من الآية 116 الى الآية 117
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيتــان
{فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ* وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}(116ـ117).
* * *
معاني المفردات
{الْقُرُونِ}: جمع قرن، وهو أهل كل عصر، وشاع تقديره بمئة سنة.
{بَقِيَّةٍ}: بقية الشيء: ما يبقى منه، يقال: بقية السلف الصالح أي: من بقي منهم بعد ذهاب أكثرهم.
{أُتْرِفُواْ}: الترف: النعمة والجدة، أي اتبعوا ملذات الدنيا، فأبطرتهم وأفسدتهم.
* * *
المعصية والكفر إجرام
{فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ} أي كان المطلوب أن يكون من هؤلاء القوم الذين عاشوا في القرون السالفة، {أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} جماعة جاءت بعدهم وانتهجت سلوكاً على غير الطريقة التي ساروا عليها {يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ} من موقع المسؤولية عن إصلاح الدنيا وتهديم الفساد، ولكن لم يحدث ذلك فقد تبع الخلف السلف في طغيانه وتمرّده في عملية الفساد والإفساد، {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} من الأنبياء والمؤمنين الذين اتبعوهم في الإيمان بالرسالة وجاهدوا في سبيل الله، وهؤلاء يمثلون القلّة في المجتمع الذي سيطر عليه المترفون بكفرهم وضلالهم، ممن ظلموا أنفسهم ومن حولهم من الناس، والحياة التي تحيط بهم، {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ} من مال وشهوات وأطماع في ما تدعوهم إليه من ظلمٍ للناس، واحتكارٍ لأرزاقهم، وتحكّم فيهم بما لا يرضى به الله، وانقيادٍ للذائذهم وشهواتهم، واستسلام لدعوات الشيطان وخطواته في ما يأمرهم به، أو ينهاهم عنه، وتركهم لدعوة الله في السير على الصراط المستقيم في خطّ العقيدة والعمل.
{وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} وأيّة جريمةٍ أعظم من الاستعلاء على الناس، وإفساد حياتهم، وتدمير عقيدتهم، وإبعادهم عن الله، وتشويه أفكارهم وتصوراتهم، وإقامة الحواجز بينهم وبين رسل الله ودعاة الحق، إنها الجريمة البشعة لأنها تمثل الاعتداء على الحياة بكل روحيتها وعمقها الإنساني وامتدادها الرسالي نحو الله.
* * *
الله الرحيم العادل
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} لأن العذاب لا يمثل حالة عقدة، كما هو الحال لدى الناس الذين يحكمون فيتحركون ـ في حكمهم ـ من موقع العقدة الذاتية التي تتلذّذ بعذاب الآخرين وترتاح بظهور الألم في حياتهم، وتشعر بالعظمة أمام مشاريع هلاكهم، ولكن الله غنيّ عن ذلك كله، فهو الخالق والرازق والمنعم، الذي يملك القوّة كلها، وهو الرحيم بعباده، وهو الحكيم الذي لا يتصرف إلاّ وفق الحكمة في الثواب والعقاب فلا يعاقب إلا على أساس ما يمثله العقاب من مصلحةٍ للإنسان، وسلامةٍ للحياة، وذلك في الحالات التي يستسلم فيها الناس للتمرد والعصيان والطغيان والانحراف، والإفساد لحياة الناس، فإن العقاب يمثل حالةً رادعةً، ومعاملة للمسيء بما يستحق من عذاب، بينما يمثل الثواب تكريم المحسن بما يستحق من نعيم وإلا كان المحسن والمسيء بمنزلة سواء. أما إذا كان الناس مصلحين في فكرهم وعملهم، فإن الله لا يمكن أن يعاقبهم لأنهم لم يرتكبوا ذنباً يُعاقبون عليه، بل عملوا عملاً يثابون عليه، فيكون العقاب في هذه الحال ظلماً، تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.
تفسير القرآن