أمّا وقد انتهت ليالي القدر المباركة (المتعارف عليها عند الشيعة)، وإن كنّا لا نزال ننعم ببركة الشهر، ونستظلّ فيء رحمة الله ونِعمه، فيلجم عنا شياطينه، ويقوّي نفوسنا على العصمة من الشيطان ومكائده وحبائله. فكانت هذه الليالي ملأى بالتلاوات القرآنية والتوجّه الخالص إلى الله، وبالمداومة على قراءة دعاء الجوشن الكبير بفقراته المائة. فكلُّ فقرة تحوي عشرة أسماء حسنى وصفات لله، ولله وحده دون غيره، فكانت هذه الفقرات تؤكّد وحدانية الله وفردانيته، في ما يختصّ به وحده دون سواه، وما لا يُشرِكه أحدٌ لا في توحيد ولا في عبادة ولا في توجّه ولا في دعوة ولا في طلب أو رجاء. فلم يرد فيه ما ينافي أيَّ آية في القرآن، ولا توحي بأيّ معنى من معاني التوجه لغير الله أو الطلب من سواه.
وكذا كنّا في ختام أعمال كلّ ليلة من هذه الليالي المباركة نقرأ دعاء السَّحَر الوارد عن الإمام زين العابدين علي بن الحسين(ع)، المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي، هذا الدعاء العظيم الذي يُعدُّ مائدة إلهية أنزلها الله عبر الأئمة ليقدموها لنا فنتقرّب فيها إلى الله في كل حالات الدعوة والترجي والاستغاثة والطلب والاسترحام...
ففي بداية هذا الدعاء تسليمٌ بأنّ الله وحده الذي يستجيب الدعاء، ويصدُق الرجاء دون غيره من رسله وملائكته وعباده " الحَمْدُ للهِ الَّذِي لا أَدْعُو غَيْرَهُ وَلَوْ دَعَوْتُ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لِي دُعائِي، وَالحَمْدُ للهِ الَّذِي لا أَرْجو غَيْرَهُ وَلَوْ رَجَوْتُ غَيْرَهُ لأخْلَفَ رَجائِي". بحيث جاء النفي سابقًا على الإثبات، فلا مدعوَّ غيره ولا مرجوَّ سواه، كما جاء أيضًا في الفقرة الأولى من دعاء الجوشن " يَا مُعْطِيَ الْمَسْأَلَاتِ".
ثم يتابع الإمام (ع) في دعائه، وتركيز التوحيد والوحدانية لله، والتوجّه له في الأمور كلّها، دون إشراك أحدٍ بأيّ طلب أو دعوة فيقول (ع) " سَيِّدِي فَبِمَنْ اسْتَغِيثُ إِنْ لَمْ تُقِلْنِي عَثْرَتِي، فَإِلى مَنْ أَفْزَعُ إِنْ فَقَدْتُ عِنايَتَكَ فِي ضَجْعَتِي؟ وَإِلى مَنْ أَلْتَجِئُ إِنْ لَمْ تُنَفِّسُ كُرْبَتِي؟ سَيِّدِي مَنْ لِي وَمَنْ يَرْحَمُنِي إِنْ لَمْ تَرْحَمْنِي؟ وَفَضْلَ مَنْ اُؤَمِّلُ إِنْ عَدِمْتُ فَضْلَكَ يَوْمَ فاقَتِي؟" فلا مغيث غيره، ولا مؤمّن سواه، ولا منفّس للهموم والغموم إلا هو، وهذا ما جاء مائة مرة في دعاء الجوشن "الْغَوْثَ الْغَوْثَ خَلِّصْنَا مِنَ النَّارِ يَا رَبِّ"، " يَا مُقِيلَ العَثَراتِ" "يَا مُنَفِّسَ عَنِ المَكْرُوبِينَ، يَا مُفَرِّجَ عَنِ المَغْمُومِينَ". ويستكمل الإمام (ع) الدعاء ويؤكّد أن الإجارة لله وحده، وأن العصمة له، والتوكّل عليه، واللجوء إليه، فيناجي ربّه "اللّهُمَّ إِنَّهُ لا يُجِيرُنِي مِنْكَ أَحَدٌ، وَلا أَجِدُ مِنْ دُونِكَ مُلْتَحَداً"، فلا مقصد إلا له، ولا ملجأ دونه، لأنّ كل الملاجئ دون الله كاذبة.
وفي كل فقرة من هذا الدعاء تأكيد وترسيخ لهذه العقائد، ونفيٌ واضح قاطع لأي شيء دون هذا، من البداية حتى النهاية، فهو مفرّج الهموم والغموم لا غيره، والمغيث المفرّج لا سواه، والاستعانة به وحده، ولا توكّل إلا عليه، "يا مَفْزَعِي عِنْدَ كُرْبَتِي، وَيا غَوْثِي عِنْدَ شِدَّتِي، إِلَيْكَ فَزِعْتُ وَبِكَ اسْتَغَثْتُ وَلُذْتُ، لا أَلُوذُ بِسِواكَ وَلا أَطْلُبُ الفَرَجَ إِلاّ مِنْكَ، فَأَغِثْنِي وَفَرِّجْ عَنِّي". وهذا ما ورد كذلك في دعاء الجوشن "يَا مُغِيثَ مَنْ لا مُغِيثَ لَهُ" " يَا مُعِينَ مَنِ اسْتَعانَهُ، يَا مُغِيثَ مَنِ اسْتَغاثَهُ"، فوحده المغيث المعين والمستعان، فلا أحدٌ من خلقه يشترك معه في صفة أو فعل.
نخلص من هذه الكلمات إلى أنّ هذه الأدعية بعد آيات كتاب الله ميزان في معرفة التوحيد والشرك بالله، فكل ما وافقها توحيد، وما خالفها شِركٌ، ومهما حاولنا تزيين الكلمات، أو جئنا برواية هنا لا تصمد أمام نقد أو حديث مختلق من هناك. فلا الأنبياء ولا الرسل(ع) يشتركون مع الله في صفاته، أو يشاركونه أعماله، ولا الأئمة (ع) كذلك، فلا هُم يُغيثون ولا يُفرّجون الغموم ولا يقضون الحوائج، ولا يكون التوجّه لهم مباشرة دون الله. وإلا أين ما كنّا نقرأ من آيات ونتوجّه به من دعاء في هذه الليالي، فهل لدينا نوعان من الدعاء: واحد لله وآخر لأنبيائه ورسله؟ أو أنّنا نوحّده في مكان ونُشرك به في مكان آخر؟ أو أنّنا نتوجّه له في أمر وإلى غيره في أمور؟!
يجيبنا الإمام زين العابدين (ع) نفسُه في الصحيفة السجّادية، في دعائه متفزّعًا إلى الله، فيقول " فَأَنْتَ يَا مَوْلاَيَ دُونَ كُلِّ مَسْؤُولٍ مَوْضِعُ مَسْأَلَتِي، وَدُونَ كُلِّ مَطْلُوبٍ إِلَيْهِ وَلِيُّ حَاجَتِي، أَنْتَ الْمَخْصُوصُ قَبْلَ كُلِّ مَدْعُوٍّ بِدَعْوَتِي لاَ يَشْرَكُكَ أَحَدٌ فِي رَجَائِي، وَلاَ يَتَّفِقُ أَحَدٌ مَعَكَ فِي دُعَائِي، وَلاَ يَنْظِمُهُ وَإِيَاكَ نِدَائِي، لَكَ يَا إِلَهِي وَحْدَانِيَّةُ الْعَدَدِ، وَمَلَكَةُ الْقُدْرةِ ٱلصَّمَدِ.. فَتَعَالَيْتَ عَنِ ٱلأَشْبَاهِ وَٱلأَضْدَادِ وَتَكَبَّرْتَ، عَنِ ٱلأَمْثاَلِ وَٱلأَنْدَادِ، فَسُبْحَانَكَ لاَ إِلـٰهَ إِلاَّ أَنْتَ". فلا مجال لأيّ تفسير أو ادّعاء بغير هذه المفاهيم والعقائد، ومهما حاول بعض الغُلاة تنميق كلامهم، أو توجيه مقاصدهم، وتفسير مغزى دعائهم، لأنّ ما جاء عن الإمام الصادق (ع) في تفسير قوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف:106]، كافٍ في الرد، يقول (ع): " قول الرجل لولا فلان لهلكت ولولا فلان لضاع عيالي جعل لله شريكًا في ملكه يرزقه ويدفع عنه".
هي كلمات من وحي ليالي القدر وأدعيتها، أحببنا الإضاءة عليها، والاستئناس بها، ومحاولة الانتفاع بما فيها من عقائد وتوحيد لله سبحانه.
والله من وراء القصد
د. محمد طراف