحليل ذبح الحيوانات وأكل لحمها بأنّه نوعٌ من أنواع التعذيب الذي ينافي الرحمة ويُصادر حياة مخلوق حيّ، الأمر الذي قد لا نرى فرقاً في قبحه الأخلاقي بينه وبين قتل الإنسان وأكل لحمه، ولهذا ذهب البعض إلى تحريم أكل اللّحوم بلحاظ استلزامه قتل الحيوان، ورأوا في ذلك نوعاً من الوحشيّة الإنسانيّة التي لا تختلف في طبيعتها وفي شكلها عن وحشيّة السباع. والجواب عن ذلك، أنّ مسألة الحياة لا تعالج بهذه الطريقة، وأنَّ الرحمة ليست حالةً شعوريةً تنطلق من الإحساس الساذج. فالحياة هبة الله للمخلوق الحيّ، وقد أراد لها الاستمرار وفق شروطٍ حيويّةٍ خاصةٍ قوامها الاعتماد المتبادل فيما بينها في عمليّة التغذّي، كما نلاحظ ذلك في عالم الحيوان ـــ غير النباتي ـــ الذي لا مجال لبقاء حياته واستمرار نظامه الوجودي إلاَّ بأن يأكل بعضه بعضاً بمختلف الوسائل المتنوّعة، الأمر الذي يوحي بأنَّ نظام الخلق للحيوانات المختلفة في قوّتها وضعفها في أصل وجودها قائمٌ على ذلك، بحيث كانت سنَّة الكون منطلقة من المصلحة العميقة في حركة الحياة. وليس الإنسان بدعاً من عالم الحيوان، في نظام التغذية، في حاجته الوجوديّة إلى أكل الحيوان ـــ في نطاق خاص ـــ فإنَّ استمرار حياته ـــ في عناصرها القوية ـــ يتوقّف على ذلك. وفي ضوء ذلك، نجد أنَّ مسألة مصادرة الحياة ليست شرّاً مطلقاً في ذاتها، بل هي ضرورةٌ لاستمرار حياةٍ أخرى يخضع لها النظام الكوني، بحيث لولا ذلك لانهارت الحياة نفسها وفقدت القدرة على الاستمرار، ما يجعلها داخلةً في عمق تنظيم الحياة نفسها تنوّعاً وتكاملاً وترابطاً متبادلاً. وهكذا نلتقي بمسألة التعذيب الحاصل من الذبح، فإنَّه تماماً كالتعذيب الحاصل من الافتراس في تغذية الحيوان من الحيوان، ولا بدَّ من تجاوز قبحه بالتركيز على أنَّ الله جعله من شؤون الفطرة في أصل الخلق ممّا تتقدّم فيه المصلحة في جانبها الإيجابي على المفسدة في جانبها السلبي. وبذلك نعرف أنَّ الرحمة أمرٌ نسبيٌّ إذا ما قيست إلى المصلحة المتوخّاة، بالإضافة إلى الجانب الشعوري، فقد يكون الشيء رحمةً من جانب علاقته بالنظام العام وإن لم يكن كذلك في الجانب الذاتي للشخص، وهذا أمرٌ طبيعيّ في كلّ القضايا المتّصلة بالأمور الحيويّة في علاقة الإنسان بمسؤولياته تجاه الإنسان الآخر، وفي نظام العقوبات التي يتوقّف عليها نظام الحياة. ***** الاستقسام بالأزلام.. والقمار: وجاء الحديث في الآية الأولى عن الاستقسام بالأزلام، ومعناه ـــ كما يقول صاحب مجمع البيان ـــ "طلب قسم الأرزاق بالقداح التي كانوا يتفاءلون بها"(1)، كما عن جماعة من المفسّرين. وروى عليّ بن إبراهيم في تفسيره عن الصادقين (عليه السلام): "أنَّ الأزلام عشرة: سبعة لها أنصباء، وثلاثة لا أنصباء لها، فالتي لها أنصباء: الفذّ والتوأم والمسبل والنافس والحلس والرقيب والمعلّى، فالفذّ له سهم، والتوأم سهمان، والمسبل له ثلاثة أسهم، والنافس له أربعة أسهم، والحلس له خمسة أسهم، والرقيب له ستة أسهم، والمعلى له سبعة أسهم، والتي لا أنصباء لها: السفيح والمنيح والوغد، وكانوا يعمدون إلى الجزور، فيجزِّئونه أجزاءً، ثمَّ يجتمعون عليه فيخرجون السّهام ويدفعونها إلى رجل، وثمن الجزور على من تخرج له التي لا أنصباء لها، وهو القمار، فحرَّمه الله تعالى..."(2) واعتبره فسقاً وانحرافاً عن خطّ إرادته. وفي ضوء هذا التفسير، يأخذ الانقسام بالأزلام معنى القمار، ما يجعل من تحريم القمار تحريماً له، ويبتعد عن معنى التفاؤل بالقداح في ما يريد الإنسان أن يفعله وما لا يريد أن يفعله. وقد نلاحظ ـــ في هذا المجال ـــ أنَّ تحريم مثل هذا التفاؤل لا يحمل الكثير من المعنى المتّصل بحياة الإنسان، وقد حاول البعض أن يرجع سرّ هذا التحريم إلى إبعاد الإنسان عن أسلوب المحاولة للتعرُّف على الغيب، ممّا قد يقوده إلى الخرافة، وإلى الابتعاد عن تملُّس الوسائل الطبيعيّة للمعرفة، ولكنَّ ذلك لا يغيِّر من الواقع شيئاً، لأنَّ الناس قد يلجأون إليه في وقت الحيرة عندما تغلق عنهم كلّ أبواب المعرفة، فتكون مثل هذه الطريقة أشبه بعملية الاختيار العشوائي التي يمارسها كلّ متحيّر يجد نفسه ملزماً بذلك على أيّ حال. على أنَّ قضية استعمال القداح للتفاؤل لا تتناسب مع كلمة الاستقسام التي توحي بأنَّ هناك فرزاً واقعياً للاستحقاقات، ما يبعد المعنى المذكور عن أن يكون تفسيراً للكلمة. ***** الصبر الصابرون وعلاقتهم بالحقيقة الإيمانية ـــ أهمية الصبر وجزاؤه عند الله ـــ معنى الاستعانة بالصبر والصلاة ـــ الصبر الجميل في الدعوة ـــ الصبر والمصابرة ـــ الصابرون حالات استثنائية ـــ جزاء الصابرين ـــ يوفي الصابرون أجرهم بغير حساب. 1 ـــ الصابرون وعلاقتهم بالحقيقة الإيمانية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة : 153]. ***** معاني المفردات: {بِالصَّبْرِ}: الصبر: الإمساك في ضيق، قال الراغب: "والصبر" حبس النفس على ما يقتضيه العقل والشرع أو عمّا يقتضيان حبسها عنه، فالصبر لفظ عام وربّما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف مواقعه، فإن كان حبس النفس لمصيبة سُمّي صبراً لا غير ويضادّه الجزع، وإن كان في محاربة سُمّي شجاعة ويضادّه الجبن، وإن كان في نائبة مضجرة سُمّي رحب الصدر ويضادّه الضجر، وإن كان في إمساك الكلام سُمّي كتماناً ويضادّه المذلّ". ***** ربّما يوحي جوّ هذه الآيات وأسلوبها، بالتفاتة قرآنية توجّه الإنسان المسلم إلى استثارة إيمانه الكامن في أعماقه في حركة معاناة عميقة تتّصل بالواقع الذي يضجّ بالتحدّيات والمشاكل والمآسي المتنوّعة التي تقتحم حياته فتهزّها في دائرة القلق والاهتزاز، فيقف أمام ذلك كلّه وقفة إيمان واعٍ يعرف قصّة الحياة على أساس السنن التي أودعها الله فيها، فليست هي عُسراً كلّها وليست يُسراً كلّها، بل هي العُسر في طريق اليُسر، واليُسر في نهايات العُسر ونتائجه. فإذا واجه الإنسان بعضاً من العُسر في طريقه إلى الله، أو ثقلت عليه الأعباء في دروب الأهداف، فلا بدَّ له من الاستعانة بالصبر ليدعم إرادته ويقوّيها ويبعث فيها روح التماسك والصلابة من أجل الحصول على الموقف الصلب والشخصية المتماسكة،ـ ولا بدَّ له ـــ في نطاق ذلك ـــ من الاستعانة بالصلاة، لأنّها تفتح للقلب النوافذ الواسعة المضيئة على الله القادر الحكيم الرحيم، الذي تنطلق حكمته لتخطّط للإنسان حياته على أساس من المصلحة والحكمة، وتتحرّك رحمته لترفرف على روحه بالرضى واللّطف والحنان، فلا يثقله البلاء بالمستوى الذي لا يستطيع احتماله، بل يظلّ الإنسان معه في جوّ رحيب يستريح فيه إلى التجربة ويعيش آفاق الأمل، وتحتضن قدرته الحياة بكلّ ما فيها من طاقات وقوى لتذلّل كلّ صعب، وتقهر كلّ قدرة، فيخرج الإنسان من ذلك كلّه إلى الأجواء الرحبة التي لا تضيق معها الروح بالمشاكل، ولا تنهزم أمام التحدّيات، ولا تضعف أمام العقبات، بل تظلّ في أمل حيٍّ متفجّر بالتفاؤل، يملأ الإرادة بالحياة، والحركة بالقوّة والإيمان. وبذلك تتحوّل القِيَم الروحية، كالصبر، والأعمال العبادية، كالصلاة، إلى قوى فاعلة يستعين بها الإنسان على تقوية نقاط ضعفه، تماماً كما يستعين بالقوى الخارجية عندما تهجم عليه قوى الأعداء، بدلاً من أن تكون عناصر ضعف وتخدير، كما يحاول البعض من الناس أن يفسّرها، أو عناصر تجميد وتأخّر، كما يحلو للبعض أن يعالجها، باعتبار أنَّ الصبر يمنع الإنسان من الحركة ويجمّده في نطاق الإذعان للأمر الواقع، وأنَّ الصلاة تغرق الإنسان في غيبوبة صوفية حالمة يدخل معها الإنسان في غياهب الغيب، فينسى دوره ومسؤوليّته في حركة الواقع، فتتخدّر أحاسيسه وتضعف تطلُّعاته المندفعة نحو الحياة. إنّنا نستوحي ذلك كلّه من إثارة الخطاب في جوّ صفة الإيمان، للإيحاء بأنَّ المضمون الحيّ العميق للإيمان يحمل للإنسان كلّ عوامل الوعي والامتداد، ومن الدعوة إلى الاستعانة بالصبر والصلاة لتأكيد الطبيعة المتحرّكة للقِيَم الخُلُقيّة وللتعاليم الإلهية العملية في صنع القوّة لحياة الإنسان، فإنَّ الكثيرين من الناس قد يغفلون عن الطاقات الروحية الكامنة في القِيَم التي يؤمنون بها وفي الأعمال التي يمارسونها، فيستسلمون إلى حالات الضعف في الوقت الذي تضجّ فيه الحياة من حولهم بالقوّة، لو أرادوا أن يستثيروها بذكاء. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ} الذي هو من عزم الأمور من خلال ما يؤكّده في الذّات من القوّة في الموقف والموقع أمام التحدّيات والزلازل، انطلاقاً من التحمّل القاسي الذي يفرضه الإنسان على نفسه أمام كلّ حالات الحرمان الروحي والجسدي، لذلك كانت له الأهمية الكبرى في القرآن حتى تكرّر فيه إلى ما يقارب السبعين موضعاً، وقد أطلق الله ثوابه، فلم يجعل له حدّاً معيّناً فقال: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر : 10]. والاستعانة به، هي اللّجوء إلى القوّة الأخلاقية الكامنة في أعماق الذّات من أجل استنفارها للسيطرة على كلّ المشاعر السلبية التي يمكن أن تثير الاهتزاز في الموقف أو الموقع، للحصول على الأرض الصلبة في ساحات الصراع، حيث الأهوال الشديدة والمعارك الحاسمة. {وَالصَّلاَةِ} التي هي معراج روح المؤمن إلى الله، فهي التي تفتح قلبه على ربّه وتشدّه إليه وتربطه به، حتى يحسّ أنَّ الله معه في كلّ مواقفه، فلا يخاف، ولا يحزن، ولا يضعف، ولا يتزلزل، ولا يعيش الاهتزاز النفسي، والقلق الروحي في وجدانه الإنساني، وهكذا يعطي الصبر للصلاة قوّة الإرادة، وتعطيه الصلاة قوّة الروح، فيتكاملان في حماية إنسانية الإنسان من السقوط، في آفاق الصبر الممزوج بالصلاة في حركة عروج الإرادة إلى الله لتلتقيَ به في الثبات على رسالته. وقد ختم الله الآية بقوله: {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} ليؤكّد لهم أنّ الله لا يترك الصابرين وحدهم في مواجهة التحدّيات والأهوال والعقبات، بل يقف معهم ليمنحهم من روحه الروح الطيّبة، ومن قوّته القوّة الكبيرة، ومن رحمته اللّطف والرضوان والحبّ والسلام. {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} الذين يحرّكون الإيمان في عقولهم في خطّ الوعي والإرادة، وفي كيانهم في خطّ القوّة، والثبات في أقدامهم في خطّ التوازن. وروي أنَّ عليّاً (عليه السلام) كان إذا هاله أمر، قام إلى الصلاة ثمَّ تلا هذه الآية: {اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. 2 ـــ أهمية الصبر وجزاؤه عند الله: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل: 96]. ***** {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ} لأنّه مهما امتد وكبر حجمه فإنّه ينتهي بالموت الذي تتركون معه كلّ ما جمعتم من مالٍ وما حصلتم عليه من جاهٍ، وما استمتعتم به من شهوات {وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ} لأنّه يمتدّ امتداد الخلود في الدار الآخرة، حيث نعيم الروح والجسد، ورضوان الله ورحمته التي هي أساس الخير كلّه للحياة كلّها. لذلك لا بدّ للإنسان الذي يريد أن يواجه صعوبة تجربة الوقوف بين زخارف الدنيا وإغراءاتها ومواقعها، وبين حقائق الآخرة ومسؤولياتها ومتاعبها، من الصبر الذي يفرض عليه الضغط على كثير من شهواته ونزواته، لمصلحة مبادئه وموقعه من ربّه. وللصبر نتائج إيجابية كبيرة على مستوى ما ينتظره الإنسان عند الله من الخير الكثير والفضل العظيم. ***** جزاء الصابرين: {وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، وقد جعل الله للصبر ميزةً على سائر الأعمال، لأنّه يمثّل القوّة التي تعطي للعمل ثباته وعمقه واستمراره، وتحقّق للشخصية خصائصها الأخلاقية والروحية من موقع الإرادة الصلبة التي لا تضعف ولا تنهار أمام الإغواء والإغراء، ولهذا كان جزاء الصابرين هو أفضل الجزاء، باعتباره أفضل الأخلاق وأحسنها، بحيث يرفع الصبر من قيمة أيّ عمل، ويضفي عليه معنى إضافياً يفوق عناصره الذاتية، من خلال المعاناة التي يعيشها العامل أمام المصاعب التي تواجهه، والآلام التي تحدث له، ليتوقّف القارئ أمام قوله: {بِأَحْسَنِ} ليستوحي منها بعضهم أنّ الله يلغي أجر الحسن من الأعمال، ويعطيه للأحسن، ونحو ذلك، ولعلَّ هذا المعنى الذي استوحيناه هو الذي أشار إليه صاحب الميزان بقوله: "المراد بذلك أنّ العمل الذي يأتون به وله في نوعه ما هو حسن وما هو أحسن، فالله سبحانه يجزيه من الأجر على ما أتى به ما هو أجر الفرد الأحسن من نوعه، فالصلاة التي يصلّيها الصابر في الله يجزيه الله سبحانه لها أجر الفرد الأحسن من الصلاة وإن كانت ما صلّاها غير أحسن، وبالحقيقة يستدعي الصبر أن لا يناقش في العمل ولا يحاسب ما هو عليه من الخصوصيّات المقتضية لخسته ورداءته كما يفيده قوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]"(1). وربّما كان مراده معنى آخر، وذلك بأنّ الصبر يعطي الصابر ميزةً في الأجر على غيره، حتى لو كان العمل لا يستحقّ ذلك في ذاته. وعلى هذا الأساس، فإنّ تعليقنا عليه، هو أنّ الظاهر هو التأكيد على أنّ الصبر يمنح العمل خصوصية جديدة يستحقّ بها الإنسان الأجر الزائد لما في الصبر من قيمة للعمل؛ والله العالم. ***** 3 ـــ معنى الاستعانة بالصبر والصلاة: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ*الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة: 45 ـــ 46]. ***** معاني المفردات: {بِالصَّبْرِ}: قيل: المراد بالصبر مع النفس عن محابّها وكفّها عن هواها. {لَكَبِيرَةٌ}: الكبيرة: تستعمل في ما يشقّ ويصعب. {الْخَاشِعِينَ}: الخشوع والخضوع معناها التذلُّل والانكسار، إلاّ أنَّ الخضوع مختصّ بالجوارح، والخشوع بالقلب، و"الخاشعين"، "قال مجاهد: أراد بالخاشعين المؤمنين، فإنّهم إذا عملوا ما يحصل لهم من الثواب بفعلها لم يثقل عليهم ذلك، كما أنَّ الإنسان يتجرّع مرارة الدواء لما يرجو به من نيل الشفاء، وقال الحسن: أراد بالخاشعين الخائفين"(1) {يَظُنُّونَ}: يعتقدون، والعرب قد تسمّي اليقين ظنّاً والشكّ ظنّاً. ***** قد يواجه الإنسان في حياته العملية ضغط الشهوة، التي تلحّ عليه في ما يشبه الحريق الداخلي، كي يستسلم لنداء الغريزة، ويترك نداء الله. وقد يقع تحت ضغط الطمع، الذي يدعوه إلى أن يترك إيمانه ومبادئه للحصول على مال أو جاه. وقد يواجه الضغوط الخارجية التي تقتحم حياته لتهدّد وجوده، فيستسلم لتأثيراتها المنحرفة بعيداً عن خطّ الله. فكيف يواجه ذلك كلّه؟ إنَّ هاتين الآيتين تستثيران في الإنسان إيمانه بالله من خلال الوسائل العملية للإيمان، ليثبت الإنسان على خطّ الحقّ في المنحدر الخطر، ويتحدّث الله عن وسيلتين هما: الصبر والصلاة. أمّا الصبر، فيمثّل الموقف القوي الذي يحكم الإنسان فيه نفسه انطلاقاً من إرادته وإيمانه، وهو من الأخلاق الإيجابية الإسلامية التي تبني للإنسان القاعدة النفسية القوية المتماسكة، التي تمنعه من الانهيار والانسحاق تحت وطأة نوازع الضعف البدنية والنفسية والخارجية، فيقوده ذلك إلى الالتزام بكلّ متطلّبات الإيمان ومسؤوليّاته، لأنَّ الانحراف ينطلق غالباً من فقدان القوّة الذاتية للإرادة، وقد ورد في الحديث المأثور: "إنَّ الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا جسد لمن لا رأس له، ولا إيمان لمن لا صبر له"(1). أمّا الصلاة، فهي معراج المؤمن الى ربّه، تعرج فيها روحه وضميره وقلبه وفكره. فتلتقي بالله في لحظات ابتهال وانفتاح، وتتّصل بالمعاني الكبيرة الممتدّة في رحاب الله. إنَّ الإنسان إذا اتّصل قلبه بالله انفتحت روحه على أخلاقه العظيمة التي أرادنا أن نتخلَّق بها في الحياة؛ ومتى تحقّق للإنسان هذا الانفتاح، وعاش في هذه الأجواء الفسيحة، انخفض عنده مستوى الاهتمام بالقضايا الصغيرة، وعندها لن تثير في نفسه أيَّ شيء ممّا اعتاد الناس أن يستثيروا به وجدانهم وحياتهم. وفي ضوء ذلك، نستوحي أجواء الآية التي تتّجه إلى المنحرفين عن الخطّ من اليهود وغيرهم لتقول لهم: إنَّ مشكلتكم تتحدَّد في نقطتين أساسيّتين من نقاط الضعف، فأنتم تنسون الله من جهة، وتضعفون أمام الضغوط والإغراءات من جهة أخرى، فإذا نسيتم الله استسلمتم للشيطان وفقدتم الأجواء الروحية التي توحي بالخير والانفتاح على القضايا الكبيرة في الحياة، وتحوّلت الحياة لديكم إلى اهتمامات صغيرة محدودة تلاحق الصغائر التي تثير العداوة والبغضاء، وتبعث على الخصومة والنزاع. وإذا ضعفتم أمام الإغراء والضغط الداخلي والخارجي، تركتم قيمكم وراء ظهوركم؛ فإذا هاجمتكم حبائل الشيطان ومكائده وعوامل الإغراء ونوازعه، فاستعينوا بالصبر لتحصلوا من خلاله على الإرادة القوية التي تثبِّت أقدامكم في الأرض، فتستقيم لكم قضاياكم ومبادئكم وأخلاقكم في خطّ الإيمان، وإذا نسيتم الله، فاستعينوا بالصلاة، لترتفعوا بروحكم إليه، فتعيشوا في أجوائه وتسبِّحوا في ألطافه ونعمائه. ***** هل الصلاة عبء ثقيل: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ}. لعلّ المراد أنّها ثقيلة على الناس الذين لا يعيشون روح الخشوع لله والخشوع لربوبيّته، لأنَّ صلاتهم تتحوّل إلى عبء ثقيل لا يدركون معناه ولا يرتفعون إلى آفاقه، بل يمارسونها ـــ لو مارسوها ـــ كواجب جامدٍ وضريبةٍ مفروضة عليهم. أمّا الخاشعون الذين تخشع قلوبهم لذكر الله، وتتلذَّذ به، وترتاح إليه، فإنّهم يقبلون عليها بكلّ ما في قلوبهم من حبّ وطمأنينة وانفتاح، وبكلّ ما في نفوسهم من التطلُّعات الروحية التي يحملونها إلى الله سبحانه في أمر دنياهم وآخرتهم، وبكلّ ما في ضمائرهم من شعور بالمسؤولية أمام الله في ما يفكّرون به ويقومون به من عمل، وذلك عندما يعيشون الإيمان باليوم الآخر في عمق الإحساس بالعقيدة وروعة الإيمان بقضية المصير، فيتمثّل ذلك في انضباطهم العمليّ، لأنّهم {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ}. والحديث عن لقاء الله لا يُراد منه اللّقاء الحسّي المادي، لأنَّ الله لا يتجسّد كما تتجسّد المخلوقات بالأشكال المادية، بل هو كناية عن يوم القيامة الذي يلتقي الناس فيه بالله، في حسابه وثوابه أو عقابه، باعتبار أنّه اليوم الذي لا مظهر فيه لسلطة أحد ولو بالشكل، إلاَّ الله، كما قال سبحانه: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الإنفطار : 19]، فكأنَّ الإنسان يلتقي بالله هناك من خلال تمثّل وجوده تعالى، من خلال الإحساس، على نحوٍ أقوى بقدرته المطلقة. وقد يبرز أمامنا سؤال عن السرّ في استبدال كلمة اليقين المناسبة للمقام، باعتبار أنّها تمثّل وضوح الرؤية لدى الإنسان، فتزيد من تقواه، بكلمة "الظنّ"؟ والجواب: إنَّ من الممكن إيراد الإيحاء بأنَّ قضية الاستعداد للآخرة يكفي فيها الظنّ ولا يحتاج فيها إلى اليقين، لأنَّ الإنسان يتحرّك بشكلٍ غريزي إلى دفع الضرر المحتمل أو المظنون عن نفسه، سواء في ذلك قضايا الدنيا والآخرة؛ وكأنَّ الآية تريد أن تثير في الإنسان هذا الشعور بالحاجة إلى الانضباط من خلال الطبيعة الوقائية للأشياء إزاء الفكرة المحتملة، فلا يقف أمامها موقف اللامبالاة، بحيث لا يفكّر في المسؤولية إلاَّ من خلال الحاضر بعيداً عن تطلُّعات المستقبل وإمكاناته. وربّما نستوحي ذلك من بعض أساليب أهل البيت في الحوار مع بعض الزنادقة حول الآخرة: "إن يكن الأمر كما تقول ـــ وليس كما تقول ـــ نجونا ونجوت، وإن يكن الأمر كما نقول ـــ وهو كما نقول ـــ نجونا وهلكت"(1). يقول الشاعر: قال المنجِّمُ والطبيبُ كلاهما لا تُحْشَرُ الأجسادُ قلتُ: إليكُما إنْ صحَّ قولُكُما فلستُ بخاسرٍ أو صحَّ قولي فالخَسَارُ عليكُما وقد اتّبع القرآن هذا الأسلوب في أكثر من آية، فعبَّر عن المؤمنين بأنّهم يرجون لقاء ربّهم {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً} [الكهف: 110]. ومن الطبيعيّ أن لا يكون هذا الأسلوب مقتصراً على إبقاء القضية في نطاق الاحتمال ليتّجه العمل على أساس الاحتياط، بل هو وارد في اتجاه الإيحاء بالانطلاق منه إلى اليقين، من خلال إخراج الإنسان من أجواء اللامبالاة إلى أجواء المواجهة المسؤولة للفكر والعمل. وقد جاء في مجمع البيان: "أنَّ النبيّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) كان إذا أحزنه أمر، استعان بالصلاة والصوم"(1)، باعتبار أنَّ الصّومَ مظهر للصبر. وجاء في الكافي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام): كان عليّ (عليه السلام) إذا هاله أمر فزع إلى الصلاة ثمَّ تلا هذه الآية: {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ}(2). ***** استفادات عملية من وحي ما تقدَّم: ذلك هو بعض الحديث في الجانب التفسيري للآيتين، فماذا عن المعطيات العملية التي نخرج بها في واقعنا الإسلامي المعاصر؟ هنا يمكننا استيحاء نقطتين: النقطة الأولى: إنّنا نستفيد من الآية الأولى، تأكيد الجوانب العبادية كالصلاة والصوم، والعناصر النفسية الأخلاقية كالصبر ونحوه في بناء شخصية الإنسان المسلم، من أجل إبعاده عن أجواء الانحراف الفكري والعملي، لأنَّ ذلك ما يحقّق له قوّة الاندفاع في الجانب العمليّ، ويعينه على مواصلة السير في الطريق المستقيم. إنّنا نشعر بالحاجة إلى الإلحاح على ذلك في أساليبنا التوجيهيّة، وعدم الاكتفاء بالأساليب الفكرية التي تدفع الإنسان إلى الدخول في متاهات الجدل الفكري من دون أن يتحرّك في الاتجاه العملي، لأنَّ ذلك قد يفيد بالنسبة للأشخاص الذين يختلفون معك في أُسس الإيمان، أمّا المؤمنون الذين انحرفوا عن الخطّ ولم ينحرفوا عن الإيمان، فإنّهم يحتاجون إلى التربية العملية التي تهيّئ لهم سبل الانضباط في نطاق تقوية إيمانهم، ولا فرق في ذلك بين المؤمنين التقليديّين الذين يعيشون الإيمان الفطري، وبين المؤمنين الذين يحملون الإيمان، المشوب ببعض الانحرافات الطارئة. فالأسلوب الأفضل معهم في أسلوب التربية العملية التي تعمّق ملكة الصبر والخشوع التي تربطهم بالله. أمّا أسلوب إثارة القضايا الفكرية التي يُراد من خلالها تعميق الجانب الفكري من الإيمان، فقد يعطي عكس النتيجة عندما يؤدّي ذلك إلى إثارة مشاكل جديدة في الإيمان، ممّا لم يكن داخلاً في الحسبان؛ ولذلك فلا بدَّ من الانتظار ريثما يقوّي المؤمن ارتباطه بالله، فلا يزلزله عن الخطّ شيء من شبهة أو مشكلة فكرية. النقطة الثانية: إنّنا نستفيد من الآية الثانية التركيز على أسلوب الوعظ الذي يعتمد على التذكير بالآخرة في مجال الحثّ على العمل، وإرجاع الإنسان إلى الله، لأنَّ لدى الإنسان منطقة شعورية ترتبط بالانفعال والعاطفة ولا ترتبط بالفكر المجرّد، فقد لا يكفي في إثارتها الحديث عن حلّ الإسلام لمشاكل الحياة، وعن طبيعة الفلسفة التي تشمل مختلف النواحي الكونية، بل لا بدّ من ربط ذلك كلّه بقضية المصير، وموقف الإنسان من الله، ومواجهته له في يوم القيامة في لحظات الحساب الشامل الذي يحاسبه فيه على كلّ ما عمل من خير أو شرّ، فإنّ ذلك يحقّق للنفس خشوعها الروحيّ بين يديّ الله كوسيلة من وسائل خشوع حياته لله سبحانه. إنَّ الدراسة الواعية للأساليب القرآنية في الدعوة، تهدينا السبيل إلى ملاحظة التركيز العميق في القرآن على هذا الأسلوب، حيث لا نجد أيّة مناسبة للوعظ إلاَّ وقد انطلق القرآن في استثارتها، والإفاضة فيها بمختلف الجوانب الفكرية والعاطفية، ممّا يدعونا إلى اعتباره طابعاً إسلامياً مميّزاً في أسلوب الدعوة إلى الله. 4 ـــ الصبر الجميل في الدعوة: {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً*إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً*وَنَرَاهُ قَرِيباً} [المعارج: 5 ــ 7]. ***** {فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً} على كلّ الكلمات اللاّمسؤولة التي يقصد بها التحدّي وإيجاد البلبلة أمام الدعوة، لإثارة الاهتزاز في مواقف الرسول والرساليّين عندما يقودهم جمود الناس من حولهم إلى الإحباط، ما يجعل من الأمر بالصبر الجميل الذي يمثّل الموقف الثابت المتمرّد على الآلام من موقع الوعي ضرورةً حيّةً من ضرورات نجاح الرسالة في الوصول إلى قناعات الناس في نهاية المطاف، لأنّ طبيعة الواقع المتحجّر الذي تضافرت على تكوينه ظروفٌ معقّدةٌ وأجيالٌ متعاقبة، جعل من تفجير هذا التحجّر وتذويبه وترويضه مهمّةً صعبةً للرسل وللدّعاة. ولا بدّ لهم ـــ من أجل تحقيق النتائج الحاسمة لمصلحة الرسالة ـــ من سعة الصدور ورحابة الأُفق والرضى بقضاء الله والالتذاذ بالآلام، والوعي العميق لكلّ الأفكار والشكوك والهواجس التي يثيرها الكافرون والمشكّكون والمعقّدون، ليقفوا أمامها وينناقشوها بالمنطق العقلي أو بالأسلوب العاطفي، وبالوسائل النفسية المرِنة، للتغلّب على كلّ الصعوبات الواقعية، حتى يأذن الله بالوصول إلى الهدف الكبير، وهو انتصار الرسالة ودخول الناس في دين الله أفواجاً. إنّ مهمّة الرسول هي أن يؤدّيَ رسالة الله، ما يفرض عليه أن يكون مزاجه مزاج الرسالة، وعقله عقلها، وموقفه بالمستوى الذي يكون في خدمة موقفها، وما دام هدفه رضى الله، فلا مشكلة عنده في التمرّد على آلام الذّات وأحزان المشاعر. ***** إنّهم يرونه بعيداً ونراه قريباً: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً} ولذا فإنّهم يستعجلونه في أسلوب التحدّي القائم على السخرية والاستهزاء، في إيحاء متنوّع الأشكال والكلمات باستبعاده ـــ والضمير يعود إلى يوم القيامة ـــ وربّما كان العمق هو الإنكار له، كما يلوح من جوّ المواقف، {وَنَرَاهُ قَرِيباً} لأنّ القرب لا يمثّل المرحلة الزمنية الحقيقية التي لا مجال للريب فيها، لأنّها منطلقةٌ من إرادة الله التي لا نختلف حولها، ما يجعل من مسألة القرب والبعد مسألةً تتّصل بالقرب من مواقع الحقيقة الخاضعة لظروفها وأسبابها الموضوعية في ما أودعه الله، أو البعد عنها باعتبار أنَّ كلّ لحظةٍ زمنيةٍ تمثّل خطوةً متقدّمةً نحو الهدف الثابت. والمراد من الرؤية ـــ على الظاهر ـــ الرؤية العقلية الاعتقادية التي قد تستبعد شيئاً أو تستقربه على أساس المعطيات الذاتية أو الموضوعية المتوفّرة لدى صاحب الرؤية، على صعيد الفكر أو المزاج أو الواقع. ***** 5 ـــ الصبر والمصابرة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200]. ***** {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} انطلق النداء في التركيز على جوانب أربعة ذات قيمةٍ عملية في تحقيق عملية التوازن في حركة الشخصيات الإسلامية: 1 ـــ الصبر: {اصْبِرُواْ} وقد تحدّث الله عن الصبر في القرآن الكريم من حيث ما يمثّله من قيمة روحيّة وعمليّة كبيرة، في ما تتحرّك فيه من تحقيق القوّة والتماسك أمام نوازع الضعف، واشتداد الأزمات، واهتزاز المواقف من خلال اهتزاز الساحة، فإنَّ الإنسان الذي يملك طاقة الصبر على الشدائد والأهوال يستطيع أن يملك أمره في كلّ مواقفه الخاصّة والعامّة، وبذلك كان الصبر من عزم الأمور كما تحدّث به القرآن. وقد لا نحتاج إلى التأكيد على قيمة الصبر في حياة الداعية إلى الله في ما يواجهه من انحرافات ضاغطة في الأفكار والمشاعر والمواقف والأوضاع السلبيّة المحيطة به، ليُقابل ذلك بهدوء الرسالة وعمقها وامتدادها في حركة الحياة. ***** 2 ـــ المصابرة: {وَصَابِرُواْ} فسّر بعضهم المصابرة بما يلتقي مع معنى الصبر، كما لو كانت كلمة مرادفة لها. وفسّرها البعض بـــ "الغالبة في الصبر"، فهو لا يطلب منهم أن يصبروا في أنفسهم فقط، ولكن أن يغالبوا أعداءهم في الصبر؛ فالصبر يكون في كلّ ما يصيب المرء من أزمات تقع عليه خاصّة، والمصابرة تكون في ما يصيب المرء ويصيب أعداءه من شدائد في مثل الحرب والجهاد. وقد جاء الأمر بالمصابرة في قوله تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ} [آل عمران: 140 ـــ 140] أي: فلا يغلبوكم بالصبر على قرحهم أكثر من صبركم على قرحكم، وفي قوله تعالى: {إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} [النساء: 104]؛ أي: فعندكم سبب للتفوّق والغلبة ممّا ليس عندهم مع استوائكم وإيّاهم في تحمّل الأذى والألم. ***** 3 ـــ المرابطة: {وَرَابِطُواْ}: والرباط: اللّزوم والثبات، وأصله من الربط بمعنى الشدّ، وهو عزيمة يعزمها المؤمن بالشيء، فيربط الله بها على قلبه، فلا يتحوّل ولا يتزلزل. ولعلَّ المراد بها هنا هو أن يكون الإنسان مستعدّاً للثبات والصمود على حدود الإسلام، سواء أكانت حدوداً جغرافيّة أم كانت حدوداً فكرية أم سياسيّة أم اجتماعية أم اقتصادية، فيشعر أنَّ من واجبه مراقبة تحرّكات العدّو في كلّ أوضاعه، سواء كان العدوّ شيطاناً يريد أن يغويَهُ، أو إنساناً يريد أن يتحدّاه أو يتحدّى أيّ ثغر من ثغور الإسلام، أو فكراً من أفكاره أو شريعة من شرائعه، أو شعباً من شعوبه، أو سرّاً من أسراره. ليُدافع عن الإسلام من مواقعه التي يُرابط فيها من حيث يملك إمكانات الدفاع. وربَّما كانت هذه الكلمة انطلاقةً إيحائية بأنَّ على المؤمنين أن يبتعدوا عن أجواء الكسل والاسترخاء واللامبالاة والابتعاد عن تحمّل المسؤولية ومواجهة التحدّيات، لأنَّ معنى ذلك أن تكون الساحة الإسلامية في بعض مجالاتها خاليةً من وسائل الدفاع، مفتوحةً لكلّ مغامر وعدوّ، فلا بدَّ لكلّ مؤمن من أن يدرس ساحته وطاقته وحاجة الإسلام إليه ليحدّد دوره الرسالي على أساس ذلك كلّه. وقد لا يعذر الله الكثيرين من المؤمنين الذين انعزلوا عن حركة الحياة، وعاشوا لأنفسهم ومسؤوليّاتهم الشخصية بعيداً عن مسؤولية الإسلام والمسلمين، لأنّهم استراحوا للفكرة السهلة التي تخفّف عنهم أثقال المسؤولية لتجعلها في حركة انتظار طويلة إلى آخر الزمان، لأنّنا نفهم الانتظار حركةً متقدّمةً نحو الهدف الذي ننتظر أن نصل إليه من خلال تحرّكنا الطويل، وليس استرخاءً وغيبوبةً في أجواء الراحة والفراغ. ***** 4 ـــ التَّقوى: {وَاتَّقُواْ اللّهَ} والتقوى ـــ كما ألمحنا إليها في أكثر من مرّة ـــ تمثّل الانضباط أمام الله في ما أحلّه وما حرّمه، وذلك هو معنى أن تكون مسلماً في الخطّ العملي للإسلام الذي هو موقفٌ في حركة الواقع، وليس مجرّد كلمة وشعور. ***** لعلَّكم تفلحون: وتأتي كلمة {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} في نهاية الآية، لتوحيَ للإنسان بأنَّ السعي في تحقيق هذه المبادئ التي تضمّنها هذا النداء يمكن أن يحقّق لك الفلاح من خلال التدقيق في الموازنة بين جانبي النظرية والتطبيق. وربَّما كانت كلمة "لعلَّ" واردةً في الإيحاء بضرورة التركيز على طبيعة الخطوات العملية والتدقيق في مراحل الطريق، فقد يحصل للإنسان بعض المفاجآت التي لم يحسب لها حساباً، فتنحرف به عمّا يهدف إليه، فلا بدَّ من مضاعفة الجهد واستنفاد الطاقة ليضمن لنفسه الفلاح، حتى لا يسترخي ولا يستريح أمام الطاقات التي يبذلها في المعركة، بل يعمل على تنمية طاقاتٍ جديدة في ما يملك أن ينمّيه ويطوّره من طاقاته وطاقات الآخرين. ورد في بعض الروايات تفسير الآية بطريقة أخرى، فقد جاء في الدرّ المنثور: "أخرج ابن جرير، وابن حبان، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): ألَا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويكفّر به الذّنوب؟ قلنا: بلى يا رسول الله. قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخُطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط"(1). وجاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) في قوله تعالى: {اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} الآية: اصبروا على أداء الفرائض، وصابروا عدوّكم، ورابطوا إمامكم(2). وفي رواية عن عليّ (عليه السلام) أنّ معنى رابطوا، أي رابطوا الصّلوات، ومعناها انتظروا واحدة بعد واحدة، لأنَّ المرابطة لم تكن حينئذٍ. وروي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنّه قال: معناه اصبروا على المصائب، وصابروا على عدوّكم، ورابطوا عدوّكم(3). والمرابطة في اصطلاح الفقهاء هي السفر إلى ثغور بلاد الإسلام، حيث يخشى هجوم الكفّار من خلاله، والمرابطون هم الذين يمثّلون جنود الحدود للبلاد الإسلامية. وقد جاء في الحديث عن سلمان عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): "رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه، فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل، وأجرى عليه رزقه، وأمن الفتّان" وعن فضالة بن عبيدة قال: "إنَّ رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) قال: كلّ ميّت يختم على عمله إلاَّ المرابط في سبيل الله فإنّه ينمو له عمله إلى يوم القيامة ويؤمن من فتّان القبر" وجاء عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) أنّه قال: "كلّ عين باكية يوم القيامة إلاَّ ثلاثة أعين: عينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ غضّت عن محارم الله، وعينٌ باتت ساهرة في سبيل الله"(1). ومن الطبيعي أنّ الرباط يمثِّل وسيلةً من وسائل الجهاد، بل هو من أكثر الأعمال ارتباطاً بحركيّته وسلامته، من حيث إنّه يرصد حركة العدوّ ويحدّد مواقعه، وينذر الجيش بكلّ أوضاعه، ليقف المسلمون على أهبة الاستعداد للمواجهة المدروسة المنطلقة في الخطّة المرسومة للوصول إلى النصر أو إلى دفع العدوان. وهذا ما جعلها من أفضل المستحبّات، بل قد تكون من الواجبات التي يتوقّف عليها حماية البلاد الإسلامية بطريقةٍ أو بأخرى. ***** 6 ـــ الصابرون ... حالات استثنائية: {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ*وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ*إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 9 ــ 11]. ***** معاني المفردات: {أَذَقْنَا}: الذوق: مصدر: ذاق، أي تناول الشيء بالفم لإدراك الطعم، وسمّى الله سبحانه إحلال اللّذات بالإنسان إذاقة لسرعة زوالها، تشبيهاً بما يذاق ثمّ يزول. وقد يكون المراد هنا: خَبَرَ نعم الله واختبرها. {نَزَعْنَاهَا}: النزع: قلع الشيء عن مكانه. {لَيَؤُوسٌ}: فعول من يئس، واليأس: القطع بأنّ الشيء المتوقّع لا يكون، ونقيضه الرجاء. {نَعْمَاء}: النعماء: أنعام أو نِعَمٌ أثرها على صاحبها. {ضَرَّاء}: الحالة التي تضرّ، كالفقر والشدّة والعذاب، وهي نقيض السرّاء. {السَّيِّئَاتُ}: المراد بالسيّئات بقرينة المقام: المصائب والبلايا التي يسوء الإنسان نزولها عليه. {فَخُورٌ}: فعول من فخر يفخر، وهو الذي يكثر فخره، بتعداد مناقب نفسه، وهذه صفة ذمّ لما فيها من التكبُّر على من لا يجوز أن يتكبَّر عليه. ***** للإنسان خصائصه السلبية في نظر القرآن، لوجود نقاط ضعف في شخصيّته الداخلية، تنعكس على مواقفه العملية في الخارج. وتتنوّع هذه الخصائص السلبية تبعاً لتنوّع نقاط الضعف، ولكنّها مهما تنوّعت وامتدّت في حياته، فإنّها لا تمثّل خصائص لا تنفصل عن حركة الذّات في وجودها، لتكون ضريبة لازمة للإنسان في حياته، بل هي من الخصائص القابلة للتبديل والتغيير، بفعل التربية والممارسة والوعي المنفتح العميق. {وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً} من الصحّة والأمن والغنى والعلم وغير ذلك، فعاشها مدّة من الزمن، يتقلّب في نعمائها وينهل من لذائذها، ويستمتع بخيراتها، جاهلاً بأنّ هذه النِّعم إلى زوال، لأنَّ سُنّة الحياة قائمة على التغيّر والتبدّل، واستسلم في ظلّها لأحلامه، كما يستسلم الحالمون إلى الأجواء السحرية اللّذيذة، وجاءت المفاجأة لتطويَ صفحة وتفتح أخرى، فقد أذقناه حلاوة النعمة فترةً من الوقت {ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ}، فإذا بالصحّة تنقلب إلى مرض، والأمن إلى خوف، والغنى إلى فقر، والعلم إلى جهل ونسيان. فكيف كان شعوره أمام ذلك كلّه؟ هل يتقبّله بعقل واعٍ منفتح، يدرس الظاهرة الإيجابية الماضية من خلال أسبابها، ويناقش الظاهرة السلبية الحاضرة، من خلال مؤثّراتها الواقعية، ممّا يجعله يواجه النتائج في كلتا الحالتين بعقلانيةٍ هادئةٍ تتحرّك فيها حسابات الشعور من خلال حسابات العقل؟ أو أنّه يواجه المسألة بالانفعال العنيف الباحث عن الأجواء المأساوية ليغيب فيها، وعن العنف المتمرّد ليتحرّك فيه؟ إنّ النتيجة هي اختياره للجانب الثاني، لأنَّ عنصر الانفعال أقوى لديه من عنصر العقل، {إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ} فلا يُخضع الأشياء للدراسة الواقعية ليفهم أنّ من الممكن للمشكلة أن تجد الحلّ، وأنّ الحالة الصعبة قد تتحوّل إلى حالة سهلة، وأنّ العسر قد يتحوّل إلى حالة إشراق ينطلق في أجواء الضياء. وهو لا يلجأ إلى منطق الإيمان ليعرف أنّ قدرة الله لا تقف عند حدّ، فلا مجال لليأس أمام قدرته، بل يبقى الأمل في خضرةٍ دائمةٍ، ونموٍّ مستمرّ، ولذلك فهو يسقط في وحول اليأس، ويتخبّط في ظلمات الكفر، فيعيش في قلب الدوّامة إلى غير قرار، هذا في الحالة الإيجابية التي تتحوّل إلى حالةٍ سلبيّةٍ. ***** الزهو المتكبّر والشخصية المهتزّة: {وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ} فحصل على الصحّة بعد المرض، وعلى الغنى بعد الفقر، وعلى الأمن بعد الخوف، وانطلقت الإشراقة الروحية في حياته، لتبدّد الظلمة التي عاشت في أحداقه مدّةً طويلة من الزمن، فاستسلم للخير المستجدّ في حياته، استسلام الاسترخاء الذي يبحث عن أرضٍ يتمدّد عليها، لا عن تجربةٍ يستفيد منها، في ظواهر قابلةٍ للتغيير والتبديل. وهكذا سيطرت عليه الغفلة، فلم ينفتح على مخاوف المستقبل، ولم يتحفّظ أمام المفاجآت، {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} انفتحت الحياة أمامي بكلّ مجالاتها الواسعة، فلا انغلاق ولا ضيق، فليفتح المستقبل لي كلّ أبوابه، لأنّ موعد الشروق قادمٌ بكلّ امتدادات الحياة، {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}، ليس هو الفرح الهادئ الذي يستمتع بالنتائج الحاضرة بطريقة لا أثر فيها للبطر وللخيلاء، بل هو الفرح المتحرّك بالزهو الاستعراضي المتكبّر، الذي يعمل على الإيحاء بعظمة الذّات، وسحر الشخصية، كما أنّه ليس الفخر الواقعي الذي يقف أمام حدود القيمة داخل حركة الحياة من حوله، بل هو الفخر المتعاظم بالمجد الضخم الذي ارتفع إليه من دون بحث عن مواقع القيمة في حركة الحياة الواقعية، وتلك هي الشخصية المهتزّة الواقعة في مهبّ الرّيح، فلا مجال لديها لأيّ استقرار في الفكر والشعور والموقف، لفقدانها القاعدة الصلبة التي ترتكز عليها في انفعالها بالأحداث، وفي تأثّرها بالقضايا، وفي التزامها بالمواقف، وذلك هو سرّ الضعف في عمق هذه الشخصية القلقة غير المتوازنة. ***** الصابر لا يطغيه الربح ولا تصرعه الخسارة: ولكنّ هناك نوعاً آخر من البشر، يملك الإيمان إلى جانب العقل، والتركيز إلى جانب العلم، فهو يفهم الحياة كنوعٍ من الانفتاح والوعي والواقعية، وبذلك، فإنّه يستطيع الوقوف بعيداً عن الاهتزاز ليثبت على الأرض الصلبة، المتّصلة بالعمق الأعمق من قوّة الحياة في الإيمان. وهؤلاء هم المؤمنون الصابرون، الذين انفتحوا على الصبر من خلال الإيمان، وارتبطوا بالإيمان من خلال مواقع الصبر، والتزموا بخطّ العمل الصالح، على أساس ذلك كلّه. {إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ} ففهموا سرّ الحياة من خلال الهدوء الذي يصنعه الصبر الإيجابي في داخل شخصيّته، وفي رؤيتهم أنَّ الحياة بكلّ مظاهرها المفرحة والمحزنة، خاضعة لعوامل وأسباب طبيعيّة أودعها الله في سننه الكونية، فإذا جاء الخير، فإنَّ معنى ذلك أنّ أسبابه متوفّرة، وإذا جاء الشرّ كان معناه، أنّ الإمكانات لا تسمح بولادة الخير في الحياة وفي الإنسان، تماماً كما يجيء اللّيل وهو يحدّق بالنهار، أو يشرق النهار وهو يحمل في داخله تهاويل قدوم الليل، فلا مشكلة مطلقةٌ هنا، ولا حلٌّ مطلقٌ هناك. بل هناك الواقعية الصافية التي تواجه الأرباح بصبر، فلا يطغيها الربح، كما تواجه الخسائر بصبر، فلا تصرعها الخسارة، وهؤلاء هم الذين صبروا ولم يتزلزلوا، بل ثبتوا أمام المتغيّرات في الحياة، واعتبروها مسؤوليّةً محدّدةً سواء تعلَّقت بحياتهم الشخصية، أم بحياة الناس العامة، وهذا ما عاشوه عندما صبروا وتحمّلوا نتائج المسؤولية {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} فجزاهم الله عن ذلك خيراً كثيراً، ورفع درجتهم عنده، لأنّهم أخلصوا له العبوديّة بالقول والعمل، {أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}، وتلك هي نهاية الصابرين العاملين الصالحين. ***** 7 ـــ جزاء الصابرين: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ*وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ*وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ*فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 145 ـــ 148]. ***** معاني المفردات: {رِبِّيُّونَ}: إلهيّون منسوبون إلى الربّ، والربّيّ كالرّباني. {وَهَنُواْ}: ضعفوا روحياً نفسياً. وهو الضعف الداخلي القلبي، وهو الأساس في الضعف والاستكانة. {اسْتَكَانُواْ}: أي خضعوا واستسلموا لعدوّهم. {ضَعُفُواْ}: ضعفت قواهم عن الاستمرار في الصراع، ولانت عزائمهم في الثبات في ساحة المواجهة. {وَإِسْرَافَنَا}: الإسراف مجاوزة المقدار، والإفراط بمعناه، وضدّهما التقتير، وقيل: الإسراف مجاوزة الحقّ إلى الباطل بزيادة ونقصان، والأوّل أظهر. يُقال: أسرفت الشيء: أي: نسيته، لأنّه جاوزه إلى غيره بالسهو عنه. ***** لماذا يجبن الإنسان المؤمن، ولماذا يخاف ويتراجع عن الاندفاع في معارك الحقّ والباطل؟ هل هو الخوف من الموت؟ ولكنَّ الإيمان بالقضاء والقدر يتلخَّص في الفكرة القائلة: إنَّ ما أصاب الإنسان في هذه الدّنيا لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإنَّ لكلّ إنسان أجلاً محدوداً لن يعدوه، فلا يتقدّم ولا يتأخّر مهما كانت الظروف والأخطار. إنَّ هذه الفقرة من الآية الأولى تقرّر هذه الحقيقة من أجل أن يستلهمها المؤمنون عندما يدعوهم الواجب إلى خوض الحرب دفاعاً عن الحقّ. {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله} فهو الذي يملك الحياة والموت من حيث إنَّه خالقهما في الإنسان وفي الموجودات الحيّة كلّها من خلال سنته في الموت في أسباب الحياة والموت، وهذا هو المراد من {إِلاَّ بِإِذْنِ الله}، {كِتَاباً مُّؤَجَّلاً} أي مؤقّتاً له إلى أجل معلوم لا يتقدّم ولا يتأخّر. فلكلّ نفس وقتٌ محدَّدٌ خاضع للظروف الكونية المحيطة به التي قدّر الله من خلالها حياته وموته عندما خلق الله الناس، فلا يموت الإنسان إلاَّ بإذن الله الذي يمثِّل التعبير عن القوانين التي تحكم حياة الإنسان، بعد أن يبلغ الكتاب أجله. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا الخوف من الموت؟! وتنطلق الآية لتحدّد للإنسان مصيره من خلال إرادته واختياره في خطّ المسير: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا}، ولا يفكّر بما بعدها، بأن كان ممّن أخلد إلى الأرض واتّبع هواه {نُؤْتِهِ مِنْهَا} فإنَّ الله لا يحجب عنه ذلك، بل يؤتيه منها. {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ} فيتحرّك في الحياة بطاعة الله طلباً لرضوانه وشكراً لنعمه، في عملية تجسيد للشكر بالإيمان والعمل الصالح، بأن كان ممّن ارتبط بالله في عقيدته وعمله {نُؤْتِهِ مِنْهَا} أي كان له ذلك كنتيجة لعمله، {وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} وجزاء الله عليه جزاء الشاكرين، فلماذا لا يغتنم الإنسان الفرصة فيفكّر بالله ويعمل لما عنده فيكون قريباً منه؟! ***** دروس من الماضي: ثمَّ يُطلق الحديث في تاريخ النبوّات السابقة، ليربط تجربة الحاضر بتجربة الماضي، وليثير أمام جيل التجربة الجديدة ما يبعث فيهم روحاً حيّة متحرّكة تثير فيهم قوّة الاندفاع والحركة. {وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} فقد كان لكلّ واحد من الأنبياء ربّيون، وهم الجماعات الكاملة في العلم والعمل ـــ كما قيل ـــ {فَمَا وَهَنُواْ} أي ضعفوا داخلياً وانهزموا نفسياً، {لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ} أي لم يستسلموا للعدوّ في ذلّة وانكسارٍ، بل صبروا في مواقع الجهاد على الآلام والضغوط والمشاكل والتحدّيات. {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} فلماذا لا تصبرون مثلهم؟! وكانت روحيّتهم صافية منفتحة على الله؛ فإذا شعروا في داخل ذواتهم بالجفاف والقسوة ورأوا أنَّ خطواتهم بدأت تنحرف عن الطريق بفعل الأجواء الخانقة المحيطة بهم، جلسوا بين يدي الله في مناجاة روحيّة خاشعة: {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} فقد تجاوزنا الحدود المرسومة لنا من قِبَل رسلك وابتعدنا عن الطريق طويلاً، وبدأت الأرض تهتزّ من تحت أقدامنا لتزلزل أقدامنا في زلزال الكفر والانحراف، {وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا} في مواقع الزلل {وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} عندما نُجاهد في سبيلك، فإنّنا لا نطلب النصر إلاَّ منك بتأييدك وعونك ونصرك. واستجاب الله لهم هذا الدُّعاء الذي يجمع للإنسان ثواب الدّنيا والآخرة: {فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} الذين يعملون له عندما يعملون، ويتوكّلون عليه عندما يجاهدون. تلك هي الصورة في مجتمع النبوّات السابقة، وتلك هي الصورة التي يريد الله للمجتمع المسلم أن يستعيدها في نفسه عندما تضيق به الأمور، وتُحيق به الهزائم، وتجتمع في آفاقه الأزمات، وتتضافر عليه قوى الشرّ. فيسأل الله الفرج حيث لا فرج، والمدد حيث لا مدد؛ فتسكن النفس، ويرتاح اللّب، وتثبت الأقدام، وينفتح للحياة على الله درب طويل لا نهاية له، تخضرّ فيه أرواح، وتنبت فيه كلّ الجنائن الروحيّة التي يزهر فيها الورد، وتتفتّح فيها براعم الرياحين. ويبدأ الإنسان حياته الجديدة الآمنة المطمئنة في آفاق الله. ***** ما معنى حبّ الله؟! وهنا ملاحظات: الأولى: إنَّ الله تحدّث عن الصابرين، في قوله: {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} من موقع التعبير عن الحبّ الإلهيّ للمجاهدين الصابرين الذين عاشوا الصبر في خطّ الجهاد، باعتباره العمق الروحي الذي يؤكّد الثبات في الموقف من خلال تحمّل الآلام القاسية ومواجهة التحدّيات الكبرى، ما يوحي بأنَّ الإنسان يقف في مثل هذا الموقف ويُعاني كلّ هذه المعاناة حبّاً بالله ورسوله، بحيث يعيش الفرح الروحيّ في داخل نفسه، لأنَّ الله يراه فيهون عليه كلّ شيء أمام ذلك، وهذا هو الذي يقوّي إرادة التقوى في الإنسان، ويحرّك قدرته في اتجاه الأهداف، لأنَّ الإنسان كلّما ازداد حبّاً لله كلّما ازداد صبراً، وكلّما ازداد صبراً كلّما ازداد قوّة وثباتاً، فيتحوّل إلى أن يكون إنسان الله الذي يحبّ ما يحبّه الله ويكره ما يكرهه في الأعمال والحياة والإنسان، فيبادله الله حبّاً بحبّ. وتلك هي السعادة الكبرى التي ليس فوقها سعادة، والغنيمة التي لا تساويها غنيمة، أن يحصل الإنسان على حبّ الله، فتفيض عليه الرحمة بكلّ فيوضاتها، ويحوطه اللّطف الإلهيّ بكلّ رعايته. من هم المحسنون؟ الثانية: إنَّ الله تحدّث بكلمة "الحبّ" عن المحسنين في قوله تعالى: {وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}، هؤلاء الذين عاشوا معنى الإحسان في أفكارهم فكراً يقدّم الإحسان إلى الناس الذين يبحثون عن الحلول الفكرية لمشاكلهم العامّة، وعملاً يقدّمه إلى الناس ليُحسن إلى حياتهم الباحثة عن قوّةٍ لضعفها، وغنًى لفقرها، وحيويّةٍ لحركيّتها؛ فيرفع بذلك مستواهم، ويحقّق لهم الكثير من الخير في جميع أمورهم وأوضاعهم. وهؤلاء الذين عاشوا الإحسان لأنفسهم إيماناً في الروح، وعقيدةً في العقل، واستقامة في الطريق، وثباتاً في الخطى، وتقوًى في العمل، وانفتاحاً على الله في آفاق الغيب، وجهاداً في ساحة الصراع، وقوّةً في مواجهة التحدّيات، وإخلاصاً للرسالة وللرّسول، وحبّاً لعباد الله. وهذا هو الذي يمثِّل ارتباطهم بالله وحركتهم نحو القرب منه، فيراهم الله في مواقع الإحسان لأنفسهم وللنّاس وللحياة، من خلال محبّتهم له وإقبالهم عليه، فيمنحهم بذلك حبّاً إلهيّاً، ليغرقهم في السعادة، ويغمرهم بالنعيم، ويسير بهم نحو درجات القرب عنده. ***** للصَّابرين المحسنين ثواب الدّنيا والآخرة: الثالثة: إنّ الله حدَّثنا أنّه لا يكتفي بثواب الآخرة جزاءً للصابرين من عباده، الثابتين في مواقع رضاه، المحسنين في أقوالهم وأفعالهم، بل يضيف إليه ثواب الدّنيا بما يسبغه عليهم من نعمه ويتفضَّل عليهم بآلائه، ليتحسَّسوا في الدنيا ثواب أعمالهم في دلالته على رضوان الله، وليكون انتظارهم لثواب الآخرة من موقع الثقة بأنَّ الله استجاب لهم دعواتهم وتقبَّل أعمالهم ورضي عنهم، فكانوا المرضيّين عنده الراضين عنه، وتلك هي النعمة الكبرى التي تمتدّ من الدّنيا إلى الآخرة. وهكذا نجد من خلال هذه الملاحظات الثلاث أنَّ الله يريد أن يعمّق في شخصية الصابرين إرادة الصبر، وفي وجدان المحسنين روح الإحسان، من خلال الإعلان عن الحبّ الإلهي لهم ، ليستمتعوا بهذا الحبّ في وجودهم الإيماني الروحي الذي يحلّق في آفاق الله بكلّ سعادة وغبطة وانفتاح، ثمَّ استثارة الرغبة الإنسانية الذاتية الغريزية في طلب التعويض عمّا يقدّمه الإنسان من جهدٍ أو موقف أو عمل، وذلك بالحديث عمّا ينتظرهم من الثواب العظيم في الدُّنيا والآخرة، ليتحرّكوا في اتّجاه قيمة الصبر وروحية الإحسان، من موقع الروح من جهةٍ، ومن موقع المادة من جهة أخرى. ***** 8 ـــ يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10]. ***** في هذه الآية بلاغ من الله لرسوله ليقول للمؤمنين الذين يعانون من المشركين التحدّيات الصعبة، سيّما من جهة ما يتعرّضون له من أساليب الإذلال والضغط النفسي والجسدي والعائلي: إنَّ عليهم متابعة السير في خطّ الالتزام في ما يريدهم الله، وما يحسنون به لأنفسهم وللحياة من حولهم من الأعمال الصالحة والمواقف الكبيرة، سيبادلهم الله به إحساناً في الآخرة.. وإنَّ عليهم أن لا يخضعوا للضغوط القاسية التي تريد أن تحاصرهم وتضغط على إرادتهم، وذلك بالبحث عن الوسائل التي تحرّرهم منها. {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا} فجعلوا الإيمان عنوان سلوكهم العمليّ، باعتباره التجسيد لإيمانهم الفكريّ والروحيّ، {اتَّقُوا رَبَّكُمْ} فإنّ التقوى تمثّل موقف الصدق للإيمان، لأنّها توحي بالعمق الروحيّ في مضمون الالتزام، بما تمثّله من انضباطٍ شاملٍ؛ {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا} بالعمل الصالح في مضمون تقوى الله ومراقبته في الفكر والحركة، {حَسَنَةٌ} قد تأخذ حجماً صغيراً محدوداً، وقد تأخذ حجماً كبيراً مضاعفاً، تبعاً لنوعية العمل في حجمه وروحيّته. وقد تكون كلمة الدنيا ظرفاً للحسنة التي يمنحها الله للمحسنين، وذلك بما يعطيهم من طمأنينة الروح، وهدوء البال، ونعيم الرزق، ومواقع الخير، ولكنّ الظاهر أنّ الدنيا ظرف للإحسان الذي يقوم به المحسنون، وبذلك تكون الحسنة شاملةً لأجر الدنيا والآخرة معاً في ما أطلقه الله منها. ***** أرض الله واسعة: {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ} فيمكن لكم أن تهاجروا فيها إذا اشتدّ الحصار عليكم، وأطبقت الضغوطات من حولكم، ليمنعكم هؤلاء المشركون من القيام بالتزاماتكم الإيمانية، وأعمالكم الصالحة، فالله لا يريد للمؤمن أن يستسلم لضعفه أمام القوى الطاغية المستكبرة أو يستضعف نفسه في ساحاتهم، بل يريد له أن يأخذ بأسباب القوّة في مواقعَ أخرى ليرجع إلى مواقعه الأولى من قاعدة القوّة الجديدة المكتسبة، حتى تظلّ إرادة القوّة في عملية تكوين الشخصية للإنسان المؤمن. وقد يعتبر البعض هذا التوجيه القرآني بالهجرة من أرض الوطن إلى أرض أخرى للتخفُّف من الضغوط، نوعاً من أنواع الهروب من الساحة، لأنّ المفروض للمؤمنين أن يصمدوا في مواقع الصراع. ولكنّنا نلاحظ على هذه الفكرة، أنّ الآية واردةٌ في مقام الرخصة للذين يخافون أن يسقطوا أمام الضغوط ويضعفوا في ساحة التحدّيات، لأنّهم لا يملكون الظروف التي تسمح لهم بالصمود، ولا يملكون القوّة التي تمنحهم الاستمرار على الثبات، فهم يخافون من نقاط ضعفهم أن تستيقظ لتسقطهم من حيث لا يشعرون، وليست الآية واردةً في الأشخاص الذين يملكون إمكانات الصمود والاستمرار، إذ على هؤلاء عليهم أن يصمدوا ليحقّقوا للموقف الإسلامي القوّة من خلال مواقعهم ومواقفهم، بالمستوى الذي قد لا يجوز فيه لهم الخروج إلى أرضٍ أخرى، وموقعٍ آخر. وهذا ما نستوحيه من الحديث عن سعة الأرض، فإنّها إشارةٌ لمن تضيق به أرضه، لا لمن تتّسع لحركته ولو كان ذلك بطريقةٍ صعبة. {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ} فتلك هي القيمة الروحية العملية التي تمثّل الشرط الأساس لكلّ فكرٍ يريد أن يتجذّر في العقل من خلال الدعوة، ولكلّ مشروعٍ يريد أن يتقدّم في خطّ الواقع من خلال الحركة، ولكلّ علاقةٍ تريد أن تربط الأُمّة بسلسلةٍ من العلاقات العامة التي تشدّها إلى ساحة الوحدة، ولكلّ عملٍ صالحٍ يتحرّك في داخل الذّات أو المجتمع، ولكلّ طاعةٍ لله يريد الإنسان المؤمن من خلالها أن يؤكّد فيها عبوديّته لله من قاعدة الإخلاص المتحرّك في خطّ التقوى، فلا مجال لتحقيق هذه النقاط، من دون الصبر الجميل العميق الذي يواجه الحرمان المفروض من كلّ تلك المشاريع الخاصة والعامة على حياة الإنسان المادية والمعنوية، الأمر الذي يجعل من الصبر قيمة القِيَم، وعمق الحركة الممتدة في كلّ مواقع الخير للإنسان. ولهذا جعل الله أجر الصابرين غير محدودٍ، فليست هناك حساباتٌ معينةٌ، ولا حدودٌ خاصةٌ لرحمة الله في ذلك كلّه. وقد جاء في تفسير العياشي بالإسناد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله ـــ جعفر الصادق (عليه السلام) ـــ: قال: "قال رسول الله (رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلَّم) إذا نشرت الدواوين ونُصبت الموازين لم يُنصب لأهل البلاء ميزان ولم ينشر لهم ديوان، ثمّ تلا هذه الآية {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}(1). ***** الظلم والظالمون الظلم والسقوط الحضاري ـــ جريمة الرضا بالظلم وجزاؤها ـــ مشروعية تناول الظالم بالسُّوء. 1 ـــ الظلم والسقوط الحضاري: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ*فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ*فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ*فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} [الأعراف: 4 ـــ 7]. ***** معاني المفردات: {بَأْسُنَا}: قال الراغب: البؤس والبأس والبأساء: الشدّة والمكروه، إلاّ أنّ البؤس في الفقر والحرب أكثر، والبأس والبأساء في النكاية(1)، وقال غيره: يطلق البأس على الشجاعة والقوّة وعلى الضرر والحرج؛ والمراد به هنا العذاب. {بَيَاتاً}: أصل البيت مأوى الإنسان في اللّيل، والبيات والتبييت قصد العدوّ ليلاً. {قَآئِلُونَ}: نائمون في النهار، من القيلولة. {فَلَنَقُصَّنَّ}: نتلوّن، والقصص ما يتلو بعضه بعضاً، ومنه المقصّ لأنّ قطعه يتلو بعضه بعضاً، ومنه القُصّة من الشَّعر والقِصّة من الكتاب، ومنه القِصاص لأنّه يتلو الجناية في الاستحقاق، ومنه المقاصّة في الحقّ لأنّه يسقط ما له قصاصاً بما عليه. ***** {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ} هذه صورة من صور الإنذار في ما ينزله الله من العقاب على الناس الذين يتمرّدون على رسالاته، ويكذبون رسله، ويفسدون في الأرض. إنّها الصورة التاريخيّة الحيّة التي تتلاحق فيها المواقع التي كانت مسرحاً للظلم والطغيان والكفر والعصيان. من قريةٍ إلى قرية، ومن مدينةٍ إلى مدينة. كيف دمّرها الله بعذابه، وكيف أهلكها بقوّته، من خلال الوسائل غير الطبيعية التي كانت تتحرّك بطريقةٍ غيبيّة، في ما حدَّثنا الله عن قوم نوحٍ وعن قوم لوطٍ وشعيب وغيرهم. أو من خلال الوسائل الطبيعية، التي كانت تتحرّك بطريقةٍ عاديةٍ في ما تتمخّض عنه الانحرافات في داخل الحياة الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الأخلاقية.. أو في ما تتحرّك به الأوضاع الطبيعية من الزلازل والفيضانات والبراكين وما إلى ذلك، ممّا يتمثّل فيه بأس الله الذي كان يحدث في حالة البيات في اللّيل عندما يستسلمون للراحة والنوم، للتخفّف من عناء اليوم وتعبه.. وربّما كان التأكيد على هذين الوقتين باعتبار أنّ الإنسان يحسّ بالصدمة العنيفة في مثل هذه الحال، بمقدار ما تمثّل من مفاجأة مذهلة، لأنّه لا يكون على استعدادٍ نفسي لمواجهة ذلك، بينما لا تكون القضية بهذه المثابة في حالة الحركة التي يبدو فيها مستعدّاً لكلّ شيء. فكيف يواجهون هذا الواقع؟ لا شيء إلاّ الاعتراف بأنّهم ظلموا أنفسهم حين كفروا بالله وعصوه، وظلموا الناس حين تمرَّدوا وتجبّروا عليهم. ولعلّ التعبير بقوله: {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} يوحي بأنّ سقوط الحضارات وهلاك الأمم الظالمة هو من السنن الإلهية التاريخيّة المطردة، باعتبار أنّ الظلم الفكري والعملي ينحرف بالحياة عن مسارها الطبيعي وهو العدل، وينحرف بالإنسان عن خطّ التوازن في الحركة والعلاقات، ممّا يؤدّي إلى الانحلال والتمزّق الداخليّ والخارجي على صعيد الفرد والمجتمع، فلا يبقى هناك أيّ موقع للتماسك الإنساني، فينتهي به إلى السقوط والانهيار الحضاري. ولكن ما فائدة ذلك؟! إنّ الله لا يقبل الاعتراف القادم في لحظات الموت، ومعاينة العذاب، لأنّه لا يمثّل الإرادة الحرّة المتحرّكة في خطّ القناعة الوجدانية في ضوء الدليل والبرهان. إنّها حالة هروب من الواقع، وليست حالة اعتراف وندم. {فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا إِلاَّ أَن قَالُواْ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ} كأيّ إنسان ينكر في حالة الاسترخاء، بما يوحي به إلى نفسه من شعور بالقوّة على التمرُّد والجحود، ولكنّه يحسّ بالضعف والانسحاق أمام الواقع المرّ الذي يصطدم به، فيتحدّاه بكلّ النتائج القاسية التي كان يهرب منها، فيقف وقفة الخائف المذعور الذي يبحث عن كلمة اعتراف، أو موقف ندم يوحي إليه بالأمن من العذاب، ولكن دون جدوى. {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ} من الأمم والشعوب عن ذلك كلّه، فإنّهم سيتحدّثون بكلّ ذلك، وإذا كانوا غير حاضرين أمامنا الآن لأنّهم ذهبوا في ظلمات التاريخ، فإنّ تاريخهم حاضر بين أيدينا، بكلّ نتائجه وآثاره وبقاياه، يعرفنا كيف بادت تلك الحضارات ولماذا، وكيف هلكت تلك الأمم ولماذا، فنعرف أنّ انحرافهم عن طريق الله هو الذي أدّى إلى ذلك كلّه. {وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ} كيف واجهتهم أُممهم بالجحود والنكران، وسيقدّمون تقريرهم إلى الله يوم القيامة، كما قدَّموا تقريرهم في ما كانوا يعيشونه من مشاكل وآلام في وقت الرسالة. {فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ} لا على أساس تخمينٍ وحدسٍ كما يحدث في أقاصيصكم التي قد ترتكز على كثيرٍ من أفانين الظنّ والخيال {وَمَا كُنَّا غَآئِبِينَ} فإنّ الله حاضر في الزمن كلّه، كما أنّ الزمن كلّه حاضرٌ أمام الله. إنّ الزمن يرافقنا أوّلاً ثمّ يتركنا ثمّ يستقبلنا ونستقبله، ولكنّ الله هو الذي خلق الزمان، وخلق الحياة التي يتحرّك فيها الزمن؛ فحضوره هو الحضور، وكلّ ما عداه هو ظلٌّ زائل. ***** هل يأتي العذاب بعد الإهلاك؟ لقد توقّف المفسّرون أمام فقرة {وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً} لأنّ الظاهر أنّ الفاء للتعقيب، ممّا يعني أنّ ما بعدها يأتي متأخّراً عمّا قبلها، فكيف يكون مجيء العذاب بعد الاهلاك مع أنّ القضية بالعكس؟ وقد ذكر في الجواب عن هذه الملاحظة عدّة وجوه: أحدها: ما ذكره الزمخشري في أنّ المقصود بأهلكناها "أردنا إهلاكها"(1) لا الإهلاك الفعلي. ثانيها: أهلكناها في حكمنا فجاءها بأسنا ولعلّه قريب من الأوّل. والثالث: أنّه مثل: زرتني فأكرمتني، فإنّ نفس الإكرام هي الزيارة، قال عليّ بن عيسى: وليس هذا مثل ذلك، لأنَّ هذا إنّما جاز لأنّه قصد الزيارة ثمّ الإكرام بها(2). وربّما كان الأقرب أنّ المسألة واردة على نحو الإجمال والتفصيل، بأن يكون المقصود هو الحديث عن الإهلاك أوّلاً على نحو الإهمال ثمّ الحديث عن تفعيل ذلك بمجيء العذاب في اللّيل أو في وقت القيلولة كتفصيل للإهلاك؛ والله العالِم. ***** من وحي هذه الآيات: وقد نستوحي من هذه الآيات إثارة الخوف من عذاب الله في وجدان الناس الذين يتمرّدون على الله ويستهينون بإنذاره، وذلك من خلال الحديث عن التاريخ الذي عاش فيه المتمرّدون السابقون، حيث لم ينفعهم ما كانوا يملكونه من وسائل القوّة، ممّا يمتدّ إلى الإنسان المعاصر الذي قد يملك الكثير من قوّة الحماية بالمكتشفات الحديثة، ولكنّه لا يملك الوسائل التي تحميه من الزلازل والعواصف والبراكين والفيضانات ونحوها، وهي ـــ في نتائجها التدميرية ـــ قد تكون ـــ في بعض الحالات ـــ مظهراً من مظاهر عذاب الله، الأمر الذي يجعل البأس الإلهيّ شاملاً لكلّ العصور ولكلّ مواقع القوّة عند الإنسان. ***** كيف نفهم سؤال الله الرسل والناس؟ وربّما يثار أمامنا سؤال: كيف نفهم سؤال الرسل والناس الذين أرسلوا إليهم، لأنّ السؤال يتحرّك في نطاق إرادة السائل معرفة ما عمله المسؤول، والله العالم بكلّ تفاصيل أعمال عباده لأنّه المحيط بهم من كلّ الجهات؟ والجواب: إنّ الظاهر هو ورود الآية مورد إثارة الإحساس بالمسؤولية في وعي الناس بأنّهم سيواجهون غداً الموقف الحاسم في ساحة المحكمة الإلهية التي يقيم فيها الله الحُجّة على الناس من خلال اعترافاتهم بما قدّموه من أعمال الخير والشرّ، فيعلم الجميع بأنّ الله لا يظلم الناس شيئاً من أعمالهم في جانب السلب والإيجاب، ثمّ من خلال تقرير المرسلين عن مهمّتهم الرسالية، كيف بلّغوا الأمم التي أرسلوا إليها بوحي الله بما أنذروا وبشروا، وماذا أجابهم أولئك بالإيمان أو الكفر، فيكون الرسل شهوداً عليهم، فلا يبقى لديهم ما يعتذرون به. وربّما كانت القضية ـــ في الآية ـــ واردة في سياق الحديث عن المسؤولية الإلهية التي يواجهها الناس من أمم أو رسل، لأنّ الحساب شامل للجميع، بقطع النظر عن موقعهم من الله، فإنّ السؤال يفصح عن الإخلاص والصدق في أجوبة المخلصين الصادقين، كما يُظهر زيف المزيفين وكذب الكاذبين، ليعرف الجميع أنّ الخلق متساوون أمام الله يوم القيامة، لا فرق بين الناس والرسل في ذلك كلّه. ولذلك، فليس هناك استعلام من الله لعباده، بل هو توجيه لما يقبلون عليه في وقوفهم بين يديه، لإثارة وعي المسؤولية في وجدانهم الفكري، وتجربتهم العملية، وإقامة الحُجّة عليهم في كلّ أمورهم. وقد يطرح سؤال آخر: كيف يمكن التوفيق بين التأكيد على شمولية السؤال للناس والمرسلين وبين قوله تعالى: {فَيَوْمَئِذٍ لَّا يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلَا جَانٌّ*فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ*يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} [الرحمن: 39 ـــ 41]، ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون؟!. وقد أجيب عن هذا السؤال بعدّة أجوبة، (منها): ما ذكره صاحب مجمع البيان: "أنّه ـــ سبحانه ـــ نفى أن يسألهم سؤال استرشاد واستعلام، وإنّما يسألهم سؤال تبكيت وتقريع، ولذلك قال ـــ عقيبه ـــ {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ}، وسؤال الاستعلام مثل قولك: أين زيد؟ ومن عندك؟ وهذا لا يجوز على الله سبحانه. وسؤال التوبيخ والتقريع كمن يقول: ألم أحسن إليك فكفرت نعمتي؟ ومنه قوله: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ} [يس : 60]، {أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ} [المؤمنون : 105]، وكقول الشاعر: "أطرباً وأنت قنسري" أي كبير السنّ، وهذا توبيخ منه لنفسه، أي كيف أطرب مع الكبر والشيب، وقد يكون السؤال للتقرير كقول الشاعر: ألستم خيرَ مَنْ رَكِبَ المطايا وَأَنْدى العالمينَ بُطُونَ راحِ أي أنتم كذلك، وفي ضدّه قوله: "وهل يصلح العطّار ما أفسد الدهر" أي لا يصلح. وأمّا سؤال المرسلين فليس بتقريع ولا توبيخ لهم ولكنّه توبيخ للكفّار وتقريع لهم. (وثانيها) أنّهم إنّما يُسألون يوم القيامة كما قال: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ} [الصافات : 24] ثمّ تنقطع مسألتهم عند حصولهم في العقوبة وعند دخولهم النار، فلا تنافي بين الخبرين، بل هو إثبات للسؤال في وقت ونفي له في وقت آخر. (وثالثها) أنّ في القيامة مواقف، ففي بعضها يسأل وفي بعضها لا يُسأل، فلا تضادّ بين الآيات.."(1). (ومنها) أنّ الآيات النافية للسؤال إشارة إلى المساءلة الشفاهية، والآيات المثبتة إشارة إلى المساءلة التي تقع على الجوارح وهي تتكلّم بلسان الحال، مثل حمرة وجه الإنسان خجلاً من انكشاف الحال في إجرامه البارز عند ظهور الحقائق. وربّما كان الأقرب للسياق في آيات نفي السؤال أنّها واردة في مورد التأكيد على أنّ الله يعلم ذنوب المذنبين وإجرام المجرمين، فلا حاجة به إلى سؤالهم للتعرّف على ذلك، مع وضوحها عندهم من خلال ما يعرفونه من أنفسهم وما يقرأونه في كتاب الأعمال الذي يراد للإنسان قراءته ليكون الحسيب على نفسه بنفسه، ويتطلَّع المجرمون إلى ما فيه فيجدونه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاّ أحصاها. ولذلك فإنَّ هناك وضوحاً في قيام الحُجّة عليهم المبرّرة لعذابهم. أمّا آيات السؤال فهي واردة لإقامة الحُجّة عليهم بإظهار أعمالهم من خلال اعترافاتهم، فلكلّ آية سياق يختلف عن سياق الآية الأخرى؛ والله العالم بحقائق آياته. ***** 2 ـــ جريمة الرضا بالظلم وجزاؤها: {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]. ***** معاني المفردات: {تَزِرُ} الوزر: هو الحمل الذي يثقل الإنسان. ***** في هذه الآية ثلاث حقائق قرآنية تتّصل بخطّ المسؤولية في حياة الإنسان: "الحقيقة الأولى" التي تقرّرها الفقرة الآتية {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}، وخلاصتها أنّ الهدى والضلال خطّان فكريّان عمليان يتّصلان بالإنسان في النتائج الجيّدة التي يمثّلها الهدى، أو في النتائج السيّئة التي يمثّلها الضلال، لأنّ الهدى يربطه بمواقع الخير في الدنيا والآخرة، بينما يؤدّي به الضلال إلى مواقع الشرّ، أو إلى الابتعاد عن مواقع الخير على الأقلّ، الأمر الذي يوجب وصول النفع والضرر إليه. أمّا الله ـــ سبحانه ـــ فإنّه لا تنفعه طاعة مَن أطاعه ولا تضرّه معصية من عصاه، ولذلك، فإنَّ من المفروض أن يفكّر الإنسان في المسألة بطريقةٍ ذاتيةٍ تحسب حساب الربح والخسارة في الحياة من مواقع الذّات، كما يفكّر بطريقةٍ مبدئيةٍ منطقيةٍ، الأمر الذي يعمّق حسّ المسؤولية لديه من أكثر من جانب. ***** بين التقاليد الجاهلية والمفهوم الإسلامي: "الحقيقة الثانية" {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وقد جاءت كلمة "وزر" في هذه الفقرة على سبيل الكناية عن الخطيئة التي يمارسها الإنسان، أو الخطأ الذي يقوم به، ولا يحمل غيره مسؤولية ذلك أيّاً كانت صفته أو طبيعة العلاقة التي تربطه به من قرابةٍ وزوجيّةٍ وغيرهما، من دون فرق بين مجازاته في الدنيا، أو في الآخرة. وقد نستوحي من ذلك انسحاب المبدأ إلى الجانب المعنوي من العلاقات الخاصة والعامة، كما في مسألة الشرف التي قد يراها البعض، ممّن يتحرّكون في أجواء الجاهلية العائلية أو القبلية، خاضعةً في الجانب السلبيّ لانحراف فرد من العائلة أو القبيلة، فإذا أخطأت امرأةٌ مثلاً بعلاقةٍ غير شرعيةٍ كالزنا، فإنّ أهلها وعائلتها يعتبرون ذلك عاراً عليهم، فيبادرون إلى غسل العار بقتلها، على أساس أنّه لا يُغسل إلاّ بالدم، وقد يتحوّل هذا المفهوم إلى حالةٍ وحشيةٍ، تضغط على المشاعر بطريقةٍ همجيّةٍ تؤدّي إلى وأد البنات، لأنّهم يخافون من العار إذا امتدّ العمر بالبنت فبلغت سنّ الشباب، ووقعت أسيرةً لدى الأعداء، فيسيء ذلك إلى شرفهم كما يدَّعون. وقد تنفجر هذه العقدة في المبادرة إلى قتل الفتاة أو المرأة، لمجرّد اتّهامها بالزنا، وإن لم يثبت ذلك بطريقةٍ شرعيةٍ. إلاّ أنّ هذا المفهوم الإسلاميّ المرتكز على خطّ العدالة، يؤكّد لنا خطأ هذا السلوك، ويقرّر فردية الشرف، فللمرأة شرفها الشخصيّ الذي يتعلّق بها ولا يمتدّ إلى غيرها سلباً أو إيجاباً، وللرجل شرفه الشخصيّ كذلك، على أساس طبيعة السلوك الذاتيّ الصادر عنهما، ولا علاقة لأحدٍ بالآخر في هذا المجال، ولا فرق في ذلك بين الرّجل والمرأة، بينما نرى المفهوم الجاهلي يفرّق بينهما، فيعتبر انحراف المرأة موجباً للعار على الأهل، ولا يرى انحراف الرجل كذلك، لأنّه قد يرى في الزنا الذي يمارسه الرجل مظهراً للقوّة لا للضعف، لأنّه العنصر الفاعل الإيجابيّ في هذه العملية، أمّا المرأة فتمثّل الجانب السلبيّ الذي يعبّر عن مظهر ضعف وانسحاقٍ للشخصية. وقد نجد من الضروريّ التأكيد على هذه المسألة في التربية الخلقية للإنسان المسلم، بحيث تتحوّل الحالة الأخلاقية لديه إلى حالةٍ شعوريةٍ وفكرية، فلا يتأثّر بما حوله من التقاليد الجاهلية في سلوكه العملي، بل يكون الحكم الشرعي هو الأساس في بناء عاداته وتقاليده الخاصة والعامة، حتى لا يعيش الازدواجية بين ما تفرضه الشريعة من مسؤولياتٍ، وبين ما تفرضه التقاليد من عاداتٍ وانفعالاتٍ، وقد يخضع لضغط التقاليد أكثر ممّا يخضع لتأثير الشريعة. ***** فكرة للتأمُّل: وقد يثار في هذا المجال الحديث المأثور الذي يقول: "العامل بالظلم والمعين له والراضي به شركاء ثلاثتهم"(1) والكلمة المأثورة عن الإمام عليّ (عليه السلام) في نهج البلاغة: "الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم، وعلى كلّ داخل في باطل إثمان: إثم العمل به وإثم الرضا به"(2). فقد يرى فيه البعض انحرافاً عن المفهوم الذي نستوحيه من الآية في فردية المسؤولية، لأنّ اعتبار الراضي بالظلم أو بالعمل المنحرف شريكاً للظالم والمنحرف، يعني تحمّل البريء ذنب المجرم. ولكنّ التأمُّل البسيط في المسألة لا يوحي بذلك، فإنّ الرضا عبارة عن مشاركة ولو على المستوى النفسيّ في عملية الظلم، والإسلام يريد اقتلاع الظلم من جذوره الفكرية والشعورية، ما يجعل من الرضا بالظلم جريمة معنوية داخليّة، تشوّه روحيّة الراضي، وتعدّه ليكون مشروع ظالم مستقبليّ، من خلال ما يمثّله الرضا من اعتبار الظلم لديه حالةً طبيعية لا تثير في فكره أيّة حالة سلبيّة مضادّة، بل تثير حالة شعورية إيجابية، الأمر الذي يجعله يمارس الظلم لدى أوّل فرصة للقوّة تمكّنه من الظلم، كما أنّها تحقّق للظالم حمايةً معنويةً تحرس له ظلمه، إذ إنّها تحيطه بالمشاعر الحميمة التي تقوّي نفسيّته وتدعم موقفه. وهذا ما عبّر عنه الإمام عليّ (عليه السلام) في نهج البلاغة، حيث قال: "إنّ ما يجمع الناس الرضا والسخط، وإنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد، فعمّهم الله بالعذاب لما عمّوه بالرضا"(3). ويقتصر جزاء هؤلاء على العقوبة الإلهية في الآخرة أو في الدنيا، وذلك بما ينزله الله من العذاب عليهم، أو على الرفض المعنوي لهم من قبل الناس، فيذمّونهم على ذلك، ولا يمتدّ إلى معاملتهم بما يعامل به الظالم من عقوباتٍ جزائيةٍ أو جنائيةٍ، فلا يُقتل الراضي بالقتل كما يقتل القاتل، ولا يرجم أو يجلد الراضي بالزنا كما يحدث للزاني. وهكذا نجد أنّ الجانب القانوني للمسألة على مستوى الشريعة ينسجم مع خطّ الآية، فلا يُحاسب الإنسان من ناحيةٍ قانونيةٍ على أفكاره ومشاعره المنحرفة في ما يتّصل بالتعاطف مع الانحراف نفسياً من دون أن يشارك فيه، بل يكفي في ذلك الذمّ المعنوي والإنكار النفسيّ والفكريّ. ***** انسجام السياسة الإسلامية مع الأخلاق: وفي هذا الجوّ، نريد أن نثير بعض الأوضاع التي دخلت إلى ساحة السلوك العمليّ للإنسان المسلم، في حركة الواقع السياسيّ، ممّا ينحرف عن خطّ العدالة الذي تقرّره هذه الآية. فقد شاع في عصرنا الحاضر خطف إنسانٍ بريءٍ وحجز حريّته، لأنّ شخصاً من طائفة المخطوف الدينية أو من حزبه السياسي قد خطف شخصاً من طائفة هذا الخاطف، كما شاع خطف طائرةٍ تابعةٍ لبلدٍ معيّنٍ، وحجز ركابها، وتهديدهم بالقتل، أو قتلهم في بعض الحالات، لمجرّد أنّ هذا البلد الذي يملك الطائرة يحتجز بعض أصحاب الخاطف أو محازبيه، أو لأنَّ ذلك يمثّل عنصر ضغطٍ على وضعٍ سياسيٍّ معيّنٍ، أو الإعلان عن حالةٍ سياسيةٍ أو إنسانيةٍ خاصةٍ أو عامّةٍ. وقد أصبح هذا الواقع أسلوباً متَّبعاً في العمل السياسيّ، وأداة من أدوات الضغط، حتى أنّه اعتبر طابعاً مميّزاً ـــ في بعض المجالات ـــ للعمل الإسلاميّ، من خلال ما يثيره الإعلام المضادّ من حركة الإرهاب الدينيّ كما يسمّيه في هذا الاتجاه. بيد أنّنا نثير هذه المسألة ـــ في أجواء هذا المفهوم الإسلاميّ للعدالة الذي تثيره الآية ـــ لنؤكّد ضرورة انسجام الأسلوب السياسي للعمل الإسلامي الحركيّ، مع الخطّ الأخلاقيّ للإسلام. وقد يرى البعض أنّ مثل هذا الأسلوب يحمل كثيراً من الإيجابيات الواقعية للتحرّك الإسلاميّ ضدّ الظلم والاستكبار والكفر في خطّ المواجهة، للتخلّص من الضغوط القاسية الصعبة التي يقوم بها الظالمون والكافرون والمستكبرون ضدّ المستضعفين من المسلمين أو من غيرهم من الشعوب المضطهدة، لأنّ المسلمين لا يملكون القوّة التي يملكها أولئك، فيضطرون إلى مواجهتهم بما يملكون من عناصر القوّة التي تمثّل عناصر ضعف لدى الآخرين، وبذلك يمكن إخضاع المسألة إلى القاعدة الأصولية العقلية، التي تؤكّد تقديم المصلحة الأهمّ على المفسدة التي لا تبلغ درجة الأهمية، فتؤدّي إلى تجميد الحكم الشرعي التحريمي لمصلحة الحكم الشرعيّ المرخَّص، كما ورد في جواز قتل الأسرى المسلمين الذين يتترَّس الكفّار بهم في الحرب لمنع المسلمين من النصر، أو في جواز الدخول إلى الأرض المغصوبة لإنقاذ غريقٍ أو إطفاء حريقٍ. وعلى ضوء ذلك، فإنَّ المسألة تأخذ بُعدها الشرعيّ الذي لا يجعل منها عملاً منحرفاً عن خطّ الشريعة. إنّنا قد لا ننكر وجود بعض الإيجابيات في هذه الأمور، ولكنّنا نواجه كثيراً من السلبيات في مقابل ذلك، ممّا قد يترك انطباعاً سلبياً على مستوى الدعوة الإسلامية، إذ إنّه يؤدّي إلى تشويه صورة الإسلام لدى الآخرين، أو إلى ردود فعلٍ مضادةٍ على المسلمين في مجالٍ آخر. ولذلك فلا بدّ من الموازنة بين الإيجابيات والسلبيات، وعدم اللّجوء إلى هذا الأسلوب إلاّ في الحالات الصعبة جدّاً التي لا مجال فيها للتخلُّص من الاضطهاد السياسي إلاّ بهذه الطريقة، ما يفرض الاحتياط التام والاقتصار على مواطن الضرورة القصوى التي تحمل الأهمية الكبرى التي يصغر أمامها كلّ شيء، حتّى لا يتحوّل الأمر إلى ما يشبه الأسلوب السياسي العمليّ للمسلمين. ***** العذاب بعد إقامة الحُجّة: "الحقيقة الثالثة" وتمثّلها الفقرة الآتية {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} وخلاصتها أنّ الله لا يعذّب أحداً من الناس إلاّ بعد أن يقيم الحُجّة عليهم بإرسال الرسل الذين يبلغونهم رسالات الله {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} [الأنفال : 42] وهذه قاعدة عامّة يؤكّدها الحكم العقليّ الفطري في القاعدة المعروفة "قبح العقاب بلا بيان". وقد لاحظ البعض أنّ الآية تتحدّث عن حالةٍ تاريخيّةٍ في ما كان ينزله الله من عذاب دنيويٍّ على الكافرين به وبرسله، ولا تتحدّث عن طبيعة المسألة على سبيل القاعدة الكليّة، ولكنّنا نلاحظ على ذلك أنّ أسلوب هذه الآية يوحي بأنّ هذا الأمر ممّا لا يليق بالله أن يفعله، لأنّه لا ينسجم مع عدالته ورحمته، ما يجعل المسألة منطلقة على سبيل القاعدة. وقد ذكر الأصوليون، بأنَّ بَعْثَ الرسول كنايةٌ عن إقامة الحُجّة في ما تتوقّف فيه المعرفة على إرسال الرسول. أمّا بخصوص ما يستقلّ به العقل ويتمكّن من الوصول إليه بوسائله الخاصة من خلال أدوات المعرفة الحسيّة أو غيرها، فإنَّ الله يعتبر العقل حُجّة على الإنسان. وقد ورد في بعض الأحاديث المأثورة أنّ العقل هو "الرسول الباطني" وأنّه "رسول من داخل، كما أنّ الرسول عقلٌ من خارج". وعلى هذا الأساس، فإنَّ الذين يتمكَّنون من البحث والتفتيش عن الحقّ، ويعرفون اختلاف الناس فيه، لا يكونون معذورين إذا امتنعوا عن الفحص والتعلُّم وأصرُّوا على العناد في هذاالموقف، لأنّ قيام الحُجّة لا يتوقّف على الوصول الفعليّ، بل يكفي فيه إمكانية الوصول بحيث لو بحث الإنسان عن الحقّ لوصل إليه، لأنّ الحقيقة الإلهية في متناول يديه. أمّا الذين لا يستطيعون تحصيل المعرفة لأنّهم لا يملكون وسائلها، أو لم يلتفتوا إليها لأنّهم لم يسمعوا بأيِّ مضمون من مضامين الرسالة، كما في الذين يعيشون في مجاهل الدنيا، أمّا هؤلاء فهم معذورون في عدم الإيمان بالحقّ بتفاصيله في ما لا يستقلّ العقل به، أمّا ما يستقلّ به العقل، كالإيمان بالله أو بتوحيده، فلا بدّ من تحصيل المعرفة به، بتوجيه التفكير إليه، وعدم مواجهته بطريقة اللامبالاة الفكرية. ***** 3 ـــ مشروعية تناول الظالم بالسُّوء: {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً*إِنْ تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً} [النساء: 148 ـــ 149]. ***** ليس للإنسان الحرية في أن يتكلَّم بما يحلو له من الكلمات التي تتعلّق بأفعال الناس، ممّا يوحي بالذمّ والانتقاص والسوء، لأنّ ذلك يجعل الحياة الاجتماعية والفردية خاضعةً للانفعالات السلبية الذاتية التي يحسّ بها الإنسان تجاه الآخرين، فيسيء إليهم ويحطّم كرامتهم من دون معنى؛ فيفقدون ـــ على أساس ذلك ـــ الشعور بالثقة والاطمئنان في مثل هذا المجتمع الذي يسمح فيه للأفراد أن يتكلَّموا بالسّوء بما شاؤوا عمّن شاؤوا ولمن شاؤوا. ولذلك فقد اعتبر الإسلام ذلك منطقة محرَّمةً على الإنسان، لا يجوز له أن يأخذ حريّته فيها. وفي هذا الجوّ، كانت الغيبة التي هي "ذكرك أخاك بما يكره في ظهر الغيب" من الكبائر التي توعد الله عليها بإدخال صاحبها النار، لعلاقتها بالحقوق الإنسانية الإيمانية التي تفرض عليك احترام أخيك في أسراره التي تطلّع عليها صدفةً، فلا تذكرها للآخرين. وهذا ما أرادت الآية أن تؤكّد عليه، لتربطه بالعلاقة الوثيقة بالله التي تدعو الإنسان المؤمن إلى أن يحبّ ما يحبّه الله ويكره ما يكرهه، لأنَّ الإخلاص له يعني ذلك في ما يتّصل بالأفكار والمشاعر والمواقف؛ وذلك فحوى قوله تعالى: {لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ}، وهو الإعلان به وإظهاره بأيّة وسيلة من الوسائل. وقد اختلف المفسّرون في تفسير السوء من القول على أقوال: (أحدها): لا يحبّ الله الشتم في الانتصار. (ثانيها): لا يحبّ الله الجهر بالدّعاء على أحد. (ثالثها): إنّ المراد لا يحبّ أن يذمّ أحد أحداً أو يشكوه أو يذكره بالسوء. والظاهر أنَّ الآية شاملةٌ للجميع لصدق الجهر بالسوء على كلّ هذه الموارد. ولمّا كان لكلّ قاعدة استثناءٌ، جاءت الآية لترخّص للمؤمنين المظلومين الذين يعانون من قهر الظَلَمَة واستبدادهم، في ما يتعلّق بأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، فأباحت لهم أن يتحدّثوا عن ظلامتهم وإن كان ذلك لوناً من ألوان الجهر بالسوء، لأنّ النهي كان لمصلحة الإنسان، حتى في احترام أسراره السيّئة، فإذا كان الإخفاء ضدّ مصلحته، فإنّ الرخصة تكون منسجمة مع خطّ الإسلام في التشريع. وهذا ما نواجهه في موقف المظلوم من الظالم؛ فمن حقّه أن يتنفَّس ويعبّر عن مشكلته، بالشكوى الذاتية التي ترفع عن صدره ثقل الأزمة، أو بالشكوى لمن يستطيع أن يحلّ له مشكلته وينصفه من ظالمه، لأنّ ذلك هو السبيل لمحاربة الظلم والظالمين، فقد يرتدعون عن ذلك إذا علموا أنّ الناس سوف يتحدّثون عنهم بطريقةٍ قاسيةٍ، ممّا يسبّب لهم المقت والعداوة والإذلال. وقد جاءت السُنّة الشريفة لتؤكّد على ذلك ولتضيف إليه مواردَ كثيرةً، ممّا يجوز فيه للمؤمن أن يذكر المؤمن الآخر بالسوء من خلال بعض المصالح العامّة التي تمسّ الفرد والمجتمع، في المستوى الكبير في الأهمية التي تتصاغر عندها المفسدة الناشئة من ذكر الإنسان بسوء. فإنَّ الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد في متعلّقاتها، وبذلك تختلف في حال التزاحم بينها، تبعاً لاختلاف درجة الأهمية في المصالح والمفاسد. {وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً عَلِيماً}، يسمع كلّ أقوالنا ويعلم كلّ دوافعها من خير أو شرّ. وإذا كان الله لا يريدنا أن نجهر بالسُّوء من القول؛ فإنّه يترك لنا الخيار في الحديث عن الخير، في ما نخفيه ونبديه منه؛ فقد تمسّ الحاجة إلى الحديث عنه من أجل تشجيع الناس على القيام به، وقد تكون المسألة تفرض الإخفاء وترك الحديث عنه، لعلاقة ذلك بكرامة الإنسان الذي فعل الخير معه، لأنّ الإعلان عنه يُحرجه ويُسيء إليه لاعتبارات ذاتية أو اجتماعية، وقد تكون القضية مرتبطةً بإخلاص فاعل الخير الذي يجب أن لا يتحدّث الناس عن عمله، لأنّ مثل ذلك يعرّضه لبعض الحالات النفسية المعقّدة التي تقوده إلى الرياء ونحوه، فعلينا أن نحترم مشاعره ـــ إن كان الفاعل غيرنا ـــ وعلينا أن نخلص لعملنا ـــ إن كنّا نحن الفاعلين ـــ وقد تكون القضية منطلقةً من مبدأ المحافظة على عمل الخير، لأنَّ الكتمان ينميّ حركته ويبعد عنه التحدّيات الصعبة، وهكذا يختلف الموقف حسب اختلاف المصلحة العليا في ذلك كلّه. وربّما كانت الحالة التي تواجه الإنسان، هي حالة إساءة الآخرين إليه، ممّا قد يثير في نفسه العقدة تجاه ذلك، فتستيقظ نوازعه الذاتية لتحرّك فيه جانب الثأر لنفسه لاسترداد حقّه والدفاع عن كرامته، ولكنّ الله يريد أن يوجّهه وجهةً أخرى، هي الارتفاع بالمسألة إلى مستوى الروحية الإسلامية التي يواجه بها كلّ المشاكل مع إهمال كلّ السلبيات الذاتية ودراسة الظروف الموضوعية المحيطة بهذه المسألة لتظهر بذلك النتائج الإيجابية التي تكمن خلف اختيار الوجه الإيجابي من الحلّ، ليكون العفو عن الإساءة وتجاوز المسألة بوعيٍ ورحمة وانفتاح، هو الانطلاقة التي تفتح القلب على الجانب الخيّر من الحياة، وتحرّك الفكر والشعور في الجانب المشرق من الشخصية الطيّبة الواعية، وذلك بتخلّق الإنسان بأخلاق الله في العفو من موقع القدرة، حيث يريد من عباده أن يتخلَّقوا بها؛ وكان الله عَفُوّاً قديراً. وهكذا خطَّطت هاتان الآيتان لحركة المؤمن، في ما يريد أن يتحدّث به من أحاديث الخير والشرّ المتعلّقة بالناس، كما وجّهت سلوكه للعفو عن التصرّفات السيّئة التي يقوم بها الآخرون ضدّه؛ وذلك من موقع الارتفاع إلى المستوى الأعلى من روحية التصرُّف، وهذا هو الطابع الإسلامي للتربية، في ما يريده للشخصية الإسلامية من تربية سليمة. (1) الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، ط 1، 1412 هـ، 1992م، ج 2، ص 543 (2) انظر: تفسير الميزان، ج 2، ص 145. (1) مجمع البيان، ج 2، ص 819. (1) نهج البلاغة، قصار الحكم/26، ص 357. (1) مفردات الراغب، ص 74. (1) انظر: مفردات الراغب، ص 211. (2) تفسير الميزان، ج 9، ص 96. (1) راجع: مجمع البيان، ج 4، ص 843. (1) تفسير الميزان، ج 19، ص 217. (1) مفردات الراغب، ص 149. (1) تفسير الميزان، ج 13، ص 174 ـــ 175. (1) مفردات الراغب، ص: 418. (2) الزمخشري، جار الله، محمود بن عمر، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الفكر، بيروت ــ لبنان، ج 1، ص 319. (1) سيتم البحث في مفهوم الأُمّة الوسط ضمن عنوان (الأُمّة) فراجع. (1) مجمّع البيان، ج 1، ص 414. (2) غمط الحق: جحده. (1) المغيَّا: الموضوع له الغاية. (2) تفسير الميزان: ص 315. (1) تفسير الميزان، ج 1، ص 319. (2) مجمّع البيان، ج 1، ص 416. (1) مجمع البيان، ج 1، ص 420. (1) البحار، م 32، ج 90، ص 334، باب 1، رواية 42. (2) م.ن، م 26، ج 72، ص 286، باب 53، رواية 29. (1) البحار، م 6، ج 16، ص 443، باب 9، رواية 59. (1) (م.س)، م 24، ج 68، ص 264، باب 61، رواية 29. (2) (م.ن)، م 24، ج 68، ص 257، باب 61، رواية 7. (3) (م.ن)، م 24، ج 68، ص 262، باب 61، رواية 25. (1) نهج البلاغة، كتاب/53. (1) تفسير الكشاف، ج1، ص 454. (2) تفسير الميزان، ج 3، ص 430. (1) آل عمران: آية 106. (2) تفسير الميزان، ج 3، ص 431. (1) انظر: مجمع البيان، ج 2، ص 811. (1) الدر المنثور، ج 2، ص 294. (2) نقلاً عن تفسير الميزان، ج 3، ص 436. (1) تفسير الكشاف، ج 1، ص 454. (1) مفردات الراغب، ص 16. (1) انظر: مجمع البيان، ج 2، ص 805. (2) م.ن، ج 2، ص 805. (1) الكليني، أبو جعفر، محمد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران، ج 2، ص 166، رواية 3. (2) م.ن، ص 167، رواية 9. (1) البحار، م 32، ج 90، ص 465، باب 25، رواية 465. (2) م.ن، م 26، ج 72، ص 471، باب 79، رواية: 68. (1) البحار، م 24، ج 68، ص 345، باب 64، رواية 26. (2) نهج البلاغة، ص 508، قصار الحكم 226. (1) الطبرسي، أبو علي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار إحياء التراث العربي، طـ 1، 1412 هـ ــ 1992م، ج 6، ص 515. (1) مجمع البيان، ج 4، ص 486. (1) البحار، م 1، ج 2، باب 8، ص 350، رواية 75. نهج البلاغة، قصار الحكم/ 99.(1) انظر: مجمع البيان، ج2، ص 895.(1) (م.س)، ج2، ص 895.(1) تفسير الكشاف، ج 1، ص 328.(1) مفردات الراغب، ص 148.(1) (1) مجمع البيان: ج 3، ص 247. مجمع البيان، ج 3، ص 250.(1) (2) جاء في الفصل الواحد والعشرين من سفر الخروج: "إنَّ النفس بالنفس والعين بالعين والسنّ بالسنّ واليد باليد والرجل بالرجل والحرق بالحرق والجرح بالجرح والصفعة بالصفعة" سفر الخروج، الجمل 33 و34 و35. شرح نهج البلاغة: خطبة 37، ص 81.(3) (1) البرهان في تفسير القرآن: ج 1، ص 477. (1) تفسير الميزان، ج 5، ص 355. البرهان في تفسير القرآن: ج 1، ص 478.(1) البحار: م 37، ج 101، ص 498، باب 35، رواية 6.(1) (1) مجمع البيان: ج 2، ص 766.(1) مجمع البيان: ج 1، ص 459.(1) الفخر الرازي، التفسير الكبير، دار إحياء التراث العربي، بيروت ـ لبنان، ط 3، م 4، ج 8، ص 81.(1) نقلاً عن تفسير الميزان: ج 3، ص 264.(1) البحار: م 1، ج 2، باب 29، ص 486، رواية 3.(1) أنظر: البحار، م 33، ج 92، باب 128، ص 462، رواية 2. (2) مجمع البيان، ج 2، ص 768.(1) (م.ن)، ج 2، ص 769.(2) البحار: م 16، ج 48، ص 128، باب 8، رواية 7.(1) مجمع البيان: ج 2، ص 770.(1) البحار: م 1، ج 2، باب 26، ص 462، رواية 25.(1) (1) الدر المنثور: ج 1ـ ص 607. (2) مجمع البيان: ج 2، ص 558. (1) القنص: الصّيد، و"ما" زائدة، والمراد بالشاة: امرأة شبَّهها بها. (2) مجمع البيان: ج 2، ص 869. (1) مفردات الراغب: ص 578. (1) مجمع البيان: ج 5، ص 109. (1) مجمع البيان: ج 2، ص 773. (1) تفسير الميزان: ج 9، ص 259 ـ 260. (1) الطبرسي: أبو علي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار المعرفة، بيروت، طـ 1، 1406 هـ ــ 1986م، ج 6، ص 605. (2) تفسير الكشّاف: ج 2، ص 435. (1) راجع: حمودة، عبد الوهاب، القرآن وعلم النفس، ص: 86 ـ 92. (1) انظر: القوصي، عبد العزيز، علم النفس، ص 390. (2) قطب، سيد، في ظلال القرآن، ج 22، ص 91. (1) تفسير الميزان، ج 14، ص 387. (1) مغنية: محمد جواد، التفسير الكاشف، دار العلم للملايين، طـ 4، حزيران 1990 م، م 1، ص 133. (1) مجمع البيان: ج 1، ص 291. (1) مجمع البيان، ج 1، ص 286. (1) مجمع البيان، ج 1، ص 292. (1) البحار، ج 7، ص 357، رواية 144. (1) (1) تفسير الميزان، ج 19، ص 254. (1) مفردات الراغب، ص 162. (1) مجمع البيان: ج 2، ص 536. (1) مجمع البيان: ج 2، ص 537. (1) مفردات الراغب: ص 545. (1) تفسير الميزان: ج 15، ص 245. (1) يراجع تفسير الميزان: ج 15، ص 240. (1) (م.س)، ج 15، ص 246. (2) (م.س)، ج 15، ص 242. (3) جاء في كتاب عيون أخبار الرضا (عليه السلام) بإسناده إلى محمّد بن أبي عباد، كان مشتهراً بالسماع وبشرب النبيذ قال: سألت الرضا "الإمام عليّ بن موسى" (عليه السلام) عن السماع، فقال: لأهل الحجاز رأي فيه وهو في حيّز الباطل واللّهو، أما سمعت الله عزّ وجلّ يقول: {وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً}، البحار، المجلسي، ج 66، باب 37، ص 631. (1) في روضة الكافي عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله "جعفر الصادق" (عليه السلام) عن هذه الآية.. قال: مستبصرين ليسوا بشكّاك، الكافي، الكليني، ج 8، باب 8، ص 178، رواية 199. (1) تفسير الكشّاف، ج 1، ص 330. (1) مجمع البيان: ج 1، ص 477. (2) تفسير الكشاف: ج 1، ص 331. (1) يقول الإمام عليّ (عليه السلام): "وعليكم بالصبر، فإنّ الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه". [نهج البلاغة، قصار الحكم/82]. (2) مجمع البيان: ج 1، ص 474 ـ 475. (1) الكافي: ج 4، ص 52، رواية: 12. (1) نهج البلاغة: ص 482، قصار الحكم: 81. (1) تفسير الميزان: ج 1، ص 218. (1) البحار: م 28، ج 79، باب 1، ص 573. (2) نهج البلاغة والمعجم المفهرس لألفاظه، دار التعارف للمطبوعات، ط 1، 1410 هـ/ 1990 م، قصار الحكم/ 145، ص 375. (1) مجمع البيان: ج 4، ص 748. (1) تفسير الميزان: ج 8، ص 289. (1) الأصفهاني: الراغب، معجم مفردات ألفاظ القرآن، دار الفكر، ص 236. (1) الكافي: ج 7، ص 272، رواية 6. (2) م.ن، ج 7، ص 271، رواية 1. (1) م.س، ج 2، ص 20، باب 8، رواية 56. (2) م.ن، ج 71، ص 403، باب 28، رواية 5. (1) م.س: ج 2، ص 221، رواية: 3. (1) القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري، مختصر تفسير القرطبي، اختصار ودراسة وتعليق محمد كريم راجح، دار الكتاب العربي، 1407 هـ ـ 1987م، ج 2، ص 10. (1) مجمع البيان: ج 3، ص 198. (1) م. س: ج 3، ص 198. (2) م. ن: ج 3، ص 198. (1) مجمع البيان: ج 3، ص 199. (2) م. ن: ج 3، ص 199. (1) تفسير الميزان: ج 12، ص 340. (1) الطبرسي، أبو علي الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، دار المعرفة ـ بيروت، طـ 1، 1406 هـ ــ 1986 م، ص 218. (1) المجلسي، محمد باقر: بحار الأنوار، دار إحياء التراث العربي، طـ 1، 1412 هـ/ 1992 م، م 28، ج 79، باب 62، ص 539، رواية 22. (1) البحار: م 2، ج 3، باب 3، ص 34، رواية 20. (1) مجمع البيان: ج 1، ص 217. (2) الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسّسة الأعلمي، طـ 1، 1411 هـ/ 1991 م، ج 1، ص 153. (1) الدرّ المنثور: ج 2، ص 417. (2) البحار: م 9، ج 24، باب 57، ص 142، رواية 14. (3) (م.ن)، ص 140، رواية 6. (1) (م. س)، م 37، ج 101، باب: 91، ص 283، رواية 18. (1) مجمع البيان: ج 4، ص 767. (1) مفردات الراغب، ص 32. (1) الزمخشري، جار الله محمود بن عمر، الكشاف في عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الفكر، ج 2، ص 67. (2) يراجع: مجمع البيان، ج 4، ص 612. (1) مجمع البيان: ج 4، ص 615. (1) الكليني: الكافي، ج 2، ص 333، رواية 16. (2) ابن أبي طالب، الإمام عليّ (عليه السلام)، نهج البلاغة، ضبط نصّه: د. صبحي الصالح، دار الكتاب اللبناني، طـ 2، 1982 م، قصار الحكم 154، ص 499. (3) (م.ن)، خطبة 201، ص 319. شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط