من الآية 7 الى الآية 11
بسم الله الرحمن الرحيم
الآيــات
{يا زَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بغلام اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً* قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غلام وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً* قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً* قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً* فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} (7ـ11).
* * *
معاني المفردات
{بِغُلامٍ}: الغلام: اسم المذكر أول ما يبلغ.
{عِتِيّاً}: مصدر الفعل: عتا يعتو عتوّاً وعتياً، فهو عاتٍ إذا غيّره طول الزمان إلى حال الجفاف واليباس، ومعناه: أنه بلغ من الكبر إلى حالٍ يبست معها مفاصله وعظامه.
{آيَةً}: علامة.
{الْمِحْرَابِ}: المصلّى.
* * *
الله يستجيب لزكريا ويبشره بغلام
واستجاب الله دعاءه، وحملت امرأته بعد يأس طويل، وأوحى الله إليه بذلك بطريقة خاصة. ولم يكن ينتظر الاستجابة الإيجابية بمثل هذه السرعة.
{يا زَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بغلام اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً} فقد أراد الله ألا يخيب أملك فيه، ورجاؤك في رحمته، فرزقك ولداً ذكراً سويَّا، ومنحه اسماً لم يحمله أحد من قبله، فماذا تريد بعد ذلك وقد منحك الله كرامته التي يخص بها عباده الصالحين، وأنبياءه المرسلين؟
* * *
زكريا يتساءل متعجباً
{قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً} فقد غيرني الزمان إلى حالة لم يبق لي معها شيء من الحيوية فصرت تماماً كالعود اليابس الذي لا خضرة فيه ولا حياة، فكيف يمكن أن أهب الحياة لغيري في مثل هذه الظروف الصعبة؟ وكأن زكريا قد فوجىء بأمر لم يكن ينتظره لأنه لم يحسب أن الإنجاب يتم بمثل هذه السهولة، وأن الدعاء يستجاب بهذه السرعة، وأن ما كان مستحيلاً في نظره أصبح واقعاً في حياته. وربما كان يتصور أن دعاءه بالولد يدخل في نطاق التمنيات التي يتحدث بها الإنسان إلى ربه، دون أن يكون له طمع كبير في تحققها، لا لأنه يشك في قدرة الله على ذلك، بل لأنه لا يعتقد أن الله يتدخل في الأمور بشكل مباشر لمصلحة شخص معين، بعد أن جعل الحياة كلها خاضعة للسنن الكونية في وجودها وفي حركتها العامة والخاصة. وهذا ما جعل السؤال ينطلق منه في ما يشبه الصراخ العنيف، كما توحي الآية.
{قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ} وهذا ما سمعه من الصوت الخفي الذي كان يتحدث إليه دون أن يرى أحداً أمامه، ولم يكن الله هو من كان يكلمه بل شخص آخر غيره، قد يكون ملكاً، أو أي شيء آخر، {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} فلن يصعب على الله أن يبدع القدرة فيك وفي زوجتك على إنجاب ولد بعد هذا العمر الطويل، {وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} فكيف تواجه فكرة الإنجاب في هذا العمر بما يشبه المفاجأة؟
وربما أراد زكريا أن يشعر بالطمأنينة القلبية إلى أن هذا الوحي الذي يلقى إليه ـ بواسطة هذا الصوت الذي سمعه ولم يرَ صاحبه ـ هو وحي الله، وأراد أن يستوثق لقناعته، فطلب آية لا يستطيع غير الله أن يحققها، لأنها تتصل بوحدانية القدرة لديه.
{قَالَ رَبِّ اجْعَل لِي آيَةً} ترتاح إليها نفسي ويطمئن لها قلبي، فأعرف أن هذه البشارة، المعجزة، هي منك، وحدك، حيث تكون هذه المعجزة دليلاً أكيداً على المعجزة القادمة، {قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً} وذلك بأن يحتبس لسانك وتعجز عن النطق طوال هذه المدة، دون أن يكون وراء ذلك علة أو صدمة، سوى قدرة الله، وفي عجزك ذاك آية دالة على أن كل ما بك وما ينتظرك هو من الله، وذلك مماثل لصوم الصمت الذي كان الناس يقومون به وفاءً لنذر، أو اختياراً. وهكذا تم له ما أراد، وعرف سر قدرة الله في نفسه، وسر رحمة الله في قصته. وتفاعل الشعور بعظمة الله في نفسه حتى تحول الموقف النفسي عنده إلى موقف عملي في الدعوة إلى تسبيح الله في الصباح والمساء، في ما يوحي به التسبيح من التعبير عن عظمة الله في الكون، {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ} في ما يشبه الفرحة الكبرى، {فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً} لأن التسبيح بما يعنيه من استلهام عظمة الله من عظمة خلقه، وبما يشيعه من إحساس بالخشية من الله هو السبيل للالتزام الواعي بالخط المستقيم.
تفسير القرآن