تفسير القرآن
البقرة / الآية 284

 الآية 284
 

الآيــــة

{لِّلَّهِ مَا فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الاَْرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(284).

معاني المفردات

{تُبْدُواْ}: تظهروا ما في نفوسكم من السوء أو العزم عليه.

{تُخْفُوهُ}: تستروه.

{يُحَاسِبْكُم}: يجازيكم.

* * *

رقابة الله المطلقة ومسؤولية الإنسان

في هذه الآية إيحاءٌ للإنسان بالتطلع الدائم إلى ما يشتمل عليه الكون من قوى كونية تفرض على القلب سيطرتها، أو في ما يتمثل فيه من ظواهر طبيعية تأخذ بالنفس والفكر في ما يشبه الرهبة والدهشة، أو ما تتحرك فيه من طاقات متنوعة تثير في روحه الكثير الكثير من المشاعر والأحاسيس التي تربطه بالأشياء، الأمر الذي يوحي له بالخضوع والعبادة.

إن هذه الآية وأمثالها، توحي للإنسان بدراسة القدرة الخلاّقة التي تكمن خلف كل هذه القوى والظواهر، ليعرف بأن الله هو الذي يملك ما في السموات وما في الأرض من هذا كله، لأنه هو الذي أبدعها وخلقها، الأمر الذي يجعل كل مشاعر الدهشة والتعظيم والتقديس، موجهة إلى الله سبحانه في ذلك كله، فيشعر الإنسان أمامها بالحرية والثقة الكبيرة، لأنه يقف أمامها على قدم المساواة في عبوديته لله، بل ربما يشعر بالتفوّق عليها من خلال الفكرة الدينية التي تقول له بأنها مسخرة له في حياته.

ولكن هذا الإيحاء لا يتجمد أمام هذه المشاعر، بل ينطلق ليجعل الإنسان وجهاً لوجه أمام حركة المسؤولية في حياته الداخلية والخارجية، باعتباره قوة من قوى الكون العاقلة المسؤولة التي يريدها الله أن تدخل في النظام الكوني الشامل على أساس الإرادة والاختيار المرتبط بعبودية الإنسان لله، فيمتد ذلك في إحساسه بالرقابة الدقيقة لخلفيات الأعمال في داخل النفس، فلا يكتفي بالنظر إلى ظواهرها. وينطلق الحساب في هذا الاتجاه، ما يجعل الإنسان منضبطاً أمام تكاليفه الشرعية في أعماله التي يتحمل مسؤوليتها أمام الله إذا عصى وتمرّد، فله تعالى الحكم الأول والأخير، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، من دون أن يتدخل أحد في إرادته، وهو القادر على كل شيء في ذلك وفي غيره، فليخضع الإنسان للقدرة المطلقة، وليطلب من الله العفو والمغفرة.

* * *

الحساب على ما يخفيه الإنسان

وقد أثارت هذه الآية كثيراً من الجدل بين المفسرين، وذلك من خلال دلالتها على أن الله يحاسب الإنسان على ما في نفسه مما يبديه أو مما يخفيه، وهذا ما قد لا يرتضيه الكثيرون. على أساس أن الجزاء بالعقاب على الأعمال لا على النيات.

فلذلك ذهب البعض إلى أنها منسوخة لأن ظاهرها المحاسبة على كل ما يرد في القلب، وهو تكليف بما لا يطاق، مرفوع بقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286]. ومنهم من ذهب إلى ارتباطها بآية كتمان الشهادة، أو اختصاصها بالكفار، ومنهم من فسر المحاسبة بمعنى الإخبار لا العقاب.

وكل هذه الوجوه بعيدة، لأن النسخ يتوقف على إمكانية التكليف بما لا يطاق مما لا يقدر عليه الإنسان مطلقاً، وهو مستحيل عقلاً، فكيف يمكن أن يشرعه الله ثم ينسخه، ولأن ارتباطها بآية كتمان الشهادة أو اختصاصها بالكفار مما لا دليل عليه من اللفظ، أما تفسير المحاسبة بالإخبار لا بالعقاب، فهو خلاف الظاهر.

وذهب صاحب تفسير الميزان إلى القول: «إنّ الآية إنما تدل على المحاسبة بما في النفوس، سواء اَظهر أو أُخفي، وأمّا كون الجزاء في صورتي الإخفاء والإظهار على حد سواء، وبعبارة أخرى: كون الجزاء دائراً مدار العزم، سواء فُعِلَ أو لم يفعل، وسواء صادف الواقع المقصود أو لم يصادف، كما في صورة التجري مثلاً، فالآية غير ناظرة إلى ذلك[1]. وخلاصته أن الآية تتعرض للمحاسبة على ما في النفس كمبدأ من دون الدخول في شروط ذلك، فلا مانع من ورود دليل آخر يدل على اشتراط الحساب بالعمل. وهذا قريب إلى الصواب، ولكن الظاهر أن هذه الآيات واردة في سياق الحديث عن الحساب على العمل من خلال نوع النيّة الدافعة إليه، بعد أن قرر القرآن الكريم في أكثر من آية ورود الحساب عليه، تماماً كما هو الحديث المشهور: «فإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى»[2] أو الحديث المعروف: «إن الله يحشر الناس على نياتهم يوم القيامة»[3]، والله العالم بحقائق آياته.

ـــــــ

(1) تفسير الميزان، ج:2، ص:442.

(2) البحار، م:23، ج:64، ص:73، باب:3، رواية:21.

(3) البحار، م:24، ج:67، ص:123، باب:53، رواية:29.