من الآية 84 الى الآية 86
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيـات
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ* وَيا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ* بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ}(84ـ86).
* * *
معاني المفردات
{وَالْمِيزَانَ}: الوزن: تعديل الشيء بغيره في الخفة والثقل بآلة التعديل.
{تَبْخَسُواْ}: البخس: النقص والعيب.
{تَعْثَوْاْ}: العثو: الفساد.
{مُفْسِدِينَ}: أي: متعمدين.
{بَقِيَّتُ}:ما يبقى بعد إيفاء الكيل والميزان من الربح الحلال، وإن قلَّ.
* * *
على قاعدة التوحيد تُواجَه الانحرافات
وهذه قصة نبيٍّ آخر أرسله الله إلى قومه ليعالج واقع الانحراف الفكري والعملي، لا سيّما ما يتعلق منه بالجانب الاقتصادي المتمثل بالتطفيف في المكيال والميزان، باعتبار أن ذلك يمثّل الروحية المظلمة المليئة بالأنانية، التي لا تنظر إلا إلى حماية مصالحها، ولو كان ذلك، على حساب مصالح الآخرين. وقد أراده الله أن يعالج الانحراف بتركيز الخط على القاعدة الإيمانية التي تربط الإنسان بالله في كل أموره، لينظم بالتالي علاقته بكل مفردات الحياة، وبكل أفراد الناس. وهذا هو الخط المستقيم في عملية الإصلاح، فإنك لن تستطيع أن تصل إلى النتيجة الحاسمة في القضاء على الظاهرة المنحرفة من خلال معالجتها بطريقة مباشرة في نطاق حدودها الضيّقة، لأن العوامل الانحرافية يمكن أن تطوّق عمليّة الإصلاح بأكثر من أسلوب، وبأكثر من جوّ، ولهذا فإن الأنبياء الذين يرسلهم الله إلى بعض الشعوب التي تعيش انحرافاً معيّناً، ينطلقون في توجيههم من التأكيد على القاعدة التي يخضع لها الحل، لا على ظاهرة الانحراف بشكل مستقل، كما نلاحظ ذلك في قصة لوط مع قومه، وفي قصة شعيب مع قومه، هذه التي نواجهها الآن في حديث هذه الآيات.
{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ} فإن توحيد العبادة لله، في ما يوحيه من رفض لكل شريك له، على مستوى العقيدة أو العبادة، يوحّد الذهنية والموقف والحركة في هذا الاتجاه، ويحقّق للإنسان المؤمن الانضباط على الخط، في الدائرة التي يتحرك فيها الإيمان ويطوف فيها وحي الله، وهذا ما استوحاه شعيب في تركيزه على معالجة الظاهرة من خلال التوحيد، {وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ }فإن الله لا يرضى بذلك، لأن هذا من تسويلات الشيطان الذي يريد أن يقودكم إلى السير في خط الظلم والأنانية والضلال، {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} في ما أغدقه عليكم من النعم الوافرة، من المال، وسعة الرزق، وخصب الأرض، وما إلى ذلك، مما يجعلكم بغنى عن هذه اللعبة الشيطانية، التي تتوسلونها للحصول على الزيادة عن حقكم، وسلب الآخرين حقّهم، لأن من يحتاجون ذلك هم الذين يعيشون في ضيق من الحال، الأمر الذي يوحي بأنكم تنطلقون في ذلك من موقع عقدة الطمع لا من موقع الحاجة، {وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ} وهو يوم القيامة الذي يحيط فيه عذاب الله بكم من كل الجهات، فلا مجال للهرب، ولا منفذ للخلاص، فلا بد لكم من التفكير بالقضية من زاوية أمر الله ونهيه، عندما تفكرون بالمسألة.
* * *
الخلل الاقتصادي يفسد توازن المجتمع
{وَيا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ} فللناس حقٌّ في أن تؤدّوا إليهم ما يستحقونه كاملاً من دون نقصان، تماماً كما تفكرون في حقوقكم على الناس عندما تتبايعون وتتشارون، فتطلبون منهم أن يؤدوا إليكم حقكم وافياً بجميع جهاته، {وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءهمْ} لأن ذلك يعتبر نوعاً من أنواع السرقة والخيانة، فإنك إذا بعتَ إنساناً شيئاً، فإن البيع يوجب ملكيته له، فإذا أنقصت منه جزءاً، فإنك تكون سارقاً له، كما لو كان قد اشتراه من غيرك لأن النتيجة واحدة، {وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ} أي لا تفسدوا في الأرض، ولا تمارسوا أعمال الخيانة حال كونكم مفسدين، في مقام التأكيد على النهي عن الفساد.
إن من المفروض على الإنسان المؤمن الذي يوحّد الله في العبادة، أن يخضع له في ما يفرضه الخط الإلهي التشريعيّ، وقد أراد الله للإنسان أن يعتبر الدور الموكول إليه هو إصلاح الأرض بنشر العدل والأمانة والخير والسلام، قولاً وفعلاً، فإذا مارس الفساد في نشاطاته العامة والخاصة، فإنه يكون قد خان دوره أمام الله. وهكذا أراد شعيب من قومه أن يتحركوا ضمن هذا الخط الذي ينهاهم عن الفساد، وأبرز مظاهره، أي التطفيف في المكيال والميزان باعتبار أن الخلل الاقتصادي في الأمة، يُفسد توازن المجتمع، ويفقده أساس الثقة، بنسفه القاعدة الأخلاقية التي ترتكز عليها حركة الاقتصاد، ولا يبقى هناك أيّة ضمانة للطمأنينة والسلام، وعلى هذا الأساس فإن التطفيف لا يمثل بنفسه خطورةً كبيرةً، إلا بما يكمن خلفه من خللٍ في القاعدة الأخلاقية العامة التي يرتكز عليها الفكر والسلوك وقد جاءت هذه الآية تأكيداً للفكرة وتوسيعاً لها، وضرباً للقاعدة، بعدما كانت الآية الأولى إشارةً للجانب السلبيّ منها في إطاره المحدود.
* * *
في المال الحلال بركة
{بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} الظاهر أن المراد من هذا التعبير {بَقِيَّتُ اللَّهِ} هو ما يحصلون عليه من ربح يزيد على رأس المال، يعود إليهم من خلال معاملاتهم التجارية، فإن ذلك هو المال الحلال الذي يجعل الله فيه الخير والبركة، فينبغي لهم أن يقنعوا به، ويستمروا في هذا السبيل الذي قام عليه نظام الحياة بين الناس، حتى يهيّء الله لهم، من ذلك، الكثير من الخير والبركة، فإن هذا أفضل لهم من السرقة والخيانة وغير ذلك من الأساليب التي تدمّر حياتهم، وتهدّد مصيرهم في الدنيا والآخرة. وهذا هو خط الإيمان الذي يجب على المؤمنين أن يسيروا عليه، ويؤكدوا التزامهم به في كل مراحل حياتهم.
{وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ} فلم يجعلني الله حفيظاً عليكم يطريقة القوّة والإجبار، بل أنا رسول من الله إليكم، لأبلّغكم أوامره ونواهيه، ولأفتح عيونكم على الجانب المشرق من الحياة الذي تلتقون فيه برضى الله ورحمته ولطفه. فإذا تمردتم وعصيتم، وقادكم ذلك إلى السقوط في مهاوي الهلاك، فلا أملك لكم من الله شيئا إذا أراد الله أن يعذبكم في الدنيا بخطاياكم، أو في الآخرة بكفركم وضلالكم.
تفسير القرآن