تفسير القرآن
هود / من الآية 9 إلى الآية 10

 من الآية 9 الى الآية 10
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ* وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ* إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}(9ـ11).

* * *

معاني المفردات

{أَذَقْنَا}: الذوق: مصدر: ذاق، أي تناول الشيء بالفم لإدراك الطعم، وسمى الله سبحانه إحلال اللذات بالإنسان إذاقة لسرعة زوالها، تشبيهاً بما يذاق ثم يزول. وقد يكون المراد هنا: خَبَرَ نعم الله واختبرها.

{نَزَعْنَاهَا}: النزع: قلع الشيء عن مكانه.

{لَيَئُوسٌ}: فعول من يئس، واليأس: القطع بأن الشيء المتوقع لا يكون، ونقيضه الرجاء.

{نَعْمَآءَ}: النعماء: أنعام أو نِعَمٌ أثرها على صاحبها.

{ضراء}:الحالة التي تضر، كالفقر والشدة والعذاب، وهي نقيض السراء.

{السيئات}: المراد بالسيئات بقرينة المقام : المصائب والبلايا التي يسوء الإنسان نزولها عليه.

{فخور}: فعول من فخر يفخر ، وهو الذي يكثر فخره ، بتعداد مناقب نفسه ، وهذه صفة ذم لما فيها من التكبر على من لا يجوز أن يتكبر عليه .

* * *

سلبيات الإنسان قابلة للتغيير

للإنسان خصائصه السلبية في نظر القرآن ، لوجود نقاط ضعف في شخصيته الداخلية ، تنعكس على مواقفه العملية في الخارج . وتتنوع هذه الخصائص السلبية تبعاً لتنوع نقاط الضعف ، ولكنها مهما تنوعت وامتدت في حياته ، فإنها لا تمثل خصائص لا تنفصل عن حركة الذات في وجودها ، لتكون ضريبة لازمة للإنسان في حياته ، بل هي من الخصائص القابلة للتبديل والتغيير ، بفعل التربية والممارسة والوعي المنفتح العميق .

{ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة} من الصحة والأمن والغنى والعلم وغير ذلك ، فعاشها مدة من الزمن ، يتقلب في نعمائها وينهل من لذائذها ، ويستمتع بخيراتها ، جاهلاً بأن هذه النعم إلى زوال ، لأن سنة الحياة قائمة على التغير والتبدل ، واستسلم في ظلها لأحلامه ، كما يستسلم الحالمون إلى الأجواء السحرية اللذيذة ، وجاءت المفاجأة لتطوي صفحة وتفتح أخرى ، فقد أذقناه حلاوة النعمة فترةً من الوقت {ثم نزعناها منه}، فإذا بالصحة تنقلب إلى مرض ، والأمن إلى خوف ، والغنى إلى فقر ، والعلم إلى جهل ونسيان...

فكيف كان شعوره أمام ذلك كله ؟ هل يتقبله بعقل واع منفتح ، يدرس الظاهرة الإيجابية الماضية من خلال أسبابها، ويناقش الظاهرة السلبية الحاضرة، من خلال مؤثراتها الواقعية، مما يجعله يواجه النتائج في كلتا الحالتين بعقلانيةٍ هادئةٍ تتحرك فيها حسابات الشعور من خلال حسابات العقل؟ أو أنه يواجه المسألة بالانفعال العنيف الباحث عن الأجواء المأساوية ليغيب فيها، وعن العنف المتمرّد ليتحرك فيه؟ إن النتيجة هي اختياره للجانب الثاني، لأن عنصر الانفعال أقوى لديه من عنصر العقل، {إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ} فلا يُخضع الأشياء للدراسة الواقعية ليفهم أن من الممكن للمشكلة أن تجد الحلّ، وأن الحالة الصعبة قد تتحوّل إلى حالة سهلة، وأن العسر قد يتحول إلى حالة إشراق ينطلق في أجواء الضياء. وهو لا يلجأ إلى منطق الإيمان ليعرف أن قدرة الله لا تقف عند حدّ، فلا مجال لليأس أمام قدرته، بل يبقى الأمل في خضرةٍ دائمةٍ، ونموٍّ مستمرّ، ولذلك فهو يسقط في وحول اليأس، ويتخبّط في ظلمات الكفر، فيعيش في قلب الدوّامة إلى غير قرار، هذا في الحالة الإيجابية التي تتحول إلى حالةٍ سلبيّةٍ.

* * *

الزهو المتكبر والشخصية المهتزَّة

{وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَآءَ بَعْدَ ضَرَّآءَ مَسَّتْهُ} فحصل على الصحة بعد المرض، وعلى الغنى بعد الفقر، وعلى الأمن بعد الخوف، وانطلقت الإشراقة الروحية في حياته، لتبدّد الظلمة التي عاشت في أحداقه مدةً طويلة من الزمن، فاستسلم للخير المستجد في حياته، استسلام الاسترخاء الذي يبحث عن أرضٍ يتمدّد عليها، لا عن تجربةٍ يستفيد منها، في ظواهر قابلةٍ للتغيير والتبديل...

وهكذا سيطرت عليه الغفلة، فلم ينفتح على مخاوف المستقبل، ولم يتحفظ أمام المفاجآت، {لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي} انفتحت الحياة أمامي بكل مجالاتها الواسعة، فلا انغلاق ولا ضيق، فليفتح المستقبل لي كل أبوابه، لأن موعد الشروق قادمٌ بكل امتدادات الحياة، {إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ}، ليس هو الفرح الهادىء الذي يستمتع بالنتائج الحاضرة بطريقة لا أثر فيها للبطر وللخيلاء، بل هو الفرح المتحرك بالزهو الاستعراضي المتكبّر، الذي يعمل على الإيحاء بعظمة الذات، وسحر الشخصية، كما أنه ليس الفخر الواقعي الذي يقف أمام حدود القيمة داخل حركة الحياة من حوله، بل هو الفخر المتعاظم بالمجد الضخم الذي ارتفع إليه من دون بحث عن مواقع القيمة في حركة الحياة الواقعية، وتلك هي الشخصية المهتزّة الواقعة في مهبّ الرّيح، فلا مجال لديها لأيّ استقرارٍ في الفكر والشعور والموقف، لفقدانها القاعدة الصلبة التي ترتكز عليها في انفعالها بالأحداث، وفي تأثّرها بالقضايا، وفي التزامها بالمواقف، وذلك هو سرّ الضعف في عمق هذه الشخصية القلقة غير المتوازنة.

* * *

الصابر لا يطغيه الربح ولا تصرعه الخسارة

ولكن هناك نوعاً آخر من البشر، يملك الإيمان إلى جانب العقل، والتركيز إلى جانب العلم، فهو يفهم الحياة كنوعٍ من الانفتاح والوعي والواقعية، وبذلك، فإنه يستطيع الوقوف بعيداً عن الاهتزاز ليثبت على الأرض الصلبة، المتصلة بالعمق الأعمق من قوّة الحياة في الإيمان.. وهؤلاء هم المؤمنون الصابرون، الذين انفتحوا على الصبر من خلال الإيمان، وارتبطوا بالإيمان من خلال مواقع الصبر، والتزموا بخط العمل الصالح، على أساس ذلك كله.

{إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ} ففهموا سرّ الحياة من خلال الهدوء الذي يصنعه الصبر الإيجابي في داخل الشخصية، وفي رؤيتهم أنّ الحياة بكل مظاهرها المفرحة والمحزنة، خاضعة لعوامل وأسباب طبيعية أودعها الله في سننه الكونية، فإذا جاء الخير، فإن معنى ذلك أن أسبابه متوفرة، وإذا جاء الشر كان معناه، أن الإمكانات لا تسمح بولادة الخير في الحياة وفي الإنسان، تماماً كما يجيء الليل وهو يحدّق بالنهار، أو يشرق النهار وهو يحمل في داخله تهاويل قدوم الليل، فلا مشكلة مطلقةٌ هنا، ولا حلٌّ مطلقٌ هناك. بل هناك الواقعية الصافية التي تواجه الأرباح بصبر، فلا يطغيها الربح، كما تواجه الخسائر بصبر، فلا تصرعها الخسارة، وهؤلاء هم الذين صبروا ولم يتزلزلوا، بل ثبتوا أمام المتغيّرات في الحياة، واعتبروها مسؤوليّةً محدّدةً سواء تعلقت بحياتهم الشخصية، أم بحياة الناس العامة، وهذا ما عاشوه عندما صبروا وتحمّلوا نتائج المسؤولية {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ} فجزاهم الله عن ذلك خيراً كثيراً، ورفع درجتهم عنده، لأنهم أخلصوا له العبوديّة بالقول والعمل، {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}، وتلك هي نهاية الصابرين العاملين الصالحين.