عقائد وفقه نقض كتاب الولاية التّكوينيّة الحقّ الطّبيعي للمعصوم (ع) ۲٦ نوفمبر ۲۰۲۱ ۱۷۲۲ مشاهدة يقول الدكتور السّيد علاء الدّين القزويني في نقضه لكتاب "الولاية التّكوينية الحقّ الطّبيعي للمعصوم (ع)" : "وقع في يدي كتاب بعنوان "الولاية التّكوينية الحقّ الطّبيعي للمعصوم (ع)", وجاء في هذا الكتاب محاولات لإثبات الولاية التّكوينيّة للمعصوم (ع), وأنّها حقّ طبيعي له, لا يمكن الشّكّ فيه, وأنّ المُنكِر لهذا الحقّ يبقى جاهلاً بعلوم أهل البيت (ع), وقد تمّ الرّبط في هذا الكتاب بين علوم أهل البيت, وبين الولاية التّكوينية, مستدّلاً على ذلك بأدلّة هي أقرب إلى السّفسطة منها إلى الدليل كما سيراه القارىء إن شاء الله". ويُكمِل: "لقد تمّ اعتماد ثلاثة أدلّة في هذا الكتاب, كلّها باطلة, وهي دليل العقل, ودليل القرآن, والدليل الرّوائي, من دون أن يُعتَمَدَ في تفسير الدّليل القرآني على ما ورد في تفاسير علماء الشّيعة, كما سنشير إلى ذلك. يقول مؤلّف الكتاب: "قبل أن نتطرّق إلى دلائل ثبوت الولاية التّكوينية, لا بدّ لنا من أن نحدّد وبدقّة المقصود من الكلمة مصطلحاً ومفهوماً, ولا بدّ في البَدْء من الإشارة إلى أنّنا لسنا في قُبالة نصّ شرعي يحدّد الاسم, وبكلمة أخرى, إنّ اسم الولاية التّكوينيّة لم يرد لا في آية قرآنيّة ولا في سنّة شريفة, فالنّصّ يخلو من هذه التّسمية, ولكن هذه التّسمية استخدمت في وقت متأخر لتشير إلى مفهوم تداولته العديد من الآيات القرآنية والنّصوص الشّريفة".(الولاية التّكوينيّة الحقّ الطّبيعي للمعصوم, دار الأعراف, بيروت, ط1, 1997, ص39). يقول السّيد القزويني: ويُردّ على هذا أمران الأوّل: إنّ مؤلف هذا الكتاب يعترف بأنّه لم يرد هذا الاسم لا في آية ولا في سُنّة شريفة, فالنّصوص الإسلامية تخلو من هذه التّسمية, وإنّما استُخدِمت هذه التّسمية في وقت متأخّر, وقد خفيت هذه التسمية على أمثال الشيخ المفيد, والشيخ الطوسي, والسيّد المرتضى علم الهدى, والكراجكجي, والخواجة نصير الدين الطوسي, والعلامة على الإطلاق, وابن طاووس, والشهيدين, وغير هؤلاء من أعلام الشيعة ومتكلّميهم, الذين لهم الفضل في علم العقيدة على كلّ من تأخّر عنهم, ولم تَخْفَ هذه التّسمية على مؤلّف هذا الكتاب, حيث إنّ هذه التّسمية, أو هذا المفهوم الشّرعي-باعتقاد المؤلف- تضمّنته العديد من النّصوص الشّرعية التي لم ينتبه إليها أولئك الأعلام, مع أنّ النصوص التي اعتمد عليها المؤلف لا تدلّ على هذه التّسمية لا من قريب ولا من بعيد بإحدى الدّلالات, لا بالمطابقة, ولا بالتّضمّن, ولا بالالتزام, كما سيطلع عليه القارئ الكريم. الثاني: إنّ المفاهيم الشّرعيّة الّتي نسندها إلى الشّرع, لا بدّ وأن تؤخذ من المشرِّع المقدّس نفسه صراحة أو ضمناً,لا أن تسند إلى الخيال والوهم والعواطف, حتّى يكون الاسم قد جاء ليشير إشارة موفّقة إلى مفهوم شرعي, وهل خفي على المشرِّع أمثال هذه المفاهيم. ويتابع السّيد القزويني: "ونحن لم نجد هذا المصطلح لا في آية قرآنية ولا في رواية شريفة, فإسناد المصطلحات, أو المفاهيم, أو المسمّيات, أو الأحكام, من دون دليل من القرآن أو السّنّة إلى المشرِّع, إدخال في الشّرع ما لم يأذن به المشرِّع, وبالتّالي تكون من البدع المنهي عنها, وهذا ما توضحه النصوص القرآنية التي اعتمد عليها مؤلف كتاب"الولاية التّكوينية", وما جاء في تفاسير أعلام الشّيعة, ليتّضح أنّ استدلاله بالآيات القرآنيّة على إثبات الولاية التّكوينيّة للمعصوم مخالف لما جاء عن مفسّري الشيعة". يقول مؤلف الكتاب أيضاً: "إنّني ومن خلال البحث أستطيع أن أقول:إنّ مبدأ الولاية التّكوينية, لا يمكن أن ينفكّ عن الإيمان به أيُّ مسلم, فهو مبدأ قرآني ثابت, وهو يحتلّ في العقل الفكري والفلسفي الإسلامي درجة القطع, بل إنّ مسلّمات العقيدة المحمّديّة في المعصومين من أنبياء وأئمّة, أنّ من أبسط حقوقهم الطّبيعيّة في ممارسة مهامهم الرسالية هو أن يتمتّعوا بخصائص الولاية التّكوينية, وأنّ الذي ينكر هذا الحقّ إنّما يعبّر عن عدم فهم لخصائص المعصوم(ع) وجهل بدوره, وبطبيعة علاقته مع الربّ المرسل, والأمّة المرسل إليها".(الولاية التكوينية الحقّ الطبيعيّ للمعصوم, دار الأعراف, بيروت, ط1, 1997, ص15). ويستكمل السّيد القزويني: "هذا ما يقوله مؤلّف هذا الكتاب, والملاحظ على ذلك أمور عدّة: الأمر الأوّل: أمّا قوله: "إنّني ومن خلال البحث أستطيع أن أقول:إنّ مبدأ الولاية التكوينية, لا يمكن أن ينفكَّ عن الإيمان به أيّ مسلم, فهو مبدأ قرآني ثابت..", فهو قول باطل بالضّرورة, لمخالفته لآيات القرآن الكريم وما رُوي عن أئمّة الهدى صلوات الله عليهم, وما اعترف به هو نفسه في قوله: ".. وبكلمة أخرى إنّ اسم الولاية التّكوينية لم يرد لا في آية قرآنية ولا في سنّة شريفة, فالنّصّ يخلو من هذه التّسمية". ويكمل السّيد القزويني: "فالمؤلّف يعترف بأنّه لا نصّ يدلّ على الولاية التّكوينيّة لا من القرآن ولا من السّنّة, نجده هنا يقرّر أنّ مبدأ الولاية التكوينية مبدأ قرآني ثابت, وأنّه لا يمكن أن ينفكَّ عن الإيمان به أيُّ مسلم, فهذا هو عين التّناقض الّذي لا يقول به أحد, فكيف يكون مبدأً قرآنيّاً ثابتاً ما لا نصّ فيه من القرآن ولا من السّنّة؟" الأمر الثّاني: وأمّا قوله: "وهو يحتلّ في العقل الفكريّ والفلسفيّ الإسلاميّ درجة القطع.. إلخ". فهو باطل كسابقه, وذلك باعترافه هو أيضاً, من أنّ مبدأ الولاية التّكوينية من المفاهيم والمصطلحات الّتي استخدمت في وقت متأخّر, فلو كانت مسألة الولاية التّكوينية قد احتلّت في العقل الفكري والفلسفي الإسلامي درجة القطع كما يزعم مؤلّف هذا الكتاب, لكان لهذه المسألة المكان الأوفى في المباحث الفلسفية والكلامية, مع أنّه لم تُذْكَر هذه المسألة لا في كتاب فلسفي ولا في كتاب كلامي, وإنّما ابتدعها المتأخّرون في عصرنا الحاضر. ودليل ذلك ما يقوله الشّيخ محمد تقي الفلسفي: "وهناك نقطة نودّ الإشارة إليها في هذا المجال وهي, أن تدبير وإدارة شؤون النّظام الكونيّ هو بيد الله, وهو المالك الحقيقيّ لكافة العوالم الوجودية".(محمد تقي الفلسفي: المعاد بين الرّوح والجسد, ج1, ص80). الأمر الثّالث: وأمّا قول المؤلّف: "وإنّ الذي يُنكر هذا الحقّ إنّما يعبّر عن عدم فهم لخصائص المعصوم(ع), وجهل بدوره, وبطبيعة علاقته مع الرّبّ المرسل, والأمّة المرسل إليها". فهو باطل كسابقيه, كما سنشير إليه فيما بعد عند استدلاله بالآيات القرآنيّة والسّنّة النّبويّة لنرى صحّة ما يقول, هذا أوّلاً, وثانياً: إنّ قوله: إنّما يعبّر عن عدم فهم لخصائص المعصوم, فهو انتقاص من مقام أعلام الشّيعة الّذين قالوا إنّ الولاية التّكوينية والتّشريعية بيده سبحانه لا يشاركه فيها أحد من المخلوقين مهما عَظُم. يقول السّيد أبو القاسم الخوئي(قدس سره): "إنّ الكتاب العزيز يدلّ على أنّ الأمور الرّاجعة إلى التّكوين والتّشريع كلّها بيد الله سبحانه.. فإنّ الأمور الرّاجعة إلى التّكوين والتّشريع مختصّة بذات الواجب". (السيد الخوئي: التنقيح, ج2, ص74,73). وهذا يدلّ على بطلان قول مؤلّف الكتاب من أنّ الولاية التّكوينية للمعصوم مبدأ قرآني ثابت, وأنّه من مسلّمات العقيدة المحمّديّة, فالسّيد الخوئي (قدس سره), على رأي المؤلّف قد أنكر هذه المسلّمات المحمّديّة. وممّا يبطل القول بالولاية التّكوينيّة الحقّ الطبيعيّ للمعصوم, ما جاء في مجمع البيان للطّبرسي في تفسير قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يِوحَى إِلَيَّ مِن رَّبِّي}[الأعراف: 203]. قل يا محمّد لهم.. إلى قوله: وفي هذه الآية دلالة على أنّ أفعال النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأقواله تابعة للوحي وأنّه لا يجوز أن يعمل بالرّأي والقياس. (الطبرسي: مجمع البيان, ج3, ص436). ويستكمل السيّد القزويني نقضه للكتاب ويقول: "ولهذا جاء عن الشّيخ محمد جواد مغنيّة في تفسير هذه الآية قوله: "الأمر كلّه في قبضته تعالى, ولا شيء لي منه إلا السّمع والطّاعة" (محمد جواد مغنية: التفسير المبين, ص225). إلى غير ذلك من الآيات والرّوايات وأقوال العلماء, كلّ ذلك أدلّة واضحة على إبطال ما جاء في كتاب "الولاية التّكوينية الحقّ الطّبيعي للمعصوم(ع)", وإثبات أنّ الولاية المطلقة- تكوينية وتشريعية- من شؤون الواجب المطلق, وهذا لا يعني الانتقاص من مقام المعصومين(ع) من الأنبياء والأئمّة صلوات الله عليهم أجمعين, ويكفيهم فخراً وعلوّاً وعزّاً أنّ النّبوّة والإمامة فيهم(ع), {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}[الأعراف: 54] فبيده الخلق كلّه, فهو المتصرّف في عالم التّكوين, كما بيده سبحانه التّشريع والتّقنين كلّه, فهو المشرّع ولا مشرّع سواه. دلائل ثبوت الولاية التّكوينيّة في رأي مؤلّف (الولاية التّكوينية الحقّ الطّبيعي للمعصوم) بحسب ما قال السّيد القزويني: "وأمّا الأدلّة الّتي استند عليها مؤلّف كتاب "الولاية التّكوينيّة الحقّ الطّبيعي للمعصوم" في إثبات الولاية التّكوينية, وأنّها حق طبيعي للمعصوم(عليه السلام), فهي, الدليل العقلي, والدليل القرآني, والدليل الروائي, ولم يكن موفّقاً في استدلاله بهذه الأدلّة, لمجانبتها للواقع, وما عليه جميع المسلمين. ونحن سنتعرّض للدليل الثّاني والثالث بالنّقض, أمّا دليله الأوّل, وهو الدّليل العقلي, فيظهر بطلانه من بطلان الدّليل القرآني والدليل الرّوائي لأنّ دليله العقلي ليس قائماً على قاعدة عقليّة مُسَلَّمة, وإنّما حاول المؤلّف أن يُخضِع بعض الآيات القرآنية إلى دليله العقلي, فجاءت النتيجة عكس ذلك, وهذا ما سوف يجده القارئ من طريقة استدلاله بالآيات القرآنيّة, وعدم اعتماده في تفسيرها على مفسّري الشّيعة, أو حتّى غير الشّيعة, ليكون سنداً ودليلاً على صحّة قوله, ولكنّه يعرض للآية أو الرّواية, وإن كانت بعيدة كلّ البعد عن مفهوم الولاية التّكوينيّة للمعصوم عليه السلام, على أنّها تدلّ على ذلك. ونحن نستعرض أاوّلاً أدلّته من القرآن, ثمّ نفنّدها بما جاء عن مفسّري علماء الشّيعة. أوّلاً: نقض الدّليل القرآني يستدلّ مؤلّف كتاب (الولاية التّكوينية) بالآية الكريمة: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي}[المائدة: 110]. فهنا-بزعمه- يشير النّصّ إلى وجود قدرة لدى عيسى(ع) على ممارسة الولاية التّكوينية, وهذه القدرة حسب ما يشير إليه السياق قدرة فعلية, وأنّ إذن الله هنا ليس إذناً إنشائيّاً, بمعنى أنّه ليس إذناً جبريّاً.. ثمّ يستدلّ بالحديث القدسي "عبدي أطعني تكن مثلي تقل للشّيء كن فيكون" وأمثال ذلك كثير, وكلّها تشير إلى وجود عناية إلهية خاصّة بشخص تؤهّله للتمتّع بالولاية على الفعل الكوني".(الولاية التّكوينيّة, ص43,42). يعلّق السّيد القزويني ويقول: "وُيَردُّ على هذا الدّليل أمور عدّة: الأوّل: إنّ المؤلّف يؤمن أنّ إحياء الموتى وإبراء الأبرص والأكمه وخلق الطّين طيراً من فعل عيسى(ع) حسب القدرة الموجودة فيه, والمعبّر عنها بالولاية التّكوينية فهذه الأفعال كلّها باعتقاده صادرة من عيسى(ع). ودليل ذلك استشهاده بالحديث القدسي"عبدي أطعني", وهذا الحديث وقع فيه كلام من الأعلام, لأنّه يؤدّي إلى كون العبد المطيع مثل الله أو شبيهاً له سبحانه. الثّاني: كان من المفروض بالمؤلّف أن يُشفع استدلاله هذا ولو بتفسير واحد من مفسّري الشّيعة يذهب إلى هذا القول, ولو وجد من يقول بمقالته فلا عبرة فيه لمخالفته لما هو الثّابت عند جميع المسلمين من أنّ هذه الأفعال هي من فعل الله سبحانه, لا من فعل عيسى(ع), لأنّها خارجة عن مقدور البشر. الثالث: هو يدّعي بأنّ عيسى عليه السلام كان هو السّبب في إيجاد هذه المعاجز, وذلك بدعائه, لأنّ المعصوم (ع) إذا دعا اللهَ استُجيبت دعوته, تصديقاً لدعواه, وهذا ممّا لا يختلف عليه اثنان من المسلمين, وردّاً على هذا الادّعاء يقول السّيد الدّيباجي: "المعجزات الخارقة التي أتى بها الأنبياء والمرسلون(ع) ليست هي من صنعهم وفعلهم الذّاتي قطعاً, ولا يمكن القول بقدرتهم على الإتيان بها وإحداثها بمفردهم, بل هي من صنع الله تبارك وتعالى أجراها على أيديهم المباركة تصديقاً لدعواهم, وتأييداً لهم.. ولا غرابة في ذلك, فإذا كان الأنبياء بشراً فإنّ جميع ما ينطبق على البشر ينطبق عليهم.." (أبوالقاسم الدّيباجي: النّبوّة دراسة معاصرة, دار الثّقلين, لبنان, ص100,99). الرابع: أجمع مفسّرو الشّيعة على أنّ إحياء الموتى وإبراء الأَكْمَه والأبرص وخلق الطّين طيراً ذا لحم وعظم ودم وروح ليس من مقدور البشر, وإنّما هو من فعل الله سبحانه, وإليك جملة من التّفاسير الّتي تؤيّد ما نقول وتُبطل دعوى المؤلّف: جاء في مجمّع البيان للطبرسي في تفسير الآية: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي} أي تفعل ذلك بإذني وأمري..{فَيكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي}.. وبيَّن بقوله, فيكون طيراً بإذني, أنّه إذا نفخ المسيح فيها الرّوح, قلبها الله لحماً ودماً, ويخلق فيها الحياة فصارت طائراً بإذن الله, أي بأمره وبإرادته لا بفعل المسيح, {وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي} أي بأمري ومعناه, أنّك تدعوني حتّى أُبرىء الأكمه والأبرص, {وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوتَى بِإِذْنِي} أي اذكر إذ تدعوني فأحيي الموتى عند دعائك, أُخرجهم من القبور حتّى يشاهدهم النّاس أحياء, وهذه كلها ألطاف من الله التي لا يقدر عليها غيره سبحانه". (الطبرسي: مجمع البيان, ج3, ص228,227). وهذا دليل على كون هذه الأمور من فعل الله لا من فعل عيسى, وهذا ما يُبطل قول المؤلّف, من أنّ الآية تشير إلى وجود قدرة لدى عيسى(ع) على ممارسة الولاية التّكوينية, وأنّ هذه القدرة فعليّة, وأنّ الإذن هنا ليس إذناً إنشائيّاً, مع أنّ الآية صريحة بأنّ الفاعل هو الله لا عيسى. بالعودة إلى مؤلّف الكتاب, فإنّه يدّعي بأنّ الله يُخبر النّبيّ بأنّه قادر على التّصرّف في شؤون الكون, ففي قصّة إبراهيم(ع) نستمع إلى قصّة إحياء أَوّليّ للموتى كما في قصّة الطّير اللاتي قطّعهنّ إبراهيم وخلطهنّ ثمّ وزّعهنّ على أربعة جبال {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}[البقرة: 260].(الولاية التّكوينية, ص87). ثمّ ذكر مجموعة من الآيات على المنوال نفسه إلى أن قال: "وكلّ ذلك لا بدّ وأن يدلّنا على حقيقة ثبوت الدّليل القرآني الوارد في شأن الولاية التّكوينية إلى درجة استفاضة الحديث عنه في مواقع كثيرة من القرآن". (الولاية التّكوينية, ص89). فيقول السّيد القزويني: "ويُردّ عليه أمور: أمّا قوله: يختصّ بإخبار الله للنّبيّ بأنَّه قادر على التّصرّف في شؤون الكون, فهو باطل, فالمؤلّف يؤمن بأنّ الأنبياء قادرون على الخلق والإحياء, وأنّ إبراهيم(ع) هو الّذي أحيا الموتى كما في قوله: "ففي قصّة إبراهيم(ع) نستمع إلى قصّة إحياء أَوليّ للموتى كما في قصّة الطّير اللاتي قطّعهنّ", مع أنّ المؤلّف لو التفت إلى الآية المباركة لَعلِم أنّ الإحياء والتّصرّف ليس من إبراهيم(ع) وإنّما هو من فعل الله سبحانه, فالقادر على الإحياء لا يحتاج إلى السّؤال من الله عن كيفيّة الإحياء, كما في قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَـكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}[البقرة: 260]. لو أنّ المؤلّف رجع إلى أهل الاختصاص من مفسّري الشّيعة, لما وقع في هذا الاشتباه والوهم, حيث جعل مع الله شريكاً في الإحياء, والله يقول: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ}[الروم: 40] فأسند الإحياء إلى ذاته المقدّسة, وأنّ هذه الأمور هي من فعله سبحانه, لا يقدر عليها البشر. فالإحياء إذن من الله لا من إبراهيم(ع). وأمّا قول المؤلف: "وكلّ ذلك لا بدّ وأن يدلّنا على حقيقة ثبوت الدليل القرآني الوارد في شأن الولاية التكوينية إلى درجة استفاضة الحديث عنه في مواقع كثيرة من القرآن" فهو وهمٌ وقع فيه المؤلّف, وباطل بالضّرورة لما ذكرناه من أقوال علماء الشيعة حول الولاية التكوينية, وما جاء عن مفسّريهم في تفسير الآيات التي اعتقد أنّها تدلّ على الولاية التّكوينية, فلو كانت الأدلة من القرآن مستفيضة كما يدّعي المؤلف, لما خالف في ذلك أحداً, مع أنّه لا قائل من علماء الشيعة, سواء المتقدّمين منهم أو المتأخّرين بمقالته, إلا من يحاول أن يفسّر تلك الآيات بالرّأي والهوى. وأمّا استدلال المؤلّف على الولاية التّكوينية للمعصوم(ع) بقصّة موسى عليه السلام في قوله تعالى: {وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ}[القصص: 31]، إلى آخر الآيات, فاستدلاله في غير محلّه, لأنّه لو كان قلب العصا حيّة لها روح ولحم من فعل موسى(ع), لما صحّ أن يُقال:{فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً} من الخوف والهلع, فكيف يخاف مَنْ له القدرة على جعل العصا حيّة, وهي من فعله, ثمّ يولّي مدبراً خائفاً ممّا أوجده وخلقه. وممّا يدلّ أيضاً على بطلان هذه الولاية المزعومة قوله تعالى: {سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى}[طه: 21] فالإعادة هنا كذلك من فعل الله لا من فعل موسى(ع), ودليل ذلك ما يقوله الشيخ الطبرسي في تفسيره لهذه الواقعة, فقد جاء فيه: " لأنّهم-أي السّحرة- لمّا رأوا تلك الآيات الباهرة علموا أنّه أمر سماوي لا يقدر عليه غير الله تعالى, فمنها قلب العصا حيّة, ومنها أكلها حبالهم وعصيّهم مع كثرتها, ومنها عودها عصا كما كانت.. وكلٌّ من هذه الأمور يعلم كلّ عاقل أنّه لا يدخل تحت مقدور البشر, فاعترفوا بالتّوحيد.. {وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ}[الأعراف: 120] يعني أنّ السّحرة لمّا شاهدوا تلك الآيات وعلموا أنّها من عند الله تعالى آمنوا بالله تعالى وبموسى وسجدوا لله".(الطبرسي: مجمع البيان, ج4, ص573). إذن فهذه القصّة تعطي الولاية التّكوينيّة لله تعالى, وتنفيها عن نبيّه موسى(ع), فما زَعَمَه المؤلف من أنّ القصّة تدلّ على ولاية موسى(ع) وحقّه في التّصرّف فهو زعم باطل من دون سند أو دليل. وأمّا استدلال المؤلّف على الولاية التّكوينية وحقّ التّصرّف في شؤون الكون بقصّة إبراهيم عليه السّلام, كما في قوله تعالى: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ* قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ}[الأنبياء: 68-69] لكان على إبراهيم عليه السلام أن يستعمل هذا الحقّ وهذه السّلطة والقدرة, بأن يجعل النّار برداً وسلاماً عليه, ولكنَّ الله سبحانه نفى هذه الولاية عن إبراهيم(ع) في قوله تعالى: { قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ}, فالكينونة هنا من الله, لأنّها من فعله سبحانه, ولم ينسب ذلك إلى نبيّه وخليله إبراهيم عليه السلام, وهذا يؤكّد أنّ حقّ الولاية التّكوينية من اختصاصه سبحانه. ويتابع السيد القزويني فيقول: "والمتدبّر في الآيات القرآنيّة التي اعتمد عليها مؤلّف الكتاب في استدلالاته, لوجدها كلّها من فعل الله سبحانه, لا من فعل المعصوم(ع), مثل قوله تعالى: {فَسَخَّرْنَا لَهُ}[ص: 36] فالتّسخير من الله إلى نبيّه, ومثل {وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ}[سبأ: 10] فتليين الحديد من فعل الله لا من فعل نبيّه, ومثل قوله تعالى في قصّة أيّوب(ع): {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ}[الأنبياء: 84], فلو كانت لأيّوب القدرة على كشف الضّرّ لكشفها عن نفسه(ع), ولَمَا احتاج أن يدعوَ ربّه لكشف الضّرّ عنه. إلى غير ذلك من الأدلّة القرآنية التي تدلّ صراحة على خلاف ما يزعمه المؤلف, وهذا يبطل قوله من أنّ الأدلّة القرآنية مستفيضة على ثبوت الولاية التّكوينيّة للمعصوم(ع), مع أنّ الأدلّة مستفيضة ومتواترة على أنّ الولاية التّكوينية من شؤونه تعالى وَحْدَهُ.. ومن هنا تبيّن بطلان دليله القرآني على إثبات الولاية التّكوينية وأنّها حقّ طبيعيّ للمعصوم(ع)". ثانياً: نقض الدّليل الرّوائي في هذا السّياق يقول السّيّد القزويني: "وأمّا دليله الثّالث, وهو الدّليل الرّوائي, فإنّي لا أعتقد أن مَنْ له مسحة من العلم, فضلاً عن العلماء, أن يستدلَّ بهذه الرّوايات الّتي ذكرها مؤلّف كتاب"الولاية التّكوينية الحقّ الطّبيعي للمعصوم", على الولاية التّكوينية بجميع صورها وأشكالها, سواء قلنا إنَّ المراد من الولاية, التّفويض المطلق للمعصوم, أو أنّ المراد من الولاية, الولاية التّكوينية وحقّ التّصرّف في شؤون الكون على الوجه الّذي يؤمن به المؤلّف, ولهذا نعرض أوّلاً لقوله فيما يتعلّق بالرّوايات, ثمّ نستعرض بعض الرّوايات الّتي ذكرها واعتمدها كدليل على الولاية التّكوينية لنرى ما فيها من تهافت وعدم دلالة على مفهوم الولاية. فهو يقول: "ونقصد في هذا الدّليل هو ما صحّ نقله عن المعصوم(ع) في حديثه عن مختلف شؤون الولاية التّكوينية كي تكتمل لدينا الصورة.."(الولاية التّكوينية, ص109). ثمّ ذكر المؤلّف جملة من الرّوايات الّتي اعتبرها أدلّة قاطعة على الولاية التّكوينية, وكان استدلاله بهذه الرّوايات, مع فرض صحّتها, استدلالاً في غير محلّه. من هذه الرّوايات: ففي صحيحة علي بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس عن ابن مسكان عن أبي بصير قال: سألت أبا عبد الله(ع) عن قول الله عزّ وجلّ: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}[الإسراء: 85], قال خَلْقٌ أعظم من جبرئيل وميكائيل, كان مع رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) وهو مع الأئمّة, وهو من الملكوت" (الولاية التّكوينية, ص111). يقول السيد القزويني ردّاً على ذلك: "وعلى فرض صحّة هذه الرّواية, والغضّ عن سندها ومتنها, فما علاقة هذه الرّواية بالولاية التّكوينية للمعصوم(ع), فَوُجود المَلَك العظيم مع النّبيّ(صلّى الله عليه وآله وسلّم) والإمام(ع), لا يدلّ على ذلك, بل هو دليل على أنّ الولاية التّكوينيّة ليست من حقّ النّبيّ(صلّى الله عليه وآله) ولا من حقّ الإمام(ع), بقرينة قوله تعالى: {قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي}, أي من فعل الله سبحانه لا من فعل النّبي(صلّى الله عليه وآله), وهي دليل قاطع أيضاً على أنّ النّبي(صلّى الله عليه وآله) لا يعلم بحقيقة الرّوح, فالآية تنفي عن النّبي(صلّى الله عليه وآله) أيضاً العلم بالغيب, وعلى هذا فالرّواية بعيدة كلّ البعد عن شؤون الولاية التّكوينيّة للمعصوم. ومن الرّوايات الّتي اعتمد عليها المؤلّف قوله: وكذا في صحيحة علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبي أيوب الخزاز عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله(ع) يقول: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} قال: خَلْقٌ أعظم من جبرئيل وميكائيل, لم يكن مع أحد ممّن مضى, غير محمد(صلّى الله عليه وآله) وهو مع الأئمّة يسدّدهم"(الولاية التّكوينية, ص112,111). يؤكّد السّيد القزويني أنّ هذه الرواية كالرّواية السّابقة أيضاً في عدم دلالتها على مفهوم الولاية, وبالأخص إذا لاحظنا العبارة الأخيرة وهي "وهو مع الأئمّة يسدّدهم", فهي تنفي عنهم كذلك الولاية لأنّ التّسديد من الله سبحانه أيضاً لا من الرّوح الّذي هو خلق أعظم من جبرئيل, {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ}[الأعراف: 54], "إنّ الخلْق والأمر لله, وهو وَحْدَهُ الذي يقول للشيء كن فيكون, وكلّ ما عداه.. مفتقر إليه تعالى في أصل وجوده وفي استمداده في الوجود"(محمّد جواد مغنية, التفسير الكاشف, المجلد الثالث, ص436). وهذا هو عالم التّكوين. وأمّا الرّواية الثّالثة الّتي جعلها دليلاً على الولاية التّكوينية قوله: "وكذا عن محمد بن عبد الجبار عن أبي عبد الله البرقي.. عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان مع عيسى بن مريم حرفان يعمل بهما, وكان مع موسى(ع) أربعة أحرف, وكان مع إبراهيم ستّة أحرف, وكان مع آدم خمسة وعشرون حرفاً, وكان مع نوح ثمانية, وجُمِعَ ذلك كلّه لرسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنّ اسم الله ثلاثة وسبعون حرفاً وحجب عنه واحداً".(الولاية التكوينية, ص112). يقول السّيد القزويني: "فمع الغضّ عن سند هذه الرّواية ومتنها, فهي خارجة عن موضوع الولاية التّكوينية, بل هي من الأدلّة الصّريحة على أنّ التّكوين بيده سبحانه, لأنّ وجود الاسم الأعظم أو وجود بعض حروفه عند الأنبياء, معناه أنّ الأنبياء يدعون الله سبحانه بهذا الاسم, فإذا دعوه سبحانه بهذا الاسم استجاب لدعائهم, وبهذا وردت الأدلّة. ومن الرّوايات الّتي استدلّ بها مؤلّف الكتاب قوله: "وعن إبراهيم بن هاشم عن عبد العزيز بن المهتدي عن عبد الله بن جندب أنّه كتب إليه أبو الحسن الرّضا(ع): أمّا بعد فإنّ محمّداً(صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان أمين الله في خلقه فلمّا قبض كنّا أهل البيت ورثته, فنحن أمناء الله في أرضه, عندنا علم المنايا والبلايا وأنساب العرب ومولد الإسلام". (جلال الدين علي الصّغير: الولاية التكوينية, ص113). يقول السيد القزويني: ".. فكونهم(أهل البيت عليهم السلام) أمناء الله في أرضه, لا يعطيهم الحقّ في التّصرّف في شؤون الكون, هم أمناء الله سبحانه على حلاله وحرامه, وهم المنفّذون لهذا الحلال والحرام, وأنّ علمهم بالمنايا وأنساب العرب, لا يكون سبباً في التّصرّف في شؤون الكون حتّى يكون حقّاً طبيعيّاً لهم عليهم السّلام, فالاستدلال بهذه الرواية استدلال باطل لا يقول به أحد. شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط