المقدمة
سورة مريم
مكية وهي ثمان وتسعون آية
سبب التسمية
لقد أُريد لاسم مريم بنت عمران أن يكون عنواناً لهذه السورة، لأن الله تحدث فيها عن قصة ولادتها لعيسى(ع) بما يتمثل فيها من أجواء روحية، وما يحيط بها من أوضاع غيبيّة، وما يهيمن عليها من إعجاز، ما يجعل قصته تتصل بأكثر من بُعدٍ من أبعاد العقيدة، في عالم الغيب والشهود.
وربما كانت هناك غاية أخرى من تسمية السورة باسمها، وهي التذكير بهذه المرأة الطاهرة التي عاشت الإيمان في طفولتها وشبابها، في ابتهال خاشع مع الله، في محرابها الذي كان موقعاً من مواقع الفيض الإلهي بالرحمة، واللطف، والعطاء الروحي الذي كان ينهمر عليها من كل جانب. ولهذا فإنها كانت تعيش هذا اللطف الإلهي بعمق في الروح، وامتدادٍ في الفكر، فلا نستغرب حصول أي شيء معجز في حياتها، خلافاً للاّتي يعشن الإيمان بطريقة تقليدية محدودة، ونظرة ذاتية مغلقة.
هذا بالإضافة إلى أن ذلك كله يجعلها الإنسانة الوحيدة في عصرها التي يمكن أن تكون موضعاً لكرامة الله، وإظهار قدرته، في خلق هذه الظاهرة الإنسانية الجديدة وهي ولادة عيسى (ع) من دون أب. فإن تاريخ مريم الناصع الذي يتفايض بالطهر والعفاف يجعل إمكانية اتهامها بالزنى أمراً بعيداً جداً ويقرب فكرة الإعجاز الغيبي بطريقة لا تقبل تأكيد الشك بها، وإن كانت لا تمنع من إثارته، والله العالم.
* * *
فـي أجـواء السورة
أما أغراض هذه السورة، فهي أغراض السور المكية التي تعمل على تحريك الجانب العقيدي بأسلوب التبشير والإنذار، ومحاولة التأكيد عليه من خلال تقديم الأنبياء والأولياء بطريقة قصصية، تبرز لنا الأفكار التي كانت تتحرك في ساحة الرسالة والأفكار المضادّة التي كانت تواجه بها، والأساليب التي كان يستخدمها الأنبياء في سبيل الإقناع، إلى جانب الأساليب التي كان يستخدمها الكافرون في إثارة الغبار أمام رسل الله. وتطل من خلال ذلك كله على فكرة التوحيد والشرك في ساحة الصراع العقيدي، لتطرح الخط العريض ثم تتحدث عن التفاصيل عبر نماذج الساحة الواقعية.
وهكذا تطوف السورة على كل فئات المجتمع على تنوع موقفها من الرسالة، من الذين أفاض الله عليهم بنعمة الهدى والإيمان، والمغضوب عليهم الذين ابتعدوا عن نعم الله ورحمته، والتائبين الذين تراجعوا عن الضلال، وساروا في طريق الهدى المفتوح على كل حق وخير وإيمان، ثم تواجه الجميع بالنتائج الإيجابية والسلبية في مسألة الثواب والعقاب للتائبين وللغاوين. وهكذا تقدم السورة جواً متحركاً يجمع بين الفكرة والواقع.
تفسير القرآن