من الآية 118 الى الآية 119
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيتــان
{وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ* إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأمْلاََنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}(118ـ119).
* * *
ولو شاء ربك لجعل الناس أمّة واحدة
{وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً}، فإن قدرته في خلقهم على الشكل الذي خلق فيه أجسادهم هي قدرته نفسها على خلق الطريقة التي يستخدمون بها عقولهم وأفكارهم، لأنه قادر على كل شيء يتعلق بهم في أصل الخلق وتفاصيله، فإذا أراد أن يجعلهم على مستوىً واحد في التفكير ليصلوا إلى نتيجة واحدة، أو ليكونوا ـ في أصل وجودهم ـ على تصور واحد لكل القضايا المتعلقة بالإيمان والحياة، فهو قادر، لأنه إذا أراد شيئاً فإنه يتفتح على القضية الحاسمة {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل:40].
{وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} في ما اقتضته سنَّة الله في وجود الإنسان من اختلاف في مستوى التفكير وطريقته، وتنوّع في التجربة وطبيعة النتائج التي ينتهي إليها كل منهم، مما يوجب كثيراً من التنازع والارتباك في شؤون الحياة الخاصة والعامة للناس، ويؤدّي إلى الانحراف عن الخط المستقيم، والبعد عن خط الإيمان والاقتراب من خطوط الكفر والضلال.
* * *
لماذا يحدث الخلاف بين الناس؟
وتلك هي طبيعة الحرية التي جعلها الله للإنسان في إرادته، في ما تتحرك به في الخطوط المتوازية للفكر والعمل لما يراه الله من الحكمة في ذلك، بعيداً عن أيّ محذورٍ عقليّ، لأن الله جعل من الضوابط الذاتية التي تحدّد للإنسان خط السير في مناهج الفكر وأساليبه، وطبيعة المضمون، مما لو اختاره وسار عليه لاستطاع أن يصل إلى نتيجةٍ واحدةٍ، ولكنّ مشكلته، أن نوازعه الذاتية تتدخّل في نهج تفكيره، وفي عملية الاختيار، كما أن أوضاعه العاطفية والانفعالية، قد تؤثر على قراراته الفكرية، فتختلط عليه الأمور، وتتشابك القضايا، ويفقد وضوح الرؤية لما يحيط به.
وبذلك يحدث الخلاف بين الناس الذي يؤدّي إلى أكثر من نتيجة سلبية على مستوى الواقع الإنساني العام، {إِلاَّ من رَّحِمَ رَبُّكَ} من المؤمنين الذين تقبّلوا ما أفاضه الله على الناس من رحمته فاختاورا الإيمان من مواقع الوضوح، وساروا في خط الهدى على ضوء العقل الواعي الذي يتابع الأمور بتركيز واتزان. ذلك أن بعض الناس يتعامل مع الرحمة الإلهية بالانفتاح في الوعي والفكر المسؤول، فيصل إلى الحقيقة من أقرب طريق، أما البعض الآخر، فيعيش لوناً من الضباب العاطفي والحسّي، ويستغرق في دائرة من الانغلاق الفكري عن مواقع الحقيقة فيبتعد عنها.
* * *
غاية الخلق الرحمة أم الاختلاف؟
{وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ} لينفتحوا على آفاق رحمته، في ما يريده لهم من الالتزام بطاعته التي تحقق لهم مصالحهم المادّية والروحيّة، والابتعاد عن معصيته التي تبعدهم عما يفسد حياتهم أو يضرّها، وهذا المعنى يلتقي بمضمون الآية الكريمة التي تحدثت عن غاية الخلق، وهي: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وهذا التفسير أولى من إرجاع الفقرة إلى الاختلاف باعتبار ما يوحيه من تنوع في الأفكار والأذواق والأدوار، التي تقتضيها طبيعة الحياة في حركتها، مما لا يمثل حالةً سلبية في واقع الإنسان، لأن التنوع يلعب دوراً محرضاً لتحريك الحياة وتطويرها على الصعد كافة، وهذا ما ذهب إليه بعض المفسرين، ولكن الظاهر من سياق الآية أنها تؤكد على مسألة الهدى والضلال في عالم الوحدة والاختلاف، وتعتبر الاختلاف مظهراً سلبياً لارتكازه على البغي والعدوان كما صرّحت في أكثر من آية، ولذلك كان الاستثناء بفقرة {إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} التي تعتبر الرحمة نعمة تستحقها الفئة التي اختارت الإيمان في ما حاولت أن تمارسه من مسؤولية الحرية في الإرادة بما ينسجم مع تشريع الله.
وربما كانت الفقرة التالية دليلاً على مثل هذا الجوّ المتحرك في السلوك الإنساني، القائم على أساس المسؤولية الداخلية والخارجية عن أعماله أمام الله، {وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ} وإرادته الحاسمة في حكمه النافذ في الأشياء، في المطيعين والعاصين الذين يمثلون الخط الإيجابي والسلبي في نطاق الاختلاف الإنساني، {لأملأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} في ما يمثله هذا المفهوم من امتلاء الجنة بالناس والجن الذين أطاعوا الله في ما أمر به أو نهى عنه، ولم يعصوه في ذلك في قليل أو كثير، كما هو الحال في امتلاء جهنم بالعاصين من الجنة والناس على ما ينص عليه منطوق الآية.
تفسير القرآن