تفسير القرآن
هود / من الآية 120 إلى الآية 123

 من الآية 120 الى الآية 123
 

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيــات

{وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَآءَكَ فِي هَـذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ* وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ* وَانْتَظِرُواْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ* وَللَّهِ غَيْبُ السَّمَـوَاتِ وَالأرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}(120ـ123).

* * *

معاني المفردات:

{نَّقُصُّ}: القصص: الخبر عن الأمور بما يتلو بعضه بعضاً.

{أَنْبَاءِ}: والنبأ: الخبر بما فيه عظيم الشأن.

{نُثَبِّتُ}: نقوي.

{مَكَانَتِكُمْ}: مكانة الإنسان: حاله التي تمكنه من العمل.

* * *

القصة في حركة الرسالة

وهكذا تلخّص لنا نهاية السورة الدور القصصي الذي تضمنته، والنتيجة المرعبة التي تنتظر غير المؤمنين، ويحتمل غموض التهديد الصادر عن الله أن يحدث أي شيء من الذي يملك الأمر كله، وإليه ترجع العبادة كلها، فهو في حضور دائم، في كل شيء، ومع كل شيء.

{وَكُـلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ} الذين سبقوك في المرحلة، فبلّغوا وعملوا وواجهوا كل أنواع التحدّي والتمرُّد، وثبتوا في مواقع الاهتزاز، وانتصر الله لهم في أكثر من موقف، فوقفوا في الموقع القويّ الذي زادهم قوةً إلى قوّتهم. ولكن ما مهمة هذا العرض القصصي؟؟ هل هو مجرد حكاية التاريخ، وسرد أحداثه، أو هو تخطيطٌ إلهيّ لتثبيت موقف النبي، أمام الهزات النفسية التي قد يتعرض لها أمام التحديات الصعبة التي تواجه حركة الرسالة؟ إن الله يثبت لنا الشقّ الأخير في المسألة، فالقرآن كتابٌ رساليٌّ يخطّط للرسول طريقه، في التفكير والإحساس، ويوجه السائرين على خط الرسول أن يقفوا في مواقع الثبات والقوّة أمام حالات التحدي، لأن سرد التاريخ الرساليّ أمام الرساليين يجعلهم يستشعرون الخط الثابت الذي تتحرك فيه الرسالات فيسيرون عليه امتداداً لحركة التاريخ في ما يلتقي فيه الأنبياء في خط الدعوة والتغيير.

{مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} فلا يقترب إليك القلق، ولا يدنو منك الاهتزاز، وفي هذا بعض الإيحاء بأن الله يربّي نبيّه بآياته أمام ما يمكن أن يعانيه من مشاعر سلبيّة في مواجهة واقع صعب يتحداه، بوصفه بشراً يتأثر بما حوله من دون أن يغيّر ذلك شيئاً من طبيعة الموقف، فيأتي القرآن ليفتح قلبه على الأفق الرحب من التاريخ، ليبدع تاريخاً جديداً منفتحاً للرسالة، وهذا ما ينبغي للرساليين أن يواجهوه عند قراءة التاريخ الرسالي في القرآن، حيث التجربة الرسالية النبويّة التي تفتح القلوب على الله، وتحرّك المشاعر في اتجاه النور.

* * *

دور القرآن في حياة الإنسان

{وَجَآءَكَ فِى هَـذِهِ} الآيات {الْحَقُّ} الذي يحتوي كل المفاهيم المتعلقة بقضايا الإنسان في الكون والحياة بالطريقة التي تحتوي الخير كله، وتلتقي بالثبات كله، فلا مجال للاهتزاز ولا للاختلاط بالباطل في أي اتجاه، {وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} في ما يفتح قلوبهم على الله، واليوم الآخر، فتخشع قلوبهم لذكر الله، وترتعد فرائصهم للحديث عن عقابه، وتنتعش أرواحهم لذكر ثوابه، فتلتقي الموعظة بالذكرى في عملية انفتاحٍ وتأمّلٍ وتدبُّرٍ وتذكُّرٍ لقضية المصير في الآخرة. وهذا هو دور القرآن في حياة الإنسان، فهو لا يغفل حركة الإنسانية في أعماقه، ولكنه يفتح لها الافاق التي تجعلها تبدع وترقّ وتصفو، وتثير المشاعر في اتجاه التركيز المصيري للحياة في عملية تنمية وتوعية وتذكير.

{وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ} وتصرّفوا بما يحلو لكم في المواقع التي أنتم فيها، وخذوا حريتكم في ما تفيضون فيه من أعمال، وفي ما تتحملونه من مسؤوليات، فقد اخترتم سبيل الكفر، وتمردتم على الله في ذلك كله، {إِنَّا عَامِلُونَ} فلن نتوقف عن السير في الخط الإلهيّ مهما تحملنا من جهد، ومهما كلّفنا ذلك من تضحيات، لأننا نجد فيه الخير الذي يبني الحياة على أساس ثابت من الإيمان والعمل الصالح، {وَانْتَظِرُواْ} نتائج أعمالكم السيئة في ما تتحركون به من خطط الشرّ القائمة على الكفر والشرك، وستعرفون من خلال ذلك صدق وعيد الله لكم بالعذاب، {إِنَّا مُنتَظِرُونَ} ذلك لأننا آمنا به لإيماننا بالرسول.

{وَللَّهِ غَيْبُ السَّمَـوَاتِ وَالأَرْضِ} بما يعلمه من شؤون خلقه وأعمال عباده، وهو المسيطر على ذلك، فلا مهرب لأحدٍ منه، ولا ملجأ إلاّ عنده، لأن إرادته هي التي تحيط بكل شيء، وتصنع كل شيء، وتتدخل في كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة، {وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ} وليس لأحد معه شيء، فهو الواحد في ألوهيته، وهو المستحق للعبادة، {فَاعْبُدْهُ} ولا تعبد غيره، {وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} في كل أمورك، فلا تخف من أشباح الغيب التي يمكن أن يواجهك بها المجهول، الذي لا تملك أمره قدرة واختياراً، وتقدّم إلى حياتك ورسالتك بقوّة وثبات، فإن الله يكفي المتوكلين عليه من كل شر، {وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} فلا تغفلوا عن مراقبته، في كل عمل، لتخلصوا له وتطيعوه، فلا يصدنّكم الشيطان عن ذلك بوسوسته وتثبيطه، وكيده وحبائله وغروره، فيبعدكم عن الله، ويصرفكم عن الحق من حيث لا تشعرون، وتلك هي الرقابة الداخلية التي يريد القرآن إثارتها في وعي الإنسان، فيشعر بالحضور الإلهيّ في كل أموره وأعماله، فينضبط في موقع المسؤولية، ويثبت في مواقف الاهتزاز، لتحصل له العصمة من ربّه، في ما يرحم به عباده، وفي ما يفيضه عليهم من لطفه ورضوانه، إنه أرحم الراحمين.