تفسير القرآن
هود / من الآية 69 إلى الآية 76

 من الآية 69 الى الآية 76
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاماً قَالَ سَلامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ* فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ* وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ* قَالَتْ يا وَيْلَتَا أألِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِ شَيْخًا إِنَّ هَـذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ* قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ* فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ* إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ* يا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَآ إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} (69ـ76).

* * *

معاني المفردات

{فَمَا لَبِثَ}: أي: أسرع وما أبطأ.

{حَنِيذٍ}: المشوي بالحجارة المحماة، دون أن تمسه النار مباشرة.

{نَكِرَهُمْ}: نكره وأنكره واستنكره بمعنى واحد، ضد عرفه، أي: أن إبراهيم لم يعرف سبباً لامتناعهم عن الأكل.

{وَأَوْجَسَ}: الإيجاس، الإحساس، أي أحس بالخوف منهم.

{يوَيْلَتَا}: الويل كلمة للتفجع.

{بَعْلِى }: البعل: الزوج، وجمعه بعولة وبعول وبعال.

{لَحَلِيمٌ}: الذي يصبر على جهل الغير وأذاه، ولا يعالجه بالعقوبة.

{أَوَّاهٌ }: مبالغة في التأوّه مما يكره.

{مُّنِيبٌ }: الذي يرجع إلى الله في كل أمر.

* * *

الخوف ليس سلبياً بذاته

... وهذه قصة إبراهيم مع الملائكة عندما زاروه لإبلاغه إرادة الله في إهلاك قوم لوط لأنهم طغوا وأفسدوا الحياة، وتمردوا على أمر الله، ولتبشيره بغلام حليم، بعد أن بلغ وزوجته مبلغاً من الكبر لا يأملان معه بالإنجاب، ولكنها المعجزة التي أراد الله إكرام نبيّه إبراهيم بها، كما هي المعجزة في إهلاك قوم لوط.

{وَلَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُنَآ إِبْرَاهِيمَ بِالْبُـشْرَى قَالُواْ سَلاماً قَالَ سلامٌ}، فقابلهم بالإكرام والتحية كأيّ ضيوف عليه، وبادر إلى تقديم الطعام إليهم بشكل سريع {فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي شوي على حجارة محماة بالنّار، أو مطلق المشويّ من دون خصوصية، ولكنهم امتنعوا عن الطعام، لأن الملائكة لا يأكلون كما يأكل البشر، {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} فلم يدرك سبباً لذلك لأنه مخالف للأمر المألوف في سلوك الضيف مع صاحب البيت، {وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} نظراً للغموض الذي لف الموقف، فهو لا يعرفهم بأشخاصهم، والامتناع عن الأكل يوحي ـ في عرف الناس آنذاك ـ بالعداوة وبإضمار الشرّ للمضيف، مما جعله يحس بالخوف والقلق، ولا مانع من حدوث مثل ذلك للأنيباء الذين يعيشون الضعف البشريّ الذي تخضع له المشاعر الذاتيّة، ولكن بالمستوى الذي لا يؤدّي إلى السقوط في المعصية، ولا يوحي بالانسحاق، ولا يمنع من العصمة.

ولعلّ سر عظمتهم في تمثَّلهم خط التوازن بين نقاط الضعف التي تؤكد بشريتهم، ونقاط القوة التي تنطلق من حركة الإيمان والرسالة في روحيتهم، فلا مشكلة في إحساس الإنسان بالخوف، بل في الاستسلام له، وليس الخوف حالة سلبيّةً في ذاته، بل قد يكون حالةً إيجابيّةً بما يشكله من حمايةٍ للإنسان من الأخطار المهلكة التي تحيط به. ولذا كان إبراهيم خاضعاً لتأثير هذه الحالة الطبيعية من الإحساس بالخوف أمام ظاهرةٍ، غامضةٍ فاجأته بما يشبه الصدمة، ولكن الملائكة لم يأتوا ليخلقوا عقدة الخوف، وليثيروا في داخله القلق، {قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ }فلسنا من البشر، ولا نريد بك شرّاً، بل نحن مرسلون إلى قوم لوط لأداء مهمّةٍ إلهيةٍ، تستهدف إهلاكهم بالطريقة التي أمرنا الله بها.

* * *

البشرى المستغربة

{وَامْرَأَتُهُ قَآئِمَةٌ} تستمع إلى هذا الحوار الدائر بين زوجها وبين هؤلاء، {فَضَحِكَتْ} والظاهر أن المراد به الحيض، الذي هو من معاني الكلمة في اللغة، ويؤيّده تفريع البشرى على ذلك، لأن الحمل يتوقف على وجود حالة الحيض لدى المرأة، وكان قد انقطع عن زوجة إبراهيم في السابق، {فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} وقد كانت هذه البشرى المزدوجة للإيحاء باستمرار النسل، وأما ردّ فعلها فاكتنفه المزيد من الدهشة والاستغراب، والإنكار الحائر، {قَالَتْ يوَيْلَتَا ءَأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ وَهَـذَا بَعْلِي شَيْخًا} فنحن في سنٍّ لا تسمح لنا بذلك لأنه خارج عن السنّة التي اعتادها الناس في حياتهم، {إِنَّ هَـذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ} لا نفهم سرّه وحقيقته.

* * *

رحمة الله تأتي بالعجائب

ولكن الملائكة يردّونها إلى التفكير من خلال الإيمان، فالمؤمن لا يخضع في تصوّره لمسألة الإمكان وعدمه للمألوف مما اعتاده الناس في حياتهم، بل عليه أن يطل على الأفق الإيماني الواسع الذي يلتقي بالله في قدرته المطلقة التي لا يحدّها شيء، وأنّ عليه أن يفكّر بأن الأشياء المألوفة لا تحمل في ذاتها عنصر الوجود، بما تتضمنه من علاقة المسبّب بالسبب، إلا من خلال الله القادر على أن يخلق أشياء أخرى لم يألفها الناس، لحكمةِ ما ترتئيها القدرة الإلهية المتحركة وفق موازين حكيمةٍ.

إنهم يثيرون فيها حسّ الإيمان العميق، لتفكّر في هذا الاتجاه، لأن المؤمن إذا سار في تفكيره على هذا المستوى فإنه سينفتح على الحياة بكل ما فيها من انطلاقات الأمل، حتى في الطرق المسدودة، لأنه يشعر أن السدود، مهما بلغت من الأحكام والقوّة، لا تثبت أمام قدرة الله الذي إذا أراد أن يهدمها تحوّلت إلى هباء في أقلّ من لحظة. وهذا ما يجب على المؤمن الداعية المجاهد، أن يعيشه في خط الدعوة والجهاد، فلا يتعقّد من مشكلة، بل يعمل على استنفاذ كل التجارب، لينتظر الفرج الكبير من خلالها، أو من خلال الغيب، فلا يستسلم لليأس عندما تحاصره عناصره من كل جهة.

وبهذا يبقى للمؤمن في حياته، عين على الواقع حيث يخوض التجربة، وعينٌ على الغيب متفائلاً بالأمل الكبير القادم من غيب الله. وهكذا كان جواب الملائكة لزوجة إبراهيم، للإيحاء بذلك كله: {قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} وهو الذي يفعل ما يشاء ويحكم بما يريد، {رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} في ما أفاض عليهم من نعمه وألطافه السالفة، وفي ما يفيضه عليكم في الحاضر والمستتقبل. وإذا انطلقت رحمة الله وبركاته في حياة الإنسان، فإنها تفتح له كل الأبواب، وتيسّر له كل عسر، وتأتي إليه بالعجائب على أكثر من صعيد، {إِنَّهُ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ} فله المحامد كلها في ذاته، وفي ما يرحم به عباده، وله المجد كله، في ما يملكه من قدرة، وفي ما يتّصف به من عظمة.

* * *

ابراهيم يتشفع لقوم لوط

{فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَآءَتْهُ الْبُشْرَى} فاطمأنّ إلى هؤلاء المحيطين به، وشعر بالراحة لوجودهم معه، فهم الملائكة المقرّبون إلى الله الذين جاءوا إليه ببشارة الوليد المرتقب، والحفيد المؤمّل، ولذلك أخذ حرّيته في الحديث، وبدأ يدافع عن قوم لوط، ليصرف العذاب عنهم، أملاً في هدايتهم في المستقبل، لينالوا رحمة الله وذلك في ما حكاه الله عنه: {يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ} إما باعتباره حالاً ماضية، «أو بتقدير فعل ماضٍ قبله وتقديره، أخذ يجادلنا الخ، لأن الأصل في جواب «لما» أن يكون فعلاً ماضياً»[1]، كما في تفسير الميزان، {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} لا يحب المعاجلة في العقوبة والانتقام، {أَوَّاهٌ} كثير التأوّه لما يحيط به أو يشاهده من السوء، وهو كناية عن تأثّره بذلك وانفعاله بآلام الآخرين، {مُّنِيبٌ} إلى الله في كل أموره، فلا يعترض على الله في شيء، ولكنه يتشفّع ويتوسّل ويرجو، في ما لم يعلم فيه حتميّة القضاء والإرادة.

ولم يكن إبراهيم يعرف حدود المسألة ووصولها إلى الحسم الذي لا مردّ له، لأن القوم لم يتركوا أيّ مجال للرحمة، فقد استنفد لوط معهم كل الوسائل دون جدوى، فازدادوا تمرّداً وطغياناً، ولذلك أعلن الله له على لسان ملائكته المنزلين: {يا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَـذَآ} ولا ترهق نفسك بالتفكير أو التدخل فيه، {إِنَّهُ قَدْ جَآءَ أَمْرُ رَبِّكَ} الذي لا مردّ له، {وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ} فلا مدفع له، ولا مجال معه، لجدال مجادلٍ، أو شفاعة شافع. وسكت إبراهيم، لأنه لا يريد إلا ما يريده الله، فما دام الله قد أراد عذابهم، فليكن ذلك عن رضى وقناعة وإيمان.

ـــــــــــــــــــ

(1) تفسير الميزان، ج:10، ص:314.