تفسير القرآن
هود / من الآية 103 إلى الآية 109

 من الآية 103 الى الآية 109
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرةِ ذلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ* وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأجَلٍ مَّعْدُودٍ* يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ* فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ* خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَـوَاتُ وَالأرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ* وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَـوَاتُ وَالأرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ* فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هَـؤُلاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءَابَاؤهُم مِّن قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنقُوصٍ}(103ـ109).

* * *

معاني المفردات

{مَّشْهُودٌ}: يشهده الخلائق.

{مَّعْدُودٍ}: مُعيَّن في علم الله.

{زَفِيرٌ}: الزفير: أول صوت الحمار.

{وَشَهِيقٌ}: الشهيق: آخره. وقد كنى بهما سبحانه عن آلام أهل النار وأحزانهم.

{مَجْذُوذٍ}: مقطوع.

{مِرْيَةٍ}: المرية: الشك.

* * *

منهم شقيّ وسعيد

{إِنَّ فِي ذلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرةِ} ذلك أن صدق الله وعده بالعذاب في الدنيا، يوحي لعباده بصدق وعيده في الآخرة، مما يبعث في نفس الإنسان الواعي الخوف الوجدانيّ من العذاب بحيث يتحرك في حياته على أساس انتظار ذلك اليوم، {ذلِكَ يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ النَّاسُ} فلا يغيب عنه أحد من أوّل الخلق إلى آخره {وَذَلِكَ يَوْمٌ مَّشْهُودٌ} يشهده الخلائق كلهم، {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأجَلٍ مَّعْدُودٍ} تبعاً للحكمة الدقيقة التي أراد الله للحياة أن تخضع لها في بدايتها عندما بدأ الله الخلق، وفي نهايتها، عندما يعيدهم إليه ويحشرهم يوم القيامة.

{يَوْمَ يَأْتِ لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ} فله الأمر كله، ولا يملك أحدٌ لنفسه ولا لغيره شيئاً، فلا يتكلم إلا مَنْ أذن الله له بالكلام، {فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ} من خلال ما اختاروه لأنفسهم من شقاء بعد الانحراف عن الخط المستقيم، وعدم الإيمان بالله، وبرسله، وبرسالاته، والعمل بطاعته، أو من خلال ما اختاروه لأنفسهم من سعادة بالانسجام مع وحي الله وتعاليمه.

{فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُواْ فَفِى النَّار} فذلك هو موقعهم في الآخرة، {لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ} مما يعانوه من ضغط العذاب وشدّته، وما يعيشونه من أحزان العقاب وآلامه، {خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَـوَاتُ وَالأَرْض} فلا مجال للتخلص من العذاب في أيّ وقت، بل يمتد بهم ذلك بامتداد السماوات والأرض، {إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ} لأن الأشياء كلها تخضع لمشيئته، فلا حتميّة لشيء في الدنيا أو في عالم الخلود إلا من خلال إرادته التي تعطي الأشياء وجودها، وتمنح الموجودات استمرارها، فمشيئة الله تحكم كل شيء في البداية، والاستمرار، والنهاية... ولعل هذا هو الملحوظ في هذا الاستثناء، لتأكيد الإرادة الإلهية التي إذا حكمت على الأشقياء بالخلود في العذاب، فإنه من الممكن أن ترفع ذلك عنهم في المستقبل، لأنّ هذا الحكم مربوط بالمشيئة الإلهية، التي قد تعلق حكم خلودهم في النار أو تمد بذاك الحكم إلى الأبد، {إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ }فهو المهيمن على كل شيء، فكل شيء خاضع لإرادته .

{وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُواْ} بإيمانهم الخالص لله وبأعمالهم الصالحة، {فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَـوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَآءَ} فإذا شاء الله لهم الخروج منها فلا بد أن تتحقق مشيئته، {عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} أي غير مقطوع، إشارةً إلى استمرار البقاء في الجنة، على أساس ما يوحيه عدم الانقطاع في عطاء الرحمة والرضوان والنعيم.

* * *

الجنة والنار بين الخلود والأجل المحدود

وقد يثار سؤال حول التعبير بكلمة: {مَا دَامَتِ السَّمَـوَاتُ وَالأَرْضُ}، فهي تحدد الخلود بالشكل الذي قد يوحي بأنه إذا كان للسماوات والأرض أجلاً محدوداً، فيترتب عليه وجود أجل محدود للجنة والنار، باعتبار وجودهما في نطاق السماء والأرض، وربما يؤكد ذلك بعض الآيات التي حددت للسماء والأرض أجلاً كما في سورة الأحقاف: {حـم* تَنزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ* مَا خَلَقْنَا السَّمَـوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًى وَالَّذِينَ كَفَرُواْ عَمَّآ أُنذِرُواْ مُعْرِضُونَ} [الأحقاف:1 ـ 3]، وقوله تعالى في سورة الأنبياء: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَآءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء: 104].

على أن هناك آيات تدل على الخلود الأبدي للجنة والنار كقوله تعالى في سورة التغابن: {جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الاَْنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً} [التغابن:9]، وقوله تعالى في سورة الأحزاب: {وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً*خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً لاَّ يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً} [الأحزاب: 64 ـ 65]...

فكيف يمكن التوفيق بين ذلك؟

* * *

الميزان... رأي ومناقشة

وقد أجاب صاحب الميزان عند ذلك بقوله: «والذي يحسم الإشكال أنه تعالى يذكر في كلامه أن في الآخرة أرضاً وسماوات، وإن كانت غير ما في الدنيا بوجه، قال تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ وَالسَّمَـوَاتُ وَبَرَزُواْ للَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48]، وقال حاكياً عن أهل الجنة: {وَقَـالُواْ الْحَـمْدُ للَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} [الزمر: 74]، وقال يَعِدُ المؤمنين ويصفهم: {أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد:22].

فللآخرة سماوات وأرض كما أنّ فيها جنةً وناراً ولهما أهلاً، وقد وصف الله سبحانه الجميع بأنها عنده، وقال: {مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ} [النحل:96]، فحكم بأنها باقيةٌ غير فانية.

وتحديد بقاء الجنة والنار وأهلهما بمدة دوام السماوات والأرض إنما هو من جهة أن السماوات والأرض مطلقاً، ومن حيث أنهما سماوات وأرض مؤبدة غير فانية، وإنما تفنى هذه السماوات والأرض التي في هذه الدنيا على النظام المشهود، وأما السماوات التي تظُلّ الجنة مثلاً، والأرض التي تُقلّها وقد أشرقت بنور ربها، فهي ثابتة غير زائلة، فالعالم لا يخلو منهما قط»![1].

وقد نلاحظ أن ما استظهره العلامة الطباطبائي من الآيات التي ادعى دلالتها على فناء السماوات والأرض في عالم الدنيا غير دقيق، لأن الآية التي تتحدث عن تبديل الأرض ليست ظاهرة في تبدل الحقيقة بل يمكن أن يكون المقصود بها تبدلُّ الصورة، وهذا ما يؤكده الحديث عن تحول الجبال إلى قاع صفصفٍ، كما أن الآية التي تتحدث عن طيّ السماء قريبةٌ من هذه الصورة. أما الآية التي تتحدث عن خلق السماوات والأرض بالحق وأجل مسمّى، فليس من الضروري أن يكون الأجل المسمّى أجلاً لهما، بل ربما كان الملحوظ فيه ـ كما يرى بعض المفسرين ـ المخلوقات التي تعيش عليها من خلال الحق الذي يُراد لها أن تتحرك فيه، ومن خلال الوقت الذي وُقّت لها...

وعلى كل حال، فليس هناك من دليل على وجود سماوات وأرض في عالم الآخرة غير ما هو في عالم الدنيا، ولا دلالة في قوله تعالى: {وَأَوْرَثَنَا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ} [الزمر:74] فلعلها تصلح دليلاً على أن الجنة في الأرض كما يستفيده البعض، أو على وراثة المؤمنين للأرض، وللجنة التي يتحركون فيها بحرّية، وهكذا في آية تبدّل الأرض.

أما الحديث عن الخلود في دائرة دوام السماوات والأرض، فلا يفرض أن يكون هناك وقت محدّد لهما، بل يمكن أن يكون تعبيراً طبيعياً عن ارتباط الجنة والنار بالمكان الذي يوجدان فيه، تماماً كما هو الأمر في حالة التعليق بالمشيئة، كأسلوب من أساليب التنوُّع في التعبير الإيحائي، للإيحاء بالعوامل المؤثرة في امتداد الخلود في خط الأبد، وعلاقته بطبيعة الأشياء التي لا تحمل في ذاتها عناصر الحتمية إلا من خلال استكمال الشروط الطبيعية في الوجود، والإرادة الإلهية في حركة الكون كله... ويبقى للآيات الأخرى الحديث عن طبيعة الواقع الفعلي للشروط، وعما تقتضيه المشيئة الألهية من جهة أخرى، وربما كان هذا المقدار من البحث كافياً في استيضاح طبيعة المسّألة في هذه الآية.

* * *

الجمود في العقيدة

{فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ} أي في شك وريب، {مِّمَّا يَعْبُدُ هَـؤُلاءِ} مهما حاولوا أن يثيروا من القلق في الموقف، ومن الشك في الفكرة، لأن الأساس الذي يرتكزون عليه لا يخضع لقاعدةٍ فكريةٍ بل كل ما لديهم من الحجة هو أن آباءهم كانوا يعبدونها، فهم يقلّدونهم في عبادتهم تلك، {مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءَابَاؤهُم مِّن قَبْلُ} وذلك هو سر الجمود في العقائد والعادات والتقاليد، لأنّ الأبناء لا يريدون الابتعاد عن خطّ الاباء، لشعورهم بالغربة الروحية في حال الاختلاف عنهم، ولكن ذلك لا يُعتبر مبرِّراً لهم مهما حاولوا إقناع أنفسهم به، والله سوف يحاسبهم على عبادتهم المنحرفة لأنه قد أقام عليهم الحجة بما يدعو إليه العقل، ويرشد إليه الوحي، {وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ} من العذاب {غَيْرَ مَنقُوصٍ} لأنهم يستحقونه لعنادهم وتكبرهم.

ـــــــــــــــــــ

(1) تفسير الميزان، ج:11، ص:25.