سورة هود
من الآية 1 إلى الآية 4
الآيات
بسم الله الرحمن الرحيم
{الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ* أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ* وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ*إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [هود: 1-4]
كتاب أحكمت آياته
{ألر} من الحروف المقطعة في القرآن التي تحدثنا عن الوجوه المتصوّرة فيها في أوّل تفسير سورة البقرة. {كتاب أحكمت آياته} أي أحكمت آيات هذا الكتاب، والمراد بالإحكام ـ في ما يذكره صاحب الميزان ـ "ربط بعض الشيء ببعضه الآخر، وإرجاع طرف منه إلى طرف آخر، بحيث يعود الجميع شيئاً واحداً بسيطاً غير ذي أجزاء وأبعاض"[1]. {ثم فٌصّلت من لدن حكيم} والمراد بالتفصيل ـ في رأيه ـ هو إيجاد الفصل بين أجزاء الشيء المتصل بعضها ببعض، والتفرقة بين الأمور المندمجة كلّ منها في آخر. وقد أوضح ذلك بقوله: "وعلى هذا فكون آيات الكتاب محكمةً أولاُ ثم مفصّلة ثانياً، معناه أنّ الآيات الكريمة القرآنية على اختلاف مضامينها، وتشتت مقاصدها وأغراضها، ترجع إلى معنى واحد بسيط وغرض فادر أصليّ لا تكثر فيه، ولا تشتت، بحيث لا تروم آية من الآيات الكريمة مقصداً من المقاصد، ولا ترمي إلى هدف إلاّ والغرض الأصليّ هو الروح الساري في جثمانه، والحقيقة المطلوبة منه.
فلا غرض لهذا الكتاب الكريم على تشتت آياته وتفرّق أبعاضه إلاّ غرضٌ واحد متوحد، إذا فصّل كان في مورد أصلاً دينياً، وفي آخر أمراً خلقيّاً، وفي ثالث حكماً شرعياً، وهكذا كلّ ما تنزل من الأصول إلى فروعها، ومن الفروع إلى فروع الفروع لم يخرج من معناه الواحد المحفوظ، ولا يخطئ غرضه، فهذا الأصل الواحد بتركبه يصير كلّ واحد واحداً من أجزاء تفاصيل العقائد والأخلاق والأعمال، وهي بتحليلها وإرجاعها إلى الروح الساري فيها الحاكم على أجسادها تعود إلى ذاك الأصل الواحد.
فتوحيده تعالى بما يليق بساحة عزه زكبريائه ـ مثلاً في مقام الاعتقاد ـ هو إثبات أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وفي مقام الأخلاق هو التخلّق بالأخلاق الكريمة من الرضى، والتسليم، والشجاعة، والعفّة، والسخاء، ونحو ذلك، والاجتناب عن الصفات الرذيلة، وفي مقام الأعمال والأفعال الاتيان بالأعمال الصالحة، والورع عن محارم الله".[2]
مناقشة مع صاحب الميزان
وقد يكون هذا التفسير جميلاً، في ما يوحي به من ارتكاز الخطّ العقيدي، والأخلاقي، والعملي، على قاعدة واحدة وهي التوحيد الخالص، ولكننا لا نجد في سياق الآيات ما يدل على تعيينه، كما لا نلاحظ في كلمتي الإحكام والتفصيل ما يوحي بذلك، لأنّ المفسّر الجليل، لاحظ في الآية المقابلة بين الكلمتين، فاعتبر الإحكام في مقابل التفصيل، مما يعني أن هناك شيئاً مجموعاً أريد تفصيله، وذلك من خلال تواردهما على موقع واحد.
ولكننا نستقرب تفسير كلمة الإحكام بالإتقان في ما يريده الله من عدم وجود خلل في ترتيب هذه الآيات وتنظيمها، ودلالتها على المعاني بوضوح كما يكون المراد من التفصيل ـ في ما يظهر ـ الأسلوب المبسّط الذي يعمل على توضيح الأفكار وتنويعها، بطريقة واضحة لا مجال فيها للغموض والإبهام الحاصل من الإجمال في عرض الفكرة. وبذلك تكون الآية ـ والله العالم ـ واردة في سياق التعرّض للجانب الفنيّ للآيات، من حيث الشكل المتضمن في تركيب الكلمات وتأليفها، بالمستوى الذي لا يوجد فيها أيّة ثغرة لجهة توازن الحركة الفنيّة وتكاملها، ولجهة المحتوى، الذي يتضمّن تفصيل الأفكار وتوضيحها، في ما يريد القرآن أن يبلغه للناس من أحكام ومفاهيم بالطريقة التي لا لبس فيها ولا خفاء.
وقد تكرر الحديث في القرآن عن هاتين النقطتين، للإيحاء بمدى ما يتوفّر عليه من عناصر البلاغة التي تجمع إلى جانب التماسك والدقّة في الأسلوب، الوضوح في العرض الحاصل من تفصيل الفكرة.. والله العالم بحقائق آياته.
التوحيد في خط المنهج
{ألا تعبدوا إلاّ الله} هذا هو الأساس في دعوة الرسول بما تتضمنه من معنى الربوبيّة التي تفرض العبادة، وبما تحتويه من معنى التوحيد الذي يدفع إلى الإخلاص، فإذا كان الله هو الرب الخالق المنعم، فلا بد أن تعبده المخلوقات شكراً لنعمه، واعترافاً بعظمته، وإذا كان هو الواحد الذي لا إله غيره، فلا بدّ أن تتوجّه العبادة إليه ولا تتوجه إلى غيره.
ومن خلال ذلك يلقى الإنسان النتائج الإيجابيّة في الدنيا والآخرة، على خطّ الالتزام في العقيدة والعمل، والنتائج السلبيّة على خطّ الانحراف، لما تمثّله حياة الإنسان الذي يعبد الله ـ انطلاقاً من حركة الفكر إلى حركة الالتزام ـ من خضوع لله، في خدمة الحياة وتنميتها، وتطويرها على الصورة التي يرضاها الله، في مقابل ما يمثّله سلوك الإنسان الذي يعبد الشيطان حيث تتحرّك به حياته في أجواء الفوضى والعبث والقلق والتمرّد، على كلّ قيم الحياة الكبيرة، وتلك هي قصّة العبادة الحيّة المتحرّكة على كلّ النشاطات الفكريّة والعمليّة للإنسان في الحياة التي تجعل الزمن كلّه في خدمة الله، في ما يريد النبيّ أن يدعو إليه وأن يثيره في أذهان الناس ليقرّبهم إلى الحياة من خلال قربهم إلى الله، في عمليّة إنذار بالعقاب، وبشارة بالثواب.
{إنّني لكم نذير وبشير} في ما أوحاه من رسالاته، وفي ما سنّه من شرائع أحكامه، في ما ينتظركم من خير في الدنيا والآخرة، إذا سرتم في صراطه المستقيم، وما ينتظركم من شرّ في الدنيا والآخرة، إذا انحرفتم عنه واتبعتم سبل الشيطان، وهذا هو عنوان الدعوة وطابع الرسالة، أمّا خطّ السير وحركة العمل فخطواته، {وأن استغفروا ربّكم} لينطلق الخطّ الجديد من موقع التراجع النفسيّ والعمليّ عن الخطوط المنحرفة، حيث كانت الخطى تضطرب، والأجواء ترتبك، ليلجأ الإنسان إلى الله بروحيّة النادم الذي يحسّ بالذنب بعمق، ويعيش ثقل الخطيئة بمسؤوليّة، فيطلب من الله المغفرة والرضوان في خشوع المذنب الخاطئ، ليشدّه على قلبه وفكره، إنّه يريد أن يفتح صفحة بيضاء جديدة معه، لا يفكّر معها بخطيئة، في ما يحمل من همّ المصير، {ثم توبوا إليه} بما توحيه التوبة من موقف عمليّ حاسم يؤكّد النيّة بالعمل والإرادة بالحركة، ويحوّل الإنسان إلى طاقة جديدة تتحرّك على طريق الحقّ والخير والإيمان، لتنفتح على الله في أوامره ونواهيه، بعد أن كانت تتحرّك على طريق المعصية والضلال، وبذلك كان الاستغفار يمثّل الخطوة الأولى نحو التوبة التي يعلن فيها الإنسان خضوعه لله، وخوفه منه، ومحبّته له، وطلبه العودة إليه وإلى ساحة رضوانه. أما التوبة فتمثّل الخطوة الثانية العمليّة التي يبدأ بها تأكيد الموقف على الخطّ الصحيح، وتجسيد الرغبة بالعمل في الاتجاه السليم في نطاق الالتزام بالمبادئ، والانضباط أمام الحكم الشرعيّ.
وهذا ما يجعل الإنسان موضعاً لرحمة الله، ولاستقبال فيوضاته وألطافه {يمتعكم متاعاً حسناً إلى أجل مسمّى} بما يرزقكم من نعمه، وبما ينزل عليكم من بركاته، وينشره حولكم من رحمته بإشاعة الأجواء الروحيّة التي تفتح حياتكم على الاطمئنان النفسيّ الذي يطرد من الداخل كل عوامل القلق والحيرة والضياع، على العلاقات الإنسانيّة التي تتسم بالصدق والإخلاص، وعلى الطيّبات المتنوعة، في ما تأكلون وتشربون وتتلذذون، وتحقّقون من رغائب وشهوات، وغير ذلك من نتائج الانضباط على خطّ الله ـ سبحانه ـ في دينه، وشريعته، وهداه الذي يحقّق لكم الاستقرار الماديّ والروحيّ على مستوى الأشياء الكبيرة والصغيرة في الحياة، إلى الأمد الذي حدّده الله للإنسان من عمر.
{ويؤت كلّ ذي فضل فضله} في ما قام به من عمل الخير وهجران الشرّ، وتحقيق الغايات التي أراد الله للحياة أن تصل إليها من طاعة الطائعين، وجهد المجاهدين، وهداية الضالين، ومواجهة كلّ تحدّيات الكفر والظلم والطغيان، فالله لا يضيّع عمل عامل منكم من ذكر وأنثى.
والظاهر أن المراد من الفضل، القيمة الروحيّة العمليّة الصادرة عن الإنسان المؤمن، في ما يمثّله عمله من طاعة الله ـ وليس المراد به الزيادة في ما ذكره المفسّرون ـ لأنّ الكلمة وإن كانت بحسب مدلولها اللغوي تعني ذلك، إلاّ أنّها بحسب مدلولها العرفيّ في استعمالات الناس، تعطي معنى الخير كلّه في العمل.
{وإن تولّوا} أي تتولوا عبر انسياقكم في خطّ الإعراض عن الاستجابة لنداء الله الذي يوجّهه إليكم من خلال رسوله ورسالته {فإنّي أخاف عليكم عذاب يوم كبير} لما ينتظر العاصين المنحرفين من عقاب وعذاب في ذلك اليوم الكبير في أهواله وشدائده ومواقف الناس فيه، لأنّه يوم الحساب الذي يحاسب فيه الناس على أعمالهم، إنّ خيراً فخير وإن شرّاً فشرّ، عندما يقف الناس أمام الله ويقومون لربّ العالمين، {إلى الله مرجعكم} لتجدوا عنده النتائج النهائيّة لأعمالكم الخيّرة أو الشريرة، {وهو على كلّ شيء قدير} في الدنيا والآخرة، بما يتصرّف به من شؤون عباده في الحياة والموت، والتفع والضرر، والثواب والعقاب، لأنّ الأمر كلّه بيده، فلا يملك معه أحدٌ شيء، في ما يريد وفي في ما لا يريد.
[1] - الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، مؤسّسة الاعلميّ للمطبوعات، الطبعة الأولى المحقّقة، 1411 هـ ـ 1991م، ج10، ص130.
[2] - م.س، ج10، ص130-131.