من الآية 63 الى الآية 66
الآيــات
] وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقوّة وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ * فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ[ (63ـ66).
* * *
معاني المفردات:
{مِيثَاقَكُمْ} : الميثاق: العهد.
{الطُّورَ} : الجبل الذي ناجى اللّه عليه موسى (ع).
{بِقوّة} : القوّة: القدرة.
{خَاسِئِينَ} : مطرودين، وقيل: صاغرين.
{نَكَال} : النكال: الإرهاب والعقاب؛ وقيل: هو ما يفعل من الإذلال والإهانة بواحد ليعتبر به آخرون.
* * *
بنو إسرائيل وحرفية الطاعة:
في هذه الآيات، عودة إلى بني إسرائيل ليذكّرهم اللّه بالوضع القلق الذي كانوا يعيشونه تجاه التزامات العقيدة الإيمانية والعملية، فقد أخذ اللّه ميثاقهم بعد إنزال التوراة، وطلب منهم أن يتحمّلوا مسؤولية الوحي الذي أنزل عليهم، وأن يأخذوه بقوّة في الالتزام به وفي الدعوة إليه، وأن يتذكروا ما فيه فلا ينسوه مهما كانت الأوضاع، لأنَّ ذلك هو السبيل للحصول على ملكة التقوى التي تتيح لهم الانضباط أمام اللّه في ما يأمرهم به أو ينهاهم عنه، ولكنَّهم أعرضوا بعد ذلك، فلم يلتزموا بالميثاق. وربَّما كان هذا الخطّ المنحرف معرّضاً للامتداد في حياتهم، فيؤدي بهم إلى الخسران في الدنيا والآخرة، ولكنَّ فضل اللّه عليهم ورحمته بهم، أنقذاهم في آخر لحظة، فرجعوا وتابوا إلى اللّه. ثُمَّ يذكّرهم من جديد بالقوم الذين اعتَدَوْا منهم في قصة السبت التي ابتلاهم اللّه بها، كأسلوب من أساليب اختبار طاعتهم، فحاولوا أن يتلاعبوا بذلك بأن يحبسوا السمك يوم السبت ليجتمع في محل واحد، فلا يخرج منه ليصطادوه في يوم آخر، ليحقّقوا بذلك حرفية الطاعة مع نتائج المعصية، فكان من نتيجة ذلك أنَّ اللّه مسخهم قردة صاغرين، ليكون ذلك عقوبة وعبرة لبقية المجتمعات المعاصرة لهم التي تنظر إليهم فترتدع عن السير في ما ساروا فيه، ولمن خلفها من الأمم التي جاءت من بعدهم... وموعظة للمتقين الذين يأخذون الدرس والعبرة من ذلك كلّه. وقد جاء ذلك في الحديث عن الإمام محمَّد الباقر (ع) وولده الإمام جعفر الصادق (ع) أنهما قالا: " ] لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَ} أي لما معها ينظر إليها من القرى، ]وَمَا خَلْفَهَ} نحن، ولنا فيها موعظة[1].
وروى العياشي في تفسيره أنه سُئل الإمام جعفر الصادق (ع) عن قول اللّه عزَّ وجلّ: {خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقوّة} أبِقوّة الأبدان أم بقوّة القلوب؟ فقال: بهما جميعاً[2]. أمّا طبيعة هذه القوّة فهي العزيمة والجد واليقين الذي لا شك فيه. أمّا الطُّور، فهو الجبل الذي رفعه اللّه فوقهم لإرهابهم بعظمة القدرة، كما ورد في الميزان[3].
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ} في توحيد اللّه والإحسان إلى الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين، والقول الصالح، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، واجتناب سفك الدماء، والانفتاح على الأنبياء جميعاً، واتّباعهم، والالتزام بكتبهم وبرسالاتهم، والابتعاد عن تشريد النّاس من ديارهم والعمل في سبيل اللّه... وغير ذلك من الأمور التي جاءت بها التوراة في خطّ العقيدة والشريعة، وانطلقت بها كتب اللّه في الماضي والحاضر والمستقبل.
{وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ} أي الجبل الذي انتصب فوقكم، حتى خُيّل إليكم أنه سوف يقع فوق رؤوسكم تخويفاً وإرهاباً، لتبتعدوا عن التمرّد الذي تحرّكتم فيه في أجواء العناد، بعد قيام الحجّة عليكم، ما جعل الموقف بحاجة إلى معجزة خارقة تقف بكم في خطّ الاستقامة لتؤمنوا بالتوراة وتلتزموا بها، ولا تنقضوا الميثاق بعد أن كنتم سائرين في هذا الاتجاه.
وفي ضوء ذلك، نعرف أنَّ المسألة لم تكن إكراهاً على العقيدة ـ كما أثاره البعض ـ لتكون قضية الإيمان بعيدة عن دائرة الحرية الفكرية والاختيار الإرادي مما أكده القرآن الكريم في قوله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِى الدِّينِ} [البقرة:256] وفي قوله تعالى: {أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النّاس حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [يونس:99].
والوجه في ذلك، أنَّ العقيدة كانت ثابتةً بأدلتها وبراهينها التي قدّمها لهم موسى (ع) منذ بداية صراعه مع فرعون إلى نهاية تلك المرحلة وبداية مرحلة الدخول في تفاصيل الشريعة والميثاق الذي يمثّل الجانب العملي للإيمان، وكانت الحاجة ماسّة إلى صدمةٍ قوية تدفعهم بعيداً عن حالة التمرّد التي كانت تمثّل التحدّي العدواني، والسلوك الطفولي في مواجهة موسى (ع)، ليشعروا بأنَّ هناك خطراً يتهدّدهم بالمستوى الذي لا يملكون فيه مواجهته، وهذا هو إيحاء هذه الفقرة من هذه الآية ومن الآية الواردة في سورة الأعراف: ]وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ} [الأعراف:171]. ] خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقوّة[ من خلال مسؤوليتكم الرسالية التي حمّلكم اللّه أمانتها التي لا بُدَّ من أن تؤدّوها للنّاس بقوّة في دعوتكم إياهم للإيمان بها والسير عليها، وللجيل الذي يأتي من بعدكم في تقوية الموقع الفكري والعملي الذي يتحوّل إلى قاعدة فكرية وعملية يرتكز عليها المستقبل الإنساني في حركته في الحياة. وهذا يفرض عليكم تحريك قوتكم الذاتية، وتنمية عناصرها، وتقويتها، وتطويرها في هذا الاتجاه، ولا سيما أنَّ الرسالة لا بُدَّ من أن تدخل ساحة الصراع مع التيارات الأخرى المضادة؛ الأمر الذي قد يحتاج إلى المزيد من الطاقات المتحرّكة في ساحة المواجهة. {وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ} من المفاهيم العقيدية والأخلاقية والشرائع العملية، واحفظوه ولا تنسوه، وتدبروا معانيه، ليكون ذلك كلّه حضوراً لكم في وعيكم وفي الواقع ] لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[ ، لأنه يرسم لكم الخطّ المستقيم الذي يفتح لكم أبواب التقوى في الالتزام التوحيدي الذي يتحرّك بكم في خطّ الاستقامة في جميع المجالات. {ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذلِكَ} ، ونبذتُم العهد وراء ظهوركم، وأعرضتم عن كلّ التزاماته ومعطياته {فَلَوْلاَ فَضْلُ اللّه عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} بالتوفيق للتوبة من خلال تهيئة الظروف الملائمة للوعي الروحي الذي جعلكم تواجهون الموضوع بالمزيد من الإحساس بالمسؤولية من خلال ما ينتظركم من النتائج، فرجعتم إليه وسلكتم خطّ الاستقامة، فتاب عليكم وعفا عنكم، ولولا ذلك {لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ} الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، وذلك هو الخسران المبين.
{وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِى السَّبْتِ} وتلاعبوا بأمر اللّه ونهيه، فابتعدوا به عن غايته وحوّلوه إلى مسألة شكلية لا تحمل في داخلها أي مضمون، وذلك أنَّ اللّه سبحانه نهاهم عن الصيد يوم السبت، فكانت الأسماك والحيتان تأتي يوم السبت لشعورها بالأمان، فما كان منهم إلاَّ أن استعملوا طريقة يحبسون فيها الأسماك في ذلك اليوم، فلا تملك الخروج من الطوق الذي نصبوه لها، فيأتي يوم الأحد الذي لا نهي فيه، فيحصلون فيه على ما أرادوا الحصول عليه في يوم السبت، فلم يعد للنهي أية قيمة عملية من ناحية النتائج الواقعية. وهذا ما جعل القضية في سلوكهم هذا تتحوّل إلى اعتداء على الشريعة، فكان عقاب اللّه لهم شديداً لا عهد لهم به {فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ} أي مسخناهم على شكل القردة، وطردناهم من رحمة اللّه، وأبعدناهم عن كلّ مواقع الإنسانية والكرامة.
وقد اختلف الرأي في هذا المسخ هل هو حقيقي، أم هو معنوي تمثيلي؟ فالمعروف هو الأول، لأنَّ ظاهر القرآن هو ذلك من دون ما يمنع من إرادته من اللفظ ومن دون قرينة على إرادة خلاف الظاهر، وأمّا الرأي الثاني، فهو ما ذهب إليه مجاهد حيث قال: «لم يُمسخوا قردةً وإنما هو مَثَل ضربه اللّه كما قال: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَار} [الجمعة:5]، وحكي عنه أيضاً: أنه مسخت قلوبهم فجعلت كقلوب القردة لا تقبل وعظاً ولا تتقي زجراً». ويقول صاحب مجمع البيان تعليقاً على ذلك: «وهذان القولان يخالفان الظاهر الذي أكثر المفسرين عليه من غير ضرورة تدعو إليه»[4].
{فَجَعَلْنَاهَ} هذه الجماعة الممسوخة، أو العقوبة، أو القرية التي اعتدى أهلها فيها، {نَكَال} أي عقوبة للتذكرة والعبرة، {لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَ} أي للقرى المحيطة بها من خلال ما يستفيده أهلها من رؤيتهم لهؤلاء الذين كانوا بشراً فتحوّلوا إلى قردة كنتيجة لتمرّدهم على اللّه، وللنّاس الذين يأتون من بعدها أو للمناطق التي تبتعد عنها. {وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ} الذين يخافون اللّه فيعتبرون بما يحدث للمذنبين من العذاب الدنيوي، فيدفعهم ذلك إلى الانضباط في الخطّ المستقيم.
* * *
وقفة تأمّل مع هذه الآيات:
ويستوقف نظرنا في هذه الآيات عدّة أمور:
الأول: إنَّ إنزال الكتاب على أية أمّة من الأمم يعتبر إلزاماً لها به من قبَل اللّه كميثاق بينه وبين عباده، فيطالبهم بالالتزام به والوفاء بمضمونه، كأيّ عهد شخصي يُلزم به الإنسان نفسه تجاه الآخرين. أمّا عظمة هذا الميثاق، فهي أنه لا يختص بحالةٍ دون أخرى، بل يشمل كلّ حياة الإنسان في كلّ منطلقاتها وتطلّعاتها، لأنَّ الكتاب ينظّم حياته الفكرية والعملية بمفاهيمه وتشريعاته، ولهذا يعتبر الإخلال بأيّ حكم من الأحكام إخلالاً بالميثاق، وربما يرشد إلى ذلك تعقيبه بذكر حادثة الاعتداء على ميثاق اللّه في قصة السبت.
الثاني: إنَّ الأمّة مخاطَبةٌ بأن تأخذ ما آتاها اللّه من الكتاب بقوّة، فلا تستسلم للضعف الذاتي الذي تفرضه الشهوات على الإنسان عندما تضغط عليه في الداخل ليترك الالتزام بمبادئه ومفاهيمه أمامها، ولا تضعف أمام عوامل الضغط الخارجية التي تفرض نفسها على مصالحه لتهدّده بالإساءة إليها فيما إذا حاول التمرّد عليها لمصلحة إيمانه، ما يجعل من قضية الموقف القوي معها قضيةً يفرضها الوفاء بالميثاق بين اللّه وبين عباده.
وقد نستوحي من ذلك ضرورة أن يعمل العاملون على تحقيق القوّة لوحي اللّه المنزل في الحياة، من خلال العمل على الدعوة إليه لتحقيق امتداده في أكبر مساحةٍ بشرية، لأنَّ إيجاد القوّة البشرية للدعوة إلى اللّه يمنح الموقف قوّة في داخل الإنسان عندما يشعر بالتماسك أمام الضغوط المتنوّعة من خلال شعوره الذاتي بالقوّة المستمدة من الجوّ العام، كما يعطيه قوّة في ساحة الصراع حين يقف المؤمنون بقوتهم الإيمانية ليُرهبوا أعداءَ اللّه ويدعموا المستضعفين من أوليائه.
الثالث: إنَّ الإيمان يفرض على الإنسان مواجهة الأعمال الواجبة والمحرّمة في مقام الإطاعة بعمقها الفكري والروحي والعملي، لا بشكلياتها الساذجة، ما يجعل من محاولة تطويق الفكرة بالشكليات التي تعطي للطاعة معناها الحرفي على حساب أهدافها الواقعية، قضيةً تشبه اللعب على الفكرة باسم الفكرة، ولهذا اعتبر اللّه عملهم في السبت اعتداءً على الميثاق مع أنهم لم يخالفوا حرفيّة الأمر، فإنَّ المطلوب هو أن لا يصطادوا في السبت، وقد فعلوا ذلك، ولكن بعد أن طوّقوه بإيجاد الطريقة التي تجعلهم يحصلون على نتيجة الصيد بشكل غير مباشر، وعلى هذا الأساس، كانت عقوبتهم قاسية في الدنيا والآخرة، لأنَّ هذه الطريقة التي تفرّغ الطاعة من روحيتها، تتحوّل إلى ما يشبه السخرية والاستهزاء بالتشريع وصاحبه، للإيحاء بقدرة المكلّف على أن يتجاوز أهداف التشريع بالأسلوب الذي لا يستطيع المشرِّع معه أنه يسجّل عليه نقطة مخالفة قانونية.
(1) مجمع البيان، ج:1، ص:265.
(2) (م.ن)، ج:1، ص:262.
(3) تفسير الميزان، ج:1، ص:197.
(4) مجمع البيان، ج:1، ص:264.