من الآية 25 الى الآية 31
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ* أَن لاَّ تَعْبُدُواْإِلاَّ اللَّهَ إِنِّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ* فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأْى وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ* قَالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَءاتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ* وَيا َقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَلَـكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ* وَيَا قوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ* وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} (25ـ31).
* * *
معاني المفردات
{أَرَاذِلُنَا}: الرذيل: الخسيس الحقير من كل شيء، والجمع أرذل ثم يجمع على أراذل، كقولك كلب وأكلب وأكالب، ويجوز أن يكون جمع الأرذل، فيكون مثل أكابر جمع الأكبر.
{الرَّأْي}: الرؤية، أي: رؤية العين. والرأي أيضاً: ما يراه الإنسان في الأمر، وجمعه آراء.
{بِطَارِدِ}: الطرد: الإبعاد على جهة الهوان، وتطارد الأقوال: حمل بعضها على بعض.
{تَزْدَرِى}: الازدراء: الاحتقار، افتعال من الزراية. يقال: زريت عليه إذا عبثه وآزرت به إذا قصرت به.
* * *
مع نوح في خط الدعوة
وهذه جولة جديدة مع رسالة نوح(ع)، في خط الدعوة، وحركة الحوار، ومواجهة التحدّي، حيث يريد الله أن يركز أمامنا القاعدة التي تلتقي عليها الرسالات، في أطار المسيرة الإنسانية المستوعبة لكل تطلّعات الإنسان في الحياة، مما يحتاج إلى التوفيق فيه بين رغباته الذاتية في الجانب المادي والروحي، وبين رسالية الإيمان بالله.
في أطار المسيرة الإنسانية المستوعبة لكل تطلّعات الإنسان في الحياة، مما يحتاج إلى التوفيق فيه بين رغباته الذاتية في الجانب المادي والروحي، وبين رسالية الإيمان بالله.
ثم في ما يريد الله أن يعرّفنا من طبيعة الذهنية التي كانت تتحكم بقوم نوح، فتدفعهم إلى الرفض والتمرّد والعصيان، دون الرجوع إلى قاعدة فكرية أصيلة، تناسب حجم الفكرة وما تفرضه من فكر وتأمّل ومسؤوليّة، ثم في موقف نوح الذي يمثل الأسلوب الوديع، والمواجهة القوية الحاسمة التي لا تقدم أيّة تنازلات على حساب الرسالة، ولا تتسامح في مسألة دعم المؤمنين مهما كانت الظروف، ثم في الوقفة الرسالية التي يقف فيها الرسول أمام العالم بعيداً عن كل الوضعيات الاستعراضية، ليواجهه من مواقع إنسانيته التي لا تبتعد عن الواقع في الوقت نفسه الذي تلتقي فيه الوحي، من خلال النظرة الموضوعية للحياة وللناس.
وتلك هي قصة نوح، النبي، الداعية في إيحائها الدائم الذي يمكن أن يتحرّك في مواقف الدعاة إلى الله في كل زمان ومكان، في ما تلتقي فيه صفة الدعوة بين الأنبياء وبين أتباعهم، وفي ما ينبغي لهم أن يتحركوا من خلاله على أساس وضوح القاعدة التي ينطلق منها خط الدعوة، وفي الردّ الحاسم الوديع الذي يجب أن يحكم خطّ المواجهة، وفي الحماية القويّة التي يشمل بها الداعية كل المؤمنين البسطاء الذين يتبعونه في مقابل المستكبرين المترفين الذين ينظرون إليهم باحتقار واستهزاء.
* * *
العبادة كلمة جامعة للنهج الرسالي
{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ}ليبلغهم رسالة الله في كلمات موحية حاسمة، فقال لهم: {إِنَّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} لأنذركم المصير الذي ينتظركم في الدنيا، ويواجهكم في الآخرة، نتيجة ما تمارسونه من عبادة الأوثان وما يتبعها من القيم المادية المستغرقة في الطين، وفي غرائز اللحم والدم، بعيداً عن كل المعاني الروحية السامية التي ترفع الإنسان إلى الله، فتجعل لحياته معنى يتجاوز صورتها المادية، وتثير فيها روح السموّ، وامتداد القيمة، وانفتاح الإنسانيّة على عمق الروح التي تتجاوز الذات إلى حياة الآخرين، فالعلاقة بالله ليست مجرد حالة عبادية ذاتية يرتبط فيها بالله ذاتياً، بل هي حالة روحيّة، تجعل قضية الإيمان شيئاً أساسياً في حركة الحياة، لا مجرّد حالةٍ ذهنيّةٍ تجريديةٍ، وترف فكريٍّ لا علاقة له بالحياة والإنسان على مستوى المصير.
{أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللَّهَ} لتلتقي لديكم العبادة بالخط المستقيم الذي ينبغي لها أن تسير عليه، لأن عبادة غيره لا تحمل أيّ معنىً في حساب الحقيقة، وفي ميزان القيمة، لأن كل من هو غير الله مخلوق له ومحتاجٌ إليه في كل شيء، فكيف يعبده من هو مثله في المخلوقية والحاجة؟ وقد تحدثنا سابقاً، أن العبادة تمثل الكلمة الجامعة للنهج الإلهي الرسالي الذي يتحرك فيه الإنسان انسجاماً مع إرادة الله، لأنه يمثل خط السير في كل تفريعاته ومداخله ومخارجه، ويلتقي جانب التوحيد فيها، بتوحيد الفكر والشريعة والمنهج، في كل أقوال الإنسان وأفعاله على أساس كلمة الله، فلا مجال لغيرها في ما يفكر فيه، أو في ما يشرّعه، أو ما يتحرك فيه من منهج، ولهذا اقتصر القرآن في حديثه عن رسالة نوح عليها، في الوقت الذي نعرف فيه أن هناك تفاصيل كثيرة، تتعلق بالقضايا الجزئية التي تحكم حياة الناس في ما يريده الله منهم.
* * *
لهفة الرسول
{إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ} وفي هذا التعبير بالخوف نستشعر المعنى الإنساني الذي ينطلق به الرسول، ليوحي إلى الناس أنه ليس إنساناً يفكر فيهم بطريقةٍ جامدةٍ، ورسميةٍ تتوسل المفردات القانونية في حساب الجزاء، بل هو إنسان يتحدث معهم بلغة الإحساس والشعور والعاطفة، عما يراه ـ كمثل الشمس ـ من مستقبل مؤلم للمتمردين وما سيواجهونه من العذاب الأليم في يوم القيامة، إذ يناديهم في ما يشبه اللهفة الملتاعة، ليرجعوا عن غيّهم وكفرهم لئلا يلاقوا العذاب الشديد. ومن خلال ذلك نفهم ما على الداعية أن يعيشه من تفاعل مع مشاكل الآخرين، ليعتبر الانحراف لديهم مشكلةً ترتبط بإحساسه تجاههم، ليتحسسوا العاطفة في كلماته، وتعبيراته، ونظرات عينيه، ونبضات قلبه ووجهه، وذلك هو خط سير الأنبياء، مما يجب أن تتحرك البشريّة معه في طريقها الطويل، وتلك هي دعوة نوح للنبي(ع) لقومه، فكيف أجابوه؟
* * *
الفهم الخاطىء للنبوة
{فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مِّثْلَنَا} فكيف يمكن أن تكون نبيّاً، في ما توحي به النبوّة من سرّ الغيب الذي لا بد أن يكون الحامل له شخصاً غيبياً كالملائكة، ويعود هذا الفهم الخاطىء للنبوة لديهم إلى عدم وعيهم لدور النبيّ في حياة الناس، الذي يفرض أن يكون النبي من البشر لا من غيرهم، ليتفاعلوا معه من موقع التكوين الذهني والحسّي المشترك.
{وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلاَّ الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرَّأْى} وهذه هي نقطة الضعف التي يعتبرونها أساس امتناعهم عن اتباع نوحٍ، لأن النخبة التي تمثل طليعة المجتمع لم تكن ضمن الجماعة المؤمنة به، فإيمان النخبة به، في ما لو حصل، يشكل سبباً في انسجامهم معه، واتباعهم لرسالته، وذلك لما للنخبة ـ في اعتبارهم ـ من عمق في الفكر، وامتداد في حساب العقل، والقوة، والمستوى الاجتماعي، ولكن المحيطين به كانوا من الجماعة المرذولة، التي تمثّل الطبقة السفلى في المجتمع من جهة الذهنية والامتيازات والثروة الاقتصادية، وهم من الفقراء والمساكين، ولم يأت إيمان هؤلاء عن تأمّل أو تفكير، بل جاء انفعالياً سطحياً سريعاً، لرغبة في الحصول على موقعٍ، أو لضعف في الفكر، وهذا ما تمثله كلمة: {بَادِىَ الرَّأْى}أي قبل التأمل، وهو الرأي الذي يبدو للذهن لأوّل وهلة، كخاطرةٍ سريعةٍ طارئةٍ.
إنه المفهوم الخاطىء في تقييم الأشخاص باعتبار مستواهم الاجتماعي والاقتصادي أساساً للتقدير، بدلاً من المستوى الروحي والفكري، كما أنّ هناك انحرافاً في تحديد القاعدة التي يرتكز عليها الإيمان، فإن الأساس فيه هو التفكير في طبيعة مضمون الدعوة الموجّهة إلى الناس، للحكم على ما تشتمل عليه من عناصر الخطأ والصواب، لا التطلع إلى طبيعة الأشخاص الذين يؤمنون بتلك الدعوة، فالعقيدة لا بد أن تخضع للمعاناة الفكرية الذاتية، لا للتقليد والمحاكاة للاخرين.
{وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ} وهذا هو الأمر الثالث الذي يرونه مانعاً من اتّباعه، فهم يرون الإيمان بالرسالة امتيازاً اجتماعياً يقدّمه المؤمنون للداعية، أو للرسول، لتبوّئه مركز القيادة للمجتمع، فلا بد من أن يكون له بعض التميّز في المستوى الاجتماعي، لجهة امتلاك الجاه، أو المال، أو القوة، أو غير ذلك، ليتقبل الناس الخضوع له من موقع القيمة الطبقية التي يتمتع بها، بينما لا يمتلك نوح والمؤمنون معه، شيئاً من تلك الفضائل يصلح أساساً لاتباعهم، {بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ} لأنكم لا تملكون قاعدة «صدق» تتأسس على مستوى اجتماعيّ أو موقع ماليّ وغير ذلك، لذلك ليست دعوتكم سوى وسيلة من وسائل الحصول على النفوذ الذي تفقدونه، لا الإيمان الذي تعتقدونه.
* * *
كشف الخطأ
فماذا كان جواب نوح؟
{قَالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَءاتَانِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ}، وهو هنا يناقش ما استبعدوه من فكرة النبوّة للبشر، ليؤكد أن مثل هذه الأمور لا تخضع لمثل هذه الطريقة في التفكير، بل تخضع لقيمة الدلائل والبراهين التي يرتكز عليها الرسول، في ما يقدّمه منها. فهو يقول لهم: هذا ما أريد أن أثيره أمامكم، فإني أملك من البينات الواضحة على الإيمان برسالتي ما أقتنع به مصدّقاً بأني رسولٌ من الله إليكم، فقد أعطاني الله البيّنة على ذلك وأتاني رحمة من عنده بما أفاضه عليَّ من موقع الرسالة، ووضوح الرؤية للأشياء، الأمر الذي يجعلني في موقع القوّة، في ما أؤمن به وأدعو إليه، وما المانع من أن يكون البشر رسولا، ما دامت مسؤولية الرسول لا تمثل حركةً في الغيب، بل هي حركةٌ في الواقع، خاضعة للخصائص التي يملكها العاملون في ساحته؟! وماذا أفعل لكم إذا كنتم خاضعين للفكرة الخاطئة التي ورثتموها عن آبائكم، فمنعتكم عن التفكير المستقل الأصيل، لما يُطرح عليكم من بيّنات وبراهين؟! {فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ} كنتيجة للجوّ الفكري والنفسي الخانق الذي خضعتم له، فحجب عنكم وضوح الرؤية للأشياء، {أنلزمكموهَا} ونفرضها عليكم، إذا لم تفرضوها على أنفسكم من موقع القناعة والإيمان الصادر عن التأمّل والتفكير، {وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ} مما يُبعدكم عن الانفتاح على الفكر الذي يقدّم إليكم، بعمق وواقعية وتدبُّر.
{وَيَقَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالاً} فلم أطرح عليكم تقديم أي امتياز مالي شخصي لي كأجرٍ على الرسالة، لتفسروا الموقف على أساس الطمع في مكاسب وأرباح يبحث عنها الآخرون في مواقف مماثلة.
{إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ}، فهو الذي حمّلني مسؤولية الرسالة، وهو الذي وعدني الأجر من عنده، في ما أعدّه لرسله ولأوليائه المجاهدين من ثواب عظيم، يدفع الدعاة العاملين في سبيله إلى التضحية والعطاء بلا مقابل دنيوي، {وَمَآ أَنَاْ بِطَارِدِ الَّذِينَ ءامَنُواْ} استجابة لما تطرحونه من طلب استبعادهم عن ساحة الرسالة في الحياة، كأساس لتفكيركم بالإيمان بها، لأني لا أملك أمرهم، كما لا أملك أمر تقييم ما في نفوسهم وصدق إيمانهم من خلال الأسس التي ترتكزون عليها في الحكم على الأشياء والأشخاص، أو من خلال الاتهامات التي تثيرونها حول مواقعهم، كما أنكم لا تملكون موقع الحكم عليهم، {إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} ليواجهوا النتيجة الحاسمة لموقفهم، فهو العالم بخفايا الناس بما تختزنه من صدق الإيمان، وجدّية المواقف، {وَلَـكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ} في طريقتكم في التحدّي، وأسلوبكم في التقييم والحكم على الواقع.
{وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ} فهم عباد الله الذي آمنوا برسالته، وجاهدوا في سبيل ذلك، فاستطاعوا الحصول بجهادهم على محبة الله ورضاه، كمظهر من مظاهر القرب منه فكيف أطردهم، وهم أحباء الله، وأولياؤه، وهل تنصرونني من الله، إن أنا طردتهم تحت تأثير إلحاحكم عليّ في ذلك؟ إنّ الله يعاقبني على هذا الموقف، لأنه لا يرضى من رسله الإساءة إلى عباده المؤمنين، بل يريد لهم أن يقوموا بنصرتهم ورعايتهم وحمايتهم من كل عدوٍّ أو حاقد.
{أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ}، وتعرفون مواقع الأمور في مواردها ومصادرها، ونتائجها الإيجابية والسلبيّة.
{وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللَّهِ} لأدعوكم إلى الإيمان من خلال التأثير النفسي المعنوي أو المادي، الذي يضغط على أفكاركم، لتؤمنوا بي، وعلى مواقفكم لتسيروا معي، {وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ} لأجعل من ذلك أساساً للدخول إلى قناعاتكم من خلال ما يمثّله ذاك العلم من قوّة ذاتية أمام الآخرين، لاتصاله بالعوالم الغيبية التي تجعله محيطاً بخفايا الحاضر والمستقبل وبما تضمره النفوس، أو في ما تشتمل عليه قضايا الواقع، فليس من مهمة الرسول أن يكشف للناس الخفايا من خلال النبوءات، بل كل مهمته كشف الواقع من خلال الخطط والأعمال، {وَلاَ أَقُولُ إِنِّى مَلَكٌ} لأجاريكم في اعتقادكم: بفكرة المنافاة بين البشرية والرسالة، وضرورة أن يكون النبيّ ملكاً من الملائكة ليكون أكثر اتصالاً بالغيب، فيصبح أكثر انسجاماً مع النبوّة التي هي حالةً غيبيّة، { وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِين تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ} من المؤمنين الفقراء والمساكين {لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا }لأنهم لا يملكون موازين القيمة بحيث ينالون عندكم ما تقدمونه للاخرين من خير على أساسها، {اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ} من الإيمان والصدق والإخلاص لله، وللحياة، والإنسان، والله يعطيهم الامتياز والموقع اللائق بهم، والدرجة التي يستحقونها على أساس عملهم الصالح، {إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ} إذا فعلت ذلك أكون ظالماً لهؤلاء في الحكم عليهم بغير الحق، وفي إذلالهم وإسقاطهم من الموقع الكبير الذي أراد الله لي وللمؤمنين أن أضعهم فيه، في ما يفرضه إيمانهم وعملهم.
تفسير القرآن