تفسير القرآن
مريم / من الآية 27 إلى الآية 33

 من الآية 27 الى الآية 33

الآيــات

{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُواْ يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً* يا أخت هارون مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً* فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ في الْمَهْدِ صَبِيّاً* قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتابَ وجعلني نَبِيّاً* وجعلني مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ وأوصاني بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً* وَبَرّاً بوالدتي وَلَمْ يجعلني جَبَّاراً شَقِيّاً* وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} (27ـ33).

* * *

معاني المفردات

{فَرِيّاً}: أي أمراً عظيماً بديعاً، أو: أمراً قبيحاً منكراً.

{الْكِتَـابَ}: الظاهر أن المراد به هنا: الإنجيل.

* * *

مواجهة مريم(ع) لقومها

وجاءت إلى أهلها، لتواجه التجربة القاسية المريرة، ولتكسر الحاجز النفسي الذي يحول بينها وبين العودة إلى المجتمع، ولكن من مركز القوّة التي أمدّها الله بها، في ما يبرئ ساحتها، ويظهر طبيعة المسألة، ويحلّ الإشكال العالق بالأذهان.

{فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ} وكانت المفاجأة الكبرى لديهم، وبدأ التساؤل لمن هذا الولد الذي تحمله العذراء؟ هل من المعقول أن يكون ولدها، وهي العفيفة الطاهرة التي عاشت حياتها في المحراب، في عبادةٍ خالصةٍ لربها؟! كيف حدث هذا؟ وانقطع الشك باليقين، وبدأ الهجوم.

{قَالُواْ يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً} عظيماً لما توحي به ولادة هذا الصبي من حدث خطير بمستوى المعصية الكبيرة، وهو أمر لا يصدق لولا أن الواقع يؤكِّده بقوة، {يا أخت هارُونَ} الذي تتصل معه بالنسب، أو تشبهه بالصلاح، ماذا دهاك؟ {مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً} بل كانا عفيفين صالحين طاهرين، فمن أين أخذت هذا السلوك السيء؟ {فأَشَارَتْ إِلَيْهِ} بكل هدوء ووداعة وقوة، ليكلموه، وليسألوه، لأنها لا تملك أن تتحدث إليهم، وفاءً بنذرها صوم الصمت. وخيل إليهم أنها تهذي، أو أنها تسخر بهم، {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً} فهل ينطق مثله لينطق هو بالجواب، وما قدر ما يحسن إذا كان يستطيع النطق؟ ولكن انتظارهم لم يطل، وجاءتهم المفاجأة من حيث لا ينتظرون، في ما يشبه الصاعقة.. فقد بدأ الطفل الرضيع توضيح الموقف بكلام واضح صريح.

* * *

عيسى يدفع التهمة عن أمه

{قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وجعلني نَبِيّاً} وهكذا أخذ يتحدث إليهم عن صفته المستقبلية، في ما يريد الله له أن يمارسه من دور، أو يقوم به من مسؤولية، فهو، مهما أحاط خلقه وقدراته من أسرار، لا يبتعد عن كونه عبداً لله، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً إلا به، ولا يتحرك في أي وضع غير عادي إلا بإذنه، فلا مجال للغلو والارتفاع به فوق مستوى البشرية، عند النظر إليه في المستقبل. وهو من موقع عبوديته لله، يتحرك في خط النبوة التي أكرمه الله بها، ويحمل الإنجيل وهو الكتاب الذي يتضمن رسالة الله ووحيه، تلك هي صفة عيسى(ع) الواقعية، التي يعيش فيها بشرية الإنسان، ورسالية النبي، وحركة الوحي في الدعوة. {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ} البركة هي نماء الخير في حياة الناس في ما ينفع البلاد والعباد، وعيسى(ع) كان مباركاً، لما يقدمه للناس من علمٍ نافعٍ يرفع مستواهم، وعمل صالح يغني وجودهم، وينمّي حركتهم، ويحقق لهم مواقع القوة ويحيطها بدائرة أخلاقية تحميها من الانحراف، وتحمي الآخرين من عدوانها.

{وأوصاني بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً} وفي ذلك إشارةٌ إلى عمق هذين العنوانين البارزين في شريعة عيسى(ع): الصلاة بما تؤمنه من سمو الروح عبر ارتفاعها إلى آفاق الله، والزكاة بما تفرضه من احتواء للحرمان الإنساني بالدعم والمساعدة قربة إلى الله. حيث يصبح السمو في آفاق الله مقدمةً للانطلاق إلى الواقع من الموقع نفسه. وهكذا يلتقي الجانب السماوي بالجانب الروحي في مضمون كل الرسالات.

{وَبَرّاً بِوَالِدَتِي} بما يمثله البرّ من رأفةٍ ورحمةٍ ورعايةٍ لهذه الإنسانة التي تحوي أمومتها كل معاني الخير والعطاء، ما يجعل البر هنا اعترافاً بالجميل وعاطفة إنسانية تشمل الوالدين وتمتد إلى كل الناس الآخرين الذين يحسنون إليه من حوله.

{وَلَمْ يجعلني جَبَّاراً شَقِيّاً} في ما يُعبر عنه بالجبروت النفسي من طغيان الفكر والشعور والسلوك، من موقع الإحساس الأناني بأن للذات الحق على الناس، دون أن يكون لأحد الحق عليها.. وما تنتجه الشقاوة من مشاكل للناس في حياتهم وتضغط عليهم بالسوء والعذاب. {وَالسلاَمُ عَلَىَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ} في ما تمثله مرحلة الولادة من وداعة وسلام روحي، وبراءة، تنشر السرور والمرح في ما حولها، وفيمن حولها، {وَيَوْمَ أَمُوتُ} لألقى وجه ربي منفتحاً على الإيمان والخير والطاعة، فأعيش السلام الروحي مع الله عندما أقدم عليه مؤمناً طائعاً مرضياً عنده، {وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً} لأرى في ذلك الموقف كيف يمنحني الله رضوانه لأعيش في رحمته ونعمته في دار السلام.

على هذه الصورة قدم عيسى نفسه إلى الناس الذين أنكروا على والدته أمرها، ولم يبق شيئاً غامضاً في المسألة.. ولم يتحدث القرآن عن رد فعلهم على ذلك، وربما كان السبب فيه، أنهم واجهوا الموقف بإيمان وقناعة، لعدم امتلاكهم لشيء يقولونه في الموضوع، أو لأن الفكرة التي أراد الله إثارتها من خلال القصة، لا تحتاج التطرق إلى هذه النقطة من سياق القصة.