من الآية 55 الى الآية 59
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ* فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ* وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخائِنِينَ* وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ}(55ـ59).
* * *
معاني المفردات
{الدَّوَابِّ}: الدابة: كل ما دبّ على وجه الأرض، ثم غلب استعماله في ذوات الأربع.
{تَثْقَفَنَّهُمْ}: تظفر بهم وتدركهم بسرعة.
{فَشَرِّدْ بِهِم}: التشريد: الإبعاد والتفريق على اضطراب.
{فَانبِذْ}: النبذ: الطرح. ويُقال: إلقاء الخبر إلى من لا يعلمه.
* * *
الثابتون على الكفر شر الدواب
في هذه الآيات، وما بعدها، حديثٌ يتنوّع في قضايا علاقات المسلمين مع الكافرين الذي يقاتلونهم أو الذين يعاهدونهم ثم ينقضون عهدهم... وكيف تكون أوضاع الحرب والسلم في هذا الجو المتقلّب المضطرب. وهذا ما نتابعه في الآيات التالية.
{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ}، لأنهم لا ينطلقون من قاعدةٍ إيمانيّةٍ ثابتةٍ تتصل بالله، وتنطلق في حركاتها وعلاقاتها من خلاله، وبذلك يشعرون بمسؤولياتهم عن الحياة وعن الإنسان، فيحترمون كل المواثيق والالتزامات التي تتعلق بالخير والعدل والسلام، وتلك هي مشكلة الكفر، في ما يوحي به للإنسان من التحرر من كل قيدٍ من قيود المسؤولية. ولهذا فإنّ الكافرين يتحوّلون من موقعٍ إلى موقعٍ، ويتهربون من كل عهد، ليعطوا بعد ذلك عهداً آخر... وهكذا يخلقون للحياة القلق والارتباك. {فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} بالله وبرسله وباليوم الآخر، ليلجأوا من ذلك إلى ركنٍ وثيق، مما جعلهم شرّ الموجودات التي تتحرك في الكون وتدب على الأرض التي لا تسيء إلى سلامة الحياة ولا تشوّه وجهها، بل تتجه إلى الغاية التي أرادها الله لها في نطاق قوانينه الطبيعية، بينما نجد الكافرين يخرّبون الحياة وينحرفون بها عن الصراط المستقيم، بالتمرد على خالقهم وإنكار وجوده أو جعل الشركاء من دونه.
{الَّذِينَ عَاهَدْتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ} لأنهم لا يرون في العهد التزاماً داخلياً عميقاً مقدّساً، بل يرون فيه مجرّد فرصةٍ ينتهزونها للخروج من مأزقٍ طارىء وضغط عنيف، أو يعتبرونه دوراً يمثلونه ليجلبوا لأنفسهم نفعاً، أو ليدفعوا عنها ضُرّاً. فهم يلعبون بالكلمات تماماً كأيّة لعبة أخرى، ولهذا فإنهم لا يجدون أي حرجٍ في الرجوع عنه أو نقضه، لأن القضية ـ في مثل هذه الأمور ـ هي قضية الضغط الخارجي، أو الوازع الداخلي، فإذا ابتعد الأول لفقدان الظروف التي تمثل عنصر الضغط، كان الثاني هو الضمانة الباقية للالتزام. ولكنه ينطلق ـ في الأغلب ـ من الإيمان بالله. فإذا فقد الإنسان ذلك، فقد كل شيء في هذا الاتجاه. وهذا ما أشارت إليه الآية بقوله تعالى: {وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ } في ما تمثّله من مراقبةٍ داخلية لله في كل الأمور، وانضباطٍ عملي على هذا الأساس.. وربما كان المقصود بهؤلاء اليهود ـ كما جاء في بعض الروايات ـ وربما أُريد به غيرهم.
{فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ} أي إذا ظفرت بهم في الحرب، فشدد عليهم بمختلف الضغوط النفسية والعسكرية، من أجل أن يكونوا عبرةً لمن وراءهم من جماعتهم، أو من الناس الذين يسيرون في هذا الاتجاه. {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ} أي فرقهم بما تثيره في قلوبهم من الرعب، فتنحلّ عزائمهم ويبتعدون عن خط المواجهة، {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} ويعرفون النتائج السيئة المترتبة على نقض العهد على جميع المستويات، ليتراجعوا عن غيّهم وضلالهم وانحرافهم عن الخط الصحيح.
* * *
الوفاء بالعهد هو الأصل
{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً} وذلك بظهور علامات الخيانة للمواثيق، بما يصدر منهم من أقوال وتحركاتٍ توحي بوجود خطةٍ جديدة للتمرّد والعدوان، {فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ} أي ألق إليهم عهدهم، لأنهم بدأوا بذلك في ما تحركوا به ضدّك، مما يُعتبر مخالفةً للعهد ونقضاً له، الأمر الذي يجعلك في حلٍّ من عهدك {عَلَى سَوَآءٍ} أي على أساس العدل والمعاملة بالمثل، وذلك ما يوحي به الإسلام في شريعة العهد مع الآخرين. فالوفاء بالعهد هو الأصل والأساس، فإذا بدرت الخيانة منهم كان وليّ الأمر في حلٍّ من عهده، فينذرهم بإلغاء العهد ليكونوا على بيّنةٍ من أمرهم، ويبدأ التصرف معهم بما يناسب المقام، لأنهم خانوا الله ورسوله.
{إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ} لأن هؤلاء لا يمثِّلون التوازن الروحي والعملي الذي تقوم عليه الحياة وتتحرك به في الاتجاه السليم. وفي هذا إيحاءٌ للمؤمنين بأن عليهم أن يعيشوا في داخلهم الرفض النفسي والعاطفي للخائنين، لأن مشاعرهم لا بد من أن تكون منسجمةً مع الخط الإلهي المحدد للخط الشعوري لحركة الإنسان في الحياة؛ فيحبون من يحبهم الله، لأن الله لا يحب إلا الطيبين المخلصين؛ ويبغضون من يبغضهم الله، لأنه لا يبغض إلا المنحرفين الخائنين... وبذلك لا يعيش المؤمن الازدواجية بين قناعاته ومشاعره، كما يعيش ذلك بعض الناس عندما تتجه مشاعرهم في غير اتجاه قناعاتهم، لأن المؤمن يمثل الوحدة في الفكر والعاطفة والحياة.
* * *
المؤمن عينه دائماً على المستقبل
{وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ} وهناك قراءةٌ معروفةٌ بالتاء، أي: ولا تحسبن يا محمد أن الذين كفروا سبقوا، أي لا تخف من قوتهم وتقدمهم في بعض المراحل أو المعارك. {إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} الله فسيدركهم أينما ذهبوا، لأنه على كل شيء قدير. ولهذا فإن على المؤمنين مواصلة مسيرتهم على أساس النفس الطويل الذي لا يربط النتائج الحاسمة بالمرحلة، بل يعمل على التطلع إلى النتائج في حسابات الأهداف البعيدة. وسيجدون من خلال هذه النظرة، أن الظروف التي توحي بالضعف والهزيمة الآن، قد لا تكون كذلك في مستقبل المعركة فقد يحمل المستقبل بعض الفرص التي تفتح باب النصر على مصراعيه {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ*بِنَصْرِ اللَّهِ} [الروم:4 ـ 5].
تفسير القرآن