من الآية 50 الى الآية 56
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ* يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلاَ تَعْقِلُونَ* وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ* قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ* إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِي أُشْهِدُ اللَّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ* مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ* إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى للَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (50ـ56).
* * *
معاني المفردات
{فَطَرَنِى}: فطر الشيء فطراً: أي شقه، فظهر ما فيه. ومنه: فطر الله الخَلْقَ، أي: خلقهم، فهو فاطر السماوات والأرض، أي: خالقها.
{مِّدْرَاراً}: مبالغة في الدر، وهو القطر المتتابع غير المفسد.
{اعْتَرَاكَ}: أصابك.
{بِنَاصِيَتِهَآ}: الناصية: قصاص الشعر وأعلى الجبهة، والمراد بأخذها هنا: ملك الأمر كله.
* * *
هود يدعو قومه
وهذا نبيٌّ آخر جاء بعد تلك الفترة التي أعقبت فترة نوح، حسب الترتيب القرآني في ذكر الأنبياء، وهو هود المبعوث إلى قوم عاد الذين كانوا يملكون من القوّة البدنية، ما أصبح ميزةً لهم على الآخرين حتى قيل ـ في حديث قصص الأنبياء ـ أنهم من العمالقة، وكانت قضية الشرك والتوحيد في العقيدة والعبادة هي القضية التي بدأ بها رسالته، باعتبارها العنوان الشامل لكل تفاصيل الفكر والعمل ومفرداتهما.
{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} فقد كان منهم في العشيرة، {قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ} فهي الحقيقة الفكرية والعملية التي تتمحور حولها كل حقائق الحركة الإنسانية في الحياة، وتوجّه كل خطواتها إلى الطريق المستقيم، {إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ} وكاذبون في ما تدّعونه وتعبدونه من أوثان، وفي ما تتخذونه لكم من شرائع وأحكام، بعيداً عن نهج الله وشريعته.
{يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا} لأني لست تاجر مبادىء ورسالات يستغلّها في سبيل تحقيق الربح، والحصول على الثمن من أتباعه، فلا أريد منكم أيّ امتياز ماديٍّ ومعنويٍّ، لأن الرساليين الذين يعيشون حياتهم للرسالة لا يبتغون منها عوضاً، بل قد يفكرون بالتضحية بالمال وبالجاه إذا احتاجت حركة الرسالة لذلك، لأن الهمّ الكبير لديهم هو رضوان الله وثوابه، {إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي} وخلقني من عدم، فله الفضل عليّ في نعمة الوجود كله. ولهذا فإن الدعوة إلى عبادته، ورفض ما عداه، يمثل الوجه المشرق لعمليّة الشكر الإنساني بين يدي الله، بالإضافة إلى أنه الوجه الأصيل للحقيقة الكونية والعملية في الحياة، {أَفَلاَ تَعْقِلُونَ} وتناقشون المسألة من موقع الفكر، لا من موقع الغريزة، لتعرفوا طبيعة القاعدة التي ترتكز عليها حياتكم، وطبيعة الرسول الذي يدعوكم إلى الانطلاق في خط الله.
{وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} فقد انحرفتم كثيراً عن طريقه، وتمرّدتم على إرادته، وعصيتم أحكامه، مما يستتبع الابتعاد عن ساحة رحمته، والوقوع في ساحة غضبه، فارجعوا إليه في وقفة استغفار، ليغفر لكم ذنوبكم إذا عرف منكم صدق النيّة، وإخلاص الموقف، وتوبوا إليه توبةً نصوحاً تعلن الندم عما مضى، وتقرّر التغيير في ما يأتي، فهو وليّ الإنسان والحياة، فمنه قوّته، ومنه نعمته، ومنه قبل ذلك كله، سرّ حياته، فلا يستطيع الإنسان الانفصال عنه، بل لا بد من الرجوع إليه في كل الأمور، فإذا كنتم تريدون زيادة القوّة، لتواجهوا كل تحديات الآخرين من حولكم بشكل أقوى، وإذا كنتم تريدون خصب الأرض التي تسكنونها، ووفرة الماء الذي تشربونه، فارجعوا إليه، بخشوع وخضوع، {يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُمْ مِّدْرَاراً} في هطول متتابع، فيحيي زرعكم وأنعامكم، {وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ} لأنه خالق القوة كلها، فمنه وجودها ومنه حركتها ونموّها، {وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} أي لا تُعرضوا عن هذه الدعوة، وعن الله، لتسيروا في خط الجريمة في العقيدة وفي السلوك.
* * *
بين التوبة وزيادة القوة
وقد يطرح البعض سؤالاً حول هذا التلازم بين التوبة، وزيادة القوة، وهطول المطر، في الوقت الذي نعرف فيه أن الله قد أجرى لكل شيء سبباً، فقدّر لزيادة القوّة شروطاً لا بد من تحققها، وجعل للمطر أسباباً لا بدّ من حصولها.
وقد يجاب عنه، بأن هذا لا يمنع من وجود المعجزات، فلعلّ المسألة في الآية خاضعةٌ لهذا الأساس، ويمكن أن تكون الغاية من ذلك الإيحاء النفسي لهم بأن الله هو مصدر النعم، فإذا انحرفوا عن طاعته، فإن النعمة تكون مهدّدة بالزوال، في ما يمكن أن يحقّقه من أسباب زوالها بطريقة بأخرى، فيمنع عنهم قطر السماء، ويضعف قوّتهم، وإذا أقبلوا عليه ورجعوا إليه فإنه يهيء لهم أسباب ما يحتاجونه ويريدونه، في ما يهمّهم أمره. وهكذا تكون المسألة مسألة تنمية لروحية العقيدة في ما يتفّرع عنها من الجانب العملي، الذي قد يغفل عنه الآخرون عندما يفقدون الإحساس بالإيمان، فلا يشعرون بالارتباط بين الله وبين حركة النعم في حياتهم سلباً أو إيجاباً، والله العالم.
هذا ما قاله هود، فماذا كان جواب قومه؟.
* * *
التخلي عن التفكير والإيمان بالخرافة
{قَالُواْ يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي ءالِهَتِنَا عَن قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} لقد أنكروا عليه الدليل على رسالته، واعتبروها مجرد دعوى لا ترتكز على أساس، لأنهم لا يريدون التأمل والتفكير، في ما يدعوهم إليه من عبادة الله وحده، والإخلاص له في الطاعة، والارتباط به في خط السير، إذ لم تكن قضية دعوتهم للإيمان بنبوته هي المسألة الأولى لديه، بل كان همه أن يتأكدوا عبر حجتها والدليل من حجتها دون حاجةٍ إلى معجزةٍ أو ما يشبه المعجزة.
ولعلنا نلاحظ في ذلك، أن الإلحاح كان يرتكز على مضمون الرسالة، لا على صفة الرسول، بحيث كانت صفة الرسولية طريقاً إلى الانسجام مع خط رسالته. وهكذا كان إنكارهم للبيّنة منطلقاً من عدم وعيهم للرسالة في ما تحمله من دلائل الصدق، واعتبارهم المعجزة في خوارق العادة هي الأساس في الالتزام بالدعوة، لذا رفضوا الابتعاد عن آلهتهم، وترك عبادتهم باعتبار أن قوله لا يرتكز على دليل ـ حسب زعمهم ـ وقد رفضوا الإيمان به، كمجموعة متضامنة في الوقوف ضدّه.
ويتصاعد موقفهم الرافض مسلحاً بمنطق خرافي يزعم أن للالهة تأثيراً سلبياً على من يعارضونها ويرفضون عبادتها، ويدعون الناس إلى البراءة منها والابتعاد عنها، ولذلك كانوا يرون في موقف هود دلالة على بعض الخلل في عقله، فلا يتصورون المسألة منطلقة من حالة إيمان بالرفض، بل يعتبرونها منطلقةً من موقع اهتزاز في التفكير، وهذا ما عبّروا عنه بقولهم: {إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوء} في ما يمثله ذلك من جنون يفقد معه الإنسان صوابه وسلامة فكره.
* * *
هود في ذروة التحدي
ويبادر هود إلى إنهاء هذا الحوار الذي يدور في حلقة مفرغة، باعلانه موقفاً يرسم الحد الفاصل بينه وبينهم، ويميّز الحق من الباطل، كيلا يظنوا أن في مقاطعته للحوار لوناً من ألوان الضعف، أو حالةً من حالات التردّد، أو نوعاً من أنواع القناعة بما يقولون في الداخل مع إظهار الرفض له، {قَالَ إِنِي أُشْهِدُ اللَّهِ} الذي يطّلع على السرائر، فيعرف حقيقة موقفي وما أؤمن به، وما أرفضه، {وَاشْهَدُواْ} عليّ بإقراري الذي أعلنه أمامكم في ما أعتقده وأتحرّك فيه من خطّ، {أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ} بعبادتكم لهذه الأصنام التي ما أنزل الله بها من سلطان {فَكِيدُونِي جَمِيعًا} إذا كنتم تملكون قوّة الكيد لي والتآمر عليّ، بأنواع الضغوط المختلفة القاهرة {ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ} أي لا تمهلوني لحظةً واحدةً، وتلك هي ذروة التحدّي الرساليّ الصادق القويّ الذي يقف فيه النبيّ وحده أمام القوى الكافرة ليقول لهم: {فَكِيدُونِى جَمِيعًا} فيتصاغرون أمامه ولا يستطيعون مواجهة التحدي بمثله، مما يوحي بأن الإنسان الذي يستمد قوته من ربّه ومن عناصر القوّة في شخصيته، ثم يقف أمام الناس، ليثير أمامهم حقيقة ذلك بتصميم، يستطيع أن يهزم موقف الآخرين ويدخل الرعب فيهم.
* * *
المؤمنون والحرب النفسية
وهذا ما يحتاجه الدعاة والمجاهدون في سبيل الله، من استثارة الإحساس بالقوة الفاعلة في داخلهم، لينطلقوا منها في مواجهة من يحاولون استعراض عضلاتهم وتوظيف ذاك الاستعراض في حرب الأعصاب، ليهزموا المؤمنين نفسياً قبل الدخول في المعركة الفاصلة، ولذلك فإن من المفروض على العاملين أن يقتحموا الساحة بأسلحة الحرب النفسية، وذلك بالأعلان عن القوّة الروحية القادرة على الثبات والاستمرار في حمل الرسالة والجهاد في سبيلها لتبقى للموقف قوته، وللرسالة دورها في حركة الحياة، في وعي الأعداء والأصدقاء معاً، وفي تعميق إحساس الدعاة بهذا الإمداد الروحي الذي يعيشه المؤمن مع شعوره بالاستسلام الكلّي لله ورعايته، فلا يشعر بالضعف أمام الآخرين، ولا بالخوف أمام المجهول، كنتيجة للتوكل في العقيدة.
* * *
لا قوة لأحد إلا بإذن الله
وهذا ما أراد هود تأكيده أمام قومه من خلال موقفه: {إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ}، فهو مصدر القوة في الحياة لأنه مصدر حياة كل حيّ، وهو المهيمن على كل شيء، فلا تستطيعون إضراري إذا لم يأذن الله بذلك، لأنكم لا تملكون القوّة الذاتية، ولا يملكها أحدٌ من خلقه. {مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ} في ما يحمله الأخذ بالناصية ـ وهي أعلى الجبهة ـ من معنى كنائي، يفيد السيطرة على الأمر كله من جميع جوانبه. وهذا ما يوحي بحماية الإنسان المتوكل على الله بوعي داخلي، من كل سوء {إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} في ما تمثله عقيدة الإيمان من قاعدة، وفي ما تتحرك به شريعته من خطّ ونهج، للفكر وللسلوك معاً، ولهذا فإنني سأظل سائراً في هذا الخط المستقيم، ولن أنحرف عنه تحت تأثير أي ضغط أو تهديد، أو طمع أو شهوة، مما تحاولون إثارته أمامي بأساليبكم المتنوّعة المليئة بالترغيب والترهيب، لأنّ ذلك هو معنى الإيمان بالله الذي يجعل الحياة، بكل آفاقها وساحاتها، تبدأ منه وتنتهي إليه.
* * *
تحفُّظ على فكرة
وقد حاول بعض المفسرين أن يجعل من التحدّي الذي أطلقه هود في وجه قومه، معجزةً لهود، وأيّد ذلك صاحب الميزان في تفسيره بقوله: «ذلك أن ظاهر الجواب أن يقطع به ما ذكر من الرّد في صورة الحجة، وفيها قولهم {مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ}، ومن المستبعد جداً أن يهمل النبيّ هود(ع) في دعوته وحجته التعرض للجواب عنه، مع كون هذا التحدّي والتعجيز صالحاً في نفسه لأن يتخذ آية معجزة».
ونحن نتحفّظ على هذه الاستفادة، لأن سياق الآية هو ردّ التحدي بصلابة في الموقف ترفض التراجع، والتنازل، أمام التهديدات، لا المجابهة بالبيّنة التي أرادوها، لأن ما أرادوه كما يبدو، هو المظاهر الخارقة للعادة حسّياً، أو لأنّ ما ذكروه لم يكن طلباً للبيّنة، بقدر ما كان إنكاراً عنادياً لما قدّمه من البيّنة، فهم ليسوا في موضع مَنْ يبحث عن الحقيقة من موقع الحوار، بل هم في وضع مَنْ يريد إنكار ضوء الشمس. كما أن موقف هود، هو موقف مَنْ يريد إنهاء الحوار، لا البدء في حوار جديد حول المعجزة الجديدة.
تفسير القرآن