من الآية 35 الى الآية 41
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِني وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* رَّبَّنَآ إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مَّنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ* رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَيءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ في السَّمَآءِ* الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبّي لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ* رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصّلاةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ* رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} (35ـ41).
* * *
مناجاة إبراهيم ربه بعد بناء البيت
وفي أجواء الإيمان، مع النداء الإلهيّ الذي يدعو فيه عباده للعودة إليه والالتزام بأوامره ونواهيه على الخط المستقيم، الذي يمثله خط الرسالات الذي يبدأ من الله ويسير معه وينتهي إليه، في هذه الأجواء النابضة بالروح الخاشع أمام الله والمتحرك في سبيله، نلتقي بإبراهيم النبي الذي انفتح على الله بكل روحه وعقله وحياته، في موقع المشاعر الذاتية، وفي ملتقى المسؤوليات الكبيرة في الحياة.
إنه الإنسان ـ النموذج، الذي يرجع إلى الله في كل صغيرة وكبيرة، ويبتهل إليه لمواجهة صعوبات الحياة، ومشاكل العمل، واهتزاز الخطى في الطريق، وهو لا يحمل همّاً للذات، بل كل همّه الرسالة، ولا يتعقّد من سيطرة الهموم المتنوعة عليه، بل ينفتح على الله في همومه، ليخفف منها ويعود حُرّاً طليقاً بعيداً عن كل الأغلال النفسية التي تقيّد حرية انطلاق الروح في رحاب الله. إنها قصة السائرين مع الرسالة، فلا مشكلة لهم مع الناس إلا من خلال حركة الرسالة في الحياة، وهذا ما تمثله قصة إبراهيم على أكثر من صعيد.
* * *
دعاء إبراهيم
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا}، وذلك بعد أن وضع الحجر الأساس لبناء هذا البلد، وهو مكة، وأقام فيه البيت الحرام، ليكون المنطلق للمجتمع الجديد الذي يلتقي به من قاعدة الإيمان بالله، وتوحيد العقيدة والعبادة له. ولم يفكر في البداية إلا في الطابع الروحي الذي يريد أن يصبغ هذا البلد، ويميّزه عن بقية البلدان، فقد أراده أن يكون بلد سلام يشعر فيه الناس، مع كل خلافاتهم ونزاعاتهم، بالأمان بين يدي الله، فلا يعتدي إنسان على آخر، بل يعيش تجاهه أحاسيس السلام الروحي القادم من الله، من خلال الممارسة بإشاعة جو السلام وتشريع تحريم القتال فيه.
وإذا كان السلام هو طابع هذا البلد الذي أراده إبراهيم له، فلا بد لهذا السلام من أن يرتكز على قاعدةٍ في الروح وفي الفكر، وأيّ قاعدة أعظم تأثيراً في النفس، وأكثر قوّةً على الثبات، من توحيد الله ورفض عبادة غيره، لأنها القاعدة التي تخطّط للإنسان المنهج الذي تنطلق منه كل مشاريعه العامة والخاصة، في علاقاته بالحياة وبالآخرين، حيث يتأكد شعوره بالتقوى في كل شيءٍ، في أجواء العقيدة الرافضة لشرك الفكر والانتماء، وفي أجواء العمل الرافض لشرك العبادة، وهذا ما عبّر عنه إبراهيم(ع) ـ في ما حكاه الله عنه ـ بقوله:
{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ}، حيث تمثل عبادة الأصنام استجابة لتسويلات الشيطان وما يثيره في مكامن الذات ومشاعرها الحميمة، من دافع للانسجام مع الجو العام الذي يسيطر عليه الشرك، بطريقة تجعل الأجواء الخارجية البعيدة عن الحق مسيطرة على الآفاق الداخلية للذات، فتنحرف عن الخط المستقيم، طلباً لرضى أو تأييد هذا الفريق أو ذاك، وهذا الشخص أو ذاك، لأنهم يملكون السلطة والموقع الاجتماعي المتقدم الذي تضعف مقدرة الذات على الرفض أمامه إلا إذا توفر لها تأييد الله ورعايته له، وهو أمر يتحقق بالابتهال إليه أن يمنح الإنسان القوّة في الموقف الرافض الحاسم، كما يمنح بنيه في الحاضر والمستقبل مثل هذه القوّة في مواجهة كل شركٍ في العقيدة أو في العبادة، من دون فرق بين الأصنام البشرية أو الحجرية أو الخشبية، أو غير ذلك مما اعتاد الناس على عبادته والارتباط به على كل مستوى من مستويات العلاقة النفسية والعملية.
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ} ممن كانوا لا يملكون الوعي المنفتح على حقائق الحياة، ولا يدققون في الأفكار المطروحة عليهم، فلا يلتفتون إلى الخرافة وهي تتحرك في هذه الفكرة أو تلك، تضخيماً لبعض الأشخاص أو الظواهر أو الأشياء، وغير ذلك من أساليب التضليل الفكري والروحي والشعوري، الذي يُخضِع الإنسان لمؤثرات داخلية أو خارجية تملك عليه كيانه وتتوه به.
وهكذا كانت هذه الأصنام مصدر ضلال للكثيرين من الناس، من خلال الفكرة الضالّة التي أريد لها أن تحكم صورتها.. فإن الصنمية فكرة يحركها الوهم والخيال لا الواقع. وقد تكون المشكلة فيها أنّها تفصل إحساس الإنسان بالشيء عن واقع ذاك الشيء شكلاً ومضموناً، بحيث يضخم الإحساس من حجم صورته إلى درجة تفقد الإنسان التوازن في التعامل معه.
ولعل من أفضل أساليب مواجهة الصنمية، العمل على تعرية موضوعاتها من كل التهاويل التي أحاطت بها، والأسرار التي أثيرت فيها، والمشاعر التي تحركت حولها، ليعرفها الناس بحجمها العادي، تماماً كأي شخص آخر، وكأيّ حجر آخر، أو أيّة ظاهرةٍ أخرى، وذلك بالأسلوب الحكيم الذي يعرف كيف يواجه الخرافة، بالمنطق العقلي الهادىء البعيد عن عنصر الإثارة الانفعالية.
{فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}، من هؤلاء المؤمنين الواعين الذين يدرسون الوقائع من موقع خصائصها الحقيقيّة التي تكشف أن الله هو خالق كل شيء، وأن كل من عداه في الكون مخلوق له، وأن بين حقيقة الخالق والمخلوق فرقاً شاسعاً لا مجال معه لمنح المخلوق صفة الخالق، ولا النزول بالخالق إلى مستوى المخلوق، وأن الضعف أمام مثل هذه الأضاليل لا يبرر الانحراف، ولا يمثل حجّة أمام الله، بل لا بد للإنسان من أن يأخذ بأسباب القوّة المتوفرة بكثرة لاكتشاف الحقيقة، واتباع دعوة الأنبياء في توحيد الله في كل شيءٍ، والاندماج الروحي بهم، من خلال الالتزام الكامل بدعوتهم.
{وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، لأن المسألة لا تتعلق بالجانب الذاتي ليعود الأمر إليّ كشخص، بل تتعلق بالجانب الرسالي المتصل بالله. وبذلك فإن المسألة تعود إلى الله، فهو الذي يملك عقابهم على معصيتهم له وابتعادهم عن خط طاعته، وهو الذي يملك المغفرة والرحمة لهم، إما بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ليملكوا الرحمة من خلال أسبابها، وإما بالتفضُّل عليهم بها تبعاً لمقتضيات الحكمة. وإذا كان الله قد تحدث في القرآن أنه لا يغفر لمن يشرك به، فإن ذلك لا يعني استحالة ذلك منه، كما لا يعني أن طلب إبراهيم ذلك منه يمثل انحرافاً، لأنه خاطب الله بإرجاع الأمر إليه، من موقع القلب المفتوح المتسامح الذي تنفتح فيه الروح النبويّة على الحياة كلها وعلى الآخرين بكل رحابةٍ.
وإذا كان إبراهيم قد بدأ إقامة البلد الجديد على أساس البيت الحرام، ليكون قاعدةً روحيّةً لعبادة الله، للطائفين والركّع السجود، فقد فكر أن يستعين بالله في تحويل قلوب الناس إليه، وإلى هذه الأسرة الصغيرة التي هي جزءٌ من أسرته، لأن المسألة تحتاج إلى الرعاية الإلهية غير العادية، في مثل ظروف هذه الأرض الصعبة، حيث لا زرع فيها ولا كلاء يغري بالمجيء إليها والسكن فيها.
{رَّبَّنَآ إِنّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}، لا من أجل الحصول على مكاسب دنيوية مادية أو معنوية، لأن الأرض لا توفر الفرصة لذلك، {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصّلاةَ} ليعمّروا البيت الحرام بالعبادة، وليعلّموا الناس مناسكهم، فيألف الناس من خلالهم الحج إلى هذا البيت استجابةً لنداء إبراهيم الصادر من الله إليه. وهكذا كان ترك النبي إبراهيم أهله هناك دون أيّة رعايةٍ مادّيةٍ مباشرةٍ، ليكونوا الأسرة الأولى التي تمثل قاعدة الحج للبيت الحرام، وكان ذهابه إلى أرض أخرى من أجل إكمال رسالته الشاملة لكل الناس تضحية رسالية من قبله، {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مَّنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيْهِمْ} وتنجذب بعاطفتها الروحية إلى هذه الأرض، لتكون قاعدة تجاريةً وثقافية، بالإضافة إلى كونها قاعدةً روحيةً تدفع الناس للمجيء إليها طلباً للرزق، {وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ} التي تحصل من خلال توارد الناس وتكاثر الوفود، ليطمئنوا إلى رعاية الله لهم، جزاءً لإخلاصهم وطاعتهم، وليعرفوا موقع نعمة الله عليهم،{لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} فيزدادون عبادةً لله وإخلاصاً له، من موقع الشكر العملي المتجسِّد في حركة الحياة المؤمنة المخلصة.
{رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ}، من نوايا وأفكار وتطلعاتٍ وحاجاتٍ تختفي في زوايا قلوبنا ومشاعرنا أو تظهر في كلماتنا وأفعالنا، فلا نحتاج إلى الكلام الكثير معك من أجل أن نظهر لك ما نريد أو نفسّر لك ما نخفي، لأنك العالم بكل شيء. وإذا كنا ندعوك ونبتهل إليك، ونزيد في الإلحاح بطلباتنا عليك، فلأننا نعرف أنك تحبّ منا ذلك لما يمثله من معنى العبادة والخشوع والخضوع، ولما يوحيه إلينا من حقيقة العبوديّة في فقرها إلى المعبود، وحاجتها المطلقة إليه، بمقدار غناه المطلق عنها. فليس عندنا ما نخفيه عنك لأنه ليس هناك في أيّة زاوية من زوايا الوجود ما يخفى عليك، {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ}، فكيف تخفى عليه حاجاتنا الخفية والظاهرة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
{الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} بعد أن انقطع الأمل أو كاد، فاستجاب لدعائي، {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ} لعباده الذين يجد في قلوبهم الإخلاص له، وفي حياتهم الحاجة إليه، في أجواء الاعتماد الكلي عليه روحياً.
{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصّلاةِ وَمِن ذُرِّيَتي} بما تمثله الصلاة من إخلاص عميق لله مصدره الإحساس الواعي بالعبودية له، والانفعال الإيماني، فكراً وشعوراً، بالنداء الإلهيّ الذي يدعوه للسير على الخط المستقيم الذي حدده الله في كتبه وعبر رسله، إنها اللهفة الحارّة الخاشعة الحميمة التي تنساب بكل خشوع المؤمن وخضوعه بين يدي الله، {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ} لأن ذلك هو المظهر الحيّ لرضاك، وللإحساس الروحي، بأنك تقبل عبدك في ساحة رحمتك ولطفك.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} وفي هذا الدعاء ما يعكس انفتاح روحيّة الإنسان المسلم على الناس كلهم، فهو لا يعيش في زاوية ضيّقةٍ، تحددها حاجاته ومصالحه الذاتية، بل يمتد إلى الآخرين، ليطلب من الله الرحمة والمغفرة لهم في الدار الآخرة، ويتطلع إلى والديه من موقع عرفان الجميل، بعيداً عما إذا كانا مؤمنين أو غير مؤمنين، إذا ما صحّ أنّ أب إبراهيم لم يكن مؤمناً، على أساس الظاهر القرآني الذي يوحي بكونه متمرداً على الإيمان والمؤمنين، خلافاً لنظرية جمهور كبير من العلماء الذين يرون فيها أن آباء الأنبياء بأجمعهم من المؤمنين، انطلاقاً من ظاهر الآية الكريمة {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء:219] في خطاب الله للنبيّ الذي ينتمي بنسبه إلى إبراهيم، ويؤولون الآيات التي تتحدث عن والده، بأن الرجل كان عمّاً له في الحقيقة، وإن كان أباً في التربية.
وقد لا نجد مانعاً من دعاء إبراهيم لوالديه، على فرض أنهما كانا كافرين، على أساس الإحساس بالرحمة لهما لا على أساس الشعور باستحقاقهما لذلك؛ والله العالم. من الآية 35 الى الآية 41
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ* رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِني وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* رَّبَّنَآ إِنَّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مَّنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ* رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَيءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ في السَّمَآءِ* الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبّي لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ* رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصّلاةِ وَمِن ذُرِّيَتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ* رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} (35ـ41).
* * *
مناجاة إبراهيم ربه بعد بناء البيت
وفي أجواء الإيمان، مع النداء الإلهيّ الذي يدعو فيه عباده للعودة إليه والالتزام بأوامره ونواهيه على الخط المستقيم، الذي يمثله خط الرسالات الذي يبدأ من الله ويسير معه وينتهي إليه، في هذه الأجواء النابضة بالروح الخاشع أمام الله والمتحرك في سبيله، نلتقي بإبراهيم النبي الذي انفتح على الله بكل روحه وعقله وحياته، في موقع المشاعر الذاتية، وفي ملتقى المسؤوليات الكبيرة في الحياة.
إنه الإنسان ـ النموذج، الذي يرجع إلى الله في كل صغيرة وكبيرة، ويبتهل إليه لمواجهة صعوبات الحياة، ومشاكل العمل، واهتزاز الخطى في الطريق، وهو لا يحمل همّاً للذات، بل كل همّه الرسالة، ولا يتعقّد من سيطرة الهموم المتنوعة عليه، بل ينفتح على الله في همومه، ليخفف منها ويعود حُرّاً طليقاً بعيداً عن كل الأغلال النفسية التي تقيّد حرية انطلاق الروح في رحاب الله. إنها قصة السائرين مع الرسالة، فلا مشكلة لهم مع الناس إلا من خلال حركة الرسالة في الحياة، وهذا ما تمثله قصة إبراهيم على أكثر من صعيد.
* * *
دعاء إبراهيم
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِنًا}، وذلك بعد أن وضع الحجر الأساس لبناء هذا البلد، وهو مكة، وأقام فيه البيت الحرام، ليكون المنطلق للمجتمع الجديد الذي يلتقي به من قاعدة الإيمان بالله، وتوحيد العقيدة والعبادة له. ولم يفكر في البداية إلا في الطابع الروحي الذي يريد أن يصبغ هذا البلد، ويميّزه عن بقية البلدان، فقد أراده أن يكون بلد سلام يشعر فيه الناس، مع كل خلافاتهم ونزاعاتهم، بالأمان بين يدي الله، فلا يعتدي إنسان على آخر، بل يعيش تجاهه أحاسيس السلام الروحي القادم من الله، من خلال الممارسة بإشاعة جو السلام وتشريع تحريم القتال فيه.
وإذا كان السلام هو طابع هذا البلد الذي أراده إبراهيم له، فلا بد لهذا السلام من أن يرتكز على قاعدةٍ في الروح وفي الفكر، وأيّ قاعدة أعظم تأثيراً في النفس، وأكثر قوّةً على الثبات، من توحيد الله ورفض عبادة غيره، لأنها القاعدة التي تخطّط للإنسان المنهج الذي تنطلق منه كل مشاريعه العامة والخاصة، في علاقاته بالحياة وبالآخرين، حيث يتأكد شعوره بالتقوى في كل شيءٍ، في أجواء العقيدة الرافضة لشرك الفكر والانتماء، وفي أجواء العمل الرافض لشرك العبادة، وهذا ما عبّر عنه إبراهيم(ع) ـ في ما حكاه الله عنه ـ بقوله:
{وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ}، حيث تمثل عبادة الأصنام استجابة لتسويلات الشيطان وما يثيره في مكامن الذات ومشاعرها الحميمة، من دافع للانسجام مع الجو العام الذي يسيطر عليه الشرك، بطريقة تجعل الأجواء الخارجية البعيدة عن الحق مسيطرة على الآفاق الداخلية للذات، فتنحرف عن الخط المستقيم، طلباً لرضى أو تأييد هذا الفريق أو ذاك، وهذا الشخص أو ذاك، لأنهم يملكون السلطة والموقع الاجتماعي المتقدم الذي تضعف مقدرة الذات على الرفض أمامه إلا إذا توفر لها تأييد الله ورعايته له، وهو أمر يتحقق بالابتهال إليه أن يمنح الإنسان القوّة في الموقف الرافض الحاسم، كما يمنح بنيه في الحاضر والمستقبل مثل هذه القوّة في مواجهة كل شركٍ في العقيدة أو في العبادة، من دون فرق بين الأصنام البشرية أو الحجرية أو الخشبية، أو غير ذلك مما اعتاد الناس على عبادته والارتباط به على كل مستوى من مستويات العلاقة النفسية والعملية.
{رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ} ممن كانوا لا يملكون الوعي المنفتح على حقائق الحياة، ولا يدققون في الأفكار المطروحة عليهم، فلا يلتفتون إلى الخرافة وهي تتحرك في هذه الفكرة أو تلك، تضخيماً لبعض الأشخاص أو الظواهر أو الأشياء، وغير ذلك من أساليب التضليل الفكري والروحي والشعوري، الذي يُخضِع الإنسان لمؤثرات داخلية أو خارجية تملك عليه كيانه وتتوه به.
وهكذا كانت هذه الأصنام مصدر ضلال للكثيرين من الناس، من خلال الفكرة الضالّة التي أريد لها أن تحكم صورتها.. فإن الصنمية فكرة يحركها الوهم والخيال لا الواقع. وقد تكون المشكلة فيها أنّها تفصل إحساس الإنسان بالشيء عن واقع ذاك الشيء شكلاً ومضموناً، بحيث يضخم الإحساس من حجم صورته إلى درجة تفقد الإنسان التوازن في التعامل معه.
ولعل من أفضل أساليب مواجهة الصنمية، العمل على تعرية موضوعاتها من كل التهاويل التي أحاطت بها، والأسرار التي أثيرت فيها، والمشاعر التي تحركت حولها، ليعرفها الناس بحجمها العادي، تماماً كأي شخص آخر، وكأيّ حجر آخر، أو أيّة ظاهرةٍ أخرى، وذلك بالأسلوب الحكيم الذي يعرف كيف يواجه الخرافة، بالمنطق العقلي الهادىء البعيد عن عنصر الإثارة الانفعالية.
{فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي}، من هؤلاء المؤمنين الواعين الذين يدرسون الوقائع من موقع خصائصها الحقيقيّة التي تكشف أن الله هو خالق كل شيء، وأن كل من عداه في الكون مخلوق له، وأن بين حقيقة الخالق والمخلوق فرقاً شاسعاً لا مجال معه لمنح المخلوق صفة الخالق، ولا النزول بالخالق إلى مستوى المخلوق، وأن الضعف أمام مثل هذه الأضاليل لا يبرر الانحراف، ولا يمثل حجّة أمام الله، بل لا بد للإنسان من أن يأخذ بأسباب القوّة المتوفرة بكثرة لاكتشاف الحقيقة، واتباع دعوة الأنبياء في توحيد الله في كل شيءٍ، والاندماج الروحي بهم، من خلال الالتزام الكامل بدعوتهم.
{وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}، لأن المسألة لا تتعلق بالجانب الذاتي ليعود الأمر إليّ كشخص، بل تتعلق بالجانب الرسالي المتصل بالله. وبذلك فإن المسألة تعود إلى الله، فهو الذي يملك عقابهم على معصيتهم له وابتعادهم عن خط طاعته، وهو الذي يملك المغفرة والرحمة لهم، إما بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ليملكوا الرحمة من خلال أسبابها، وإما بالتفضُّل عليهم بها تبعاً لمقتضيات الحكمة. وإذا كان الله قد تحدث في القرآن أنه لا يغفر لمن يشرك به، فإن ذلك لا يعني استحالة ذلك منه، كما لا يعني أن طلب إبراهيم ذلك منه يمثل انحرافاً، لأنه خاطب الله بإرجاع الأمر إليه، من موقع القلب المفتوح المتسامح الذي تنفتح فيه الروح النبويّة على الحياة كلها وعلى الآخرين بكل رحابةٍ.
وإذا كان إبراهيم قد بدأ إقامة البلد الجديد على أساس البيت الحرام، ليكون قاعدةً روحيّةً لعبادة الله، للطائفين والركّع السجود، فقد فكر أن يستعين بالله في تحويل قلوب الناس إليه، وإلى هذه الأسرة الصغيرة التي هي جزءٌ من أسرته، لأن المسألة تحتاج إلى الرعاية الإلهية غير العادية، في مثل ظروف هذه الأرض الصعبة، حيث لا زرع فيها ولا كلاء يغري بالمجيء إليها والسكن فيها.
{رَّبَّنَآ إِنّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ}، لا من أجل الحصول على مكاسب دنيوية مادية أو معنوية، لأن الأرض لا توفر الفرصة لذلك، {رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصّلاةَ} ليعمّروا البيت الحرام بالعبادة، وليعلّموا الناس مناسكهم، فيألف الناس من خلالهم الحج إلى هذا البيت استجابةً لنداء إبراهيم الصادر من الله إليه. وهكذا كان ترك النبي إبراهيم أهله هناك دون أيّة رعايةٍ مادّيةٍ مباشرةٍ، ليكونوا الأسرة الأولى التي تمثل قاعدة الحج للبيت الحرام، وكان ذهابه إلى أرض أخرى من أجل إكمال رسالته الشاملة لكل الناس تضحية رسالية من قبله، {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مَّنَ النَّاسِ تَهْوي إِلَيْهِمْ} وتنجذب بعاطفتها الروحية إلى هذه الأرض، لتكون قاعدة تجاريةً وثقافية، بالإضافة إلى كونها قاعدةً روحيةً تدفع الناس للمجيء إليها طلباً للرزق، {وَارْزُقْهُمْ مِّنَ الثَّمَرَاتِ} التي تحصل من خلال توارد الناس وتكاثر الوفود، ليطمئنوا إلى رعاية الله لهم، جزاءً لإخلاصهم وطاعتهم، وليعرفوا موقع نعمة الله عليهم،{لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} فيزدادون عبادةً لله وإخلاصاً له، من موقع الشكر العملي المتجسِّد في حركة الحياة المؤمنة المخلصة.
{رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ}، من نوايا وأفكار وتطلعاتٍ وحاجاتٍ تختفي في زوايا قلوبنا ومشاعرنا أو تظهر في كلماتنا وأفعالنا، فلا نحتاج إلى الكلام الكثير معك من أجل أن نظهر لك ما نريد أو نفسّر لك ما نخفي، لأنك العالم بكل شيء. وإذا كنا ندعوك ونبتهل إليك، ونزيد في الإلحاح بطلباتنا عليك، فلأننا نعرف أنك تحبّ منا ذلك لما يمثله من معنى العبادة والخشوع والخضوع، ولما يوحيه إلينا من حقيقة العبوديّة في فقرها إلى المعبود، وحاجتها المطلقة إليه، بمقدار غناه المطلق عنها. فليس عندنا ما نخفيه عنك لأنه ليس هناك في أيّة زاوية من زوايا الوجود ما يخفى عليك، {وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فَي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَآءِ}، فكيف تخفى عليه حاجاتنا الخفية والظاهرة، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
{الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ} بعد أن انقطع الأمل أو كاد، فاستجاب لدعائي، {إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَآءِ} لعباده الذين يجد في قلوبهم الإخلاص له، وفي حياتهم الحاجة إليه، في أجواء الاعتماد الكلي عليه روحياً.
{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصّلاةِ وَمِن ذُرِّيَتي} بما تمثله الصلاة من إخلاص عميق لله مصدره الإحساس الواعي بالعبودية له، والانفعال الإيماني، فكراً وشعوراً، بالنداء الإلهيّ الذي يدعوه للسير على الخط المستقيم الذي حدده الله في كتبه وعبر رسله، إنها اللهفة الحارّة الخاشعة الحميمة التي تنساب بكل خشوع المؤمن وخضوعه بين يدي الله، {رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَآءِ} لأن ذلك هو المظهر الحيّ لرضاك، وللإحساس الروحي، بأنك تقبل عبدك في ساحة رحمتك ولطفك.
{رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ} وفي هذا الدعاء ما يعكس انفتاح روحيّة الإنسان المسلم على الناس كلهم، فهو لا يعيش في زاوية ضيّقةٍ، تحددها حاجاته ومصالحه الذاتية، بل يمتد إلى الآخرين، ليطلب من الله الرحمة والمغفرة لهم في الدار الآخرة، ويتطلع إلى والديه من موقع عرفان الجميل، بعيداً عما إذا كانا مؤمنين أو غير مؤمنين، إذا ما صحّ أنّ أب إبراهيم لم يكن مؤمناً، على أساس الظاهر القرآني الذي يوحي بكونه متمرداً على الإيمان والمؤمنين، خلافاً لنظرية جمهور كبير من العلماء الذين يرون فيها أن آباء الأنبياء بأجمعهم من المؤمنين، انطلاقاً من ظاهر الآية الكريمة {وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ} [الشعراء:219] في خطاب الله للنبيّ الذي ينتمي بنسبه إلى إبراهيم، ويؤولون الآيات التي تتحدث عن والده، بأن الرجل كان عمّاً له في الحقيقة، وإن كان أباً في التربية.
وقد لا نجد مانعاً من دعاء إبراهيم لوالديه، على فرض أنهما كانا كافرين، على أساس الإحساس بالرحمة لهما لا على أساس الشعور باستحقاقهما لذلك؛ والله العالم.
تفسير القرآن