من الآية 40 الى الآية 44
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{حَتَّى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ ءَامَنَ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ* وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ* وَهِىَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يا َبُنَيَّ ارْكَبَ مَّعَنَا وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ* قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَآءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ* وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ وَيَا سَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَآءُ وَقُضِيَ الأمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (40ـ44).
معاني المفردات
{وَفَارَ}: الفور: الغليان وأصله الارتفاع.
{التَّنُّورُ}: تنور الخبز: وهو مما اتفقت عليه اللغتان الفارسية والعربية، ويحتمل اللفظ أن يكون كناية عن اشتداد غضب الله تعالى وقيل إن المراد به وجه الأرض.
{مَجْرَاهَا}: مجراها: من الجري، وهو السير.
{وَمُرْسَاهَا}: من الإرساء وهو الثبوت، أي بسم الله مسيرها وثبوتها
{مَعْزِلٍ}: المعزل: مكان عزلة وانفراد.
{أَقْلِعِي}: أي أمسكي عن المطر.
{وَغِيضَ الْمَآءُ}: أي غار في الأرض.
{الْجُوديِّ}: جبل في الموصل كما قيل.
* * *
السفينة أُعدت للانطلاق.. وكان الطوفان
وتم صنع السفينة، وأُعدّت للانطلاق، واستكمل نوحٌ عمله الذي أمره به الله {حَتَّى إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ}أي وارتفع التنور وتفجّر، والمراد به على وجه الأرض ـ كما قيل ـ وهناك أقوال أخرى ـ ويمكن أن يكون ذلك على وجه الكناية تشبيهاً لفوران الماء من الأرض بفوران النار وارتفاع اللهب من التنور. وامتد الماء من الأرض، وأصبحت السفينة صالحة للانطلاق، {قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ} أي ذكراً وأنثى من الحيوان مما يستطيع حمله، {وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ} واحمل أهلك معك جميعاً إلا من حكم الله عليه بالهلاك، {وَمَنْ ءَامَنَ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ} فهؤلاء من كتب لهم النجاة مع نوح، أما الآخرون فقد كان حقّ عليهم القول بالغرق والهلاك.
{وَقَالَ ارْكَبُواْ فِيهَا}؛ قالها لكل الذين أمره الله بحملهم معه، وابتدأ خطّ السير بــ{بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا} فهي تجري باسمه وبإرادته وبقدرته، وترسي وتقف باسمه وبإرادته وبقدرته، {إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ} فهو الذي يغفر لنا ذنوبنا التي أسلفناها بلطفه الإلهي، وهو الذي يرحمنا في ما ننتظره من رحمة الله في كل أمورنا المستقبلية.
* * *
الولـد العـاق
{وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِى مَوْجٍ كَالْجِبَالِ} وسارت السفينة بهم وارتفع الموج حتى كاد أن يصبح كالجبال في علوّها، وأيقن الجميع هلاكهم عندما أخذ كل شيء يغرق. وأسرع الكثيرون يطلبون الهرب، ومن بينهم ابن نوح الذي كان قد تمرّد على أبيه، فلم يؤمن بدعوته، وعاش مع قومه تحت تأثير أمه، في حركة الكفر، حتى إذا جاء أمر الله لم يصعد إلى السفينة مع مَنْ صعد، فنظر إليه نوح وناداه {وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ} فقد اعتزل أباه {يَا بُنيَّ ارْكَبَ مَّعَنَا} فهذا هو سبيل النجاة الوحيد، {وَلاَ تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ} الذين سينتهي أمرهم إلى الهلاك.
ولكن هذا الولد الضال العاقّ لم يلتفت إلى نداء أبيه، لأنه يعيش التمرُّد ضد رسالته، أوّلاً، ولأنه لم يعرف طبيعة هذا الطوفان، ثانياً، {قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَآءِ} ظناً منه بأنه سينجو، لأن ارتفاع الماء إلى أعالي الجبل ليس أمراً طبيعياً، {قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ} لأن القضية أبعد من الوضع الطبيعي المعتاد لصورة الفيضان عند الناس، فالمسألة مسألة غضب الله الذي أراد تدمير كل مظاهر الحياة الكافرة للبشرية، على الأرض، {وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ} وأبوه ينظر إليه في حسرة ولهفة، ولكنها ليست حسرة الأب الذي يفقد ولده في الدنيا، بل هي حسرة الأب الذي يفقده في الدنيا والآخرة.
* * *
نهاية تاريخ
وانتهى كل شيء بإرادة الله وقدرته، ولم يبق إلا المؤمنون الذين بدأ بهم تاريخ الجيل الثاني للبشرية، {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ} لتختزنها عيوناً تتفجر في المستقبل، {وَيَا سَمَآءُ أَقْلِعِى}، وكفّي عن هطول الأمطار التي أغرقت الأرض. {وَغِيضَ الْمَآءُ} وغار في أعماق الأرض، فلم يبق منه إلا ما كان فيها ـ قبل ذلك ـ من أنهار وعيون، {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} فوقفت السفينة واستقرّت على جبل الجودي، وهو جبل بالموصل ـ في ما قيل ـ،{وَقِيلَ بُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} الذين أبعدهم الله عن رحمته بكفرهم، وضلالهم، وتمرّدهم، على الرُّسل والرسالات.
تفسير القرآن