من الآية 97 الى الآية 98
الآيتــان
{ قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّه مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَن كَانَ عَدُوًّا للّه وَملائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّه عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} (97ـ98).
* * *
معاني المفردات:
{وَبُشْرَى} : البشارة: الخبر يؤثر في البشرة تغيّراً؛ وهذا يكون للحزن أيضاً، ولكن غلب استعماله في ما يفرح.
* * *
مناسبة النزول:
جاء في مناسبة نزول هاتين الآيتين مرفوعاً إلى سعيد بن جبير ما يلي: أقبلت اليهود إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقالوا: يا أبا القاسم، نسألك عن أشياء، فإن أجبتنا فيها اتّبعناك، أخبرنا من الذي يأتيك من الملائكة؟ فإنه ليس نبيّ إلاّ يأتيه ملك من عند ربه عزَّ وجلّ بالرساله بالوحي، فمن صاحبك؟ قال: جبريل، قالوا: ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال، ذاك عدوّنا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالمطر والرحمة اتبعناك، فأنزل اللّه تعالى: {قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ} إلى قوله: {فَإِنَّ اللّه عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} [1].
* * *
اليهود والاعتراض الطفولي:
{قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ} الذي هو الملك المقرب عند اللّه، المكلّف بنقل رسالته إلى أنبيائه ـ ولا سيما النبيّ محمَّد (ص) ـ {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّه} ليكون وعيك له في عقلك فتحفظه وتتفهّم معانيه. {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ} من الكتب المنزّلة على الرسل السابقين، لأنَّ القرآن لم يأتِ ناسخاً لما في الكتب كلّها، ولكنَّه جاء معترفاً بها ومصدّقاً لما فيها ومكمّلاً لما يحتاجه النّاس مما استجدّ من قضايا ومشاكل بعد نزولها، فإنَّ قيمة الرسالات الإلهية أنها ـ في مضمونها الفكري ـ يلتقي بعضها مع بعض لتكون حقّاً {وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ} في ما ينتظرهم من النتائج الطيبة بالتزامهم بما فيها في حياتهم العملية...
فإذا كان جبريل برسالته الإلهية التي نزّلها على قلبك، مما يوحي باصطفاء اللّه له في حمل الرسالة إليك من بين الملائكة، وإذا كان قد جاء بها بإذن اللّه لا من خلال نفسه، فإنَّ المفروض أن يكون في موقع الإعزاز والمحبة والتقدير لدى المؤمنين، لأنَّ الإنسان المؤمن يحبّ من يحبّه اللّه ويبغض من أبغضه، فكيف تجمعون بين حبّكم للّه وعداوتكم لحبيبه جبريل؟!
{مَن كَانَ عَدُوًّا للّه وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللّه عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ} لأنَّ اللّه يريد من عباده الإيمان به وبكلّ ملائكته ورسله، وبجبريل وميكال، والتقدير لهم، باعتبار أنَّ الإيمان بالحقّ يمثّل وحدةً في المضمون، كما أنه يمثّل وحدةً في الالتزام، ما يعني أنَّ إنكار بعض مفرداته يؤدي إلى الكفر الذي يعطي صاحبه صفة الكافر الذي لا بُدَّ له من أن يُعدّ نفسه للوقوع تحت سيطرة عداوة اللّه له.
* * *
جبريل وميكال:
وقد جاء الحديث عن جبريل في سورة النحل في الآية 102 بأنه «روح القدس» {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ..[ وفي سورة الشعراء في الآية 191 بأنه «الروح الأمين» {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ} ؛ فقد ذكر المفسرون أنَّ المراد بهاتين الكلمتين جبريل، كما ورد اسم «جبريل» في سورة التحريم الآية (4)[2]. ويتحدّث التاريخ القرآني أنَّ النبيّ (ص) شاهد جبريل مرتين في عروجه إلى السَّماء بهيئته الأصلية، كما ورد ذلك في تفسير سورة النجم، وينقل صاحب «تفسير الأمثل» عن بعض المحققين أنَّ المصادر اليهودية خالية من الدلالة على خصومة جبرائيل لهؤلاء القوم[3]، وهذا يوحي بأنَّ المسألة لم تكن ـ لدى هؤلاء المعاصرين للنبيّ ـ متصلة بالجانب العقيدي، بل هي حركة طفولية مشاغبة لتبرير مواقفهم المضادّة للإسلام، وتقديم شيءٍ ـ أي شيء ـ أمام ذلك. أمّا ميكال فقد اقتصر ذكره على هذا المورد. وفي هذه الآية دلالة على قربه من اللّه وتعظيم اللّه له حتى اعتبرت عداوته كفراً.
* * *
لقد جاءت هذه الآية توبيخاً لليهود على هذه العقلية الطفولية التي يحملونها، لأنَّ جبريل إذا كان عدوّاً لهم، فما دخله بما ينزل به من عند اللّه مما يكون مصدقاً لما بين أيديهم من الكتب ومتضمناً للهدى والبشرى للمسلمين الذين يسلمون قلوبهم ووجوههم للّه؟ وهل يكون حال هذا المنطق إلاَّ كمنطق الإنسان الذي يرفض الرسالة التي تحقّق له الربح والسعادة والنجاح بحجة أنَّ الناقل لها غير محبوب له، أو غير مرغوب لديه.. إنه منطق الطفولة الغبية الذي لا يعتمد على أساس فكري، بل يخضع للانفعالات الساذجة.
ثُمَّ أكّد اللّه أنَّ العداوة للّه وللملائكة ومنهم جبريل وميكال، وللرسل، تستوجب الكفر في مدلولها السلبي في رفض الالتزام بالأسس التي يقوم عليها الإيمان، وتؤدي بالتالي إلى عداوة اللّه لهم متمثّلةً في سخطه وعقابه. أمّا بالنسبة إلى عداوة اللّه فواضح، وأمّا بالنسبة إلى عداوة الأنبياء والملائكة، فلأنهم لا يمثّلون أنفسهم في ما يدعون إليه أو يفيضون فيه، بل ينطلقون في سلوكهم من موقع علاقتهم باللّه وقربهم منه، ما يجعل من عداوتهم عداوة للّه وحده.
(1) الواحدي، أبو الحسن علي بن أحمد (النيسابوري)، أسباب النزول، دار الفكر، 1414هـ/1994م، ص:16.
(2) الآية: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيراً} [التحريم:4].
(3) الشيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، مؤسسة البعثة، بيروت، ط:1، 1413هـ/1992م، ج:1، ص:268.
تفسير القرآن