تفسير القرآن
هود / من الآية 15 إلى الآية 16

 من الآية 15 الى الآية 16
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيتــان

{مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ* أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(15ـ16).

* * *

معاني المفردات

{وَزِينَتَهَا}: الزينة: تحسين الشيء بغيره من لبسة أو حلية أو هيئة.

{نُوَفِّ}: التوفية: تأدية الحق وإيصاله إلى صاحبه بكماله.

{يُبْخَسُونَ}: البخس: نقصان الحق، أو هو نقص الأجر.

* * *

هدف الحياة

ما هدفك في الحياة؟ وما مداك في كل ما تقوم به من أعمال، أو تخطط له من مشاريع؟ إنك تعيش في هذا الوجود في نطاق المادة التي تتحرك معها، وتتحرك معك، من شهوات، وغرائز، وعلاقات، ومصالح، وما إلى ذلك، مما تشتمل عليه هذه الحياة من مفردات، فهل ما تعيش فيه هو كل همّك، فأنت مستغرق فيه إلى أعمق أعماقه، لا ترفع عينيك عنه إلى ما هو أبعد منه، ولا تدفع فكرك إلى ما هو أسمى منه، بل أنت مشدود إليه بكل حواسّك وفكرك ووجدانك، فهو نهاية المطاف لديك، إذا حصلت عليه حصلت على السعادة، وإذا لم تحصل عليه توحي لنفسك بالشقاء، وبالتعاسة، والسقوط؟ أو أن لك هدفاً أسمى من حركة الواقع حولك، فأنت تحرك الواقع من خلاله؟ وهو الغاية من وجودك في ما تفهم فيه مسألة وجودك، فالحياة ـ بالنسبة إليك ـ مرحلةٌ تسبق غاية؟

وبذلك تكون قيمتها تابعةً لقيمة الغاية، سلباً وإيجاباً، وبذلك ترتبط كل الشهوات، والغرائز، والمصالح، والعلاقات، والأوضاع، بعلاقتها بالهدف الأسمى، لجهة القرب منه، وذلك الهدف هو الله في عبوديتك له، وفي ما يجسّده العمل بطاعته من مظهرٍ حيٍّ للعبوديّة، وذلك ما تعنيه كلمة الدار الآخرة بما تواجهه فيها من نتائج على مستوى النعيم أو الجحيم.

إن هاتين الايتين توحيان للإنسان بأنه إذا حدّد ما يريده في الحياة، فإن الله سيعطيه ما يريده منها، على الطريقة التي يفكر بها على الصعيد الإيجابي أو السلبيّ.

* * *

سنَّة الله

{مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَوةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا}، بحيث كانت الحياة في دائرتها المادية، التي يتعبّد فيها الإنسان لذاته في نطاق الجسد، أو في مطامع علاقاته، هي كل همه وكل حياته، أمّا قيم الروح المرتبطة بالله بما تتضمنه من تضحياتٍ، وبعدٍ عن المادّة العمياء، فهو بعيدٌ عنها بُعد الأرض عن السماء، إن من جعل إرادته محبوسة في هذه الدائرة فإن الله سيعطيه ما يريد {نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ} أي لا ينقصون منها، بل يأخذونها كاملةً غير منقوصة، لأن الله قد ربط الأشياء بأسبابها فمن أراد شيئاً وعمل له، فإن من سنّة الله أن يحصل عليه، ولكنه لن يحصل على أكثر من ذلك.

وإذا كان هذا هو شأن الدنيا في ما يواجهه الإنسان فيها، فإن شأن الآخرة كذلك، فمن عاش لقيم الدنيا، فإنه سيتنكر لقيم الآخرة، وسيحصل على نتائج هذا التنكر في ما أعدّه الله له من عذاب {أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِى الآخرةِ إِلاَّ النَّارُ} جزاءً لما عملوه {وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ} لأنهم لم يحصلوا منه على نتيجة، فقد تركوا الدنيا كلها وجميع ما فيها من لذائذ وشهوات، وخلّفوها وراء ظهورهم ولم يبق لهم منها شيء يستفيدون منه في دارهم الجديدة، وهذا معنى الإحباط في عمقه الروحي، {وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}، لأنه لا يمثل إلا الشيء الفاقد لمعناه، الذي لا يتضمن إلا ملء الفراغ الوقتي، من دون نتائج تتجاوز اللحظات الزمنية التي يمرُّ بها، فإذا ذهبت اللحظة ذهب العمل، وهذا ما ينبغي للإنسان أن يفكر فيه عند الإقدام على أي عمل، وهو ما يستقبله من نتائج إيجابيّة تجعل له امتداداً في حسابات المستقبل.