عقائد وفقه هل شرع الله حكم الحجاب في الإسلام؟! ۱٦ سبتمبر ۲۰۲۲ ۱۹۰۲ مشاهدة قبل الإجابة يجب الالتفات إلى أن الجواب موجه لمن يعتقد بمرجعية النص الديني، أي من ينتظر التشريع من خلال النص، ومن يعتقد بالامتداد الأزماني للنص الديني. أمّا من لا يعتقد بمرجعية النصّ، كمن يعتقد بالدين، ولكنه يرى مرجعية العقل دون النص لكون البشرية وصلت إلى مرحلة النضج مثلًا، أو من يرى أن النص مرجع صالح لزمان صدوره والوقت الذي ولد فيه فيما اليوم تختلف فيه طبيعة المجتمع ووسائل الإنتاج والمعيشة عن زمننا، فهذا الجواب غير موجه إليه. طبعًا هناك آراء أخرى فيما يتعلق بمرجعية النص كالتفصيل بين بعض نصوص وأخرى، فبعض النصوص مطلقة زمنيًا وبعضها مقيّد، وهناك من يرى أصالة مرجعية العقل وإرشادية النص، وكل هذه الآراء لها محل آخر للنقاش. وقبل سرد الأدلة يجب التنبيه بأن هناك نوعان من الأحكام: أحكام تأسيسيّة: وهي ما تكون بلسان التأسيس والجعل المستقل، وهي أحكام أسسها الشرع ولم يكن لها وجود قبله. أحكام غير تأسيسية: ما يكون بلسان الإمضاء أو التحفّظ لما عليه العقلاء أو العرف، كأحكام الزواج والمعاملات التجارية كالبيع. يختلف هذان النوعان من الأحكام في طريقة بيان الشارع المقدس لهما، فالأول يتصدى الشارع لبيان أصل الحكم فيه وتفاصيله وشروطه، بينما الثاني يكون بيان الشارع فيه – عادةً - على شكل تعليق دون التصدي لبيان أصل الحكم وتفاصيله، بل إيكال الأمر لما هو مرتكز في ذهن العقلاء والعرف. والأمر الآخر الذي يجب التنبيه عليه هو دلالة المسكوت عنه من قبل الشارع المقدس، فعندما ينزل القرآن الكريم في زمنٍ تنتشر فيه ظاهرة ما، ويسكت القرآن أو الرسول عنها، ولا يعلقان عليها فهذا يكشف - عادةً - عن إمضائها والموافقة عليها، وإيكال تحديد موضوعها وحدودها للعرف وسيرة العقلاء. ويجب التنبيه أيضًا أن لغة النص القرآني ليست لغة قانونية على وزان لغة الدساتير والمتون الفقهية، بل هي لغة إرشاد وهداية تلاحق المشاكل الفكرية والاجتماعية والنفسية والأخلاقية في المجتمع الإنساني لتعالجها وتفصل فيها (وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخْتَلَفُواْ فِيهِ) (البقرة: 213). الأدلة من القرآن والسنة على الحجاب: (وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ۖ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ۖ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ ۖ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ۚ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (النور: 31). للباس عدة تمظهرات وأدوار وأغراض، فاللباس تارة يكون: 1) سترًا وساترًا: يستعمله الإنسان لحفظ عورته وجسده من الناظر، أو ليقيه من الحرارة أو البرودة، أو لغرض خاص كالألبسة الخاصة التي تستعمل للوقاية في الحروب أو الأعمال. 2) زينةً: يستعمله الإنسان تعبيرًا عن التزين والتجمل ومظهر من مظاهرها. 3) علامةً ورمزًا ثقافيًّا: فاللباس له دلالات وإحالات ثقافية، فاللباس يحيل على الجندر وعلى الهوية والوظيفة والمهنة وعلى الشخصية وعلى الحس الجمالي وعلى الدين أو الدور الاجتماعي، وله دلالة على التمكن الحضاري أو الانسحاق الحضاري، أو على طبيعة الانتماء الفكري ونوعه، وينطوي على الكثير من الدلالات الثقافية، وهذه العلامة لن تكتسب دلالتها إلا في إطار ثقافي معين. عن أي مظهر من مظاهر اللباس تتكلم الآية الكريمة؟ تتكلم الآية عن المظهر الأول، وبالخصوص استعمال اللباس سترًا للجسد عن الناظر، ولقرائن عدة منها صدر الآية وذيلها والآيات المحيطة بها ولقرائن أخرى داخلية، فالآيات التي سبقتها (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ)، فالآية فيها أمرٌ للمؤمنين الذكور بغض البصر وحفظ الفروج عن الناظر. وختمت الآية بقول ذلك (ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ)، أيْ أطهر وأنظف لكم ولقلوبكم. وجو الآية هو التأسيس لعلاقة الستر والنظر بين الجنسين. وقد ورد في الرواية عن الصادق (ع): "إن كل آية في القرآن في حفظ الفروج فهي من الزنا إلا هذه الآية فهي من النظر". وقد شرعت الآية محل الكلام بأمر أيضًا للمؤمنات بغض البصر وحفظ الفروج، ممّا يؤكد أن الآيات تتكلم عن تنظيم علاقة الستر والنظر بين الجنسين بما يرتبط بالجانب النفسي والبيولوجي، وأن المسألة غير مرتبطة باللباس بما هو رمز ثقافي وطريقة للتعبير عن الهوية. ويؤكده أيضًا قوله تعالى: (أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ) في ذكر المستثنين من حرمة إبداء الزينة لهم، فكأنما الآية تعلل عدم حرمة إبداء الزينة لهؤلاء الأطفال بأنهم لا يميزون الجانب الجنسي الذي كنى عنه بقوله: (لَمْ يَظْهَرُوا عَلَىٰ عَوْرَاتِ النِّسَاءِ). الخلاصة أن الآية تقيم الحكم من منطلق حفظ العلاقة بين الجنسين، لا من منطلق حفظ الهوية، ولا من منطلق كون اللباس شعارًا، وهذا الجانب جانب ثابت في حياة الإنسان، فجانب الأنوثة في الأنثى وجانب الذكورة في الذكر لن يتغيرا بتغير المجتمعات ونمط الحياة فيها وتغير وسائل الإنتاج والمعيشة أو الأعراف. حكم الستر واللباس ليس حكمًا تأسيسيًا أسس له الشارع المقدس، بل للإنسان منذ القدم أحكام للباس (يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا) (الأعراف: 26)، وقوله: (فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ) (الأعراف: 22). وكانت النسوة وقت نزول الآية يلبسن ملابس واسعة الجيوب تبدو منها صدورهن وما حواليها، وكن يسدلن الخُمُر من ورائهن فتبقى مكشوفة، كما ذكر المؤرخون. وكانت المرأة تتجمل وتتزين بالاعتناء بالنظافة وبالحلية، كالخلخال والسوارين والخاتم والقُلبين والقلب والإكليل والوشاح والدملج والفتخة والمسكة والقرطين والقلائد الأخرى، وبالتجميل بالكحل وبالمساحيق التي توضع على الوجه والدهن الذي يدهن به الشعر، وبالوشم وما شاكل ذلك من أمور تجميل وتحلية كانت معروفة في ذلك العهد. في هذا السياق نزلت الآية الكريمة لتقر بعض هذه الأمور، وتنهى وتردع عن أمور أخرى. جاءت الآية لتنهى عن إبراز مواضع الزينة من جسدها التي اعتادت على وضع الزينة فيها، إلا الظاهرة بطبعها كالوجه والكفين و(القدمين) ثم عطفت بالأمر على ضرب الخمار (الحجاب باصطلاحنا)، وإسداله على الجيب كي لا ينكشف الصدر، وعدم إسدال الخمار من الوراء، كما هي عادتهن. وعطف الأمر بالضرب بالخمار بعد استثناء إبداء الزينة الظاهرة من النهي كي لا يتوهم البعض أن الصدر من مواضع الزينة الظاهرة، حيث اعتدن على كشفه. وجاءت الآية للنهي عن إبراز المحل (موضع الزينة من الجسد) بلسان النهي عن الحال (الزينة) وهو من الأساليب البلاغية عند العرب، وذلك لكون السبب والدافع النفسي وراء كشف موضع الزينة هي الزينة نفسها، أي الرغبة في إبداء الزينة في موضع الزينة. هل في الآية أمر بالحجاب أي بتغطية الرأس والشعر؟ قد يقول قائل إن الآية نهت عن إبداء الزينة، وأمرت بتغطية الجيب ولم تأمر بتغطية الرأس والشعر. إذا اتضحت لك المقدمات والتنبيهات التي ذكرناها سيتضح لك أن هذا الكلام غير دقيق، لأن معنى الخمار في اللغة هو غطاء الرأس. وعندما يقول تعالى: (وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ)، فالآية تدل على مفروغية وجوب غطاء الرأس وعدم الاكتفاء به، بل يجب إسدال الخمار أيضًا على الجيب (فتحة الصدر)، والتركيز على الجيب لأن الآية ليست في صدد تأسيس حكم جديد، بل إمضاء الفعل والردع عن ظاهرة خاطئة منه. ولتقريب المعنى لو فرضنا انتشار موضة معينة للبس الحجاب في المجتمع بأن يكون فيه الصدر مكشوفًا، وأنا باعتباري مشرّعًا أردت إصدار بيان للنهي عن هذه العادة، وذكرت أن على الأخوات إنزال حجابهن على صدورهن، فهل يفهم من كلامي أن حجاب الرأس غير واجب، أو يفهم منه عدم الاكتفاء بحجاب الرأس، وإسداله على الجيب والصدر؟ (منقول عن كاتب مجهول، بتصرف يسير) شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط