من الآية 77 الى الآية 83
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِىءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ* وَجَآءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يا قَوْمِ هَـؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ* قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ* قَالَ لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ* قَالُواْ يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّليْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ* فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ* مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِي مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ}(77ـ83).
* * *
معاني المفردات
{سِىءَ بِهِمْ}: أي: وقع لوط في ما أساءه بسبب مجيء الرسل.
{ذَرْعًا}: الذرع: منتهى الطاقة، ومثله الذراع، أي: صعب عليك احتماله.
{عَصِيبٌ}: العصيب: الشديد.
{يُهْرَعُونَ}: يسرعون.
{رَّشِيدٌ}: الرشيد: العاقل.
{رُكْنٍ شَدِيدٍ}: الركن الشديد: الناصر الذي يعصمه من قومه.
{فَأَسْرِ}: السُّرى: بالضم، والإسراء: يكون في الليل، والسير يكون في النهار.
{بِقِطْعٍ}: بكسر القاف، أي: جزء منه.
{سِجِّيلٍ}: السجيل: الطين المتحجر.
{مَّنْضُودٍ}: وضع بعضه على بعض.
{مُّسَوَّمَةً}: عليها علامة.
* * *
لوط يشعر بالحرج
وجاء الملائكة إلى لوط، بصورة ضيوف من البشر، ذوي وجوه جميلة، تثير غرائز قومه الذين انحرفوا عن السبيل السويّ، باتجاه الشذوذ الجنسي المذكّر الذي سمي بـ «اللّواط»، وكانت هذه مشكلة لوط اليوميّة التي يعاني منها عندما يأتيه ضيوفٌ أمثال هؤلاء، فيحاولون الاعتداء عليهم، فيعمل لوط على الدفاع عنهم بما يملكه من وسائل قد لا تثبت أمام ما يملكونه من القوّة والكثرة المسيطرة، لذا شعر بالحرج عندما جاءه هؤلاء في ما حدّثنا الله عنه.
{وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ} لما كان يخافه من مشاكل قد تعترض هؤلاء الضيوف، أو تعترضه في الدفاع عنهم، إلى درجة إحساسه بعدم الرّغبة في استقبالهم كيلا يقع في هذا الحرج المخجل أمامهم. وهذا هو سرّ شعوره بالسوء عندما استقبلهم {وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا} بما تعبّر عنه الكلمة من العجز عن إيجاد منفذ أو مهرب. فقد تحوّلت المسألة عند قدومهم، إلى أمر واقع لا مجال معه للتخلّص منهم، ولا بد له من مواجهة الموقف بكل سلبيّاته ومشاكله {وَقَالَ هَـذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ} أي شديد، لأنه سيواجه فيه قومه، بصراع عنيف سيخوضه ضدّهم دفاعاً عن ضيوفه الذين جاءوا إليه في صورة غُلمان مُرد يتميزون بالجمال المثير، وأخذ ينتظر اللحظة الحاسمة، التي اعتادها من سلوك قومه.
* * *
استخدام كل الوسائل لمواجهة الانحراف
{وَجَآءهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ} ويندفعون نحوه بسرعة، فقد شاهدوا هؤلاء الضيوف وتنادوا للحصول على هذه الوليمة الشهّية، بطريقة عدوانيّة تتوسل الهجوم على بيت لوط، حتى إذا لم يستطيعوا الحصول عليهم بالحسنى، عمدوا إلى استخدام أسلوب القوّة، ووسيلة العنف، {وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ}في ما كانوا يقترفونه من معاص ومنكرات، ويقومون به من أنواع الفحشاء، فهم معتادون على ذلك، ولا يجدون حرجاً في الإعلان عن رغباتهم الشريرة ومقاصدهم الفاحشة، ولهذا جاءوا بمثل هذا الأسلوب الهجوميّ، ولم يخجلوا من الإعلان للوط عن رغبتهم في ممارسة الفحشاء مع ضيوفه.
وحاول لوط صدّهم بكل ما لديه من وسائل الصدّ، وردعهم عن هؤلاء الضيوف بما يملك من إمكانات الردع، حتى انتهى إلى العرض الأخير، وهو أن يعرض بناته عليهم: {قَالَ يا قَوْمِ هَـؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ}، ولعل من البديهيّ أنه لا يعرضهنّ عليهم للزنى، لأنه لا يمكن أن يردع عن فحشاء بفحشاء، بل الظاهر أن عرضه كان على أساس الزواج بقرينة قوله: {هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ} لأن الطهارة لا تتم إلا بهذه الوسيلة، {فَاتَّقُواْ اللَّهَ} في ما تقدمون عليه من عصيان أمره بارتكاب الفاحشة، والاعتداء على الناس، {وَلاَ تُخزُونِ فِي ضَيْفِي} لأن اعتداءكم على ضيوفي يجلب لي الخزي والعار بين الناس، لأنني لم أستطع حفظهم من العدوان عليهم بارتكاب الفاحشة معهم، مما يفرض عليكم معرفة ظروفي والمحافظة على كرامتي وموقعي، فإذا لم تعترفوا لي بموقع النبوّة، فلا بد على الأقلّ أن تعترفوا بأني رجلٌ منكم تتصل كرامتي بكرامتكم، فما يصيبني من الخزي والعار سيصيبكم.
ولكن يبدو أن كل هذه الأساليب لم تنفع معهم، فأطلق الصيحة اليائسة الأخيرة: {أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ} عاقلٌ، يفكّر بطريقة متّزنة ويدير الأمر على أساس العدل والحكمة؟! ولكن أحداً لم يستجب لعرضه الذي رفضوه بسرعة، {قَالُواْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا في بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ} لأننا لا نرى لنا فيهن حقاً، ونظراً لعدم رغبتنا بالنساء كما لغيرنا من الناس الذين يجدون فيهن موضوعاً لإشباع حاجاتهم، ويلتمسون الوسائل المشروعة للحصول عليه، لأن ما يجعل من الشيء حقاً لأحد لدى نفسه، رغبته الذاتية فيه، ورغبة المجتمع في تحقيق وصوله له، وهذا ما لا يتيسر في مجتمع قوم لوط الذين كانوا يأتون الرجال شهوةً من دون النساء، {وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ} من قضاء شهواتنا في رجال أمثال ضيوفك، ممن قد لا يتيسر لنا الحصول عليهم في كل وقت.
* * *
المدد الإلهي
وأسقط في يديه، فقد استنفد كل الوسائل ولم يحصل على نتيجة، ووقف موقف العجز والضعف، بعد أن اجتمع الكل، للضغط على موقفه، ولم يبق من يمكن أن يستعين به من الناس، فبدأ يتحدث بلغة التمني اليائس: {قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً} فيكون لي من بينكم الجماعة المؤمنة التي استعين بها على دفع الشرّ عن ضيوفي، {أَوْ آوِى إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ }، أي عشيرة مانعة قوية تقف معي في مواجهتكم، بما تمثله العشيرة من حماية لأفرادها وما يتعلق بهم من أهل وضيوف، ووقف موقف الحائر الذي لا يملك أيّة وسيلة للدفاع.
وجاءه المدد من الله، وتدخّل الملائكة الذين كان مظهرهم يوحي بالضعف مما يغري هؤلاء القوم بالانقضاض عليهم، دون أن يملك لوط أمر الدفاع عنهم، وأعلنوا عن صفتهم الملائكية للوط، وأوضحوا له دورهم الإلهي في إنزال العذاب بقومه: {قَالُواْ يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ} ولن يقدروا أن يصيبوك بسوء، فلا تحمل هَمَّ إحساسك بالضعف تجاههم، لأنك قوي بالله الذي بسط عليك حمايته، فلن تحتاج ـ بعد ذلك ـ إلى قوّة ذاتيّة من نفسك، أو من قومك، أو من عشيرة مانعة تحميك، وعليك أن تعدّ نفسك للخروج من البلد، وتنفذ التعليمات الموجّهة إليك لتحقيق النجاة لك ولأهلك.
{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الَّليْلِ} أي قطعة منه، أو بعض منه، {وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ} وهو كناية عن الانطلاق بعزم، لا مجال فيه للالتفات والانصراف عنه {إِلاَّ امرَأَتَكَ} التي كانت على نهج القوم في كفرهم وضلالهم، كما كانت تتعاون معهم ضدّك فتخبرهم بمن يأتي إليك، وتسهل لهم مهمة الاطلاع على أسرارك، {إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ} من العذاب لأنها منهم، فلا يميزها عنهم شيء، ولا قيمة لعلاقتها بك لأن الله يجزي كل إنسان بعمله، فلا يغني أحدٌ عن أحد شيئاً، ولا يضر أحدٌ أحداً شيئاً.
* * *
أليس الصبح بقريب؟!
{إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ} موعد العذاب النازل بهم، فلا خوف من الانتظار الطويل، ولا بدّ من العجلة في الخروج، لأنه لم يبق هناك وقت كثير لنزول العذاب، {أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ} فلم يبق لبزوغه إلا سواد هذا الليل.
... وخرج لوط بأهله، وجاء العذاب بكل ثقله وقوّته وشدّته {فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا} فقد خسف الله بهم الأرض فانقلبت عليهم، {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ} وهي الطين المتحجر المتراكم بعضه فوق بعض، {مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ} أي معلّمةٍ بعلامةٍ خاصةٍ من الله، ولا تصيب إلا من يستحقها، {وَمَا هِي مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} فلا يأمن الكافرون الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وظلموا الناس بالعدوان، من عذاب الله، إذا أصروا على الكفر والبغي، فإن الله لهم بالمرصاد وسيجزي الحاضرين بما جزى به الماضين، فإذا لم يجزهم بما جزاهم به نفسه، فإنه يجازيهم بما يقاربه.
تفسير القرآن