تفسير القرآن
مريم / ممن الآية 16 إلى الآية 21

 من الآية 16 الى الآية 21

الآيــات

{وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً* فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً فأرسلنا إليها رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً* قَالَتْ إِنّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً* قَالَ إنما أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأهب لَكِ غلاما زَكِيّاً* قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غلام وَلَمْ يمسسني بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً* قَالَ كَذلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} (16ـ21).

* * *

معاني المفردات

{انتَبَذَتْ}: اعتزلت.

{مَكَاناً شَرْقِياً}: إلى جهة الشرق.

{حِجَاباً}: الحجاب: ما يحجب الشيء ويستره عن غيره، وقد يكون المراد به هنا: الانقطاع عن الغير والاعتكاف للعبادة.

{سَوِيّاً}: كامل البنية.

{أَعُوذُ}: أعتصم.

{بَغِيّاً}: البغي: الزنى، وهو هنا كناية عن النكاح.

{مَّقْضِيّاً}: محتوماً.

* * *

مريم(ع) في أجواء المعجزة الإلهية

وهذه قصة أخرى في أجواء المعجزة الإلهية، وهي تختلف عن قصة زكريا في أنها تتحدى المألوف في عملية الخلق، ذلك أن الخليقة بدأت بحفنة من طين نفخ الله فيها من روحه فكان آدم، وكانت حواء، دون أب أو أم، ثم كان التوالد على أساس التقاء الرجل والمرأة ليكون الإنسان نتيجة هذا اللقاء الزوجي. واستمرت البشرية في هذا الخط حتى أصبح القاعدة التي تحكم التصور كما تحكم الواقع.

وجاءت قصة ولادة مريم(ع) لعيسى(ع) لتخرق هذا القانون الطبيعي بقوة، ولتعرف البشرية مخلوقاً ولد من أم دون أب، ولتفرض ولادته تصوراً جديداً في أجواء العقيدة، من خلال التعمُّق في فهم سر قدرة الله في عملية الإيجاد المتنوع في كل مظاهره الدالة على وحدانية الله وقدرته، حيث لا تمنع إلفة الوضع الطبيعي للتناسل من التفكير الدقيق في إعجاز الأساس الذي أودع في لقاء النطفة بالبويضة سر الحياة التي ينشأ عنها الإنسان. وبذلك لا يكون في إعجاز الخلق فرق، بين خلق آدم وخلق عيسى، وخلق الناس بالطريقة العادية، بل كل ما هناك أننا ألِفْنَا المعجزة في بعض صورها، ولم نألفها في البعض الآخر.

وقد جعل الله السيدة العذراء مريم(ع) عنوان القصة، لأن حركة الخلق انطلقت منها ومعها، وحملت أكثر الملامح اتصالاً بها، من حيث المضمون والموقف، ومن حيث الإيحاءات الروحية في مسألة تقديم النموذج الأمثل للمرأة من خلال الإنسانة المؤمنة التي يتحول ضعفها الأنثوي بفضل الإيمان والرعاية الإلهية إلى عنصر قوة وثبات.

{وَاذْكُرْ في الْكِتَابِ مَرْيَمَ} الفتاة العذراء الطاهرة التي عاشت أجواء خدمة الله في بيته، فتعمق إحساسها الإيماني وطهارة فكرها وروحها وشعورها، لما يتفايض من أجواء المعبد على كيان الإنسان المؤمن المتعبِّد من طهارة، وها هي تبرز في موقف جديد لم تختره بإرادتها، ولكنها تحركت نحوه بطريقة تلقائية لاشعورية، {إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً} تماماً كما تخرج أي فتاة لتخلو بنفسها لغرض التأمل أو العبادة أو ممارسة أي نشاط خاص بشكل طبيعي لم يثر انتباه أحد، كما توحي أجواء الآية.

{فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً} لتكتمل لها الخلوة بنفسها، من خلال حاجز خلفه، طبيعي أو صناعي أو صنعته بجهدها لهذا الغرض وأخذت تستسلم لأفكارها، أو لأحلامها، أو لأوضاعها الخاصة، وكانت المفاجأة لها بالمرصاد، وكانت المشكلة النفسية التي هزت كيانها بعنف، {فأرسلنا إليها رُوحَنَا} ومهمته حمل سر القدرة الإلهية على خلق هذا الإنسان الجديد {فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً} كأي بشر آخر، في شكله وملامحه العميقة. وفوجئت وارتعدت، وانتفض الطهر في روحها وفي أعماقها، ليحمي نفسه، ليستعين بشيء أيّ شيء، وهرعت إلى الله تستعين به وتستنجده، فهو الذي منحها هذا التمسك العميق بالحياة الطاهرة العفيفة التي تتمرّد على كل رجس، وهو القادر على أن يحمي فيها هذا الطهر الذي اختارت بإرادتها أن تعيش كل حياتها في دائرته.

* * *

مريم(ع) ولقاء الرّوح

{قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَـنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً} فهو الذي يجيرني منك إذا اجتاح مشاعرك خاطر الشيطان في غريزتك، وهو الذي يمنحك قوة الالتزام بالتقوى كي لا تنجرف أمام نداء الشهوة في جسدك، إن كنت ممن يعيشون التقوى فكراً وروحاً ومسؤولية حياة أمام الله.

وانتظرت ردة الفعل منه، هل يستجيب لها، في ما يلهمه الله من تقوى وهداية، وفي ما يمنحها الله، من خلاله، من عطف ورعاية؟ وجاءت المفاجأة الثانية، بشكل أعنف، ولكن بطريقة أخرى. {قَالَ إنما أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأهب لَكِ غُلاماً زَكِيّاً} وفزعت فزعاً شديداً، يوحي بالرعب، وينذر بالهول.. أهو جادّ هذا الرجل؟ هل يقول الصدق أم يكذب؟ كيف يقول إنه رسول ربها؟ ومن هي في الناس حتى يرسل الله لها رسولاً؟! إن ذلك من شأن الأنبياء، وهي ليست بذلك الموقع، هل هي حيلة لخداعها للتغرير بها لتتقبل الموقف في شعور بالقداسة؟ ثم ماذا يقول؟ إنه يعبر عن مهمته بأنه يريد أن يهب لي غلاماً زكياً. وكيف يحدث ذلك للفتاة العذراء دون أن تكون على علاقة بأي رجل، وهي العذراء الطاهرة التي لم يحدث معها ذلك ولن تسمح له بأن يحدث؟!

وهتفت بكل ذعر: {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غلاَمٌ وَلَمْ يمسسني بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} فلم أتزوج من قبل لأنجب غلاماً من علاقتي الزوجية كبقية النساء المتزوجات، {وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً} كالنساء المنحرفات اللاتي يتصلن بالرجال خارج نطاق العلاقة الشرعية. ولكنه قطع لها حدوث ذلك، وأوحى إليها بأنه أمر يتجاوز المألوف، وسر لا يحيط به الناس، فليس الغلام الذي ستنجبه وليداً يولد على طريقة التوالد الطبيعي، بل هو معجزة إلهية أكرمها الله بها فجعلها موضعاً لها، ولا بد أن تنظر إليها من هذا الجانب، بوصفها تجلياً للقدرة الإلهية التي تتجاوز الأسباب الطبيعية المعتادة، تماماً كما هي قصة خلق آدم.

{قَالَ كَذلِكَ قَالَ رَبُّكَ} فهي رسالةٌ موجهةٌ إليك في ما يعبرِّ عنه قول الله من إرادته التكوينية التي يقول فيها للشيء كن فيكون، {هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ} فلا يعجزني شيء في وجوده، ولا في خصوصياته، لأنني القادر الذي لا يعجزه شيء مهما كان عظيماً، {وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ} يدركون فيها سر القدرة من خلال عظمة الخلق، {وَرَحْمَةً مِّنَّا} في ما نريد أن نعدَّه له من دور في حمل الرسالة للناس، وفي رفع مستواهم الروحي والفكري والحياتي... وتلك هي الإرادة الإلهية الحاسمة التي لا مجال للشك فيها، ولا للتراجع عنها، {وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً} فلا مجال للمناقشة أو الاعتراض لأنها إرادة الله وقضاؤه، وعلى العباد الخضوع له.