تفسير القرآن
هود / من الآية 14 إلى الآية 27

 من الآية 14 الى الآية 27
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ* وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأشْهَادُ هَـؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالآخرةِ هُمْ كَافِرُونَ* أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ فِي الأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ* أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ* لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الآخرةِ هُمُ الأخْسَرُونَ* إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ* مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأعْمَى وَالاَْصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}(17ـ24).

* * *

معاني المفردات

{بَيِّنَةٍ}: البينة: الحجة الفاصلة بين الحق والباطل.

{يُعْرَضُونَ}: العرض: إظهار الشيء، ومعنى العرض على الله: أنهم يقفون في المقام الذي يريه العبادَ للمطالبة بالأعمال.

{الأشْهَادُ}: جمع شاهد، وهو العالِم الذي يبيّن ما عَلِمَهُ.

{عِوَجًا}: العوج: العدول عن طريق الصواب.

{وَأَخْبَتُواْ}: الإخبات: الطمأنينة، وأصله الاستواء من الخبت، وهو الأرض المستوية الواسعة فكأن الإنبات خشوع مستمر على استواء فيه.

{مَثَلاً}: المثل: قول سائر يشبه فيه حال الثاني بحال الأول.

{كَالاَْعْمَى}: العمى: عبارة عن فساد آلة الرؤية.

{وَالاَْصَمِّ}: الصمم: عبارة عن فساد آلة السمع.

* * *

مثل الفريقين المؤمن والكافر.. هل يستويان؟

في أجواء هذه الآيات، نلتقي بالساحة التي تتحرك فيها الدعوة بين الذين يتحركون إيجابياً في خط الإيمان والطاعة والانفتاح على الله، وبين الذين ينطلقون سلبياً في خط الكفر والتمرّد والتكذيب والصدّ عن سبيل الله، ثم نواجه النتائج الحاسمة في يوم القيامة، فإذا بالفريق الأول يعيش في رضى الله ورحمته ليخلد في الجنة، أما الفريق الثاني، فيعيش الخسارة الكبرى، والضياع والعذاب الأليم... وذلك في ظل أجواء مليئة بالحركة تحتوي الحاضر والمستقبل، للإيحاء بارتباط الجانب العملي بالجانب العقيدي، وامتداد أجواء الحياة الدنيا في خط الانحراف والاستقامة، إلى الحياة الآخرى، في خط الثواب والعقاب.

* * *

وضوح الإيمان

{أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ} في ما هيّأ الله له من وسائل المعرفة، بحيث يملك وضوح الرؤية في العقيدة التي تجعل إيمانه يصدر عن قناعة وثبات، {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ} أي ويتبعه شاهد يشهد له، على صحة ذلك، بالمستوى الذي لا يترك هناك مجالاً للشك، كأيّة قضيّة من القضايا التي تتأكد لدى المؤمنين من خلال الدلائل البيّنة، والشهود الموثّقين. وقد اختلف المفسرون في شخصية هذا الذي كان على بيّنة من ربه، هل هو رسول الله، أو المؤمنون الذين كانوا معه، أو جميع المؤمنين؟ واختلفوا كذلك في طبيعة هذه البينة، هل هي القرآن، أو العقل والوجدان، أو شيءٌ آخر غير ذلك؟ وكذلك في شخصية الشاهد هل هو القرآن، أو جبرئيل، أو الإمام عليّ، أو غير ذلك من الاحتمالات؟

لقد تعددت الروايات حول هذه المسألة بالشكل الذي لا يمكن الركون إليها لخلل في سند بعضها، وارتباك في مضمون بعضها الآخر، ولا نجد في هذا المجال أوثق من عدم الخوض في ذلك، لأن التفسير لا يختلف كثيراً في المعنى الأساس الذي تستهدفه الآية، فقد يكفينا من المعرفة بذلك أن نفهم من الآية المقارنة، بين من كان يعيش وضوح قضية الإيمان لديه، مما هداه الله إليه بشكلٍ قاطعٍ، فهو لا يحتاج إلى شيٍء آخر في زيادة المعرفة، ويتبعه شاهد منه يؤكد هذه الحقيقة للاخرين، سواءً كان هذا الشاهد رجلاً يملك المعرفة الكاملة للمسألة، أم كتاباً يشهد على صحة هذا الإيمان وصدقه أمام الآخرين، وبين من كان لا يعيش وضوح ذلك، لأنه لا يريد الاهتداء، ولا يخضع له، وقد نجد في كثير من الاحتمالات المذكورة في هذا المجال ما لا يتناسب مع سياق الآية. فلنجمل ما أجمله الله، ولنطلب الوضوح في ما أراده لنا من قواعده، ولنرجع علم ما أبهم علينا أمره إليه.

* * *

الله يؤاخي بين الرسالات

{وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إَمَامًا وَرَحْمَةً} في ما تمثله التوراة من قاعدة للفكر وللتشريع، أراد الله للناس أن يتمثلوها فكراً وعملاً خلال حياتهم في الفترة التي سبقت نبوّة النبي محمد(ص)، وقد أبقى الله من مفاهيمها وأحكامها في مضمون رسالته، لأن التوراة كانت ـ كما يبدو ـ أوّل كتاب سماويّ شاملٍ أنزله الله على رسله، بحيث غدا إماماً لبقيّة الكتب، لأن الله أراد أن يؤاخي بين رسالاته وكتبه في الأسس الثابتة من العقيدة والتشريع، وجعل من كل رسول امتداداً للرسول الذي سبقه، ومن كل كتاب مصدّقاً للكتاب الذي جاء بعده، أو قبله، بما يتضمّنه من وحي ينظم أمر العباد، ويهديهم به إلى سواء السبيل. وربّما كان ذكر كتاب موسى، في هذا السياق، باعتباره مؤكّداً للإيمان في كثير من تفاصيله التي تصدّق هذا الكتاب في المبدأ والتفاصيل.

{أُوْلَـئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} أي بالكتاب ـ وهو القرآن ـ المستفاد من سياق الآية، لأنهم يملكون البيّنة على هذا الإيمان. {وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزَابِ} المتمثلة في جماعات الكفر والشرك والضلال، {فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ}، لأنه لا يملك الحجة على ما يعتقده من كفره وضلاله، في ما يملك الله الحجة البالغة عليه {فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ} أي في شك {مِّنْهُ} أي من هذا الكتاب الذي أنزله الله عليك، مهما أثاروا حولك من تهاويل الشك، لأن ما تملكه من البيّنة الداخليّة والخارجيّة لا يمكن أن يقترب إليه الشكّ، {إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ} الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فلا مجال للريب فيه من أيّ طريق، {وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يُؤْمِنُونَ} لأنهم لا ينفتحون على المعرفة بمسؤولية، بل ينطلقون معها من خلال المزاج والشهوة والإحساس، ولذلك فإنهم يعيشون أجواء اللامبالاة أمام الكثير مما يطرح عليهم من دعوات وقضايا تتصل بالمصير، وتدفع بالإنسان إلى أن يعيش الجهد والمعاناة والالتزام بالخط المستقيم، انسجاماً مع المسؤولية الشاملة للإنسان أمام الله.

* * *

مدلول اللعنة الإلهية

{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} بما يوحي به الافتراء من تزييف للصورة الحقيقية التي يريد الله للحياة وللإنسان المزيد من الارتباط بها، فيسيء بذلك إلى الحياة والإنسان، وقد تقدم بعض الحديث عن هذه الفقرة في أكثر من موضعٍ من هذا التفسير، {أُوْلَـئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ} في موقف الحساب الذي يواجهون فيه نتائج أعمالهم السيّئة، وافتراءاتهم الكاذبة، {وَيَقُولُ الاَْشْهَادُ} الذين كانوا يراقبون أعمالهم، من الأنبياء والأولياء، ويستمعون إليهم في ضلالهم ويتحملون منهم ألوان الاضطهاد: {هَـؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} في ما نسبوا إليه من أقوال وحرّفوه من كتبه، وبما شرّعوه من أحكام، {أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} الذين ظلموا أنفسهم وظلموا غيرهم، لأن الظلم، بما يكشف من خلفيّات، ونوايا شرّيرة، وآفاق عدوانيّة في النفس، وفي ما يؤدّي إليه من نتائج سلبية على مستوى واقع الحياة العقيديّة والعملية، يبعد الإنسان عن ساحة رحمة الله، ويقربّه من ساحات غضبه، وذلك هو مدلول اللعنة الإلهية في كل المجالات التي يعلن فيها لعنته على أحد من خلقه.

* * *

الانحراف يضع الحواجز بين الناس وبين الله

{الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} فيمنعون الناس من الانطلاق في الخطّ المستقيم، {وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا}فيريدون لهم أن يسيروا في الخط المنحرف الأعوج على مستوى العقيدة، وعلى مستوى العمل، بما يثيرونه من الشكوك والشبهات، وبما يوجّهونه إليهم من تحديات، أو يفرضونه عليهم من ضغوط نفسيّة أو جسديّة، وهكذا يعلنون الحرب على الله في أكثر من جهة، ويساهمون بذلك في إضلال الناس وإبعادهم عن الله، فأيّة جريمة أفظع من هذه الجريمة ضد الله وضد الناس؟ إنك تمنع الخير عن نفسك عندما تمنعها عن الاستجابة للهدى، ولكنك لا تكتفي بذلك، بل تعمل على أن تمنعه عن الناس، فتسيء إلى قيمة الخير الصادر عن الله، وإلى الناس جميعاً. إنها صورة هؤلاء الذين يضعون الحواجز بين الناس وبين الله، {وَهُمْ بِالآخرةِ هُمْ كَافِرُونَ} فإن مظهر الإيمان بالآخرة هو مراقبة الله في كل موقف، والخضوع لإرادته في كل مجال، بينما يتمثل الكفر في التمرّد عليه في القول والعمل والموقف، كأمثال هؤلاء {أُولَـئِكَ لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ في الأرْضِ} لأنهم لا يملكون أيّة قوّة ذاتية بعيداً عما يريده الله لهم من القوّة، ولكن الله يمهلهم ويؤخرهم إلى أجل مسمّى، من خلال حكمته التي أودعها في الكون، وأجرى عليها سننه، في تسيير أمور الحياة على نهج معيّن. فإذا جاء الأجل الذي تنتهي إليه الفترة، فإنه يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، ولن يعجزه أحد منهم، مهما كانت قوّته.

* * *

ضلال وإضلال

{وَمَا كَانَ لَهُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ} ينصرونهم من دونه، لأن ما يزعمونه من هؤلاء الأولياء مخلوقون له، خاضعون بتكوينهم لإرادته، فلا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً إلا بالله، فكيف يملكونه لغيرهم؟ {يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ} جزاء ضلالهم وإضلالهم، فيحصدون العذاب بسبب هاتين الجريمتين، {مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ} وذلك لأن الله قد سلبهم السمع والبصر من خلال امتناعهم عن توجيه آذانهم إلى الاستماع، وعدم استفادتهم من بصرهم، وبهذا يتبين أن عدم استطاعتهم للسمع، وعدم كونهم مبصرين، لم يكن ناتجاً عن حالة العجز الذاتي عن ذلك، بل عن عجز طارىء كانوا هم السبب فيه، في ما أودعه الله في الأشياء من علاقة المسبب بالسبب، فإذا أراد الإنسان الاستماع ليسمع، كان السمع أمراً طبيعياً له، وكذلك البصر إذا أراد الإبصار، أما إذا لم يرد ذلك وأغلق أذنيه بإغلاق قلبه، أو أغلق عينيه بإغلاق معنويّ أو روحيٍّ، فإنه لا مجال لسمع أو بصر، فيكون وزان هذه الفقرة، وفق قوله تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ ءَاذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَآ} [الأعراف:179]، أو قوله تعالى: {وَقَالُواْ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِى أَصْحَابِ السَّعِيرِ* فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ} [الملك:10 ـ 11] مما يوحي بأن المسألة لا تخرج عن إطار الإرادة والاختيار عندهم.

* * *

خسران النفس ومواجهة الهلاك

{أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ} فقد واجهوا الهلاك الأبديّ بكفرهم، مما جعلهم يخسرون كل شيء بخسارتهم قضيّة المصير، وذلك هو معنى خسارة النفس، لأن الحياة في العذاب، لا تمثل حياة، بل موتاً محتوماً هو أقسى من الموت الطبيعي، الذي يمنح الإنسان الراحة السلبية لعدم الإحساس معه بالألم والعذاب، بينما لا يذوق الإنسان المعذب بالنار طعم الحياة، ولا يملك راحة الميت، كما جاء في قوله تعالى: {ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحْيَا} [الأعلى:13]، وتلك هي الخسارة العظمى، {وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} فلم يحصلوا على شيء منه، وذهب كل ما افتروه وكذبوا به على الله، أدراج الرياح، كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف، لأنه لا يملك من الحقيقة شيئاً ليبقى ببقائها، ولا يثمر لهم أيّة نتيجة، في ما استهدفوه من أطماعٍ ومكاسب.

وجاء في الميزان: «عن الفرّاء أن {لاَ جَرَمَ}: في الأصل بمعنى: لا بد ولا محالة، ثم كثرت، فحُوّلت إلى معنى القسم وصارت بمعنى «حقاً» ولهذا تجاب باللام، نحو: لا جرم لأفعلنّ كذا. انتهى»[1]. وعلى هذا فإن المعنى يأخذ معنى التأكيد بالقسم: أي حقاً إنهم في الآخرة هم الأخسرون.

أما الوجه في أنهم هم الأخسرون، فقد يكون الأساس فيه اعتقادهم بأن الحياة هي الفرصة الأخيرة للإنسان، لإنكارهم لليوم الآخر، ولهذا فإنهم لا ينتظرون أيّ عقاب على أعمالهم، فيستسلمون لشهواتهم وأطماعهم في استرخاء لذيذ، فإذا بهم يُفاجأون بعذاب ينتظرهم في الآخرة، لا يتوقعون مثله، بينما ينتظر غيرهم من العاصين العذاب، فلا تصدمهم المفاجأة، وقد يكون الأساس أن الكافرين يفقدون كل شيء في الآخرة، بينما لا يفقد العاصون الذين لا يخلّدون في النار، إذا عذبوا فيها، إلا بعضاً من فرص الآخرة. والله العالم.

* * *

بين عمى القلب وإشراقة الفكر

{إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُواْ إِلَى رَبِّهِمْ} أي استسلموا إليه وخشعت قلوبهم له، وشعروا ـ بعمق إيمانهم وصفاء وجدانهم ـ بأن الأمر كله له، وأن طاعته هي فوق كل طاعة، وأن هدف الإنسان هو تحقيق رضاه في كل شيء، فكان جزاؤهم من الله سبحانه أن أقبل عليهم برحمته، وأفاض عليهم من رضوانه، ودعاهم إلى جنته، {أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} وذلك هو الفارق بين الكافرين وبين المؤمنين في النتائج النهائية لهؤلاء وأولئك، أما مثلهم في ما توحي به صورتهم في حركة الواقع، فقد عبّرت عنه الآية الكريمة: {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالاَْعْمَى وَالأصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ} بما يعكسه الكفر من عمى القلب والروح والشعور، وما يعبّر عنه الإيمان من إشراقة الفكر والعقل والعاطفة، أو بما يمثّله الكفر من صممٍ عن نداء الله، ورفض للاستماع إليه، وما يوحي به الإيمان من انفتاح القلب على كلمات الله في كل قضايا الحياة، {هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ }لتطّلّعوا على عمق الأفكار والمواقف بنتائجها الإيجابية والسلبية، وما ينتهي إليه أمر الإنسان في عالم الرفض القبول.

ــــــــــــــــــ

(1) تفسير الميزان، ج:10، ص:183.