تفسير القرآن
الفيل / المقدمة

 المقدمة
 

سورة الفيل
مكية، وآياتها خمس

في أجواء السورة

وهذه سورةٌ مكيةٌ تثير قصة أصحاب الفيل الذين جاءوا إلى مكة ليهدموا الكعبة، في ما ذكره الرواة من أن أبرهة عزم على ذلك من خلال عقدةٍ ذاتية، باعتبار أنه بنى بيتاً مماثلاً للكعبة ليحج إليه الناس بدلاً منها، ليحصل على الامتيازات التي يحصل عليها أصحابها، ولتكون له قداستها الروحية، في ما يتمثل في الطواف ونحوه من طقوس الحج، فلم يبلغ غايته، بل حدث العكس من ذلك، عندما حاول بعض العرب تلويث بيته بالعذرة ونحوها. وقد كان هذا أمراً طبيعياً، لأن القداسة ليست من الأمور التي تدخل إلى قلوب الناس أو عقولهم من خلال قرارٍ ملكيٍّ، أو قوّةٍ قاهرة، بل هي من الأمور التي تنطلق من العمق الروحي الممتد في تاريخ الرسالات، مما كانت تتميز به الكعبة التي بناها إبراهيم النبي(ع)، الذي أعطاها من روحه وإيمانه وروحانيته ورساليته وشرعيته النبوية، الأساس الذي امتد في الذهنية الشعبية التاريخية التي تجاوزت الجانب الروحي في تفاصيله ومعطياته الشرعية، فتحولت إلى تقاليد راسخة في الوجدان الشعبي الديني، فكيف يمكن لنزوة ملكية أن تصادر ذلك كله أو تمحوه من الذاكرة الروحية، أو تستبدل به بيتاً آخر! بل ربما كان التحدِّي باعثاً نحو التعصب الشديد ضد البيت الجديد، ولكن هذا الملك لم يفكر بهذه الطريقة، بل ازداد في عتوّه وتحدّيه، وقرّر أن يعالج المسألة بهدم الكعبة حتى لا يحج إليها حاج، فيضطرّ الناس إلى الحجّ لبيته، فجهّز جيشاً كبيراً لهذه الغاية، فخرجت قريش إلى رؤوس الجبال عندما جاءت مقدمة هذا الجيش إلى مكة، وقالوا: لا طاقة لنا بقتال هؤلاء. ولم يبق بمكة غير عبد المطلب بن هاشم أقام على سقايته، وغير شيبة بن عثمان بن عبد الدار أقام على حجابة البيت، فجعل عبد المطلب يأخذ بعضادة الباب ـ في ما يذكره الرواة ـ ثم يقول:

اللَّهم إنَّ المرء يمنع رحله فامنع رحالك

لا يغلبوا بصليبهم ومحالهم عدواً محالك

لا يدخلوا البلد الحرام إذاً فأمر ما بدا لك

ثم إن مقدمات أبرهة أصابت نعماً لقريش، فأصابت فيها مائتي بعير لعبد المطلّب بن هاشم، فلما بلغه ذلك، خرج حتى أتى القوم، وكان حاجب أبرهة رجلاً من الأشعرين، وكان له بعبد المطلب معرفةٌ، فاستأذن له على الملك، وقال له: أيّها الملك، جاءك سيّد قريش الذي يطعم إنسها في الحيّ ووحشها في الجبل، فقال له: ائذن له. وكان عبد المطلب رجلاً جسيماً، جميلاً، فلما رآه أبرهة، أعظمه أن يجلسه تحته، وكره أن يجلسه معه على سريره، فنزل من سريره، فجلس على الأرض، وأجلس عبد المطلب معه، ثم قال: ما حاجتك؟ قال: حاجتي مائتا بعير لي أصابتها مقدّمتك، فقال له أبرهة: والله لقد رأيتك فأعجبتني، ثم تكلمت فزهدت فيك، فقال: ولِمَ أيّها الملك؟ قال: لأني جئت إلى بيت عزِّكم ومنعتكم من العرب، وفضلكم في الناس وشرفكم عليهم، ودينكم الذي تعبدون، فجئت لأكسره، وأصيبت لك مائتا بعير، فسألتك عن حاجتك فكلمتني في إبلك، ولم تطلب إليَّ في بيتكم.

فقال له عبد المطلب: أيّها الملك، أنا أكلمك في مالي، ولهذا البيت ربّ هو يمنعه لست أنا منه في شيءٍ، فراع ذلك أبرهة، وأمر بردّ إبل عبد المطّلب عليه، ثم رجع وأمست ليلتهم تلك كالحةً نجومها كأنها تكلمهم كلاماً لاقترابها منهم، فأحسّت نفوسهم بالعذاب.

حتى إذا كان طلوع الشمس، طلعت عليهم الطير معها الحجارة، فجعلت ترميهم، وكل طائر في منقاره حجر، وفي رجليه حجران، وإذا رمت بذلك مضت وطلعت أخرى، فلا يقع حجر من حجارتهم تلك على بطنٍ إلا حرقه، ولا عظمٍ إلاّ أوهاه وثقبه، وهكذا هزم الجيش، وهلك قائده بعد ذلك.

* * *

وقفة تأملية أمام القصة

وتستوقفنا جملة من الأفكار والنقاط المفيدة في هذه القصة، أبرزها ما يلي:

أولاً: على الرغم من بعض وجوه الاختلاف الموجودة في الرّوايات الخاصة بهذه القصة، إلاّ أنها تجمع على وجود أسرارٍ غيبيّة مثيرةٍ للتأمل في طبيعة الهزيمة التي مني بها هذا الجيش من دون أيّة مقاومةٍ تذكر من قريش، ما يوحي بأن القضية ثابتةٌ من ناحية المبدأ في جانبها الإعجازي الخارق للعادة، وبأن المسألة كانت معروفة في تاريخ الفترة الأولى للدعوة، لا سيّما إذا لاحظنا وجود ذاكرة تاريخية لهذه الحادثة، بحيث تحوّلت إلى تاريخ للناس هناك، فأصبحوا يؤرخون بعام الفيل الذي قيل إن مولد النبي(ص) كان فيه. كما أن من البعيد أن لا يكون بعض الذين عاصروا الحادثة على قيد الحياة في وقت نزول السورة. فلو لم تكن القضية في مستوى الحقيقة الثابتة، لكان من الممكن أن يعترض عليها أحدٌ من أولئك الذين كان الكثيرون من أمثالهم معنيّين بإثارة الريب أو الاعتراض حول بعض القضايا التي عاشوا أحداثها وتجاربها في ما تحدّث به القرآن، ولم ينقل إلينا التاريخ شيئاً من ذلك، مع توفر الدواعي على النقل، وقد لاحظنا أن القرآن كان يثير بعض الشبهات التي كانت تثار في ساحة الدعوة، ليسجّل ردّه عليها.

ثانياً: إن قضية عبد المطلب في موقفه مع أبرهة ـ لو صحّت ـ لا تمثل صبره وجَلَده وشجاعته وثقته بنفسه بما لم يظهره غيره من أشراف قريش ـ فحسب ـ في ما يقوله البعض ـ ولكنها تمثل إيمانه بالله وثقته به وقدرته على هزيمة الغزاة، والدفاع عن بيته، كما لو كان شيئاً يعاينه ويعيشه. وهذا ما يؤكد روايات أهل البيت(ع)، التي تؤكد أن عبد المطلب كان، كأجداد النبي الآخرين، مؤمناً بالله، بعيداً عن عبادة الأصنام، لأنه لو كان من عبّاد الأصنام، لما كان بهذا المستوى الكبير من الثقة بالله بحيث يقف أمام هذا الملك الطاغي في طمأنينة روحيةٍ مميّزةٍ استطاعت أن تخيف جبروته وعنفوانه كما توحي به الرواية.

ثالثاً: إن المدرسة التوفيقية التي كان يمثلها الشيخ محمد عبده وتلامذته في منهجها العقلي، يعتمد على محاولة تفسير الظواهر القرآنية الغيبية ببعض الاكتشافات العلمية التي تجعل من الآيات القرآنية الظاهرة تعبيراً مجازياً أو شبه مجازيٍّ، ولكن بدون قرينة لفظية أو عقلية، مما يمكن أن يعتمد عليه المتكلم لصرف اللفظ عن ظاهره، إذا أريد به خلاف الظاهر، وذلك من أجل إعطاء القرآن درجةً علميّةً، تُطلّ على الاكتشافات التي توصّل إليها العلم المعاصر، ليقترب الناس من القرآن كلما اقتربت أفكاره من العقل أو العلم، وذلك من خلال اتصال العالم الإسلامي بالحضارة الغربية القائمة على التفسير المادي للأشياء، حيث لا يرغب الناس بالأجواء الغيبية التي توحي للفكر بما يشبه الخرافة أو الأسطورة، لأن الفكر لا يتقبل الغيب الذي لا يملك أية وسائل طبيعية للإيمان به في حركة الحياة من حولنا.

وعلى ضوء ذلك، فقد حاول الشيخ محمد عبده أن يفسح المجال للتفسير المادي للطير الذي ألقى الحجارة التي أهلكت هذا الجيش، فقال: «فيجوز لك أن تعتقد أن هذا الطير من جنس البعوض أو الذباب الذي يحمل جراثيم بعض الأمراض، وأن تكون هذه الحجارة من الطين المسموم الذي تحمله الرياح، فيعلق بأرجل هذه الحيوانات، فإذا اتصل بجسدٍ دخل في مسامّه، فأثار تلك القروح التي تنتهي بإفساد الجسم وتساقط لحمه».

ونلاحظ أن بعض ما قاله، من احتمال أن تكون الحجارة من الطين المسموم الذي تحمله الرياح فيعلق بأرجل الطيور، فيؤدي إلى تسمم الأجساد التي يدخل فيها، هو من الظواهر غير العادية، لأن حمل الطيور لهذه الحجارة بهذه الطريقة أمرٌ غير مألوف عادةً، فلا بد من تدخل الإرادة الإلهية الغيبيّة التي تخضع الأمور للسنن غير العادية، فتبتعد بذلك عن التفسير المادي الذي يُرجع الأشياء إلى القوانين الطبيعية، ثم إن الغيب جزءٌ من النظام الفكري الديني، فلا بد من تأكيده كمبدأ، في مواجهة الفكر المادي، باعتباره أصلاً عقيدياً في تفسيره للكثير من حقائق العقيدة وبعض مفرداتها المتّصلة بالنبوّة وبالعذاب الإلهي للأمم المتمردة على الرسل والرسالات، مما لا يمنع عنه عقلٌ، ولا يثبت خلافه علمٌ، ولا ينافيه ظاهر لفظٍ.

وبذلك، فإن هذا الاتجاه المادّيّ الذي يعمل على إخضاع الآيات القرآنية للمدرسة العقلية، من أجل إعطاء القرآن بُعداً عقلانياً، لا يمكن أن يكون شاملاً، بالإضافة إلى أنه يؤدّي إلى التكلف في حمل الآيات على خلاف ظاهرها.

وقد تنتهي القضية إلى إبعاد العقل المسلم عن الذهنية التي تتقبل الغيب كمبدأ، فينحرف التفكير الإسلامي عن قاعدته، لأن المسألة المطروحة في الفكر الإسلامي، هي أن الكون خاضعٌ للسنن الطبيعية المودعة فيه، وليس خاضعاً للغيب بشكل عام. ولكن ذلك لا يمنع من وجود السنن الغيبية التي تدخل في بعض ظواهره الطارئة، في ما يريد الله أن يحرِّكه في حياة الناس من أوضاعٍ متصلة بالقضايا الكبيرة المتعلقة بالحركة الرسالية في الكون.