تفسير القرآن
هود / من الآية 45 إلى الآية 49

 من الآية 45 الى الآية 49
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ* قَالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلاَ تَسْأَلْنِـي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ* قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ* قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ* تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِين}(45ـ49).

* * *

القرابة للرسالة لا للنسب

... ويقيت لدى نوح ـ النبي ـ الإنسان، مسألةٌ يريد أن يعرف أبعادها، هي موضوع ولده، فقد وعده الله أن ينقذ أهله، وولده من أهله، فكيف غرق؟ هذا ما أبهم أمره عليه، فواجه ربه بالسؤال، في خشوع واستعطاف.

{وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ} في ما وعدتني أن تنقذ أهلي عندما أمرتني أن أحملهم، وهو منهم، ولكن ذلك لم يحدث {وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ} فلا يصدر عنك شيء إلا لحكمة لا يدركها أحدٌ غيرك.

{قَالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ} الذين أمرتك بحملهم معك، وتعهدت لك بإنقاذهم، {إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ} أما أهلك فهم الصالحون السائرون على طريقك، لأنهم هم الذين يرثون الأرض ليصلحوها، أمّا غير الصالحين فلا فرق بينهم وبين الآخرين من الكافرين، ولا يمكن أن تطلب مني أن أقرّبهم إليّ لقربهم منك، فلا فرق عندي بين عبادي جميعاً، لأنهم يتساوون أمامي في الخلق، فأقربهم إليّ أقربهم إلى خط الرسالات، وأبعدهم عني أبعدهم عنه.

وهكذا تتحدد القرابة لا على أساس ما تربطه العاطفة النسبيّة بالرسول، بل الأساس هو العلاقة الرسالية. وكان الأمر في بدايته واضحاً عند المراجعة والتأمّل، فالوعد بحمل أهلك كان مختصاً بغير من سبق عليه القول بالهلاك، وقد كان ولدك منهم، فلا تستسلم للعاطفة في انفعالاتك، {فَلاَ تَسْأَلْنِـي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ}، ولعل المراد من هذا التعبير الكناية عن عدم كونه حقّاً لتعرف عنه ذلك باعتبار أن الباطل لا أساس له، ليتعلق به العلم، وربما كان المقصود به الكناية عن الفعل الإلهيّ الذي يخفى سرُّه عن الناس، أي: فلا تسأل ما لا تستطيع معرفته، وقد فسّره الكثيرون بأنه يتعلق بنجاة ابنه، وهو غير واضح من سياق اللفظ {إِنِّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} الذين لا ينطلقون في رغباتهم من الخط الصحيح الذي يتناسب مع خط الحق المرتبط بالإيمان، لأن ذلك يعبر عن جهل في شخصية الإنسان، بينما ينطلق العالمون بحقائق الأشياء وفق ارتباط رغباتهم بالحق، لأن الإيمان يمثل الانسجام بين الفكر والرغبة، كيلا يعيش المؤمن الازدواجيّة بين ما يفكر فيه، وبين ما يشتهيه ويطلبه.

{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ} مما لا يتفق مع الحق، لأن إيماني بك يفرض عليّ أن أريد ما تريده، وأرفض ما ترفضه في كل شيء، وأنت المسدّد لي في ذلك كله، وأنت الهادي إلى طريق الصواب، فأجرني من الانحراف، واعصمني من كل ما لا يلتقي مع إرادتك، {وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي} في ما تعبّر عنه العبوديّة لله من خشوع واستكانة، تتمثل بطلب المغفرة والرحمة، وإن لم يكن هناك ذنب، لأن الكلمة أصبحت تعبيراً عن المضمون الروحي الخاشع أمام الله، أكثر مما هي تعبير عن مضمونها اللغوي، {أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ} لأن الخسارة العظمى هي فقدان رحمة الله ومغفرته التي تمثل البعد عن مصدر القوّة الذي يمد الإنسان بالثبات والحياة.

* * *

بين العصمة والعاطفة النبوية

وقد يتساءل المتسائل عن مدى انسجام هذه الآيات في مدلولها مع عصمة الأنبياء، فكيف يمكن لنوح ـ النبيّ ـ الذي وقف أمام كل تحديات الانحراف الكافر، من كل القوى الشرّيرة، طوال هذا العمر المديد الذي يقارب الألف سنة، كيف يمكن له أن يعيش لحظة الضعف أمام عاطفة الأبوة، ليقف بين يدي الله، طالباً إنقاذ ولده الكافر، من بين كل الكافرين، وكيف يخاطبه الله بهذا الأسلوب الذي يقطر توبيخاً وتأنيباً، ويتراجع نوح مستغفراً طالباً الرحمة كيلا يكون من الخاسرين؟؟!

ويمكن لنا أن نجيب عن ذلك، أن المسألة ليست مسألة عاطفة تتمرّد، ولكنها عاطفة تأمل وتساؤل، فربما كان نوح يأمل أن يهدي الله ولده في المستقبل، وربما كان يجد في وعد الله له بإنقاذ أهله ما يدعم هذا الأمل، لأنه من أهله، ولم يلتفت إلى كلمة {إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ }لأنها لم تكن واضحةً. وهكذا كان منسجماً مع خط الإيمان عندما نادى نداء المتوسل المستفهم، وكان الرّد الإلهيّ منسجماً مع ما أراده الله له من العصمة، كأسلوب من أساليب تربية الله لأنبيائه ليمنع عنهم الانحراف العاطفيّ، قبل حدوثه، إذا ما كانت الأجواء جاهزةً لذلك، لولا لطف الله بهم، وقد تكون الشدّة في الردّ لوناً من ألوان التأكيد على ذلك.

وكان الانسجام النبويّ مع خط التربية الإلهيّ رائعاً في التعبير عن روحية الخضوع والخشوع بالكلمات المستغفرة المسترحمة الخائفة من الخسران، خشية أن يكون في هذه الحالة المستفهمة المتأمّلة بعضاً من ذنب، وإن لم يكن ذنباً، أو بعضاً من تمرُّد، وإن لم تكن كذلك، ومن الطبيعي ألاّ يبتعد ذلك عن خطّ النبوّة المستقيم الذي عاش العمر كله جهاداً في سبيل الدعوة إلى الله، تحت رعاية الله، ووقف الان في خط الاستقامة محاولاً إخضاع كل عواطفه لروحيتها بتوفيق الله وبرحمته.

* * *

مهبط السلام

{قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ} فقد منحه الله نعمة السلام الروحيّ المتمثل في الطمأنينة النفسية التي تشيع في داخله، والسلام الإلهيّ الذي يتمثل في رحمة الله المرفرفة حوله. كما أعطاه نعمة البركات الفيّاضة التي تجعل منه عنصر خير ونفع للناس وللحياة من حوله، {وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ} أي واهبط أنت وأمم معك بسلام منا وبركات، لأنهم اتبعوك وآمنوا بك، وشاركوك في خط جهادك الطويل، فكان لهم من الخير والثواب ما كان لك، {وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ} وهذه جملة مستأنفةً تشير إلى أن المستقبل سيتمخّض عن أممٍ أخرى لا تؤمن بك وبالرسالات والرسل من بعدك، بل تتحرك في خط الكفر والضلال والعصيان، وسنمتّعهم ما امتدت بهم الحياة التي قدّرناها لهم، ولكنهم لن يفلتوا من العقاب، مهما امتدّ بهم العمر، وأقبلت عليهم الحياة، بل سيواجهون نتائج المسؤولية وجهاً لوجه يوم القيامة {ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}.

* * *

تلك من أنبـاء الغيب

{تِلْكَ مِنْ أَنْبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَآ إِلَيْكَ} في ما نكشفه لك من غيب التاريخ الذي لم تحضره، ولم يحضره أحدٌ معك، {مَا كُنتَ تَعْلَمُهَآ أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ} لأنها لم تنقل إليكم في كتاب، أو في رواية شاهد من الناس، {مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} فإن لك في الصبر على ما تلاقيه من قومك وفي الامتداد في خط الدعوة دون تراجعٍ، مما توحيه التقوى التي تستمد القوّة والثبات في الموقف من الله كل خير وعاقبة طيبة، تماماً كما حصل عليها نوح وقومه، في ما اتقوا الله وأطاعوه.