مقالات جريئة التطرف: مواجهة معرفية وتأصيل منهجي ۰۸ أغسطس ۲۰۲٤ ٦٤۳ مشاهدة إيمان شمس الدين في التشخيص العميق للإشكاليات العامة التي تواجه المجتمعات هناك محددات واقعية للقراءة، تنطلق من الواقع ومعطياته، ولكنها كي تعطي تصورات قريبة من حقيقة الواقع لتكون قادرة على التشخيص القريب للإشكالية، تحتاج أن تمارس عملية خروج عقلي وذاتي من صناديقها المعرفية ومسبقاتها البيئية، وتمتلك الجرأة في نقد هذا الواقع وتحديد معوقات التطور والنهوض فيه، خاصة تلك العقدية كونها المُشَكِّلة لمنظومة الأفكار التي تقود عقول الجموع البشرية وتحدد لها مسارات سلوكها الفردي والجمعي على حد سواء. لذلك عقد المؤتمرات بحد ذاته خطوة جيدة، لكنها يفترض أن تكون خطوة ضمن خطوات متتالية قادرة على معالجة الإشكاليات المشخصة وتطبيق الرؤى المعالجة لها بشفافية عالية ومواجهة صريحة، كون المستهدف اليوم هو وجود الأمة ومستقبلها وليس مجتمع بذاته أو مؤسسة بعينها ، بل وجودنا كأمة يتم استهدافه من خلال استحضار الماضوية بشراسة بعيدة عن النقد واستخدامها في صناعة الحاضر وهدمه لبناء مستقبل بمعطيات جديدة تبتعد بالأجيال عن الجانب المشرق من الماضي والذي كان ملهما لصناعة حاضر بنّاء لكثير من الدول ومنها الدول الغربية . المعرفة مصادرها وصناعة الأفكار: إن مُوَجِّهات السلوك البشري تحددها الأفكار التي تقود العقل، وهذه الأفكار تتشكل من خلال مصادر المعرفة البشرية التي حددتها الفلسفة بعنوان نظرية المعرفة، وشخصت من خلالها مصادر المعرفة الإنسانية، وتكمن أهمية هذا الموضوع في كون المعرفة بمصادرها هي التي تشكل أفكار الإنسان وتقود عقله الذي بدوره يقود قلبه ويدير سلوكه الفردي والاجتماعي . وكوننا نعالج إشكالية وفق معطيات واقعنا المعاش، وهي إشكالية التطرف فنحن اليوم أمام مواجهة صريحة مع العقل ومصادر معارفه كون معالجة التطرف لا تتقوم بمعالجة ظواهره، بل بمعالجة جذوره وتفكيك بناه للعمل على إصلاح تلك البنى التأسيسية إصلاحا جذريا. مصادر المعرفة هي: - الحس - التجربة - العقل - الوحي - الوجدان ولكل مصدر أدوات منهجية تهيمن عليه وتشكل التصورات الذهنية التي تعمل بعد ذلك على تشكيل الأفكار وصياغتها سلبا أو إيجابا . وكل مصدر يلعب دورا محوريا في رفد المصدر الآخر من حيث دعم الفكرة أو تشكيلها ، أو تحويلها لعقيدة راسخة تدعم السلوك الفردي والاجتماعي في المحيط والمجتمع . فبدايات تشكل تصورات الإنسان منذ طفولته يكون مصدرها الحس، وهنا في هذه المرحلة تلعب جهات عديدة دورا محوريا في رفد عقل الطفل وتشكيل رؤاه وتصوراته وهذه الجهات هي: - الأسرة وهي الحاضنة الرئيسية والأولية لأفكار الإنسان وسلوكه . فالأبوان هنا المصدر الحقيقي لمعرفة الطفل معرفة حسية، فكل ما يتم صناعته في هذا المحيط يعتبر القاعدة المعرفية التي تشكل أفكار عقل الطفل وتصوراته وترفده بعد ذلك في سلوكه وحركته . - المدرسة وهي المرتبة الثانية في هذه المرحلة من المعرفة الحسية ، والتي يمضي فيها الطفل في عمر مبكر من حياته ( ٤ سنوات ) وقتا طويلا في تلقي المعارف ، ويكون هنا المعلم النموذج الذي يشكل مرجعية معرفية للطفل تراكم معارفه وتشكيل أفكاره ورفد سلوكه الفردي والاجتماعي، وتراكم هنا بناءه القاعدي الذي شكلته الأسرة. - المحيط الاجتماعي البيئي الذي يحتك به الطفل والذي يشكله الأقرباء والأصدقاء، ويكون له الأثر الكبير في هذه المرحلة الحساسة من مراحل تعلم الطفل وتشكيل قواعده البنائية المعرفية . وهنا يجب أن نأخذ في الحسبان عدة أمور : - من جانب نحن ننظر لمرحلة معرفية تتعلق بالمرتبة الأولى في تشكيل القاعدة الفكرية للطفل والتي هي الحس ، لكننا في ذات الوقت لا نقلل من أهمية باقي مصادر المعرفة كونها تشكل روافد لكل من الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي ، فحينما نتكلم عن أن الحس هو المصدر المعرفي الأول لتشكيل الأفكار بالنسبة للطفل فهنا زاوية النظر هي الطفل ومنهجية تشكيل أفكاره ورفدها، ولكن في ذات الوقت يعتبر أيضا الحس والتجربة والعقل والوحي والوجدان مصادر شكلت معارف وأفكار كل من الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي . - لا يمكن في هذه المرحلة من تشكيل معارف الطفل وأفكاره أن نغفل عن دور الإعلام والتكنولوجيا التي باتت متوفرة في أيدي الأطفال في مراحل عمرية مبكرة سواء في المنزل أو في المدرسة، لكننا هنا نعتبر في هذه المرحلة أن هذه الأدوات وسائل يمكن ضبطها بشكل كبير وتوجيهها عن طريق الأسرة والمدرسة ، لذلك لم نعتبرها في عداد الجهات المؤثرة والفاعلة حسيا في تشكيل معارف وأفكار الطفل ، لكنها لاحقا في مراحل متقدمة من عمر الإنسان سيكون لها دور فاعل ومحوري في ذلك . أما ما هي مصادر معرفة كل من الأسرة والمدرسة والمحيط الاجتماعي فهي كل تلك المصادر مجتمعة ، والأدوات الفاعلة في دعم هذه المعارف أو الترويج لها هي : - التراث والتاريخ بكل مصادره سواء الدينية أو السياسية أو الثقافية ولكن أهمها على الاطلاق الدينية . - الاعلام وأدواته كافة كونه يلعب اليوم دورا بارزا جدا في صناعة الوعي وكيه والهيمنة على اللاوعي ، فهو من أدوات المعرفة الحسية القوية التأثير . - التكنولوجيا وما فتحته من آفاق معرفية كبيرة خاصة فيما يتعلق بمواقع التواصل الاجتماعي وما تحتويه من غث وثمين . - العولمة ودورها الكبير في تشكيل البنى المعرفية وتغيير معالم الهوية الإنسانية، سواء هويته المعرفية أو الثقافية ، ورسم معالم جديدة للانتماء والذات وحدودها. إذا نحن أمام مشهد واسع للمعرفة وروافدها وأدوات رفدها ، وهو ما يتطلب دقة وعمق في التشخيص ووضوح وجرأة في المعالجة . فمعرفة شبكة التعقيدات المعرفية بعمق وواقعية يساعدنا في تفكيكها وتشخيص الخلل في بناها ، أما القراءات التبسيطية للواقع هو إما نتيجة الكسل العلمي أو عدم توفر الأدوات والمنهج في تفكيك تعقيدات الشبكات المعرفية. فالأصل هو تشخيص الخلل في روافد المعرفة ومصادرها كافة والتي تشكل الأفكار في عقل الأفراد والمجتمع ، والتي بعد ذلك تكون محركا للفرد وللأسرة وللمدرسة من خلال الدولة وللمجتمع . وكوننا هنا سنركز على جانب مهم في رفد جزء كبير من أفكار الإنسان وتشكيلها وهو الجانب الديني، فإننا سنسلط الضوء على دور هذا الجانب كمصدر معرفي وحياني ومحرك عميق في حياة الفرد والمجتمعات، وعلى محوريته التأسيسية في نشوء التطرف والأسباب التي أدت به للذهاب بهذا الاتجاه المتشدد ، وعلى دور العقل كمصدر للمعرفة في توجيه وقراءة ما يطرحه الوحي كمصدر مكمل محوري أيضا للمعرفة . فكل مصدر معرفي يشكل مكملا وفي طول المصادر الأخرى ، بل مؤثرا سلبا وإيجابا فيه . شارك المقال: فيسبوك إكس واتساب تيليغرام نسخ الرابط