تفسير القرآن
هود / من الآية 87 إلى الآية 95

 من الآية 87 الى الآية 95
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لاََنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ* قَالَ يا قَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ* وَيا قَوْمِ لاَ يَجْرمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ*وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ* قَالُواْ يا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ* قَالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ* وَيا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ* وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارهِمْ جَاثِمِينَ* كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ}(87ـ95).

* * *

معاني المفردات

{أُخَالِفَكُمْ}: أرجع.

{يَجْرِمَنَّكُمْ}: أي لا يكسبنكم.

{شِقَاقِى}: الشقاق: المباعدة بالعداوة إلى جانب المباينة وشقها.

{نَفْقَهُ}: الفقه: فهم الكلام.

{رَهْطُكَ}: الرهط: عشيرة الرجل وأصله.

{لَرَجَمْنَاكَ}: الرجم: الرمي بالحجارة.

{أَعَزُّ}: الأعز: نقيض الأذل.

{ظِهْرِيّاً}: الظِهْرِيّ: بكسر الظاء: المتروك وراء الظهر، لا يعتنى به.

{مَكَانَتِكُمْ}: المكانة: الحالة التي يتمكن بها صاحبها من عمله.

{وَارْتَقِبُواْ}: انتظروا.

{الصَّيْحَةُ}: صيحة العذاب.

{جَاثِمِينَ}: الجاثم: البارك على ركبتيه مكباً على وجهه.

{بُعْدًا}: دعاء بالهلاك.

* * *

السخرية سلاح القوم

... وهكذا ينتهي حديث شعيب في الدعوة إلى توحيد الله، وفي تطبيق تعليماته، ليبدأ ردّهم عليه، فماذا قالوا؟ هل ناقشوا التوحيد كفكرة في مقابل فكرة الشرك؟ أو هل دافعوا عن فكرة التطفيف من الموقع الذي هاجمه شعيب؟ هل أكدوا فكرة الصلاح فيها، في مواجهة ما أثاره من فكرة الفساد والإفساد، لتكون القضية هي قضية فكر يواجه فكراً؟

إنهم لم يفعلوا ذلك، بل لجأوا إلى أسلوب الإثارة لمواجهة الموقف معتمدين على السخريّة، والكلمات الاستعراضية التي لا ترتكز على حجّة أو دليل بغرض التهرُّب من المسؤولية، وتحطيمه نفسياً. وأخذوا يسخرون من صلاته باعتبارها المظهر البارز لتوحيد العبادة لله، والخط الفاصل بين موقفه وموقفهم، حسب ما ورد في دعوته لهم إلى عبادة الله بأسلوب الصلاة، فحاولوا أن ينظروا إليها باستهانةٍ وازدراءٍ وتهكّمٍ، باعتبارها مصدر الإيحاء في حديثه، فهم لم يجدوا فيها شيئاً مهماً، شكلاً ومضموناً، لأنهم لا يستطيعون استيعاب المعنى الروحي العميق للصلاة، لأن تأثيراتها لا تتمثل في الشكل، بل تحتاج إلى المعاناة الداخلية التي تثير الفكر، وتهز الكيان، وتوقظ الروح.

وهكذا لم يفهموا كيف يمكن للصلاة أن تدفع النبي شعيب إلى التحرك في موقع المسؤولية، ليقف في خط المواجهة، ويأمرهم بما أراد الله أن يأمرهم به، ويُشهد الله، وهو بين يديه، أنه قد أدّى رسالته، وقام بمسؤوليته.

{قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ} إننا نراك تصلي دائماً، ثم تنطلق لتثير معنا الحديث المستمر عن رفض عبادة الأصنام التي كان آباؤنا يعبدونها، فصارت جزءاً من شخصيتناً، تعبيراً عن امتداد الاباء في وجودنا بكل عقائدهم وعاداتهم وتقاليدهم، كمظهر حي للوفاء وللالتزام بخطّ العشيرة بما تمثله من أفكار وأعراف، تمتد في الحاضر والمستقبل كتاريخٍ أصيلٍ يصنعه الماضي. وإذا كانت القضية في هذا المستوى، فكيف يمكن لنا أن نترك كل هذا التاريخ الضخم، من عبادة هذه الأوثان، لنستسلم لما تثيره صلاتك فيك من مشاعر ومواقف، لتأمرك بأن نترك ما يعبد آباؤنا، فأين هو موقع الصلاة من شخصيتنا كلها، وأين هي قيمتها من تاريخنا كله؟

* * *

التشريع يحول دون حرية التصرف المطلق بالمال

{أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشاء} إنك تتحدث إلينا بلغة غير سليمة، فلا علاقة للصلاة بأموالنا، ولا علاقة للتوحيد والشرك في ذلك، ولا علاقة لك أنت بأموالنا التي ورثناها من إبائنا، أو التي حصلنا عليها بجدّنا وجهدنا وسعينا، فهي تخصنا وحدنا، وليس لأحد أن يفرض علينا كيفية التصرف بها؛ إننا نملك فيها كل الحرّية التي هي فوق كل أمرٍ، وفوق كل تشريع.

إن رفض هؤلاء القوم للمبدأ التشريعي الذي يحرّم التطفيف، يرجع إلى اعتقاد خاطىء، وهو حرية التصرف المطلق، في ما يملكه الإنسان من مال، فليس لأيّ تشريع أن يقترب من هذه الحرية بأيّ نوع من أنواع التضييق والتقييد، وهذا ما يعبّر عنه احتجاجهم على ذلك بقولهم: {أَوْ أَن نَّفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشاء}.

وقد كان شعيب منسجماً مع القاعدة الإلهية التي لا تعتبر الحرية وعدمها، إلا بالمقدار الذي يحقق للإنسان مصلحته العامة، وللحياة توازنها الدقيق، ولذا كان التشريع يتحرك على أساس تحقيق هذا التوازن عندما يمنح الحرّية أو يقيّدها، في ما يحلّل أو في ما يحرّم، وقد كان التطفيف نوعاً من أنواع الاستغلال الخبيث الذي يجسّد التعدّي على حقوق الناس، وسرقة أموالهم، ممّا يسبّب إخلالاً بالتوازن الذي تريد الأديان إقامته في حياة الناس، لجهة تحقيق العدالة في التعامل كضمان لتساوي طرفي المعاملة في الأخذ والعطاء، تبعاً للالتزام العقدي الذي ينظّم الحقوق والواجبات. وعلى هذا الأساس جاء تحريم التطفيف، منعاً للفساد في الأرض.

* * *

من رحم الاقتصاد الحر ولد الاستعمار

وقد نخرج ـ من هذا كله ـ بنتيجةٍ حاسمةٍ ضد كثيرٍ من الدعوات التي تبشِّر بمبدأ الاقتصاد الحرّ الذي يسمح للإنسان بكل أنواع التعامل، ما كان منه مضرّاً بمصلحة الإنسانيّة، وما كان غير مضرّ، ويوفّر للإنسان الحماية القانونية لعمليّات الإفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي التي يمارسها تحت شعار التجارة الحرّة التي تحركها دوافع الربح والخسارة، بعيداً عن أيّ جوانب أخلاقيّةٍ أو إنسانيةٍ.

وهذا ما يتمثل في التفكير الرأسمالي الحديث الذي يشجع الإفساد، ويحميه في إطار الحرية الاقتصادية التي تُعتبر ـ في مفهومهم ـ إحدى ركائز الحرية الأساسية في الكون.

وقد أدّى هذا التفكير إلى إفساح المجال لولادة الاستعمار الذي يستعبد الشعوب، ويستغلّ ثرواتهم الطبيعيّة، ويحوّلهم إلى وحدات استهلاكيّة، لتصريف المنتجات الصناعيّة بكل ما يستلزمه ذلك من حماية التخلّف والجهل والخرافة، والوقوف بقسوةٍ، ضد كل نوازع التحرّر والاستقلال السياسيّ والاقتصادي.

وقد كان من نتائجه الكبيرة العمل على إثارة الخلافات الدينية والاجتماعية والإقليمية، وغيرها، وتحويلها إلى نزاعٍ مسلّح معقّد طويل، يستنزف طاقات الشعوب وثرواتها من أجل تحريك مصانع الأسلحة التي لا تزدهر إلا في الحروب، مما يجعل من السياسيين في كل بلد، عملاء طبيعيين لأصحاب تلك المصانع، من أجل دفع الفتنة أشواطاً إلى الأمام، وإثارتها من جديد، كلما قاربت الركود والهدوء.

* * *

الحرية الاقتصادية بين الإسلام والرأسمالية

إن حوار شعيب مع قومه يؤكد لنا «رفض الحرية الاقتصادية، بمفهومها الرأسماليّ، الذي لا يخضع للمفهوم الإنساني والأخلاقي، ولا يضع موضوع الحرية المالية ضمن نطاق مصلحة الإنسان، وتوازن الحياة، ليسمح بما يدخل في ذلك، ويمنع ما يخرج عنه، في كل زمان ومكان.

وربما نشعر بالحاجة إلى التأكيد على كثيرٍ من المؤمنين، أو العاملين في سبيل الله، الذين يغفلون عن الخطّ الدقيق الفاصل بين الحرية الاقتصادية ـ كما تفهمها الرأسمالية ـ وبين الحرية الاقتصادية ـ كما يفهمها الإسلام ـ من خلال تشريعه الملكية الفردية وحمايته لها. إنّ الرأسمالية تطرح شعار قوم شعيب الذي عبّر عنه القرآن الكريم في احتجاجهم على منعهم من فعل ما يشاءون، لأنهم يرون الحق لهم في ذلك كله، بينما يطرح الإسلام شعار شعيب: {قَالَ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ}، وقوله: {وَلاَ تَعْثَوْاْ في الأرْضِ مُفسدِينَ}. فهو يؤمن بالملكية الفردية بشرط ألاّ يستغلها أصحابها في إفساد البلاد والعباد، سواء في ذلك مصادرها ومواردها. فإذا تحوّلت إلى عنصر إفساد، وقف الإسلام ليقيِّدها، بكل قوّة وعنف، لتجري الحياة على أساس من الحرية الملتزمة، لا الحرية المنفلتة»[1].

* * *

محاولات غير مجدية لاحتواء الرسول

{إِنَّكَ لأنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} بما تملكه من هدوء الطبع وسعة الأفق، وعمق النظرة للأمور بحيث تراعي الموازين الحقيقية للأشياء، فكيف صدر منك هذا التصرف، وهذا الكلام الذي يدّل على النزق، وعلى عدم الحكم السليم على القضايا؟ إنهم يحاولون بهذا الأسلوب القيام بعملية تطويق عاطفيّ، واحتواءٍ نفسي له، بإثارة شعوره بمكانته الرفيعة عندهم، كي يقوده ذلك إلى التراجع عن موقفه، ليحتفظ بهذه المكانة، كما هو شأن الكثير من الناس الذين يريدون الحصول على ثقة المجتمع، بالانسجام مع ما يحب ويرغب. ولكن أنبياء الله لا يعيشون لأنفسهم، بل يعيشون لرسالتهم، ولذلك فإنّهم لا يتنازلون عن خط الرسالة لحساب الذات، وإذا أرادوا الوصول إلى ثقة المجتمع، فإنما يريدونها على أساس الثقة بالرسالة، لتكون قيمة الذات، في ما تجسّده من السلوك الرساليّ ، لا في ما تجسّده من صفات الذات، ولذلك رأينا النبيّ شعيب يقف أمامهم بقوّة من دون أيّ تأثّرٍ عاطفيّ بما قالوه.

* * *

بيِّنات... وأهواء

{قَالَ يا قَوْمِ أَرَءَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي} لما أعيشه في مسألة الإيمان من وضوح الرؤيا والدلائل والبينات التي أكرمني بها الله، إلى درجة عدم إحساسي بأيّ حالة من حالات الشك والريب في صحة ما أنا عليه، وفي صدق ما أدعو له، {وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا} بما أغدقه علي من نعمه وألطافه، وبما رزقني من رسالته، فلا بد لي من أن أقف لأدعو، وأتحرّك لأتحدّى بالأسلوب الذي يحقق القناعة للفكر، ويركّز القوة للموقف، ويبعث الامتداد في الدعوة، وليست المشكلة هي أن يرضى الناس أو لا يرضوا، بل كل مشكلتي، هي أن يرضى الله عما أقوم به في مجال تأدية الرسالة، وإخلاص الدعوة.

{وَما أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ}، فلم أنهكم عن شيء إلا وقد ألزمت نفسي بتركه، انطلاقاً من قناعتي بما يتضمنه من المفسدة، وما يؤدّي إليه من الضرر، وبذلك فإن موقفي ينطلق من موقع القناعة والإيمان، لا من موقع الرغبة في التحكّم بكم، والتضييق عليكم، والتقييد لحريتكم، كما تزعمون. لأجل ذلك، كان لا بد لي من إثارة الفكرة أمامكم، لحثكم على الدخول معي في نقاش فكريّ حولها، ولكنكم واجهتم المسألة باللاّمبالاة، وابتعدتم عن مسؤولية ما تحملونه من عقيدة، وما يُلقى عليكم من فكر، فاستسلمتم لعقائد آبائكم التي لا ترتكز على أساس، ولحرية الأهواء التي لا تخضع لقاعدة، فوقفتم هذا الموقف السلبيّ الساخر المتعنِّت. إن ذلك شأنكم في التصرف الذي سوف تتحملون مسؤوليته أمام الله، في الدنيا والآخرة، أما أنا فسأبقى في ساحة الرسالة من أجلكم، لأقدّم لكم النصح الذي يصلح أمر دنياكم وآخرتكم.

* * *

دين الله لإصلاح الإنسان والحياة

{إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ} هذا هو الشعار الذي أرفعه في حركة الرسالة، وهذا هو مضمون مفاهيمها وتشريعاتها، وهذا هو الهدف الذي أسعى إليه من وراء موقفي معكم ومع الناس، فليس لدي هدفٌ شخصيّ في ما أدعوكم إليه، ولا أريد ممارسة السيطرة عليكم ولا التحكم بكم، بل كل ما أريده تأدية الرسالة في إصلاح الإنسان والحياة، على هدى دين الله، ولذا فإنني ألتزم في نفسي وفي حياتي العملية بما أدعوكم إليه، وهل يريد الإنسان لنفسه إلا الخير، {وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ} وسأستمر في السير إلى الهدف، متطلعاً إلى توفيق الله ورعايته، معتمداً على الله فهو الذي يهيء لعباده الأسباب، ويدبّر لهم الأمور.

* * *

الله هو الكافي

{عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} في كل ما أريد أن أقدم عليه، في إمكاناتي الذاتية التي رزقني بها الله، وفي كل ما يمكن أن يواجهني في حاضر الحياة ومستقبلها، من تهاويل المجهول الذي جعل الله أمره بيده، فهو الكافي له، والحامي منه، لأنه يكفي رسله من كل شيء، في حدود الحكمة والمصلحة، ولا يكفي منه شيء، لأنه القادر على ما لا يقدرون عليه، والمهيمن على كل شيء من مخلوقاته الناطقة والصامتة، {وَإِلَيْهِ أُنِيبُ} فهو المرجع في الدنيا، والملاذ في الآخرة، وإليه المصير.

وهذا هو موقف القوة الواعية التي أراد شعيب أن يعيشها في نفسه لئلا تهتز أمام ضغوطهم، وليبنيها لهم، حتى يشعروا بطبيعة القوة التي يملكها بالاعتماد على الله، والتوكل عليه في جميع أموره مما يجعل لموقفه قوة بارتكازه على الغيب أولاً، وعلى قوة شعيب الذاتية ثانياً.

* * *

تحذيرات شعيب لا تلقى الصدى المطلوب

ثم يتابع شعيب ممارسة الضغط النفسي عليهم، فيعيدهم إلى ما ينتظرهم من نتائج الكفران والجحود، الذي أصاب السابقين من الكافرين {وَيا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي} أي لا يدفعنكم خلافكم معي، ومعاداتكم لرسالتي، {أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ} من الأمم السالفة، {وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ} من الأمم القريبة من تاريخكم مما يجعلكم قادرين على معرفة الاثار التي تركوها، والمدائن المخسوفة التي لا تزال ماثلةً أمام أعينكم، لأن الأعمال التي عذبهم الله بها هي أعمال التمرد على الله، والكفر برسالته ورسله التي تقومون بها الان.

{وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ} وافتحوا قلوبكم لله، وأشهدوه عليها بالإحساس العميق بالندم، والابتهال الخاشع إليه، واطلبوا منه المغفرة لذنوبكم في ما أسلفتم من ذنوب {ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ} في موقف عمليّ، يؤكد رجوعكم عما أنتم فيه، ويدفع بكم إلى الموقف الصحيح الذي يضع أقدامكم على الصراط المستقيم الذي يؤدّي إلى الحصول على مغفرته ورحمته ورضوانه،{إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ} فمنه الرحمة الواسعة لعباده، والمودّة الرحيمة التي يسبغها عليهم من لطفه وعطفه.

ولعل في تعبيره عن الربّ، بالإضافة إليه، بعد أن كان قد أضافه إليهم، إشارة إلى ما يملكه من المعرفة به في صفاته الحسنى، وجهلهم بتلك الصفات. بينما كان هدف إضافته إليهم في دعوتهم للاستغفار والتوبة، الإيحاء بأنّهم المربوبون له، لا إلى غيره من الأرباب التي يتوهمونها ويدّعونها من دونه، الأمر الذي يفرض عليهم المبادرة للحصول على رضاه.

... ويستمر شعيب في إنذارهم وترويضهم بمختلف الأساليب، ولكنهم لا يرتدعون، ولا يسمعون، فهم في شغلٍ عن التفكير بذلك، لانصرافهم إلى التفكير بالوسائل التي يضعفون بها موقفه، ويهزمون بها رسالته، {قَالُواْ يا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ} فليس لهذه الأفكار التي تثيرها أمامنا، أي صدىً في نفوسنا لأنها بعيدة عن الأجواء التي عشناها في حركة العبادة، فقد تعوّدنا على نمط من الفكر والسلوك، عايشناه، ولا مجال معه للنظر في تفكير جديد أو دعوة جديدة، لأن ذلك يدفع بنا إلى الاهتزاز في المواقف، والابتعاد عن مواقعنا التاريخيّة المرتبطة بالآباء والأجداد. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن مَنْ يريد تغيير المجتمع على أساس دعوته لا بد من أن يملك القوة الاجتماعية التي تفرض على الناس اتبِّاعه، والخضوع له، لأن قضية التغيير تمثل نوعاً من أنواع القوّة التي لا تملكها بيننا، {وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا} فأنت لا تملك قوّةً ذاتيةً جسديةً أو ماليّةً، أو معنويّةً، تعزز موقفك، {وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ} فأنت تملك نفراً قليلاً من عشيرتك، وهو ما يعبّر عنه بكلمة الرهط، نراعي موقفهم ونحترم موقعهم، ولذلك فإننا لا نسيء إليك، لأننا لا نريد الإساءة إليهم، كونهم انسجموا مع موقفنا منك، فلم يتبعوك في ما تدعونا إليه {وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} فليست لك أيّة منعةٍ أو عزةٍ أو كرامةٍ، مما يجعلنا ننظر إليك نظرة استهانةٍ واحتقارٍ، فلا نعبأ بك ولا بما تقول.

ولكن شعيبا لا يتراجع عن موقفه ورسالته، بل يتابع العمل على تصحيح مفاهيمهم الخاطئة والمنحرفة عن الخط المستقيم {قَالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ}، مما يدفعكم إلى احترامي لحساب قومي، ولا تستجيبوا لما أبلّغكم به من رسالات الله، لحساب الله ربكم وربي، فأيّ منطق هو هذا المنطق الذي توازنون من خلاله بين عباد مخلوقين، هم رهطي، وبين رب العالمين جميعاً، فتشعرون بالتعاطف مع هؤلاء، وتتركون مراقبة الله القوي القادر القاهر الجبّار... {وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً} أي جعلتموه وراء ظهوركم، كنايةً عن نسيانه وعدم الاعتناء به، وهذا منتهى السفه في التفكير وفي العمل، يفقد معه الإنسان اتزانه في تقييم الأشياء، وتقدير موازين القوّة، ومواقع القدرة.{إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}.

* * *

وقفة العزّة

ثم يقف شعيب وقفة القوّة والعزّة التي يستمدها من إيمانه بالله وتوكله عليه، ليؤكد لهم صلابة موقفه، ومتانة مركزه، وقوّة شخصيته، وبأنه سيمضي في طريقه، بالرغم من كل تهاويلهم وتهديداتهم، ولن يتوقّف عن السير في الطريق إلى الله، مهما قالوا، ومهما فعلوا.

{وَيا قَوْمِ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ} أي تابعوا الحال التي أنتم عليها في المجالات التي تملكون فيها إمكانات الحركة وظروف العمل، فهذا شأنكم في ما تريدون وما لا تريدون، {إِنِّي عامِلٌ} في الخط الذي أسير عليه لأني واثق بسلامته، وصحته، ولن يغيّر قناعاتي شيءٌ مما تهدون به،أو تثيرونه ضدي.. وسترون النتائج السلبية لمواقفكم الكافرة على مستوى الدنيا والآخرة ، مقارنة بالمواقف الإيجابية لموقفي في السير على خط الرسالة. {سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ} ويرتفع عنكم غشاء الجهل والضلال الذي يغشي عيونكم وقلوبكم {وَارْتَقِبُواْ إِنِّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ} ولن يطول انتظاري وانتظاركم فسيأتيكم العذاب الشديد، وستعرفون من الكاذب، والصادق في ساحة الصراع.

{وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّاَ} وجاء العذاب، وامتد في كل ساحاتهم حتى لم يبق منهم أحد، أما شعيب والمؤمنون معهم فقد أنجاهم الله منهم، لأنهم امنوا بالله وصدقوا معه، وثبتوا في مواقف الاهتزاز، كذلك يرحم الله عباده المؤمنين {وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ} التي صعقتهم فلم يستطيعوا حراكاً ولا دفاعاً، ولم يملكوا ثباتاً لأقدامهم في أي موقع {فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} لا يتحولون عنها {كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ} كأن لم يقيموا فيها، فقد ذهب كل أثر للحياة فيها من خلالهم، كما لو كانوا يعيشون فيها منذ الأزل، {أَلاَ بُعْدًا لِّمَدْيَنَ } قرية شعيب، وهو الدعاء بالهلاك على سبيل الكناية {كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ} قوم هود الذين أهلكهم الله وأبعدهم عن ساحة رحمته.

ــــــــــــــــــــ

(1) فضل الله، محمد حسين، الحوار في القرآن، دار الملاك، ط: الخامسة، 1996م ـ 1417هـ، ص:310 ـ 311.