تفسير القرآن
هود / من الآية 32 إلى الآية 35

 من الآية 32 الى الآية 35
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{قَالُواْ يا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ* قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ* وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَاْ بَرِىءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ} (32ـ35).

* * *

معاني المفردات

{جَادَلْتَنَا}: الجدال، والمجادلة: المقابلة بما يفتل الخصم من مذهبه بحجة أو شبهة.

والفرق بين الحجاج والجدال، أن المطلوب بالحجاج ظهور الحجة، والمطلوب بالجدال الرجوع عن المذهب.

{بِمُعْجِزِينَ}: الإعجاز: هو الفوت بالهرب.

{نُصْحِى}: تحرّي فعل أو قول فيه صلاح صاحبه، ونصحت له الود: أي أخلصته.

{يُغْوِيَكُمْ}: الإغواء بمعنى الإهلاك، فالمعنى: يريد أن يهلككم.

{افْتَرَيْتُهُ}: الفرق بين افتراء الكذب وقول الكذب، أن قول الكذب قد يكون على وجه تقليد الإنسان فيه لغيره، وأما افتراء الكذب فهو افتعاله من قبل نفسه.

* * *

قوم نوح يطالبونه بإنزال العذاب

... وجاء جوابهم انفعالياً لا يحمل أيّة مناقشة لما طرحه عليهم من أفكار، بل هو التشنّج والهروب من الموقف...

{قَالُواْ يا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا} ولا نملك أي جواب لما تقول، ولسنا مستعدين للدخول معك في حوار، لأننا لا نريد أن نؤمن بك وبرسالتك مهما اعتمدت من أساليب وقدمت من أفكار، فإذا كان لك ما تهددنا به في إنذارك لنا،{فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَآ} من العذاب الأليم، {إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} وهذا مظهر تحدّيهم لنوحٍ، لاعتقادهم أنه غير قادر على ردّ التحدّي بمثله.

* * *

المنطق الهادىء للأنبياء

ولكن الأنبياء لا يواجهون التحدّي بانفعال، أو بإحباط، لأنهم لا ينطلقون من موقع ذاتي، بل يعتبرون أنفسهم مجرّد رسل يبلغون الناس ما يأمرهم الله به، فإذا واجههم الناس بالتمرُّد والتحدّي فإنهم يرفعون الأمر إلى الله، لأنه موجّهٌ إليه قبل أن يكون موجّهاً إليهم، لذا كان جواب نوح صورة للموقف الرسالي الهادىء الذي لا تزلزله التحديات.

{قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِن شَآءَ} لأن الله هو الذي يملك أمر إنزال العذاب بكم من مواقع قدرته، ومنه يصدر الإنذار، ولست إلا مبلِّغاً لما أرسلني به، وقد قدّر بمشيئته التي خضعت لها الأشياء أن لكل شيء وقته، فما مدى قدرتكم حتى تطلقوا التحدي بمثل هذه الطريقة الاستعراضية؟ وما وعيكم لقدرة الله على عباده التي جربتموها في ما مرّ بكم من مصائب وأهوال، وما تشاهدونه من حوادث الموت والفناء في الحياة؟! {وَمآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ} لأنكم لا تملكون الهرب من قضاء الله وقدره، ولا تستطيعون الوقوف أمام عذاب الله في أيّ وقتٍ جاءكم، وفي أيّ مكان.

{وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ} في ما أستخدمه من ترغيبٍ وترهيب يدفعني إليه ما أحبه لكم من النجاة والنجاح، {إِن كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ} من خلال زيادة غوايتكم لأنفسكم بالجحود والتمرد، وبالتهرب من حوار الفكر والإيمان، مما يجعل من الغواية عن طريق الرشد نتيجةً طبيعيةً لذلك، في ما ربط الله به الأشياء بأسبابها، فإن الله جعل للرشد سبباً، وللغواية سبباً، إذا أخذ الناس به كانت إرادة الله في حصوله بالسببّ، وهذا هو تفسير نسبة إرادة الغواية إلى الله، {هُوَ رَبُّكُمْ} القادر على تغيير ما أنتم فيه بسبب غير طبيعي، ولكن حكمته اقتضت أن تخضع الحياة في كل شيء لسننه الطبيعية التي أودعها في الكون، ليتحرك الناس من موقع الإرادة والاختيار، لا من موقع القهر والإجبار، {وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} فيحاسبكم على ما قدمتم من الأعمال السيئة في طريق الغواية والضلال.

{أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} ويصرّون على اتهامه بذلك على الرغم من براهين الصدق التي قدمها إليهم، كأسلوبٍ من أساليب التجريح والتشويه لموقفه. ولكن نوحاً لا يخضع لذلك، بل يبقى في هدوء الروح الرساليّ، وصفاء الفكر، {قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي} ولا شأن لكم في ما أتحمّله من مسؤولية إزاء ذلك، إن أراد الله أن يعذبني عليه، ولكني أعرف من صدق الدعوة، وسلامة الموقف في نفسي ما يجعلني بعيداً عن ذلك، وما يدفعني إلى الثقة بالرسالة بالمستوى الذي يبعدني عن موقع ردّ الفعل الذي أردتم وقوعي فيه. {وَأَنَاْ بَرِىءٌ مِّمَّا تُجْرَمُونَ} كما أني لا أتحمل مسؤولية كفركم وتمردكم، لأنني أقمت عليكم الحجة، ولم أقصِّر في الدعوة والتبليغ، وبقي عليكم تحمّل مسؤولية عملكم لأن الله جعل مسؤولية الجزاء فرديّة، يتحمل على أساسها كل إنسان عمله، إن خيراً فخير وإن شراً فشرّ.

ذلك هو منطق الأنبياء الهادىء الذي يطرح الفكرة بقوّةٍ، ويواجه الموقف بحسمٍ،ٍ ويرد التحدي بعقلٍ هادىء، وفكرٍ منفتحٍ، وهو ما ينبغي للدعاة إلى الله أن يستوحوه ويسيروا على هداه في كل زمان ومكان.