تفسير القرآن
مريم / من الآية 22 إلى الآية 26

 من الآية 22 الى الآية 26

الآيــات

{فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَآءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً* فَنَادَاهَا مِن تحتها أَلاَّ تحزني قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً* وهزي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً* فَكُلِى وأشربي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} (22ـ26).

* * *

معاني المفردات

{قَصِيّاً}: بعيداً.

{فَأَجَآءهَا}: جاء بها، كناية عن الدفع والإلجاء.

{الْمَخَاضُ}: الطّلق، ووجع الولادة.

{نَسْياً}: النَّسْي: الشيء الحقير الذي يُنسى.

{سَرِيّاً}: لكلمة سري عدة معان في اللغة منها: القائد، والشريف الرفيع، وجدول الماء وهو المعنى الأنسب هنا.

{جَنِيّاً}: الجنيّ من الثمر: ما نضج وصلح للاجتناء والقطف، وقد يقال لما جني من ساعته.

* * *

المولود المعجزة

وتمت كلمة الله، ودخلت مريم في عالم جديد مبهم، لا تعرف لا طبيعته ولا مدى خطورته، بل كل ما كانت تشعر به أنها مقبلة على جو معقّد، ولكنها سلمت أمرها لله، واندمجت في التجربة، وحاولت أن تغيب فترة الحمل عن المجتمع.

{فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً} بعيداً عن الناس، حتى لا تثير انتباه أحد. ومرت الأيام...، فلم يعِّرفنا القرآن الكريم، هل استكمل الحمل المدة المقررة له، أو أن الزمن كان قصيراً، {فَأَجَآءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ} أي فاجأها الطلق الذي يسبق الولادة، وحملها ما أخذت تعانيه من ألم إلى جذع النخلة لشعورها آنذاك بالحاجة إلى شيء صلب تستند إليه لتكتسب قوة وتماسكاً، وولدت عيسى(ع) في ما يشبه الصدمة لمشاعر مريم(ع)، وتحرك الضعف الأنثوي فيها ليثير في داخلها الإحساس بالعجز عن مواجهة هذا الحدث الذي لا تملك أن تدافع عن طبيعته أمام الناس، فهم لا يفهمون سرَّ الإعجاز الإلهي الكامن فيه، بل يرون فيه مظهر انحراف في أخلاقيتها وسقوط في شرفها، ونقص في عفتها، لما توحي به أمثال هذه الحادثة من وجود علاقةٍ غير شرعية، ما دام احتمال نشوء المولود عن علاقةٍ زوجيةٍ معلنةٍ أمراً غير وارد في الموضوع.

وشعرت أن المسألة أكبر من طاقتها لا سيما وهي تعيش الوحدة، فلا أنيس تأنس به وتشكو إليه همومها الجديدة ليخفف عنها، ولا صديق تبحث معه مشكلتها ليساعدها في الحل، فأطلقت صرخة الإنسان الضعيف المسحوق الذي شعر في لحظةٍ كما لو أن الحياة عبء ثقيل عليه، لأنها تحشره في زاوية ضيقة من التجربة الصعبة التي لا يستطيع الخروج منها، أو السيطرة عليها. وكانت تواجه نتيجة هذا الموقف وضعاً اجتماعياً بالغ الصعوبة يهدد سمعتها وكرامتها وموقعها؛ وهكذا {قَالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً} حتى لا أواجه نظرات الاتهام القاسية..

وكانت المفاجأة الأولى التي شكلت انطلاقة هذا الوليد العجائبية، إن مريم سمعت كلاماً لا بكاءً، وتلفتت يميناً وشمالاً فلم ترَ أحداً هنا أو هناك، وإذا بالصوت يأتي من الأسفل، حيث فراش الوليد، إنه يتكلم ليفتح لها باب الرضا والطمأنينة، وليسبغ عليها سكينة الروح، وهدوء المشاعر.

* * *

عيسى(ع) يكلم مريم (ع)

{فَنَادَاهَا مِن تحتها أَلاَّ تَحْزَنِي} من تهاويل المستقبل ومن نظرات الناس وكلامهم، فإن الله الذي أعدك لمثل هذه الكرامة القدسية، لن يتركك وحدك لتواجهي صعوبات الموقف، إذ هو يدافع عن عباده المخلصين المتقين في ما يملكون أمره، فكيف لا يرعاهم في ما لا يملكون شيئاً منه، وها أنت ترين أن الله قد أعد لك كل أسباب الحماية والرعاية، فتطلعي إلى ما أنت فيه، فـ{قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً} والظاهر أن المراد به جدول الماء الذي يترقرق إلى جانبها فتستطيع أن تشرب منه دون أن تحتاج إلى بذل جهد لا تستطيعه في وضعها الخاص. وتلك كرامةٌ بارزةٌ لها، إذ لم يسبق لها أن شاهدته من قبل، {وهزي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً} في غير وقته، أو أنها كانت يابسةً فاخضَّرت وأورقت وأثمرت رطباً جنيا لساعتها، وهذه كرامة ثانية، {فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عيناً} بهذا اللطف الإلهي العظيم، واستقبلي الحياة بروح مطمئنة راضية في ظلال العناية الإلهية، فإنك بعين الله ورعايته، فقد تكفل أمرك في البداية، وسيكفله حتى النهاية.

أمّا الناس، أمّا كلامهم، أمّا نظراتهم القاسية، أمّا اتهاماتهم الظالمة، أمّا ذلك كله، فليس مشكلتك على أيِّ حال، وليس من مسؤوليتك أن تردي على ذلك كله. فالمهم أن تأخذي من ثقتك بالله، روح الشعور بالقوة، والثقة بالموقف، وأن تواجهي الموقف بطريقة اللامبالاة. {فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَـنِ صَوْماً} وهو ما كان يعرف بصوم الصمت، {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً} وبذلك يعرف أن القول هنا بمعنى التعبير بالرمز والإشارة.